بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

بحـث فـي

زيــارة المـــزارات

وفقـــه الزيـــارات

 

 

كتبه (بالفارسية) الأستاذ الفاضل

حيدر علي قلمداران (القُمِّيّ) (رحمه الله)

 

ترجمه إلى العربية ورتَّبه وهذَّبه وعلَّق حواشيه

سعد محمود رستم

1428 هـ - 2007 م


 

 

 

 

 

 

 

_             نقد وتمحيص أحاديث فضائل الزيارات في ضوء علم الرجال

_             نقد وتمحيص دعاء «الزيارة الجامعة الكبيرة» سنداً ومتناً

_             منشأ تعظيم القبور والغلوّ في الأموات وآثارها السيئة

_             الأحاديث الواردة في النهي عن تعمير القبور والنهي عن الغلوّ

 

 

 

 

 


 

مقدمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله الأطهار وصحبه الأخيار الأبرار ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد،

فلقد أدى انتشار كتاب «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) تأليف أحد الغلاة ويدعى آية الله العظمى السيد أبو الفضل النبوي، في قم/ايران، في الستينات من القرن الماضي (الميلادي)، الذي طرح فيه مؤلفه نظرية الولاية التكوينية المطلقة للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الاثني عشر عليهم السلام، أو المعصومين الأربعة عشر (لدى الشيعة الإمامية)، فاعتبر أن الله جعلهم أمراءَ العالَم ومدبري شؤونه ومقسمي أرزاق العباد والقَيِّمِين على شؤونهم... الخ، فنحا فيه منحىً غاية في الغلوّ والإفراط؛ إلى نهوض المرحوم الأستاذ «حيدر علي قلمداران القُمِّيّ» المجاهد بالقلم واللسان، والمدافع عن حريم التوحيد الناصع، إلى الرد عليه وتزييف دعاويه وبيان مخالفتها للقرآن والسنة وتعاليم الأئمة، فألف كتاباً كبيراً من خمسة مباحث (بالفارسية طبعاً) أسماه «راه نجات از شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث التالية:

1.     «بحث در اختصاص علم غيب به خدا» بحث في اختصاص علم الغيب بالله.

2.     «بحث در ولايت وحقيقت آن» أي بحث في الولاية وحقيقتها.

3.     «بحث در شفاعت وحقيقت آن» أي البحث في الشفاعة وحقيقتها.

4.                    «بحث در باره غلاة» أي البحث حول الغلاة.

5.                    «بحث در باره زيارت» أي البحث حول زيارة المراقد.

ولكن، وكما كان مُتَوَقَّعاً، لم يتمكن من طبع كتابه ونشره، نظراً لما أوجده حراس الخرافات والغلو من عراقيل أمامه حالت دون تمكنه من طباعة الكتاب، فقسَّم تأليفه إلى عدة أقسام، ونضد كل قسم سراً في مطبعة مستقلة من مطابع المدن والبلدات المجاورة لمدينته قم، وأخرج نسخاً منها بصورة مضطربة، دون أن تتاح له إمكانية مراجعتها وتنقيحها فكثرت فيها الأخطاء المطبعية، وكان عدد النسخ محدوداً تم توزيعه بين الأصدقاء والمعارف وعدد قليل من الناس.

وكذلك استفاد المؤلف من فرصة الانفتاح في السنة الأولى من الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م. فقام على عجل بطبع الفصلين الثالث والرابع (حول الشفاعة وحول الغلو والغلاة) في كتاب واحد وكانت الطبعة أيضاً مشوَّشة ومليئة بالأخطاء المطبعية.

ثم قام أصدقاء المؤلف الذين يشاطرونه أفكاره، بعد وفاته، بتنضيد جديد للمبحث الخامس من كتابه المذكور أي بحث زيارة المراقد ونشروه باسم «زيارت وزيارتنامه» (أي زيارة المراقد وأدعية الزيارات) وضمُّوا إليه فصلاً أخذوه من كتاب آخر له لتناسبه مع هذا الكتاب، وأتحفوني بنسخة منه، فقمتُ بترجمته وأسميته (بحث في زيارة المزارات وأدعية الزيارات) وهو الكتاب الحالي، ومما يجدر ذكره أن المرحوم قلمداران في هذا الكتاب وسائر مباحث الكتاب الأصلي (أي: راه نجات از شر غلاة) كان يكتب بأسلوب غاضب ومندفع ولم تخلُ بعض عباراته من شدة وحماس زائد، والكتابة مع العاطفة الملتهبة لها جانب إيجابي وآخر سلبي، أما الإيجابي فهو أن المؤلف ترك المجاملات وكان صريحاً قاطعاً بلا مواربة لم تأخذه في قول كلمة الحق لومة لائم، أما الجانب السلبي فهو أن الكتابة بهذا الدافع تكون عادة مشوشة وغير مرتَّبة حتى أنه لم يضع فصولاً لكتابه بل اكتفى بعناوين وسرد مباحثه تحتها سرداً لم يخلُ أحياناً من التكرار، هذا إضافةً إلى استخدامه أحياناً ألفاظاً غاضبة - كما يلاحظ القارئ - مما لا ينبغي أن تكون في كتاب علمي، فالكتاب العلمي يجب أن يُكْتَبَ بشكلٍ هادئ وعلى نحو مرتب ومنسق، وهذا ما قمت به في الترجمة فلم يقتصر عملي على مجرد الترجمة إلى العربية، بل حقَّقْتُ الكتاب ووثَّقْتُه وهذَّبْتُه وحذفتُ تكراراته وخرَّجْتُ بعض رواياته التي لم يذكر مصدرها، وأحياناً وسَّعتُ اقتباساته التي اختصرها فأوردتها في الترجمة كاملةً لما رأيت فيها من الفائدة، وترجمتُ للشخصيات الهامة المذكورة فيه، ورتَّبته على نحو منطقي بعناوين وضعتُ بعضها من عندي، ولم ألتزم فيه بالترجمة الحرفية بل تلقّفت المعنى الذي يريد إيصاله فعبَّرت عنه بألفاظٍ تناسب العربية حتى لا تكون الترجمة حرفية ركيكة وعسيرة على الفهم، والخلاصة سعيت في خدمة الكتاب وإظهاره بهذه الحلة القشيبة، أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه والحمد لله أولا وآخراً.

المترجم (سعد محمود رستم): 13/شوال/1428 هـ


 

1- تـمـهـيـد

في كتابنا «طريق النجاة من شر الغلاة» أوردنا خمسة أبحاث أحدها حول موضوع الزيارة، وذلك لأن غلاة هذا العصر يستندون في مزاعمهم وأقاويلهم حول الولاية التكوينيَّة وتصرّفات المعصومين الأربعة عشر(1) في ملكوت السماء والأرض إلى بعض الفقرات الواردة في الزيارات، مثل فقرة: «السلام عليك يا عين الله الناظرة! ويده الباسطة!» وأمثالها...

لذا وجدنا لزاماً علينا أن نبحث في أصل مسألة «الزيارة» ومشروعيتها بحثاً علمياً محقَّقاً: فنقول وبالله التوفيق، إنه مما لا شك فيه أن التردد والسفر لزيارات الأضرحة والمشاهد - بالصورة والمراسم التي تتم فيها اليوم - لا أساس لها في دين الإسلام المقدس، وهي قطعاً ليست من أحكام «ما أُنْزِلَ به الكتابُ وأُرْسِلَ به الرسولُ»، ولم يأتِ أيُّ نبيٍّ في شريعته بأحكامٍ حول زيارات المزارات والمشاهد، كما أنه لم يشرع في أي دين من الأديان الإلهية الحقَّة عبادةٌ باسم زيارات العتبات. والشاهد على هذا، الكتبُ السماويةُ الموجودةُ وعدمُ وجود مزارات للأنبياء الإلهيين الذين لا يُعَدُّونَ ولا يُحْصَوْنَ ولا لذراريهم. كما أنه لم تأت في كتاب الله المجيد وقرآنه الحميد أيُّ آيةٍ أو إشارة إلى تلك الأعمال، وكل ما يوجد في هذا الصدد إشارة قد يستفاد منها، صراحةً أو كنايةً، ذمُّ التردُّد لزيارات القبور وهي قوله تعالى: ((ألهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ)) التكاثر(2). فإذا كانت زيارة مراقد الأولياء تتم أحياناً ابتغاء رضوان الله وبما يرضي الله، فإن أكثر ما تتم لأجله زيارات المراقد والأضرحة اليوم أمورٌ شركيَّةٌ نهى عنها الشارع وأعمالٌ ذمَّها الله سبحانه وتعالى توجبُ الحسرةَ والندامةَ يوم الحشر، ومن هنا نفهم لماذا كان التردّد إلى زيارات القبور مذموماً ومكروهاً شرعاً في بداية بعثة خاتم النبيين - صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ -.

و مما يدل بوضوح على ما قلناه: الجملةُ المتواترةُ: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ»، فإذا استندَ مدَّعٍٍ إلى ما جاء في تتمة الحديث من قوله صلوات الله عليه وآله، بعد نهيه: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ»(3)، قلنا:

من البديهي أن زيارة القبور التي تُذَكِّرُ الإنسانَ بالآخرةِ والموتِ مشروعة وممدوحة ولكنها لا علاقةَ لها من قريبٍ ولا من بعيدٍ بتلك الزيارات وشد الرحال إلى الأضرحة الفخمة المزخرفة المزينة بجميع أنواع زينات الدنيا من القبور المرتفعة الملبسة بأقشمة الحرير المذهَّبة، المسيَّجة بالفضَّة المعطَّرة، إلى القباب ورؤوس المآذن المطلية بالذهب، إلى الكريستال الفاخر والسجاد الثمين والشمعدانات الجميلة والثريات المتدلية الفخمة، بل مثل هذه الزيارات تذكّر الإنسان بالدنيا، إذْ فيها دافعٌ قويٌّ للانجذاب نحو حطام الدنيا وزينتها، وشدٌّ للنفس نحو متاعها، إضافة إلى ذلك فإن أمر الشارع في هذه المسألة - أي قوله فزوروها فإنها تذكركم الآخرة - ليس منحصراً بزيارة قبور المؤمنين بل يتساوى فيه زيارة قبور المؤمنين والكفار لأن كلا الزيارتين تذكِّران الإنسان بالموت والآخرة وتدعوه إلى العبرة من أحوال الغابرين، بشرط أن يكون القبر قبراً عادياً وليس بناءً شامخاً عظيماً ومزخرفاً.

ومن جملة ما يدل على نَهْيِ النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) عن زيارات القبور في صدر الإسلام، الحديثُ المشهورُ عن ابن عباس أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ: «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالمتَّخِذِيْنَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»(4).

وإذا تمسك المخالفون بالمفهوم المخالف للآية الكريمة ((وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ...)) (سورة التوبة/84). مستدلين بأن الله تعالى نهى فيها نبيَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أن يقوم على قبر المنافق مما يدُلُّ بمفهوم المخالفة على جواز قيامه على قبر المؤمن!

قلنا: إذا كان هذا المعترض منصفاً وطالباً للحق وليس كالغريق الذي يتشبث بالقشَّة، فإنه يستطيع بتأمل بسيط للآية أن يدرك أن المراد من القيام على القبر فيها، العمل الذي يتم بعد أداء صلاة الجنازة على الميت أي: دفنه ومواراته التراب، ولا علاقة له بالزيارة، كما جاء في اللغة «قام على الأمر»: أقدم عليه.

وبغض النظر عن عدم وجود تشجيع أو تشريع للتردد على الأضرحة وزيارات قبور الصالحين في أي دينٍ أو شريعة إلهية حقة(5)، وعدم وجود مثل هذا الحكم في الكتاب والسنة؛ فإن تاريخ مسلمي صدر الإسلام والسيرة النبوية العطرة ليس فيهما أي خبر عن مثل هذا العمل إلى حد أنه بعد أكثر من ثلاثين أو أربعين سنة من رحلة النبي الأكرم، لمّا ذَهَبَتْ عائشةُ زوجُ النبيِّ إلى زيارة قبر أخيها «عبد الرحمن ابن أبي بكر» - في عهد خلافة معاوية - لامها بعض التابعين وذكَّرَها بِنَهْيِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) عن زيارة القبور، فأخبرته أنه سمح بها بعد ذلك(6)!.

فمثل هذا العمل لم يكن رائجاً في الصدر الأول، ولذلك كان «الشعبي» (أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي المتوفى 104 هـ ق) - الذي يُعتَبر من علماء الإسلام الكبار، وقد لَقِيَ أكثر من مئة وخمسين صحابياً، وأخذ عنهم الحديث -، يقول - كما ينقل عنه ابن بطّال -: «لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر النبيّ [و في رواية: لَزُرْتُ قبرَ ابْنَتِي]»(7).

أي أنه حتى بعد مرور مئة عام على الهجرة لم يكن هناك زيارات جماعيَّة للمراقد بالصورة التي نشأت فيما بعد. ولا ندري متى شاعت هذه البدعة بين المسلمين ومتى راجت كل هذا الرواج بين الشيعة؟ وأما ما قيل من أن أول من زار الإمامَ أبا عبد الله الحسين عليه السلام في كربلاء، كان الصحابي الجليل «جابر ابن عبد الله الأنصاري»، فلا يمكننا أن نصدق مثل هذه الروايات ونستند إليها، وذلك لكثرة الرواة الكذبة والغلاة الذين لا حصر لهم بين رواة تلك الزيارات، وعلى فرض صحة تلك الرواية فليس فيها مطلقاً ما يدل على أنَّ جابرَ إنما زار ذلك القبر متوسلاً متمسِّحاً وبوصفه يؤدي طقساً معيناً..، لاسيما أنه لم يكن لمرقد الإمام الهمام عليه السلام في ذلك الزمن بناءٌ ولا قبَّةٌ ولا ضريحٌ... ولم يقم ذلك الصحابي الجليل بالأعمال التي يقوم بها الزائرون اليوم في حرم ومرقد ذلك الإمام مثل الطواف وطلب الحوائج والاستشفاع...، بل أكثر ما يمكن قوله هو أن جابر زار قبر سيد الشهداء عليه السلام ليدعو الله تعالى الحيّ القيوم له بالرحمة والغفران. وأياً كان الأمر فلا يمكن اعتبار هذه الواقعة دليلاً محكماً وشاهداً معتبراً على شدّ الرحال لزيارات المراقد.

وفي ما يلي سنذكر بعض الأخبار والآثار، الواردة في الكتب الموثَّقة والمعتبرة، التي تؤيد هذا المعنى وتثبت مُدَّعانا في أن الرحيل إلى «زيارات الأضرحة» لم يكن في أي وقتٍ - في نظر شارع الإسلام - عملاً ممدوحاً ولم يجعله أمراً مهمِاً ولم يعتبِرْهُ من العبادات والحقائق الشرعية بل كان - بدلالة الروايات الآتية - منهياً عنه من قِبَلِ الرسول المختار (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وكان ينكره أصحابه الأجلاء في صدر الإسلام، وعلى أقل تقدير لم يكن عبادةً مأموراً بها:

1 - روى الحافظ «عبد الرزاق الصنعاني»(ت 211 هـ ق)(8) في كتابه القيّم «المصنَّف» الذي يُعَدُّ أحد أقدم كتب الحديث في الإسلام، كما أن مؤلِّفَه كان معاصراً للأئمة - عليهم السلام - من زمن الإمام الصادق وحتى الإمام الجواد، وكان - طبقاً لتصريح علماء الرجال - شيعيّ المذهب، الرواية التالية: «عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال: من زار القبور فليس منّا» (9).

2 - وروى «الحاكم النيسابوري»(10) بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص(11)قال: «قَبَرْنَا(12) مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ رجلاً، فلمَّا رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها، فقال: «يا فاطمةُ من أين جِئْتِ؟» قالت: جئتُ من أهل الميِّت رحمتُ إليهم مَيِّتَهم وعزَّيْتُهُم. قال: «فلعلَّك بلغتَ معهم الكدي(13)؟» قالت: معاذ الله أن أبلغ معهم الكديَ، وقد سمعتُكَ تذكر فيه ما تذكر!، قال: «لو بلغتِ معهم الكدي ما رأيتِ الجنَّةَ حتى يرى جدُّ أبيكِ» «والكدي: المقابر»(14). ومعنى الجملة الأخيرة إنه من المستحيل عليكِ إن فعلتِ ذلك أن تدخلي الجنَّةَ!. فهذا الحديث الشريف يُبَيِّن إلى أي حدٍ كانت زيارة القبور في ابتداء أمر الإسلام مكروهةً في نظر الشارع.

3 - وهناك عدة روايات وأحاديث مأثورة أخرى عن رسول الله في نهيه صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ عن زيارة القبور في ابتداء بعثته... مثل الحديث القائل: «إني نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، فأمر بزيارتها لأجل الاعتبار وتذكر الموت، وقد روت كتب العامة والخاصة، وروى الزيدية أيضاً في مسند الإمام زيد بن علي عليه السلام، كلهم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: «نهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ عن زيارة القبور» (15).

4 - كما جاء من طرق العامة والخاصة أنه (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) قال: «لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»(16).

5 - كما روى جميع المسلمين أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) قال مراراً: «لا تتخذوا قبري عيداً»(17) وسنشرح هذا الحديث بتفصيل أكثر لاحقاً إن شاء الله.

6 - ومن الأحاديث الشديدة التي يرتجف لها الإنسان والتي جاء فيها النهيُ الشديدُ والكراهةُ العظيمةُ لهذا العمل، ما رواه عطاء بن يسارعن النبي الأكرم أنه تضرّع إلى رب العزّة والجلال قائلاً: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً» ثم قال: «لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(18).

7 - ويدل عليه مضمون الحديث الذي رُوِيَ عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مَسَاجِدَ. (قالت عائشة): ولولا ذلك لأبرز قبره إلا أنه خشي أن يُتَّخَذَ مَسْجِداً»(19).

8 - مما يدل على ذلك أيضاً عدم اهتمام رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وأصحابُه الأخيار بقبور الأنبياء والأولياء التي كانت موجودة في ذلك الزمن - سواءً كانت قبوراً واقعية أم موهومة - مثل قبر سيدنا إسماعيل وهاجر في مكة، وقبر سيدنا إبراهيم الخليل وسيدنا يوسف عليهما السلام في أرض فلسطين من بلاد الشام، وقبر سيدنا هود عليه السلام في اليمن، فلم يُرْوَ عنه أنه صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ زار أياً من تلك القبور.

كما إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ فقد أعزةً عليه في الدنيا, وكان من الممكن أن يجعل قبرهم مزاراً فلم يفعل، كقبر أم المؤمنين خديجة عليها السلام وقبور شهداء بدر وأحد، وقبور الصحابة الكبار أمثال عثمان بن مظعون وغيرهم، والتي لم يُرْوَ أن أياً منها كان قبراً مبجلاً ومزاراً يتردد الناس إليه؟ وحتى قبور أبناء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ نفسه لم تتحول أبداً إلى مزارات يُطاف حولها، كما كان حال قبر إبراهيم ابن رسول الله في المدينة الذي لم يتحول إلى مزار، طبقاً لما رواه الشيخ الصدوق - عليه الرحمة - في كتابه «من لا يحضره الفقيه»، والكليني في «الكافي» حيث قالا: «وَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام يَقُولُ: كَانَ عَلَى قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَذْقٌ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ فَلَمَّا يَبِسَ الْعَذْقُ ذَهَبَ أَثَرُ الْقَبْرِ فَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ!»(20).

فلو كان هناك استحباب لزيارة القبرٍ والطواف حوله لكان أولى الناس بذلك قبر ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لا أن نرى ذلك مندرساً لا يُعْرَف له أيُّ أثرٍ في زمن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذاته؟ وكذلك لم يكن قبر عمّ النبي حمزة سيد الشهداء عليه السلام مزاراً يُزَارُ(21).

وقد روت جميع التواريخ وكتب السير والطبقات بما في ذلك سيرة ابن هشام و«مغازي الواقدي» و«تفسير عليٍّ بن إبراهيم القميّ»، والمجلد السادس من «بحار الأنوار» للمجلسيّ أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ لمّا رأى جسد حمزة عليه السلام في سفح جبل أُحد عرياناً ومُـمَثَّلاً به قال: «لَوْلَا أَنْ يُحْزِنَ ذَلِكَ نِسَاءَنَا، لَتَرَكْنَاهُ لِلْعَافِيَةِ - يَعْنِي السّبَاعَ وَالطّيْرَ - حَتّى يُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بُطُونِ السّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطّيْرِ.»(22).

بديهيٌّ أنه لو كان عمل الزيارة مطلوباً ومستحبّاً إلى تلك الدرجة التي يدّعيها القائلون بذلك، لما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ يرضى أبداً بترك جثمان عمه سيد الشهداء دون أن يجعل له قبراً يُزار.

9 - وردت أخبارٌ عديدة تنهى عن البناء على القبور أو تعميرها وتجصيصها، ومن الواضح تماماً أنه لم يَرِد في تلك الأخبار أي تمييزٍ بين قبور الأنبياء والأولياء وقبور عامة الناس، كما جاء في مستدرك الوسائل (23) عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «أول عدل الآخرة، القبور لا يُعرف شريفٌ من وضيع». وقد جاءت مئات الأحاديث في هذا الباب في كتب المسلمين ولا يخفى أن النهي عن تعمير القبور إنما هو لأجل ألا تتحول إلى مزارات.

10 - ويؤكد حقيقة هذا المعنى - أي أن تعظيم القبور أمر مكروه نهى عنه الإسلام بشدة - تلك الأوامر التي أمر بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ علياً عليه السلام وأمر بها عليٌ أبا الهياج الأسدي فقال - كما روى ذلك الكُلَيْنِيُّ في «الكافي» والبَرقيُّ في «المحاسن» «عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: بعثني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - إلى المدينة فقال: لا تَدَعْ صُوْرَةً إلّا مَحَوْتَهَا ولا قَبْرَاً إلا سَوَّيْتَه...» وفي روايةٍ أخرى لهما أيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن علياً عليه السلام قال: «أرسلني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - في هَدْمِ القبور وَكَسْرِ الصُّوَر»(24).

وكذلك كل ما ورد في باب النهي عن تعمير وتجديد القبور، يدلُّ بوضوح تام على تلك الحقيقة، وذلك مثل ما جاء في كتاب «من لا يحضره الفقيه» للصدوق، وكتاب «المحاسن» للبرقيّ والمجلد 18 من بحار الأنوار للمجلسيّ أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «مَنْ جَدَّدَ قبراً أو مَثَّلَ مثالاً، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الإسْلامِ»(25).

ومن الواضح أنه لو كانت زيارات القبور والطواف بها وطلب الحوائج من أصحابها والتشفع بالأموات أمراً مطلوباً للشارع ومحبوباً في نظره لما أرسل نبيُّ الله وعليٌّ المرتضى - سلام الله عليهما - أشخاصاً بمهمة محدَّدة هي تخريب وهدم كل قبر مشرفٍ دون استثناء ولما اعتبر القبور العامرة أمراً مرادفاً لعبادة الأوثان إلى حد قوله كما مرَّ «مَنْ جَدَّدَ قبراً أو مَثَّلَ مثالاً، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الإسْلامِ»، كما ندرك هذه الحقيقة جيداً في زماننا هذا ونلمسه لمس الواقع.

إن هناك أحاديث وقرائن كثيرة أخرى تؤكد ما قلناه ونكتفي بالنماذج العشرة التي أوردناها. تلك عشرة كاملة.

 

+               +              +

 


 

2- الدلائل العقلية والتاريخية على نفي زيارات المراقد في الإسلام

لقد بدأنا بالدلائل النقلية على عدم استحباب زيارات الأضرحة لأن المعتقدين بالزيارة يستندون إلى الأدلة النقلية، وإلا فإن الأدلة العقلية أيضاً تدل على ما نقول إذ لا يوجد عاقل يعتبر صرف الوقت في شد الرحال والسفر إلى القبور أمراً ممدوحاً، وفي ما يلي نذكر عدداً من الأدلة العقلية على أن التردد إلى زيارات الأضرحة ليس عبادةً مأموراً بها من قبل الشارع:

1- لم يأتِ في جميع آيات القرآن أدنى ذكر لأهمية زيارة القبور، والآية الوحيدة التي جاء فيها ذكرٌ لزيارة المقابر هي قوله تعالى: ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)) (التكاثر/1 - 2)، وهي آيةٌ قد يُسْتَنْبَطُ منها كراهةُ أو منعُ زيارة المقابر لا استحبابها، لأن سياقها يدل على مذمّة هذا الأمر.

2- لا يوجد في الأديان الإلهية السابقة على الإسلام أي تعاليم تحثُّ على التردُّد إلى القبور وزيارتها، هذا ونحن نعلم أن دين الإسلام جاء يؤكّد ما شرعه الله للأنبياء السابقين مثل نوح وإبراهيم الخليل عليهما السلام: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...)) (النساء/163)، وكذلك: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى...)) (الشورى/13)، و((مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ)) (فُصِّلَتْ/43).

فمفاد هذه الآيات أنَّ ما شَرَعَهُ اللهُ في دين الإسلام لِنَبِيِّ آخر الزمان هو نفس ما شَرَعَهُ اللهُ للأنبياء السابقين. وبالتالي فمن البديهي أن الله لم يشرع لنبيه الخاتم ما لم يكن مشروعاً في الرسالات والأديان الإلهية السابقة. ولو شرع ذلك للأنبياء السابقين لشرعه في الإسلام.

3- رغم مجيء/120000/ (مئة وعشرين ألفَ) نبيٍّ إلى العالم - حسب الرواية المشهورة(26) - بل في القرآن الكريم ما يفيد أن عدد الأنبياء كثير لا يحصيه إلا الله، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ...)) (سورة إبراهيم/9)، ومثله قوله تعالى: ((وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) (سورة النساء/164)، رغم ذلك لا نشاهد أي ضريح أو مزار لهؤلاء الأنبياء، على كثرتهم. أما بعض القبور الموجودة والمنسوبة لبعض الأنبياء، فلا أحد يعرف على وجه اليقين حقيقة أمرها، كما جاء في طبقات ابن سعد (طبع بيروت، ص53) عن إسحق بن عبد الله أبي فروة قوله: «ما يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة:

(1) قبر إسماعيل، فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت.

(2) وقبر هود، فإنه في حَقْفٍ من الرمل تحت جبلٍٍ من جبال اليمن عليه شجرة تندى، وموضعه أشد الأرض حراً.

(3) وقبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن هذه قبورهم بحق».

هذا مع أنه لو كان أمر الزيارة مستحباً إلى هذا الحد في نظر الشارع ومطلوباً في شريعته، لكانت زيارة نبي الله داوود عليه السلام مثلاً، أهم بكثير من زيارة «إمامزاده داوود»(27)، ولَكَانَ قبرُ حضرة النبي إلياس عليه السلام أكثرَ أهميةً من قبور أولاد الأئمة وأحفادهم.

4 - إن كتب التواريخ والسير تشهد جميعُها أنه لم يحصل لأيِّ واحدٍ من كل ذلك العدد من المؤمنين الصالحين والمجاهدين الأبرار الذين ارتحلوا أو استشهدوا في عهد النبوَّة أو في صدر الإسلام أن بُني لهم مزار مجلَّل أو ضريحٌ مُعَظَّم، رغم أن بعضهم كان من الأعلام والصالحين ومن أقرب الناس إلى نبيِّ الله صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ مثل عمه حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه أو ابنه إبراهيم عليه رحمة الله.

5 - تدلُّ أعمال الدفن في صدر الإسلام بحدِّ ذاتها على أنه لم يكن هناك فرقٌ في هذا الأمر بين الأموات مهما كان شأنهم رفيعاً أو كانوا من عظماء الإسلام وأئمّته فالكل كان يُدْفَن بنفس الطريقة ولم يكن هناك لأحد أضرحةٌ ومزاراتٌ.

6 - لقد قام عليٌّ عليه السلام بدفن زوجته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بكيفية جعلت قبرها غير معلوم لأحد حتى هذا اليوم، بل أوصى مولى المؤمنين عليه السلام أصحابه بعد وفاته بدفن جثمانه بنحوٍ يتم فيه إخفاء قبره عن أنظار الناس، وفي هذا أكبرُ عبرة لأولي الأبصار وتذكرة لأولي الألباب، بل هو تدبيرٌ تحار في عظمته عقول المؤمنين وتدهش لبصيرة عليٍّ النافذة ورؤيته الربانية البعيدة التي جعلته يأمر بذلك وكأنه كان يرى من وراء أستار القرون ما سيفعله عُبّاد القبور بعد ألف عام؟؟ ولا عجبَ فهو عليٌّ إمام التوحيد، وهو عليٌّ الذي أمره الرسول الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ بهدم كلِّ قبر مُشْرِف من قبور الناس التي كانت مزاراً في ذلك الزمن بل كانت معبد أصنامِ عُبّاد الأموات، كما أمره بهدم كل وثن أو تمثال كان الناس لا يزالون يعبدونه وربما كان في مقابرهم(28).

أجل، لم يكن في نظر عليٍّ - إبراهيم زمانه المحطم للأصنام - أيُّ فرق بين أن يعتلي كتف النبي (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في فتح مكة لكي يُخْرِجَ الأصنام من بيت الله ويطرحها أرضاً فيجعلها حطاماً، وبين أن يذهب إلى القبور ويحطِّم القبور المشرفة فيسوي بها الأرض، فكلا الأمرين أمرُ رسول الله ورضا رب العالمين. فكيف لا يرى ذلك الشخص العظيم، ببصيرته النافذة وتفكيره البعيد، أنه من الممكن لهذه الأمة التي تخلّصت حديثاً من ظلمات الجاهلية، أن تحوِّلَ - عن قريبٍ - قبرَ ابنةِ النبيِّ الوحيدة، التي حازت مزايا ومناقب خاصة من جانب رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كقوله: «فاطمة بضعة مني» و«فاطمة سيدة نساء العالمين»، إلى مزارٍ، أو بتعبير أصح إلى معبد أوثان جديد مثل تلك التي أُمِرَ بهدمها، فقام بدفنها في وسط الليل حتى لا يطلع أحد مكانها أحد فيتخذه مزاراً؟!

وكيف لا يوصي نبراس التوحيد ذاك عليه السلام بدفن جثمانه على نحو لا يعلم بمكان قبره أحد، وهو يرى بعين اليقين والبصيرة ما سيحدث لقبره فيما بعد، كيف لا وقد رأى في حياته أشخاصاً رفعوه إلى حد الإلهية فاعتبره بعضهم اللهَ ربَّهم وخالقَهم؟! إلى الحد الذي اضطر لأجل ثنيهم عن تلك العقيدة الفاسدة أن يهدّدهم بالقتل والحرق، بل أن ينفذ ذلك، حسب ما ذكرته بعض التواريخ، ورغم ذلك لم يرجع أولئك الأفراد عن عقيدتهم واحترقوا وماتوا عليها. أفلا يجب على مثل ذلك الإمام أن يخفي قبره وقبر ابنة رسول الله عليهما السلام عن أنظار الناس حديثي العهد بالجاهلية؟.

أما ما يدّعيه بعض العلماء من أن قبر فاطمة عليها السلام إنما تمّ إخفاؤه حتى لا يصلِّي عليه الشيخان فهو - والله أعلم - ليس سوى ظنّ خاطئ لا يقوم عليه دليل، وإلقاء للاختلاف والعداوة بين المسلمين، والدليل على ما نقول أن علياً عاش سنين طويلة بعد رحلة الشيخين، كما أن الأئمة من ذرية فاطمة - عليهم السلام - عاشوا في زمن لم يبق فيه أيُّ خوف من ذلك الأمر أصلاً، فلماذا بقيَ قبرُ فاطمة مجهولاً ولم يقم عليٌّ ولا الأئمة الكرام من أولاده بإظهاره؟!

وكذلك ما قالوه من أن علّة أمر عليٍّ بإخفاء قبره هو خشيته من أن يقوم الخوارج بنبش قبره وحرق جثمانه، لا يعدو أيضاً ظنَّاً كاذباً تكذّبه الحقيقة والتاريخ لأن الخوارج - رغم إجرامهم - لم يؤثَر عنهم أنهم قاموا بحرق أي جثمان من أجساد مخالفيهم ولم يأت مثل هذا الخبر في أي تاريخ.

إن الذين يشيعون بين المسلمين مثل هذه الأباطيل والأقوال الكاسدة إما جاهلون بحقيقة الدين أو عاجزون عن معرفة أولياء الله ومدى بُعْد نظرهم أو متعصبون أو مدفوعون لإثارة الاختلاف والنزاع بين المسلمين أو كل ما سبق!؟

7 - إن قضية نهيِ رسولِ اللهِ (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عن زيارة القبور كانت معروفةً ومشهورةً في صدر الإسلام إلى حدِّ أنه لما قامت أم المؤمنين عائشة زوج رسول الله بالذهاب إلى قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر بعد موته عام 55 أو 56 هجرية، لامها بعض المسلمين استناداً نهيِ رسولِ اللهِ النساءَ عن زيارات القبور؟!. فاعتذرت قائلةً إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمح بذلك أخيراً بعد أن كان قد نهى عنه.

8 - كما أن موضوع نهي رسول الله عن زيارة القبور كان لا يزال مشهوراً كل الشهرة وحاضراً في النفوس بكل قوة بحيث أنه - كما ذكرنا - كان الشعبيُّ (أبو عامر شراحيل) المتوفى سنة 104 والذي لقي أكثر من 150 صحابيّاً من أصحاب رسول الله وروى عنهم الحديث، يقول مراراً: «لولا أنَّ رسولَ الله نهى عن زيارة القبور لَزُرْتُ قبرَ النبيِّ (أو قبر ابنتي»(29).

9 - إن أفضل دليل عقلي ونقلي على ما نقول هو أنه حتى أكثر من قرنٍ كاملٍ بعد وفاة النبيِّ (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ) لم يتحوَّل قبره المطهَّر إلى مزارٍ يتردَّد إليه أيٌّ من الصحابة الكرام أو التابعين الكبار! فمن المسلَّم أنَّ الجثمان المطهَّر للنبي (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إنما دفن في نفس البيت الذي كان يسكنه والذي كان منزل عائشة، وطبقاً للتواريخ الموثَّقة بقيت عائشةُ قاطنةً في ذلك المنزل ولم تتركه، كما يروي ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج2/ص 307)، كما يشير عموم المؤرخين إلى أن عائشة كانت تعيش فوق قبر النبي (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وتنام هنالك وحتى إلى ما قبل زمان دفن عمر لم تكن تحتجب في منزلها ولكنها بعد دفن عمر وضعت الخمار على رأسها - بل ربما الجلباب على بدنها - ولم تنزعه حتى ضربوا جداراً على القبور(30).

وكذلك جاء في طبقات ابن سعد (ص307): «أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني إبراهيم بن نوفل بن سعيد بن المغيرة الهاشمي عن أبيه قال: انهدم الجدار الذي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في زمان عمر بن عبد العزيز، فأمر عمر بعمارته، قال: فإنه لجالسٌ وهو يُبْنَى إذ قال لعلي بن حسين: قُمْ يا علي فَقُمَّ البيت(31)، يعني بيتَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه القاسم بن محمد فقال: وأنا أصلحك الله! قال: نعم وأنت فَقُمَّ، ثم قال له سالم بن عبد الله: وأنا أصلحك الله! قال: اجلسوا جميعاً وقُمَّ يا مزاحم فَقُمَّهُ، فقام مزاحم فَقَمَّهُ، قال مسلم: وقد أثبت لي بالمدينة أن البيت الذي فيه قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، بيت عائشة وأن بابه وباب حجرته تجاه الشام وأن البيت كما هو سقفه على حاله وأن في البيت جرَّةً وخَلْقَ رِحَالِهِ(32).».

ومن البديهي أنه لو كان القبر الشريف مزاراً يختلف إليه الناس لما تجمع عليه كل ذلك الغبار والتراب أو الكُناسَة التي احتاجت من عمر بن عبد العزيز أن يأمر الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام أولاًَ بكنسها، فيرجوه القاسم بن محمد بن أبي بكر أن يسمح له بالمشاركه في ذلك الفضل، وكذلك يفعل سالم بن عبد الله، فيحول عمر بن عبد العزيز تلك المهمة منهم إلى «مزاحم».. الخ ما جاء في الرواية.

وأيضاً من الواضح أن البيت والقبر الذي بقيت فيه جرّةٌ وقماشةٌ مهترئةٌ منذ زمن بعيد، وحتى قرن كامل، لم يكن أبداً مزاراً عامراً، بالإضافة إلى كون الرواية دليلاً بارزاً على أن عائشة واصلت سكناها في ذلك البيت حتى آخر عمرها!

10 - عندما انهدم جدار البيت الذي كان فيه قبر رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بسبب المطر، وقعت حادثةٌ أخرى هي خروج رائحةٍ كريهةٍ من الناحية الشرقية للمنزل، فجاء عمر بن عبد العزيز مع أحد أحفاد النبي (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وأمر وردان أن يكشف عن المسألة وأن يباعد الأتربة المتراكمة حول قبر عمر، فقال عبد الله حفيد عمر بن الخطاب لعمر بن عبد العزيز الذي كان خائفاً من ذلك الأمر: أيها الأمير! هذه رائحة قدمي جدك عمر بن الخطاب!! وجاء في خبر آخر أن الرائحة المذكورة كانت رائحة قطة ميتة، ولا شك أن الخبر الثاني هو الأصح لأنه كيف يمكن أن تظهر رائحةٌ من قدمي عُمَرَ بعد مرور سنوات على دفنه وبعد أن بليت عظامه وصارت تراباً؟!

11 - وروي ابن سعد في طبقاته فقال: «أخبرنا سريج بن النعمان عن هشيم، أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سقط حائط قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في زمن عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد، وكنت أول من نهض فنظرت إلى قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة إلا نحو من شبر، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة».

12 - بعد دفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ والشيخين في ذلك المنزل كان بعض الناس الذين تصل أيديهم إلى القبر يأخذون من تربته بقصد التبرّك، فأمرت عائشة بضرب جدار حول القبر وترك نافذة فيه ففعلوا ذلك ولكن الناس ظلُّوا يأخذون من تربة القبر من تلك النافذة فأمرت عائشة بسدِّها.

ولدينا عشرات القرائن من هذا القبيل تدل جميعاً على أن القبر الشريف لم يكن حتى ذلك الزمن مزاراً يزوره المسلمون، ومن أراد الإطلاع أكثر على مثل هذه الشواهد فليرجع إلى كتب التاريخ لا سيما كتاب «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» تأليف «نور الدين علي ابن أحمد السمهودي»(33) (ص543 فما بعد).

13 - لدينا أخبار وآثار عديدة تبين أن زيارة قبر رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كانت منهياً عنها من قبل الصحابة والأنصار وحتى أحفاد النبي الكريم، ومن جملة ذلك:

آ - جاء في كتاب «المصَنَّف» القيّم تأليف «عبد الرزاق الصنعاني» (ج3/ص577)، وفي كتاب «وفاء الوفاء» للسمهودي (ص 1360):

«عبد الرزاق عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن عليّ قال: رأى قوماً عند القبر، فنهاهم وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً وصلُّوا عليَّ حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني.».

ب - وجاء في الكتاب ذاته: «روي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يجيء فرجة عند قبر النبي فيدخل فيها فيدعوه، فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم.».

ج - وفي كتاب السمهودي ذاته أيضاً ضمن بحث «الصلاة على النبي» روايةٌ «عن القاضي إسماعيل عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت لأسلم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وحسن بن حسن رضي الله تعالى عنهما يتعشى وبيته عند بيت النبي، وفي رواية:... رآني الحسن بن الحسن رضي الله تعالى عنهما عند القبر وهو في بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها يتعشى قال: هلمَّ إلى العشاء فقلت: لا أريد، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟، وفي رواية: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفتُ أسلِّم على النبي! فقال: إذا دخلت فسلم عليه! وفي رواية: إذا دخلت المسجد فسلم عليه! قال: إن رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قال: لا تتخذوا بيتي عيداً! ولا بيوتكم مقابر ثم قال: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء!».

أي يستوي في السلام على النبيّ أن يكون المسَلِّمُ بعيداً في الأندلس أو قريباً في الروضة الشريفة (فلا حاجة للمجيء إلى قبر النبي صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ في المدينة بشكل خاص بهدف إلقاء السلام عليه!).

د - وفي كتاب السمهودي، يروي القاضي إسماعيل أيضاً حديثاً آخر يصل سنده إلى الإمام علي بن حسين أنه قال: «إن رجلاً كان يأتي كلَّ غداةٍ فيزور قبر النبي صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ويصلي عليه ويصنع من ذلك ما انتهره عليه عليُّ بن الحسين، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب التسليم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فقال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: هل لك أن أحدثك حديثاً عن أبي؟ قال: نعم!، قال له علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لا تجعلوا قبري عيداً».

قلتُ: إن من غرائب الأمور أن هذا الحديث «لا تتَّخذوا قَبْرِي عِيْداً»، الذي روي عن رسول الله صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ بشكل متواتر، وكل من روى ذلك الحديث، حتى أحفاد النبي الكرام مثل الحسن بن الحسن المثنى وعلي بن الحسين السجاد عليهم السلام، فهمه على معناه الواقعي الذي يعني تكرار الذهاب والإياب إلى قبره صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فنهى الناس عن التردُّدِ لزيارة قبر النبي عملاً بمفاد ذلك الحديث، ومع كل ذلك لمّا رأى ذوو التفكير الأعوج ومحبو البدع أن هذه الجملة لا تنسجم مع بدعتهم، قالوا: إن معنى عبارة «لا تجعلوا قَبْرِي عِيْداً» أي لا تجعلوا قبري كالعيد لا تزورونه في السنة إلا مرتين بل زوروه دائماً وكل يوم!!. ولعمري ما تفسيرهم لهذا الحديث إلا كتفسير الوضّاعين لحديث النبيِّ الذي يقول فيه: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» فقالوا: إن النبي قال من كذب عليّ ولم يقل من كذب لي، ونحن لا نكذب عليه بل نضع الحديث لأجله أي أن حديثنا الكاذب ليس ضد النبي بل لصالحه ولصالح دينه!!.

هـ - وقال السمهودي، رغم أنه هو نفسه من مؤيدي الزيارة، في كتابه وفاء الوفاء (ص1368): «رُوي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أنه قال:ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وكان يكره إتيانه!».

و - في صدر الإسلام، حتى بعد قرابة قرن من رحلة النبي صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، كان الصحابة والتابعين ينهون الناس عن التردد والذهاب والإياب لزيارة قبر النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما تشهد بذلك الأخبار المأثورة والروايات المذكورة، والتي من جملتها ما جاء في كتاب المصنف لعبد الرزاق الصنعاني (ج3/ص576) وسنن البيهقي: «عبد الرزاق عن الثوري عن أبي المقدام أنه سمع ابن المسيِّب، ورأى قوماً يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوماً»(34).

ومعنى كلامه أنه بعد أربعين يوم من الوفاة والدفن في التراب، فإن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بتصور أن روح حضرته الشريفة لا تزال في القبر أو حوله خطأ لا فائدة منه.

إن المتتبع لكتب التواريخ والمدقِّق فيها يرى أنه من المسلمات المعلومة أنه لم يكن في صدر الإسلام وفي زمن حياة صحابة رسول الله والطبقة الأولى من التابعين خبرٌ أو أثرٌ عن مسألة الزيارة بين المسلمين، ولم يتحوَّل قبرُ النبيِّ المطهر صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أبداً إلى مزار يتردّد إليه أصحابه الأبرار! وحتى سنة 91 هجرية عندما أمر الخليفة الأمويّ الوليد ابن عبد الملك، عمرَ بن عبد العزيز بإصلاح ما تهدّم من جدار غرفة قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ما كان أحدٌ يقوم حتى ذلك الوقت بزيارة قبر النبي، كما مر معنا فيما سبق عن اثنين من أحفاد النبي الأعلام: أي الحسن المثنى وحضرة عليّ بن الحسين - عليهم السلام - أنهما كانا ينهيان الأشخاص الذين يأتون خصيصاً ويدخلون البيت لأجل زيارة النبي والسلام عليه! وكلا الإمامين الجليلين كان مجاوراً لذلك القبر الشريف وكان من أعلم الناس بتعاليم الشرّع وأفهمهم لأحكام الإسلام، لذا كان الإمامان الشريفان حريصين أكثر من أي شخص آخر على مراعاة أحكام الإسلام والعمل بما يرضي الله.

ومن جملة الأدلّة التي تؤكّد أن القبر المبارك لرسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يكن أبداً حتى لمدة قرن بعد هجرة النبيّ، مورداً لتردُّد الزائرين وذهابهم وإيابهم إليه عملاً بنهيه (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) في قوله: «لا تجعلوا قبري عيداً»، ما أورده نور الدين علي بن أحمد السمهودي في كتابه «وفاء الوفاء» (ص547 و548) نقلاً عن صحيح البخاري من أنه لما عهد الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز بإصلاح ما انهدم من مقبرة النبيّ وبشراء البيوت المحيطة بالمسجد لتوسعة الروضة الشريفة، شاهد المسلمون قبل البدء بإقامة الجدار أثر قدم على التراب المحيط بالقبر الشريف فأصابهم هلع من هذا المنظر وتصوروا أن ذلك أثر قدم النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نفسه! فتبين لهم فيما بعد أنها بقية قدم عمر(35)، مما يعني أنه منذ زمن عمر وحتى ذلك اليوم لم يذهب أحدٌ إلى ذلك القبر المنوَّر!

ز - جاء في كتاب الكافي، في كتاب الجنائز (ص201/نشر المكتبة الإسلامية) عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «كان قَبْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُحَصَّبٌ حَصْبَاءَ حَمْرَاءَ». وروى ابن سعد في طبقاته (ج2/ ص307) عن عمرو بن عثمان عن قاسم بن محمد (جدّ حضرة الإمام الصادق لأمِّه) أنَّه قال: «اطلعتُ على صِغَرٍ على القبور فرأيت عليها حصباء حمراء».

إن مضمون حديثي الكافي والطبقات هو أنه حتى زمن الإمام الصادق - عليه السلام - أي بعد مضي أكثر من 120 عاماً على هجرة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)كان قبره والطبقة المغطية له والمؤلَّفة من حصى أحمر مجهولاً للناس، الأمر الذي حدا بالإمام الصادق وبجده لأمه: القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن يخبرا عنه، وكما يقول حديث القاسم بن محمد إنه لما كان طفلاً كان يرى ذلك القبر الشريف من خلال مدّ رأسه من النافذة أو من وراء الستائر.

ح - أثناء إصلاح جدار البيت الذي كان فيه القبر المبارك كانت هناك طاسة خشبية أو من الفخار إلى جانب القبر أو في رف الجدار تحطمت عندما انهار الجدار (طبقات ابن سعد، ج2/ص307، وكتاب وفاء الوفاء ص549).

ط - لما سقط جدار البيت، شُوهدت ثلاثة قبور لم يعرفها الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى أن عرّفها له عمر بن عبد العزيز بأنها لرسول الله والشيخين. فلو كانت الزيارة رائجة في تلك الأيام لما كانت تلك القبور مجهولة تحتاج إلى من يسأل عنها.

ي - جاء في مصنف عبد الرزاق (ج3/ص503): «أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد قال: سقط الحائط الذي على قبر النبي فستر ثم بنى، فقلت للذي ستره: ارفع ناحية الستر حتى أنظر إليه، فإذا عليه جبوب(36) وإذا عليه رمل كأنه من رمل العرصة(37»). فهذا يدل على أن عبد الرحمن رغم كونه من ورثة عائشة إلا أنه لم يكن قد شاهد القبر حتى ذلك الزمان!

هذه عشرة أدلة على أن حديث لا تجعلوا قبري عيداً كان حتى قرن كامل معمولاً به بكل قوة! تلك عشرة كاملة.

14 - أهمُّ دليلٍ على أن تلك الزيارات الرائجة في زماننا لقبور الأئمة - حتى أننا أصبحنا نجد كل ذلك الكم الكبير من الروايات والأحاديث المنسوبة إليهم في فضائل زياراتهم وعظيم ثوابها - لم تكن أبداً رائجة بين مسلمي الصدر الأول وأئمة الهدى - عليهم السلام - ولا مُعتنى بها، هو أننا لا نجد في أي تاريخ موثَّق قيامَ أيٍّ من أولئك الأولياء والأئمّة العظام بزيارة قبر النبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أو قبور الأنبياء الآخرين ولا قيام الصحابة والتابعين بالسفر وشد الرحال لأجل زيارة قبر واحد من الأئمة، ولا يمكن أن نصدّق أن الإمام الذي يأمر الناس بعبادةٍ يمتنع هو عن أدائها!! لأنه عندئذٍ سيشمله قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)) الصف/2 - 3.

فمثلاً رووا في أحاديث الزيارة الرواية التالية: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قال: أَبْلِغْ شِيعَتِي أَنَّ زِيَارَتِي تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أَلْفَ حَجَّةٍ! قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَلْفَ حَجَّةٍ؟؟ قَالَ: إِي وَاللهِ وَأَلْفَ أَلْفِ حَجَّةٍ لِمَنْ زَارَهُ عَارِفاً بِحَقِّهِ!»(38).

أفلا يحق لنا أن نتساءل: لو كان هذا الحديث صحيحاً وكان ثواب زيارة الإمام الرضا عليه السلام يعدل ثواب ألف حجّة، فضلاً عن أن يعدل ثواب ألف ألف حجّة، هذا مع العلم أن ثواب الحج المستحب - طبقاً لأحاديث الإمام ذاته - أفضل من الصلاة والصوم بل أفضل من عتق عبدٍ، بل طبقاً لروايةٍ أخرى عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لَقِيَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي خَرَجْتُ أُرِيدُ الْحَجَّ فَفَاتَنِي، وَأَنَا رَجُلٌ مُمِيلٌ (أي غَنِيٌّ) فَمُرْنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي مَا أَبْلُغُ بِهِ مِثْلَ أَجْرِ الْحَاجِّ؟ قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَلَوْ أَنَّ أَبَا قُبَيْسٍ لَكَ ذَهَبَةً حَمْرَاءَ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَلَغْتَ بِهِ مَا يَبْلُغُ الْحَاجُّ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَخَذَ فِي جَهَازِهِ لَمْ يَرْفَعْ شَيْئاً ولَمْ يَضَعْهُ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ومَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ ورَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ فَإِذَا رَكِبَ بَعِيرَهُ لَمْ يَرْفَعْ خُفّاً ولَمْ يَضَعْهُ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ فَإِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ... الخ الحديث»(39).

فإذا كان ثواب حج بيت الله كذلك وكان الإمام أبو جعفر محمد التقيّ(40) عليه السلام الذي عاش في بلاط المأمون 18 عاماً، كصهر محترم له، كما قام المأمون بدفن أبيه حضرة الإمام الرضا عليه السلام في خراسان في القبة الهارونية، ولم يكن هناك أي مانع أن يزور الإمام محمد التقي قبر أبيه الإمام الرضا المجاور لقبر والد المأمون أي هارون الرشيد، وليس ذلك فحسب بل كان من شأن هذه الزيارة أن تدخل السرور على الخليفة! فلماذا إذن امتنع الإمام محمد التقي عن تحصيل مثل ذلك الثواب العظيم؟! وكيف نبرِّرُ تضييعَه على نفسه ثواب مليون حِجَّة حسب قوله، أو على الأقل ثواب ألف حجة كما جاء في كتاب والده الإمام الرضا عليه السلام نفسه؟! مع أن الحجة الواحدة حسب الحديث الذ أرودناه لها كل تلك الأجر، هذا إضافةً إلى أن مثل تلك الزيارة لو تمَّت فسيكون لها عدّة فوائد أخرى هامَّة جداً هي التالية:

أ - لما كان الإمام الرضا والد الإمام محمد التقي - عليهما السلام - فإن زيارة الأخير له سيكون لها أجر برّ الوالدين إضافة إلى نيل كل ذلك الأجر المخصَّص لكل من يزور الإمام الرضا عليه السلام؟.

ب - سيصبح مثل ذلك العمل - لو تمّ - حجَّةً وسنداً لمن يرى أن السفر لزيارات القبور والمراقد أمرٌ مشروعٌ ومستحبٌّ.

ج - ستكون زيارته سبباً يدعو الآخرين وعامة المؤمنين للقيام بهذا العمل بكل اطمئنان ويقين، فينالوا كلَّ ذلك الأجر العظيم.

ومع كل ذلك، لم يقم الإمام محمد التقي بمثل تلك الزيارة، فإن قيل: لم يفعل ذلك لما فيها من مشقّة السفر إذْ إنه توجد بين بغداد التي كان الإمام محمد التقي مقيماً فيها وخراسان موضع قبر والده الرضا، مسافةٌ كبيرةٌ وسفرٌ شاقٌّ، قلنا: إن هذا السفر لم يكن صعباً عل الإمام محمد التقي عليه السلام وذلك بفضل وسائل الرفاهية والراحة التي كان المأمون قد وضعها تحت تصرفه.

والواقع أن الإمام محمد التقي (الجواد) لم يزُرْ والده الرضا وليس هذا فحسب بل لم يقم حتى بزيارة جده الكريم موسى بن جعفر الذي كان قريباً منه في مقابر قريش قرب بغداد (والتي تحولت إلى منطقة الكاظمية اليوم)، هذا رغم ما رووا عن أبيه الإمام الرضا في كتب الحديث من أحاديث عديدة تبين عظيم الأجر والثواب لمثل هذه الزيارة بالإضافة إلى أن فيها براً للوالدين وفيها ردّاً وإنكاراً على الواقفيّة الذين كانوا يتصورون أن الإمام الكاظم لا يزال حياً وأنه قائم آل محمد وأنه آخر أئمة آل البيت، فزيارة قبر جده الكاظم كان من شأنها أن تقلِّلَ من عدد أولئك الواقفيّة، فضلاً عن أن مثل تلك الزيارة تؤدي إلى تصديق الروايات التي وردت أو نُقِلَتْ عن أبيه الإمام الرضا في ثواب زيارة جدِّه!

إذا لاحظنا تلك الروايات ولاحظنا وسائل التيسير والرفاهية التي كانت ميسَّرة للإمام محمد الجواد فيمكننا أن نعتبره - والعياذ بالله - مقصراً في دينه من عدة جهات! لأنه علاوة على عدم زيارته قبر أبيه وجده عليهما السلام امتنع أيضاً عن زيارة ذلك الشخص الذي له حق كبير ليس على الإمام الجواد فقط بل على كل مسلمي العالم ألا وهو مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان قبره - حسب المشهور - في النجف أي قرب بغداد التي كانت مقراً وسكناً لصهر الخليفة الإمام محمد التقي (الجواد) آنذاك.

هذا مع أن زيارة حضرة أمير المؤمنين كانت واجبة على الإمام محمد التقي (الجواد) من عدة جهات:

أ - وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة عليهم السلام تبين الثواب الذي لا حصر له لزائري أمير المؤمنين بل فيها تهديدات مخيفة! لمن لا يقوم بتلك الزيارة، كتلك الرواية المروية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عليه السلام لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ! أَلَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ الْملَائِكَةُ؟!»(41)، وهذا تهديدٌ ليس من السهل - لو صحّت الرواية - عدم الاعتناء به.

ب - في زيارة أمير المؤمنين ثواب بر الوالدين إضافة إلى ثواب الزيارة لأنه أبو الأئمّة.

ج - لو عمل الإمام بذلك الأمر لخفَّف من الكراهة المشهورة لزيارات القبور، وعلى العكس من ذلك يشكلِّ امتناعُه عن الزيارة وامتناعُ الأئمّة من قبله ومن بعده دليلاً كبيراً على صحّة مذهب القائلين بعدم أهميّة ولا استحباب الزيارة!.

د - إن زيارةَ الإمام الجواد قبرَ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في النجف ستكون تصديقاً لصحة مكان المزار الذي اختاره هارون الرشيد اعتماداً على الحَدْسِ والظنِّ واستناداً إلى قول أحد الفلاحين حول موضع قبر مولى المتقين عليه السلام، فبنى عليه قبر عليّ الذي لم يوافق أكثر المؤرخين على صحة مكانه!!

وعليه فلو أن الإمام الجواد قام بزيارة ذلك المزار العلوي لكان المأمون أول من يُسَرُّ بذلك ويمتنُّ له، لأن أبا المأمون - أي هارون - هو الذي وضع أساس ضريح النجف، هذا إضافة إلى أن ذلك سيكون دليلاً على صحة روايات فضائل الزيارة.

إذن، عندما نجد أن حضرة الإمام الجواد عليه السلام الذي كان يمتلك - أكثر بكثير من الأئمة قبله - إمكانية القيام بعمل كثير الثواب مثل زيارة قبور آبائه الكرام، والتي لها من الأجر - طبقاً للروايات المنسوبة إليه - ما يفوق ما رُوِيَ من ثواب الزيارة عن جميع الأئمّة، مثل ما نُسِبَ إليه من أن زيارة واحدة لحضرة الرضا عليه السلام - التي تعادل ألف حجّة في فيما نَقِل عن الإمام الرضا نفسه - تعادل فيما روي عن الإمام الجواد ألف ألف حجّة!(42)، ورغم ذلك لم يبادر هو إلى ذلك الأمر، فهذا يضع علامات استفهام كبيرة على كل تلك الروايات، بل إننا على يقين أن تلك الروايات إنما نُسِبَتْ إليه كَذِباً ولم ينطق بمثلها قط!. ومثلها كل الروايات التي نُسِبَتْ سواء إلى الإمام الجواد أو إلى سائر الأئمة - سلام الله عليهم - حول الثواب الجزيل والأجر العميم للزيارات، فهي موضوعة على ألسنتهم ولا صحة لها، كيف لا ولو صحَّت تلك الروايات فإن الأئمّة سيشملهم عندئذ - والعياذ بالله - قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟)) (الصف/2)، ونحن لا يمكننا أبداً أن نعتقد بمثل هذا في حق أولئك الأئمة الكرام والهداة العظام سلامُ الله عليهم أجمعين.

والحاصل أن ثمَّةَ حقيقةً هامَّةً ذات دلالاتٍ كبيرةٍ تسترعي انتباه كلِّ مُنْصفٍ هي أنه لو تتبعنا كل التواريخ الموثَّقة لا يمكننا أن نجد أيَّ خبرٍ يَذْكُرُ سفر أيِّ إمام لزيارة مرقد أي إمام آخر من الأئمة عليهم السلام! أما ما رُويَ من زيارة الإمام الصادق عليه السلام لقبر أمير المؤمنين عليه السلام فسنبين في الصفحات التالية من هذا الكتاب ضعف تلك الرواية ووَهَنِهَا.

 

+               +              +


 

3- حلُّ إشْكَالٍ ورَفْعُ مُعْضِلَةٍ

تبيَّن من الأدلة العقلة والنقلية التي أوردناها، أن مسالة زيارة المراقد التي اتَّسعت وكَثُرَ الاهتمامُ بها في هذه الأمة إلى هذا الحد الذي ظن فيه أكثر الناس أنها من الواجبات الدينية الأساسية، وأنها ركنٌ هامٌّ من أركان الإسلام!، لا تستند في الواقع إلى أي أصل من أصول الدين، بل إن كثيراً مما يحف بها ويحصل خلالها هو من البدع المحرَّمة!!.

ولعل القارئ الكريم يتساءل: إذن فما قصَّة كل تلك الروايات والأحاديث الموجودة في كتب الفريقين الشيعة والسنة حول الزيارة؟؟ وكيف قامت كل تلك المزارات والأضرحة المنتشرة اليوم في البلدان الإسلامية والمبنيّة على قبور الأموات وأصبحت تأتيها قوافل الزوار من الشرق والغرب ومن كل حدب وصوب، منهم من يقيم حولها ويعتكف بها، ومنهم من يتردَّد إليها في كل فصل ومناسبة؟! وما الذي أدى إلى انتشار كل هذه الكتب والرسائل المتعلقة بالزيارات وآدابها التي حررها علماءٌ أعلامٌ؟! إلى الحد الذي قد يمكننا أن نستخرج فيه من كتب الشيعة الإمامية فقط، أمثال كتاب «كامل الزيارات» لابن قولويه القمِّي(43) وكتاب «الكافي» للشيخ محمد بن يعقوب الكُلَيْنِيّ(44) وكُتُب «تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» و«مصباح المتهجِّد» للشيخ أبي جعفر الطوسي(45)، وسائر الرسائل والصحائف قرابة ألف حديث ورواية حول ثواب الزيارة وآداب الدخول إلى المشاهد والمزارات ونصوص وأدعية الزيارات المتعددة والتي يتضمن بعضها عبارات مثل: «السلام على عين الله الناظرة ويده الباسطة!»، والتي جعلت حضرة آية الله العظمى (!) السيد أبو الفضل النبوي يستند إليها في كتابه «اُمرايِ هستي» (أي «أمراء الكون»!!) ليثبت الولاية التكوينية للأئمة عليهم السلام! فهل من الممكن أن يكون كل هذا الكلام لغواً وباطلاً؟!

لذا سنقوم - بعون الله تعالى - في هذه الرسالة المختصرة بتوضيح هذه القضية إلى حدِّ الإمكان، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً يجب أن نشير إلى نقطة مهمة هي أنه لا ينبغي أن نصاب بالهلع لكثرة الأحاديث والكتب والرسائل التي كتبت في هذا الباب أو في أي موضوع آخر، لأن كلَّ مَنْ له إلمام وشغل بالكتب والرسائل وله خبرة بالروايات والأحاديث والأخبار، يعلم أن كثيراً من هذه الكتب لا يستحق الالتفات إليه بل أفضل خدمة نقدمها للبشرية وللإسلام هي أن نرميها في عرض البحر!!. كما لا أهمية لكثرة الأحاديث وغزارتها في بعض المواضيع لأنه لا بد من عرض كل هذه الروايات على الدلائل القرآنية والعقلية والحسية والتاريخية فإذا خالفتها تأكد لنا أنها روايات لا أساس لها من الصحة مهما كَثُرَت!

ولا يخفى عليك أيها القارئ الحصيف أنَّه لو صَحَّتْ مئات الأحاديث التي رُوِيَتْ حول زيارات المراقد لكان أهم قبر يستحق أن تُطَبَّقَ عليه هو القبر الشريف المنَوَّر لنبيِّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، والذي ذكر الشيعة والسنة في كتبهم أحاديث عديدة حول فضل زيارته! هذا في حين أننا أثبتنا بالدلائل النقلية والتاريخية والعقلية أن قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لم يكن مزاراً أي لم يكن الصحابة الكبار يترددون إليه أو يشدون رحالهم إليه لزيارته حتى قرابة قرن كامل بعد رحلته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فضلاً عن السفر لزيارة أضرحة أخرى لأئمّة أو أولياء صالحين.

وبالتالي فإذا لم يكن قبرُ رسول الله مزاراً للمسلمين في صدر الإسلام بل كان أصحابُ النبيِّ الأخيار وأحفاده من أهل بيته الكرام ينهَوْنَ بعض العوام الذين لا اطلاع لهم على أحكام الإسلام عن المجيء الخاص إلى ناحية قبره للسلام عليه، ويعلمونهم السلام عليه من أماكنهم، فأي اعتبار إذن لتلك الأحاديث الواردة في هذا الموضوع؟ أفلا يدل ذلك على أنها من الأخبار الدخيلة التي طرأت على الإسلام؟؟.

وكلُّنا يعلم أن الإسلام لم يبقَ محصوراً في المكان الذي ظهر فيه (مكة والمدينة)، بل وصل بفضل الله وببركة جهود مسلمي صدر الإسلام إلى أقصى نقاط المعمورة، وخضعت له بلدان العالم في الشرق والغرب - والتي كان لها عادات وآداب وسنن دينية واجتماعية نابعة من حضارتها الخاصة -، ومن جملة ذلك كان في بعض البلدان ذات الحضارة، في تلك الأيام، احترامٌ كبيرٌ للأموات، فكانوا يبنون على قبور العظماء أبنيةً خاصّةً، كما كان الحال في مصر مثلاً التي يوجد فيها كثيرٌ من مقابر الملوك، وما الأهرامات الثلاث التي بُنيت فوق قبور الفراعنة إلا دليل واضح على مدى اهتمامهم بقبور عظمائهم، وكذلك نجد في أطراف إيران قبور «كورش الكبير» و«داريوش» و«بازرقاد» و«كوردختر» وسائر تلك الآثار التي ما نشأت إلا من الاهتمام بالأموات وتعظيمهم، وفي الحجاز نفسه كان عرب الجاهلية المشركين يؤمنون بقدرات كبيرة وتأثير للأموات السابقين، والظاهر أن أحد علل النهي عن زيارات القبور في بدء الدعوة هو هذه العقيدة الجاهلية الفاسدة التي تتصور أن بعض الأموات السابقين لهم قدرة وإحاطة وتصرف في أحوال الأحياء، وقد سعى الإسلام بكل قوة للقضاء على هذه العقائد ومحو آثار الجاهلية الخاطئة.

ولكننا نرى أنه بعد غروب شمس النبوَّة بدأت آثار الجاهلية تعود تدريجيّاً إلى الحياة من جديد، خاصَّةً بعد اختلاط المسلمين بشعوب الأمم المفتوحة التي كانت تتفوَّق عليهم في العراقة والمدنية ولاسيما في عهد العباسيين عندما أصبحت الدولة والخلافة الإسلامية تحت تصرُّف نبلاء العجم وأشراف إيران! فانتقل كثيرٌ من العادات والآداب والتقاليد الإيرانية تدريجياً إلى المسلمين وراجت بينهم بوصفها آداباً إسلامية!، ومن جملة ذلك آداب وسنن تجهيز الأموات مثل تشييع جنائز الأشراف برفع الرايات والأعلام وضرب الطبول والمزامير وبناء الأضرحة وإشعال المصابيح وغير ذلك من التقاليد. وبهذا سرت مسألة أهمية زيارة الأموات إلى المسلمين وبدأت تزدهر.

فَعِلَّةُ ذلك الانتشار الواسع لموضوع زيارات القبور إذن هي بكل بساطة تقليد المسلمين لسنن وآداب الشعوب غير الإسلامية واتباعها والتأثر بها.

ولكن يجب أن نبحث لماذا جاءت في كتب الحديث وكتب الزيارات كل تلك الأحاديث في ثواب وفضيلة زيارات الأموات، وهذا هو الهدف الأصلي من تأليف هذه الرسالة خاصة أنه في مذهب الشيعة أصبحت زيارات المراقد والقبور من أهم وأكبر العبادات إلى درجة طغت فيها من ناحية الثواب والاهتمام بها على سائر العبادات الأخرى!!.

 

+               +              +


 

4- علّة الاهتمام الزائد بالزيارات ووضع الأحاديث في فضائلها

يمكننا أن نجمل علّة الاهتمام الزائد بزيارات مراقد الأئمّة والأولياء، لدينا معشر الشيعة الإمامية، بالأمرين التاليين:

1 - لقد كان لسياسة الشيعة دورٌ هامٌّ في أمر الدين ومسألة الزيارة. وعلّة ذلك أنَّ تلك الفئة من الصحابة الذين كانوا من مؤيدي حضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في أواخر حياة رسول الله والذين كانوا يرونه أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة، اضطروا هم ومن آمن بفكرتهم من أتباع وشيعة أمير المؤمنين، بعد استلام معاوية الحكمَ عقب صلح الإمام الحسن عليه السلام، إلى التخفّي والاستتار نظراً لما وقع عليهم من ملاحقات واضطهاد، ولم تُكَلَّل محاولات نقل الحكم من بني أميَّة إلى آل عليٍّ بالنجاح إلى أن وقعت فاجعة كربلاء الدموية الأليمة، فلجأ من بقي من شيعة أهل البيت من معارضي أعداء الحكومة الأموية، والذين لم يكونوا جميعاً على مستوىً كبير من العلم والتقوى، بل كان كثيرٌ منهم من الأصدقاء الجهلاء، إلى السعي إلى إضعاف الأمويين عن طريق إقناع الناس بعدم مشروعية حكومتهم وتحريض الناس ضد بني أمية عن طريق نشر فضائل الإمام علي والإمامين الحسن والحسين عليهم السلام والتي كانت لا تزال مستقرة في صدور بقية أصحاب رسول الله كالبحر الزخّار هذا من جهة، وقد تسربت من هذا الطريق بعض الأخبار الموضوعة التي وضعها بعض المتحمّسين، ومن الجهة الأخرى قاموا بذكر آلام ومصائب آل عليٍّ الأبرار التي تعرّضوا لها على أيدي الظلمة من بني أمية لا سيما شهادة سيد الأحرار الحسين بن علي عليهما السلام، وهنا أيضاً لم يُقَصِّر بعض الغلاة من وضع الأخبار في هذا المجال، إلى أن دالت دولة بني أمية على أيدي بني العباس الذين أوقعوا من الظلم على آل عليٍّ ما فاق ظلم بني أميّة لهم! فاستمرَّت - نتيجةً لذلك - تلك الطريقة، أي ذكر ظلم المخالفين ومصائب أهل البيت عليهم السلام وبيان فضائل العترة الكثيرة، ومن البديهي أن مثل هذه الأعمال (أي الزيارات وقراءة المراثي وإقامة المآتم ومجالس العزاء) تلعب دوراً كبيراً في تحميس الناس وإثارتهم، فلا غرابة أن نجد أن سوق وضع الأخبار والأحاديث في ثواب الزيارات وفي الأجر الجزيل لمن يقيم أو يحضر مراثي ومآتم آل البيت يروج ويزدهر، وتُنْسَبُ في هذا المجال أحاديث وروايات كثيرة إلى أئمة آل البيت عليهم السلام! لأن ذلك من شأنه أن يؤثِّر كثيراً في الناس وإن كان تأثيراً مؤقتاً سريع الزوال!.

ولعلَّ بعض القرّاء الكرام يستبعد أن يقوم بعض المتدينين المحبين لآل الرسول بوضع الأحاديث على ألسنة الأئمة، ولكن كل من له اطلاع جيد على تاريخ الحديث الشريف وسيرته يعلم أن مثل هذا الأمر سهلٌ بالنسبة إلى أصحاب الأهواء السياسية الجامحة الذين يسعون لتحقيق مصالح مبدئهم الذي يوقنون بصحَّته، وهذا ما سيطلع عليه القارئ فيما يلي إن شاء الله.

2 - أما العلّة الثانية المؤثّرة في وضع مثل هذه الأحاديث (أحاديث المناقب وفضائل الزيارات وثواب المآتم...الخ) فهي عداوة بعض المتظاهرين بالإسلام الباطنية لهذا الدين الحنيف ولتعاليم القرآن الحقَّة وكراهيتهم لحقائق الإسلام وأحكامه، والتي دفعتهم إلى السعي لتخريبه من الداخل بوضع الأحاديث الكاذبة. وتفصيل ذلك أن القرآن الكريم كان نوراً أشع من نور الربوبية واعتبر الإنسان رهين أعماله فقال: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) (الطور/21). وقال: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ)) (الزلزلة/8 - 9).

ومثل هذه الدقّة في الحساب لم تكن ترُقْ لزنادقةٍ كانوا يرغبون أن تبقى أبواب الشهوات أمامهم مُشْرَعَة، وأن تُتاح لهم ملذَّات الدنيا بلا رقيب ولا سؤال ولا محاسبة دقيقة يوم القيامة، فكان لزاماً عليهم أن يخترعوا طرقاً تبرِّر نجاة الإنسان - مهما عمل - من شدة عذاب اليوم العظيم، وتؤمّنه من مخاطر يوم الحسرة والندامة، بل تُغدق عليه الحورَ والقصورَ في جنان الخلد والرضوان ولو كانت صحائف أعماله سوداء!.

 مثل هذه الرغبات أوجدت وضّاعين يضعون أحاديثَ تجعل الفاجرين والفاسقين يتمتَّعون بنعمة الشفاعة وتجعل هذه النعمة متاحةً لمن يتوسل ويتضرع أمام مرقد إمامٍ مُتَوَفَّى أو ولِيٍّ مَيِّتٍ أو لمن يزور قبر إمام ويدعو عنده ببعض الكلمات غير المفهومة باسم دعاء مأثور، فيصبح بذلك مسلوب العيوب مغفور الذنوب، ويرتاح بمجرَّد قيامه بمثل هذه الأعمال المبتدعة من تجشُّم عناء العبادات ورعاية أحكام الحلال والحرام ويدخل في نهاية المطاف بكل عزة واحترام في جنة الرضوان!

وفي الواقع لقد ابتدأ ظهور مثل هذه الأحاديث التي كان الوضّاعون - الذين لا شك في نفاقهم وعداوتهم الباطنية للإسلام وكراهتهم لما أنزل الله من أحكام - يفترونها دفعاً لأوامر القرآن ونواهيه، منذ زمن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ مما دعا رسول الله إلى أن يقوم ويحذر الناس من هذا الخطر، كما نقل عنه ذلك أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: «لقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.»(46).

ولكن أصحاب رسول الله الأخيار رضي الله عنهم كانوا لا يزالون منتشرين في البلاد فما كان أحد يجرؤ على بثِّ أحاديث ملفَّقة، لذا كان سوق الأحاديث الباطلة لا يزال كاسداً، لكنه بدأ يروج تدريجياً فيما بعد هروباً من تعاليم القرآن الصارمة، كما بيَّن ذلك سلمان المحمّدي فيما نقله عنه حضرة الإمام أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام في الحديث التالي الذي أخرجه الكشي في رجاله فقال: «عن محمد بن حكيم، قال ذُكِرَ عند أبي جعفر عليه السلام سلمانُ، فقال ذلك سلمانُ المحمدي، إن سلمان منَّا أهلَ البيت، إنه كان يقول للناس هربتم من القرآن إلى الأحاديث، وجدتم كتاباً رقيقاً حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل فضاق ذلك عليكم وهربتم إلى الأحاديث التي اتسعت عليكم»(47).

هذا ورغم أن تدوين الأحاديث في بدء عهد بعثة رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كان ممنوعاً خشية أن يختلط بالقرآن الكريم، ثم سُمح لأفراد قلَّة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص - بناءً على بعض الروايات - أن يكتب ما كان يسمعه من رسول الله، واستمرّ التوقي من نقل وكتابة الحديث بعد رحلة النبي خشيةً من الصحابة أن يبدِّلوا عبارة أو كلمة من كلام رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) دون قصد(48)، كما روت عائشة «إن أباها (أبا بكر) جمع حدود خمسمئة حديثٍ عن رسول الله في دفتر خاص فبات ليلته يتقلب كثيراً! قالت فقلتُ: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أيّ بُنَيَّة هَلُمِّي الأحاديث التي عندك! فجئته بها، فدعا بنا فحرقها. فقلت: لمَ أحرقتها؟ قال خشيتُ أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنتُهُ ووثقتُ به ولم يكن كما حدَّثني فأكون قد نقلتُ ذاك»(49).

ولكن بعد مرور قرن من الزمن سمح عمر بن عبد العزيز بتدوين الأحاديث فكثر التدوين وراج وأصبح نقل الروايات والأخبار من مفاخر وامتيازات ذلك العهد ووصل الأمر إلى حد أن أصبح بيع وشراء الأخبار من أغلى متاع ذلك الزمن! ومن المعروف أنه قبل ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، كان أبو هريرة أو سمرة بن جندب (أو شخصٌ آخر) قد قبض كلٌّ منهما من معاوية أربعمئة ألف درهم ليروي حديثاً واحداً كاذباً!

وفي النهاية وصلت كثرة الأحاديث في زمن الإمام أحمد بن حنبل إلى درجة أنه جمع مسنده الذي يضم الآن بضعة وثلاثين ألف حديث من أصل مليون حديث! كما جمع الإمام البخاري صحيحه الذي يضم الآن سبعة آلاف حديث من أصل سبعمئة وخمسين ألف حديث، وكذا اختار مسلم أحاديث صحيحه البالغة أربعة آلاف من أصل ثلاثمئة ألف حديث!

ولم يكن هذا العمل - أي حركة الوضع - مقتصراً على أشخاصٍ في أوساط العامة المشتهرين بأهل السنة بل كانت شدته أكثر في أوساط الفريق الذي يطلق عليه اليوم اسم الشيعة، وكانوا يُنْبَذُون في ذلك الزمن بلقب الرافضة، الذين كانوا في الواقع أحزاباً سريَّةً، فكان وضع الحديث لديهم أكثر، وعلة ذلك أن معارفهم وآثارهم لم تكن تحت الرقابة ولا كانت مشهورةً ولم تبقَ لدى حزب خاصٍ أو جماعة محددة بل كانت كل يوم تنتشر وتُتَناقل خُفْيَةً من جماعة إلى أخرى إلى حد أن جماعة واحدة كانت تنشعب إلى عشر جماعات أحياناً.

وكان أكثر الوضّاعين الكذَّابين في العراق، إلى حدِّ قول بعضهم أن من كل ألف حديث لمحدِّثي العراق، 999 منها كذبٌ، وواحدٌ منها موضعُ شكّ!!.

وعلينا أن نعترف بحقيقة أن كثيراً ممن يعادون الإسلام في باطنهم كانوا يتظاهرون بأنهم من شيعة عليٍّ وآل البيت عليهم السلام، وكانوا يوجِّهون ضرباتهم المهلكة لجسم الإسلام، وكان أهم أسلحتهم وضع الحديث!! وهذه الحقيقة ستتأكد أكثر للقراء الكرام عندما يقومون بمطالعة كتب الملل والنحل لاسيما تلك التي كتبها علماء الشيعة الأعلام حول فرق ومقالات الشيعة وذلك مثل كتاب «المقالات والفرق» لـ«سعد بن عبد الله الأشعري» رحمه الله المتوفى سنة 301 هجرية، والذي كان من أعلام الشيعة وخواص أصحاب الأئمة عليهم السلام، أو كتاب «فرق الشيعة» تأليف «أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي» رحمه الله المتوفى 300 هـ ق، والذي يُعَدُّ من كبار علماء الشيعة الإمامية أيضاً ومن أسرة معروفة بالعلم والفضل.

لقد ذكر هذان المؤلفان «رحمهما الله» أكثرَ تلك الفرق التي كانت خارجة عن الإسلام أثناء بيانهم لفرق الشيعة مثل: السبئية والكيسانية والمغيرية والسرحوبية والرافضية والإسماعيلية والفطحية والواقفية والخطابية والنميرية وغيرهم، مما يُبَيِّنُ كيف أصبح الاسمُ المبارك لعلي بن أبي طالب عليه السلام وما عاناه هو وأبناؤه الكرام - الذين اشتهروا في الآفاق بالعدل وحسن السيرة - من ظُلْمٍ وحَيْفٍ، ملجأً يتستَّر خلفه بعض المنحرفين والزنادقة الذين يضمرون كره الإسلام ويسعون في خراب بنيانه، فاستطاعوا من خلال وضعهم للأحاديث وإحداثهم للمذاهب المبتدعة أن يمزقوا جسد المجتمع الإسلامي إرباً إرباً!.

وخلاصة ما تقدَّم أنه كان هناك دافعان لوضع الحديث: الدافع الأول الهوى السياسي ونصرة قضية آل البيت ومظلوميتهم، والدافع الثاني ذو شعبتين أولهما الفرار من القرآن ليصبح الإنسان بواسطة الأحاديث الموضوعة في مأمن من إنذاراته وتخويفاته ويصبح أكثر حرية في إشباع شهواته ورغباته، والثاني السعي إلى هدم الإسلام من داخله، وأحياناً كان الدافعان يجتمعان لدى الشخص أو الجماعة ذاتها! راجعوا أيها القراء الكرام الكتابين المذكورين للعالمين الشيعيين الجليلين سعد بن عبد الله الأشعري والحسن بن موسى النوبختي، رحمة الله عليهما، وانظروا كيف أن الذين أسسوا المذاهب والفرق العديدة كانوا يضعون الأخبار لحرف الناس عن أحكام الحلال والحرام وتشجيعهم على ارتكاب المحرمات!

مثلاً تلك الفرقة من أصحاب أبي الخطاب الأسديّ التي كانت تشكل في ذلك الزمن إحدى فرق الشيعة كانت - طبقاً لما جاء في كتاب المقالات والفرق (ص51، طبع طهران): «أحلُّوا المحارم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وتركوا الزكاة والصلاة والصيام والحج، وأباحوا الشهوات بعضهم لبعض...»! وهذه العبارة ذاتها نقلها النوبختي في كتابه فرق الشيعة أيضاَ (ص61/ طبع النجف) باختلاف يسير في ألفاظها حيث زاد على المحرمات اللواط والسرقة!!.

كما نقل صاحب كتاب«المقالات والفرق» (ص57) عن فرقةٍ تُدْعَى المجسِّمة أنهم: «وأباحوا الفروج كلها وأبطلوا النكاح والطلاق...»! وللاطلاع على سائر العقائد الفاسدة للفرق المنحرفة أمثال الإسماعيلية والنصيرية والنميرية راجعوا الصفحات: 63 و92 و100 من كتاب «المقالات والفرق»، والصفحات 81 و105 و116 من كتاب «فرق الشيعة» لكي تتأكدوا أن من أهم أهداف واضعي الحديث ومؤسسي الفرق الضالة الفرار من أحكام الإسلام وتخريبها.

ولعل قائلاً يقول: إن تلك الفرق التي ذكرت أنها كانت من ضمن فرق الشيعة في ذلك الزمن هي فرقٌ مرفوضةٌ اليوم في نظر الشيعة الإمامية. وثانياً لم يبقَ على وجه الأرض أي واحدة من تلك الفرق الضالَّة في يومنا هذا ولله الحمد، فما علاقة تلك الفرق فيما نحن فيه؟

 أقول: صحيحٌ أن تلك الفرق القديمة المغالية مرفوضةٌ في نظر الشيعة الإمامية وتعتبر في نظرهم من الفرق الضالّة، لكن لا تزال هناك أخبارٌ وآثارٌ عديدةٌ لهم وجدت طريقها إلى ثنايا كتب حديث الشيعة الإمامية، التي اختلط فيها الحق بالباطل، وامتزجت فيها الآثار الباقية عن الأئمة الهداة - عليهم السلام - بأقاويل منقولة عن رجالات تلك الفرق، ولم يتم إلى يومنا هذا - مع الأسف الشديد - عملٌ جديٌّ شاملٌ لفرز الدخيل عن الأصيل وتمييز الموضوع عن الصحيح!

هذا علاوةً على أن كثيراً من رواة أخبار وأحاديث الشيعة الإمامية هم من أتباع تلك المذاهب الباطلة ذاتهم مثل الفَطَحِيَّة والوَاقِفِية والشَلْمَغَانيّة وحتى بعض أولئك الذين اشتهروا بأنهم من كبار أصحاب الأئمة، كانوا من قَبْلُ من أتباع بعض تلك المذاهب الباطلة وأمضوا فيها مدَّةً من حياتهم قبل أن يرجعوا إلى مذهب الإمامية وذلك مثل أبناء أعين وأبو خديجة والمعلّى بن خنيس وغيرهم. فإذا لم نتمسَّك بالقرآن الكريم ونرجع إليه ونجعله حكماً لتمييز الصحيح من الخطأ فإن عملية تفكيك وتفريق الأخبار والآثار التي رواها أولئك زمن اعتقادهم بمذهبهم السابق وتلك التي رووها بعد رجوعهم إلى مذهب الإمامية ستكون عمليّةً عسيرةً للغاية.

 

 

+               +              +


 

5- الأحاديث الباقية من الفرق الضالّة

بغض النظر عن عيوبها الأخرى، توجد في كتب الحديث المعتبرة لدى الشيعة الإمامية أحاديث موضوعة تحمل رائحة المذاهب الباطلة وطعمها ذاته، فيظهر أنها تسرَّبت من أولئك الغلاة أصحاب دعاوى إسقاط التكاليف إذْ تدعو الإنسان بشكل غير مباشر إلى التجرؤ على الذنوب وفعل ما نهى القرآن عنه! وإليكم بعض الأمثلة:

1 - روى الشيخ الصدوق ابن بابويه القمي في «الأمالي» في «المجلس الثمانون» (ص 539) ضمن بيان فضيلة شهر رجب وثواب صيامه الرواية التالية:

«... ومن صام من رجب تسعةً وعشرين يوماً غفر الله عزَّ وجلَّ له ولو كان عشّاراً أو لو كانت امرأة فجرت بسبعين مرَّةً [امرأً] بعد ما أرادت به وجه الله والخلاص من جهنم لغفر الله لها!......».

لاحظ أيها القارئ الكريم أنه بصيام تسعة وعشرين يوماً يمكن للمرأة المومس التي زنت سبعين مرَّة ربما في سبعين رجلاً أي زنت 4900 مرَّة أن يُغْفَر لها!!

2 - وذكر العلامة الحلي في كتابه الفقهي «منتهى المطلب» (ج1/ص461) روايةً غريبةً لا سند لها ولا مصدرٍ، فقال: «[الرابع] يُسْتَحَبُّ أن يجعل معه شيئاً من تربة الحسين عليه السلام طلباً للبركة والاحتراز من العذاب (والستر) من العقاب، فقد رُوِيَ أن امرأة كانت تزني تضع أولادها فتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها ولم يعلم به غير أمّها، فلما ماتت دُفِنَتْ فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض فنُقِلَتْ عن ذلك الموضع إلى غيره فجرى لها ذلك، فجاء أهلها إلى الصادق عليه السلام وحكوا له القصة فقال لأمِّها ما كانت تصنع هذه في حيوتها من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال عليه السلام: إن الأرض لا تقبل هذه لأنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين عليه السلام، ففعل ذلك فسترها الله تعالى»!!.

أجل، بمقدارٍ قليلٍ من التربة يُرْفَعُ العذاب عن جرائم بمثل تلك الفظاعة والبشاعة التي يهتزّ لهولها العرش!!

3 - في المجلد التاسع عشر من بحار الأنوار (ص302/طبع كمپاني) ينقل المجلسي عن كتاب «مهج الدعوات» للسيد بن طاووس(50) الرواية التالية، قال:

«رويناه بإسنادنا إلى سعد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن الحسين بن الجهم عمن حدثه عن الحسن بن محبوب أو غيره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام قال: إن عندنا ما نكتمه ولا نعلِّمُهُ غيرَنا، أشهد على أبي أنه حدثني عن أبيه عن جده قال: قال لي علي بن أبي طالب عليه السلام: يا بُنَيّ! إنه لا بد من أن تمضي مقادير الله وأحكامه على ما أَحَبَّ وقضى وسيُنْفِذُ الله قضاءه وقدره وحكمه فيك، فعاهِدْني أن لا تلفظ بكلام أستره إليك حتى أموت وبعد موتي باثني عشر شهراً وأخبرك بخبر أصله عن الله: تقول غداوة وعشية فيشتغل به ألف ألف ملك يُعْطَى كلٌّ منهم قوة ألف ألف كاتب في سرعة الكتابة ويوكل بالاستغفار لك ألف ألف ملك يُعْطَى كل ملك مستغفر قوة ألف ألف متكلم في سرعة الكلام ويبنى لك في دار السلام ألف ألف بيت في مائة قصر يكون فيه من جيران أهله ويبنى لك في الفردوس ألف بيت في مائة قصر يكون لك جار جدك ويبنى لك في جنات عدن ألف ألف مدينة ويحشر معك في قبرك كتاب يقول ها أنا لا سبيل عليك للفزع ولا للخوف ولا لزلازل الصراط ولا لعذاب النار ولا تدعو بدعوة فتحب أن تجاب في يومك فيمسي عليك يومك إلا أتاك كائنة ما كانت بالغة ما بلغت في أي نحو كانت ولا تموت إلا شهيداً وتحيي ما حييت وأنت سعيد ولا يصيبك فقرٌ أبداً ولا جنونٌ ولا بلوى ويُكْتَب لك في كل يوم بعدد الثقلين كل نفس ألف ألف حسنة ويمحى عنك ألف ألف سيئة ويرفع لك ألف ألف درجة ويستغفر لك العرش والكرسي حتى تقف بين يدي الله عز وجل ولا تطلب لأحد حاجة إلا قضاها ولا تطلب إلى الله حاجة لك ولغيرك إلى آخر الدهر في دنياك وآخرتك إلا قضاها.... (إلى قوله:) فعاهد الحسنُ عليّاً على ذلك ثم قال: إذا أردت إن شاء الله ذلك فقل هذا الدعاء: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبحان الله في آناء الليل وأطراف النهار سبحان الله بالغدو والآصال سبحان الله.... (إلى آخر الحديث»(51)

كل ذلك الثواب العميم والأجر الخطير على ماذا؟ على قراءة دعاء بسيط من عدة أسطر أولها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر وعدد من الجمل الأخرى. ولا ننسَ بالطبع أن أمير المؤمنين قد أخذ من حضرة الحسن أو الحسين عهداً ألا يبيحا ذلك السر لأحدٍ، ولكن ويا للأسف! كُشف ذلك السرّ وفُتح باب هذا الكنز العجيب والعظيم فملأ الكتب، والآن يمكن لكل فاسق وفاجر ألا يبالي بكل إنذارات القرآن ويواصل فسقه بكل طمأنينة بال!! وأهل المعاني يعرفون أن هذا الإصرار على كتمان ذلك السر إنما كان لتحلية سوقه وتشويق الناس إليه على قاعدة: «الإنسان حريص على ما منع» و«كل ممنوع مرغوب» وبالتالي فعليهم أن يحرصوا على هذا الدعاء قبل أن يطير من أيديهم فيفقدوا كل ذلك الثواب الجليل والأجر الجزيل!!.

4 - وهناك أحاديث أخرى عديدة أيضاً على ذلك النمط في كتاب «مهج الدعوات» تشكل ملاذاً جيداً يلتجئُ إليه الباحثون عن مأمنٍ من إنذارات القرآن، ومن جملة ذلك حديثٌ في الدعاء، أورده المجلسي في المجلد التاسع عشر من «بحار الأنوار» نقلاً عن «مهج الدعوات» ينصّ على مقادير هائلة من الثواب تلقاء دعاء بسيط يضمن لمن قرأه غفران ذنوبه حتى ولو كان من بينها الزنا بأمه!!! وإليكم الحديث من «مهج ‏الدعوات» (ص75 - 76):

«قال حدثنا عبد الله قال حدثنا أبو جعفر حميد البصري قال بلغنا عن رجل من أهل نيشار يقال له عبد الله قال حدثنا إبراهيم بن أدهم عن موسى الفراء عن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) قال: من دعا بهذه الأسماء استجاب الله عز وجل له وقال (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لو دعي بهذه الأسماء على صفائح من حديد لذاب الحديد بإذن الله تعالى وقال (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) والذي بعثني بالحق نبيّاً لو أن رجلا بلغ به الجوع والعطش شدة ثم دعا بهذه الأسماء لسكن عنه الجوع والعطش، والذي بعثني بالحق نبيّاً لو أن رجلاً دعا بهذه الأسماء على جبل بينه وبين الموضع الذي يريده لنفذ الجبل كما يريده حتى يسلكه والذي بعثني بالحق نبيّاً لو دعا بهذا الدعاء عند مجنون لأفاق من جنونه..... (إلى قوله): ولو أن رجلاً دعا بهذا الدعاء أربعين ليلةً من ليالي الجمع لغفر الله عز وجل له كلَّ ذنب بينه وبين الله تعالى ولو فجر بأمه لغفر الله له ذلك.... (إلى قوله): وهي هذه الأسماء تقول اللهم إني أسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه يا من تسربل بالجلال والعظمة واشتهر بالتجبر في قدسه يا من تعالى بالجلال والكبرياء في تفرد مجده يا من انقادت الأمور بأزمتها طوعا لأمره... (إلى آخر الدعاء الطويل)، قيل إن سلمان الفارسي رحمه الله قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ألا أعلمه الناس؟؟ قال: لا يا أبا عبد الله! يتركون الصلاة ويركبون الفواحش ويغفر لهم ولأهل بيتهم وجيرانهم ومن في مسجدهم ولأهل مدينتهم إذا دعوا بهذا الأسماء!!.».

أي أن ثواب هذا الدعاء عظيم وسريع وخارق إلى درجة أنه لا يضمن غفران ذنب قارئه - الذي من جملة ذنوبه ترك الصلاة وارتكاب الزنا حتى بأمِّه - فحسب، بل كل الناس الساكنين في مدينة ذلك الداعي ستُغْفَرُ ذنوبُهُم أيضاً!!!

فماذا تريد من حديث أفضل من ذلك؟ ناقلٌ مثل السيد ابن طاووس وراوٍ مثل أمير المؤمنين (علي) وقائل مثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ - حاشاهما ذلك -؟! وبهذا تم خير الدنيا والآخرة!! فمن لم يعجِبْه فلينطح رأسه بالحائط!

5 - ومن الأحاديث الأخرى المعادية للقرآن والموجودة بكثرة في الكتب المعتبرة حديثٌ آخر في كتاب «مهج الدعوات» للسيد ابن طاووس - حسب ما نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار (مجلد19/ص296) - يقول:

«و من ذلك دعاء جامع لمولانا ومقتدانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام رويناه بإسنادنا إلى سعد بن عبد الله في كتابه كتاب فضل الدعاء قال حدثنا يعقوب بن زيد يرفعه قال قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: قال لي رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): يا علي! لو دعا داع بهذا الدعاء على صفائح الحديد لذابت والذي بعثني بالحق نبيّاً لو دعا داع بهذا الدعاء على ماء جار لسكن حتى يمر عليه والذي بعثني بالحق نبيّاً أنه من بلغ به الجوع والعطش ثم دعا بهذا الدعاء أطعمه الله وسقاه والذي بعثني بالحق نبيّاً لو أن رجلا دعا بهذا الدعاء على جبل بينه وبين موضع يريده لانشعب الجبل حتى يسلك فيه إلى الموضع الذي يريده...... (إلى قوله): والذي بعثني بالحق نبيّاً لو دعا به داع أربعين ليلة من ليالي الجمع غفر الله له كل ذنب بينه وبين الآدميين ولو كان فجر بأمه غفر الله له ذلك... (إلى قوله): والذي بعثني بالحق أنه من نام وهو يدعو به بعث الله إليه بكل حرف منه ألف ألف ملك من الروحانيين وجوههم أحسن من الشمس والقمر بسبعين ضعفاً يستغفرون الله ويكتبون الحسنات ويرفعون له الدرجات. قال سلمان: فقلت له بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين! أيعطى بهذا الأسماء كل هذا؟؟ فقال: قلت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أيعطى الداعي بهذه الأسماء كل هذا؟؟ فقال: يا علي! أخبرك بأعظم من ذلك من نام وقد ارتكب الكبائر كلها وقد دعا بهذا الدعاء فإن مات فهو عند الله شهيد وإن مات على غير توبة يغفر الله له ولأهل بيته ولوالديه ولولده ولمؤذن مسجده ولإمامه بعفوه ورحمته. يقول: اللهم إنك حي لا تموت وصادق لا تكذب وقاهر لا تقهر وبدي‏ء لا تنفد وقريب لا تبعد وقادر لا تضاد وغافر لا تظلم وصمد لا تطعم وقيوم لا تنام ومجيب لا تسأم وجبار لا تعان وعظيم لا ترام وعالم لا تُعَلَّم وقوي لا تضعف وحليم لا تعجل وجليل لا توصف ووفيٌّ لا تخلِف.... (إلى آخر الدعاء).»(52).

نعم هذه هي بعض الأدعية الموجودة في كتبنا الموثقة!! التي حررها أعلام كبار أمثال الشيخ الصدوق والعلامة الحلي والسيد بن طاووس وأمثالهم! وهذه الأدعية تحتاج إلى استعداد خاص للزنا بالمحارم لكي يستفيد قارئها منها بشكل جيد ويستخدمها وسيلة لغفران ذنوبه!! وعندئذ له أن يرتكب ما يشاء من الذنوب وأن ينال شهوته من كل امرأة لأنه ليس هناك زنا أكبر من الزنا بالأم ورغم ذلك فإن هذا الحديث الملفَّق يعتبر هذا الدعاء سبباً لغفران حتى من يرتكب الفجور بأمه!! فأي ذنب بعد ذلك يستطيع أن يقف أمام قوَّة الغفران الهائلة التي يملكها ذلك الدعاء ويقاومها، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

أجل هذه هي بركات بعض الأحاديث الموضوعة في كتبنا الموثقة!! وفي مثل هذه الكتب بالذات ورد أن ثواب زيارة قبر لإمامٍ يعادل تسعين حجة مع رسول الله وأكثر من مليون حجة مع غيره!!!

وهنا يقول بعض مخالفينا من الذينَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ البِدَعَ ممن لا حجة لديهم عندما نواجههم بمثل هذه الانتقادات لكتبنا وأخبارنا: ما الذي يدعوك إلى البحث والتفتيش ونبش مثل هذه النوادر الغريبة والضعيفة التي لا يعرفها أحد، ولا يأبه بها أحد، وتكبيرها وإظهارها أمام الأعين؟!

فأقول مجيباً:

أولاً: إن ما أتينا به من هذه الروايات الملفَّقة البدعية الهادمة للسنن ليس نوادر غريبة بل يوجد مثلها الكثير وهي في متناول كل يد.

ثانياً: وحتى لو فرضنا أنها روايات نادرة - رغم أن الكتب مملوءة بمثلها - أليس رواية واحدة من هذا النمط كافية لزلزلة أركان الدين وهدم بنيان الشريعة؟!

عندما ينال الإنسان، بمجرد قراءة دعاء مسند ومختصر، غفرانَ جميع ذنوبه حتى دون توبة ويملك الجنان والحور والقصور، وعندما ينال أجرَ تسعين حجة مع رسول الله بمجرد قراءة نص زيارة أمام قبر إمام، وعندما يطفئ غضبَ الله عليه بقطرة دمع يذرفها في مأتم الحسين!، فهل يبقى أثرٌ لكل آيات الوعيد في القرآن الكريم التي تزيد على ألف آية؟ وهل يبقى في المجتمع الذي يؤمن بمثل تلك الروايات أي إنسانية وتدين؟! إن العيان يغني عن الكلام! أجل إنَّ مثقالاً من السم كافٍ لتلويث نهر بأكمله وتسميم آلاف الأشخاص وقتلهم.

والأخطر من كل ذلك هو الألفاظ الشركية الواردة في أمثال تلك الأدعية الكاذبة ونصوص الزيارات الملفقة مثل جملة «عين الله الناظرة ويده الباسطة» في مخاطبة أمير المؤمنين علي عليه السلام! والتي جعلت أحد آيات الله العظمى في زماننا (!) (أبو الفضل النبوي) يثبت بواسطتها الولاية التكوينية وعلم الغيب، الذي لا يعزب عن صاحبه مثقال ذرة، للأئمة!! ويستدلّ بجملة: «إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم!» الواردة في «الزيارة الجامعة الكبيرة» على أن جميع شيعة الأئمة معفوٌ عنهم ومغفورةٌ ذنوبهم كلُّها، وليس هذا فحسب بل إنهم يملكون الشفاعة لجميع خلق العالم!! وبهذه الجملة من نصِّ تلك الزيارة يُقضى على عشرات آيات الوعيد والإنذار بأسوأ العذاب يوم القيامة للمجرمين والأشرار التي تهتز لها الجبال وتتفتت من خشيتها الأكباد!!

ألا يجب على كل عاقل أن يسأل: كيف يمكن أن يأتي رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ بكل آيات الوعيد والإنذار والتخويف التي تسلب الأمن من عذاب الله من كل مَن يقرؤها من جهة ثم في الوقت ذاته يرشد إلى قراءة دعاء من عدة أسطر أو إلى القيام بزيارة قبر وقراءة دعاء ونص زيارة عنده لكي تغفر كل الذنوب وينال القارئ آلاف الحور العين والقصور وآلاف آلاف الحسنات والثواب!! أليس هذا هو التناقض بعينه؟ وإن لم يكن هذا تناقضاً فما هو الناقض إذن؟ لعلَّ تأمّل القارئ المنصف في هذه الرسالة التي نحررها يهديه إلى حقيقة ما نقول!

كما ذكرنا سابقاً كانت الغاية من وضع الأحاديث وتلفيق الأخبار منذ البدء تحقيق أهداف سياسية من جهة ومعاداة الحقائق الدينية والتعاليم الإسلامية من الجهة الأخرى وهو ما شرحناه في كتابنا «ارمغان آسمان» (أي هدية السماء)، ونضيف هنا أن الروايات الملفقة في موضوع المجازفات العجيبة في ثواب الدعاء والزيارة والمحبة والولاية إنما وضعت - قطعاً - لتقضي على خوف المسلمين وخشيتهم من ارتكاب المعاصي وبالتالي إضعاف أحكام الدين وإلا فليس لتلك الأدعية ذلك الأثر ولا لتلك الزيارات ذلك الثمر وكما ذكرنا سابقاً ليس لزيارة الأموات في شريعة حضرة خير البريات كل تلك البركات المدَّعاة!.

هنا قد يطرح سؤالٌ نفسه يقول إن مسألة ثواب الزيارات ليست منحصرة بفرقة الشيعة بل يمكننا أن نجد في كتب أهل السنة أيضاً أحاديث في هذا الباب. ومن جملة ذلك ما ذكره السمهودي في كتابه «وفاء الوفاء» حيث روى فيه سبعةَ عشرَ حديثاً في فضل زيارة قبر النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالإضافة إلى ثلاثة وثلاثين حديثاً في هذا الأمر من طرق الشيعة.

وبالطبع بعض تلك الأحاديث مكررة من حيث المتن أو السند بحيث يمكن أن نرجعها جميعها إلى حديثين فقط!! أوردهما البيهقي في السنن الكبرى (ج5/ص245) أحدهما في سنده مجهول والآخر ضعيف!!.

تسعة من الأحاديث السبعة عشر التي أوردها السمهودي يرويها «ابن عمر» ولعل هذا الاستناد يعود إلى أنه من بين أصحاب رسول الله كان من عادة عبد الله بن عمر وحده أن يذهب عند عودته من كل سفر إلى باب المنزل الذي فيه قبر رسول الله وقبر أبي بكر وقبر أبيه فيلقي عليهم السلام! لذا استند واضعو الحديث إلى عمله فلفقوا عليه هذا الحديث وأسندوه إليه!

ولو دققنا في أسانيد تلك الروايات لوجدنا أكثر رواتها مجاهيل! وأحد العجائب في هذه الأحاديث أننا نشاهد في أغلبها جملة: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي»! وهذه العبارة بالذات دليل على عدم صحة تلك الأحاديث، لأن كل إنسان منطقي وعاقل، وحتى من يريد أن يعتمد على مضمون تلك الأحاديث، يدرك أن الحياة أفضل من الممات، هذا من جهة ثم من الجهة الأخرى إن زيارة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وحدَها - إذا لم تُشْفَع بالإيمان الكامل وصلاح العمل واستقامة السيرة لا تنفع الزائر شيئا وحدَها، فليت شعري أيُّ فضيلة نالها من الزيارة أولئك الذين زاروا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إبَّان حياته ولكنهم لم يعملوا بتعاليمه ولم يستقيموا على دينه؟؟ حتى ينال مثلها من يزوره بعد موته؟ خاصة أن الحديث يبدأ بكلمة«من» التي تفيد العموم وتشمل بعمومها كلَّ من يزور قبره أياً كانت أعماله! وبالتالي يشمل الحديث كل من زاره زمن حياته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ من الكفار والمنافقين وممن بدّلوا وغيروا ولم يتبعوا السابقين من المسلمين بإحسان، أي الذين لم يكن لهم أي فضيلة في زيارته وليس هذا فحسب بل على العكس كانت تلك الزيارة حجةً عليهم وسبباً لخسرانهم يوم القيامة، فكذلك بالنسبة للمؤمنين لا تُكْسِبُ الزيارةُ وحدَها الزائر فضلاً بل ما يوجب السعادة والنجاة له هو إتباع النبيّ والتأسي به في أعماله الصالحة. ولهذا نجد أن أويس القرني الذي لم ير حضرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ ولم يزُرْهُ في حياته قد نال - كما هو مشهور - ثناء النبي ومديحه(53) إلى درجة أنه صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ قال في حقِّه: «إني أجد نَفَسَ الرَّحْمنِ مِنْ جَانِبِ اليَمَنِ»(54) في حين أن عبد الله بن أبيّ بن سلول (زعيم المنافقين) الذي رأى رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مراراً وزاره، لم ينله إلا اللعن مِنْ قِبَلِ اللهِ ورسولِه.

إن من المسلَّم به إلى درجة القطع واليقين أن أياً من تلك الأحاديث سواء كانت خمسين حديثاً أو حديثين، لم تصدر عن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ، وإلا لو سمع الناس واحداً فقط من تلك الأحاديث في زمن حياته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ لأصبح مكان دفنه منذ أول يوم مزاراً يتردد إليه كل الصحابة! لا أن يبقى القبر في غرفة يعلوها الغبار ويُكْتَشَف في زاوية من زواياها، بعد قرنٍ، قماشةُ رحل جمل مهترئة، وفي الزاوية الأخرى إناء خالٍ يعلوه الغبار!.

وبصرف النظر عن أن الإسلام - كما مرَّ - نهى في بدء أمره عن التردد إلى زيارة القبور ثم أمر بها للعبرة وتذكر الموت، فإن كل الرواة الموجودين في أسانيد أحاديث فضائل الزيارات هم من الغلاة والضعفاء والمجاهيل. وسنقوم فيما يتلو ببيان حال حوالي أربعين نفر منهم كما جاء شرحها في كتب أئمة الرجال وأنت أيها القارئ أفهم القصة المفصلة من هذا البيان المجمل!!

فهذه الأحاديث إن لم تكن لأجل تخريب الدين فهي ليست على أي حال لتأييده ولن تكون كذلك! وإذا تأمَّل القارئ الباحث عن الحقيقة بدقة ما أوردناه في كتابنا المختصر هذا من ترجمة حال رجال تلك الأحاديث التي تجعل لزيارات القبور كل ذلك الثواب والأجر، ولاحظَ وضعَ رواتَها الذين أتحفونا بها، أدرك أن هذه الأحاديث ليست مقبولةً سنداً ولا معقولةً متناً! بل هي أكاذيب من نسج خيال حفنة من الغلاة والجهلة إن لم يكونوا أعداء الإسلام فإنهم على أقل تقدير من أجهل الناس بحقائقه وأبعدهم عن الاهتمام بتعاليمه الحقة ((ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ... وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)) (النور/40).

 


 

6- أضرار أحاديث الزيارة وخصومتها لآيات القرآن

إن الحديث الشريف والسنة النبوية أصلٌ من أصول الإسلام لا غنى عنه لفهم أحكام الشريعة الإسلامية وسنَّة النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وإدراك تفصيل مجملات آيات القرآن الكريم، غير أن الأحاديث الدخيلة والمكذوبة التي تسلَّلت من خلال الأحاديث الصحيحة أحدثت أضراراً جسيمةً بأحكام القرآن، ووجهت ضربةً شديدة لأوامر الشريعة ونواهيها وسنشير إشارات مجملة لبعضها!

ولا يقتصر ضرر الأحاديث الموضوعة والأكاذيب الملفَّقة على الوعود المجازفة بثواب لا حدّ له ولا حساب على الزيارات والأدعية وحضور مآتم آل البيت وأمثالها، مما يفقد القوى المحركة للدين والشريعة أثرها، بل يحول الإنسان - على العكس - إلى حيوان بل ما إلى هو أسوأ بمئات المرات، أقول لا تنحصر أضرار الأحاديث الملفَّقة بهذا الأمر فحسب، بل إن لها تأثيراتها السلبية جداً على جميع تعاليم الإسلام!

فمثلاً الصلاة، التي تُعَدُّ عمود الدين وركن الإسلام الهامّ، أخذت في بعض الأحاديث شكلاً مختلفاً تماماً!! والزكاة التي ما شُرِعَتْ إلا لتأمين معيشة الفقراء بل تأمين ميزانية بلاد الإسلام، تم حصرها بواسطة بضعة روايات موضوعة وغير معقولة بتسعة أصنافٍ هي الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم بشرط أن تكون سائمة غير معلوفة، وبالذهب والفضة المسكوكَيْن، وبالغلّات الأربعة البر والشعير والتمر والزبيب بعد توفر شروط خاصة فيها، الأمر الذي أفقد الزكاة في هذا الزمن كل أهمية وأصبحت بلا أثر تقريباً!. وكذلك روّجت تلك الأحاديث الدخيلة في أوساط الشيعة لقضية «الخمس» مع أنه ليس لمثل هذا الحكم أثرٌ عن الله ورسوله ولا في عمل مسلمي صدر الإسلام! (55).

كذلك يتم - استناداً لمجموعة من الأحاديث المخْتَلَقَة الموضوعة - صرفُ أموالٍ وفيرةٍ واستهلاكُ أملاكٍ كثيرةٍ على بناء الأضرحة المفضضة والقباب المطلية بالذهب على قبور الأئمة، وحسب إقرار محاسبي الأوقاف في بلادنا فإن ربع أراضي وأملاك إيران مكرسةٌ لتعمير وتزيين تلك المقابر والمشاهد التي صارت أشبه بقصور السلاطين الجبابرة وفراعنة الزمان، حتى أصبحنا نرى في كل مدينة وقرية صغيرة قبوراً وأضرحةً فخمةً ذات أبّهة وجلال وأوقافاً كثيرةً تابعةً لها.

وفرضوا بقوة تلك الأحاديث عدداً من الكسالى والطفيلين تحت اسم السادات والأشراف والعلماء على رقاب المسلمين إلى الحد الذي أصبح فيه لكلِّ فرد معمَّمٍٍ قليل الاطلاع في زماننا - باسم الولاية - الحق في التصرُّف بشؤون المسلمين بل بجميع أقوام الدنيا! حتى أصبحنا نخشى أن يصبح اسم الإسلام - لا سمح الله - مكروهاً ومنفوراً في أنحاء العالم!

إن هذه الأضرار المؤذية للأحاديث الموضوعة ومئات مثلها تُضاف إلى أضرار إيجاد الغلو والإفراط بحق الأئمة عليهم السلام، رغم أنهم كانوا من أكثر عباد الله تواضعاً، فجعلتهم بعض الروايات الكاذبة سادة عالم الوجود والمتصرفين في الكون وأنداداً وشركاء لرب العالمين!! ((تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)).

وغنِيٌّ عن الذكر أننا لا ننكر أصل الحديث ولا نعارض أصل السنة بل على العكس - كما قلنا في بداية الموضوع - نعتبر الحديث ضرورياً جداً لفهم أوامر ونواهي الشريعة وتفصيل مجملات القرآن، بيد أن الحديث الذي يفصِّل مجملات القرآن ويبين أحكام الحلال والحرام هو ذاك الذي يؤيِّدُ القرآنَ ويوافقه - كما أرْشَدَنَا إلى ذلك الأئمة عليهم السلام - لا الأحاديث التي تنسخ القرآن وتنقض تعاليمه!!.

 فمثلاً الأحاديث التي تعطي الثواب العظيم الذي لا يُصَدَّق لمن يقوم بزيارة القبور تخالف القرآن إما صراحةً أو كنايةً لأن القرآن الذي يقول ((أَلْـهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْـمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ)) (التكاثر/1 - 3) يعتبر زيارة المقابر لأجل التكاثر والتفاخر أمراً مكروهاً بل ممنوعاً، من هنا نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في بداية دعوته عن زيارة القبور - كما مرَّ - ثم أمر بها فيما بعد بهدف العبرة وتذكّر الآخرة أو تذكُّر الموت، مما يعني أن الزيارات التي تتم حالياً ليست مستثناة من ذلك النهي الابتدائي لأن تلك الأضرحة الجليلة والمشاهد الفاخرة التي تفوق في زخرفتها بلاط الفراعنة والأكاسرة لا تذكر بالموت ولا بالآخرة بل تضاعف حب الدنيا وزخارفها في قلب الإنسان! فالأغنياء والأثرياء الذين يشاهدون تلك القباب والمآذن المذهَّبَة والحيطان المزخرفة والثريات الضخمة والفخمة والزينات الباذخة والأبنية المرتفعة والسجاد الفاخر يسعون إلى تقليد تلك الزينات في بيوتهم وقصورهم فيأتي أولادهم وأحفادهم ويتفاخرون بها ويتبع ذلك من المفاسد ما يتبع!.

هذا علاوة على أن تلك الوعود الموجبة للغرور بإعطاء درجات خيالية من الثواب على الزيارة أو على قراءة دعاء أو على البكاء أو التباكي في مآتم الأئمة التي تبلغ أحياناً منزلةً لا يصلها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ!! من شأنها أن تُضْعِفَ تأثير آيات الوعيد والبشارة والإنذار في القرآن الكريم أكثر مما تفعله جنود أبو جهل وأبو سفيان!.

ويعلم الله السميع العليم - وكفى بالله شهيداً - أن كاتب هذه السطور لا هدف له من تأليف هذه الكتب والرسائل سوى إزالة غبار الأوهام والأكاذيب عن الوجه المنوَّر لدين الإسلام، وقد صرفتُ لأجل هذه الغاية السامية أيَّام عمري وتحملتُ في هذا السبيل الآلام والتُّهَم إلى الحد الذي تعرَّضْتُ فيه لمحاولة القتل، وأنا على يقين أنه حتى بعد موتي سيلعنني كثير من خاصة الناس وعامتهم ويسبونني ليل نهار! ولكنني لمّا كنت أسعى إلى هذا الهدف إرضاءً لله تعالى العليم ذي الجلال والإكرام معتبراً هذا العمل جهاداً لنصرة الحق وإعلاء راية الإسلام فإنني أتحمل كل مشقة ومصيبة واحتسب أجرها عند الله وأعتبره أفضل من أجر المجاهدين بسيوفهم في سبيل الله!

وهنا لا بد من ذكر نقطة وهي أن بعض مؤيدي الزيارات عندما تعييهم الحجج يقولون: لِنَفْرِضَ أن زيارة قبور الأولياء والأئمَّة ليس لها كلُّ ذلك الثواب فعلاً، ولم يأمر بها الشارع، إلا أن تلك المشاهد والأضرحة ليست بأقل أهمية من نصب الجندي المجهول الذي يوجد في كل بلدان العالم المتمدِّنة وينال احترام الناس ويزوره الوافدون والقادمون والكبار والرؤساء!!.

فأقول: رغم أن هناك تفاوتاً وتضاداً واضحاً بين الأمرين إلا أننا نقول مع ذلك أننا لا ننكر أصل زيارة القبور بل نرى أن لها فوائد وفضائل أكثر من زيارة الجندي المجهول ولكننا نرى أنها يجب أن تتم ضمن الشروط والضوابط التالية:

أولاً - يجب إزالة كل تلك الأحاديث الملفَّقة والروايات الموضوعة حول الزيارات والمجازفات والمبالغات في أجرها وثوابها، فلا ننسبها إلى الشريعة، ولا نرتب أثراً عليها، فلا نعظِّم القبور ذلك التعظيم، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن به الله، ولا نبذر الأموال في أعمال لا طائل تحتها.

ثانياً - أن نكتفي بزيارة واحد أو اثنين من قبور أئمة الدين التي اشتهر أصحابها بالفضائل والمناقب والمآثر في حياتهم، لا أن نوجد في صقع وبلدة مزاراً وضريحاً.

ثالثاً - أن نُجَنِّبَ القبورَ كلَّ تلك الزخارف والزينات وصرف الأموال ونطهرها من الممارسات الشركية مثل تقديم النذور وطلب الحوائج، حتى لا نقع في ورطة الشرك والعياذ بالله.

رابعاً - والأهم من كل ما سبق أن نعقد اجتماعات في كل سنة أو في المناسبات الخاصة، يجتمع فيها الناس لسماع الخطب التي تذكر بمناقب الأئمة العظام - عليهم السلام - وتضحياتهم الموثَّقَة تاريخيَاً، وذلك لتشجيع الناس وحملهم على التأسِّي بهم في التضحية في سبيل إعلاء راية الحق والدين.

ومن البديهي أننا لو قمنا بالأمور المذكورة فإننا سنجني فوائد ونتائج إيجابية أكثر مما يذكره دعاة الزيارات البدعية. وهذا أمرٌ قمنا به قبل ثلاثين عاماً ونيّف في كربلاء في الصحن الحسيني المطهر، حيث اقترحنا تلك الأمور التي أجملناها في رسالتنا المختصرة هذه.

إلى هنا ننتهي من هذه الأبحاث التمهيدية وننتقل إلى متن الكتاب الذي ألفته قبل بضع سنين رداً على كتاب «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) الذي ألفه أحد الآيات العظام!! في «قُم» هذا رغم ما واجهناه من صعوبات ومشاكل وعراقيل في نشر ذلك الكتاب والتي أدت إلى تأخير نشر بحثين منه هما بحث الولاية وبحث الزيارة فإليكم بحث الزيارة نضعه أمام طلاب الحق وما توفيقي إلا بالله.

+               +              +


 

7- ضعف روايات الزيارات في ضوء علم الرجال

لا شك إنه لما اتصل المسلمون بأتباع الملل والأديان المخالفة من اليهود والنصارى والمجوس والبوذيين والأقباط، ورأوا في ديارهم مقابر قديسيهم أو ملوكهم وأمرائهم كقبر «كورش» و«داريوش» وأمثالهما في إيران مثلاً، تأثروا بهذا الأمر وبدؤوا ببناء المشاهد والمزارات على قبور أئمتهم وصالحيهم منذ العهد العباسي وبدأت قوافل الزوار تشد رحالها من الشرق والغرب لزيارة تلك المزارات والمشاهد التي أقيمت على قبور بعض الأئمة الصالحين. ويوماً بعد يوم كانت تزداد زينات وفخامة تلك المشاهد والأضرحة وتبنى عليها القباب الطينية ثم الآجرية ثم المطلية بالفضة ثم الذهبية! وتكاثرت القباب في كل حدب وصوب وظهر الرواة الوضاعون في الشرق والغرب وشرعوا في وضع الأخبار وفي الواقع شرعوا في إضعاف أحكام الشرع الأنور التي فيها حياة الناس وتحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية، وامتلأت كتب الحديث والأخبار بالوعود المجازفة المبالغ بها على ثواب الزيارة إلى الحد الذي أصبحت فيه زيارة قبر من القبور تعادل عدداً من الحجات والعمرات وأخيراً أصبحت تعادل مئة ألف حجة مع رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ومئة ألف عمرة بل حتى مئة ألف غزوة مع النبي أو مع إمام عادل... بل أكثر من ذلك!!

وأياً كانت علة وضع تلك الأحاديث واختلاقها فإن كل عاقل حصيفٍ يمكنه أن يستنتج من حال معظم رواة تلك الروايات الملفقة والأكاذيب الموضوعة الذين هم جميعاً من الغلاة والمفسدين والفسقة الكذابين أن غايتهم وهدفهم من وضع تلك الروايات ليس سوى إضعاف بنيان الشريعة وتمييع أحكامها والاستهزاء بكتاب الله تعالى، ولكي تزول من نفوس المصدّقين بتلك الروايات المُختَلَقَة روح الخوف والخشية من الوقوع في المعاصي أو الخوف من التقصير في العبادات، بل يتعاظم بأنفسهم الغرور بأن أداء تلك الزيارات أو قراءة بعض تلك الأدعية عند القبور سيراكم لصالحهم مقداراً هائلاً من الحسنات والطاعات تكفيهم يوم القيامة حتى ولو خاضوا في بعض المعاصي وارتكبوا الفسق والفجور وأضاعوا أوقاتهم وأوقات جيلهم فيما لا طائل تحته، وبدلاً من الإقبال نحو المبرّات والخيرات وبذل المال في وجوه الإحسان والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله احتساباً للأجر عند الله يوم الميعاد، خاصة أن الجهاد في سبيل الله وسيلة حاسمة للحفاظ على حياض بلاد الإسلام وتأمين رقيها وتقدمها وعظمة الإسلام، بدلاً من ذلك يتجه الناس إلى أعمال لا فائدة منها وإن لم تأتِهم بالمذلة والنكبات لا جرم أنها لا تأتيهم بالعزة والشوكة، ولا تصنع لهم تَقَدُّماً ولا رُقِيَّاً.

ولعل الغرض الآخر من وضع وتلفيق تلك الروايات هو ما يقوله بعض مخالفي الشيعة من أن بعض سلاطين الشيعة وملوكهم أرادوا من خلال تلك الروايات التخفيف من أهمية حج بيت الله، تلك العبادة التي تُعَدُّ أفضل وأهم وسيلة لتلاقي المسلمين واتحادهم وترابطهم، وصرف الناس عنها حتى المقدور نحو الحج إلى المشاهد والمزارات!

وأياً كانت أغراض وأهداف حركة وضع تلك الروايات فإنها أدَّت دورها للأسف وحققت غرضها على أحسن وجه حتى أصبح أكبر أمل وأهم عمل للمسلمين المنتسبين للتشيع لأئمة آل البيت في يومنا هو أن يحالفهم التوفيق لزيارة قبر إمام من أئمة آل البيت - عليهم السلام - أو المشاركة في مأتمه ومجلس عزائه!

ومن الواضح تماماً أن مثل هذه الأعمال لا تفيد هذا الشعب ولا ينتج عنها سوى الغرور والجهل والفقر! ولم تزد على معارف وعقائد هذه الطائفة سوى عبارات كفرية ومغالية في حق الأئمة مثل: «يا عين الله الناظرة ويده الباسطة!» أو جملة «وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم!» (56) وجعل الناس يرددونها ليلاً نهاراً في المشاهد المتبرَّكَة!.

وسيرى القرّاء الكرام أن معظم بل كل تلك الأخبار والروايات التي تعطي كل ذلك الثواب وتشجع على الزيارات إنما وضعها ولفَّقها رواةٌ مغالون وكذابون وأعداء لدنيا المسلمين وآخرتهم. ولكن الأمر المحير هو قيام كثيرٍ من جامعي كتب الحديث الذين هم أنفسهم من أئمة علم الرجال، بإدراج تلك الروايات في كتبهم؟! فمثلاً الشيخ الطوسي - عليه الرحمة - الذي ألف نفسه كتابين في علم الرجال وبيّن حال كثير من رواة تلك الأحاديث فذكرهم بعبارات: فلانٌ كان غالياً وكذاباً وضعيفاً، رغم ذلك يروي في كتابه «تهذيب الأحكام» كثيراً من أحاديث الزيارة عن عين أولئك الغلاة الكذابين أنفسهم!

أليس مثلهم في ذلك مثل الطبيب الذي يوصي باتخاذ إجراءات وقائية للحيلولة دون ابتلاء الناس بالأمراض ولكنه يقوم هو نفسه بنشر جراثيم هذه الأمراض!!(57).نحن لا نشك أن أولئك العلماء الأفاضل أمثال الشيخ الطوسي وغيره لم يكن لهم قصدٌ سوى خدمة الشريعة، ولكن على أي حال يجب ألا نغفل عن ذلك الخطأ والغفلة التي وقعوا فيها.

لقد كتبنا هذه المباحث التمهيدية حول الزيارة قربةً إلى الله وطلباً لمرضاته واستقبلنا كل ما نزل بنا من خسائر مادية وأذى معنوي في هذا السبيل محتسبين ذلك جهاداً في سبيل الله، نريد أن نقدِّم هذه الأبحاث لطلاب الحق والباحثين عن الحقيقة كي يتأملوها بعقل نيِّر منفتح، وعين بصيرة، فإذا قبلها عقلهم ووجدانهم فأملي منهم أن يسعوا في نشرها وإشاعتها عسى أن ننقذ طلاب الحق من هذه الخرافات ونعود بهم إلى طريق الإسلام الصحيح الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة، آملين أن يكرمنا الله بثواب هداية الخلق وأن نكون بذلك قد أدينا جزءاً بسيطاً من الدَّيْن الواجب علينا تجاه تلك الشريعة العظيمة التي أكرمنا الله بها والتي أمرنا - إضافة إلى إتباعها - أن نحافظ عليها ونحرسها قدر طاقتنا ((إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)).

وفيما يلي سنذكر قائمةً من رواة أحاديث الزيارة الذين ذكرت أحاديثهم في كتب الشيعة المشهورة مثل («الكافي» و«كامل الزيارات» و«من لا يحضره الفقيه» و«تهذيب الأحكام») مرتَّبةً على ترتيب حروف الهجاء ما عدا أفراد نوادر ليس في أحاديثهم مخالفة لأسس الدين أو لم يوجد يقين بصدور تلك الأحاديث عنهم:

1-                 أحمد بن هلال

2-                 بكر بن صالح

3-                 جعفر بن محمد بن مالك

4-                 الحسن بن عبد الله القمي

5-                 الحسن بن علي بن أبي حمزة

6-                 الحسن بن علي بن أبي عثمان

7-                 الحسن بن علي بن زكريا

8-                 الحسين بن عبد الله

9-                 الحسين بن مختار

10-         الحسين بن يزيد النخعي

11-         الخيبرى بن علي الطحان

12-         داوود بن كثير الرقي

13-         سلمة بن الخطاب

14-         سهل بن زياد

15-         سيف بن عميرة

16-         صالح بن عقبة

17-         عبد الرحمن بن كثير

18-         عبد الله بن عبد الرحمن الأصم

19-         عبد الله بن القاسم الحضرمي

20-         عبد الله بن ميمون القداح

21-         عثمان بن عيسى

22-         علي بن حسان

23-         علي بن فضال

24-         عمرو بن ثابت

25-         قاسم بن يحيى

26-         محمد بن أرومة

27-         محمد بن اسلم

28-         محمد بن جمهور

29-         محمد بن الحسن بن شمعون

30-         محمد بن سليمان الديلمي

31-         محمد بن سنان

32-         محمد بن صدقة

33-   محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني

34-         محمد بن فضيل

35-         محمد بن موسى الهمذاني

36-         المعلى بن محمد البصري

37-         المفضل بن صالح

38-         المفضل بن عمر

39-         موسى بن سعدان

40-         يونس بن ظبيان

41-         موسى بن عمران النخعي

42-         سليمان بن عمرو النخعي*

43-         صالح النيلي*

44-         المنذر بن جارود*

 بعض هؤلاء الرواة(58) روى حديثاً واحداً في باب الزيارات وثوابها، في حين يصل عدد روايات بعضهم إلى عشرين حديثاً، وبعضهم روى أكثر من ذلك، وروايتهم كانت إمّا عن إمامٍ من أئمة أهل البيت - سلام الله عليهم - مباشرةً أي دون واسطة، أو عنهم بواسطة.

وفيما يلي نذكر حالهم واحداً واحداً حسب الترتيب الذي أوردناه، من كتب رجال الشيعة الموثقة أعني كتب: «النجاشي» و«الشيخ الطوسي» و«الغضائري» و«العلامة الحلي» عليهم الرحمة، ونضعها أمام القراء الطالبين للحقيقة مع ذكر بعض أحاديثهم التي رووها بشأن الزيارة وأنواع الثواب العظيم الذي جعلوه لها، حتى يرى كل منصف هل يمكن لمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يثق بمثل هذه الأحاديث التي يرويها أمثال أولئك الرواة أو يستند إليها للقيام بعمل لم يأت عليه نصٌّ في كتاب الله ولا ذكرٌ في سنة رسول الله؟! وهل يمكن أن يثبت من خلال بعض العبارات والفقرات الكفرية التي وردت فيها عقيدةً خطيرةً كالولاية التكوينية وتصرّف الأئمّة في كل الموجودات، ويجعل بذلك من الأمة التي كانت من أرقى ملل العالم في فكرها وعقيدتها من أكثر أمم العالم انحطاطاً وذلاً في دينها ودنياها ببركة تلك الروايات المشؤومة؟!.

فلنشرع إذن ببيان حال أولـئك الرواة:

أول رجال أحاديث الزيارات حسب ترتيب حروف الهجاء هو:

1 - أحمد بن هلال العبرتائي: وقد مر ذكره في متن الكتاب لذا سنكتفي بما ذكرناه ثمة (راجع الصفحة 147من هذا الكتاب).

2 - بكر بن صالح الرازي: وهذا أيضاً مَرَّ ذكره في متن الكتاب فنحيل القارئ إلى ما ذكرناه ثمَّة (راجع الصفحة 118 - 119 من هذا الكتاب).

3 - جعفر بن محمد بن مالك:

أ) قال ابن الغضائري عنه كما جاء في «مجمع الرجال» للقهپائي(59) (ج2/ص42): «قال في «مجمع الرجال»: «(غض): جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن شابور، كذاب، متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع ويروي عن الضعفاء والمجاهيل وكل عيوب الضعفاء مجتمعةٌ فيه!.».

ب - ووُصِفَ في رجال النجاشي (ص94) بهذه الأوصاف السيئة ذاتها وزاد عليها قوله: «وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية».

ج - وأكد العلامة الحلي في رجاله (ص210) ما ذكره النجاشي والغضائري عنه وختم ذلك بقوله: «عندي في حديثه توقُّف ولا أعمل بروايته».

4 - الحسن بن عبد الله القميّ: هذا الراوي - حسب ما جاء في تنقيح المقال (ج1/ص288) وخلاصة العلامة الحليّ (ص212) - هو الحسن بن عبيد الله، وهو مُتَّهَمٌ بالغلوِّ.

5 - الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني:

أ) في رجال النجاشي (ص28): «إنه كان من وجوه الواقفة، لا أستحلُّ روايته».

ب) وفي مجمع الرجال للقهپائي (ج2/ص121): «محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن الفضّال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني؟ فقال: كذَّابٌ ملعونٌ».

ج) وقال عنه المرحوم الغضائري: «الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني مولى الأنصار أبو محمد واقفيّ بن واقفيّ ضعيف في نفسه».

د - وذكر التفرشي(60) في «نقد الرجال» (ص92) ما ذكره السابقون بشأنه وأضاف: «حكى لي أبو الحسن حمدويه ابن نصير عن بعض أشياخه أنه قال: الحسن بن علي بن أبي حمزة رجلُ سوءٍ».

 والآن اقرؤوا أحاديث هذا الكذّاب الملعون كما جاءت في كتاب «كامل الزيارات»(61) لـ «ابن قولويه» (ص119) حيث جاء:

«وحدثني أبي ومحمد بن الحسن وعلي بن الحسين عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وَكَلَ اللهُ تبارك وتعالى بالحسين عليه السلام سبعين ألف ملك يصلون عليه كل يوم شعثاً غبراً ويدعون لمن زاره ويقولون يا رب! هؤلاء زوار الحسين عليه السلام افعل بهم وافعل بهم [كذا وكذا]».

ولا يعلم أحدٌ لماذا وكّل اللهُ الحكيمُ أولئك الملائكة بتلك الصورة أي شُعثاً غُبراً وما فائدة كونهم كذلك؟! وهل هناك عيبٌ في أن يكون الإنسان منظَّفاً مرتَّباً؟! ألا يمكن للإنسان إذا كان شعره مسرحاً ولباسه نظيفاً مرتباً أن يشارك في المأتم ومراسم العزاء؟!

وجاء في الصفحة 153 من «كامل الزيارات»:

«حدثني أبي رحمه الله عن سعد بن عبد الله عن أبي عبد الله الجاموراني الرازي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن الحسن بن محمد بن عبد الكريم عن المفضل بن عمر عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في حديث طويل: فإذا انقلبت من عند قبر الحسين عليه السلام ناداك مناد لو سمعت مقالته لأقمت عمرك عند قبر الحسين عليه السلام وهو يقول: طوبى لك أيها العبد! قد غنمت وسلمت، قد غفر لك ما سلف فاستأنف العمل!... وذكر الحديث بطوله».

أجل مثل هذه الأحاديث تشجّع المغرورين على التجرؤ على معصية الله وارتكاب كل منكر أملاً بثواب الزيارة هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى يدفع أولئك الزوّار لإنفاق ملايين التومانات من عرق جبينهم كل عام على السفر لهذه الزيارات، ونتيجة ذلك هي هذا الوضع الذي نلاحظه اليوم.

6 - الحسن بن علي بن أبي عثمان:

أ) قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله في كتاب «رجال الطوسيّ» (ص413 و420): «الحسن بن علي بن أبي عثمان، السجادة، غالي».

ب) وفي مجمع الرجال للقهپائي (ج2/ص124): «الحسن بن علي بن أبي عثمان أبو محمد الملقب بسجادة في عداد القميين ضعيف وفي مذهبه ارتفاع».

ج) في رجال النجاشي (ص48): «الحسن بن علي بن أبي عثمان أبو محمد الملقب بسجادة أبو محمد كوفي ضعّفه أصحابنا».

د) وجاء في رجال الكشيّ (ص478، طبع كربلاء): «قال أبو عمرو... السجادة لعنه الله ولعنه اللاعنون والملائكة أجمعون».

هذا الشقي الملعون روى مع صاحبه الآخر «الحسين بن عبد الله» - الذي سنبين حاله التعيس عن قريب إن شاء الله - روايةً أوردها «ابن قالويه» في الصفحة 132 من كتابه «كامل الزيارات» تحت عنوان: (الباب التاسع والأربعون ثواب من زار الحسين عليه السلام راكباً أو ماشياً ومناجاة الله لزائره!) هي التالية:

«حدثني أبي وجماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله ومحمد بن يحيى وعبد الله بن جعفر الحميري وأحمد بن إدريس جميعاً عن الحسين بن عبيد الله عن الحسن بن علي بن أبي عثمان عن عبد الجبار النهاوندي عن أبي سعيد عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة قال قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حسين! من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنةً ومحا عنه سيئةً حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المصلحين المنتجبين [المفلحين المنجحين] حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملكٌ فقال إن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يقرئك السلام ويقول لك استأنف العمل فقد غُفِرَ لك ما مضى!».

والعجيب أن راوٍ على مثل تلك الدرجة من سوء السمعة في كتب الرجال والذي لابدَّ من ردِّ أحاديثه بسبب عقيدته الفاسدة، خاصَّةً مثل هذه الأحاديث التي تطفح منها المغالاة في ترتيب الأجر والثواب على الزيارة، ومع ذلك نجد أن علماء الشرع لا يردُّون أحاديثه بل يروونها في كتبهم!! ألا تقتل مثل هذه الروايات روح الخوف والخشية لدى الأفراد وتجرئهم على المعاصي وتضعف فيهم روح العمل بالفرائض والأحكام وتجعلهم يغترون بأنهم بقيامهم بزيارة واحدة إلى قبر الإمام ستُسَجَّلُ في دفتر حسناتهم آلاف الحسنات وتمحى عنهم آلاف السيئات، ويُقال لهم قد غُفِرَ لكم كل ما سبق فاستأنفوا العمل!! ألن يَسْعَوْا عندئذٍ إلى القيام بتلك الزيارة مهما كلفهم الأمر ليرتاحوا بذلك من قيود سائر الأحكام؟!.

7 - الحسن بن علي بن زكريا أو الحسين بن علي بن زكريا (حسب اختلاف النسخ):

أ) قال عنه الغضائري كما جاء في كتاب «مجمع الرجال» للقهپائي (ج2/ص190): «الحسين بن علي بن زكريا بن صالح زُفر العدوي أبو سعيد ضعيفٌ جداً كذّابٌ»

ب) ووصفه العلامة الحليّ في رجاله (ص217) بهذه الصفات ذاتها.

8 - الحسين بن عبد الله: مَرَّ شَرْحُ حاله خلال بيان حال «الحسن بن علي بن أبي عثمان» وقد وصفته كتب الرجال بما يلي:

أ) في رجال العلامة الحلي (ص216): «الحسين بن عبد الله السعدي أبو عبد الله بن عبيد الله بن سهل ممن طعنوا عليه ورُمِي بالغلو».

ب) وفي رجال الكشيّ (ص432): «إن الحسين بن عبد الله القميّ أُخْرِجَ من قُم في وقت كانوا يُخرِجون من اتهموه بالغلو».

9 - الحسين بن مختار: اعتبره في تنقيح المقال (ج1/ص343) نقلاً عن الشيخ الطوسي عليه الرحمة واقفياً كما أورده العلامة الحلي في القسم الثاني من رجاله المخصص للضعفاء واعتبره واقفياً، واعتبره الشيخ البهائي أيضاً في كتابه «الوجيزة» من الضعفاء.

10 - الحسين بن يزيد النخعي: قال القهپائي في مجمع الرجال نقلاً عن النجاشي عليه الرحمة: «قال قوم من القميين إنه غلا في آخر عمره»!

11 - الخيبري بن علي الطحان:

نقل القهپائي في مجمع الرجال (ج2/ص275) عن الغضائري رضي الله عنه قوله: «خيبري بن علي بن الطحان ضعيف الحديث غال المذهب كان يصحب يونس بن الظبيان ويكثر الروايات عنه وله كتاب عن أبي عبد الله عليه السلام لا يُلْتَفَتُ إلى حديثه».

كما وصفه النجاشي في كتابه (ص118) بالأوصاف ذاتها قائلاً إن في مذهبه ارتفاعاً وغلواً.

لفَّق هذا الشقي الغالي في موضوع الزيارة حديثاً كلُّه كَذِبٌ وغلوٌّ أورده ابن قولويه في «كامل الزيارات» (ص147) جاء فيه:

«وحدَّثني أبي رحمه الله عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل عن الخيبري عن الحسين بن محمد القمي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: من زار قبر أبي عبد الله عليه السلام بشط الفرات كان كمن زار الله فوق [في] عرشه!»

أجل الحسين مثل الله - والعياذ بالله - والفرات مثل العرش(62)! والأعجب من ذلك أن الشيخ الطوسي (عليه الرحمة) روى الحديث ذاته في كتابه «تهذيب الأحكام» (ج6/ص46) بالسند ذاته!

12 - داوود بن كثير الرقيّ: بينا شرح حاله في متن الكتاب فليراجع ثمة(63).

13 - سلمة بن الخطاب: رُوِيَت عن هذا الراوي في كتاب «كامل الزيارات» و«تهذيب الأحكام» أكثر من عشرين روايةٍ، وفيما يلي ترجمته:

أ - الغضائري في مجمع الرجال (ص152): «سلمة بن الخطاب البراوستاني أبو محمد من سواد الري، ضعيف».

ب - رجال النجاشي (ص142): «سلمة بن الخطاب أبو الفضل البراوستاني الأيرقاني قرية من سواد الري كان ضعيفاً في حديثه».

ج - واعتبره العلامة في رجاله (ص227) ضعيفاً وهكذا وصفته كتب الرجال الموثقة الأخرى.

14 - سهل بن زياد الآدمي: هذا أيضاً جاءت ترجمته في متن الكتاب فراجعها ثمة(64)

15 - سيف بن عميرة: طبقاً لما ذكره مؤلف «كشف الرموز» وبناءً على نقل «تنقيح المقال»، هذا الشخص مطعون وملعون.

16 - صالح بن عقبة:

جاءت عن هذا الراوي الشقي في موضوع الزيارة أحاديث عديدة في كتابي «التهذيب» و«كامل الزيارات» وفيما يلي بيان حاله:

أ) قال عنه الغضائري كما جاء في مجمع الرجال (ج3/ص206): «صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان ريحة مولى رسول الله، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، غالٍ، كذاب، لا يُلتَفَت إليه!».

ب) وأورده العلامة الحلي في القسم الثاني من رجاله المخصص للضعفاء (ص230) وذكر عنه العبارات السابقة ذاتها.

ج) وجاء في تنقيح المقال (ج2/ص93) نقلاً عن ابن داوود العبارات السابقة فقال: «ونُسِب إلى ابن الغضائري أنه قال: ليس حديثه بشيء، غالٍ، كذاب، كثير المناكير».

وإليكم إحدى تحف هذا الراوي كما جاءت في «كامل الزيارات» (ص104):

«حدثنا أبو العباس القرشي عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن أبي هارون المكفوف قال قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا هارون! أنشدني في الحسين عليه السلام، قال: فأنشدته فبكى فقال أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة قال فأنشدته: امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية...

قال فبكى ثم قال زدني قال فأنشدته القصيدة الأخرى قال فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلما فرغت قال لي: يا أبا هارون! من أنشد في الحسين عليه السلام شعراً فبكى وأبكى عشراً كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسةً كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت لهما الجنة، ومن ذكر الحسين عليه السلام عنده فخرج من عينه [عينيه] من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة.»

وأبو هارون المشار إليه في الحديث هو ذات أبو هارون الذي قيل عنه في فصل الكِنى من كتاب «تلقيح المقال»: «رُوي فيه طعنٌ عظيمٌ!»، وقال مثله العلامة الحلي في الخلاصة (ص267).

أجل هذا نموذجٌ من الأساطير التي يستلهمها شياطين الإنس من شياطين الجن فيوحون بها إلى عامة الناس ليلاً ونهاراً، وتكون نتيجة ذلك تربيةُ أشخاصٍ لا يأبهون لحساب أو كتاب، ويفقدون شعورهم وإنسانيتهم ويجترئون على الفساد والمعاصي بنحوٍ يستحيل فيه بعد ذلك إصلاحهم، لأنهم فسدوا من نفس الطريق والجهة التي كان ينبغي أن يصلحوا بها، أي من طريق الدِّين الذي إن فسد لا يوجد بديل له لإصلاحه!.

ولقد رُوِيَتْ عن هذا الغالي الكذَّاب كثيرِ المناكيرِ الذي لا نظير لأحاديثه في الغلوّ، كثيرٌ من الروايات من كل نوعٍ في كتب الحديث. ومن ذلك هذا الحديث الآخر الذي جاء في «كامل الزيارات» (ص169 - 170):

«حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز الكوفي عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن بشير الدهان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ربما فاتني الحج فأعرف (أي أكون يوم عرفة) عند قبر الحسين عليه السلام فقال: أحسنت يا بشير! أيما مؤمن أتى قبر الحسين عليه السلام عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات متقبلات وعشرين غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل، ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل، ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقَبَّلات وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل! قال فقلت له: وكيف لي بمثل الموقف؟ قال فنظر إليَّ شبه المغضب ثم قال: يا بشير! إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين عليه السلام يوم عرفة واغتسل في الفرات ثم توجّه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها ولا أعلمه إلا قال وغزوة.»

فهل يمكن لمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يصدّق هذا الحديث من مثل ذلك الكذاب؟ وما هي الفائدة التي نجنيها من مثل هذا الحديث سوى إهمال التقيد بأحكام الإسلام التي فيها حياة الناس وقيام أمرهم والاكتفاء بدلاً من ذلك بمثل تلك الزيارة التي لا تشكِّل أبداً جزءاً من الفرائض الإلهية أو الواجبات الشرعية؟!

الأخطر من ذلك ما ورد عن هذا الراوي أيضاً في «كامل الزيارات» (ص174 - 175) في فضل زيارة عاشوراء التي يرويها محمد بن موسى الهمداني الذي هو كذلك من الغلاة الكذابين عن سيف بن عميرة الواقفي المطعون الملعون عن صاحبنا صالح بن عقبة عن مالك الجهني: «عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال من زار الحسين عليه السلام يوم عاشوراء من المحرم حتى يظل عنده باكياً لقيَ اللهَ تعالى يوم القيامة بثواب ألفي ألف [ألف] حجة وألفي [ألف] ألف عمرة وألفي ألف غزوة وثواب كل حجة وعمرة وغزوة كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ومع الأئمة الراشدين صلوات الله عليهم أجمعين!».

لاحظ أيها القارئ كيف أن هذا العمل - قراءة زيارة عاشوراء والبكاء - الذي يمكن إنجازه عن بُعْدٍ أيضاً لم يُبْقِ أيَّ قيمةٍ لسائر أحكام الدين! أفليس هذا كذبٌ على الله ورسوله وأئمّةِ الهدى عليهم السلام؟ وهل يمكن لأي نبيٍّ أو إمامٍ أو صالحٍ في العالم أن يقوم خلال عمره بمليوني حجة ومليوني عمرة ومليوني عزوة مع نبي أو إمام؟ والتي سينال أجرها وثوابها من يقرأ زيارة عاشوراء فقط فإذا قرأها مرات عديدة فكم يصبح أجره عندئذٍ؟! إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذاته وأئمة الهدى عليهم السلام لم يحجوا في عمرهم سوى حجة واحدة وأقصى ما قام به بعضهم هو عشرين حجة في حياته، أما ذلك الزائر القارئ للزيارة في عاشوراء فسيفوقهم أجراً بكثير لأنه سينال ثواب مليوني حجة!!

17 - عبد الرحمن بن كثير:

أ - جاء في رجال النجاشي (ص189) خلال ترجمة حال «علي بن حسان» الذي يروي عن عمه عبد الرحمن بن كثير: «عبد الرحمن بن كثير الهاشمي ضعيف جداً، ذكره بعض أصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد.»

ب - ويقول الغضائري كما ورد في مجمع الرجال (ص176) في ترجمة علي بن حسان: «روى عن عمه عبد الرحمن بن كثير، غال ضعيف».

ج - ونقل العلامة الحلي في رجاله (ص233) قول الغضائري والنجاشي ثم قال أن المسعودي قال: «فهو كذاب وهو واقفي».

18 - عبد الله بن عبد الرحمن الأصم:

رُويت عن هذا الرجل أحاديث كثيرة في كتاب «كامل الزيارات» في حين أن كتب الرجال قالت عنه ما يلي:

أ) رجال النجاشي ص161: «عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمى بصريّ ضعيف غال ليس بشيء وله كتاب المزار!» (ويبدو أن هذا الكتاب هو ذات أحاديثه الملفقة والكثيرة حول الزيارة).

ب) وقال الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج4/ص25): «عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمى بصريّ ضعيف مرتفع القول، وله كتاب في الزيارات، ما يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت، وكان من كذابة أهل البصرة».

ج) وذكره العلامة الحلي رحمة الله عليه في القسم الثاني من رجاله المخصص للضعفاء (ص238) وقال: «عبد الله بن عبد الرحمن الأصم بصريّ ضعيف غال، ليس بشيء، وله كتاب في الزيارات يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة».

وإليكم بعض أحاديث هذا الغالي الخبيث وكذاب البصرة التي زيّن بها (!) ابن قولويه كتابه «كامل الزيارات»، كهذا الحديث الذي جاء في الصفحة 68و69 بسنده عن حضرة الصادق عليه السلام:

«حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد عن عبد الله بن حماد البصري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الحسين عليه السلام مع أمه تحمله فأخذه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فقال لعن الله قاتليك ولعن الله سالبيك..... (إلى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ لفاطمة):... ويأتيه قومٌ من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم وليس على ظهر الأرض أحدٌ يلتفت إليه غيرهم أولئك مصابيح في ظلمات الجور وهم الشفعاء وهم واردون حوضي غداً أعرفهم إذا وردوا عليَّ بسيماهم.... الحديث بطوله!»

لاحِظ أنه في هذا الحديث: زوار الحسين هم الوحيدون الذين يكونون أعلم الناس باللهِ وأقومهم بحقوق رسول الله! وهم وحدهم الملتفتون إلى حضرته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ! فهم مصابيح الهدى وشفعاء المحشر! فهل هذا هو شأن زوّار الحسين اليوم حقاً؟!

كما يروي هذا الراوي حديثاً آخر عن حضرة الصادق عليه السلام جاء في (الصفحة 81 و82) من «كامل الزيارات» ونصه:

«وحدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد عن عبد الله بن حماد البصري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن أبي يعقوب عن أبان بن عثمان عن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا زرارة! إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد وإن الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة وإن الجبال تقطعت وانتثرت وإن البحار تفجرت وإن الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحسين عليه السلام وما اختضبت منا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد... (إلى قوله):... وما من عينٍ أحب إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باكٍ يبكيه إلا وقد وصل فاطمة عليها السلام وأسعدها عليه ووصل رسول الله وأدى حقنا وما من عبد يحشر إلا وعيناه باكية إلا الباكين على جدي الحسين عليه السلام فإنه يحشر وعينه قريرة والبشارة تلقاه والسرور بيِّنٌ على وجهه والخلق في الفزع وهم آمنون والخلق يعرضون وهم حداث الحسين عليه السلام تحت العرش وفي ظل العرش لا يخافون سوء يوم الحساب يُقَالُ لهم ادخلوا الجنة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه وإن الحور لترسل إليهم...... (إلى آخر الحديث)!»

نعم! مثل هذه الأحاديث التي يرويها الكذابون والغلاة، هي التي تُشعِلُ نار العداوة والحروب التي نعرفها.

وفي (ص 86 - 87) من «كامل الزيارات» حديث آخر لذلك الكذاب جاء فيه:

«حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد عن عبد الله بن حماد البصري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم قال حدثنا الهيثم بن واقد عن عبد الملك بن مقرن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زرتم أبا عبد الله (الحسين) عليه السلام فالزموا الصمت إلا من خير وإن ملائكة الليل والنهار من الحفظة تحضر الملائكة الذين بالحائر فتصافحهم فلا يجيبونها من شدة البكاء فينتظرونهم حتى تزول الشمس وحتى ينوِّر الفجر ثم يكلّمونهم ويسألونهم عن أشياء من أمر السماء فأما ما بين هذين الوقتين فإنهم لا ينطقون ولا يفترون عن البكاء والدعاء ولا يشغلونهم في هذين الوقتين عن أصحابهم فإنما شغلهم بكم إذا نطقتم! قلت: جعلت فداك! وما الذي يسألونهم عنه وأيهم يسأل صاحبه الحفظة أو أهل الحائر قال أهل الحائر يسألون الحفظة لأن أهل الحائر من الملائكة لا يبرحون والحفظة تنزل وتصعد! قلت: فما ترى يسألونهم عنه؟ قال: إنهم يمرون إذا عرجوا بإسماعيل صاحب الهواء...... (إلى قوله): ولو يعلمون ما في زيارته من الخير ويعلم ذلك الناس لاقتتلوا على زيارته بالسيوف ولباعوا أموالهم في إتيانه.

وإن فاطمة عليها السلام إذا نظرت إليهم ومعها ألف نبي وألف صديق وألف شهيد ومن الكروبيين ألف ألف يساعدونها على البكاء وإنها لتشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك إلا بكى رحمة لصوتها وما تسكن حتى يأتيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ [أبوها] فيقول: يا بنية! قد أبكيتِ أهل السماوات وشغلتهم عن التسبيح والتقديس فكفى حتى يقدسوا فإن الله بالغ أمره!! إنها لتنظر إلى من حضر منكم فتسأل الله لهم من كل خير ولا تزهدوا في إتيانه فإن الخير في إتيانه أكثر من أن يحصى!»

ومن مجموع هذا الحديث يُفْهَم أن تلك المعركة تدور كل يوم حيث ينزل الملائكة ويصعدون ويجتمع الأنبياء والصديقون كلهم في خدمة الزهراء مع ملايين الملائكة الكروبيين!! كلهم يسعى في تسكين بكائها، ثم تدعو فاطمة لزوَّار قبر الحسين... ويتكرَّر هذا المشهد كل يوم.. وكأن كل المصائب التي حلت بفاطمة الزهراء - سلام الله عليها - في الدنيا لم تكن كافيةً في غمِّها وحزنها بل لا بد أن تبكي وتحزن وتغتم حتى في الآخرة وفي الجنة، وكذلك شأن سائر الأنبياء وأولياء الله!!، مع أن الله تعالى وصف حال المؤمنين في الدار الآخرة بقوله: ((لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)) (البقرة/112).

فباللهِ عليكم أيها القراء المحترمون: هل هذه الأقاويل إلا أوهام من نسج خيال ذلك الوضَّاع، ولا تدل إلا على جهله وشدَّه كذبه؟؟.

وفي الصفحة 138 من الكتاب المذكور رواية أخرى هي التالية:

«مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَبَشِيِّ بْنِ قُونِيٍّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! مَا تَقُولُ فِيمَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ عليه السلام وهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ عَقَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وعَقَّنَا واسْتَخَفَّ بِأَمْرٍ هُوَ لَهُ ومَنْ زَارَهُ كَانَ الله لَهُ مِنْ وَرَاءِ حَوَائِجِهِ وكُفِيَ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وإِنَّهُ يَجْلِبُ الرِّزْقَ عَلَى الْعَبْدِ ويُخْلِفُ عَلَيْهِ مَا يُنْفِقُ ويُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً ويَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ ومَا عَلَيْهِ وِزْرٌ ولَا خَطِيئَةٌ إِلَّا وقَدْ مُحِيَتْ مِنْ صَحِيفَتِهِ.... (إلى آخر الحديث»

وقد روى الشيخ الطوسي عن ذلك الخبيث هذا الحديث في كتابه «تهذيب الأحكام» (ج6/ص45)!

لعمري إن هؤلاء الغلاة الكذابين ليسخرون بتلفيقاتهم تلك من خلق الله ودين الله وأنبياء الله وأولياءه ويصوِّرُون وكأنه ليس لله غايةٌ من خلق البشر ولا لأنبيائه من هدف سوى البكاء على الحسين عليه السلام بل كأن الغرض من الخليقة كلها البكاء على الإمام الحسين أو زيارته!!

وفي الصفحة 101 من ذلك الكتاب حديث عجيب آخر أيضاً اختلقه ذلك الكذاب جاء فيه:

«حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد عن عبد الله بن حماد البصري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا مسمع! أنت من أهل العراق أ ما تأتي قبر الحسين عليه السلام؟ قلت: لا أنا رجل مشهور عند أهل البصرة وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي! قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلت: نعم! قال: فتجزع؟ قلت: إي والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي!. قال: رحم الله دمعتك! أما إنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنا، أما إنك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل ولملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها....(إلى آخر الحديث الطويل الذي يستغرق أكثر من صفحتين أخريين ومن أراد تفصيله فليرجع إلى الكتاب المذكور!)».

إن كتاب «كامل الزيارات» مملوء من أمثال هذه الأحاديث التي يرويها الغلاة والكذابون ليضلوا بها عباد الله ويجرئوهم على معاصي الله، وينزِّلُوا من قيمة العبادات التي قررها الشرع ويستبدلوها بمثل هذه الأعمال التي يعادل القيام بواحد منها ثواب آلاف العبادات الشرعية!!

19 - عبد الله بن القاسم الحضرمي:

وهو أحد رواة أحاديث الزيارة والشفاعة المشهورين وفيما يلي ما قالته كتب الرجال عنه:

أ) قال الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج4/ص35): «عبد الله بن القاسم الحضرمي غالٍ متهافتٌ لا ارتفاع به».

ب) وفي رجال‏النجاشي (ص167): «عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، كذابٌ، غالٍ، يروي عن الغلاة، لا خير فيه ولا يُعْتَدُّ بروايته.».

ج) وفي رجال العلامة الحليّ (ص336): «عبد الله بن القاسم الحضرمي من أصحاب الكاظم عليه السلام واقفيٌّ وهو يُعْرَفُ بالبطل، وكان كذّاباً روى عن الغلاة لا خير فيه ولا يُعْتَدُّ بروايته وليس بشي‏ء ولا يُرتَفَع به.».

لقد لفَّق هذا الشخص الغالي والكذاب وصاحب تلك السوابق السيئة أحاديثَ أوحاها له شيطانه فنسبها إلى الأئمة عليهم السلام من ذلك ما جاء في «كامل الزيارات» (ص119):

«حدثني محمد بن جعفر الرزاز الكوفي عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن عمر بن أبان الكلبي عن أبان بن تغلب قال قال أبو عبد الله عليه السلام أربعة آلاف ملك عند قبر الحسين عليه السلام شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة رئيسهم ملك يقال له منصور ولا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودعه مودع إلا شيعوه ولا يمرض إلا عادوه ولا يموت إلا صلوا عليه [وعلى جنازته] واستغفروا له بعد موته».

وفي الصفحة 192 من ذلك الكتاب أيضاً تكرارٌ لروايته تلك وفيها:

«حدثني محمد بن جعفر عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم عن عمر بن أبان الكلبي عن أبان بن تغلب قال قال أبو عبد الله عليه السلام: هبط أربعة آلاف ملك يريدون القتال مع الحسين عليه السلام فلم يؤذن لهم في القتال! فرجعوا في الاستئذان فهبطوا وقد قُتِلَ الحسين عليه السلام، فهم عند قبره شُعْثٌ غُبْرٌ يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودعه مودع إلا شيّعوه، ولا يمرض مريض إلا عادوه ولا يموت إلا صلوا على جنازته واستغفروا له بعد موته وكل هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم عليه السلام».

وكذلك في الصفحة 66 من «كامل الزيارات» حديث خرافي آخر عن مَلَكٍ اسمه «فطرس مَلَك»! غضب الله عليه لتأخره في أداء مهمّةٍ ما فنفاه الله إلى جزيرةٍ مدة ستمئة عام! حتى ولد الحسين فجاء وتمسَّح به، وهو لا يزال رضيعاً حديث الولادة في قنداقه، فعُفِيَ عنه، فوعد أن يبلغ سلام كل زائر للحسين إليه! جاء في الرواية:

«...فأخبر فطرس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ بحاله، فدعا له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وقال له: تمسَّح بهذا المولود (أي الحسين) وعد إلى مكانك! قال: فتمسَّح فطرس بالحسين عليه السلام وارتفع وقال: يا رسول الله! أما إن أمتك ستقتله وله عليّ مكافاة أن لا يزوره زائر إلا بلغته عنه ولا يسلِّم عليه مسلِّم إلا بلَّغته سلامه ولا يصلِّي عليه مصلٍّ إلا بلَّغته عليه صلاته، قال: ثم ارتفع!!».

وقد أطلنا في ذكر مثل هذه الأوهام والخرافات الملفقة لأن بعض قراء المراثي في مجالس عزاء الحسين يقرؤون أحياناً أمثال هذه القصص الخرافية ليثيروا بها العوام فكان لا بد من بيان حالها ومعرفة مصدرها لكي يعرف القارئ ماذا فعل بنا الغلاة والكذابون والمفسدون أمثال عبد الله بن القاسم الحضرمي وموسى بن سعدان!.

20 - عبد الله بن ميمون القدّاح: هذا المفسد من مؤسسي مذهب القرامطة الإسماعيلية ويكفي هذا في معرفة حاله!

21 - عثمان بن عيسى:

 هذا الشخص طبقاً لتصريح علماء الرجال واقفيٌ، وذكر عنه «الكشي» في رجاله ما يفيد أنه كان لديه مال كثير عن الأئمة ولما طالبه بها الإمام الرضا عليه السلام بعد وفاة أبيه الإمام الكاظم عليه السلام استنكف عن دفعها إليه، وأن الإمام الرضا عليه السلام سخط عليه لأجل ذلك، هذا وقد جاء تفصيل سوابقه وأخباره أيضاً في «تنقيح المقال» (ج2/ص247) حيث بين ثمَّةَ تخلفه واستنكافه عن إطاعة أمر الإمام الرضا عليه السلام.

وقد ضعّفه بشكل عام كل من الجزائري وابن داوود والمحقق الأردبيلي والفاضل المقداد وصاحب المدارك والعلامة الحلي.

وفيما يلي حديث آخر في موضوع الزيارة رُوي عن هذا المغرور الجريء على الله ورسوله كما جاء في «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي (ج6/ص4):

«وعَنْهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ الْحُسَيْنُ عليه السلام لِرَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ يَا أَبَتَاهْ مَا جَزَاءُ مَنْ زَارَكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! مَنْ زَارَنِي حَيّاً أَوْ مَيِّتاً أَوْ زَارَ أَبَاكَ أَوْ زَارَ أَخَاكَ أَوْ زَارَكَ كَانَ حَقّاً عَلَيَّ أَنْ أَزُورَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وأُخَلِّصَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ!».

وكأن حضرة الحسين عليه السلام كان يعلم منذ طفولته بأنه ما خُلق إلا ليزوره الناس إلا أنه لم يكن يعلم مقدار ثواب زيارته! أو أنه أراد أن يصل إلى الناس خبر ذلك لذا سأل رسولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) عن مقدار ذلك الثواب!؟.

22 - علي بن حسان: وقد جاءت الإشارة إلى ترجمة حاله وقيمة رواياته خلال ترجمة عمه عبد الرحمن بن كثير (65).

23 - علي بن فضّال: وصفه صاحب السرائر بأنه ملعونٌ ورأس كل ضلال هو وأبوه.

24 - عمرو بن ثابت: وصفه في مجمع الرجال (ص275) بأنه «ضعيفٌ جداً».

25 - القاسم بن يحيى: وهو يروي عن جده «الحسن بن راشد»: وقال الغضائري رضي الله عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج5/ص53): «روى عن جده ضعيفٌ». ووصفه التفرشي في «نقد الرجال» بأنه فاسد المذهب. وتبع العلامةُ الحليُّ الغضائريَّ فيما قاله عنه واعتبره ضعيفاً في خلاصته، ومع ذلك فإن أول حديث في كتاب «كامل الزيارات» مروي عن هذا الراوي وهو ذات الحديث الذي أورده الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام» (ج6/ص40) ونصه:

«سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ: بَيْنَا الحسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام فِي حَجْرِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا أَبَهْ! مَا لِمَنْ زَارَكَ بَعْدَ مَوْتِكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَنْ أَتَانِي زَائِراً بَعْدَ مَوْتِي فَلَهُ الجَنَّةُ ومَنْ أَتَى أَبَاكَ زَائِراً بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ الجَنَّةُ ومَنْ أَتَى أَخَاكَ زَائِراً بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ الجَنَّةُ ومَنْ أَتَاكَ زَائِراً بَعْدَ مَوْتِكَ فَلَهُ الجَنَّةُ.».

وهناك حديث آخر عظيم البركة (!) عن هذا الراوي أي القاسم بن يحيى الموصوف بأنه فاسد المذهب وضعيف الرواية، يرويه عن يونس بن ظبيان الذي يُعَدُّ من أشهر الغلاة والكذابين، فيما يلي نصه كما جاء في «كامل الزيارات» (ص170 - 171):

«حدثني أبي رضي الله عنه وعلي بن الحسين عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد البرقي عن القاسم بن يحيى بن الحسن بن الراشد عن جده الحسن عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من زار الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة وألف عمرة متقبلة وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة».

لاحظ أيها القارئ أن ثلاث زيارات فقط تعطي صاحبها من الثواب ما لا يستطيع حتى إمام أو نبي تحصيله! فليسمع من لم يسمع!!

ويذكرني هذا بقول الشاعر:

سرّ خدا كه عارف كامل به كس نگفت ** در حيرتم كه باده فروش از كجا شنيد؟

إن العارف الكامل لم يبح بسر الله لأحد! فأنا محتار من أين سمعه بائع الخمر‍؟!

26 - محمد بن أرومة:

أ) رجال النجاشي (ص 253): «محمد بن أورمة أبو جعفر القمي: ذكره القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتى دس عليه من يفتك به، فوجدوه يصلي من أول الليل إلى آخره فتوقفوا عنه. وحكى جماعة من شيوخ القميين عن ابن الوليد أنه قال محمد بن أورمة طُعِنَ عليه بالغلو».

ب) وقال المرحوم الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج5/ص160): «محمد بن أرومة أبو جعفر القمّيّ اتهمه القمِّيُّون بالغلو».

ج) الشيخ الطوسي في «الفهرست»: «محمد بن أرومة: له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد وفي رواياته تخليط، أخبرنا بجميعها إلا ما كان فيها من تخليط أو غلو ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان عنه، وقال أبو جعفر ابن بابويه محمد بن أرومة طعن عليه بالغلو فكلما كان في كتبه مما يوجد في كتب الحسين بن سعيد وغيره فإنه يعتمد عليه ويفتي به وكلما تفرد به لم يجز العمل عليه ولا يعتمد.».

د) ووصفه العلامة الحلي في رجاله (ص252) بتلك الصفات السيئة إلى أن قال في آخر الكلام: «والذي أراه التوقف في روايته».

27 - محمد بن أسلم: قال عنه العلامة في رجاله (ص252): «يقال أنه كان غالياً فاسد الحديث».

28 - محمد بن الحسن بن جمهور:

أ) قال الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج5/ص184): «محمد بن الحسن بن جمهور أبو عبد الله العمي، غال فاسد الحديث، لا يكتب حديثه، ورأيته له شعراً يحلل فيه محرمات الله عز وجل».

ب) رجال ‏النجاشي (ص 260): «محمد بن جمهور أبو عبد الله العمي: ضعيف في الحديث، فاسد المذهب، وقيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها. روى عن الرضا عليه السلام. وله كتب كتاب الملاحم الكبير، كتاب نوادر الحج، كتاب أدب العلم.».

ج) رجال‏العلامة الحلي (ص251): «محمد بن الحسن بن جمهور: بالجيم والراء العمي عربي بصري روى عن الرضا عليه السلام كان ضعيفاً في الحديث غالياً في المذهب فاسداً في الرواية لا يُلتَفَت إلى حديثه ولا يُعْتَمَد على ما يرويه.».

29 - محمد بن الحسن بن شمون:

أ) قال الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج5/ص187): «أصله بصري واقفي ثم غلا، ضعيف متهافت لا يلتفت إليه وإلى مصنفاته».

ب) في رجال ‏النجاشي (ص258): «محمد بن الحسن بن شمون: أبو جعفر، بغدادي، واقف، ثم غلا، وكان ضعيفا جدا، فاسد المذهب. وأضيف إليه أحاديث في الوقف، وقيل فيه.».

ج) رجال العلامة الحلي (ص252): «محمد بن الحسن بن شمون: بالشين المعجمة والنون أبو جعفر بغدادي من أصحاب العسكري عليه السلام واقف ثم غلا وكان ضعيفاً جداً فاسد المذهب وأضيف إليه أحاديث في الوقف وعاش مائة وأربع عشرة سنة ومات سنة ثمان وخمسين ومائتين وكان أصله بصرياً وهو متهافتٌ لا يُلتَفَتُ إليه ولا إلى مصنفاته وسائر ما يُنْسَب إليه.».

30 - محمد بن سنان الديلمي:

أ) رجال النجاشي (ص282): «محمد بن سليمان الديلمي ضعيف جداً لا يُعَوّلُ عليه في شيء».

ب) قال الغضائري عنه كما جاء في مجمع الرجال (ج5/ص219): «محمد بن سليمان زكريا الديلمي أبو عبد الله ضعيف في حديثه مرتفع في مذهبه لا يُلتَفَت إليه».

ج) ووصفه العلامة الحلي في رجاله (ص255) بعبارات النجاشي ذاتها.

 31 - محمد بن سنان: