بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود/88)

﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾

 

 

توحيد العبادة

 

 

الطبعة الثالثة

 

 

تأليف

المصلح الكبير والعلامة الشهير المرحوم آية الله

شـريعـت سـنگلجي

(1308 - 1362هـ = 1890 – 1943م)

 

 

ترجمة وتقديم وتحقيق

سـعـد رسـتم

 

 

 

 

 

 

 

 

P

 

مقدمة المترجِم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، تعالى عن الصاحبة والولد، لم يكن له شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً. بعث عباده المرسلين بتوحيده، وأقام بهم الحجة على عبيده، فهو وحده الإله الحق المستحق للعبادة دون سواه. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله سيد النبيين وخير خلقه أجمعين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار الأبرار الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فإنه ولِلَّهِ الحمد، لم يقع اختلاف بين كافة المسلمين في وجوب عبادة الله وحده وحرمة إشراك غير الله معه في العبادة، فعلماء الفريقين مجمعون ومطبقون على أنه لا يجوز أبداً عبادة غير الله سبحانه، أو تقديم أي شكلٍ من أشكال العبودية والخضوع من صلاة أو سجود أو دعاء أو ذبح قربانٍ أو نذرٍ أو طوافٍ أو غير ذلك لأحد سوى الله سبحانه وتعالى، وسبب اتفاقهم على ذلك أن هذا الأمر ثابت بوضوح بالغ في الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء/23] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..﴾ [النحل/36] وقال عزّ من قائل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..﴾ [يوسف/40]، وقال عزَّ شأنه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام/162]، والآيات في ذلك كثيرة، فتوحيد العبادة من ضروريات الإسلام، بل هو معنى ومضمون كلمته الطيبة وشعار الإسلام الأساسي: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، وكل المسلمين سنة وشيعة يقولون على الأقل عشر مرات في اليوم والليلة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، أي إياك وحدَك نعبد ولا نستعين إلا بك وحدك، وكلهم يدعون عقب صلواتهم بهذا الدعاء المأثور المتفق عليه لدى الفريقين: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيْتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».

لكن رغم هذا الإجماع والاتفاق، وقع كثير من عوام الفريقين في أعمال شركية تتناقض تناقضاً صارخاً مع توحيد العبادة الذي يقرون به بألسنتهم، حيث نرى كثيراً من العوام الجهلة يحجُّون إلى مشاهد وأضرحة الصالحين ليسجدوا عند القبر أو يُصَلُّوا إليه أو يطوفوا حوله داعين صاحب القبر لكشف الكُرَب وتلبية الحاجات ناذرين له النذور أو ذابحين باسمه القرابين، بحجة أنهم إنما يفعلون ذلك لصاحب القبر ليشفع لهم عند الله، بل إن بعضهم يرى أن للولي والصالح قدرة على فعل الخوارق والتصرف في الكون بذاته بعد وفاته، وقد انتشرت مثل هذه الأعمال الشركية بشكل كبير بن عوام الشيعة وجهَّالهم، رغم أن مجتهدي الشيعة الكبار يصرِّحون جميعاً بحرمة مثل هذه الأعمال في كتبهم، لكن بعض أنصاف العلماء المتكسِّبين بالدين أخذوا يبرِّرون مثل تلك الأعمال للعوام ويتمحَّلون لفاعليها التأويلات والأعذار، كما أن كثيراً من العلماء الواعين لزموا السكوت تجاه هذه الأمور وتقاعسوا عن القيام بواجبهم في نهي العوام عن ممارسة تلك الأفعال الشركية، وتنبيههم إلى خطورتها على دينهم وآخرتهم وإيمانهم، مع أن واجبهم ألا يسكتوا عند ظهور البدع، ومسؤوليتهم تلزمهم القيام بإرشاد الناس، وأن يزيحوا كلَّ شبهة في هذا الصدد من أذهان العوام، ويحذِّروهم من أي عمل يتعارض مع أصل توحيد العبادة الذي هو أهم ركن من أركان الإسلام وشرط النجاة يوم الحساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (النساء/116)، وقال كذلك: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (المائدة/72). لهذا أحس المرحوم آية الله الشيخ شريعت سنگلجي (1362هـ) – الذي كان من علماء الشيعة الإمامية المصلحين والمجدِّدين في إيران في أوائل القرن الرابع العشر الهجري – بخطورة هذا الوضع وبعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء في هذا المجال فقام يدعو من جديد إلى توحيد العبادة الذي هو أساس الدين، ويبيِّن أخطاء العوام وأعمالهم الشركية، وألَّف كتابه الحالي الذي بين أيدينا بلغته الفارسية، ونشره بين أبناء وطنه قبل حوالي ثمانين عاماً من الآن، وقد أعيدت طباعته عدّة مرَّات، وكان له أثر طيب في تنبيه كثير من الناس إلى حرمة تلك الأعمال التي كانوا مبتلين بها وهم لا يشعرون. هذا ولما كان كثير من العوام والجهلة وأنصاف المتعلمين لا يزالون يمارسون أنواعاً وأشكالاً من تلك الأعمال، رأينا من المفيد أن ننقل هذا الكتاب القيم والجهد المشكور إلى اللغة العربية إضاءةً لجهد علميٍّ شيعيٍّ بارزٍ في مجال الدعوة إلى توحيد العبادة، وبياناً لكون هذا الأمر مما يتفق عليه أهل الإسلام، ولا ينبغي أن يختلف بشأنه مسلم.

ولا بد في هذا المقام من ترجمة مختصرة لمؤلف هذا الكتاب تعرِّف القارئ به وبمنهجه وسائر مؤلفاته:

 

نبذة مختصرة عن المؤلف المرحوم آية الله شريعت سنگلجي:

ولد الشيخ «شريعت سنگلجي» في مدينة طهران عاصمة إيران عام 1269هـجرية شمسية (يقابل 1308هـ ق. أو 1890م) (1) في بيت علم ودين، فقد كان والده الحاج الشيخ «حسن شريعت» وجدّه الحاج «رضا قلي» كلاهما من علماء الدين وفقهاء الشرع المعروفين في عصرهم؛ فدرس «شريعت سنگلجي» منذ نعومة أظفاره مقدّمات العلوم الشرعية، ثم بدأ بتحصيل علوم الفقه على يد الحاج الشيخ عبد النبي المجتهد النوري (1344هـ)، ودرس الفلسفة على يد الشيخ الميرزا حسن الكرمانشاهي (1334هـ) وأخذ علوم الباطن والعرفان (أي الفلسفة الصوفية) على يد الشيخ الميرزا هاشم الإشكوري (1332هـ)، كما تتلمذ على الشيخ علي النوري والشيخ الشهيد الشهير فضل الله النوري (1330هـ)(2).

في عام 1287 هجرية شمسية (1326هـ)، رحل «شريعت سنگلجي» برفقة أخيه الشيخ محمد سنگلجي إلى النجف لإكمال دراسته الدينية، حيث تتلمذ هناك على كبار علماء الحوزة العلمية في النجف مثل السيد ضياء الدين العراقي (1361هـ)، والعلامة والمرجع الكبير آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ).

بعد أن أمضى سنوات في تحصيل العلوم الشرعية في النجف عاد سنگلجي إلى طهران عام (1340هـ)، واشتغل بالوعظ والخطابة الدينية وهو في الثلاثين من عمره، فكان يلقي دروساً في ليالي الجمعة في مسجد والده الحاج الشيخ حسن سنگلجي، وفي الوقت ذاته كان يحضر مجلس دروس التفسير لآية الله العلامة السيد أسد الله خرقاني (1355هـ) وقد تأثر بمنهجه الإصلاحي التوحيدي.

اتسعت مجالس تدريس وخطابة الشيخ سنگلجي يوماً بعد يوم ولم يعد يتّسع لها مسجد حي «سنگلج» الصغير الذي أصبح مركزاً لتجمُُّع الشباب المتدين والمثقف واتخذ عنوان «دار التبليغ الإسلامي» وتحول إلى قاعة كبيرة، ثم انتقل نشاط دار التبليغ هذه إلى مكان يقع في شارع «فرهنگ» جنوب طهران.

نحى الشيخ «شريعت سنگلجي» منحى إصلاحي تجديدي في دروسه حتى يمكن اعتباره – كما يرى بعض الباحثين(3) - «مؤسّس المدرسة السلفية القرآنية الشيعية الحديثة» في إيران، فقد أكّد على أن التوحيد هو أساس الدين وركيزته، وأنه لا بد من العودة بالدين إلى نقائه الأول. ويمكن أن نستـنبط من خلال ما ذكره في مقدمة كتابه هذا الذي نقدم له - كتاب «توحيد العبادة» - أنه تأثر في هذا المجال بما رآه وقرأه من كتب عن التوحيد الخالص أثناء أدائه فريضة الحج مما يوزّع عادة في الحرمين في ذلك الموسم، فأثَّر ذلك في روحه تأثيراً عميقاً إلى درجة جعلته يرمي الخاتم - الذي كان يضعه في يده ليتبرك به ويحفظه في البيادي والبحار! – في الصحراء وهو في الحافلة في طريقه من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ويستغفر الله عما كان مبتلى به مما رآه متنافياً مع التوحيد النقي الخالص، وأصبح لدى عودته إلى إيران من دعاة التوحيد الناصع، ونبذ كل شكل من أشكال الشرك والغلوّ والخرافات التي رأى أنها منتشرة بشكل كبير بين العوام والجهلة من أبناء قومه.

هكذا أصبح الشيخ «شريعت سنگلجي» من أعلام حركة التنوير والتجديد والإصلاح الديني في إيران التي يطلق عليها المؤرخون بالفارسية لقب «نوگرايي دينى» والتي كان أهم ما يميزها المناداة بالعودة إلى القرآن ونبذ الغلو الخرافات الكثيرة التي علقت بالدين عبر الأزمنة وتراكمت عليه كالغبار الكثيف فذهبت بجماله ونضارته ونقائه ونفَّرت المثقفين منه. وككل مصلح مجدِّد وُوجهت دعوة الشيخ «سنگلجي» بالرفض من جانب المؤسسة الدينية التقليدية الرسمية، ومورست عليه ضغوط كثيرة، حتى أنه يذكر في أحد كتبه أنه قد جرت محاولتان لاغتياله، بيد أنهما باءتا بالفشل(4).

وقد صادف أن لاقت دعوته التجديدية والإصلاحية هذه استحساناً من شاه إيران آنذاك «رضا خان البهلوي»، الذي كان يسعى لإصلاح المؤسسة الدينية والحد من تدخلها في الأمور، ففسح له المجال للعمل في حين كان يضيِّق بشدة على سائر علماء الدين المناضلين ضد طغيانه، فكانت هذه النقطة مما أُخِذَ على المرحوم «شريعت سنگلجي» حيث اعتبره بعضهم من حاشية ذلك الملك الظالم، مع أن هذه التهمة ليست منصفة إذْ لا يعني استفادة الشيخ من فرصة العمل الإصلاحي التي أتاحها له «رضا خان» أنه كان تابعاً له أو موافقاً على كل أفعاله وراضياً بها.

وعلى كل حال ألّف الشيخ «شريعت سنگلجي» كتباً عديدةً من أهمّها كتابه «توحيد عبادت» أي (توحيد العبادة) الذي نقدم له، والذي نقد فيه كثيراً من العقائد والممارسات التي أصبحت رائجة بين المسلمين لا سيما بين عوام الشيعة الإمامية عند مراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام وذراريهم من تعظيمٍ للقبور وغلوٍّ بالأئمة وطوافٍ حول أضرحتهم وقبور ذراريهم المنتشرة في كل حدب وصوب ونَذْرٍ النذور لها وذبح القرابين باسمها والاستغاثةٍ بأصحابها لقضاء الحاجات وكشف الكُرَب والتوسل بالأحجار والأشجار والاعتقاد بالتنجيم والخرافات فبين أنها أعمال شركية تتنافى مع توحيد العبادة الذي هو أساس الإسلام، مما جعله يحسب على التيار المناصر للحركة الوهابيّة في إيران آنذاك.

أما الكتاب الأهم الآخر الذي ألفه «سنگلجي» والذي يكشف بوضوح عن منهجه الإصلاحي فكان كتابه: «كليد فهم قرآن» أي (مفتاح فهم القرآن)، حيث رأى سنگلجي فيه أن المسلمين هجروا القرآن، فكان نصيبهم الفشل والخسران، وأن الحّل الوحيد يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم. إلاّ أنّ السؤال كيف يمكن فهم القرآن؟ هذا ما يجيب عنه «شريعت سنگلجي» بأخذ الدين عن السلف لا عن الخلف، أولئك ـ أي الخلف ـ الذين جاؤوا مع الفلسفة والتصوّف والاعتزال(5). ولكي يؤسّس لمرجعية القرآن ودور السنّة الشريفة طرح في كتابه أفكاراً أساسيةً هامَّةً حول القرآن الكريم منها أن النص القرآني غير محرّف، ويذكر سنگلجي أدلّته على ذلك، وأن القرآن قابلٌ للفهم تماماً، لا يحتاج إلى غيره، وأن القرآن مستوعب لتمام قضايا الدين الأساسية، دون أن يعني ذلك التخلي عن السنة النبوية بل ينتقد سنگلجي تلك الحركة التي حاولت رفض السنّة الشريفة رفضاً مطلقاً، ويرى أنّ الحاجة قائمة لها، لكن القبول بمبدأ حجية السنّة، لا يعني تدخّلها في شؤون الدين كافّة، من هنا يطرح سنگلجي تفصيلاً في دور السنّة يتمثّل، برأيه، في الحاجة إلى السنّة في مجال الشرعيات، لأنّها تفصّل أمر الكتاب الكريم، أما العقائد الأساسية التي عليها مدار النجاة والهلاك فالقرآن تكفَّل ببيانها ولا حاجة ـ عند سنگلجي ـ للسنّة فيها(6).

ومن مؤلفاته أيضاً: كتاب «محو الموهوم»(7) يقع في 41 صفحة، نشره أحد تلامذته ومريديه ويدعى «حسين قلي مستعان» بعد سنة من وفاة الشيخ أي عام 1323هـ شمسية، (1362هـ ق) وأثبت فيه وفاة الخضر وإلياس عليهما السلام ووفاة جميع الأنبياء بما في ذلك عيسى بن مريم عليهما السلام، وبحث بالتفصيل في الآيات المتعلقة برفع عيسى ورأى عدم دلالتها على بقائه حياً. كما أنَّه ألَّف كتاباً هاماً ردَّ فيه على عقيدة الرجعة، فقام تلميذه الشيخ «عبد الوهاب فريد التنكابني» بتوسعة الموضوع وتأليف كتاب مفصل وكامل في هذا الموضوع اسماه «الإسلام والرجعة»، نهج فيه نهج أستاذه في تفنيد هذه العقيدة من أساسها.

لقد تحوّل سنگلجي إلى تيار في إيران، إذ وقع تحت تأثيره جماعة، واستمرّ تياره في النفوذ والتنامي داخل الوسط الديني في إيران حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين حين طغت عليه الأحداث السياسية للثورة الإيرانية، فغاب عن الواجهة. لكن عديداً من المثـقَّفين المتنوِّرين لا يزالون يهتمّون بكتاباته وكتابات المجدِّدين ودعاة تصحيح العقائد أمثاله وينشرونها خاصّة في العقدين الأخيرين.

أنجب «شريعت سنگلجي» ولدين هما «محمد باقر» و«عبد الله». وانتقل إلى رحمة الله في طهران عام 1322 هجرية شمسية (الموافق لـ 1362هـ و1943م) عن عمر لم يتجاوز الـ53 عاماً، فرحمه الله وغفر له(8).

 

المترجم

3/محرم الحرام/1430هـ ق

ملاحظة:

لقد ذيَّلْتُ حواشي التحقيق التي أضفتها للكتاب برمز: (تر)، أي المترجم، لتمييزها عن حواشي المؤلف نفسه.

+            +             +

صورة لأول صفحتين من كتاب «توحيد العبادة» باللغة الفارسية

P2   P1

صورة لآخر صفحتين من كتاب «توحيد العبادة» باللغة الفارسية وتظهر في الصفحة الأخيرة صورة المؤلف رحمه الله.

 

P 6             P 5

 

باسمه تعالى

مضت خمس سنوات على نشر الطبعة الثانية من كتاب «توحيد العبادة» تأليف المرحوم الوالد الماجد، وقد فُقدت نسخ تلك الطبعة منذ أربع سنوات، حتى صار طلاب الحق وعشاق الحقيقة يبحثون هنا وهناك وفي كل مكان عن نسخٍ له ولو بقيمة باهظة فلا يظفرون بطلبتهم، ويأس بعضهم من وجدانه وحُرِم من مطالعته؛ لذا طلب مني الأصدقاء من أنحاء طهران المختلفة ومن سائر المدن أن أقوم بطبعة ثالثة للكتاب ليستفيد منها الباحثون عن الحق والحقيقة. فتشاورت مع السيد حسين دانش صاحب ومؤسس مكتبة ومطبعة دانش حول الأمر فاستقبله بصدر رحب وأخذ على عاتقه طباعته من جديد مع تحمله لجميع النفقات.

لذا انطلاقاً من مقولة «من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق» أجد من الواجب عليّ أن أعرب عن شكري وامتناني له ولإخوتي في الإيمان متمنياً للجميع التوفيق والفلاح عند الله عز وجل وحسن الختام وسائلا المولى أن يهدينا وأن يهدي مجتمعنا إلى صراط التوحيد المستقيم. كما أشكر مساعي السيد إبراهيم حاج إبراهيمي.

 

محمد باقر سنگلجي

 

+            +             +

 

 

 

 

 

مقدمة الطبعة الثانية

نظراً إلى ما لَقِيَـتْهُ الطبعة الأولى من هذا الكتاب من استقبال واسع لدى أولي الألباب والرجال والعلماء الموحدين، حتى نفذت تلك الطبعة وصارت النسخ النادرة الباقية تُباع بأضعاف سعرها، ونظراً إلى رجوع الكثيرين من أهالي المدن والبلدات الأخرى إليَّ طالبين الحصول على نسخة من الكتاب، قررت أن أقوم - بحول الله وقوته - بطبع الكتاب مرة ثانية.

ولقد أضفتُ إلى هذه الطبعة عدداً من المسائل مثل موضوع الاستغاثة بغير الله وكيفية نشأة الأضاحي بين البشر وعلّة عبادة الأصنام وأن التوحيد هو منشأ جميع الفضائل، ومباحث من هذا القبيل. ولما كان أكثر الناس في بلادنا لا علم لهم باللغة العربية وكانت الآيات والأحاديث في الطبعة الأولى غير مشكلةٍ ويصعب قراءتها على غير العربي قمنا بتشكيل كل الآيات والأحاديث في هذه الطبعة الجديدة.

وقد قمت بهذا رغم أن تأليف ونشر هذا الكتاب وكتاب «كليد فهم قرآن» أي "مفتاح فهم القرآن" ومحاضرات مساء الخميس، قد كلفني الكثير من المتاعب إذْ قام عددٌ من الأراذل والجهلة الذين لم يشمُّوا رائحة التوحيد بشنّ حملات مسعورةٍ ضدّ مؤلف الكتابين ولم يتوانوا عن كل ما أمرتهم به أنفسهم الأمارة بالسوء من الافتراء والبهتانٍ بحقِّي.

ولا غرو فمن الطبيعي أن طرحَ ما يخالف عقائد جماهير الناس وآراء العوام وأوهامهم أمرٌ صعبٌ للغاية وخطيرٌ جداً وقد ابتليت بهذا الأمر منذ قرابة 15 سنة فليس هذا بالأمر الجديد بالنسبة لي، ففي كل عصر وزمان عندما يظهر شخصٌ قد أكرمه الله بشيء من التميُّز على أقرانه ولو كان بسيطاً، ويفهم أكثر مما يفهمه العامة وينقل للناس فهمه هذا، عليه أن يتوقع أن يواجهه عوام الناس والمقلدون بالعداوة وأن يقابله أهل البدعة والضلال بالنفور والكراهية، فلا ينبغي أن يتوقع من جميع الناس أن يفهموا كلامه ويقبلوه، لأن الأكثرية في كل عصر هم الجهال، ولو كانوا يفهمون لما صاروا إلى هذا الشقاء الذي هم فيه ولما بقوا في مستنقع الجهل كلّ هذا الوقت.

في اعتقادي إن هذه الفضائح والتهم التي يرميني بها الجهلة وأدعياء الباطل بسبب الإصلاحات التي أقوم بها لا تساوي شيئاً ولا وزن لها، لأنني في هذا الكتاب وسائر كتبي ومحاضراتي التي أبيِّنُ فيها إسلام السلف الصحيح وأعرِّف به إنما أضرب بفأس تجتث الخرافات من جذورها وأهدم معابد الأصنام فوق رؤوس أصحابها، فالذين أنسوا بتلك المقالات وتدبروا القرآن وأدركوا توحيد الإسلام لن يلقوا بالاً لتشويشات أدعياء الباطل وأنصار الخرافات، وبعد أن عرفوا الحقيقة لن يعودوا إلى الأوهام والأباطيل من جديد، فلا عجب أن ترتفع أصوات المرتزقين من تلك الأوهام عندما يرون أن منافعهم ومصالحهم أصبحت مهدَّدة بالخطر، لذا تجدهم يستخدمون كل سلاح ممكن لمحاربة هذه الدعوة التوحيدية. وينبغي أن نعلم أن حرب هؤلاء ضدنا ليست حرباً دينية بل حرباً مادية واقتصادية. فيا ليتهم كانوا يعتقدون فعلاً بما يقولون لأن الدفاع عن العقيدة أمرٌ محمود، ولو كانوا متدينين حقيقةً ويعملون لخدمة الدين فلماذا يهاجمونني باستمرار مع أنني لا أقوم إلا بدعوة الناس إلى الله الواحد رب العالمين وإلى ختم نبوة سيد المرسلين وإلى اليوم الآخر وإلى العلم والتقوى؟؟!

إن مجتمعنا يغصُّ بالمنكرات والبدع وفيه كثير من الزنادقة الذين يحاربون القرآن والإسلام تحت عناوين مختلفة ويقومون بأعمال متنوعة وعديدة تهدم الأخلاق والقيم وتعاليم الدين، فلماذا لا يقوم هؤلاء الذين يحاربوننا بمحاربة أولئك الفجار والتصدي لهم، لماذا لا يحاربون من يذهب إلى المراقص والخمارات ويمارسون أكل الربا والاحتكار وأمثالهم، ولماذا لا يجاهدون لمنع الكتب الضالّة والمقالات الضارّة التي تؤدي إلى زوال الدين من أساسه وإلى القضاء على أعراض المسلمين ونواميسهم، وبدلاً من ذلك نجد أن كلَّ همِّهم هو منع الناس من قراءة كتابي هذا وكتاب «مفتاح فهم القرآن» ومن سماع دروسي ومحاضراتي!

إن أسباب ذلك واضحةٌ:

أولاً: إنه الحسد الذي يحمله الأمثال والأقران تجاهي فلما كان الحسود لا يملك القدرة على الوصول إلى مرتبة محسوده فإنه يسعى بكل جهده لكي يحط من شأن المحسود في أنظار الناس، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أن الحسود لا يسود وأنه طالما عمل الإنسان بما يرضي الله تعالى فلن يؤثر فيه حسد الحُسَّاد.

ثانياً: لما أحدثت كتاباتنا ومحاضراتنا بحول الله وقوته تأثيراً كبيراً في الناس المثقفين وعرّفت الناس بتعاليم القرآن الكريم، فمن المؤكد أن الذين عرفوا تعاليم القرآن لن يضرهم بعدئذٍ كل ما يقوله مدعو الباطل ولن يطيعوا بعد ذلك الدجالين والشياطين من الإنس، ومن هنا أدرك الحُسَّاد أن مصالحهم أصبحت في خطر فلجؤوا إلى كل وسيلةٍ للحفاظ على مصالحهم ومنافعهم المهددة بالزوال، فقاموا أحياناً بالتهديد بقتلي وأثاروا العوام ضدي؛ لكن ينبغي أن يعلموا أنهم لا يستطيعون أن يهزموا كلمة الحق بالجَلَبَة والضوضاء لأن الغلبة دائماً للحق، «فللباطل جولة وللحق صولة».

يستغل أراذل الناس دائماً الأوضاع المضطربة ظانِّين أن الدنيا ستبقى على منوال واحد، لكن الواقع أنه لا بد أن يأتي يوم تنطفئ فيه نيران هذه الحروب الدموية المخربة، وعندئذٍ سيكون اليوم يوم شقاء وندم للمفسدين.

إن جميع حوادث العالم خاصةً الحوادث التي نشهدها في هذا العصر -حيث لم يشهد التاريخ مثل هذه الثورات والاضطرابات- امتحانٌ إلهي للناس، فينبغي أن نحذر من تقديم الامتحان بشكل سيء. إننا نجد لسوء الحظ أن معظم أهل الدنيا يقدِّمون الامتحان بشكل سيِّء جداً، وكأنَّ شيطان الجهل والرذائل الأخلاقية قد أحكمت سيطرتها على الناس فأصبحوا لا يتورعون عن أي رذيلة وكأنه ليس في قاموسهم شيء اسمه الفضيلة والتقوى! لقد شاع - كما نرى - النفاق والقتل والسرقة وهتك الأعراض والاحتكار وانعدام الرحمة والظلم والشتم والافتراء وأمثالها إلى درجة تُوجب على الإنسان أن يفر إلى الله. ولكن لا يظنَّنَّ الأعداء أن الأمر سيبقى على هذه الحال دائماً، أو أن بإمكانهم أن يطفئوا نور حقائق القرآن أو يحجبوا كلام الله عن الناس بأكاذيبهم ومفترياتهم، وليعلموا أن الله معنا وأننا سنواصل بحول الله وقوته قول الحقائق وكتابتها ولن تأخذنا في ذلك لومة لائم ولن ترعبنا هجمات الأراذل والسفلة، سائلين العون والتأييد من الله تعالى.

إن الخوف من الناس يكون لأحد سببين: إما طمعاً في أموال الخلق أو خوفاً منهم وقد وجدنا علاج هذين المرضين في مستشفى أمير المؤمنين الذي يقول «وإِنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ولا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ»، فلن يمنَعَنَا إذن الاهتمام بالرزق أو الخوف على روحنا من إظهار غيرتنا الإيمانية. يقول «سعدي»: إن الذي يمكنه أن ينصح الملوك هو المسلم الذي لا يخاف قطع رأسه ولا طمع له في أموالهم. غاية الأمر أننا يجب أن نقنع بالطعام قليل الدسم وأن نقطع ألفتنا بالفجرة اللئام، وكل من قطع آفة الطمع وأزال من نفسه علة الحاجة أصبح أسداً في الشجاعة وباسلاً في الدين.

إن هذه المشقَّات والمتاعب التي نتحمَّلها نعدُّها ذخيرةً لنا ليومٍ تُبلى فيه السرائر، وسوف يحكم الله بيننا في ذلك اليوم في حضور خاتم الأنبياء في محكمة عدله الإلهية وعندئذٍ سيُدان هؤلاء الأعداء وسنكلهم للمنتقم الحقيقي.

لا شكَّ أن هذه البذرة التي نزرعها اليوم ستؤتي ثمارها يوماً ما، فنأمل الهداية للشباب المتعلّم المثقّف الذين نؤمّل فيهم الكثير، عسى الله تعالى أن يجعلهم من السعداء في مجتمع المستقبل تحت لواء التوحيد ويوفّقهم لإنشاء المدينة الفاضلة. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

شريعت سنگلجي

1362 هـ ق.

 

+            +             +

 

ديبـاجـة

بسم الله الرحمن الرحيم

سُبحان من دانت له السموات والأرض بالعبودية، وأحمد من شهدت له جميع الخلائق على اختلاف ألسنتهم بالربوبية، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المُجتبى أشرفُ المخلوقاتِ وأفضلُ البرَّية، وأصلي عليه وآله كما صلى عليه هو وملائكته أفضل صلاةٍ وأكمل تحية.

قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا(9) وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ يُصْلِحُونَ ما أفَسَدَهُ النَّاسُ من السُنَّة»(10).

قوله «بدأ الإسلام غريباً»: أي أن الإسلام في أوّل ظهوره كان مستغرباً لدى أهل ذلك الزمن الذين لم يسمعوا بمثل ذلك الكلام من قبل، فمقاصد الإسلام وتعاليمه المقدّسة كانت جديدة بالنسبة إلى العرب بل جديدةٌ بالنسبة لجميع البشر ومخالفةٌ لما كانوا عليه من عقائد وعادات، فقد كانوا جميعاً منهمكين في عبادة الأصنام والأحجار والنار أو عبادة الأنبياء والملائكة. قال تعالى: ﴿.. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/80) كما كان النصارى يعبدون عيسى والصدوقيون من اليهود يعتبرون عزيراً ابن الله، والخلاصة كل شيء كان يُعبد سوى الله رب العالمين وكان الهدف المقدس لرسالة خاتم النبيين دعوة الناس لعبادة الله وحده، ولما كانت هذه الدعوة، أي الدعوة لِـلَّهِ الواحد ولتحطيم الأصنام وإبطالها، مخالفةً لعقائد العرب وعاداتهم، اعتبروا كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عجيباً وقصَّ علينا القرآن هذا عن المشركين الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص/5)، أي أنه لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» كان المشركون يتعجبون ويقولون كيف نعبد إلهاً واحداً إن هذا يريد أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا ويحصر عبادتنا بخالق العالم فقط.

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «وسيعود غريباً»: دليلٌ على أن الإسلام كما بدأ غريباً أول ظهوره فكذلك سيعود غريباً فيما بعد أي أن التوحيد الحقيقي والفضائل الأخلاقية وسنة النبي الصحيحة ستُمحى من بين المسلمين وسيحل محلها الشرك والرذائل والبدع حتى لو قام رجلٌ يدعو إلى التوحيد الحقيقي كان كلامه عجيباً وغريباً بالنسبة إلى الناس.

سبحان الله! لقد زالت تعاليم الإسلام وأهداف نبي آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم من بين المسلمين وضاعت ولم يعد بالإمكان وجدانها ولو بواسطة أي مشعل أو مصباح. لقد أحاطت ظلمات الجهل والوثنية بعالم الإسلام وتراكم غبار البدع فوق القرآن فلم يعد من الممكن غسله بأي ماء ولا بيان أهداف ومرامي القرآن المقدسة بأي لسانٍ واستفاد مدعو الباطل والضالون المضلون من جهل الناس بالقرآن والدين وضياع مقاصد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، فانقضوا على جماعات من المسلمين الجاهلين وقدموا أنفسهم بوصفهم هداةً ومرشدين لهم فأوقعوا النفاق والبغضاء بين المسلمين وقادوا أولئك الناس الجاهلين المساكين إلى أودية الظلمات وبيادي الضلالات المخيفة وأوصلوهم في النهاية إلى مصير هلاك الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزمر/46).

لمثل هذا فليبكِ المسلم دماً! لقد حُرِّف الإسلام وحلَّت الخرافات والأباطيل محل حقائق الدِّين إلى درجة أنه إذا قام شخص بتعريف الناس بالدين الحقيقي، سارع الذين لم يقرؤوا سطراً من علوم الدين ولا علم لهم بالقرآن ولا بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بآثار أئمة الدين (عليهم السلام)، والذين تفصلهم عن علوم الإسلام الحقة اليقينية وعن تعاليم خاتم النبيين وعلومه اليقينية مسافات بعيدة، وهم مقيدون بسلاسل الكفر وأغلال الخرافات، بل هم خارجون حقيقةً عن الدين وكافرون بشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، سارعوا إلى تكفير هذا الذي عَرَفَ حقيقة الدين، وحسب أولئك العوام الجهلة أنهم من دعاة الدين وحَمَلَة شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم!! (ويلٌ لنا إذا كان لهذا اليوم غدٌ).

كيف يمكن لأناسٍ نسوا التعاليم السماوية واتخذوا القرآن ظهرياً وافتروا بحقه آلاف الافتراءات فقالوا هو محرفٌ أو قالوا هو غير قابل للفهم وله سبعون معنى، أقول كيف يمكن لأمثال هؤلاء أن يهتدوا إلى الحق؟

يا رب! لماذا يقومون بتخريب دينك؟؟ يا رب! لماذا يتلاعبون بتعاليمك؟؟ أيها المسلمون! افتحوا أعينكم ولا تنخدعوا بمثل تلك الكلمات، ولا يبعدنَّكم شيءٌ عن القرآن واستعيذوا بالله المتعال من شرِّ هؤلاء الشياطين!.

إنها مقالات زنادقة الإسلام تلك التي يتفوه بها من يقول إن القرآن أصابه التحريف وهو غير قابل للفهم. هؤلاء يريدون أن يسلبوا منكم مصدر الإسلام الأساسي ليحلوا محله بدعهم وخرافاتهم.

ماذا حل بتاج فخار التوحيد الذي وضعه آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم على رأس أمته؟ لقد تعرض ذلك التاج اليوم إلى لكمات وركلات المال والأوهام والخرافات والوثنيات التي ازدهرت باسم دين الإسلام!.

لقد أصبح الإسلام اليوم أشد غُربةً من زمن ظهوره كما أصبح المسلمون الواقعيون غرباء وحدهم بين الناس وكيف لا يكونون غرباء وقد اتبع الناس في عقائدهم وعاداتهم عشرات الفرق والمذاهب وَالمسالك والطرق بل أكثر من ذلك، أصبح كل جماعة تابعون لشخصٍ أحدث مذهباً ونشر بدعةً أضيفت إلى البدع الأخرى. وقام أدعياء الباطل بإلباس جسد الإسلام المقدس ألبسةً مختلفةً، وأصبحنا نسمع من كل حدبٍ لحناً ومن كل صوبٍ نغمةً مرتفعةً فواحدٌ يدعي الإلهية وآخر يدعي النبوة وثالث مسكين يدعي الولاية والإمامة ولكل منهم مريدون وأتباع يضيِّعون عمر العامة من الناس في تقبيل الأيادي والأرجل والسجود لغير الله.

ولا يزدهر سوق هؤلاء إلا إذا خالفوا الله ورسوله لأن القرآن يخالف مقاصدهم وهواهم فالقرآن ليس له هدف سوى دعوة الناس إلى طاعة الله وإلى إصلاح أنفسهم وإلى التقوى والفضيلة، لذا كان عليهم – كي يتمكنوا من ترويج طريقتهم وتسويق بضاعتهم - أن يسقطوا القرآن من الحُجِّيَّة كي يفتح لهم الطريق أمام نشر بدعهم وضلالاتهم وأوهامهم وخرافاتهم وبيعها للناس، هؤلاء هم الذين سيشتكي منهم الرسول الأكرم غداً يوم القيامة في محضر العدل الإلهي: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (الفرقان/30).

إذا أنعم الله تعالى على شخصٍ بمفاد قوله ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة/213) فمنحه بصيرةً في الدين وعِلماً بسنة سيد المرسلين وفهماً وتدبراً للقرآن المبين فنهض يعرِّف الناس بالبدع والخرافات ويدعوهم بحول الله وقوته إلى صراط الله المستقيم، صراط القرآن الكريم، فعليه أن يستعدَّ لطعن الجاهلين به وإهانة أهل البدع والضلالة له ونفور الناس منه. وليعلم أنه سيكون غريباً في الدين لأنه لا يتماشى مع دين الناس الباطل وغريباً في التمسك في السنة حيث شاعت البدعة مكان السنة، وغريباً في عقيدته حيث راج الشرك والخرافات، وغريباً في مجتمعه ومعاشرته لأنه لا يتفق مع أهواء الناس. سوقُهُ كاسدة لأن متاعه التوحيد والأخلاق وليس لهذا المتاع من يشتريه:

عاشقوك (ياالله!) لا يملكون إلا مُقْلةً دامية

لا يملكون إلا قلباً متألماً بالأفكار

يا أتباع الهوى ابتعدوا عني أنا المسكين  

رجال طريق الله لا يبحثون عن دنيا ومتاع

وليعلم مثل هذا الشخص أن لا رفيق له سوى الله وليتذكر دائماً أن من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس وَمن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤونة الناس، فليفر إلى الله ولا يخاف من الخلق لأن الله كافيه، وليوطن نفسه على الصبر على أذى الناس.

إن الموحد لو صببت الذهب أمامه   ولو وضعت السيف الهندي على رأسه

لم يرجُ ولم يَخَـفْ سـوى الله      هـذا هو أسـاس التـوحيـد ومبناه

وإذا وجد نفسه وحيداً في هذا الطريق ولا من يعينه من أهل هذا الزمن فعليه أن يعلم أنه ليس وحده لأن السالكين لهذا الطريق هم أعظم الناس وأسياد البشر، فهذا الطريق طريق نُوحٍ نجِيِّ الله عليه السلام، وحامل مشعله شيخ الأنبياء إبراهيم خليل الله عليه السلام. إنه الطريق الذي سلكه موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام. ورئيس القوافل في هذا الطريق هو أشرف المخلوقات خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم. إنه الطريق الذي استشهد فيه المرتضى عليه السلام والطريق الذي تألم فيه المجتبى عليه السلام والطريق الذي ضحى فيه تلك التضحيات العظيمة الحسين المظلوم عليه السلام. إنه الطريق الذي أسر في سبيله زين العابدين عليه السلام والطريق الذي حُبِس لأجله موسى بن جعفر ِِ عليه السلام وفي هذا الطريق بذل الحكماء والعلماء أرواحهم. قال عليٌ عليه السلام: «أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ»(11).

فعندما يكون الأنبياء هم روّاد القافلة ويكون زعيم القافلة (قافلة السالكين) خاتم النبيّـين، لا ينبغي الخوف، فالله تعالى معه والرسل الكرام مرافقون له فلن يستطع الشياطين التعرّض له أبداً. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.. (الطلاق/3)، ﴿كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.. (المجادلة/21).

«فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس من السنة»

طوبى لحال الغرباء! الذين يقومون بإفهام الناس مقاصد وتعاليم هذا الدين ويمكنهم أن يميّزوا التوحيد من الشرك ويفرّقوا بين البدعة والسنة ويصلحوا ما أفسده الناس من سنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا العبد الضعيف [شريعت سنگلجي] أمضيتُ سنين طوال في دراسة العلوم الإسلامية والتبحّر فيها بعمق وبذلت غاية جهدي بقدر الطاقة البشرية في دراسة التفسير والحديث والكلام والفلسفة والفقه والأصول والتاريخ واجتهدت فيها، وقمت بمطالعات وافية في الملل والنحل والأديان واهتديت إلى القرآن طبقاً لمفاد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.. (العنكبوت/69) وحقّقت في دين الإسلام الحنيف وبحثت فيه وميّزت بقدر طاقتي بين الحقّ والباطل وألقيت عن ظهري أثقال الشرك والأوهام وسلاسل الخرافات وأغلال الأباطيل، ونهلت من معين القرآن الزلال واهتديت بنوره، ولما رأيت أن الأمور التي فهمتها قد قام على صحتها وحقيقتها شاهدا عدل: العقل والشرع، وأنني لو لم أظهر الحقيقة للمتعطّشين لها لانطبق عليّ الحديث الشريف الذي يقول: «إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ»(12) فاستحققت اللعن الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك نهضتُ وبادرتُ إلى هذا الأمر الأهم وهو توحيد الإسلام وركن الدين الركين ورأسمال سعادة الدنيا والآخرة، الذي تبدَّل وتحوَّل لدى الناس إلى معنىً آخر إذ راج مكان التوحيد وباسمه ألف شركٍ وشرك. أسأل الله تعالى أن يوفِّقني لبيان هذا الأمر الهام والمقصد الأسنى الذي تستند إليه دعوة الرسل في بضع كلمات لإخوتي من أبناء اللغة الفارسية آملاً أن يكون عملي ذلك ذخيرةً لي يوم المعاد.

شريعت سنگلجي

شوال المكرم 1361هـ ق.

+            +             +

 

تفسـير التوحيـد وإفراد الله بالعبادة
وأن «توحيد العبادة» قطب رحى القرآن

إن القرآن يدعو الضائعين والعطاش في صحراء الشرك والوثنية إلى كوثر التوحيد الزلال وإلى منزل التفريد، إنه ينقذ الواقعين في حفرة الوثنية فيخرجهم منها بحبل التوحيد المُحْكَم.

از چاه شور اينجهان بر حبل قرآن زن دو دَسْت

           اى يوسف آخر بهر توست اين دَلو در چاه آمده!

تمسك بحبل القرآن بيديك لتخلص من بئر هذا العالم الأجاج

يا يوسف! ما أنزل هذا الدلو في البئر إلا لنجاتك

يعتمد الفهم الصحيح لـ«توحيد العبادة»، الذي يشكِّل قطب رحى القرآن، على التمهيد بعدة أصولٍ وقواعد:

1- الأصل الأول:

أنه من ضروريات دين الإسلام المبين أن كل ما أنزله الله تعالى في كتابه حقٌ وصدقٌ محضٌ ولا سبيل للكذب إليه، فهو حقيقة الهداية وجوهر العلم والدراية، ولب لباب اليقين، والعروة الوثقى المتينة، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ (فصلت/42)، ولا يتحقق إسلام المرء إلا إذا اعترف بهذا الأصل وآمن وأيقن به.

2- الأصل الثاني:

إن الهدف من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل دعوة الخلق إلى الله الواحد الأحد. لقد جاء الأنبياء ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده ويحضوهم على إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، لأن البشر رغم إيمانهم بفطرتهم بأن لهذا العالم خالقٌ وموجدٌ، ورغم عبادتهم لهذا الإله، إلا أنهم بسبب تقليدهم للآباء والأجداد وغيرهم ينحرفون عن هذه الفطرة فيتوهمون أن هناك آلهة أخرى تستحق العبادة مع الله خالق العالم، فيصنعون لهذه الآلهة تماثيل ويعبدونها: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ»(13). وما جاء الأنبياء إلا ليعيدوا الناس إلى فطرتهم الأولى ويدعوهم إلى التوحيد في العبادة وإفراد الله بها.

وجميع الأنبياء أول ما يدعون أقوامهم إليه هو قولهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (الأعراف/59). وأول ما يُذَكِّرونهم به هو:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/56)،

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(14) (النحل/36)

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ (الإسراء/23).

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (النساء/36).

﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللهَ (هود/26).

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (نوح/3).

فكل هذه الآيات تدعو في الواقع إلى حقيقة وجوهر «لا إله إلا الله» وإلى التحقق بحقيقة عبادة الواحد القيوم، وهذا لا يتحقق بمجرد الكلام ولقلقة اللسان بل إن معنى «لا إله إلا الله» إفراد الحق تعالى بالألوهية والعبادة ونفي عبادة غير الرب تعالى والبراءة من غير الله.

ليس في قلب الدرويش إلا جمال قامته

البيت ضيقٌ لا يتسع إلا لشخصٍ واحد

إن المسلم العالم بكتاب الله وسنة نبيه وآثار الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لا يشك أدنى شك في هذا الأصل المتين.

3- الأصل الثالث: التوحيد قسمان: توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة والعبادة

توحيد الربوبيَّة: هو الإقرار والاعتراف بأن الحقّ تعالى خالق جميع الموجودات وربُّ العالمين. وقد كان المشركون مقرِّين تماماً بهذا التوحيد ومعترفين به كما ذكر الله تعالى لنا ذلك في قرآنه المجيد حين قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ (لقمان/25).

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (يوسف/106).

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزخرف/9).

كما أن المشركين كانوا يقرُّون ويعترفون بأنَّ الله هو الرزَّاق وهو المحيي والمميت وهو المدبِّر للسموات والأرض وهو الذي يملك الأبصار والأسماع والقلوب كما يقول تعالى:

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؟ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ؟ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ: اللهُ. فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟؟ (يونس/31).

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ. قُلْ: أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟؟ (المؤمنون/84).

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ سَيَقُولُونَ: لِـلَّهِ. قُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟؟ (المؤمنون/87).

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِـلَّهِ. قُلْ: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟ (المؤمنون/88).

فكل مشركٍ يعترف بأن الله خالقه وخالق العالم كلَّه ويقرُّ بأن الحقّ تعالى رازقه ومحييه ومميته، ولذلك كان الأنبياء والرسل يستدلّون على المشركين بما يؤمن به هؤلاء المشركون أنفسهم ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟؟ (النحل/17). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.. (الحج/73).

توحيد الألوهية والعبادة:

وهو أن يعبد الإنسان الذات الإلهية المقدسة بأنواع العبادات، كما سيأتي تفصيله لاحقاً. وهذا التوحيد في العبادة هو الذي وقع الشرك فيه بين البشر حيث قالوا إن لِـلَّهِ شركاء في استحقاق العبادة، ولفظ الشريك بحد ذاته يدل على أن المشركين يعترفون بوجود الله وخالق الموجودات.

إن الأنبياء والرسل مأمورون بتقرير وإثبات التوحيد بالمعنى الأول أي توحيد الربوبية لذلك نجد القرآن المجيد يأتي بأدلة متقنةٍ على هذا التوحيد. ولكن أكثر ما يهتم له الأنبياء ويعتني به القرآن بشكل خاص هو التوحيد بالمعنى الثاني أي توحيد العبادة والذي يشكِّل في الواقع قطب رحى القرآن وأساس دعوته والمحور الذي تدور عليه آياته ومعنى وحقيقة «لا إله إلا الله».

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل/36).

تدل عبارة «في كل أمة» بصراحة على أن بعثة الرسل كانت في جميع الأمم بهدف الدعوة إلى توحيد العبادة وليست لأجل إثبات وجود خالق العالم لأن جميع المشركين كانوا معترفين بهذا الأمر.

وبسبب اعتراف المشركين بخالق العالم نجد أن بعض آيات القرآن قد تحدَّثَتْ عن خالق العالم بصيغة الاستفهام التقريري كقوله تعالى:

﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟!..﴾ (فاطر/3).

﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟!..﴾ (النحل/17).

﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ؟!..﴾ (إبراهيم/10).

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ؟!..﴾ (الأنعام/14).

﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ؟..﴾ (فاطر/40).

فمن هذه البيانات يتّضح تماماً أنّ المشركين لم يكونوا يعتبرون الأصنام شركاء لِـلَّهِ في خلق السموات والأرض وكذلك النصارى بالنسبة إلى المسيح وأمّه مريم وكذلك عُبَّاد النجوم والكواكب والملائكة ما كانوا يعتبرون هذه المعبودات خالقةً رازقةً لهم ولا مُحْيِيَةً مُمِيْتَةً بل كانوا يشركون هذه المعبودات مع الله في عبادتها ويتّخذونها شفعاء تشفع لهم عند الله: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ (يونس/18).

وهذا التوحيد قسمان:

1- توحيد في العلم والقول: أي أن يؤمن الموحِّدُ بأن ذات الحق بسيطة الحقيقة ومنزهةٌ عن التركيب الخارجي من مادةٍ وصورة أو التركيب العقلي من ماهية ووجود والخلاصة منزهةٌ عن صفات الممكن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى/11)، وقد بينت سورة التوحيد (الإخلاص) غاية التنزيه وأثبتت مطلق التقديس للذات الربوبية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص/2).

أيها المنزه من الصاحبة والولد والقرين    كيف يمكنني أن أشكر نعمك؟

2- التوحيد في الإرادة والعمل: أي أن لا يريد الشخص شيئاً سوى الذات الأحدية المقدّسة وسوى الحقيقة القيّومية ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (الانشقاق/6). وسورة الكافرون تثبت وتحقق توحيد الإرادة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(15) (الكافرون/6).

 إن الأساس الذي بُنِـيَت عليه دعوة القرآن هو توحيد الإرادة ووحدة المراد، لأن سبب اختلاف البشر اختلاف المُراد، وتشتُّت الإرادة، حيث جعل كل جماعة لأنفسهم مُراداً خاصاً بهم، وأخذوا يطلبون حوائجهم منه، ويدعون الناس إلى مُرادهم، ويعتبر مُراد غيرهم باطلا.

وعندما تعدَّدت المُرادات (الآلهة) وقع الاختلاف والنزاع، بالطبع، بين المريدين، وسيبقى هذا النزاع ولن يزول طالما بقيت هذه المرادات مختلفة ولن ينجح الناس في الوصول إلى الصلاح وسداد أمرهم، لأن سعادة البشر رهينة باتحاد مُرادهم وتوحُّد مَرَامهم وإرادتهم.

إن المشهود مع الأسف هو أن اختلاف المُرادات الذي يستتبع اختلاف الإرادات هو الأمر السائد والحاكم بين الناس، بدءاً من عُبَّاد الأصنام الذين اتخذ كل فريق منهم لأنفسهم صنماً جعلوه مُرَادهم ومعبودهم واخترعوا لأنفسهم رباً: فالتاميليون اتخذ فريق منهم «بوذا» معبوداً واعتبر فريقٌ آخر منهم «براهما» مُرادَاً ومرغوباً، واتخذ آخرون موسى(16) معبوداً وآخرون عيسى معبوداً ومُراداً، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/80).

إن مَبنى دعوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، إضافة إلى الإطاحة بجميع الأصنام والأوثان والآلهة، هو وحدة البشر واتحاد مرامهم ومرادهم. لقد دعا الأمم المختلفة إلى إلـهِ واحدٍ ومعبود واحدٍ ومَرَام وهدف واحدٍ، وجعل الفضيلة والعلم والتقوى قبلة آمال البشر وسبيلهم لنيل السعادة الكبرى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ...﴾ (آل عمران/64)، فالكلمة السواء التي دعا إليها تتضمَّن ثلاثة أمور: الأول: أن لا نعبد إلا الله وهذا تعريض باليهود الذين عبدوا عُزَيْراً والنصارى الذين عبدوا عيسى، والثاني: أن لا نشرك بالله شيئاً أي لا نشرك مع الله معبوداً آخر بأي قسم من أقسام العبادة والشرك، والثالث: أنْ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فاتخاذ الأرباب في النصارى كان سجودهم لأحبارهم وقولهم إن ممارسة الرياضة الروحية الكاملة أظهرت أثر حلول اللاهوت في ذواتهم، واتخاذ الأرباب في اليهود كان اتباعهم أحبارهم وطاعتهم لهم في التحليل والتحريم(17).

لماذا يجب أن يكون مراد البشر مراداً واحداَ هي الذات الربوبية تبارك وتعالى؟ إن علة ذلك أنه لو كان مراد البشر كائناً ممكناً وحادثاً، فإن هذا الكائن الحادث لا بقاء له بل سيؤول بالضرورة إلى الزوال والفناء، فإذا فني المراد وانعدم ماتت الإرادة وانهارت. والإرادة التي تتجه كل يوم إلى مراد جديد لن تكون قوية أبداً. هذا في حين أن سعادة الدنيا والآخرة هي نصيب أصحاب الإرادات القوية.

تحث دعوة الإسلام وتربية القرآن على تحصيل العلم وتقوية الإرادة. وسبيل تقوية الإرادة منحصرة بكون مُراد الإنسان ذاتاً موجودةً حيةً لا تموت، ولا يعرف الزوال ولا الفناء إليها طريقاً على الإطلاق: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ (البقرة/255).

لقد مدح الله تعالى الرجال الذين مقصودهم حيٌّ لا يموت فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الأنعام/52).

ويقول تعالى في موضع آخر بحقِّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(18) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى (الليل/21).

وخلاصة الكلام أنه لو تعلقت الإرادة بالمراد الحقيقي الذي هو الله تعالى الباقي الذي لا يزول، فلم يكن للإنسان مقصودٌ سواه ولا مطلوبٌ ولا غايةٌ غيره، فإن هذه الإرادة تستطيع أن تقتلع الجبال، وصاحب مثل هذه الإرادة يعيش هنيئاً يرفل في السعادة والهناء، ولازم هذه الإرادة إخلاص الدين لِلَّهِ رب العالمين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة/5).

الأصل الرابع: في حقيقة العبادة ومعناها:

يقول الزمخشري في «الكشاف»: «والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل... ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع(19). ويقول محقِّقو السلف: «العبادة أقصى الحب مع غاية الخضوع والتذلل لِـلّه».

لكن هذا المعنى متحقِّقٌ أيضاً لدى العشاق المجازيين تجاه معشوقهم الذي يولونه كمال محبتهم ويبدون تجاهه غاية تذللهم وخضوعهم. لذا فإن ما يقتضيه التحقيق، كما ذهب إليه بعض المحقِّقين، هو أن حقيقة العبادة: غاية الحب ونهاية التذلُّل والخضوع أمام ساحة الربوبية والذي يترافق باعتقاد وشعور بأن لهذا المعبود الحقيقي سلطان غيبيٌّ وحُكْمٌ فوق العلل والأسباب، فهو يملك بسلطانه وقدرته التامة القدرة على إيصال النَّفْع ورفع الضُرِّ وتغيير الأسباب وخلق أسباب أخرى، فهو مسبِّب الأسباب وميسِّر كلِّ أمر عسير، وهو المحيي والمميت والرزَّاق والشافي والكافي، وهو غياث المستغيثين ورحمةٌ للعالمين.

وبناء على ما تقدم فإن كل دعاء وثناء يترافق بهذا النحو من الاعتقاد والشعور التام بالمعنى الذي ذكرناه يُعتبَر «عبادة».

وخلاصة الكلام إن حقيقة العبادة: الحب والتذلل مع هذا المعنى الدقيق بأن المحبوب خالق الأسباب، وفوق الأسباب وصاحب القدرة التامة: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أإلـهٌ مَعَ اللَّهِ؟؟ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ؟ (النمل/62).

رأس العبادة وأساس التوحيد كلمة ﴿لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. عندما كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» كان المشركون – بوصفهم أهل اللغة ويدركون حقيقة معاني الكلمات ومراميها – يدركون أنهم إقرارهم بهذه معناه براءتهم من كل معبود سوى الله تعالى، وأن عليهم أن لا يخضعوا ولا يتذللوا لأحد غير الله، ولا يطلبوا حاجاتهم من غيره تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ! وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ! (ص/5).

النتيجة: إذا تقرَّرت الأصول الأربعة المذكورة فاعلم أن سلسلة الأنبياء والرسل إنما بعثوا لدعوة الناس إلى إفراد الحق تعالى وحده بالعبادة ولم يبعثوا لأجل إثبات أن الله تعالى خالق الموجودات لأن جميع المشركين كانوا يعترفون بذلك: جهانرا صانعى باشد خدا نام    كز او آشفته دريا گيرد آرام

أي: للعالم صانع اسمه الله           هو الذي أسكن البحار الهائجة

ولهذا كان المشركون يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ؟؟ (الأعراف/70). ولم يكونوا ينكرون الله وعبادته أبداً بل يعتبرونه مستحقاً للعبادة، كل ما في الأمر أنه كانوا يرون له شركاء في استحقاق العبادة فقال الله تعالى لهم: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة/22).

كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ في تلبيتهم في الحجّ: «لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»(20). فكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عند سماعه لتلبيتهم هذه يقول: لو أنهم تركوا قولهم «إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ» لكانوا موحدين. فإذن من لوازم الشرك أن يكون المشرك معترفاً بالله ومقراً بوجوده. ويقول الله تعالى أيضاً: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ (الأنعام/22). ويقول كذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (الأعراف/195).

والحاصل، إن المشركين كانوا بخضوعهم وخشوعهم وعبادتهم للأصنام ونذرهم ونحرهم القرابين لها يعتقدون أن أصنامهم هذه تقربهم إلى الله فقط وتشفع لهم عنده يوم القيامة(21) ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18)، من هنا نفهم أن التوحيد الذي جاء به الأنبياء والرسل هو توحيد العبادة.

لقد كان المشركون عدة أنواع: فريق كانوا يعبدون الملائكة، وفريق يطلبون حوائجهم من النجوم والكواكب والشمس، وبعضهم كان يعبد الأصنام، وبعضهم يقدسون الأحجار، وجميع هؤلاء كانوا يفزعون إلى معبوداتهم ويلجؤون إليها في الشدائد والملمَّات، يطلبون منها تفريج الكُرَب وقضاء الحوائج، فبعث الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم ليقول لهؤلاء المشركين: إن كنتم تؤمنون أن ربكم وخالقكم واحد وهو الله فاعبدوه وحده أيضاً ولا تعبدوا غيره ولا تطلبوا حوائجكم من غيره، وآمنوا بحقيقة أن «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» واعملوا بمقتضاها: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ.. (الرعد/14)، وقال لهم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (المائدة/23) لأن الغنى والفقر والسلطان والملك والعز والذل كلها بيد الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران/26).

لقد دعا عباد الله أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة/5)، وبالتالي فإذا استعنتم بغير الله كنتم من المشركين بالتأكيد.

ولا يتحقَّق إفراد الله بالعبادة إلا إذا توجَّه العبد بالدعاء والتضرُّع والعبادة لِـلَّهِ وحده دون غيره فلم يدعُ في الشدة والرخاء إلا إيّاه، ولم يلجأ في العسر واليسر إلا له، ولم ينذر النذور أو يذبح القرابين إلا لِـلَّهِ، فلا يجوز تقديم أيّ صنف من صنوف العبادات من ركوع وسجود وقيام وتذلل وطواف وغيره إلا لذات الحق تبارك وتعالى الباقي الذي لا يزول وحده فقط. وكل من قام بتلك العبادات لمخلوق سواء كان حياً أم ميتاً وسواء كان صنماً أم ملاكاً أم جنيّاً أم حجراً أم شجراً أم قبراً فهو مشركٌ، فكما أن إقرار المشركين بأن الله رب العالمين وخالق الكائنات لم ينقذهم من الشرك فكذلك مجرّد الاعتراف بوجود الله وبنبوّة محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة الطاهرين عليهم السلام لا يخرج صاحبه من الشرك إذا كان يقوم بتلك العبادات لغير الله تعالى. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ لا يقبل الله عملاً شورك فيه غيره ولا يؤمن به من عبد معه غيره»(22).

فالذي يعبد غير الله تعالى لا يفيده اعترافه وإقراره بالله لأنه ساوى بين المخلوق والخالق في الحبّ والعبادة ونواحي أخرى، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء/98)، هذا مع أن المشركين لم يكونوا يساوون بين الربِّ والخَلْق من جميع الجهات والحيثيَّات ولم يكونوا يعتقدون أن الأصنام خالقةٌ للعالم، بل كانوا يعبدونها فقط ويتخذونها شفعاء لهم عند الله. كانوا يسجدون لها وينذرون لها النذور ويذبحون لها القرابين راجين منها الشفاعة والبركة، فقال تعالى بحقهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف/106) فمن هؤلاء مشركو مكة الذين كانوا يقولون ربنا الله، أما الملائكة فهم بنات الله! ومنهم اليهود الذين كانوا يؤمنون بالله ولكنهم يقولون عُزَيْر ابن الله، ومنهم النصارى الذين آمنوا بالله ولكنهم قالوا المسيح ابن الله.

وقد جعل الله تعالى الرياء في الطاعات شركاً أيضاً وسمَّى المرائي مشركاً(23) مع أن المرائي لا يعبد غير الله بل يريد بطاعته وعمله أن ينال جاهاً ومنزلة في قلوب الناس بأن يقولوا: فلانٌ متديِّنٌ. فخلط العبادة بقصد الجاه والمنزلة في قلوب الناس شركٌ أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون/4).

إذا عرفنا ذلك، وأدركنا مدى اهتمام القرآن بتوحيد العبادة وتنزيهها عن الرياء، فإننا نعجب أشد العجب ونأسف أن يقوم الجاهلون في ملة الإسلام وأمة التوحيد بترويج جميع أنواع الشرك باسم الإسلام! فهم اسماً موحدون مسلمون، وحقيقةً مشركون وثنيون:

چشم باز وگوش باز واين عمى          حيرتم از چشم بندى خدا

سبحان ربي! عيونهم مفتوحة وآذانهم تسمع وكل هذا العمى؟؟

 أنا في حيرة من الغشاوة التي جعلها الله على هذه الأعين

سبحان الله! ماذا حلَّ بعناء وجهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين (ع)؟ أين ذهبت تعاليم سيد المرسلين؟؟ لقد أريقت دماء كثيرة حتى استقر التوحيد الحقيقي! فلماذا لا يهتم المسلمون بالحفاظ على هذا التوحيد؟ لماذا لا يقرؤون كتاب الله وسيرة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟؟ إن الشرك الذي نهى عنه القرآن والسنة أصبح منتشراً بشكل أكثر بروزاً اليوم بين كثير من المسلمين: عبادة القبور، عبادة الأحجار، عبادة الأشجار، عبادة المرشدين، التبرك بحجر موضع القدم والسبيل والآلاف من أمثال هذه الأمور... يا أيها النبي يا رحمةً للعالمين! يا أهل لا إلـه إلا الله! أيها البدريون! أيها الأحديون! يا شهداء التوحيد! يا أئمة الدين ويا حملة القرآن! انهضوا من قبوركم وانظروا حال المسلمين! انظروا مدى الانحطاط الذي وقع فيه عالم الإسلام اليوم وأين وصل أمر التوحيد فيه! لقد أثَّر الجهل وانحطاط الأخلاق ونشأة البدع وانتشار الخرافات فيه تأثيراً أصبح من الصعب أن تتعرّفوا عليه إذا رأيتموه! ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف/89).

 

+            +             +

 

الحقُّ تعالى وصف أكمل خلقه
وأكرم عباده بصفة العـبوديّة له سبحانه

كما قال تعالى بحق المسيح عليه السلام: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء/172). وقال في آيةٍ أخرى كذلك: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ...﴾ (الزخرف/59). وقال أيضاً بحقِّ الملائكة المكرَّمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (الأعراف/206).

وقال في حقِّ المؤمنين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان/63)، وقال كذلك: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ (الإنسان/6).

وقال عن الأنبياء: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ (ص/17)، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (ص/41)، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (ص/45)، وقال عن أيوب (ع): ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص/30).

ووصف الله تعالى أكرم عباده عليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أشرف المقامات وأرفع المنازل بصفة «العبودية له» فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (البقرة/23)، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ...﴾ (الفرقان/1)، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ...﴾ (الكهف/1).

ووصف رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في مقام دعوته الناس إلى دين الإسلام المبين بوصف العبودية فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (الجن/19).

كما شرّف رسوله في ذكره لليلة الإسراء بشرف عبوديته لِـلَّهِ فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...﴾ (الإسراء/1).

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيْسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»(24).

وفي حديث آخر رُوي عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما أنا عبدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ»(25).

كما جعل الحقّ تعالى الأمن المطلق خاصاً بعباده الحقيقيين، فقال: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف/68).

وأزال سلطان الشيطان عن قلوب عباده فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر/42).

العبوديّة على نوعين عبوديّة عامة وعبوديّة خاصة:

العبودية العامة: عبودية جميع أهل السموات والأرض صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم، وتُسمَّى هذه العبودية بالعبودية القهرية:

قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا..... تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا! أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (مريم/89).

فجميع المخلوقات داخلة في هذه العبودية يستوي في ذلك المؤمن والكافر والمحسن والمسيء، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ؟ (الفرقان/17). ففي هذه الآية المباركة اعتبر الحق تعالى الضالين المشركين عباداً له أيضاً، ومثل ذلك ما جاء في موضع آخر من الذكر الحكيم بشأن العصاة والمذنبين حيث خاطبهم الله بعباده فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر/53).

العبودية الخاصة: وهي عبارة عن طاعة الحق تعالى ومحبته الإرادية واتباع أوامره، حيث قال الله عن أهل هذه الطاعة والاتباع: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف/68). وقال عنهم أيضاً على لسان إبليس: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ!﴾ (ص/82).

وفي آية أخرى اختص عباده الصادقين العقلاء فقط بالبشارة التامة فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر/18).

والخلاصة، جميعُ المخلوقات عبيد مقهورون لربوبية الحق تعالى، أما أهل الله وأهل الطاعة فهم عبيد ألوهيته تعالى.

وسبب انقسام العبودية إلى عبودية خاصة وعبودية عامة، أو عبودية قهرية وعبودية إرادية هو أن أصل لفظ العبادة معناه الذل والخضوع. والعرب تقول: «طريق مُعَبَّد» للطريق الذي ذلَّـله وطء أقدام الناس وجعله مستوياً ممهداً، وتقول أيضاً: «فلان عبَّده الحب» وذلك عندما يتذلل المحب لمحبوبه ويخضع له، وهذا المعنى يشمل التذلل والخضوع الإراديين وغير الإراديين، أما محبي الله فإنهم يخضعون له ويتذللون له باختيارهم وإرادتهم الحرة ويطيعون أوامره طاعة كاملة في حين أن خضوع أعداء الله وطاعتهم له تتم خلافاً لميلهم وإرادتهم.

عبادة الحقِّ تعالى واجبةٌ حتى الوفاة ولا تسقط عن العبد أبداً

العبادة واجبة حتى الموت، ولا يرتفع التكليف عن العباد أبداً طالما كانوا أحياءً، كما يشهد لذلك نص القرآن الصريح كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر/99)، واليقين في هذا الموضع معناه الموت بإجماع المسلمين، وبدليل قوله تعالى على لسان أهل النار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر/47). والدليل الآخر ما روي في الحديث الشريف من أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال حين وفاة «عثمان بن مظعون»: «أَمَّا عثمان فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ من ربه»(26).

بل حتى بعد الموت وفي عالم البرزخ هناك عبودية أخرى: وهي عندما يسأل الملكان عن عقائد الميت فيُكَلَّفُ العبد بالإجابة.

وهناك عبودية أخرى أيضاً يوم القيامة عندما يأمر الله تعالى الخلائق بالسجود فيسجد المؤمنون ولا يستطيع الكفار السجود: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم/42-43). أي أن الكفار لما فَوَّتُوا على أنفسهم فرصة الطاعة في الدنيا لم يعودوا أهلاً للسجود لِـلَّهِ ولم ينالوا في ذلك اليوم إلا الحسرة والندامة.

أما إذ دخل عباد الله الصالحون دار الثواب ودخل الكفار دار العقاب انقطع التكليف. وعندئذٍ تصبح عبودية أهل الثواب التسبيح والتقديس الذي يقترن بأنفاسهم ولا يكون فيه عناء ولا تعب.

إذا عرفنا ذلك، فإنه إذا ظن شخصٌ أنه وصل إلى مقامٍ سقط عنه فيه التعبُّد والعبودية لِـلَّهِ، فإنه يكفر بهذا الظن الفاسد يقيناً!.... نعم يمكننا أن نقول إنه وصل في الواقع إلى مقام الكفر بالله والانسلاخ عن الإنسانية حتى سقط عنه التكليف! نعوذ بالله من غضب الله.

في بيان أفضل العبادات واختلاف الناس فيها

قال جماعة إن أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها: العبادات والأعمال التي مشقتها أكثر من غيرها؛ لأن هوى النفس في الأعمال الشاقة يكون أقل ولأن الأجر على قدر المشقة، ولهذا السبب كلما كان العمل أصعب كان فضله أكثر. واستدلوا بحديث لا أصل صحيح له يقول: «أفضل الأعمال أحْمَزُها(27»). وهذا الفريق هم أهل المجاهدة والجور على النفس، وقالوا لما كانت النفوس مائلة بطبعها إلى الخمود والكسل وكان الإنسان لا يصل إلى الكمال إلا بتحمُّل الشدائد والمشقَّات، لذلك كلما كانت مشقة العمل أشدّ كانت فضيلته أكثر.

وقال جماعة آخرون إن أفضل الأعمال والعبادات التجرّد والزهد في الدنيا، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يلتفت إلى الدنيا ولا يغتَرَّ بها ولا تفتنه زخارفها. وهؤلاء الجماعة قسمان: عوام هذه الجماعة وجُهّالها الذين ظنوا أن غاية العبادة وخلق الإنسان الزهد في الدنيا والإعراض عنها، لذلك شدوا العزم وشمروا عن ساعد الهمة لسلوك هذا الطريق ودعوا الناس إليه وقالوا إن الزهد والتجرد أفضل من تحصيل العلم ومن العبادة وأعلى شأناً، وجعلوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة وعلم. أما علماء هذه الجماعة فقالوا إن الزهد في الدنيا ليس مقصوداً لذاته بل المقصود توجُّه القلب إلى الله والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فأفضل العباداتِ الحضور مع الحق تعالى والجمع معه، لذا اهتموا بدوام ذكره بالقلب واللسان وابتعدوا عن كل ما يبعد السالك عن الحضور مع الله. وهذا الفريق أيضاً قسمان: قسم عارف وعالم ومتبع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يسابق إلى فعل ما أمر الله به، ويجتـنب ما نهى عنه ويبتعد عن جميع المنكرات. والقسم الثاني المنحرفون الذين يقولون: لما كان المقصود من الزهد حضور القلب مع الله فكل ما كان سبباً لِتَشَـتُّت الخاطر واضطراب الهمة وجب تركه حتى لو كان من الواجبات الشرعية، وهذا الشعر متعلقٌ بهذا الفريق:

يُطَالَبُ بالأورادِ مَنْ كانَ غافلاً       فكيف بِقَلْبٍ كُلُّ أوقاتِهِ وِرْدُ

وقالت جماعة ثالثة: إن أفضل العبادات وأنفع الأعمال هي الأعمال والعبادات التي يصل نفعها للغير، وقالوا إن النفع المتعدِّي أفضل من النفع القاصر. ويقولون إن الاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه، أفضل العبادات وأشرف القربات، ويستدلُّون بقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّهُمْ إِلَيه أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»(28)، ويستدلُّون أيضاً بأن فائدة عمل العابد ترجع إليه وعمله مفيدٌ لروحه فحسب، أما عمل صاحب النفع والعالِم فإنه يفيد الآخرين أيضاً، فالإحسان إلى الآخرين أفضل من الإحسان إلى النفس، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم(29)، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: «وَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم(30))(31)، وقال أيضاً: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَِعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً..»(32)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم كذلك: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ(33)، وقال: «إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْر وحَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا»(34).

والدليل الآخر الذي يذكرونه على هذا المدعى هو أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، بعكس عمل صاحب النفع فإن ثوابه يستمر ولا ينقطع مادام الناس ينتفعون من عمله. ويضيفون دليلا آخر هو أن الغاية من بعث الرسل الإحسان إلى الخلق وتعليم الناس طريق الخير، وإرشادهم في أمور معاشهم ومعادهم، وليس دعوتهم إلى العزلة والخلوة والانقطاع عن الخلق والرهبانية، ولهذا السبب لامَ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوماً اختاروا العزلة وانصرفوا بكليتهم إلى العبادات البدنية من صلاة وصوم.

إلى هنا ذكرنا الطرق المختلفة [حول أفضل العبادات] والآن نذكر الطريق الحق في المسألة، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

طريقة محقِّقي الإسلام في أفضل الأعمال والعبادات هي الطريقة الإبراهيمية المحمدية الختمية:

أما أفضل الأعمال والعبادات لدى المحقِّقين من الموحدين في الإسلام فهي الأعمال والعبادات التي تتحقق فيها ثلاثة شروط:

1- أن يراد بالعمل رضا الله.

2- أن يراعى في العمل مقتضيات الوقت والمناسبات.

3- أن يشخص العاملة واجبه تجاه العمل.

إذا توفرت هذه الشروط، كان عمل العامل وعبادته أفضل الأعمال والعبادات، مثلا:

أفضل الأعمال والعبادات في وقت هجوم العدو هو الدفاع حتى لو أدى إلى ذلك إلى ترك بعض الواجبات.

وعند حضور الضيف يكون القيام بإكرامه وأداء حقه أفضل من سائر الأعمال المستحبة.

وأداء حق الزوجة والأولاد من التربية والإنفاق وحقوق الزوجية أفضل من بعض العبادات الأخرى.

وأفضل الأعمال في وقت السحر الاستغفار وقراءة القرآن.

وعندما يرجع الجاهل إلى العالم ويحتاجه في بيان المعارف ومسائل الحلال والحرام، يكون قيام العالم بتعليم الجاهل أفضل من قيامه ببعض الأعمال الأخرى.

وفي وقت الصلوات الخمس أفضل الأعمال وأكمل القُربات أداؤها.

وعندما يقبل إليك محتاجٌ ويسألك قضاء حاجته المادية أو المعنوية فإن أفضل الأعمال أن تقوم بقضاء حاجته.

وأفضل الأعمال حين قراءة القرآن حضور القلب والتدبر في آيات الله.

وأفضل الأعمال عند الوقوف في عرفة الاجتهاد في التضرع إلى الله ومناجاة رب العالمين ولا يجوز الصوم في ذلك الوقت.

وأفضل الأعمال في العشرة الأولى من ذي الحجة الإكثار من التهليل والتكبير والتمجيد.

وفي العشر الأواخر من رمضان أفضل العبادات الاعتكاف في المسجد.

وعند مرض الأخ المؤمن أفضل العبادات عيادته ومساعدته. وعند موت الأخ المؤمن أفضل العبادات تشييع جنازته وتعزية أهله.

وعند جهل الناس عليك وإهانتهم لك وإساءتهم الكلام بحقك، فإن أفضل العبادات الحلم والصبر، وعدم الانعزال عن الناس والصبر على أذاهم أفضل من ترك معاشرتهم والفرار منهم.

فاتضح مما ذكرناه أن أفضل الأعمال في كل وقت ما لوحظ فيه رضا الله وأن يشخِّص العامل واجبه ومقتضى الوقت.

إن هذه الجماعة أي محققي الإسلام أهل التعبد المطلق والتوحيد المحض، فهم يلاحظون رضا الله دائماً ويقومون في كل وقت بالعمل الأفضل فيه.

أما الأقسام والأصناف الذين ذكروا قبلهم من أهل التعبد: فالفريق الذي يرى العبادة في الزهد، فإنه بمجرد خروجه عن الزهد يخرج من أفضل الأعمال.

والفريق الآخر الذي يظن أن أفضل الأعمال أحمزها (أي أشقها) يرى نفسه مقصراً وناقصَ العمل عندما يؤدي عملا لا مشقة فيه. والذين يعتبرون أن أفضل الأعمال خدمة الخلق يرون أن عملهم ناقصٌ إن لم يكن فيه نفع للخلق. فجميع هؤلاء يعبدون الله على نحو أو جهة واحدة.

أما أصحاب العبادة المطلقة التابعون للطريقة الإبراهيمية المحمدية الخاتمة فإنهم يعبدون الله في جميع الأحوال وعلى الدوام فهم ينتقلون دائماً من منزل تعبدُّي إلى منزل تعبدي آخر. فترى صاحب التعبد المطلق مع العلماء في مجلس العلماء، وبين المجاهدين في وقت الجهاد، ومع الذاكرين في وقت ذكر الله، ومع المعيدين والمشيعين للجنازة عند عيادة المريض وتشييع جنازة المؤمن. والحاصل أنك تجده حاضراً في كل مشهد من مشاهد العبادة ومنزل من منازل الطاعة يؤدي واجبه.

والعبد المطلق لِـلَّهِ هو صاحب هذه العبادة، وهذا هو التابع لشيخ الأنبياء عليه السلام وهذا هو أمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا هو صاحب الفضيلة. وهذا هو الموحد الحقيقي الذي لا يقيده قيد ولا يسكن في تعين محدد. إنه المتحقق بحقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة/5). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

الشرك على قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر:

الشرك الأكبر أن يعبد مخلوقٌ مخلوقاً آخر، والشرك الأصغر أن يأتي إلى الأفعال المختصة بذات الله وحده فيثبتها لغيره، كأن يعتبر غير الله شافياً، أو يتصوَّر غيرَ الله رزَّاقاً، أو يعتبر غير الله دافعاً للبلاء ورافعاًَ للشقاء.

الشرك الأكبر كما ذكرنا مراراً أن يرى لِلَّهِ شريكاً في العبادة، ويُحبَّ المعبود غيرَ الحق كما يحب المعبود الحقّ أو أكثر، وهذا هو تسوية الخلق برب العالمين، كما يخاطب المشركون يوم القيامة في نار جهنم آلهتهم فيقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (الشعراء/98)، هذا رغم أن المشركين كانوا يعترفون أن خالق العالم والكائنات هو الله وحده، وأن آلهتهم الخيالية لا ترزق ولا تحيي ولا تميت، فما المراد بتسويتها برب العالمين إذن؟

إن المقصود من تسوية تلك الآلهة برب العالمين التسوية بالمحبة والتعظيم والعبادة، فلقد كان المشركون يحبون آلهتهم كحب الله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (البقرة/165)، ففي هذه الآية تصريح بأن المشركين كانوا يحبون آلهتهم الباطلة مثل حبهم لِلَّهِ رب العالمين، وفي آية أخرى يبين الله تعالى أن المشركين كانوا يفرحون عند ذكر معبوداتهم أكثر من فرحهم عند ذكر الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (الزمر/45).

ولذلك تجد المشركين إذا سمعوا من يذكر آلهتهم بأدنى سوء ويقلل أدنى تقليل من شأن مشايخهم وأوليائهم من دون الله يهجمون عليك كالكلاب المسعورة يريدون أن يفترسوا ذلك الموحد الذي قلل من شأن معبوداتهم. أما عندما تهان حرمات الله أو تنتهك أحكامه وتشريعاته ويتم تغييرها وتبديلها فلا تجد أحداً من أولئك القوم ينتفض ولا يحرك ساكناً، خاصاً إذا كان ذلك الشخص الذي انتهك أحكام الدين وتعرض لشرائعه وسنة خير المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وقام بتبديلها وتغييرها، صاحب جاه وسلطان يأملون منه مالاً أو جاهاً.

يا للعجب! إن قلتَ: ليس هؤلاء الأولياء من دون الله بقضاة الحاجات، ولا هم باب الحوائج ولا الشافون، بل قاضي الحاجات هو الله وحده، وقابل التوبة وغافر الذنب والنافع والضارّ والقادر هو الله وحده لا سواه، لذا لا يجوز أن تُطْلَب الحاجات من أيِّ إنسانٍ، رأيتهم ضربوا خدودهم وشقوا جيوبهم! وصاحوا: واديناه!! وقام الدجالون المتاجرون بالدين باختلاق تأويلات ومحامل وتبريرات للعقائد الشركية للجهَّال، تشابه توجيهات وتبريرات الكهنة ورؤساء المشركين. ومما لا ريب فيه أنه بمثل هذه التأويلات والتبريرات التي يفتي بها الدجالون للجهَّال لن تفتح لهم أبواب الفلاح وسيزداد عدد المشركين يوماً بعد يوم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (الحجر/3).

وإذا قلتَ: إن «الإمام زاده» (أي الصالح من أبناء أحد الأئمة أو من أحفادههم وذريتهم) لا يشفي الأعمى، والسيِّدة «بي بي شهربانو» لا تعمي أبصار زائري قبرها، و«قِدْر سُكَّر الشعير» ليس بقاضٍ للحاجات!، قالوا: نعم! ولكننا نتخذها شفعاء تتوسط لنا عند الله! وهو عين ذلك الجواب الذي كان المشركون يجيبون به خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18)، وقد ردَّ الله تعالى عليهم جوابهم هذا وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في‏ ما هُمْ فيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر/3)، وقال تعالى في موضع آخر أيضاً: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت/41)، وقال كذلك: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا(الكهف/102). وسنقوم فيما يلي ببيان موارد الشرك ونماذجه هدايةً لأخوتنا المسلمين لعل الله يهدي بذلك ضالاً ويرشده إلى موازين الدين وأحكامه.

من أنواع الشرك لبس الخاتم أو الخيط وأمثالها لرفع البلاء أو دفعه:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ؟ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ؟ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (الزمر/38).

هذه الآية تبين بوضوح أنه لا يوجد أي كائن يملك ضُرَّ أحدٍ أو نفعه إلا بإذن الله تعالى، ولو أن شخصاً تصوَّر أن هناك أحداً سوى رب العالمين ضارَّاً أو نافعاً كان مشركاً محضاً.

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رَأَى رَجُلا فِى يَدِهِ حَلْقَةٌ(35) مِنْ صُفْرٍ(36) (وفي رواية: وفي يده خاتمٌ من صُفْر) فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الْحَلْقَةُ؟؟». قَالَ هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لا تَزِيدُكَ إِلا وَهْنًا، فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحت أبداً»»(37).

الْوَاهِنَةُ: عِرْق (أي أَلَمٌ) يَأْخُذ فِي الْمَنْكِب وَفِي الْيَد كُلّهَا فَيَرْقَى مِنْهَا، وَقِيلَ مَرَض يَأْخُذ فِي الْعُضْو وَرُبَّمَا عُلِّقَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَز مَا يُقَال لَهَا خَرَز الْوَاهِنَة(38).

الحلقة: كان من عادة المشركين أن يربطوا عضدهم أو معصمهم بحلقة من التوتياء أو من معدن آخر ويعتقدون أن هذا يحفظهم من العين أو من الجنّ.

ورُويَ في حديث صريح وصحيح آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ»(39).

التميمة: خرزات كان العرب يسلكونها ضمن خيط ويشكلون منها حلقة يعلقونها في أعناق أولادهم يتقون بها العين.

الوَدَعة أو الوَدْعَةُ: خَرَزٌ بَيضٌ تَخْرُجُ منَ البَحْرِ تَتفَاوَتُ في الصِّغَرِ والكِبَرِ شَقُّهَا كشَقِّ النَّواةِ تُعَلَّقُ على الأطفال لِدَفْع العَيْنِ.

فمعنى الحديث أن من علَّق على بدنه تميمةً فلا أتم الله له لأنهم كانوا يعتقدون أن التميمية تشتمل على جميع الأدوية وتؤمن جميع أنواع الشفاء. وكذلك من علق خرز «الودعة» فإن الله لن يجعله في دعةٍ أي هناء وسكون. (أو فلا أزال الله عنه ما علق «الودعة» لأجل دفعه!).

ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف/106].

وفي الحديث (الصحيح) عن أَبَي بَشِيرٍ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولاً أَنْ لا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلادَةٌ إِلا قُطِعَتْ.»(40).

الوَتَر: كان من عادة أهل الجاهلية أنه عندما يصبح وتر قوسهم قديماً يبدِّلُونه ويعلِّقُون الوَتَر القديم على أعناق الإبل والخيل والبقر والضأن، ويعتقدون أن هذه الأوتار تحفظ أنعامهم من المكاره ومن العين.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»(41).

الرُّقَى: جمع رُقْيَة: وهي العُوذة التي يُرْقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات.

التِّوَلَةَ: (بكسر التاء وفتح الواو) ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. فهو سِحْرٌ أو شبهه وخرز تتحبب معها المرأة إلى زوجها.

وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مرفوعاً: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»(42).

ورُوِيَ عن رُوَيْفِعَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِى، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا(43) أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهُ بَرِيءٌ»(44).

عَقَدَ لِحْيَتَهُ: ذُكر مَعْنَيَان في تفسيره: الأول قِيلَ هُوَ فتل اللحية ومُعَالَجَتهَا حَتَّى تَنْعَقِد وَتَتَجَعَّد. والثاني: أنهم كَانُوا يَعْقِدُونَ لحاهم فِي الْحُرُوب تَكَبُّرًا وَعُجْبًا فَأَمَرَهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بِإِرْسَالِهَا.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال: «من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة».

يَتَّضِح من هذه الأخبار الصحاح ومن نص الآية المباركة أن الاستمداد الغيبي والاستعانة المعنوية من الخاتم والحلقة والخيط الذي يُعَلَّق لدفع الحُمَّى وأمثال هذه الأمور من قبيل تعليق حِدوة الفرس (النعل) على أبواب الدكاكين أو السيارات أو البيوت شرك محض وخرافات صِرْفةٌ ولا يجوز التبرُّك بأمثال هذه الأشياء أو طلب رفع الفقر والفاقة منها ودفع الآفات والمصائب بها!.

فإن قالوا: لقد وردت الأخبار في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين كانوا يلبسون الخواتيم في أيديهم، ووردت أخبار في خواص فصّ الخاتم، بأن الفص الفلاني مفيد في دفع الفقر، والفص الفلتاني يضاعف ثواب الصلاة، والفص الآخر يحفظ الإنسان من البلايا وغيرها.

قلنا في الإجابة عن ذلك:

أولاً: طبقاً للرواية الصحيحة التي نقلها صاحب «الوسائل» عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَا تَخَتَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلا يَسِيراً حَتَّى تَرَكَه‏»(45).

ثانياً: الخاتم الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنوات الأخيرة من حياته لم يكن لأجل التبرُّك والغلبة على العدوّ أو رفع الفقر الفاقة، بل لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب رسائل إلى ملوك الدنيا يدعوهم فيها إلى الإسلام، قيل له إن الرسالة دون خاتم عليها لا اعتبار لها ولن يقرأها أحد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُصنَعَ له خاتمٌ من فضَّةٍ وجعل نقشه في ثلاثة أسطر: السطر الأول: الله، والسطر الثاني: رسول، والسطر الثالث: محمد، ليُقرأ من أسفل إلى أعلى. وبقي هذا الخاتم في يده الشريفة طالما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً، فلما رحل الرسول الأكرم وضع أبو بكر الخاتم في يده، وبعده عمر وبعدهما عثمان وعندما قُتل عثمان وقع الخاتم في بئر «أريس» فبحثوا عنه ثلاثة أيام فلم يجدوه.

فمن هذا البيان نعلم أن خاتم النبي كان ختماً يتضمن اسمه الشريف، لا أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يتبرَّك بفص الخاتم!

وكذلك لم يكن الأئمة الطاهرون عليهم السلام يتبركون بالأحجار الكريمة بل يتيمنًّون بأسماء الله الحسنى، فكان نقش خواتيمهم مبنياً على التوسل بالحق تعالى وأسماء الله الحسنى: فكان نَقْشُ خَاتَمِ أمير المؤمنين علي (ع): «الْمُلْكُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ»، وَنَقْشُ خَاتَمِ حضرة الزهراء عليها السلام: «اللَّهُ وَلِيُّ عِصْمَتِي»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام [الحسن] المجتبى (ع) «الْعِزَّةُ لِلَّهِ»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الحسين الشهيد (ع): «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه»، وَنَقْشُ خَاتَمِ السيد السجاد (ع): «لِكُلِّ غمٍّ حَسْبِيَ اللَّه»، وَنَقْشُ خَاتَمِ باقر العلوم (ع): «أملي بالله»، وَنَقْشُ خَاتَمِ حضرة الإمام الصادق (ع): «اللَّهُ وَلِيُّ عِصْمَتِي مِنْ خَلْقِهِ»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام موسى بن جعفر (ع): «حَسْبِيَ اللَّه»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام الرضا (ع): «مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام محمد التقي (ع): «حَسْبِيَ اللَّه‏ حافظي»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام علي النقي (ع): «الْمُلْكُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار»، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام الحسن العسكري (ع): «الغِنى لِـلَّهِ».

 تبيَّن من هذه المقدمات أن عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الطاهرين عليهم السلام لم تكن التبرك بالأحجار ولا التوسط بالخاتم لدفع البلاء أو رفع الأمراض والمصائب. كما تبين من نص القرآن الكريم ومن الأخبار الصحيحة التي ذكرناها أن التبرك بالأحجار شرك.

لكن العجب هنا كيف ولماذا اتخذوا كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهرياً؟ لماذا لا يعلم المسلمون عنهما شيئاً؟ لماذا لا يفكرون في أنفسهم بأن التبرك بحجر لا معنى له؟ يا ربّ! لماذا أصبح دينك ألعوبةً بيد الجهال؟ يا رب! لماذا نُسِيَت سنة نبيك؟

سبحان الله! يضع المتديِّنون الخواتيم في أيديهم ويقولون الفصُّ الفلاني خاصيَّته أن يقرِّب الإنسان إلى الله، والحجر الكريم الفلاني يضاعف ثواب المصلي أضعافاً! أليس هذا نوع من عبادة الأحجار؟ ما الفرق بين أن يعبد الإنسان حجراً كبيراً ويتبرَّك به وبين أن يفعل ذلك بحجر صغير؟

إن تقديسَ الأحجار والتبرُّكَ بها من مخلفات العصور البدائيَّة وأزمنة الجهل والهمجية التي كان الإنسان يقدِّس فيها الأحجار، ولكن المخجل والفاضح أنهم يقولون إن الشرع هو الذي أمر بالتبرك بالأحجار!. هذا في حين أن الأخبار التي رووها في هذا الباب كلّها موضوعة ولا أصل لها، وهي تعارض – كما رأينا – القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

 إن تلك الأخبار تخالف أصول التوحيد، كما تخالف روح الإسلام، فيجب أن تطرح جانباً لأننا أمرنا أن نفعل ذلك بكل خبر يخالف كتاب الله.

لقد كان لي خاتم من حديد صيني، قرأت في الكتب أن له خواصاً، من جملتها أنه يحفظ من يضعه في يده في الصحاري والبحار من الآفات. لذا عندما عزمت السفر إلى حج بيت الله الحرام وضعت الخاتم في يدي ولما كنت في طريقي من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة وأخذت بقراءة كتاب في الحديث وأنا في الحافلة وقعتُ فجأةً على تلك الأخبار التي نقلتُها في هذا الفصل، فلمَّا تأمَّلتها قلت في نفسي: يا ويح نفسي! كم أن جاهل وعديم الاطلاع على توحيد ديني الإسلام! كيف أكون مُحْرِماً وحاجَّاً ومسافراً إلى بيت الله وأضع صنماً في يدي؟! لماذا لا أعتبر ربَّ العالمين حافظي؟ لماذا أعتبر الحجر حافظي مع أنني أنا الذي أحفظه؟! لقد أحدث هذا الفكر انقلاباً في نفسي يستحيل عليَّ شرحه. فاشتغلت بالاستغفار ونزعت الخاتم من يدي ورميته في الصحراء وأعدته إلى عالمه عالم أحجار البادية وحصاها وقرأتُ هذا البيت:

رسم عاشق نيست با يكدل دو دلبر داشتن

                وكعبه دل را از بت انگشتر پاک كردم

أي: ليس من شأن العاشق أن يكون له محبوبان في قلبه

لقد طهَّرْتُ كعبة القلب من الخاتم

والحمد لله رب العالمين.

وهنا نقطة لا بد من توضيحها وهي أننا لا ننكر خواص الأحجار، فلا شك أن لكل حجر خواص كالعقيق والفيروزج وغيرها، لكن بحث خواص الأحجار يُدرَس في العلوم الطبيعية، والإسلام ينكر خواصها الروحية والغيبية ولا ينكر خواصها الطبيعية. لذا إذا ادَّعى شخصٌ أن من يضع بيده خاتماً من فيروزج لا يغرق في البحر! فعلى علماء الطبيعة أن يجرِّبوا ذلك ويختبروا صحته بأن يرموا شخصاً لا يجيد السباحة في حوض ماء، وبيده خاتمٌ من فيروزج، ليروا هل يغرق أم لا؟

ولقد قلنا في بحث العبادة أنك لو طلبت من شيءٍ أمراً غيبياً وسلطاناً معنوياً فعملك هذا عبادة لهذا الشيء. فلا ينبغي أن ننسى هذه القاعدة: لو سألتَ أيَّ موجود غير الحقَّ تعالى أن يقوم بأمر معنوي من قبيل حفظ الحياة والرزق ودفع البلاء ورفع الشقاء والهداية وغفران الذنوب والنجاة تكون مشركاً لأن تلك الأفعال من شؤون الحق تعالى.

فإن قيل: لقد روي عن الإمام في الحديث أنه قال: «علامات الإيمان خمس: التختُّم باليمين»(46).

قلنا في الجواب: المراد من المؤمن هنا الشيعة، وكان من تقاليد الشيعة التي تميِّزهم عن الآخرين التختّم باليمين، إذْ كانت العادة في ذلك الزمن أن يتختّم غير الشيعة باليد اليسرى، فلما كان الشيعة قليلي العدد بالنسبة إلى الآخرين ويعيشون في التقية ولا يعرفون بعضهم بعضاً لذا استقرَّ هذا الشعار فيما بينهم كي يعرفوا بعضهم بعضاً ولا يحتاجوا إلى التقية، وهذا الحديث لا يدل على أنه يجوز التبرك بالخاتم بل كل ما يقوله إن الخاتم الذي هو زينة يجب على الشيعي أن ينزعه من يده اليسرى ويضعه في يده اليمنى، ومن الشواهد على هذا المعنى وضع ذؤابة العمامة تحت الحنك والذي كان أيضاً بهدف تميز الموحدين عن المشركين، لأن لباس المشركين والموحدين في صدر الإسلام كان متماثلاً وكانت العمائم التي يضعونها على رؤوسهم ذات شكل واحد، لذا استحب للمسلم أن يضع ذؤابة العمامة تحت حنكه مخالفةً للمشركين، كما قال المحقق الثاني في كتاب «جامع المقاصد» في باب لباس المصلي: «قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ التَّلَحِّي بِالْعَمَائِم»(47) أي وضع طرف العمامة تحت اللحية. اللهم نسألك برحمتك الرحمانية أن تحفظ عبادك الموحدين من شرك المشركين.

اللهم اهدِ المسلمين الذين انحرفوا عن ميزان القرآن والسنة، وأَبْعِد عنهم الشرك برحمتك يا أرحم الراحمين، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

من أنواع الشرك التبرُّك بشجرةٍ أو حَجَرٍ ونحوها

يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (النجم/19). (وكلمة «الأخرى» هنا صفة ذمٍّ، أي مناة المتأخرة والسافلة).

وكانت «اللات» - كما يقول ابن كثير - صخرةً بيضاءَ منقوشةً، وعليها بيت بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فناء معظّم عند أهل الطائف، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدم الصنم وأحرق معبده [وجعل مكانه مسجد الطائف].

وأما «العزَّى» فكانت شجرةً عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش تعظِّمها، فبعث الرسولُ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلم خالدَ بنَ الوليد إلى نخلة، فاقتلع تلك الشجرة وأحرقها. وقال بعضهم كانت على ثلاث سَمُرات (أي ثلاث شجرات نخيل) [فقطع خالد السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان عليها].

وأما «مناة» فكانت عند قُدَيد، بين مكة والمدينة، [وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها]، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها عليَّ بن أبي طالب (ع) سنةَ الفتح فحطَّمها وهدم معبدها.

عن أبي واقد الليثي، قال: «خرجنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْر، وللمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوْطُوَن بِهَا أسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أنْوَاطٍ(48)، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ(49)، فقلنا: يَا رَسُولَ اللهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَات أنْوَاطٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهُ أكْبَر، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ ـ والذي نفسي بيده ـ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلُ لِمُوْسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهَةٌ قال إنكم قومٌ تَجْهلون. لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»»(50).

ينبِّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أمَّتَه في هذا الحديث إلى أنهم سيتَّبعون سنن من سبقهم من الأمم، ولو دقَّقْنا النظر لرأينا أنَّ تَبَعيَّة المسلمين لسنن الأمم السالفة أمرٌ واضحٌ ملء العينين إذْ إنَّنا نجد في كل مدينةٍ وقريةٍ وحيٍّ حجرةً أو شجرةً أو سبيلا يطلب منه الناس حوائجهم، ومئات من مثل هذه الأشياء، فهل يمكننا أن نطلق اسم المسلمين والموحِّدين على الذين يعتقدون بمثل تلك الموهومات ويطلبون منها حوائجهم؟؟ أليسوا مشركين؟؟.

والعجيب أنهم يقولون إن الشجرة أو الحجرة أو سبيل الماء أو موضع القدم أو «قِدْر سُكَّر الشعير» وغيرها التي نطلب منها حوائجنا إنما نالت هذه القدرة ببركة نظر هذا الصالح من «ذرية الإمام» إليها، وهذا لعمري عذر أقبح من ذنب، فهم في كلامهم الجاهل هذا يبنون شركاً على شركٍ آخر!! فمن قال إن هذا الصالح من «ذرية الإمام» قاضي الحاجات حتى يؤدِّي نظره إلى شجرةٍ إلى جعلها شجرةً قاضيةً للحاجات؟!

ولقد رأيت بنفسي شجرةً تُدعى «مُلا شوندر» خلف مدرسة السيد ناصر الدين، وقد اجتمع حولها جماعة من النِّسْوَة وكان هناك شخصاً يقرأ عليهم مرثيةً وكانت النِّسْوَة يطلُبْنَ حاجاتهنَّ من الشجرة وقد ربطن عدداً كبيراً لا يمكن إحصاؤه من قطع القماش الصغيرة والخيوط بالشجرة، ودقَقْنَ في جسم الشجرة عيوناً من فضَّة وقد تحوّلت الشجرة إلى خشبةٍ جافَّةٍ محترقةٍ متعفِّنةٍ لكثرة ما وضعن عليها من الشموع المشتعلة!. والأعجب من ذلك أن تلك الشجرة كانت خلف مدرسة دينية يدرس فيها حوالي مئة طالب للعلوم الشرعية فلم يكن أحدٌ منهم يجرؤ على النهي عن ذلك المنكر. ونحمد الله أن حوادث الزمن أدت إلى شق طريق في موضع تلك الشجرة مما أدى إلى إزالتها. ولكن للأسف الشديد تمت إزالة تلك المدرسة الجميلة معها أيضاً.

كذلك كانت هناك «شجرة دُلب» إلى جانب القصر الملكي يُقال لها «شجرة دُلب عباس علي» كانت مَحَطَّاً لاهتمام ساكني تلك المحلَّة فكانوا يتبرَّكون بها، ونحمد الله أنها اقتُلِعَت من جذورها.

لقد بلَّغَ خاتمُ النبيين صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة وأدَّى الأمانةَ وكرَّه إلى المسلمين الشرك إلى درجة أن «عُمَر» رغم كل تعصبه زمن الجاهلية لعبادة الأصنام، لما زار الكعبة أيام خلافته ووصل إلى الحجر الأسود خاطبه قائلا: «أيها الحجر إني أعلم أنك لست أكثر من جماد. ولولا أني رأيت رسول الله يستلمك ويحترمك لما اهتممت بك أبداً»(51). فانظر الاختلاف الكبير بين ذلك الزمن وهذا الزمن!

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أنه لا ينبغي تعظيم وعبادة الحجر الأسود، أما استلامه عند الطواف فهو عمل مستحب فقط، ومكان الحجر هو لتعيين نقطة بدء الطواف، وبعبارة أوضح على الحاج أن يبدأ طوافه من محاذاة ذلك الحجر، لأن على الطائفين أن يتحركوا بجهة واحدة إذْ لو تحرك كلٌّ منهم في جهة مخالفة للآخر لاصطدموا ببعضهم ولأصبح الطواف مشكلا، لذا نصَّ الشرعُ على أن تتم النية بمحاذاة الحجر ويبدأ من عنده الطواف.

تلك كانت تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن للأسف الشديد! بعد مضي مدة قليلة من رحيله وقع كثير من الأمة في الشرك وغاصوا فيه إلى درجة أصبحوا يرون فيها عاداتهم الشركية من ضروريات الدين ومسلمات شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم!!

بس كه بستند بر او برگ وساز          گر تو بيائى نشناسيش باز

أي: لِكَثرة ما ألصقوا به من أمور وأشياء فإنك لو جئت ورأيته لم تعْرِفْه!

 أحد أنواع الشرك: الذَّبح وتقديم القرابين لِغَـيْرِ الله:

القربان هو كل ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله سواء كان دماً أم غيره، وفي العرف هو اسمٌ للذبيحة التي تُقَدم لِـلَّهِ، كما هو مذكور في تاريخ بني إسرائيل أن قربان قابيل كان من ثمار الأرض وقربان هابيل كان من الحيوانات.

في زمن نوح (ع) تمَّ بناء مذبح لتذبح عليه القرابين وتحرق [تقدمةً لِـلَّهِ]، وفي زمن إبراهيم (ع) كانت قرابين الناس الخبز والماء والبشر وكانوا يقدمونها للأصنام (وقضية ذبح إسماعيل ونزول الفداء له تشير إلى هذه القضية).

وفي زمن موسى (ع) كانت القرابين نوعين: دموية وغير دموية، فكانوا يذبحون القرابين الدموية، ويُخَلُّون سبيل القرابين غير الدموية لتذهب في البيداء.

وقد تعلَّم العرب الجاهليون هذه العادة من قوم موسى فكان يسيبون الحيوانات تقرُّباً لأصنامهم، وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك: «البحيرة» و«السائبة»، كما قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (المائدة/103).

البحيرة: كان من عادة العرب إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولا تطرد عن ماء ولا تمنع من مرعى(52).

السائبة: كان الرجل في الجاهلية ينذر أنه إذا قدم [سالماً] من سفر أو برئَ من علة أن يحرِّرَ ناقةً أي يُسيِّبها فتكون كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى وَقيل هي التي تسيب للأصنام أي تُعْتَقُ لها(53).

الوصيلة: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم وإن ولدت في البطن السابع جديا وعناقا قالوا إن الأخت وصلت أخاها فحرمته علينا فحرما جميعا فلم يكونوا يذبحون الجدي لأجل أخته، [وكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء](54).

الحام: وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل سبعة أبطن(55) قالوا قد حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا من مرعى، وقيل إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل حمي ظهره فلا يركب(56).

وطريقة المشركين هذه أصبحت سائدةً لدى بعض المسلمين حيث يقومون بتحرير وإطلاق عنزة أو خروف أو جمل لسبيل الماء أو لقبر صالح، ومن الأمثال السائرة أنهم يقولون: إن عِجْـل الإمام الرضا لا يؤكل في الضحى، وأن ذلك العجل كان زمن الشاه سلطان حسين الصفوي وقد زيَّنُوه بالذهب والمرايا وتركوه طليقاً في الأزقَّة والأسواق فكان الناس يتبرّكون به، ولقد رأيت بنفسي أنهم أطلقوا عنزةً تقرّباً إلى سبيلٍ وجعلوا قرنها من ذهب وكانوا يتبرّكون به!

وكانت ذبائح بني إسرائيل ثلاثة أنواع: الذبيحة المحرقة، وذبيحة كفارة الذنوب، وذبيحة السلامة؛ فكانوا يحرقون الذبائح من النوع الأول ما عدا جلدها، وكانوا يقسِّمون الذبائح من النوع الثاني نصفين فيعطون النصف الأول للكاهن ويحرقون النصف الثاني، وكانوا يأكلون الذبائح من النوع الثالث.

أما القربان لدى المسيحيين فهو منحصرٌ بالخبز والخمر ويعتبرونهما جسد المسيح ودمه.

وكان بعض الأمم كالمصريين والرومان والفينيقيين والكنعانيين يبالغون في أمر القرابين إلى درجة أنهم كانوا يضحون بالبشر أحياناً وقد استمرت هذه العادة المشؤومة في أوروبا حتى القرن السابع الميلادي.

وقال بعضهم كان هناك سببين للقرابين: 1- الإهداء للآلهة وتعظيمها. 2- للتكفير عن الذنوب حتى ترضى عنهم الآلهة ويسكن غضبها. أما الشعوب المتوحشة فكانت تقدم القرابين لثلاثة أسباب: 1- لأجل روح الميت إذْ كانوا يقولون إن الميت يبقى جائعاً في قبره ويحتاج إلى طعام، حتى أنهم كانوا يضحون بفرس الميت وغلمانه كي تعاونه في قبره. 2- يقدمون القرابين لآلهتهم كي ترضى عنهم، 3- يقدمون القرابين لأجل التكفير عن ذنوبهم وعن ذنوب قبيلتهم. والأصل في هذه القرابين أنهم كانوا يعتقدون أنهم بذبحهم لحيوان قرباناً ينتقل المرض من شخص المريض إلى الحيوان المذبوح، ثم نشأ عن هذه العقيدة عقيدة أخرى وهي انتقال إثم الأمة إلى الحيوان المذبوح، كما كانت بعض القبائل الأفريقية تضحي برجل وامرأة مرَّةً كل سنة وتقول إن آثام القبيلة تنتقل إلى هذين الشخصين وبذبحهما تتطهر القبيلة من ذنوبها. وكان الأثينيون يضحون بإنسان في أوقات انتشار الأوبئة العامة أو الكوارث الطبيعية مثل القحط والغلاء ويعتقدون أن البلاء يرتفع عنهم وتنجو أمتهم بالتضحية بذلك الشخص.

ولقد كانت هذه العقيدة هي الأساس الذي نشأت عنه عقيدة الفداء لدى النصارى الذين يقولون إن عيسى فدى الناس بنفسه بموته على الصليب كي يطهِّر الناس من ذنوبهم، وتوجد مثل هذه العقيدة لدى أراذل الشيعة وجهلتهم الذين يرون أن الحسين بن علي عليه السلام استشهد ليطهِّرَ الشيعة بذلك من ذنبوهم.

تقديم القرابين والأضاحي في الإسلام:

لقد أزال الإسلام جميع تلك الأوهام والخرافات عن البشر وأجاز التضحية بالحيوانات ونهى بشدة عن التضحية بالبشر.

كان المصريون يقومون مرَّةً في كل سنة بإغراق فتاة جميلة في نهر النيل ويسمونها عروس النيل، وبقي ذلك الأمر حتى زمن الفتح الإسلامي وحكم «عمرو بن العاص» لمصر حيث توقفت العادة الشنيعة ببركة الإسلام.

لقد قرَّر الإسلام التضحية بالحيوانات، وبيَّن أن الحكمة من ذلك ليست لا إرضاء الأصنام ولا فداء الأحياء بل هي هديَّةٌ من الأغنياء للفقراء، فالمقصود من الأضاحي إطعام الجائعين والمساكين والبؤساء، كما قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الحج/36).

فقوله: فاذكروا اسم الله عليها إيجابٌ لقول المضحِّي عند ذبحه لأضحيته: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك(57).

والقانع هو الفقير المتعفِّف الذي يقنع بما يُعطى ولا يسأل أما المعترّ فهو الفقير الذي يسأل العطاء. وقال بعضهم القانع فقير مكة والمعترّ الفقير الآفاقي (أي القادم من خارج مكة).

لقد صرَّحت الآية الكريمة أن الأضاحي ليست مقصودة لذاتها كما أنها لا تفيد ذات الحق تعالى لأن ﴿إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (آل عمران/97)، كما أنها ليست ركناً من أركان الدين، لكنها مستحبةٌ باعتبارها صدقةً وتوسعةً على الفقراء والمحرومين.

ولا بد من ذبح القرابين لِـلَّهِ تعالى وحده فقط، ولا يجوز ذكر اسم غير الله عند الذبح والنحر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام/162).

معنى «وَ نُسُكِي»: قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك: ذبيحتي في الحج والعمرة.

وكذلك يقول تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (الكوثر/2). والنحر هو ذبح الجمل والتضحية به.

ويقول أيضاً: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ... (البقرة/173).

والمراد من «وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» ما كانوا يفعلونه من الذبح باسم غير الله أي بذكر اسم صنم من أصنامهم وإلـه من معبوداتهم، فيقول أحدهم عند التضحيه بقربانه: أيها الصنم أقدم لك هذه الأضحية متقرِّباً بك إلى الله.

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع كلمات: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأرْضِ»»(58).

وروى أبو عبيدة في كتاب «الأموال» وَالبيهقي عن الزهري وهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنه نَهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّارَ أَوْ يَسْتَخْرِجَ الْعَيْنَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَذْبَحَ لَهُ ذَبِيحَةً لِلطِّيَرَةِ مَخَافَةَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْجِنِّ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَنَهَى عَنْهُ»(59).

يتَّضح من هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي ذكرناها أن تقديم القرابين لغير الله شرك ولحمها حرام.

يقول الفقهاء رضوان الله عليهم: كل أضحية ذُكِر اسم غير الله عند ذبحها حَرُمَ لحمها حتى لو ضُمَّ اسم الله إلى ذلك الاسم عند الذبح. ومن هذا القبيل ما يقوم به الناس اليوم بالذبح باسم صالح من ذريّة الأئمة أو باسم أبي الفضل [العباس] (ع) أو أئمة الهدى. حيث يقول العامي: يا ابن الإمام! ذبحتُ هذة الشاة في سبيلك، أو يقول: يا أبا الفضل! أذبح هذا الخروف باسمك كي تشفي لي مريضي.

يا ربّ! لقد ساد الشرك باسم التوحيد، وصار أكثر الناس يرتكبون أعمالاً شركيةً باسم الإسلام.

حقّاً إنها مشكلة غريبة؟ ولا شكّ أن إثم ذلك يقع على عاتق الدجّالين الذين يخترعون ألف تبرير لأعمال العوام الشركيّة هذه. ولا غرو فإنهم يريدون الارتزاق منهم! فأولئك العلماء هم المُقَلِّدون للعوام وليس العوام مُقلِّدين لهم. فحيثما ذهب العوام سار أولئك الدجالون كالأنعام وراءهم. ولما كان أولئك الدجالون الذين يبيعون دينهم بعرض زائل من الدنيا يقولون ما يوافق أهواء ورغبات العوام الجهلة، فإن الناس الجاهلين الذين لا يملكون القدرة على تشخيص الصواب من الخطأ يتخيلون أن أولئك العلماء مطاعون في الدين فيطيعونهم طاعة كاملة كي يدخل التابع والمتبوع كلاهما في النار! ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (الأحزاب/67).

حقاً لو كان لديهم إيمان بالله ورسوله وكانوا يخافون من يوم القيامة لكان ذلك كافياً لهم! ولكن للأسف: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (الشعراء/212).

من الأنواع الأخرى للشرك: النذر لغـير الله:

يقول تعالى مادحاً عباده الصادقين ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (الإنسان/7)، وهذه الآية الكريمة تدل على وجوب الوفاء بالنذر وتمدح فاعله. فالنذر إذن عبادة من العبادات، والعبادات يجب أن تكون خالصةً لِـلَّهِ لا يُتَوَجَّهُ بها لأحدٍ غيره، فكما أن الصلاة والصوم لا يكونان إلا لِـلَّهِ تعالى وحده، ولو أُدِّيا لغير الله كانا باطلين، فكذلك النذر بما أنه عبادة فإن أُدِّي لغير الله كان باطلا، ولهذا السبب يقول الفقهاء: لا ينعقد نذر الكافر.

يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (البقرة/270). في هذه الآية الكريمة يبيِّنُ الله تعالى لنا أنه العليم الخبير بأعمال العباد في عالم الدنيا، سواء كانت إنفاقاً أم نذراً، وقد تعهَّد الله تعالى أن يجزي المحسنين خيراً ورحمةً على إحسانهم.

روي في «الكافي» عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ عَلَيَّ هَدْيُ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ بِحَجَّةٍ أَوْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيُ كَذَا وَكَذَا إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا»(60).

وفي «الكافي»: «عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ؟ قَالَ: لَيْسَ النَّذْرُ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى يُسَـمِّيَ شَيْئاً لِـلَّهِ صِيَاماً أَوْ صَدَقَةً أَوْ هَدْياً أَوْ حَجّا»(61).

وفي «الكافي» أيضاً: «عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (ع) سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالنَّذْرِ وَنِيَّتُهُ فِي يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ قَالَ إِذَا لَمْ يَجْعَلْ لِلَّهِ فَلَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ»(62).

فاستناداً إلى تلك المقدمات، من الآيات والأحاديث وإجماع العلماء، يتضح أنه لا يجوز النذر لغير الله وأن من نذر لغير الله فنذره باطل ولا يقع أصلا، وذلك كالنذور لقبور الصالحين. كقول الناذر: نذرت لك يا ابن الإمام هذه السجادة أو هذا المصباح والشمعدان أو هذه الشاة، فكل هذه النذور باطلة وإذا كان الناذر يطلب من خلالها أن يقوم صاحب القبر بقضاء حوائجه كان مشركاً بلا ريب.

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الأنعام/136).

كَانَ لقبيلة بني ِخَوْلانَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ عُمْيَانِسُ بِأَرْضِ خَوْلانَ، يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ(63)، وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه لِلَّهِ وبعضه للأصنام فما كان لِلَّهِ أطعموه الضيفان والفقراء، وما كان للصنم أنفقوه على سدنة الصنم، وكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه لِلَّهِ ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ويقولون إن الله غني والأصنام أحوج وإن زكا الزرع الذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الذي زرعوه لِلَّهِ لم يجعلوا منه شيئا لِلَّهِ وقالوا هو غني! (64) وقد أشار الحق تعالى إلى هذا الأمر في الآية المذكورة.

فاتضح مما ذكر أن النذر لغير الله باطل وحرام، سواء كان ذلك لقبر أم لشخص حي، والسبب في ذلك أولا: أن النذر لمخلوق مثله مثل الصلاة لغير الله كلاهما عبادة، في حين أن العبادة ينبغي أن تكون لِـلَّهِ وحده فقط.

ثانياً: أنه لا يُتَصَوَّر النذر للميت لأن الميت بإجماع أمة خير المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة العقل لا يملك شيئاً.

ثالثاً: إن الشخص الذي ينذر لصحاب القبر يفترض أن صاحب القبر مستقل في التصرف بالأمور في مقابل الله وهذا شرك وكفر صريح.

بعد أن عرفنا ذلك، إذا انتبه شخص إلى شركه وأدرك أنه أمضى ردحاً من عمره في الشرك بسبب جهله وغفلته فعليه أن يتوب، وإذا أراد بعد ذلك أن ينذر نذراً فعليه أن يقول: اللهم نذرت لك هذه الأضحية وأهدي ثواب أضحيتي إلى روح حضرة سيد الشهداء (ع) أو الأئمة (ع) أو إلى أولياء آخرين، وجعلت مصرفها للفقراء ومحبي أئمة الهدى. أو أن يقول اللهم: نذرت لك هذه السجادة أو هذا المصباح أو هذه الآنية ووقفتها للحرم أو للمسجد؛ فإذا نذر بهذه الطريقة كان نذره صحيحاً وكان مثاباً عليه.

إن معظم ضلالات الناس سببها جهلهم بأحكام الشرع فإذا تمَّت توعيتهم بأحكام الشرع فإنهم سيعملون بها بلا شك.

من أنواع الشرك الاستغاثة بغـير الله ودعاء غيره:

الاستغاثة: طلب الغوث لإزالة الشدة وطلب العون. وقال بعضهم استعملت الاستغاثة لأجل المكروب والمغموم فقط، والدعاء غير الاستغاثة لأنه أعم منها، فبين الدعاء والاستغاثة عموم وخصوص مطلق فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة.

والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة. فدعاء المسألة طلب الداعي ما ينفعه من جلب منفعة أو كشف ضُرٍّ، وقد خطّأ الله في قرآنه الكريم الذين يدعون غير الله لجلب النفع أو كشف الضر فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (المائدة/76)، وقال كذلك: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ (الأنعام/71)، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (يونس/106).

وكل دعاء عبادة يستلزم دعاء مسألة كما أن كل دعاء مسألة يستلزم دعاء عبادة كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/55)، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (الأنعام/41)، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (الجن/18).

وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير وهي تبين أن دعاء المسألة مستلزم لدعاء العبادة، وتـنصُّ على أن السائل يجب أن يكون سؤاله خالصاً لِـلَّهِ تعالى.

والاستغاثة جائزة في الأسباب الظاهرية والأمور الحسية كأن تقول في القتال: يا فلان أدركني. أو أن يهجم عليك حيوان مفترس فتقول يا فلان أغثني أو أن تصيبك مصيبة أخرى كأن يحترق منزلك أو يهاجمك العدو فتستغيث بالمسلمين قائلا أغيثوني وأدركوني، فكل ذلك جائز بإجماع أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعتبر شركاً.

أما الاستغاثة بالقوة والتأثير بالأمور المعنوية والأمور التي لا يقدر عليها أحد سوى الله مثل طلب شفاء المرض أو وفاء الدين من غير الأسباب الطبيعية أو طلب الرزق والهداية وغفران الذنوب ودخول الجنة والتوفيق والنجاح في الدراسة وأمثالها فإن هذا النحو من الاستغاثة مختص بالذات الربوبية ويكون شركاً إذا طلب من غير الله، فلا يجوز الاستغاثة بنبي أو ولي كأن تقول له يا فلان! اشفني أو اغفر لي أو ارحمني، أو تقول: استغيثُ بك يا فلان، أو: أغثني يا فلان، بل يجب أن تقول أغثني يا غياث المستغيثين! وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم منافقٌ يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المنافق. فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله.»(65). وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

من الأنواع الأخرى للشرك: «التنجيم»:

لما كان الاعتقاد بالتنجيم وتأثير الكواكب والشمس والقمر في هذا العالم من العقائد القديمة لفرقة الصابئة ومنها سرى إلى عقائد المسلمين فنحن مضطرون إلى بيان طرف من أحوال تلك الملّة أي ملة الصابئة.

الصابئة: كانوا – طبقاً لرأي بعض العلماء – أتباع صاب بن شيث ومن هنا سموا بالصابئة، وَمما يؤيد هذا الرأي كلامهم أنفسهم إذ يقولون إن معلمهم في هذه المذهب هو عاذيمون يعني شيث، وهرمس ويعني إدريس. يقول صاحب الصحاح: «صَبَأَ الرجل صُبوءًا، إذا خرج من دينٍ إلى دين.». وكان العرب الجاهليون يطلقون على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لقب «الصابئ» لأنه صبأ أي خرج عن دين قريش الذي هو عبادة الأصنام، وكذلك كانوا كلما أسلم شخص قالوا عنه صبأ الرجل ويسمون المسلمين بالصابئين.

وفي مقابل الصابئة ملة الحنفاء، و«الحنف» في اللغة الإعراض عن الضلال والميل للهداية. والحَنِيف عند العرب: من كان على دين إبراهيم عليه السلام. فإمام الحنفاء كما سيأتي إبراهيم خليل الرحمن (ع) وخاتم الحنفاء سيد الأنبياء صاحب المرتبة الختمية صلى الله عليه وآله وسلم.

لما بنى إبراهيم الكعبة وجعلها مركز الدين الحنيف كان أجداد وسلف أهل مكة تابعين لإبراهيم وكانوا يسمون الحنفاء وكانوا مخالفين جداً للصابئة ولكن أخلافَهم وأبناءَهم المعاصرين لخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم كانوا رغم كل وثنيتهم وعبادتهم للأصنام يتصوّرن أنفسهم أنهم على طريقة الحنفاء وكانوا يظنّون معاداة الأصنام خروجاً عن دين إبراهيم الحنيف! لذا كانوا يطلقون على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين لقب الصابئين.

كما أن سلفنا وآباءنا كانوا أيضاً مسلمين وكانت عقائدهم حقَّة وكان توحيدهم كاملا ثم لتطاول العهد بهم ولأسباب وعلل أخرى استبدلوا عقيدتهم السابقة بعقائد غير إسلامية وبأنواع من الشرك باسم الإسلام والتوحيد بل أشاعوا كثيراً من الأعمال والاعتقادات المخالفة للإسلام وظن المسلمون الذي لا علم لهم بحقيقة الإسلام أن هذه الاعتقادات والأعمال التي يمارسونها هي الإسلام وكلما قام شخص يدعو إلى الإسلام الحقيقي وطريقة السلف الصالح كفَّروه.

وأساس دين الصابئة عبادة الروحانيين والملائكة، في حين أن أساس مذهب الحنفاء عبادة الله الواحد، وسنفصِّل هذا الأمر فيما بعد، فالصابئة في مقابلة الحنيفية، والصابئة تدَّعي أنّ مذهبها هو الاكتساب والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة وأن عقائد الدين يجب أن تصدقها الفطرة، فكلما خرج عن الفطرة لا يمكن اعتباره ديناً، يقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الروم/30).

والفطرة وزناً ومعنىً الخلقة، والمقصود من الفطرة الاستعداد للتوحيد وإدارك الحقائق دون امتناع أو إنكار، فالفطرة التي بهذه الصفة فطر الناس عليها، وحرف «لا» في قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) نهي بصورة نفيٍ أي لا تبدِّلوا خلق الله الذي هو الدين الذي خلق الله تعالى الناس بفطرتهم عليه، وهذا الدين الذي هو دين الفطرة دين صحيح مستقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

فهذه الآية صريحة في أن الإنسان خُلِق مفطوراً على التوحيد وإدراك الحقائق، وأن طبيعة الإنسان الأصلية التي خلقه الله عليها هي في غاية الحسن والاستقامة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين/4). وإنما يخرج الإنسان عن فطرته السليمة لأسباب وعلل عديدة: مثل تربية المعلمين وتقليد الآباء وتأثير المحيط وأمثالها، حيث أخرجت هذه العوامل الناس عن الفطرة وشريعة الإنسانية، فبعث الله تعالى الرسل ليعيدوا الناس إلى فطرتهم الأولى ويزيلوا الموانع التي عرضت لفطرة البشر.

يقولون بعض العلماء: لكل إنسان ثلاثة أديان: الأول دين أبيه وأمه، وعامة أهل مدينته. والثاني: دين ملك البلاد التي يعيش فيها فإذا كان الملك عادلا كان أكثر أهل ولايته عادلين وإذا كان ظالماً كان أكثرهم ظالمين، وإذا كان زاهداً كانوا زاهدين وإذا كان حكيماً كانوا حكماء، وإذا كان سُنِّـياً كانوا سُـنَّةً وإذا كان شيعياً كانوا شيعةً لأن كل شخص يريد التقرُّب إلى الملك ويطلب محبته ورضاءه فهذا معنى مقولة: «الناس على دين ملوكهم». الثالث: دين الصديق، فكل من صاحب صديقاً تأثر به وأخذ دينه، وهذا معنى قول من قال: شرط الصحبة المشابهة الخارجية والموافقة الباطنية، وهذا معنى القول: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»(66).

عن المرء لا تسال وأبْصِرْ قريْنَه     فكلُّ قرينٍ بالمقارِنِ يقتدي

نفس از همنفس بگيرد خوى        بر حذر باش از لقاى خبيث

باد چون بر فضاى بد گذرد         بوى بد گيرد از هواى خبيث

ومعناه:

النفس تأخذ عن نظيرها الأخلاق والطباع

فاحذر من لقـاء ومصـاحبة الخبيث

إذا مـرَّت الريـح في جـوِّ سـيِّئٍ

أخذت الرائحة السيئة من الجو الخبيث

والصابئة أربعة فرق:

الفرقة الأولى: أصحاب الروحانيات. ومذهب هؤلاء أن مبدأ العالم هو الذات الربوبية وَالحقيقة القيومية المقدسة عن الحدوث والزوال. وهذه الذات أعلى وأجل من أن نعبدها. وبعبارة أخرى، الله بعيد عن عباده، ولا يمكن للعباد أن يتقربوا إليه لانغماسهم في عالم الطبيعة وفي الشهوات، لذا لا بد من وسائط بين الرب والخلق. يقولون: «والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة. أما الجوهر: فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤون عن القوى الجسدانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح.»

 أقول: هذه الواسطة – كما سنبين لاحقاً - غير الواسطة التي يقول بها الحنفاء، حيث يعتبر الحنفاءُ الأنبياءَ واسطةً في الهداية.

ويقولون أيضاً: «والروحانيُّات أربابنا وآلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، فيجب أن نتقرَّب إلى الله بواسطتهم. ونسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع أمورنا من رزق وصحة وحياة وسائر الأمور إليهم.

والروحانيات مدبرات للكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية... ففعل الروحانيات تحريك الأفلاك على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات، فالروحانيات هي مصدر نشأة وخلق النباتات والجمادات والحيوانات.

والكواكب السيارة هي هياكل الروحانيين فلكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره»(67).

ويقولون إن «عازيمون» و«هرمس» هما اللذان وضعا أساس علم الهيئة وأسماء الكواكب السيارة وتقسيم الأبراج.

الفرقة الثانية: أصحاب الهياكل. تقول هذه الفرقة أنه لا بد للإنسان من متوسط، ولما كان الملائكة والروحانيون لا يُرَوْن بالعين حتى يمكن التوجه إليهم، كنا بحاجة وسائط تُرى فيمكن التوجه إليها والتقرُّب بها إلى المبدأ، ففزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع وقالا أنها تُرى بالعين فنجعلها وسيلتنا ونعبدها:

ولأجل عبادة النجوم السيارة لابد أولا من معرفة بيوتها ومنازلها، وثانياً: معرفة مطالعها ومغاربها، وثالثاً: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعاً: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامساً: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها. فعملوا الخواتيم وتعلموا العزائم والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت وراعوا فيه ساعته الأولى وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وهيئته وصنعته ولبسوا اللباس الخاص به وتبخروا ببخوره الخاص ودعوا بدعواته الخاصة به وسألوا حاجتهم منه الحاجة التي تستدعى من زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به فكان يقضي حاجتهم ويحصل في الأكثر مرامهم، كذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه(68).

أقول: إذا فتح المسلم عينيه لفهم وأدرك أن التبرك بالخاتم هو من بقايا وآثار عباد الكواكب، وقد صار هذا التبرك مع الأسف من شعار أهل التقوى!!

هذا ولما كانت هذه الفرقة ترى أنها تحقق حاجاتها وتصل إلى طلباتها بواسطة تلك الوسائط أي الكواكب كانوا يسمونها أربابا آلهة ويقولون أن الله تعالى هو رب الأرباب وإله الآلهة ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب.

وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقرباً إلى الروحانيات ويتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا وتحريكا كما نتصرف في أبداننا ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه.

ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم والصور كلها من علومهم (69).

أقول: ولا تزال بقايا هذه الأمور موجودة وقد أصبحت من جزءاً من عقائد بعض المسلمين، ومن هذا الأمر نفهم أن العقول العشرة التي قال بها الفلاسفة هي عين الروحانيات الذين يقول بهم الصابئة، وقد اعتقد بها متفلسفة الإسلام وهذه العقيدة الشركية إنما جاءت إلى الفلسفة من الصابئة، وللأسف فإن المتفلسفين في الإسلام قبلوا بهذه العقيدة الشركية وظنوا أن هذه هي عبادة الله والتوحيد. والآيات التي جاءت في القرآن في نفي شفاعة الملائكة إنما تشير إلى هذه العقيدة كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (النجم/26).

الفرقة الثالثة: أصحاب الأشخاص. كان أتباع هذه الفرقة يقولون إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به وشفيع يتشفع إليه والروحانيات - وإن كانت هي الوسائل - لكنا إذا لم نرها بالأبصار ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقق التقرب إليها إلا بهياكلها ولكن الهياكل قد تُرى في وقت ولا تُرى في وقت لأن لها طلوعاً وأفولا وظهوراً بالليل وخفاءً بالنهار فلم يَصْفُ لنا التقرُّب بها والتوجُّه إليها فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها ونتوسل بها إلى الهياكل فنتقرب بها إلى الروحانيات ونتقرب بالروحانيات إلى الله سبحانه وتعالى فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر/3)، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18).

فاتخذوا أصناماً أشخاصاً على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره وصوروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه وراعوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب التي تستدعي منه فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه ولبسوا لباسه وتضرعوا بدعائه وعزموا بعزائمه وسألوا حاجتهم منه.(70)

"وأما الهياكل التي بناها الصابئة على أسماء الجواهر العقلية الروحانية وأشكال الكواكب السماوية، فمنها هيكل العلة الأولى ودونها هيكل العقل وهيكل السياسة وهيكل الصورة وهيكل النفس مدورات الشكل. وهيكل زحل: مسدسٌ، وهيكل المشتري: مثلثٌ، وهيكل المريخ: مربع مستطيل، وهيكل الشمس: مربَّعٌ، وهيكل الزهرة: مثلث في جوف مربَّعٌ، وهيكل عطارد: مثلَّثٌ في جوفه مربع مستطيل، وهيكل القمر: مثمَّنٌ"(71).

الفرقة الرابعة: الحلولية. وقد أطلق عليهم ابن بطوطة وَسائر المؤرخين اسم: «الحرَّانية». وقالت هذه الفرقة: "إن الصانع المعبود واحد.. وهو أبدع الفلك وجميع ما فيه من الأجرام والكواكب وجعلها مدبرات هذا العالم السفليّ، فالأفلاك السبعة هم الآباء وهم أحياء ناطقون، ويعتبرونها آباء للمواليد الثلاثة الجمادات والنباتات والحيوانات، في حين يعتبرون أن العناصر الأربعة: الماء والتراب والنار والهواء هي أمهات المواليد الثلاثة.

ويقولون: إن الله تعالى ظهر وتجلى بالكواكب السبعة وتشخص بالهياكل السماوية كلها وهو واحد – أي دون أن يحصل تعدد في ذاته - وإنما يظهر فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه وتشخصه به، كما أن الله قد يظهر بصورة أشخاص أحياناً فيكون الشخص إلـه البشر.

والله تعالى أجل من أن يخلق الشرور والقبائح والأقذار والخنافس والحيات والعقارب، بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب: سعادة ونحوسة واجتماعات العناصر: صفوة وكدورة"(72).

تلك كانت خلاصة عقائد الصابئة الذين يعبدون الكواكب وَالأصنام، ويعتبرون الكواكب مؤثرة بشكل كامل في أيام السَّعْد والنَّحْس كما يعتقدون أن لأنواع الفصوص والأحجار الكريمة خواص وتأثيرات روحية ومعنوية، ويعتبرونها مؤثر في الأمور غير المادية (ما وراء الطبيعية)، ولقد أرسل الله تعالى شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام لهداية قومه الذين كانوا من الصابئة فكانت له عليه السلام مناظرات ومناقشات مع فرقة عُبِّاد الهياكل وعُبَّاد الأصنام، وسنذكر فيما يلي خلاصة عن مناظرة إبراهيم عليه السلام مع الصابئين في عصره:

مناظرة إمام الحنفاء إبراهيم (ع) للصابئة:

يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (الأنعام/83).

في البداية أقام إبراهيم (ع) الحجة على أصحاب الأشخاص. كان أبوه – وعلى قولٍ: عمُّه - «آزر» أعلم هذه الفرقة، وكانت آداب وطقوس عبادة الأصنام وشؤون معبد الأصنام، كلها بيده. لذلك كان إبراهيم (ع) يناظره في أغلب الأوقات: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً؟ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الأنعام/74)، و: ﴿إِذْ قَالَ لأبِيهِ: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ (مريم/42).

وفي موضع آخر نقرأ قول إبراهيم (ع) لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات/95). أي أنه كيف يمكن لفاقد الشيء أن يكون معطياً لهذا الشيء ذاته؟

ذات نايافته از هسـتى بخش  چون تواند كه شود هستى بخش

كهنه ابرى كه شد از آب تُهى نايد از وِى صـفت آب دِهى!

ومعناه:

الذات التي لم تنل نصيباً من الوجود

كيف يمكنها أن تصبح مانحةً للوجود؟

السحابة القديمة التي غدت خاليةً من الماء

لا يمكنها أن تملك صفة إعطاء الماء

وبعد أن بيَّن إبراهيم (ع) لأبيه بالدلائل الواضحة والحجج الساطعة أن هذه الأصنام مخلوقة ومصنوعة بيديك فكيف يمكنها أن تكون واسطتك وشفيعك عند رب الأرباب، قال له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (مريم/43).

لم يقبل «آزر» كلمات هذه الآيات الساطعة بالحقيقة أبداً وقال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (مريم/46).

ولما لم تنفع الحجة العلمية مع «آزر» وأتباعه، شرع حضرة إبراهيم (ع) بإقامة برهان عَمَلِيٍّ، فقام بتحطيم الأصنام. قال تعالى: ﴿قَالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ! (الأنبياء/63).

بهذا العمل ألزم إبراهيم (ع) جماعة «آزر» الحجَّة فأُفحِموا وانقلبوا صاغرين وعجزوا عن الإجابة على دليله. لذا لجؤوا إلى التعدي والتهديد وهي سنة الجاهلين الذين يعجزون أمام حجة الخصم مثل «آزر» ناحت الأصنام لما أعجزته حجة ابنه شرع بمعاداته فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ (مريم/46).

وقد قام حضرة إبراهيم (ع) الذي أطلعه الله على ملكوت الكونَيْن وأسرار العالَمَيْن كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (الأنعام/75)، بمناظرة أصحاب الهياكل ومجادلتهم بطريقة الإلزام ومماشاة الخصم، والمجادلة بالتي هي أحسن وأتم، فقال في البداية إن هذا الكوكب معبودي: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (الأنعام/76). أي إن ما يعرض له التغيير والانتقال لا يستحق أن تُطْلق عليه صفة الربوبية لأنه لما كان متغيراً احتاج إلى مغيِّر. كما لا يجوز إطلاق صفة الشفيع عليه لأن أفوله وزواله أخرجاه عن حد الكمال.

ونظراً إلى أن جماعة من الصابئة كانوا يعتقدون أن عبادة الكواكب ممتنعة في حال أفولها لذا أقاموا أشخاصاً مقام الهياكل كما مرَّ شرحه، لذا استدلَّ إبراهيم (ع) عليهم بما يعترف به بعضهم بالجملة، وأبلغ الاحتجاج أن يستند المناظر إلى مسلمات الخصم ويُدينُهُ بها.

وعلى كلِّ حال لمَّا صرف إبراهيم (ع) نظره عن الكوكب ورأى القمر في غاية السطوع قال هذا ربي: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي. فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (الأنعام/77-78).

وفي آخر الأمر أغلق أمامهم جميع أبواب العذر وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام/79).

وهكذا برهن إبراهيم الخليل (ع) على التوحيد الحقيقي وجعله من المسلمات وبيَّن أنه فطرة الدين الحنيف وأن الكائنات السماوية والأرضية ليست فاعلا حقيقياً، وأن واهب الوجود هو الحق ولا مؤثر في الخلق سواه.

ولكن لما كان حب الشيء يعمي ويصم فإن قوم إبراهيم رغم عجزهم عن الإجابة وإقرارهم بعدم نطق أصنامهم لم يستطيعوا أن يقلعوا عن عاداتهم المذمومة التي مارسوها سنين طوال: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ؟ (الأنبياء/65). فقال لهم إبراهيم (ع): ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟﴾ (الأنبياء/67). ولما لم يدع قبح فعلهم لهم مجالا للكلام، قاموا طبقاً لطريقة علماء الدين الجاهلين بتكفير إبراهيم وإصدار الحكم بحرقه كي لا يكتشف المريدون السِرَّ ويخرجوا عن اتِّباعهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (الأنبياء/68).

ووافق نمرود على حكم القضاة وأمر بإشعال نار وألقى نبيَّ الله فيها، ولكن الله الكريم لم يدع رسوله يغرق في بحر النار ذاك بل حوله إلى حديقة أزهار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء/69).

 

وههنا بضع نقاط يجب ذكرها في قضية مناظرة إبراهيم (ع):

النقطة الأولى: قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (الأنبياء/63)، حيث أن ظاهر هذا الكلام كذب وهو ما لا يليق بإبراهيم الذي قال عنه الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (مريم/41)! والجواب عن هذه الشبهة: أن إبراهيم (ع) ذاته قال: ﴿وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (الأنبياء/57). وبعد هذا التهديد لم يعد هناك مجالٌ للإنكار، فلمَّا قال القوم: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ؟ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (الأنبياء/61)، أي لعل الناس يشهدون أنه كان يذم الأصنام، فلما أحضروا إبراهيم لاستجوابه سألوه بصيغة الاستفهام التقريري: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟؟ (الأنبياء/63)، فأجابهم إبراهيم لأجل أن يتم الحجة عليهم وينبِّهَهُم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (الأنبياء/63). أي ألقى بمسؤولية تحطيم الأصنام الصغيرة على عاتق الصنم الكبير بشرط نُطْقِهَا، ولقد أثَّر هذا الكلام في نفوس القوم كما قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (الأنبياء/64).

والنقطة الثانية أن إبراهيم (ع) إذا كان قد قال في المواضع الثلاثة: ﴿هَذَا رَبِّي عن حقيقة واعتقاد لزم من ذلك أن يكون معتقداً في الجملة بمذهب الصابئة وأنه كان لا يزال في مرحلة البحث والاجتهاد ولم يصل بعد إلى مقام التوحيد واليقين، فعندئذ كيف أمكنه أن يحوذ على مرتبة الرسالة ويهدي قومه، وإن كان قالها لا عن اعتقادٍ حقيقيٍّ بمضمونها فإن هذا يوهم الكذب؟

ونقول في الإجابة عن هذه الإشكال: إن كلام إبراهيم كان على أسلوب الاستفهام الإنكاري الذي ينكر الربوبية الحقيقية للكواكب، والتحقيق أن يقال إنه قال ذلك من باب المماشاة مع قومه والتظاهر بالدخول في دينهم، واستدل بعد ذلك بأفول الكواكب كي يكون أقرب إلى الإنصاف معهم، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (الأنعام/83).

ممَّا تقدَّم من المقدِّمات تبيَّن أن القول بتأثير الكواكب في سعد ونحس الأيام مأخوذٌ من ديانة الصابئة، ولذلك لما كان خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الحنفاء فإنه نهى بشدة عن هذه العقيدة واعتبر أن الإيمان بالتنجيم حرام وشرك بالله تعالى.

روى [جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَقِّقُ الحلي] فِي «الْمُعْتَبَرِ» عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ صَدَّقَ كَاهِناً أَوْ مُنَجِّماً فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم»(73).

وَعَنْ نَصْرِ بْنِ قَابُوسَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: «الْمُنَجِّمُ مَلْعُونٌ وَالْكَاهِنُ مَلْعُونٌ وَالسَّاحِرُ مَلْعُونٌ...»(74).

وفي نهج البلاغة: «و من كلام له عليه السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له إن سرت يا أمير المؤمنين، في هذا الوقت، خشيت ألا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم، فقال عليه السلام:

أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لأنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَأَمِنَ الضُّرَّ.

ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ»(75).

وقريبٌ من هذا الحديث ما وقع بينه عليه السلام وبين منجِّمٍ آخر نهاه عن ذلك المسير «فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَتَدْرِي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ قَالَ إِنْ حَسَبْتُ عَلِمْتُ! قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: مَنْ صَدَّقَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان/34] مَا كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم يَدَّعِي مَا ادَّعَيْتَ أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَالسَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ؟؟ مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا اسْتَغْنَى بِقَوْلِكَ عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ...»(76).

ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: «إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْعِلْمِ فَأُرِيدُ الْحَاجَةَ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى الطَّالِعِ وَرَأَيْتُ الطَّالِعَ الشَّرَّ جَلَسْتُ وَلَمْ أَذْهَبْ فِيهَا وَإِذَا رَأَيْتُ الطَّالِعَ الْخَيْرَ ذَهَبْتُ فِي الْحَاجَةِ. فَقَالَ لِي: تَقْضِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: أَحْرِقْ كُتُبَك‏.»(77).

هذه الأحاديث الصحيحة تُبيِّن أن الاعتقاد بالتنجيم شرك وكفر، ولما كان هذا الموضوع دقيقاً للغاية وكان الناس مبتلون بشكل عام بهذا الشرك وكانت هذه العقيدة سبباً للشقاء واليأس والخوف من غير الله والأمل بغير الحق كان لا بد من التفصيل الكلام في أمر هذا الشرك كي يتضح الموضوع أكثر.

تشتمل النجوم على عدة أنواع من التأثيرات وهي: الطبيعيات والحسابيات والوهميات.

فالتأثيرات الطبيعية للنجوم عبارة عن تأثير الشمس والكواكب الطبيعي على الأرض وعلى مواليد هذا العالم، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أبداً كما هو مشهود من تأثير الشمس في نمو النبات وحياة الحيوان وفي المدن وطبيعة أهاليها. فإذا كان عرض ناحية قليلا كان مزاج أهلها ضعيفاً ولون بشرتهم أسود أو أصفر مثل أهل النوبة والحبشة، وإذا كان عرض الناحية كثيراً كان لون بشرة أهالي تلك النواحي أبيضَ وشعرهم أشقرَ كأهالي تركستان. فتأثير الشمس والقمر والنجوم الطبيعي أمر محقق وهذا لا علاقة له أبداً ببحثنا والاعتقاد به ليس شركاً.

 والتأثيرات الحسابية للنجوم هي قيام المنجم بحسابات فلكية لتحديد وقت الكسوف والخسوف وفي غالب الأحيان يكون تحديده صحيحاً والاعتقاد والإيمان بهذه الحسابات لا يوجب شركاً.

وأما التأثيرات الوهمية للنجوم فهي أن يقول المنجم أن عمر الشخص الفلاني بحكم النجوم هو كذا أو أن ثروته ستزداد أو سيفقر أو سيصبح وزيراً، أو أن الجنين الذي في بطن هذه المرأة سيكون سعيداً أو شقياً، أو أن الساعة الفلانية مباركةٌ بالنسبة للزواج، أو أن اليوم الفلاني مناسبٌ لتناول الدواء أو للسفر أو للخضاب أو للاستحمام أو لوضع الكرسي وتغيير المنزل وأمثال هذه الأوهام مثل تحديد يوم السفر أو يوم البناء.

والذي نُهي عنه في شرع خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وحُرِّم واعتُبِر شركاً هو هذا النوع الأخير من التأثيرات الوهمية للنجوم، كما لاحظنا أن الأحاديث الصحيحة أشارت إلى هذا المعنى.

والعقل أيضاً يصدق هذا المعنى بشكل كامل، لأنه من الممتنع أن يستطيع البشر أن يدرك أحوال جميع النجوم وتأثيراتها إذ إن النجوم لا حد لها والعلم بغير المحدود ممتنع. ورغم وجود المراصد الفلكية القوية اليوم يقول علماء الفلك أن فوق مجرتنا المشاهدة هذه هناك مجرات عديدة لا يمكن رؤيتها بشكل جيد بأدواتنا البصريّة الحاليّة، فالعجب كيف يمكن للبشر رغم عدم إمكانية اطلاعهم على أحوال جميع النجوم أن يحكموا بشأن مستقبل العالم والأفراد الموجودين فيه من خلال رؤيتهم ورصدهم لبضعة نجوم؟ مَا هَذَا إلا ضَلالٌ مُبِينٌ.

ومن الجهة الأخرى يشتمل علم التنجيم على أصول يضحك منها العقل. فالبداهة العقلية تحكم أنه لا يوجد في السماء حمل وثور وحية وعقرب ودب وكلب وتنين، ولما كان القدماء قد قسّموا الفلك إلى اثني عشر قسماً وأرادوا وضع علامة معينة لكل قسم شبهوها بحيوانات مع أن التشبيه بعيدٌ جداً. ولكن علماء النجوم فرَّعوا عن هذه الأسماء والعلامات الوهمية تفريعات وقالوا: إن الصور السفلية مطيعة للصور العلوية، فالعقارب تابعة لصورة العقرب الفلكي والأفاعي مطيعة لصورة التنين الفلكي والأسد تابع للأسد الفلكي الموهوم. فالذي يعلم كيفية وضع هذه الأسماء يضحك من هذه الأحكام ويتضح له كذب المنجمين.

أضف إلى ذلك أن هذا العلم لم يكن له طريقة خاصة بل يستند إلى التقليد المحض، وهذا التقليد أيضاً غير منظم: فلكل طائفة مقالة تختلف عن مقالة الطوائف الأخرى، فللبابليين مذهب خاص وللفرس مذهب آخر وللهنود أحكام للنجوم من نوع ثالث، وتوجد مذاهب عديدة أخرى غيرها أيضاً.

ولو رجعنا إلى التاريخ لرأينا أن المنجمين عندما كانوا يتنبؤون كان كذبهم يتَّضح بسرعة:

ففي سنة 37 هجرية تحرك أمير المؤمنين (ع) إلى حرب أهل الشام فقال جميع المنجمين إن علياً سيقتل في هذه الحرب ويتعرض لهزيمة كبيرة. فاتضح كذبهم حيث انتصر جيش علي عليه السلام على أهل الشام ولم يستطع جيش الشام أن يخلِّص نفسه إلا بحيلة عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنَّة الحراب.

وكذلك قال المنجمون عندما أراد عليٌّ عليه السلام الخروج لحرب الخوارج: إذا انطلقت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ستُهزَم لأن القمر الآن في برج العقرب. فقال الإمام: سأنطلق متوكلا على الله، وانطلق فكان نصيبه الفتح والنصر الكامل.

وفي سنة 67 هجرية قال المنجمون لعبيد الله بن زياد إذا حاربت المختار انتصرت عليه فانطلق عبيد الله بن زياد بثمانين ألف رجل وتقدم إبراهيم بن مالك أيضاً بألف محارب من طرف المختار والتقى الجيشان في أرض «نُصَيْبين» وقُتِلَ سبعون ألفاً من أصحاب عُبَيْد الله ولم يُقْتَل من جنود ابن مالك أكثر من مئة شخص وَقَـتَلَ «ابنُ مالك» «عبيدَ الله» في تلك المعركة.

وفي سنة 146 هجرية عندما انتهى بناء بغداد اتفق المنجمون على أن طالع هذا البناء يحكم أنه لن يموت في هذه المدينة أي خليفة، وشاعت هذه العقيدة إلى درجة أن الشعراء هنؤوا بها «المنصور» باني بغداد وباركوا له. ولما حدث أن مات المنصور في طريق مكة والمهدي في «ماسبدان» والهادي في «عيساباذ» والرشيد في «طوس»، تأكدت تلك العقيدة وزاد نفوذها شيئاً فشيئاً، ولكن عندما قتل «الأمين» في بغداد على يد «طاهر بن الحسين» تبين بطلان ذلك الأصل وكذب النجوم، ومات بعد ذلك جماعة من الخلفاء في بغداد مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر. وهناك كثير من مثل هذه الدلائل والشواهد على كذب المنجمين.

فإن قيل إن أهل التنجيم استدلوا على صحة عملهم بالآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (القمر/19)، والآية الكريمة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ (فصلت/16).

قلنا في الإجابة:

أولا: إن معنى «يوم نحس» اليوم الذي كانت برودته شديدة كما صرح بذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته حيث قال: أيام نحسات يعني شديدات البرد.

ثانياً: الزمان معلول للحركة وهو موجود أُخِذَ في ذاته التصرُّم والانقضاء، وبعبارة أوضح: الزمان موجود سيال وغير باق، وقد افتُرِض وجود قطع من الزمن في هذا الموجود غير الباقي مثل الدقيقة والساعة والنهار والليل والأسبوع والشهر والسنة والقرن والدهر، وكل قطعة من الزمن لن توجد بعد ذهابها ولن تعود بعد انقضائها:

ما فاتَ مَضى وما سيأتيك فَأَيْن          قُمْ فَاغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ بيْنَ الْعَدَمَينِ

وما لم تنعدم القطعة الأولى من الزمان لن توجد القطعة الثانية، مثلا ما لم ينعدم يوم السبت لن يوجد يوم الأحد، ففي ذات الزمان الذي هو حقيقة سيالة لا يمكن تصوُّر النحس والسعد بأن نقول هذه القطعة نحس وهذه القطعة سعد أو مباركة أو غير مباركة.

ولكن أجزاء الزمان تصبح سعداً ونحساً بسبب الحوادث التي تقع فيها، مثل أن شهر رمضان أصبح مباركاً وسعداً بسبب نزول القرآن فيه.

والخلاصة إن الموجودات والحوادث لما كانت سعداً أحياناً ونحساً في أحيان أخرى والموجودات الزمانية تقع في أفق الزمان، لهذا ينسبون سعدها ونحسها إلى الزمان مع أن الزمان ذاته ليس علة للخير أو الشر ولا يمكن أن نقول إن هذا الزمن الخاص نحس أو سعد أو أن الأيام لها تأثير في الحوادث. مَا هَذَا إلا ضَلالٌ مُبِينٌ.

وأما معنى «اليوم النحس» في الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (القمر/19)، فهو أن هذا النحس أمر ملازم دائماً لمكذِّبي الرسل، فكلمة مستمر صفة للنحس لا لليوم. وكل من يظن أن النحس صفة لليوم وأن ذلك اليوم كان يوم الأربعاء من آخر شهر صفر وأن هذا اليوم نحس دائماً فإنه أخطأ في فهم القرآن.

فسعد الأيام ونحسها سببه سعادة الأعمال ونحسها، والأعمال السعيدة هي موافقة الرسل، والأعمال المنحوسة هي مخالفة الرسل. فكل يوم يصدر فيه عن الإنسان عمل صالح يكون سعداً وإذا صدرت فيه عنه أعمالٌ رذيلةٌ كان نحساً، كما كان يوم بدر سعداً للمؤمنين ووفي الوقت ذاته نحساً للمشركين. فاليوم الذي يصدر فيه من الإنسان عمل صالح هو يوم سعد حتى لو كان يوم الثالث عشر من الشهر أو يوم الأربعاء من آخر صفر. واليوم الذي يصدر فيه عن الإنسان عمل سيِّئ هو يوم نحس حتى لو كان يوم عيد النيروز. أعاذنا الله من شرور أنفسنا.

من أنواع الشرك الأصغر: التطيُّر والتشاؤم:

يقول ابن الأثير في «النهاية»: «الطِّيَرَة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكّن: هي التَّشاؤُم بالشَّيء. وَالطِّيَرَة مصدر تَطَّير، يُقال تَطَّيَرة طِيَرةً وتَخَيَّر خِيَرَةً».

أصل «التطيُّر» أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم السفر أو التجارة أو أي أمر آخر، زَجَر طيراً أو حيواناً برِّياً من منزله فإذا جاءه من اليمين سماه سانحاً وإذا أتاه من شماله سماه بارحاً. وإذا جاء من قُدَّامه فهو النَّطِيحُ، وإذا جاء من وَرَائِهِ فهو القَعِيدُ. فكان بعض العرب يتفاءل بالسانح ويتشاءم من البارح. وكان بعضهم يتفاءل ويتشاءم بعكس ذلك.

واليوم يوجد بيننا أناس يتفاءلون بقهقهة البوم، ويتشاءمون من بكائه. والتطيُّر وضع في أول استعماله للتشاؤم من حركة الطير، ثم استعمل فيما بعد في كل الحوادث التي يُتشاءَمُ منها.

ولما كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد عالج الأمراض الاجتماعية والأخلاقية للبشر فإنه عالج هذا المرض المهم أي مرض «التطيُّر» الذي ابتُلِيَ به معظم البشر وازداد رسوخاً بينهم يوماً بعد يوم. كما أجاب صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل عن «التطيُّر»: «هو شيء ابتُلِيتُم به، ولكن يجب أن لا يردَّ أحدكم عن عمله»(78). وفي حديث آخر: «إذا تطيَّرتم فامضوا ولا يردكم تطيركم عن عملكم»(79).

وينبغي أن نعلم أن «التطيُّر» لا يضرُّ إلا من خاف منه، أما من لم يُعِرْهُ أي اهتمام ولم يأبه له فإنه لا يضرُّهُ، لاسيما إذا دعا بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إلا طَيْرُك، وَلا خَيْرَ إلا خَيْرُك، وَلا إِلِهَ غَيْرُك(80). اللَّهُمَّ لا يَأْتِى بِالْحَسَنَاتِ إِلا أَنْتَ وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلا أَنْتَ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ.(81).».

والطيرة والتشاؤم من أنواع الشرك وإلقاء الشيطان ووسوسته، ومهما اهتم بها الإنسان أكثر كان تأثُّرُه بها أكثر، وكَبُر وهمُها في نظره، أما إذا لم يهتم بها، فإنها تفقد تأثيرها عليه وتضمحلّ، فمادام القلب لم ينشغل بالتطيُّر والتفكير به، فلن يكون مؤثراً به على الإطلاق(82).

إذا كان الإنسان متشائماً في حياته هجمت عليه المصائب كالسيل وفُتحت عليه أبواب الوساوس، فكلَّما رأى شيئاً أو سمع بشيء تشاءم منه، مثلاً إذا خرج من بيته صباحاً فصادف أعمى أو مفلوجاً أو صاحب آفةٍ تشاءم من ذلك، أو كلَّما سمع كلمة سيئةً وغير مناسبة تشاءم منها وظن نفسه شقيّاً. فحال هذا الشخص كحال المُوَسْوِس الذي لا يصغي إلى عِلم ولا نُصْح، ولا يتوكل أبداً على الحق تعالى، بل هو فاقد للثقة بالله وعديم التوكل على خالق العالم ومتمسكٌ دائماً بالأسباب الوهمية والضعيفة، فكلُّ من ابتلي بهذه الحالة أحاطت به البلايا من كل جانب، كصاحب الدمّل الذي لا يعالجه بالمرهم بل يرش عليه الملح، فالشخص المتشائم والمتطيِّر دائم الحزن والغم والحيرة، فهو يعيش في ضيق وضنك، يبتعد عن كل أمر، ويوسوس في كل عمل. ويعتبر كل موهوم مؤثراً، وكم من حظوظ ومنافع يُحْرَم منها لهذا السبب.

إن «التطيُّر» و«التشاؤم» عمل أعداء الأنبياء والرسل، وقد قال الله تعالى عن منكري رسله: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (يس/19).

كذلك وصف لنا حال فرعون وقومه فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (الأعراف/131).

كما قال واصفاً أعداء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. (النساء/78).

ففي هذه المواضع الثلاثة من القرآن نسب الله تعالى «التطيُّر» إلى أعداء الرسل. وقال في جوابه عن تطيرهم بموسى (ع) وقومه: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ (الأعراف/131)، وفي جواب تطيرهم بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ..، وفي جواب تطيُّرهم بالرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ (يس/19). وقال ابن عباس في معنى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدّر لهم. وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله وَمِنْ قِبَل الله(83). أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وتكذيبهم بآياته ورسله، فنتيجة عملهم هذا التي هي شؤم وشقاء إنما هي من عند الله، وهذا الشؤم الذي حل بهم في الدنيا سببه أعمالُهم السيِّئَة.

وهذا المعنى نظير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ(84)..﴾ (الإسراء/13)، تقول العرب: جرى الطائر له بكذا من الخير والشرّ. ويقول أبو عبيدة: الطائر عند العرب بمعنى الحظ. وهو الذي يُقال له بالفارسية: «بَخْتْ»، والعرب تقول: هذا يطير لفلان.

وقال بعضهم ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني أن سبب شؤمهم عند الله، وهو أفعالهم المكتوبة في صحيفة أعمالهم التي سيجزيهم الله عليها.

وهذا المعنى لا يتناقض مع قول الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ، لأن معناه أن حظكم وما يصيبكم من خير أو شر هو من عند أنفسكم أي بسبب أعمالكم وكفركم ومخالفتكم لنصح الناصحين، فليس ما يحل بكم من مصائب بسببنا بل بسبب عنادكم وعداوتكم للأنبياء. وطائر الظالم معه، وهذا أيضا مكتوب عند الله كما يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؟؟﴾ (النساء/78).

أي أنهم لو تفقَّهوا وفهموا ما أتيتَ به من عند الله لم يتطيَّروا بك. لأن كل ما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ محضٌ، ولا يُتَصَوَّر بحقه الشر على الإطلاق، بل هو ما فيه صلاح الأمة ولا سبيل فيه إلى الفساد، فهو حقيقة الحكمة والعقل، ولا عبث ولا لغو فيه، بل رحمةٌ خالصةٌ لا جور فيها. فلو كان هؤلاء القوم أهل فهم ودراية لما تطيروا بما هو خير محض وبما وجوده كلُّه رحمة. لأن الشاؤم من ذات البشر فقط بسبب كفرهم وظلمهم وشركهم وأعمالهم الشركية وأفعالهم القبيحة التي رسخت فيهم وكلها مسجلة عليهم محفوظة عند ربهم ومليكهم، مثل كل الحظوظ الأخرى التي أعدوها بأعمالهم.

وقد رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا غُولَ وَلا طِيَرَةَ وَلا شؤم»(85).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»(86).

وفي رواية أخرى: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فقد قارَنَ الشركَ»(87).

وفي رواية أخرى: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ.»(88).

إذن تبيَّن على ضوء ما تقدم من نصوص الآيات والأحاديث أن «التطيُّر» أو «التشاؤم» عمل المشركين، ولا يشكل علَّة لشيءٍ ولا يؤثِّر بأي أمر على الإطلاق. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

من الأشياء التي كانوا يتشاءمون منها في الجاهلية العـطاس:

كان أهل الجاهلية يتطيَّرون من العطاس فإذا سمعوا عطسةً ردَّهم ذلك عما عزموا على فعله، وكانوا إذا أرادوا الخروج إلى الصيد بكَّروا في الخروج قبل أن يستيقظ الناس خوفاً من أن يعطس أحدهم فيمنعهم ذلك من الذهاب!.

وإذا صدر عطاسٌ ممن يحبون قالوا له: «عُمْراً وشبَاباً»، أما إذا صدر ممن يبغضون قالوا: «وَرْياً وقُحَاباً». (الوريُ مرضٌ وألمٌ في الكبد، والقُحاب: السُّعال). وإذا سمع أحدهم عطاساً من شخص وتطيَّر (أي تشاءم) منه قال: جعل الله شؤم هذه العطسة عليك، وكان يتشاءمون من العطسة القويةَ أكثر من الضعيفة.

ولما أشرقت شمس النبوة في سماء الجزيرة العربية أبطل الله تعالى بواسطة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأوهام الجاهلية ونهى الناس صراحةً عن التشاؤم والتطيُّر بالعطسة، وشرع أن تُطلبَ الرحمة للعاطس بدلاً من شتمه أو الدعاء عليه، بل أمر أن يُبارك للعاطس بعطاسه، ولما كان الدعاء على العاطس ظلماً شرع الله تعالى الدعاء له بلفظ الرحمة وأمر سامع العطسة أن يشمِّت العاطس ويطلب له المغفرة(89)، والمراد من تشميت العاطس أن يقال له: «يرحمك الله» (قرأ بعضهم التشميت بالسين المهملة وفسرها بمعنى التكريم والاحترام) (90). وخلاصة الأمر أن الإسلام أبطل التشاؤم من العطسة الذي كان شائعاً زمن الجاهلية.

قال النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ. فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتُرَه مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنه إن فتح فاهُ فقَالَ آه آه. ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ»(91). وعلَّةُ ذلك أن العطسة تبعث على النشاط أما التثاؤب فعلامةٌ على الكسل والفتور.

التفاؤلُ مستحبٌّ وَممدوحٌ:

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لا طِيَرَةَ وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ‏»(92).

وفي حديث صحيح آخر: ««لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ». قَالَوا: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ»»(93).

لا يُتَصَوَّر الشرك أبداً في الإعجاب بالفأل الحسن بل من طبيعة الإنسان وفطرته أن يميل إلى ما يلائم طبيعته ويوافق فطرته كما ورد في بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان تعجبه براعم نبتة الحناء وتعجبه الحلوى والعسل والماء العذب البارد.

أودعَ الحقُّ تعالى في غرائز البشر السرور من سماع الاسم الحسن مثل اسم الصلاح والفلاح والظفر والنجاح والفرح والعون والقوة وأمثالها، فعندما يسمع الإنسان هذه الأسماء يشرق قلبه وتسعد روحه وتقوى إرادته، أما عندما يسمع أضدادها فإنه يحزن ويغتم ويستولي عليه الخوف والضيق ويتشاءم منها ويمتنع عن العمل، وبالتالي فإن التشاؤم والتطيُّر مليء بالضرر الدنيوي ودليلٌ على نقصان الإيمان بالله وفي النتيجة يوجب الشرك بالله.

إن سرور الناس من الأسماء المباركة والحسنة والكلام الجميل مشابهٌ لإحساسهم الغريزي تجاه البساتين الجميلة والمياه الصافية العذبة والألوان الجميلة، كما أن الروائح العطرة والأغذية اللذيذة تجذب الناس ويمتنع على نفوس البشر أن تنفر منها وتنصرف عنها، فكذلك التفاؤل نافعٌ للإنسان ومفيدٌ له ومبسطٌ لنفسه ومنشِّطٌ لروحه ولا يضرُّ بتوحيده.

فرغم أن الفأل والطيرة مصدرهما واحد إلا أن مقاصدهما مختلفة والفرق بينهما هو: أن الإنسان يتفاءل بما هو محبوب وصالح وما هو ممدوح ومستحسن ولكنه يتشاءم مما هو منفر ومكروه وقبيح ومشؤوم.

وكان من عادة العرب تغيير الأسماء واستبدال الاسم السيئ بالاسم الحسن والتفاؤل به. فمثلا يطلقون على من لدغته الأفعى اسم «السليم» تفاؤلا بسلامته ويسمون العطشان «الناهل» تفاؤلا بأنه سيرتوي عن قريب، ويسمون الصحراء بالمفازة تفاؤلا أن مجتازها سيصل للفوز والفلاح، فاتّضح من هذا أن التفاؤل والتيمُّن من العناصر المهمة في تكوين الشخصية الإنسانية، وعلى الإنسان أن يكون متفائلا حسن الظن وينظر إلى الدنيا بعين مباركة.

 

بجهان خُرَّم از آنم كه جهان خُرَّم از اوست

                عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

أنا جَذِلٌ بالعالم لأن العالم نَضِرٌ به

أنا عاشقُ كلّ العالَم لأن العالَم كلُّهُ منه

إن الدنيا مثل المرآة إذا نظرت إليها بعبوس انعكست لك بالعبوس وإذا نظرت إليها بسرور وابتهاج انعكست لك بالنضارة والابتهاج.

على الإنسان أن يتفاءل بكل حادثة من حوادث الحياة وأن يعتاد أن ينظر إلى جميع الأمور بعين الأمل والرحمة لا بعين اليأس والإحباط. على الشخص المتفائل أن يكون راضياً بما مرَّ عليه سواء كان خيراً أم شراً، واثقاً بالله، آملا بالمستقبل، يؤدي واجبه ويسعى وراء عمله، وأن يأخذ بالأسباب ثم يطلب النتائج من الله تعالى.

إن التشاؤم ينشأ من ضعف النشاط وضعف الأعصاب ووهن القوة العقلية فالإنسان المتشائم يتحرك في أرض منخفضة ومرتفعة من الأوهام والخرافات ويجول في ظلمات الوساوس، إلى أن تظهر في سماء عقله سحب مظلمة ودخان متراكم من التطير والتشاؤم الذي يضعف روحه ويبث في نفسه الكسل ويضعف إرادته ويقلب أفكاره رأساً على عقب.

وبعكس ذلك يوقظ التفاؤل العقل ويمنح الإنسان النشاط ويشجعه في أعماله وينقذ روحه من الشقاء ويحرِّرها من أغلال الوساوس والتشاؤم.

وفي الختام نسلم على روح خاتم النبيين الطاهرة الذي أنقذ الأمة المرحومة من صنوف الشقاء وألبس المسلمين لباس السعادة والهناء، واستأصل الخرافات وأخرجها من أدمغة الناس. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم
الغلوّ في الأنبياء والصالحين

قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ (النساء/171).

الغلوّ معناه مجاوزة الحدّ، مثلاً: غلا السعر يغلو غُلُوَّاً أي ارتفع سعر المتاع وتجاوز الحدّ.

لقد نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب عن الغلو. ولقد كان غلوّ النصارى أشد من غلوّ سائر الملل، إذ رفعوا عيسى (ع) عن مرتبة العبودية والنبوَّة وأوصلوه إلى مرتبة الألوهية والربوبية وعبدوه، بل إنهم غلوا بحق بعض أتباع عيسى (ع) من العلماء والأحبار أيضاً وقالوا بعصمتهم وأطاعوهم في كل ما قالوه حقاً كان أم باطلاً، وصدقاً كان أم كذباً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة/31). كما غلا الصدوقيون من اليهود في عزير وقالوا بألوهيته.

يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيْسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»(94).

ولقد غلا بعض الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وقالوا له: يا رسول الله! ائذن لنا أن نسجد لك، فنهاهم الرسول الأكرم بشدة عن ذلك لأن السجود لا يجوز إلا للذات الربوبية كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ (فصلت/37)، والسجود لغير الله شرك سواء كان لشخص أم لقبر. ولكن العجيب أنه عندما يصل الجهال إلى قبر ولي من الأولياء يسجدون عنده بل إن بعض جهلة الصوفيَّة يسجدون لمرشدهم وشيخهم.

ويقول ابن عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ»(95).

وعن ابن مسعود: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلاثًا.»(96).

ورُوِيَ في «عيون أخبار الرضا عليه السلام»: «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ يَوْماً وَعِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام وَقَدِ اجْتَمَعَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْكَلامِ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخْتَلِفَةِ.... [إلى قوله] فقَالَ الْمَأْمُونُ للرضا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! بَلَغَنِي أَنَّ قَوْماً يَغْلُونَ فِيكُمْ وَيَتَجَاوَزُونَ فِيكُمُ الْحَدَّ؟! فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عليه السلام: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ‏ وَتَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟؟﴾ [آل عمران/79-80]. وَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: «يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ وَلا ذَنْبَ لِي مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ وَإِنَّا لَنَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَغْلُو فِينَا فَيَرْفَعُنَا فَوْقَ حَدِّنَا كَبَرَاءَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام مِنَ النَّصَارَى.». قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ! ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة/116-117] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء/172]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة/75]. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَغَوَّطَانِ. فَمَنِ ادَّعَى لِلأنْبِيَاءِ رُبُوبِيَّةً أَوِ ادَّعَى لِلأئِمَّةِ رُبُوبِيَّةً أَوْ نُبُوَّةً أَوْ لِغَيْرِ الأئِمَّةِ إِمَامَةً فَنَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ!...»(97).

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

 

+            +             +

 

في بيان حقيقة الواسطة بين الحقِّ والخَلْقِ

من المسلمات العقلية والضروريات الدينية أن الأنبياء والرسل سلام الله عليهم هم الواسطة بين الحق والخلق وأنه لا بد للبشر من وسائط وإلا خربت دنياهم وآخرتهم.

ولما كان هذا الموضوع من المسائل الدقيقة والصعبة إذ إنه يتخذ أحياناً ذريعةً للشرك وقد وقع كثير من المسلمين في ورطة الشرك بسبب عدم دقتهم في هذا المعنى، لذا فإننا نحتاج إلى التحقيق في هذه المسألة وأن نبين لإخوتنا في الإيمان ما يرشد إليه كتاب الله وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الموضوع:

إذا أريد بالواسطة أنه لا بد أن يبعث الله تعالى شخصاً لهداية عباده وإرشادهم فهذا أمر حق وعين الحقيقة، لأن الناس لا يعلمون ما يحبه الله من أعمال وما يبغضه، كما لا يعلمون بماذا أمر الله وعن أي شيء نهى، كما أن الناس لا يدركون أي أعمال وأقوال توصلهم إلى سعادة الدارين وأي أعمال تشقيهم في الدنيا والآخرة. كما أن عقل البشر عاجز عن معرفة صفات الله ولا يعلم أي صفة تليق بجلاله، ولا الأسماء التي ينبغي أن يدعوه بها، كما ليس للعقل البشري طريقٌ لمعرفة كيفية المعاد وحشر الأجساد. فمن المسلم به أن الإنسان يحتاج إلى واسطة تهديه إلى الطريق المستقيم وتبيِّن له الأمور التي ذكرناها.

چونكه حق غيب است ونايد در عيان    نايب حقـند اين پيغمبران

أي: لما كان الحق غيباً لا يظهر للعيان    كان هؤلاء الأنبياء نوّاب الحقّ

فإذا ثبتت الحاجة إلى الرسل لزم أن يرسل الله تعالى هداةً ومرشدين للخلق.

إن الإيمان بالرسل هو جوهر الهداية وحقيقة الفلاح، وعصيان الرسل أصل الضلال والبعد عن الحق، ولا يمكن لإنسان أن ينال الخلاص والنجاة دون طاعة الأنبياء واتِّباعهم، فإن لم تكن نبياً فكن من أمته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/31)، فالأنبياء والرسل واسطة للهداية ووسيلة لها والإعراض عن أوامرهم سبب للضلال والشقاء.

يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (الأعراف/35).

ويقول كذلك: ﴿... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا؟ قَالَ: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (طه/123-126).

وقال سبحانه على لسان أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (الملك/9).

وقال أيضاً: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (الزمر/71).

ويقول الله سبحانه كذلك: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأنعام/48).

كما يقول سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.. (النساء/163-165).

ونظير هذه الآيات في القرآن كثير حيث يبين الله تعالى حال مكذبي الرسل الذين هلكوا بسبب تكذبيهم لرسل الله، كما أن هناك آيات أخرى تدل على أن الله ولي الأنبياء وناصرهم دائماً كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (الصافات/173)، وقال كذلك: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (غافر/51).

وقد أمر الله تعالى في آيات أخرى بصراحة بطاعة الأنبياء فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (النساء/64)، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (النساء/80)، وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران/31)، وقال كذلك: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعراف/157)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب/21).

أما إن أريد بالواسطة أن يكون الأنبياء والرسل واسطةً ووسيلة لجلب النفع أو دفع الضُرّ كالقول بأن الأنبياء وسطاء في الرزق والحياة ووسطاء في شفاء المرضى، ثم طلب الحوائج بعد ذلك من الرسل واعتبارهم أبواب الحوائج، فإن هذا القول من أكبر أنواع الشرك، لأن صاحبه يعتبر غير الله ولياً للإنسان وقادراً على جلب النفع له أو دفع الضرّ عنه.

يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟﴾ (السجدة/4).

ويقول أيضاً: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (الإسراء/56).

ويقول كذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سبأ/22-23).

سبب نزول هذه الآية أن بعض الناس كانوا يدعون المسيح والملائكة لكشف الكُرَب ودفع البلايا ويستغيثون بهم، فأجابهم الله تعالى أن الملائكة والأنبياء غير قادرين على إزالة الضرر وتغييره.

وقال تعالى أيضاً: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/79).

فكل من اتخذ الأنبياء والملائكة وأئمة الهدى واسطة يطلب منهم الرزق والحياة ويتوكل عليهم ويسألهم جلب النفع ودفع الضرّ، كغفران الذنوب ورفع الشقاء وقضاء الحاجات ودفع الفقر والفاقة، فهو كافرٌ بنص القرآن الكريم وإجماع أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (الأنبياء/26).

وقال أيضاً: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النساء/172).

وقال كذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم/89).

وقال أيضاً: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ؟ سُبْحَانَهُ! وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (يونس/18).

وقال أيضاً: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (النجم/26).

وقال أيضاً: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ (يونس/107).

وقال كذلك: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر/2).

وقد يقول قائل إننا نتَّخذ الأنبياء والأولياء وسطاء كما يكون الوزراء وسطاء بين المَلِكِ والرعية؟ فكما أن الوزراء يعرضون حوائج الناس على المَلِكِ ويطلبون منه قضاءها، فكذلك الأنبياء والأولياء يعرضون حوائج العباد على الله ويطلبون منه أن يقضيها للناس، والله هو الذي يرزق ويحي ويشفي ويعين ويمنح المال والجاه للعباد بوسيلة الأنبياء، لأن الأنبياء والأولياء أقرب إلى الله تعالى كما أن الوزراء أقرب للمَلِكِ خلافاً للعباد الذين هم بعيدون عن الله، فعلى الناس أن يقدموا حاجاتهم بكل أدب وتواضع إلى الوزراء وحجّاب المَلِكِ حيث أن طلبهم الحوائج من الوزراء أنفع لهم من طلبها من المَلِك مباشرةً.

فأقول: إذا جعلت الأنبياء والأولياء واسطة على هذا النحو بين الرب والخلق فقط وقعت في كفرٍ وشركٍ محضٍ ولا يطهِّرُكَ من نجاسة هذا الشرك هذه إلا ماء التوبة عنه!

أيها المسكين الجاهل!... إن المَلِكَ لا علم له بالجزئيات ويجهل ما يحدث في أطراف مملكته وأكنافها ولا خبر عنده عن أحوال رعيته، فلا بدَّ له من أشخاص يخبرونه بأحوالهم ويوصلون إليه عرائضهم. ولكن أليس الله بعالم بجميع الجزئيات وخبير بقلوب الناس: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...﴾ (البقرة/255)، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا...﴾ (الأنعام/59)؟؟.

كما أن الناس بعيدون عن المَلِكِ وهو بعيدٌ عنهم، أما الله تعالى فهو أقرب إلى الناس من حبل وريدهم: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق/16)، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة/186).

إن وساطة الوزراء لدى المَلِكِ لا تخرج عن ثلاثة أحوال:

 الحالة الأولة: لما كان المَلِكُ غيرَ مطلع على تفاصيل أحوال رعيته فإن الوزراء يطلعونه عليها، فإذا اطلع على ذلك قام بإصلاح حال الرعية وتلبية حاجاتهم.

فإذا تصورت للأنبياء وساطة من هذا النوع فقد جعلت الله تعالى – نعوذ بالله – جاهلاً بأحوال عباده ولا ريب أن هذه العقيدة تخالف أصول التوحيد وهي كفر صريح.

الحالة الثانية: لما كان المَلِكُ غير قادر على مباشرة أمور الرعية ومعالجتها بنفسه مباشرةً مع قيامه بواجب الدفاع عن البلاد وصدّ الأعداء في الوقت ذاته، كان محتاجاً إلى الوسائط والأعوان ليساعدوه في إدارة شؤون المُلْك.

فإذا جعلت الأنبياء على هذا النحو فقد كفرتَ بداهةً ووقعتَ في الشرك المحض لأن الله تعالى غنيٌّ عن المعاون والظهير: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (سبأ/22).

يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسراء/111).

كل ما يوجد في عالم الوجود من أسباب فإن الله تعالى خالقه وربه ومالكه فالحق تعالى غنيٌّ عن العالمين وما سواه فقير إليه، وهذا خلافاً للملوك الذين يحتاجون إلى الخدَّام والجنود والحشم وإذا دقَّقت في الأمر رأيت أن الجنود والحشم والوزراء شركاء للسلاطين في ملكهم وأمرهم، أما الحق تعالى فهو كما قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(التغابن/1).

الحالة الثالثة: أن نتصور أن الملك لا يحسن إلى رعيته ويرحمها إلا بمحرك خارجي كوزير ينصحه ويعظه فتنشأ لدى الملك بفضل هذا الوعظ الرغبة بالإحسان والخوف من الظلم، فيقوم بالاعتناء برعيته والإحسان إليهم.

إن بطلان تصور وساطة الأنبياء على هذا النحو أوضح من أن يحتاج إلى برهان، ولا شك أن اعتقاد مثل هذا الأمر في الله كفرٌ وشركٌ صريح لأن الحق تعالى رب الموجودات وأرحم بعباده من الأم بطفلها وكل شيء تابع لمشيئته الإلهية: ما شَاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكن، فكيف يمكن أن لا يملك رب العالمين الرحمة والشفقة ويحتاج إلى من يدعوه إليها وينصحه بها ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (الإسراء/ 43).

اللهم إلا أن تَلتمس من المقام المحترم للرسل والأئمة الدعاء لك وتتمنى منهم داعياً على نحو أن تقول لهم: أيها النبي، أيها الإمام أسألك أن تدعو لي الله وتسأله أن يشفي لي مريضي أو يغنيني من فضله أو يوفقني في دراستي، أو غير ذلك، فهذا النحو من السؤال لن يكون شركاً بل هو طريق مستقيم وصحيح. ولما كان الأنبياء والأئمة مستجابي الدعوة وكان دعاؤهم مقبولاً عند الله فلا شك أن الله تعالى سيلبِّي حاجتك. أسأل الله تعالى أن يوفِّق الأمة المرحومة للتوحيد وأن يستجيب دعاء النبيِّ والأئمّة بحق الجميع.

فحاصل ما ذُكر أن كل من جعل الأنبياء والأولياء واسطة بين الله وخلقه من سنخ الوسائط بين الملك ورعيته كان مشركاً وخارجاً عن دين الإسلام الحنيف.

يذم الله تبارك وتعالى النصارى لممارستهم هذا النحو من الشرك فيقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة/31)، ويقول تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ (النمل/62)، ويقول أيضاً: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (الرحمن/29).

ولقد وضع القرآن تاج التوحيد هذا على رأس الناس واقتلع الشرك والوثنية من جذورهما كي لا يخاف العباد إلا من الله ولا يتوكلوا إلا عليه.

قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا (المائدة/44).

وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران/175).

وقال سبحانه كذلك: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ (التوبة/18).

وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (النور/52).

ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ... (التوبة/59). (يشير إلى الغنائم)

ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران/173]

فإن قلتَ بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء في غير أمور الهداية وأمور التكوين كالرزق والحياة والشفاء وغيرها واستدللت على قولك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة/35)، وقلتَ إننا عندما نتخذ الأنبياء والأولياء وسيلة لحاجاتنا فإننا نطيع أمر الله حيث أمرنا في هذه الآية الكريمة باتخاذ الوسيلة إليه فالاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين والتوسل بهم أي جعلهم واسطة بين الخلق والحق في الأمور التكوينية مشروع وصحيح.

قلتُ في الجواب عن ذلك: إن المراد من ابتغاء الوسيلة إلى الله التوسل إليه بالعلم والعمل الصالح لأن حقيقة التقرّب إلى الله الزلفى إنما تكون بامتلاك العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة، فيجب إذن التوسل إلى الله بالعلم والعمل. أما أشخاص الرسل فهم كما ذكرنا واسطة في الهداية، وطاعتهم وسيلة القرب من الله، فكل من أطاع الأنبياء وعلم وعمل عملاً صالحاً كان قريباً من الله، وكلما زاد علمه وعمله بالشريعة كان أقرب إلى الله، كما أن قرب المتعلم من المعلم هو أن تتجلى فيه كمالات المعلم وكلما كان التلميذ أكثر فضلاً وعلماً واستفاد من الأستاذ أكثر اقترب منه أكثر. والحاصل إن الوسيلة هنا معناها الطاعة والعمل الصالح. [وفيما يلي بعض الشواهد على ما نقول]:

أولا: لقد نصَّ المفسرون واللغويون على أن الوسيلة بمعنى ما يُتوسَّل به من الطاعات والعلم، وقد صرح الراغب الأصفهاني في مفرداته بهذا المعنى.

والشاهد الثاني على ما نقول هو نصّ الكتاب الكريم أي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (الإسراء/56).

ولقد ابتُليَت قريش بالقحط والغلاء، فأنزل الله هذه الآية على نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن يقول لهم: ادعوا هؤلاء الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم يقضون حاجاتكم!.. إنهم غير قادرين على إزالة الشدة أي القحط والغلاء عنكم كما لا يستطيعون أن يغيِّروا حالكم، إن هذه الآلهة التي تعبدونها (والمراد عيسى ومريم وعزير والملائكة والجن) هم أنفسهم يبتغون وسيلةً يتقرّبون بها إلى الله أيهم يكون أقرب إليه ويأملون رحمته ويخافون من عذابه. أي أن هؤلاء الذين تدعونهم بحجة أنهم من المقربين إلى الله كالمسيح والملائكة والجن هم أنفسهم يتوسلون إلى الحق سبحانه ويرجون عطاءه.

إذن فهؤلاء المدعوُّون هم كسائر العباد يعيشون في الخوف والرجاء فلا يجوز أن تسألوهم كشف الضرّ عنكم ولا قضاء حاجاتكم. وفي النتيجة النهائية يتضح أنه لا يمكن أن يكون المراد من الوسيلة في الآية الكريمة الأنبياء والأولياء لأن الله تعالى نفى عنهم، في هذه الآية الأخيرة، هذه الصفة (بالاستدلال الذي مَرَّ).

كان من دعاء سيد الساجدين حضرة زين العابدين سلام الله عليه في دَفْع كَيْدِ الأعْدَاءِ وَرَدِّ بَأْسِهِمْ – كما في الصحيفة السجادية: «وَ وَسِيلَتِي إِلَيْكَ التَّوْحِيدُ، وَذَرِيعَتِي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً، وَلَمْ أَتَّخِذْ مَعَكَ إِلَهاً...».

فتبيَّن من هذه الآية الكريمة ودعاء الصحيفة السجادية وتحقيق المفسرين أن الوسيلة ليس معناها شخص النبي أو الولي وأنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان شخصاً وسيلةً بل الوسيلة إلى الله منحصرة في العلم والعمل الصالح وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن ما يقرّب العبد من الله هو العقائد الصحيحة والأعمال الفاضلة.

إن من مصائب المسلمين جهلهم بأسس دينهم، وأنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن كل واحد من أئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين كذبة وزنادقة يكذبون عليهم وينسبون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأولياء صفات الله، ويدَّعون النبوة، وكان أولئك الأجلاء الكرام يبرؤون من أولئك الكذابين ويلعنونهم.

والغلاة في الأصل تسع فِرَق كلهم يقولون ببطلان الشرائع. ففرقةٌ منهم تقول: إن الله يظهر بصورة الخلق وينتقل من صورة إلى صورة ومعرفة مثل هذا الشخص (الذي ظهر الله بصورته) يوجب سقوط التكليف! وَفِرَق أخرى تقول إن الأئمة هم الخالقون والرازقون والمحيون والمميتون، وأن المراد من الصلاة والصوم والزكاة أشخاص صالحون والمقصود من الخمر والميسر والزنا رجال طالحون وكل من عرفهم سقط عنه التكليف!..

لاحظوا كيف راج الغلو بين المسلمين!.. والذي دفع العوام والجُهَّال إلى ذلك الغلو، الصفات الرفيعة والخصال العالية والعلم الوافر التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرون عليهم السلام يتمتعون بها.

والأمر الفاضح كان ذهاب العوام إلى مثل ذلك الغلو في حق ذراري الأئمة. بل إن بعض أراذل الخلق قالوا بمثل ذلك الغلو في حق مرشديهم الجهلة من رأسهم إلى أخمص أقدامهم! فنسبوا إليهم صفات الربوبية والخالقية وقضاء الحاجات وتفريج الكُرَب، ووصل الجهل والشرك بهؤلاء الأراذل إلى قولهم بوجوب تصوُّر صورة المرشد عند ذكر الله وعبادته! وقالوا: يجب أن يكون المخاطب بجملة «إياك نعبد» المرشد! بل وصل الأمر ببعضهم إلى السجود للمرشد وعبادته، نعوذ بالله من الضلال ومن حماقة الأراذل والجهَّال.

 وتتميماً للكلام وَتبصرةً للأنام ننقل فيما يلي حديثاً رواه الكشيُّ في رجاله (ص 108) عن عمير عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال علي بن الحسين سلام الله عليه: «لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبإ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادَّعَى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله؟ كان عليٌّ - عليه السلام - واللهِ عبداً لِلَّهِ صالحاً، أخو رسول الله n، ما نال الكرامةَ مِنَ الله إلا بطاعته لِلَّهِ ولرسوله، وما نال رسول الله n الكرامةَ مِنَ الله إلا بطاعته.».

وجاء في كتاب رجال الكشِّيّ(98) أيضاً عن يونس عن هشام بن الحكم أنه سمعَ حضرةَ الإمام أبي عبد الله الصادق - عليه السلام - يقول: «كان المغيرةُ بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم.».

وفي رجال الكشي أيضاً عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن الحسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام يوماً لأصحابه: «لعنَ الله المغيرةَ بنَ سعيدٍ ولعن يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق إن المغيرة كذبَ على أبي عليه السلام فسلبه الله الإيمان، وإن قوماً كذبوا عليَّ ما لهم أذاقهم الله حرَّ الحديد، فوالله ما نحن إلا عبيدُ الذي خلقنا واصطفانا ما نقدر على ضر ولا نفع إن رحمنا فبرحمته وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون، ويلهم ما لهم لعنهم الله فلقد آذوا الله وآذوا رسوله n في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي... إلى آخر الحديث»(99).

وعَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ (أي الإمام موسى الكاظم عليه السلام) أَنَا وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ يَحْيَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ؟! فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَتْ فِي جَسَدِي شَعْرَةٌ وَلا فِي رَأْسِي إِلا قَامَتْ. قَالَ ثُمَّ قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلا رِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم»(100).

وروى الكشي أيضاً بسند صحيح عَنِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ! قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ؟؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ يَعْلَمُ قَطْرَ الْمَطَرِ وَعَدَدَ النُّجُومِ وَوَرَقَ الشَّجَرِ وَوَزْنَ مَا فِي الْبَحْرِ وَعَدَدَ التُّرَابِ؟ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ! فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ لا وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ هَذَا إِلا اللَّه(101)‏.

 

من أنواع الشرك الأصغـر الأخرى: الرياء:

يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (الماعون/5).

ويقول تعالى في ذمّ المرائين: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا [النساء/142].

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!(102).

والرياء: مشتقٌّ من الرؤية والمراد من الرياء طلب المنزلة والتقدير في قلوب الناس بإظهار الخصال الصالحة كالعبادات والشمائل أو بالتظاهر بالآثار التي تدل على الصفات الحميدة، أي أن لا يقوم المرائي بعملٍ خيِّرٍ بل يتظاهر بأمور يمكن أن يُستدَلّ بها على عمل خيِّرٍّ كإظهار الضعف والإعياء ليفهم الناس أنه قليل الطعام قليل النوم في الليل، أو أن يمشي المرائي مشية المتماوت الفاقد للحال ويلبس الألبسة المتسخة وأمثال ذلك من الأعمال ليجعل الناس البسطاء والجهلاء يستدلون من ذلك على زهده وإعراضه عن الدنيا.

والرياء في العبادة من كبائر الذنوب وصاحبه مغضوبٌ عليه من الله ومحرومٌ من الوصول إلى السعادة، إضافةً إلى أن رياءه يبطل عبادته سواء كان الرياء في أصل العبادة أم في صفاتها اللازمة، ولا فرق في بطلان عبادة المرائي بين أن يكون قصده منها الرياء المحض دون أي نية للتقرُّب إلى الله أو أن يكون الرياء ممتزجاً بنيَّة القربة بل حتى لو كان قصد القربة أرجح وشابه شيءٌ قليلٌ من الرياء كان ذلك كافياً في إفساد العبادة وعدم سقوط التكليف عن صاحبها بل يكون حاله أسوء من حال من ترك العبادة.

كليد درِ دوزخ اسـت آن نماز كه در چشم مردم گذارى دراز

اگر جز بحق ميرود جاده است در آتش فشـانند سجاده است

ومعناه:

تلك الصلاة التي تطيلها أمام أنظار الناس هي مفتاحٌ لباب جهنم!

إذا اتَّجهت الجادَّة نحو غير الله، أُلْقِيَت السجَّادة (سجَّادة الصلاة) في النار!

كما أنه لا فرق في فساد العبادة التي تُؤدَّى رياء أن يكون الرياء في ابتداء العبادة أو يعرض أثناءها.

هناك نوع من الرياء جائز هو الرياء في المعاصي، بمعنى أن يستر العاصي والمذنب عصيانه عن الناس ويكره أن يطلع أحدٌ على ذنبه، فهذا النوع من الرياء جائز لأن إظهار المعاصي قبيح ومُحرَّم. وأما قيل من أن مقتضى الإخلاص أن تكون سريرة الإنسان وباطنه على نحو إذا ظهر للعيان لم يكن فيه أي قبح، وهو معنى ما قاله بعض الأكابر: «عليك بعمل العلانية» أي عليك بالعمل الذي إذا ظهر لم تخجل من، فلا شك أنَّه مرتبة عالية من الفضيلة ومقام رفيع لا يصل إليه إلا المعصومون وقليل من المختارين للقرب رب العالمين، أما سـائر الناس فلا يخلو أمرهم من ظاهر الإثم وباطنه خاصَّـةً من الأفكار الباطلة والوساوس الشيطانية والآمال الكاذبة التي يراها الحق تعالى جميعها إذْ لا تخفى عليه منهم خافية، فالسعي في إخفائها واجبٌ وإظهارها حرامٌ.

روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن من ارتكب عملاً قبيحاً فليستره عن الناس كي يستر الله عليه وليدع بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ وَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَسُلْطانِكَ الْعَظِيمِ وَعِزَّتِكَ الَّتِي لا تُرَامُ وَقُدْرَتِكَ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَشَرِّ الأوْجَاعِ كُلِّهَا...»(103). وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

في بيان أن الشفاعة لا تنفع إلا من كان اللهُ تعالى راضياً عنه:

مسألة الشفاعة من المسائل الدينية المهمة ومن المسلَّمات في دين الإسلام المبين، إلا أن الفِرَقَ الإسلامية اختلفت في كيفيتها:

فأثبت جمهور الأشاعرة والإمامية شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسقاط العقاب عن أهل العقاب. أما المعتزلة فقالوا ليست شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسقاط العقاب، وإنما هي لإيصال الثواب إلى أهل الثواب. وبعبارة أوضح، لا ينال العصاة الآثمون العفو والتجاوز عن ذنوبهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل ينال المطيعون بها عُلوَّ المرتبة وارتفاع المنزلة.

وأدلة الفريقين مبسوطة في كتبهم الكلامية، ومن دراسة اختلافهم يتبين أن موضوع الشفاعة مسلَّمٌ به لدى جميع الفرق وإنما وقع الاختلاف في كيفيتها وحقيقتها.

ونحن سنرجع قبل كل شيء إلى القرآن الكريم لنرى ماذا يقول بشأن الشفاعة؟

هناك في القرآن آيات تنفي الشفاعة بشكل مطلق وصريح، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (الأعراف/53).

وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (الشعراء/101).

وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (المدثر/46-48).

وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ (الأنعام/51).

وقوله تعالى كذلك: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ (الأنعام/70).

وقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ(الروم/12).

وقوله كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة/254).

وقوله أيضاً: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ؟ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ! (الزمر/43).

وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (البقرة/48).

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة/254).

وقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (يس/23).

وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (النجم/26).

وهناك آيات أخرى تثبت الشفاعة ولكن بشرط رضا الله عن المشفوع له وإذن الله للشافع بالشفاعة، وذلك كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ (البقرة/255).

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (يونس/3).

وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (طه/109).

وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (سبأ/23).

وقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (مريم/87).

وقوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (الزخرف/86).

إن استنتاج النتيجة الصحيحة من الآيات المذكورة أعلاه والتحقيق في مسألة الشفاعة يحتاج إلى مقدمة هي التالية:

من تعاليم الإسلام السامية المسلَّم بها أن الإنسان لا يجوز له أن يتوكَّل إلا على الله وعليه أن لا يرى في الوجود مؤثراً سواه. ومن الجهة الأخرى لما كانت سعادة الإنسان المادية والمعنوية رهينة بأعماله كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر/38)، فلا بد إذن من التوكل على الله والسعي لاكتساب الأعمال الصالحة ليرتقي بها في درجات الرقي والتكامل:

سـايهء حق بر سـر بنده بود      عاقبت جوينده يابنده بود

أي: اللهُ في عون العبد ومدده معه ومن جَدَّ في طلب الشيء وجده

وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (الإسراء/7).

وقال أيضاً: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة/112).

فالنجاة من الشقاء والمصائب والنكبات لا تكون إلا من خلال العمل الصالح كما أن كل ما يحل بالإنسان من مصائب سببه أعماله السيئة كما قال الله في الحديث القدسي «إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ إِلَيْكُم»(104). ‏

ويقول تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (النساء/123).

ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يجادلون أهل الكتاب ويخاصمونهم ويستدلون عليهم وأن أهل الكتاب كانوا يقولون نحن خير منكم وأعلى شأناً وأقرب إلى الله منكم لأن نبينا وكتابنا كانا قبل نبيكم وكتابكم، وكان المسلمون يردون عليهم قائلين بل نحن أفضل منكم لأن نبينا أفضل الأنبياء وخاتمهم وشرعنا نسخ جميع الشرائع السابقة فنزلت هذه الآية الكريمة.

ومعنى الآية أن ما وعد الله به من ثواب وأجر للمؤمنين لا يُنالُ بأمانيكم ولا آمالكم (فمجرد كوننا أمة خير المرسلين أو شيعة أمير المؤمنين غير كاف) كما أن ذلك الأجر والثواب لا يُنالُ بأماني أهل الكتاب وآمالهم، الذين كانوا يقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى (البقرة/111)، بل يُنالُ بالعلم والعمل الصالح:

بآرزو وهوس بر نيايد اين معنـى  بآب ديده وخون جگر تواند بود

أي: لا يُنالُ ذلك بالتمنِّي والتشهِّي   بل بسكب الدموع وبذل المُهَج

في الحديث الشريف عن حضرة أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا بَنِي هَاشِمٍ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ وَإِنَّ لِي عَمَلِي وَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَمَلَهُ لا تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا وَسَنَدْخُلُ مَدْخَلَهُ فَلا وَاللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَلا مِنْ غَيْرِكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلا الْمُتَّقُونَ، أَلا فَلا أَعْرِفُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَأْتُونَ تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا عَلَى ظُهُورِكُمْ وَيَأْتُونَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ. أَلا إِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَفِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيكُمْ»(105).

لا شك أن الذين أرسلهم الله لتربية الناس عليهم أن يسلكوا هذه الطريقة بأن يدعوا للعمل ويجعلوا السعادة والشقاء نتيجة مباشرة لأعمال الناس.

إذا عرفنا ذلك فلننظر الآن ما هي الشفاعة؟ إن الشفاعة طلب العفو عن ذنب المذنب وفي الاصطلاح الشرعي الشفاعة عبارة عن طلب بعض الصالحين من الله تعالى أن يتجاوز عن معاقبة المذنبين ويعفوَ عنهم.

لقد أوقعت مثل هذه العقيدة ضرراً فادحاً بأهل الأديان، وهي تحريف من صنع وتعاليم الكهنة الذين ابتدعوا هذا المعنى كي يكون لهم شأن بين الناس، وقالوا للناس إنهم يمتلكون مقام الشفاعة هذا.

إن الشفاعة بذلك المفهوم هي الشفاعة الشركية عينها التي كان يعتقد بها المشركون، ومن المعروف لدى العامة والجاهلين من الأمة أنهم يتصوَّرون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام كانوا يقولون – والعياذ بالله –: أيها المذنبون والخطاة أحبونا فقط ونحن سنشفع لكم غداً يوم القيامة!.

إن هذا المعنى يخالف دعوة الأنبياء ويناقض أصول الإسلام ويتنافى مع أصول التربية والتعليم ويلزم عنه أن تصبح بعثة الرسل لغواً وعبثاً. ومَثَلُ ذلك مثل من يقول لطفل: يجب عليك أن تدرس في المدرسة ولكن إذا لم تدرس فلا تخف من المعلم فأنا سآتي وأتوسط لك (كي تنجح)!.

هل يمكن أن نتصور أن يأتي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بنواهي وأوامر من عند الله ويقول لنا عليكم العمل بأوامر الله وترك نواهيه، ولكن إن لم تفعلوا ذلك فلا حرج فسأشفع لكم!.

إن هذا مخالف لتربية الرسل وينافي الهدف من بعثتهم. لقد أبطل الإسلام أيَّ سبب للفوز والفلاح سوى العمل الصالح، أضف إلى ذلك أن الشفاعة بذلك المعنى تتضمَّن شركاً محضاً إضافة إلى أنها تجعل الناس يغترون ويتركون العمل.

أما الشفاعة التي يثبتها الكتاب والسنة فهي الشفاعة التي تتم بإذن الله لأجل شخص موحِّدٍ قد نال رضا الله. وبعبارة أوضح لا بد للمشفوع له أن يكون موحداً وأن لا يؤمن بشركاء لِـلَّهِ وشفعاء بذلك المعنى الذي ذكرناه، عندئذ فقط يأذن الله لنبيه بالشفاعة لهذا الشخص.

سُئل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصَةً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ»(106).

إذن فقد جعل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم تجريد التوحيد أهم سبب لنيل الشفاعة وهذا بالضبط عكس ما يقوله المشركون الذين يزعمون أنهم ينالون الشفاعة عندما يتَّخذون الأنبياء شفعاء وأولياء لهم من دون الله.

وببيان أوضح إن العقيدة الشركية في الشفاعة هي عين الاعتقاد الذي يعتقده العوام اليوم، الذين يقدمون صنوف العبادة للأنبياء والأولياء ويخضعون لهم ويخشعون أمامهم، ويبكون في مجالس عزائهم ويجعلون محبتهم في قلوبهم ثم بعد ذلك يقومون بآلاف الأعمال الفاسدة ويظنون أن الأنبياء والأولياء سيشفعون لهم يوم القيامة! فهذه هي عقيدة المشركين الذين لا يعتمدون على العمل الصالح أبداً.

ومن جهل العوام أنهم يقولون: إذا كنتَ تحبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام وتجعله شفيعك عند الله فإن الله سيرحمك ويعفو عنك، كما يحدث عندما تنشئ علاقة محبَّة وارتباط بينك وبين مقرَّبي مَلِكٍٍ من الملوك وتجعلهم شفعاء لك عنده، فإن هذا سيجعلك موضعاً للطف الملك بك ورحمته لك! ولا يدري هؤلاء العوام الجُهَّال أن الشفاعة دون إذن من الله مستحيلة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ؟ (البقرة/255)، وأنه بعد أن يأذن الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بالشفاعة، فإن هذا الإذن لن يكون إلا بالشفاعة لمن كان الله راضياً عنه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى (الأنبياء/28).

قال الشاعر سعدي:

اگر خداى نباشد زبنده اى خوشنود شفاعت همه پيغمبران ندارد سود

أي: إذا لم يكن الله راضياً عن عَبْدٍ   فلن تنفعه شفاعة جميع الأنبياء

وخلاصة الكلام إنه للنجاة من العقيدة الشركية بشأن الشفاعة لا بد من رعاية ثلاثة أصول:

الأصل الأول: الشفاعة مستحيلة دون إذن من الله.

الأصل الثاني: الله تعالى لا يأذن بالشفاعة إلا بحق شخص هو راضٍ عنه قولاً وعملاً.

الأصل الثالث: إن القول والعمل الذي يرضي الله تعالى هو التوحيد الخالص المنزه من شوائب العقائد الشركية الذي يتابع صاحبه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته السنيَّة. فإذا لم تتحقق تلك الشروط الثلاثة فلن تنفع أحد شفاعة الشافعين. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

في معنى السببية وحقيقتها وخطأ الناس في الأسباب وعدم انتباه المشركين إلى مسبب الأسباب:

لقد خلق الله تبارك وتعالى مخلوقات هذا العالم في غاية الحكمة والإتقان، وجعل بحكمته لكل موجود سبباً لا يمكن لهذا الموجود أن يوجد دون وجود سببه. والمسلم المؤمن بالقرآن لا ينكر الأسباب أبداً لأن القرآن صرَّح بها، كما في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ (البقرة/164).

فلكل شيء سبب ولن ينتظم أمر العالم دون الأسباب: «أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الأُمُورَ إِلا بِأَسْبَابِها»(107)، وهذه هي القاعدة التي بُنِيَت الخليقةُ على أساسها: ﴿.. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر/43).

لكن ثمَّة أمور ينبغي أن نعلمها بشأن الأسباب:

أولاً: إن الأسباب في العالم ليست علةً تامَّةً للمُسَبَّبات ولا هي الفاعلُ الحقيقي لها، فكل ما تراه من الأسباب هو مقتضيات ومُعَدَّات، والفرق بين العلة والمُعدّ أن العلة تمنح الوجود وتعطيه، أي عندما توجد العلة فإن المعلول يوجد بالضرورة والبداهة، كما أنه عند ذهاب العلة وانعدامها ينعدم المعلول تلقائياً، أما الأمر المُـعَدُّ فلا يوجد المعلول بوجوده كما لا ينعدم المعلول بانعدامه، وذلك مثل وجود الأب بالنسبة إلى الابن، فوجود الأب ليس علَّةً تامَّةً لوجود الابن بل لا بد من اجتماع شروط أخرى أيضاً كوجود الأم وسلامة نطفة الأب ورحم الأم وانعدام موانع أخرى ووجود ظروف ملائمة مثل الهواء والماء والمواد الغذائية التي يجب أن تأكلها الأم، فإذا وجدت هذه الشروط، وزالت الموانع، وُجِدَ الولدُ عندئذٍ. إذن الأب ليس علَّةً تامَّةً بل هو سببٌ ومُعَدٌّ وبذهاب الأب لا ينعدم الابن:

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (الواقعة/58).

إن العلة الحقيقيَّة هي الله تعالى وإذا أمسك مدده عن العالم لحظةً عاد العالم فوراً إلى عدمه الأزلي: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ (البقرة/255).

فبناء على ما تقدم ليس السبب المعين مستقلاً في تحصيل المطلوب بل لا بد من ضم أسباب أخرى له، وزوال الموانع، حتى يتحقق المطلوب.

فلا ينبغي على الشخص الموحِّد أن يتصوَّر أن الأسباب مستقلة في التأثير، كما لا يجوز له يعطِّل الأسباب بل عليه أن يأخذ بالأسباب ويتمسك بها, ويتكل في النتائج على مسبِّب الأسباب.

هناك فرقٌ بين تعطيل الأسباب وخلع الأسباب. الموحِّدُ يخلع الأسباب ويعتبر الله تعالى وحده مسبِّبَ الأسباب، ولكنه يأخذ بالأسباب بقدر استطاعته. أما المشرك فعينه على السبب فقط ونسيَ المُسَبِّبِ، ولقد خلق الله تعالى الأسباب بأكمل إتقان إلى درجة خفي فيها مسبِّبُ الأسباب الحقيقي عن أعين الناس.

فما جاء في القرآن الكريم من إثبات الأسباب في بعض الآيات، ونفي الأسباب في بعض الآيات الأخرى، إنما يشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه، من أن الأسباب ليست مستقلَّة.

إن الناس – إضافة لأنواع الشرك التي ابتلوا بها - مبتلون أيضاً بالشرك بالأسباب، ويعتقدون أن كل سبب ضعيف قاضٍ للحاجات:

از سبب سـازيت من سـودائيم         وزسبب سوزيت سوفسطائيم

ديده‌اي خواهم سبب سوراخ‌كن           تا سـببرا بركَنَد از بيخ وبُـن

تا مسـبب بيـنَد اندر لا مكان           هرزه بيند جهد واكساب دكان

از مسبب ميرسد هر خير وشـر         نيست اسباب ووسايط را اثـر

ومعناه:

أنا في حَيْرَةٍ من قولك بالأسباب       كما أنني متعجّبٌ من إلغائك للأسباب

أريد عينا تنفذ من الأسباب إلى المسبِّب وتقتلع تأثير الأسباب من الجذور

كي ترى المُسبِِّبَ في اللامكان وترى الجهد والاكتساب لغوٌ بلا تأثير

كل خير وشرٍّ يأتي من المُسَبِّب ليـس للأسـباب والوسـائط تأثير

ثانياً: هناك بين السبب والمسَبَّب مناسبةٌ وعلاقةٌ خاصةٌّ وليس كل سببٍ يصح أن يكون علَّةً لأيِّ مُسَبَّب. فلا بد من خصوصية وعلاقة بين العلة والمعلول، والسبَب والمُسبَّب, وإذا لم نقل بالخصوصية والمناسبة بين السبب والمسبَّب لزم من ذلك الهرج والمرج في نظام العلل والمعلولات فيصبح أي شيء علة لأي شيء دون مناسبة.

فمثلاً توجد مناسبة بين النار والإحراق فلا يمكن أن تكون النار سبباً للبلل، وبفضل هذه العلاقة بين الموجودات استطاع الإنسان أن يعلم بها ويحقق الحقائق، ولو لم تكن هناك علاقة ومناسبة بين الأشياء لامتنع التعليل والاستدلال. فلا يمكن لشيء أن يكون علة لشيء آخر دون مناسبة وخصوصية، فما لم نجد طريق المناسبة والخصوصية لا يجوز أن نحكم بالسببية.

وهناك طريقان للحكم بسببيّة شيء لشيء:

الطريق الأول: التجربة. مثلاً إذا قمت بتجربة إشعال النار وكرَّرتها فرأيت أنها تحرق غالباً، حكمتَ بأن النار محرقة.

طريقة التجربة هذه طريقة صحيحة، وقد حققت البشرية التقدم والرقي في الماديات من خلال هذه الطريقة.

الطريق الثاني: الوحي. ليس بمقدور التجربة أحياناً أن تكتشف السبب، فهنا لا بد من الاعتماد على الوحي الذي يأتي ويبيّن وجود هذه السببية. مثل سببية الأعمال الصالحة للسعادة الأخروية، وسببيَّة الأعمال السيئة للشقاء الأخروي.

إذن هناك طريقان لكشف السببية: التجربة والوحي.

وكثيراً ما يقع الإنسان في الخطأ في تعيين سببية بعض الأشياء لبعضها الآخر، فيجعل أمراً ما سبباً لأمر آخر مع أنه ليس سبباً له في الواقع، ولا دليل لديه على كونه سبباً لا من تجربة ولا من وحي، وذلك كأن يقول إن العطسة علامة للصبر، وأن عدد الثلاثة عشر سبب للنحس.

والحاصل إن هناك خطآن يقع الناس بهما عادةً في مسألة السببية:

الخطأ الأول: أن يتصور الإنسان أن شيئاً من أسباب العالم علةٌ تامةٌ ولا ينتبه إلى أنه ما لم تتعلق مشيئة الله تعالى بذلك السبب فلا يمكن لأي شيء أن يكون له أي تأثير.

خواجه پندارد كه روزي دِه دهد     او نپندارد كه روزيده دهد

أي: يظن الإنسان أن قَرْيَتَهُ ترزقه    وينسى أن الرزَّاق هو الذي يرزقه

وهنا مكمن لنشأة الشك والإلحاد في الدين: فالمعلِّمون الجهلاء يقولون لأتباعهم إن الدعاء الفلاني أو النذر الفلاني علة تامة لقضاء الحاجة الفلانية، فيؤدي الدعاء أو النذر ولا يحصل على النتيجة المطلوبة، فينشأ الشك وفساد العقيدة في نفسه ويتصور أن الدعاء والنذر ليست سوى أكاذيب ولا أثر لها مطلقاً، ويغفل عن أن الدعاء والنذر ليسا علة تامة بل هما «مُعَد».

الخطأ الثاني: يحصل في فهم السببية والتناسب بين العلة والمعلول، فيظن الناس غافلين أن أي شيء يمكنه أن يكون علة لأي شيء.

وهذا الخطأ علة لنشأة الخرافات: مثلاً يظن البعض أن حوذة (نعل) الفرس سبب لتوسعة الرزق، وأن خاتم العقيق دافعٌ للبلايا، وأن «قِدْر سُكَّر الشعير» شافٍ، وأن الشيء الفلاني علامة للسعد والشيء الآخر علامة للنحس. مثل هذه العقائد إضافة لكونها شرك بالله، سبب لانحطاط العقل وحيرة الفكر، والمسكين الذي يفكر بهذه الطريقة يخاف من كل شيء ويتشبَّث بكل وهم ويتمسَّك دائماً بأسباب وهمية، قد أغلق على نفسه طريق الاستدلال العقلي فصار تائهاً وحيرانَ لا يدري ماذا يفعل وإلى أين يلجأ، تهزُّه كل ريح ويصاحب كل باطل ويعتقد كل يوم بشخص. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة/18).

بدء عبادة الأصنام بين البشر:

إن سبب عبادة الأوثان واتخاذ الأصنام أمران:

الأول: عبادة النجوم كما بيّناه في باب تحريم التنجيم.

والثاني: عبادة الأموات.

 

أما عبادة الأموات فتحاج إلى تقديم مقدمة:

يظهر من طقوس الدفن لدى الأمم القديمة أنهم كانوا يظنون أنهم عندما يدفنون ميتاً فإنهم يدفنون شيئاً حياً معه أيضاً في التراب. فاليونانيون القدماء كانوا إذا دفنوا ميتاً في التراب نادوا روحه باسمه ثلاث مرات ودعوا له بالحياة السعيدة تحت الأرض وقالوا له ثلاثة مرات: «لتكن السعادة معك ولتكن مرتاحاً من كل غم وحزن»، وكانت عقيدتهم ببقاء وجود الإنسان تحت التراب راسخةً إلى درجة تصورهم أن الميت يشعر باللذة والألم في قبره كالأحياء تماماً. (أما تعاليم الإسلام فتقول إن الروح تتعذب أو تتنعم في عالم آخر غير عالم القبر يسمى بعالم البرزخ)، وكانوا يكتبون على القبر هنا «آرامگاه» أي: «مكان الراحة والسكون» لفلان، وانتقلت إلينا هذه العبارة بعد قرون، ولا تزال متداولة بيننا اليوم، كأثر باقٍ من المعتقدات القديمة التي وصلت إلينا، هذا في حين أنه لا يوجد مسلم اليوم يعتقد أن القبر ذاته مكان لراحة وسكون المقبور الأبديين. لقد كانت الشعوب القديمة تعتقد بحياة الإنسان تحت التراب إلى درجة أنها كانت تدفن دائماً مع الميت أشياء مثل الألبسة والأواني وآلات الحرب، لأنها تعتقد أن الأموات يحتاجونها، حتى أنهم كانوا يصبون الخمر على قبر الميت كي لا يعاني من العطش ويضعون على قبره الطعام كي لا يتألم من الجوع، بل كانوا يقطعون رؤوس خيول الميت وغلمانه – أي عبيده – ويدفنونها معه كي تخدمه كما كانت تفعل في حال حياته!.

وانطلاقاً من هذه العقيدة كانوا يعتبرون دفن الأموات واجباً لأن الروح مرتبطة بالجسد وعندما يوضع الجسد في مثواه الترابي فإنه يتمتَّع بحياة جديدة. أما الروح التي ليس لها قبر معيَّن فإنها تبقى تائهةً هائمةً بلا مكان، ورغم شوقها إلى الراحة والسكون الأبديين بعد مشقات الحياة وآلامها، لا تصل أبداً إلى الجسم وتبقى تائهةً على صورة شبح لا يجد الراحة ولا يتمتع بالهدايا والأغذية التي يحتاجها، وهذا ما يجعل هذه الروح في عاقبة الأمر سيئة الأخلاق وشرسة فتبدأ بإيذاء الأحياء وترسل إليهم الأمراض المختلفة وتقوم بإهلاك زروعهم وثمارهم وتخيف الناس لعلها بذلك تدفعهم إلى دفن جسدها وتخليصها من التيه والضياع، وكانوا يعتقدون أنه ما لم يدفن الجسد فإن روحه تبقى شقيةً، فإذا دفن جسدها صارت سعيدة. وكانوا يطلقون على الروح الشريرة لقب الجن والشيطان.

وقد عاقب أهالي أثينا بعض قادة الحروب في المعارك البحرية الذين توانوا عن دفن القتلى واكتفوا برمي أجسادهم في الماء، فأعدموهم، ولا عجب في ذلك لأن أولئك القادة العسكريين كانوا تلاميذ الفلاسفة وكانوا يعتبرون الروح منفصلة ومتميزة عن الجسم، فلما لم يكونوا يعتقدون بالارتباط بين الروح والجسد، لم يكن هناك في نظرهم فرق بين فناء الجسد في الماء أو في التراب لذا كانوا يرمون الجنود القتلى في البحر، أما أهالي اليونان حتى الذين كانوا منهم في أثينا فكانوا لا يزالون متمسكين بعقائدهم القديمة، لذلك كانوا يعدمون مثل أولئك القادة بتهمة الكفر وانعدام الدين، هذا رغم أن فتوحات أولئك القادة حفظت أثينا من ضرر الأعداء، لذا كان أقرباء المقتولين يلبسون الحداد ويطالبون بالانتقام لقتلاهم من ديوان العدل (المحاكم).

في المدن القديمة كان القانون يعاقب أحياناً المجرمين الكبار بحرمانهم من الدفن وطقوسه وكان ذلك من أشد العقوبات لأنهم كانوا بذلك يعاقبون روح المجرم أيضاً التي كان ينتهي بها الأمر بتلك العقوبة إلى العذاب الأبدي.

كان أقدم تصور للإنسان عن الموت هو أن الإنسان يعيش من جديد تحت التراب وروحه لا تبتعد أبداً عن جسده بل تبقى في القبر ذاته الذي دفنت فيه عظام الميت. والإنسان الذي يعيش تحت التراب لا تختلف حياته كثيراً عن حالته الأولى بأن يصبح مثلاً مستغنياً عن الطعام، بل إنه لا يزال يأكل ويشرب لذا كانوا يأخذون للأموات الطعام في أواني خاصة في أيام معينة من السنة!

عبادة الأموات:

لم يمض زمن على تلك العقائد المذكورة حتى ترتبت عليها تكاليف وواجبات جديدة، فلما كان الأموات في نظرهم يحتاجون باستمرار إلى الأكل والشرب، اعتبر الأحياء أن تأمين حاجة الأموات من واجباتهم ومن هنا ظهرت عبادة الأموات.

لقد كان الأموات من جملة المقدسات وكان القدماء يضفون على أمواتهم أفضل الصفات وأعلاها، فكانوا يعتبرون الأموات صالحين ومطهرين وسعداء وكانوا يقدمون لهم كل صنوف التبجيل التي يقدمها البشر لإلـههم المحبوب والقدير، ولم تكن طقوس التبجيل والتعظيم تلك مختصة بالشخصيات الكبيرة بل كانت تشمل جميع الأموات دون فرق.

كان اليونانيون يعتبرون الأموات آلهة تحت الأرض، وكانت معابدهم هي قبور الموتى. وكانت هذه الطريقة رائجة في الهند أيضاً كما كانت رائجةً لدى الرومان واليونانيين، حيث كان الهنود يصنعون لأمواتهم طعاماً يطلقون عليه اسم «سرادها»، وكان على كل صاحب بيت أن يصنع هذا الطعام من الأرز والحليب وجذور الأشجار والفاكهة كي تعطف الأرواح عليه. وكانت الشعوب الأفريقية البدائية مثلها مثل الشعوب القديمة في الهند واليونان، يعتقدون أن أمواتهم آلهة سعيدة ومبتهجة، ولكن سعادتها منوطة بعدم تقصير الأحياء في أعمال البر والخير، وكانوا يعتقدون أنهم إذا لم يعدوا للأموات طعام ال«سرادها»، خرجت أرواحهم من مراقدها وتاهت وصارت سبباً لإيذاء الأحياء، وبالتالي فإلـهية الأرواح كانت أمراً مسلماً به طالما كان الأحياء يؤدون طقوس الدين الرائجة تجاهها. ويبدو أن ديانة عبادة الأموات كانت أقدم أديان البشرية.

كانت معابد الناس في البداية مقتصرة على القبور التي كانوا يؤدون لها أنواع العبادات مثل النذور وذبح وتقديم القرابين وأمثال ذلك ويطلبون بذلك من صاحب القبر قضاءَ حوائجهم وتفريج كُرَبِهِم.

الإسلام وضع أحكاماً لحفظ التوحيد وسدّ باب عبادة القبور:

1- أمر الإسلام بتسطيح القبور. روى الشهيد الأول(108) في كتابه الفقهيّ «الذكرى» روايةً عن أبي الهياج الأسديّ أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال له: «أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي بِهِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ لا تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ وَلا تِمْثَالا إِلا طَمَسْتَهُ»(109).

ويقول الشهيد الأول في «الذكرى»:

«وليكن [أي القبر] مسطَّحاً بإجماعنا. نقله الشيخ [أي الطوسي] لأن رسول الله صلى الله عليه وآله سطَّح قبر ابنه إبراهيم. وقال القاسم بن محمد رأيت قبر النبي n والقبرين [أي قبري الشيخين] عنده مسطحة.. ولأن قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة وهو يدل على أنه أمر متعارف»(110). انتهى.

2- وَعن جابرٍ «نَهَى رسول الله أن يُجصَّصَ القبرُ أو يُبْنَى عليهِ أو أنْ يُقْعَدَ عليه»(111).

3- وفي «من لا يحضره الفقيه» عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: «إِذَا دَخَلْتَ الْمَقَابِرَ فَطَأِ الْقُبُورَ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً اسْتَرْوَحَ إِلَى ذَلِكَ وَمَنْ كَانَ مُنَافِقاً وَجَدَ أَلَمَهُ»(112).

4- وفي «تهذيب الأحكام» «عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى - عليه السلام - عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ وَالجُلُوسِ عَلَيْهِ هَلْ يَصْلُحُ؟ قَالَ: لا يَصْلُحُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَلا الْجُلُوسُ وَلا تَجْصِيصُهُ وَلا تَطْيِينُهُ(113).

5- ولا يجوز تجديد القبر إذا خرب ولا تجصيصه، كما روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «مَنْ جَدَّدَ قبراً أو مَثَّلَ مثالاً، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الإسْلامِ»(114).

ومثله عن حضرة الإمام الصادق عليه السلام: «لا تَبْنُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَوِّرُوا سُقُوفَ الْبُيُوتِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَرِهَ ذَلِكَ.»(115).

6- نهى الإسلام عن العبادة والصلاة إلى القبور، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح وَالمحقق والمسلَّم به لدى جميع أهل الإسلام ولا ينبغي أن يتطرق الشك إلى صحته أبداً أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ تعالى لَعَنَ الْيَهُودَ حِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(116).

كما نقل الشهيد الأول في «الذكرى» عن حضرة الصادق عليه السلام(117) أنه قال: «لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»(118).

وعَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِيهَا فَقَالَ: «أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَلا بَأْسَ بِهَا وَلا تُبْنَى عِنْدَهَا الْمَسَاجِدُ»(119).

وقد أجمَعَ الفقهاء على أن الصلاة نحو القبر أو فوق القبر مكروهة، بل إن «ابن بابويه» يعتبر الصلاةَ إلى القبر محرَّمةً(120). ويقول المحقق الثاني(121) في «جامع المقاصد» إن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي يقولان إن الصلاة في القبور مكروهةٌ مطلقاً حتى ولو كان القبرُ قبرَ الإمام عليه السلام(122).

زيارة قبور المؤمنين:

كانت الأحاديث المذكورة تهدف إلى سد باب الوثنية كي لا يقوم الناس بعبادة القبور. أما زيارة قبور المؤمنين فلا حرج فيها بل الزائر مُثابٌ عند الله كما وردت أحاديث كثيرة في فضل زيارة القبور، خاصة قبر الأب والأم. وفي مثل هذه الزيارة فائدتان: الأولى: النفع الذي يصل إلى الميت وإلى الزائر حيث يسلم الزائر على الميت ويطلب من الله تعالى لصاحب القبر الرحمة والغفران ورفع المنزلة والدرجات، وهذا الدعاء والاستغفار بمنزلة صلاة الجنازة على الميت، فينال الداعي أجرها. وفيما يلي بيان آداب وأحكام الزيارة الشرعية:

علَّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن يقولوا عند زيارتهم القبور: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ دِيَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين(123)‏، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ»(124).

روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه «ما مِنْ أحدٍ يَمُرُّ بقبرِ أخيه المُسْلمِ، كان يعرفه في الدنيا، فيُسَلِّمَ عليه، إلا ردَّ اللهُ عليهِ رُوْحَهُ، حتَّى يَرُدَّ عليه السلامَ»(125)، والله يثيب المؤمن الذي يدعو للميت كما يثيب من يصلي عليه صلاة الجنازة. ولهذا السبب نهى الله عن زيارة قبور المنافقين كما قال سبحانه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (التوبة/84)، وبناء عليه فلا يجوز طلب الحوائج من الموتى عند زيارة قبورهم أو التوسل بهم بل يجب أن نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة ليكون ذلك فيضاً من الزائر لصاحب القبر.

الفائدة الثانية من فوائد زيارة القبور الذكرى والموعظة للزائر الذي يشاهد كيف أنه قد دُفن في هذه المقبرة الشباب اليافع الجميل والرجال العظماء والأغنياء البخلاء والظالمون والعلماء والفلاسفة والسلاطين الذين كان لكل منهم آماله وأمانيه، التي ذهبت معه في قبره، وقد ساوت الأرض بين الغني والفقير والعالم والجاهل والملك والمتسول، فعندما يقع نظره على الأموات ويرى حالتهم الحالية وكيف أن الدنيا ليس لها وفاء لأحد وأن هذه العجوز أصبحت عروساً لآلاف العرسان، يقلّ همّه وغمّه، ويرتاح باله وينسي مشتهياته وتنزل روح السكينة والصبر عليه، ولسان القبور يقول له: أيها الأخ! لا الحاسد يبقى ولا المحسود.

يقول «الخواجة عبد الله»: انظر إلى المقبرة ولا تكن غافلاً كالسكارى، كي ترى كيف ضمت المقابر والمزارات مئات آلاف الراقدين الذين اجتهدوا في حياتهم وسعوا واحترقوا في نار الحرص والشهوات ولبسوا القلانس المرصعة بالمجوهرات وجلسوا على موائد النعم وملؤوا الجرار من الذهب والفضة واحتالوا لجمع المال بشتى الحيل، حتى سرقوا النقود، ثم ماتوا وذهبوا بحسراتهم بعد أن ملؤوا مستودعات بيوتهم، وزرعوا في قلوبهم بذور حب الدنيا، فتركوها في النهاية ورحلوا عنها، وسقاهم ساقي الأجل شراب الموت.

فيا أيها العزيز اخشَ الموت واعمل له قبل أن يحل بك الفوت، وإلا فإن مأواك سيكون جهنم. واعلم أن أهل التراب يلتمسون دعاءك، ويقولون بلسان حالهم: أيها الشباب الغافلون والشيوخ الذين أضاعوا عمرهم هل أنتم مجانين لا تدركون أننا نائمون في التراب؟ قد سترت وجوهَنا الأكفانُ، سرعان ما نسينا أهل الدنيا! نحن أيضاً كُنَّا قبلكم نسير على بساط الدنيا ونسعى إلى النجاح فيها وكانت لنا نشاطاتنا وسرورنا بالدنيا الفانية، ونمنا على أسرة الراحة والهناء، وكنا نسعى نحو الكمال بأقدام الإرادة، حتى ذقنا في النهاية شربة الموت المُرَّة، ولم نر من الدنيا وفاء ولا للحياة بقاء، بل رأينا أنفسنا فجأة قد قذف بها إلى عالم الفناء ونزلت في تراب المحن والعناء، فلم نر من الأهل والعيال رحمة ولا غناء، ولا من المال والمنال نفعاً، وكنا سنقنع بهذه الندامة لو لم تكن أمامنا القيامة.

اليوم لم يعد لدينا دار ولا فراش، ولا مال ولا قماش، ولا وسيلة لخطاب أو نداء، ولا إمكانية لصوت أو كلام، حظنا من الدنيا الحرمان، ولحمنا وجلدنا طعمة للديدان.

واحسرتاه! عندما كانت لدينا إمكانية الفعل والاختيار لم نميز الأمور ولم ندرك الحقيقة فآل أمرنا في النهاية إلى الحيرة والضيق وأسلمنا الروح....

إن لم يكن بكم جنون فلا تبكوا علينا الآن، فكل واحد منا يبكي وينوح ويسكب دموع الحسرة على ما قدمته يداه فهو في ظلمة الندامة التي فوقها ظلمة القبر....

أيها الأعزاء: أقْبِلوا إلى الطريق وانظروا إلى حالنا، لم يعد لنا ذكر ولا لاسمنا خبر، قد تحللت جميع أجسامنا وفسدت أبداننا، وخربت بيوتنا وكسدت متاجرنا، وحل محلنا الآخرون وضاع أيتامنا، قد أكل التراب خدودنا، وذبلت ورود وجوهنا، واختلطت شفاهنا بالتراب، وتساقطت أسنانا في اللحد، وسكتت ألسنتنا عن النطق، وتقطعت أفواهنا، وفسد نظام جميع أعضائنا، وخبت نيران حرصنا، وطار طائر روحنا من رؤوسنا، ونبتت نبتة الحسرة من تربتنا، فنحن في الأرض المظلمة وأنتم في نوم الغفلة، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَلبَاب. انتهى.

وخلاصة الكلام أن في زيارة القبور موعظة كبيرة للإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ألا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ»(126).

كان نهي الرسول الأكرم في البداية بهدف منع الناس عن عبادة القبور، وحفظ حريم التوحيد، فلما انتشر الوعي بين الناس وعرفوا أنه لا يجوز طلب حوائجهم من القبور ولا عبادتها وأصبحوا موحِّدين توحيداً كاملاً، عندئذ أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة القبور وبين لهم الحكمة والغاية من زيارة القبور بأنها تذكرهم بيوم القيامة، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت»(127).

زيارة قبر الرسول الأكرم والأئمة الهادين سلام الله عليهم أجمعين:

وردت أخبار كثيرة في فضل زيارتهم في كتب الفريقين عن المعصومين وأن زيارتهم مليئة بالفوائد في الدارين وأن فيها أسرارٌ كثيرةٌ لا تتسع لذكرها هذه الرسالة وسنذكر خلاصةً عنها فيما يلي:

مثلما كان لزيارة النبي الأكرم والأئمة سلام الله عليهم أجمعين في حال حياتهم أجر كبير للزائرين، فكذلك لزيارتهم بعد وفاتهم ثوابٌ كبيرٌ، كما جاء في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

«ما مِنْ أحدٍ يَمُرُّ بقبرِ أخيه المُسْلمِ، كان يعرفه في الدنيا، فيُسَلِّمَ عليه، إلا ردَّ اللهُ عليهِ رُوْحَهُ، حتَّى يَرُدَّ عليه السلامَ»(128)، فإذا كان الميت المؤمن يرد سلام الزائر فكيف يمكننا أن نتصور أن سلام زائر قبر النبي والأئمة الهادين يبقى بلا جواب منهم(129)، أشْهَدُ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامِي وَتَرُدُّ جَوَابِي.

ومن الفوائد الأخرى لزيارة قبورهم أن تلك البقاع المباركة محل عناية ونظر الله تعالى وموضع تنزُّل رحمته، فدعاء الداعين فيها جدير بسرعة الإجابة خاصَّة عند قبر أبي عبد الله [الحسين بن علي عليهما السلام] وإجابة الدعاء تحت قبَّته.

ومن أسرار زيارة قبور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الهادين سلام الله عليهم أجمعين أنه إذا جاءَ الزائر إلى تلك البقاع المباركة حلَّت في قلبه سلسلة من الفضائل ومكارم الأخلاق، فالزائر يحدِّث نفسه قائلاً: أي تضحيات وخدمات قدَّمها للبشرية أولئك الأجلاء، ويتذكر وهو إلى جوار صاحب القبر تاريخه الوضاء المليء بالفخار، ولا ريب أن هذا التذكُّر والتدبُّر في سيرة صاحب القبر يبعثان في الزائر روح التأسي به ويشعر وكأن صاحب القبر يقول له: لقد كنت موحداً لم أشرك بعبادة الله أحداً ولم أعتبر أحداً سوى الله قاضياً للحاجات ومفرِّجاً للكُرَب، ولم أتوسل بأحد من عباده، وتمسكت بالعفاف والشجاعة والتقوى والتضحية وقول الحق فلم تكن تأخذني في قول كلمة الحق لومة لائم، أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فزيارتك أيها الزائر إنما تكون مقبولة عندما تتأسى بي وتتمثل بالشمائل والصفات الكاملة والملكات الفاضلة. أجل إذا دققنا في الأمر رأينا أن كل بقعة من تلك البقاع المباركة مدرسة تربية وتعليم، وأن لبّ الزيارة هو هذا الأمر بالذات وليس ما يتصوره العوام.

وأنا لما تشرّفت بزيارة روضة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ووفقني الله لزيارة تلك العتبة عظيمة المرتبة، ورأيت نفسي محاذياً للضريح المقدس، هجمت عليَّ سلسلة من الخواطر وأخذت عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمجامع نفسي وكأن تياراً من الكهرباء خرج من القبر فمسَّ قلبي فكأني برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو القرآن بصوته الجميل ولحنه العذب، ومرت أمام ناظري أحداث سيرة هذا الشخص العظيم سريعة كالبرق فتذكرت تلك الأيام التي كان فيها غريباً وحيداً، وتذكرت ظلم أولئك المتوحشين وجرأتهم عليه، وعظيم صبره وحلمه وكرم أخلاقه، فقلبت تلك الخواطر كياني وهزتني، فمهما أردت أن أقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ السَّكينَة، لم ينطلق لساني وأغلق عليّ من جلال الموقف وأخذ قلبي يخفق وعرضت لي أحوال لا أستطيع شرحها، فرأيت الشخص الذي كان مسؤولاً عن القبر الشريف قد انتبه إلى حالي فأخذ بيدي وأقعدني في زاوية وقال: شيخنا تفضَّل.

 وخلاصة الكلام أن لزيارة قبور النبيّ والأئمة خواصاً قلّما يدركها الناس. اللهُمَّ ارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الحَرام، وَزِيَارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ والأئمة الطاهرين، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

سبب نشأة الأصنام وعبادتها:

كما بينا فيما سبق كانت المعابد في بداية الأمر منحصرة بالمقابر ثم بعد ذلك وجدت الأصنام وكانت في الأصل جسد الميت الذي يتم تحنيطه (المومياء) حيث كانت أمعاء الميت وأحشاؤه تُفَرَّغ من جسده ويملأ بطنُهُ بالأدوية والمواد مثل الكمُّون والمسك والعنبر والكافور والقصب الهندي والصندل، ليحفظوه من التحلل والتفسخ، كما كانوا يضعون مكان عينية حجرتين لامعتين كالياقوت، ثم لما رأوا أن التحنيط لا يحفظ الميت تماماً من البِلَى، قاموا بنحت تمثال للميت من الحجر أو الخشب، أو نحتوا على تابوته أو على قبره صورة له وأخذوا بعبادتها، وقد أخبر الله تعالى عن هذا الأمر في القرآن فقال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (نوح/23). أي قال سدنة المعابد وكهنتها للعوام والسفلة لا تتركوا عبادة آلهتكم ولا تتخلَّوْا عن وُدّ وسُوَاع ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر، وقد ذكر المحققون من السلف أن هذه الأسماء كانت أسماء خمسة رجال صالحين كانوا قبل نوح عليه السلام وكان الناس يجلونهم غاية الإجلال ويحبونهم وقاموا بعد موتهم بنحت تماثيل على صورهم من الأخشاب أو الأحجار فكانوا يعظِّمُونها ثم بمرور الزمن أصبحوا يعبدونها(130).

فتبيَّن من هذه الآية الكريمة أن مبدأ عبادة الأصنام كان عبادة الأموات.

عبادة الأحجار:

لما كانت آراء وعقائد الشعوب البدائية المتوحشة غير مبنية على المنطق والبرهان بل كان يعملون بكل ما يخطر على أذهانهم ثم يلتزمون به ردحاً من الزمن حتى يصبح ديناً وعقيدةً لهم، وكانت هذه العقيدة ترسخ فيهم إلى درجة أنهم حتى لو شاهدوا ما يخالفها ويدلُّ على بطلانها ما كانوا يستطيعون أن يرجعوا عنها، ومع مرور الزمن كان تكرارهم لأعمالهم وطقوسهم تلك - المبنية على الأوهام - يتَّخذ صفة القداسة.

كما رأينا كان الإنسان البدائي يعبد الميت ويقدم له الطعام وربما دفن الميت في منزله لكي يعبده، ولما كانوا يغطون القبر بحجرة ويضعون فوقها الأطعمة تحولت هذه الحجرة مع الزمن إلى شيء مقدس وأصبح أقرباء الميت يظنون أن لتلك الحجرة خصوصية ونسوا أن الحجرة إنما تقدست بسبب مجاورتها للميت، فجعلوا التقدس للحجرة ذاتها ومن هنا نشأت عبادة الأحجار فكانت اللات ومناة حجرين يعبدها العرب.

عبادة الأشجار:

تعود عبادة الأشجار في أصلها إلى عبادة القبور، حيث أنه لما كان الإنسان البدائي لا علم له بالزراعة كان معاشه منحصراً في صيد الأسماك والحيوانات ولم يكن يعلم بأن للأشجار والزروع بذوراً. ومن الجهة الأخرى كان البدائيون يعتقدون أن الميت يجوع في قبره فكانوا يضعون على قبره الفاكهة والحبوب، فكانت تلك الحبوب تخضرُّ بعد مدَّة وتنمو فكانوا يفسرون ذلك بأن روح الميت راضية عنهم وأنها أثابتهم على تجليلهم لها بهذه الشجرة التي نمت على قبرهم وأثمارها، لذا أصبحوا يقدسونها فكان هذا مبدأ تقديس الأشجار وعبادتها.

تحريم نحت التماثيل والرسم حمايةً للتوحيد:

من المهن والأعمال التي نهى عنها الإسلام نحت التماثيل والرسم، والأحاديث التي ذكرت في الفصل الماضي شاهدة على هذا المدعى، مثل حديث: «..وَلا تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَهُ..»(131) أو حديث «مَنْ مَثَّلَ مِثَالاً فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإسْلام‏»(132)، وكذلك مثل حديث: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ»(133).

وسبب النهي عن هذه الأعمال أن عبادة الأصنام والأوثان كان مبدؤها – كما بينا – عبادة الأموات، حيث كانوا يحنطون الموتى (المومياء)، كي تبقى أجسادهم مدَّةً من الزمن فيقومون بعبادتها، ولما رأوا أن التحنيط لا يحفظ جسد الميت بشكل دائم قاموا بنحت أحجار على شكل الميت أو رسموا صورته على الصخر وبعد ذلك عبدوا تلك التماثيل أو الأحجار وتبركوا بها. وكما مر معنا في بيان عقائد الصابئة كانوا ينحتون صوراً وتماثيل للروحانيات والكواكب ويعبدونها.

لذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صناعة التماثيل ورسم الصور حمايةً للتوحيد وحفظاً لتوحيد العبادة وسداً لباب عبادة الأصنام والأوثان، فحرمة تلك الأعمال ليست ذاتية وإنما حُرِّمَت صيانةً لوحدانية العبادة.

والعجيب أننا معشر أمة التوحيد نرحب بجميع أعمال عباد الأصنام، ولا نراعي في ذلك ما بذله الإسلام من أتعاب ومشقات في هذا المجال، متناسين فطرتنا التوحيدية ومتخلين عن شرف وافتخار توحيد العبادة فأصبحنا نرى لكل حجرة وشجرة منزلةً ومكانةً تقرّبنا إلى الله وأصبحنا ننذر النذور لـ «النخل» - الذي هو صنم صنعناه على شكل جنازة مهيبة – وللـ «علامة»(134) - التي على شكل صليب النصارى – وعظَّمنا كل صورة مزوَّرة تُنسَب لأئمة الدين، ونتيجة ذلك أننا اتخذنا حقائق الدين ظهريَّا، هذا مع أن تصوير حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وملامح الأئمة الكرام وتعظيمها والتبرك بها حرام، ومقصود الشارع من تحريم النحت والتصوير هو منع الوقوع في مثل هذه الأمور.

ولكن مع شديد الأسف فإن كثيراً من الناس يتبرَّكون بكلّ صورة مُتخَيَّلة مخترعة تُنسب لأحد أئمة الدين حتى أن بعض الناس يعلقون مثل هذه الصور في غرف بيوتهم ويعاملونها بكل إجلال وأدب. ومثل هذه الأمور إضافة إلى كونها من عبادة التماثيل ليس فيها أي فائدة في حين أنهم لو علَّقوا بدلاً من تلك الصور بعض آيات القرآن أو بعض الحكم والمواعظ أو أقوال أئمة الإسلام لكان ذلك أنفع بكثير إذ يستفيد كل من يقرأها شيئاً من الفضائل الأخلاقية.

فما هو الفرق بيننا وبين الوثنيين والنصارى؟ الوثنيون يتبرَّكون بالأخشاب والأحجار، ونحن نتبرَّك بمجسَّمة «النخل» ومجسَّمة «موطئ القدم» وأمثالها، والنصارى يتبرَّكون بصورة المسيح ومريم ونحن نتبرَّك بالصور المزوَّرة لأئمَّة الدين!.

والعجيب أن كل رسام يرسم صورة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى حسب تخيله، فمرة يرسمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكل شاب وسيم، وأخرى يرسمونه بشكل درويش من دراويش الصوفية، ومرة بشكل عربي بدوي، وتارةً بشكل شيخ زاهد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بقية الأئمة، والغرابة المخزية الأخرى التي تدل على الحماقة والجهل والفاضحة للجميع أنهم يرسمون سيف ذي الفقار الذي بيد عليٍّ (ع) على شكل سيف ذي رأسين ولا يفهمون ما هي فائدة السيف ذي الرأسين وهل له أثر في الحرب؟! وكيف يمكن لمثل هذا السيف أن يُدخل في غمده. (كان ذو الفقار سيف العاص بن منبِّه الذي قُتل يوم بدر فأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفه لعليٍّ ومعنى: «ذو الفقار» السيف الذي في شفرته حزوز شبهت بفقار الظهر).

يا رب! إن هؤلاء الناس لم يعرفوا سيف علي فكيف يعرفونك ويعرفون حال النبي وأئمة الإسلام ويدركون حقائق الدين؟!

يا رب! هؤلاء القوم الذين لا علم لهم بالتوحيد ولم يعرفوا النبي ولا عليا ولا الأئمة الهداة حق المعرفة، هل سيأتي عليهم يوم يعرفون فيه القرآن وسنَّة الرسول ويفهمون القرآن حق الفهم ويتمثلون أخلاق الإنسانية وآدابها.

وخلاصة الكلام، لقد نهى خاتم النبيين عن رسم الصور على الستائر ونحت التماثيل والمجسمات التي تُعظَّم وتُبَجَّل لأن ذلك من شأنه أن يزلزل أركان التوحيد، وأن يبعد الناس عن طريق عبادة الله وحده، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

التوحيد مبدأ الفضائل:

قال الله تعالى: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي»(135).

إذا طالعتم صفحات هذا الكتاب بدقة أدركتم أن حقيقة التوحيد وإفراد الله بالعبادة هي الإعراض عن غير الله والابتعاد عن غيره سبحانه، وأدركتم أن لب التوحيد هو عدم تقديم أي صنف من صنوف العبادة مثل طلب الحوائج وذبح القرابين والسجود والركوع لغير الله وفهمتم أن التوحيد دقيق إلى درجة أنه لا ينبغي أن يعتقد الموحِّدُ أن للأيام سعداً أو نحساً، وأن لا يتوسَّل إلى الله تعالى بأي شيء سوى بالعلم (الإيمان) والعمل الصالح، وزبدة الكلام أن التوحيد هو التفطن إلى حقيقة كلمة «لا إِلَهَ إِلا الله».

إن مسلمي هذا الزمن لم يعد بينهم وبين مشركي الجاهلية فرق كبير سوى أن مشركي عصر النبيّ كانوا أهل علم باللسان العربي ويدركون جيداً معنى ومفهوم كلمة «لا إِلَهَ إِلا الله»، أما المشركين من أهل اللغة الفارسية فإنهم لعدم معرفتهم باللغة العربية لا يفهمون المعنى الحقيقي لكلمة «لا إِلَهَ إِلا الله»، والدليل على ما نقول أن عرب زمن الجاهلية لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم: «قولوا لا إِلَهَ إِلا الله تفلحوا» كانوا يفهمون أن تصديقهم بهذه الكلمة يوجب عليهم أن يبتعدوا عمَّا سوى الله وأن لا يطوفوا حول أصنامهم وأن لا يعبدوا الملائكة، وأن لا يعتبروا عيسى ابن الله ولا قاضياً للحاجات، وأن لا يعتبروا مريم باب الحوائج، وأن يقروا بأن سعد الكواكب ونحسها عقيدة باطلة، وفي النهاية أن تلك الكلمة يلزم عنها أن ينبذوا الأصنام، ويحطموا تلك الأحجار التي كانوا يذبحون عندها ويقدِّسونها وأن يحرقوا تلك الأشجار التي كانوا ينذرون لها النذور وينحرون لها القرابين، وأن يعرضوا عن الأحبار والرهبان الذين كانوا يعتبرون أن التذلل والخضوع لهم يقربهم من الله زلفى، وأن يكفروا بالطاغوت الذي كان يمثله الكهنة وسدنة معابد الأصنام، وباختصار كان عليهم أن لا يعتبروا أحداً سوى خالق العالم مؤثراً في هذا الوجود. ومن البديهي أنه كان لكل من تلك الأصنام والأحجار سدنة يستفيدون من عبادة الناس لها ويسترزقون مما يقدمه الناس لها من نذور وصدقات. فكانت عزتهم مرتبطة بتلك الأصنام فإذا زالت انقطع خبزهم وذهبت مكانتهم وانهدمت حياتهم وصاروا إلى شقاء، لذا لا عجب أن يرفضوا قول كلمة التوحيد تلك وأن يكذّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم رغم أن الرسول الأكرم كان يقول لهم: «أمرت أن أقاتلكم حتى تقولوا لا إله إلا الله».

في الواقع لقد كان التصديق بتلك الكلمة معناه اقتلاع الخرافات وانهدام معابد الأصنام وزوال الأوهام وجميع العقائد الشركية لذا ما كان المشركون مستعدين لتحمّل هذا المعنى فكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص/5).

لقد كان أهل الجاهلية فريقين: فريق من العوام الذين لم يكن لهم في أي زمن رأي ولا تفكير بل هم همج رعاع أتباع كل ناعق، تحرّكهم كل ريح ويؤثر عليهم كل كاهن ودجال. والفريق الآخر الكهنة وسدنة معابد الأصنام وأحبار اليهود والنصارى وهؤلاء كانوا دائماً وفي كل عصر وزمان يستفيدون من جهل الناس وأوهامهم ويسترزقون من ضعف الجماهير وجهلهم ويعيشون على حساب عرقهم ودمائهم.

وقد أطلق ابن رشد القرطبي على هذا الفريق الثاني اسم "الجناة على العقول" وقال: إن الناس يحصرون المجرمين بالسارقين والقتلة والسلاطين المتجبّرين مع أن جرم هؤلاء قليل بالنسبة إلى جرم ذلك الفريق. فهؤلاء المجرمين يجرمون بحق أموال الناس وأبدانهم في زمنهم فقط, أما جناية علماء السوء فهي بحق عقول الناس وأرواحهم حيث يملؤون أذهان الناس بالعقائد الباطلة والآراء السخيفة وينحطون بهم عن مرتبة الإنسانية وهذا الجهل والحماقة والتيه إذا استحكمت في الناس وضربت جذورها في نفوسهم انتقلت عنهم إلى أولادهم وورثها عنهم ذريتهم فلم ينحصر تأثيرها السيئ في قرنهم بل امتد إلى قرون متمادية.

إن هذا الفريق من الكهنة وسدنة معابد الأصنام عارضوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعادَوهُ عَدَاوَةً شديدةً ولم يكن ذلك لإيمانهم بعقيدتهم، إذ كانوا يعلمون أن هذه الأصنام ليست لا قاضية للحاجات ولا كاشفة للكُرَب، ولكنهم عادوه لأنه رأوا في دعوته تهديداً لمنزلتهم وجاههم ورزقهم الذي ارتبط بهذه الأصنام والخرافات والأوهام، فكانت حربهم للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الواقع حرباً اقتصادية لا حرباً دينيةً.

لقد بدأ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة سدنة الأصنام والكهنة إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وأتم عليهم الحجة لأنه كان يعلم أنه طالما كان هذا الفريق من الكهنة يستفيدون من عوام الناس فإنهم لن يصدّقوا بالنبي لأن تصديقهم بدعوته معناه تكذيبهم لأنفسهم والقضاء على حياتهم المادية ورئاستهم الروحية (الدينية)، ولهذا السبب كان هذا الفريق يلجأ إلى اتِّهام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والافتراء عليه.

ولما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يستطيع أن يبعد الكهنة وسدنة الأصنام عن عامة الناس, اتجه إلى تربية الجماهير وبذل في هذا الطريق جهوداً جبارةً واهتم بشكل خاص بالشباب. وكان سيد الشباب أمير المؤمنين علي (ع) أول مؤمن بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبدأت دعوت التوحيد تؤثر في نفوس الناس شيئاً فشيئاً. وبعد مجاهدات كبيرة تمكن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الأمر من رفع علم التوحيد فوق الكعبة وحطم الأصنام وهدم معابدها ووضع على رؤوس المسلمين تاج التوحيد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء/81). وبعد إيمانهم بكلمة «لا إِلَهَ إِلا الله» تحول أولئك الذي كانوا يعبدون الأصنام ويجعلون للأيام سعداً ونحساً ويخافون من كل شيء ويتوسَّلون بكل شيء ويطلبون منها الحوائج، والذين كانت حياتهم تموج بالفوضى والاضطراب يقاتلون بعضهم بعضاً, تحولوا إلى أمة تتمثل بجميع الفضائل الأخلاقية.

فكيف لا تكون كلمة «لا إِلَهَ إِلا الله» مبدأً للفضائل؟ إن الشخص الذي لا يرى لأحدٍ سوى الله الرحمن الرحيم تأثيراً في الوجود سيكون بالتأكيد شخصاً شجاعاً لأن اعتماده ليس إلا على الله خالق العالم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس/62), وهم لا يخافون من الموت بل يحبونه لأنهم سينالون بالموت لقاء ربهم، وسيصلون إلى السعادة الكبرى ويرتاحون من عذاب الدنيا وآلامها.

وكيف لا يكون التصديق بالكلمة الطيبة منشأً لسخاء النفس؟ فالذي يعبد الرب القدير وحده ويعتبره القادر المطلق ينفق في سبيله ولا يخشى الفقر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً (البقرة/268).

وكيف لا يكون التوحيد منشأ للعفة، والحال أن الموحد يؤمن أن الله مطلع على كل خفيٍّ وظاهر عالمٌ بكلِّ صغيرة وكبيرة: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا (الأنعام/59)، و﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (البقرة/255)، فالموحد عفيف طاهر لأنه يعلم أن الله مطَّلعٌ على ضمائر القلوب وأعمال الجوارح وأقرب للإنسان من حبل الوريد، ويعلم أن الله حكيم وعادل، ويؤمن أن المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة بيده تعالى وبالتالي يعيش المؤمن في أكمل درجات العفَّة والطهارة ولا يسمح لنفسه أن تتخطَّى حدود الأخلاق.

وإذا استقرت العفة والشجاعة والسخاء في نفس الموحد ورسخت، استقام عقله ولزمت نفسه التقوى فميَّز بين الحق والباطل كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا (الأنفال/29).

إذن عرفنا أن كلمة «لا إِلَهَ إِلا الله» كما أنها ترتقي بالعقل وتقتلع شجرة الخرافات والأوهام من جذورها، كذلك ترسِّخ في النفس جميع الفضائل. فكلمة التوحيد الطيبة أصل الفلاح والنجاح ومبدأ كتاب التعليم والتربية ومرقى البشرية. وعلى العكس من ذلك الشرك منشأ للرذائل وسبب لضعف العقل والإرادة والانحطاط عن مرتبة الإنسانية. إن المشركَ دائمُ التقلب مبتلىً بالوساوس، لاجئٌ إلى كل شيء خائفٌ من كل شيء، وباختصار لا يستند إلى مركزٍ وثيق, وليس لديه قاعدة متقنة، فهو بعيد عن التقوى منحرف العقل لا يمكنه تصديق الكلام الحق, وهو ألعوبة بيد الحوادث وبيد الدجالين لأنه لا يلتجأ إلى ركن مكين ولا يتمسك بالعروة الوثقى: «لا إِلَهَ إِلا الله»، فكل ريح تهزه وكل شيء يخيفه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (الحج/31). وكلمات هذه الآية من التشبيهات المركبة، أي أن كل من ينحط من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك وعبادة غير الله، فإن أهواء النفس تجعله مضطرباً حائراً، ورياح الضلالة والوساوس الشيطانية تطيح به في أودية الشقاء والتيه والضياع وتودي به إلى الهلاك.

وبالطبع من كان فكره مشوشاً دائماً لن يكون عمله صالحاً لأن الفكر مبدأ العمل. ومن لم يملك معياراً وميزاناً للأعمال، ارتكب الأعمال السيئة، وحتى إذا عرف ذلك من نفسه وأراد إصلاح عمله ضلَّ الطريق إلى ذلك لأنه يتوسل بأسباب لا تنفعه أبداً في إصلاح عمله، فمثلاً تراه يرتكب الفاحشة، ثم يظن أنه يصلح عمله بالتوسل بالأموات والذبح وتقديم القرابين للأوثان والسجود لغير الله، أو تراه إذا أكل مال الناس بالحرام، يظن أن إصلاح ذلك يكون بأن يدفع شيئاً من ماله للكاهن أو لمتولي الصنم، وإذا أكل الربا توسل إلى إصلاح عمله بمبادلته ببضع غرامات من سكر النبات! وظن أن هذا سيطهره من إثمه.

إذا تأملنا حال الناس جيداً أدركنا أن سبب فسادهم هو هذا الشرك بالذات. إن الانحطاط الأخلاقي لمجتمعنا سببه توسل الناس بغير الله، وسبب انتشار الرذائل في مجتمعنا عدم معرفة الله.

إن الله يقول: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي».

خلاصة الكلام أن المؤمن بـ «لا إِلَهَ إِلا الله» يشعر في نفسه بآداب عظيمة، ويجد في ذاته أخلاقاً فاضلة، رغم أنه لا يفهم مصطلح الفضيلة، إنه شجاع عفيف حكيم عادل وسخي رغم أنه لا يعرف تعريف تلك الصفات.

إن الحرية التي هي أمنية الناس والتي يتحدث عنها الفلاسفة مختصَّةٌ بالموحِّد. الموحِّد متحرِّرٌ من الغضب والشهوة لأنه عبدٌ لِـلَّهِ وليس عبداً لغضبه وشهواته. والموحِّدُ متحرِّرٌ من الأوهام لأنه اجتثَّ شجرة الأوهام بفأس التوحيد. والموحِّدُ ألقى عن كاهله ثقل سعد ونحس الأيام وعبادة الأحجار والأشجار، وعبودية العباد فهو لا يسمح لأحد أن يركب على ظهره فهو حرٌّ وليس حماراً مركوباً وهو باصطلاح الفلاسفة صاحب حكمة وحرية.

إن المجتمع الذي يتشكل من هذا النمط من الأفراد الموحدين أو يشكل أكثريته هذا النمط من الناس، هو المدينة الفاضلة ذاتها التي بُعث الأنبياء لبنائها وكانت أمنية فلاسفة العالم. ومن الواضح أن مثل هذا المجتمع لا يعرف الشقاء بل يرفل في السعادة والهناء.

أيها المسلم! استيقظ من نوم الغفلة، وألقِ عن كاهلك حِملَ الشرك والخرافات وتحرَّر كي تفلح وتسعد: «قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا»، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

في بيان سبب نشأة الشرك والخرافات بين المسلمين

لما ساد الإسلام على معظم مناطق المعمورة بفضل منطقه الصحيح وبرهانه القوي وضم كثيراً من الأمم تحت سلطانه وحكمه فانمحى سلطانها وذهبت عظمتها أمام عظمة الإسلام، كان من الطبيعي أن تتولَّد في قلوب بعض أبناء تلك الأمم عداوة وبغضاء تجاه الإسلام، فكانوا يتحينون الفرصة للهجوم على هذا الدين، ولكن لما كان الإسلام قوياً عظيم الشوكة لم يكن في مقدورهم أن يحاربوه بالسيف، فلجؤوا إلى الحيلة والمكر فتظاهروا بمحبة الإسلام وعملوا في الباطن على تخريبه من الداخل، وشكلوا ما يُسَمَّى بحزب المنافقين الذين كان رأس سلسلتهم «عبد الله بن أبي» الذي كان رأس النفاق زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد دبَّر المنافقون حيلةً ومكراً لمحاربة الإسلام تمثلت في أن يدسوا في تعاليمه أقاويل فاسدة وخرافات وأباطيل مما كان بعضه في بعض الأديان الباطلة، وبعضه اخترعوه من عند أنفسهم، ونسبوه للساحة المقدسة لشارع الإسلام.

لقد أخذ هذا الفريق من المنافقين ثقافة الإسلام بأيديهم: فبدأ جماعة منهم يعملون عملهم التخريبي تحت اسم رواة الحديث مثل «كعب الأحبار» اليهودي، في حين عمل آخرون منهم كمفسرين للقرآن، وآخرون باسم الوعاظ، وبعضهم باسم فقهاء الإسلام، وبعضهم عمل عمله التخريبي باسم المؤرخ، فكان جميع هؤلاء مسلحين بسلاح علوم التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وحملوا على الإسلام حملةً عنيفة، ونسبوا إليه كلاماً بشعاً وغير معقول وفعلوا ما لا ينبغي أن يفعلوه.

لقد كان الهدف الأساسي للمنافقين أن يصوروا الإسلام بصورة منكرة غير معقولة ونجحوا إلى حد ما في مسعاهم هذا، وأفقدوا الإسلام ذلك التميُّز الذي كان له على سائر الأديان.

كان الإسلام دين العقل والمنطق والفطرة. كان الإسلام دين التوحيد وعبادة الله وحده وإسقاط جميع الأوثان والأصنام. كان الإسلام دين الفضيلة والأخلاق، ودين الصبر والشجاعة، ودين العلم والعمل الصالح. كان الإسلام شريعة الإنسانية. لقد منح الإسلام البشرية حرية النفس والعلم والعقل. لقد أنقذ الإسلام البشرية من ربقة الكهنة، ونفى الواسطة بين الخلق والخالق. وألغى الإسلام عبادة القبور والأحجار والعبودية لغير الله. وحينما كان أيُّ شخصٍ يُسلم ويعتصم بالقرآن لم يكن بحاجة إلى واسطة بينه وبين الله. وحرّم الإسلام التقليد الأعمى، ونهى عن العمل بالظن.

من المسلَّم به أن هذه التعاليم العالية والرفيعة تغلق أبواب الحوانيت التي يتكسب بها الدجالون باسم الدين، وتسد باب الانتفاع من الدين عليهم. فلا عجب أن يسعى أولئك المنافقون والدجالون إلى المحافظة على منزلتهم الدينية السابقة بين الناس، فيخترعوا في مواجهة كل هدف ومقصد من أهداف الإسلام ومقاصده أحاديث تناقض تلك الأهداف والمقاصد وينشروها في أمة الإسلام وبين المسلمين. ومن هذا الطريق دخلت إلى الإسلام مقالات لليهود والنصارى والصابئين والمجوس، لو أردنا الحديث عنها بالتفصيل لاحتجنا إلى كتاب ضخم.

وهكذا اختلطت أهداف الإسلام وحقائق الدين بتعاليم الأديان الباطلة إلى درجة اضمحلَّ معها التميُّز الجوهري للإسلام عن سائر الأديان، وتشوهت الصورة الحقيقية الناصعة لهذا الدين.

اليوم إذا تأملنا وضع المسلمين جيداً لم نجد بينهم وبين أتباع الملل والأديان الباطلة فرقاً كبيراً في العقائد والأعمال:

 فالصابئون يقدِّسون الكواكب ويؤمنون أنَّ للأيام سعداً ونحساً. وتوجد هذه العقيدة أيضاً بين بعض المسلمين بنحوٍ أشدّ، حيث يدونون كل سنة تقاويم تُعيِّن سعدَ ونحسَ الأيام وينشرونها بين المسلمين وهي إذا دقَّقْنا فيها بمثابة رسالة عملية فقهية لفرقة الصابئين.

والنصارى يطلبون حوائجهم من المسيح (ع) ومريم (ع). والمسلمون أيضاً يطلبون حوائجهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأئمة سلام الله عليهم ومن الأولياء.

واليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً. والمسلمون أيضاَ اتخذوا الأولياء والشيوخ المرشدين أرباباً.

 والمشركون ذبحوا القرابين لغير الله، والمسلمون أيضاً يذبحون القرابين للصالحين من أولاد الأئمة.

المشركون عبدوا الشجر والحجر، والمسلمون أيضاً تبركوا بالأشجار والأحجار.

وأما عدوان المنافقين الآخر على الإسلام الذي يستحق أن يبكي له المسلم دماً فهو نسبتهم أحاديث وأقوال ركيكة ولا معقولة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الهادين عليهم السلام كي يخرج من الإسلام كل من له أدنى عقل. وفي هذه العداوة بلغوا مبلغاً شوَّهُوا به دين الإسلام وصوَّروه بصورة دين مليء بالخرافات والأباطيل بحيث أن كل من تمتَّع بالرشد وحُسن التمييز سيرفض هذا الإسلام حتماً من أول نظرة يلقيها عليه. وذلك كنسبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد الأنبياء والماء سيد المشروبات والباذنجان سيد الخضرواتَ. وكتبوا في الكتب في خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من خصائصه أن أي امرأة نظر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعجبته حَرُمَت على زوجها! وكتبوا في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لمَّا ولد رضع الحليب من صدر أبي طالب مدة سبعة أيام فكان بذلك أخا عليٍّ من الرضاعة!(136). ونسبوا إلى النبي أنه قال إن الأرض على قرن ثور والثور على ظهر حوت يسبح في البحر فكلما هز الثور رأسه وقعت الزلازل في الأرض(137).

كما افتروا على الأئمة الطاهرين افتراءات كثيرة كقولهم مثلاً إن الإمام الصادق قال إن حمرة السماء في بداية الليل التي يطلق عليها اسم الشفق هي دم عليٍ الأصغر ابن الحسين.

وأكثر هذه الأكاذيب فضيحةً كتاب يسمى «ضياء عيون الناظرين» أُلِّفَ زمن الصفويين, وقد وُضِعَ متنه في مقدِّمَة بعض المصاحف المطبوعة في طهران, وكله كفر ومخالفة لتعاليم القرآن ومناقضة لأسس الإسلام, فمما تضمنه خواص نقش خاتم النبوة والنعل المبارك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشكال ورسوم من موضوعات اليهود, ونقلوا خواصاً عجيبة وغريبة لهذه الأشكال والرسومات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين مما يجلب العار للإسلام والمسلمين, فمن ذلك روايتهم عن أمير المؤمنين (ع) في بيان خواص أحد تلك النقوش أنه قال: إن كل من نظر إلى هذا النقش المكرَّم مَرَّةً غُفِرت له ذنوب سبعين عاماً وإذا نظر إليه مَرَّتين عفا الله الكريم عن جرائم أبيه وأمه وغفرها لهما بكرمه، ومن نظر إليه ثلاث مرات غفر الله الغفار الغني ذنوب كل أمة صاحب الرسالة!.

إذا تأملنا جيداً أدركنا أن الذي وضع هذا الحديث عدوٌّ للدين ولأمير المؤمنين، فكل من كان لديه مثقال ذرة من عقل يضحك من هذا الحديث, إذْ ما هي المناسبة بين نظر شخص ثلاث مرات إلى نقشٍ أو رسمٍ وغفران الله لذنوب الأمة المرحومة؟!

وفيه أيضاً طلسم ونقشٌ آخر رووا عن أمير المؤمنين في فضله خبراً يقول إن كل من نظر بعد صلاة الفجر إلى هذا النقش كان كمن حجَّ خمسين حجة مثل حجة آدم ومن نظر إليه بعد صلاة الظهر كان كمن حجَّ ثلاثمئة حجة كحج إبراهيم ومن نظر إليه بعد صلاة العصر كان كمن حجَّ سبعمائة حجة كحج يونس ومن نظر إليه بعد صلاة المغرب كان كمن حجَّ ألف حجة كحج موسى ومن نظر إليه بعد صلاة العشاء كان كمن حجَّ ألف حجة كحج خاتم النبيين!. ويوجد كثير من أمثال هذه الترَّهات والأوهام والكفريات في ذلك الكتاب، وسبحان الله! ما معنى أن ينظر شخص جاهل فاسق إلى شكل أو رسم فيثيبه الله ثواب من حج ألف حجة كحج سيد الأنبياء؟!!

وهناك الكثير جداً من أمثال هذه الأخبار الموضوعة والمكذوبة الكاشفة عن كفر رواتها وعداوتهم للإسلام مما لو أردنا أن نتكلَّم عنه لاحتجنا إلى مجلَّدات ضخام، مما يستحي الإنسان من نقله. ومن الواضح تماماً والبديهي أن هدف واضعي تلك الأحاديث لم يكن سوى الاستهزاء بالقرآن وبشريعة سيد المرسلين:﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (البقرة/15).

فإذا عرفنا ذلك فهل يبقى عاقل في دين الإسلام إذا رأى هذه الأخبار الخرافية والعقائد الفاسدة والأعمال الرذيلة؟

أيها المسلمون! افتحوا أعينكم واستيقظوا من نوم الغفلة؟ واعرفوا دين الإسلام الحقيقي وفرِّقوا بين الحق والباطل كي لا يزول الإسلام وكي يعود الإسلام إلى صفائه الأولي.

لماذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً؟ لأنه قد أصبح ديناً مليئاً بالأوهام والخرافات ولم يبقَ له من الإسلام الحقيقي إلا الاسم؟ فكيف يتوصّل الناس إلى حقيقة الإسلام؟ وكيف يتعرّف الناس على حقائق الدين وشريعة سيد المرسلين مع وجود هؤلاء الدجالين وقطاع طريق الهداية في الإسلام الذين هم من أكبر حماة الخرافات والمروجين لها؟

إن طريق النجاة هو اللجوء إلى كتاب الله وسنة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.

إذا تمسك المسلمون بهذين المشعلين النَّـيِّرَيْن أمكنهم أن يجتازوا صحراء الطبيعة المظلمة ويصلوا إلى منازل السعادة، وإلا فسيبقون فريسةً للدجالين وستكون عاقبتهم الهلاك. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ. وأختم كتابي بهذا الدعاء الشريف من الصحيفة الملكوتية السجادية(138):

«وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوَاتِمِ الْخَيْرِ:

 يَا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ طَاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطِيعِينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْرٍ، وَأَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْرٍ، وَجَوَارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَةٍ. فَإِنْ قَدَّرْتَ لَنَا فَرَاغاً مِنْ شُغْلٍ فَاجْعَلْهُ فَرَاغَ سَلامَةٍ لا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ، وَلا تَلْحَقُنَا فِيهِ سَأْمَةٌ، حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَّابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ ذِكْرِ سَيِّئَاتِنَا، وَيَتَوَلَّى كُتَّابُ الْحَسَنَاتِ عَنَّا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَنَاتِنَا. وَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ حَيَاتِنَا، وَتَصَرَّمَتْ مُدَدُ أَعْمَارِنَا، وَاسْتَحْضَرَتْنَا دَعْوَتُكَ الَّتِي لا بُدَّ مِنْهَا وَمِنْ إِجَابَتِهَا، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْ خِتَامَ مَا تُحْصِي عَلَيْنَا كَتَبَةُ أَعْمَالِنَا تَوْبَةً مَقْبُولَةً لا تُوقِفُنَا بَعْدَهَا عَلَى ذَنْبٍ اجْتَرَحْنَاهُ، وَلا مَعْصِيَةٍ اقْتَرَفْنَاهَا. وَلا تَكْشِفْ عَنَّا سِتْراً سَتَرْتَهُ عَلَى رُءُوسِ الأشْهَادِ، يَوْمَ تَبْلُو أَخْبَارَ عِبَادِكَ. إِنَّكَ رَحِيمٌ بِمَنْ دَعَاكَ، وَمُسْتَجِيبٌ لِمَنْ نَادَاكَ.»(139).

 

مصادر كتاب توحيد العبادة

1.  تفسير روح البيان

2.  تفسير الكشاف للزمخشري

3.  تفسير الطبري

4.  التفسير الفخر الرازي

5.  تفسير الآلوسي

6.  تفسير مجمع البيان

7.  تفسير أبي الفتوح الرازي

8.  تفسير الصافي

9.  تفسير الملا حسين الكاشفي

10.                   تفسير البيضاوي

11.                   تفسير ابن كثير

12.                   تفسير الشيخ محمد عبده

13.                   الإتقان للسيوطي

14.                   الكافي للكليني

15.                   الوافي للفيض الكاشاني

16.                   شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد

17.                   شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني

18.                   وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي

19.                   جواهر الكلام للشيخ محمد حسن الجواهري

20.                   صحيح البخاري

21.                   موطأ مالك

22.                   مفتاح دار السعادة لابن القيم

23.                   الذكرى للشهيد الأول

24.                   من لا يحضره الفقيه لابن بابويه

25.                   قاموس الكتاب المقدس لمستر ماكس الأمريكي

26.                   المثنوى لملا محمد البلخي

27.                   الكليات لسعدي

28.                   الصحيفة السجادية لزين العابدين (ع)

29.                   أسباب النـزول للواحدي

30.                   مقدمة التفسير لفريد وجدي

31.                   الصابئة قديماً وحديثاً للسيد عبد الرزاق الحسني

32.                   بلوغ الأرب في أحوال العرب لابن الآلوسي

33.                   الملل والنحل للشهرستاني

34.                   طريق الحقايق لنائب الصدر

35.                   رجال الكشي

36.                   شتاب للميرزا القمي

37.                   الفِصَل لابن حزم

38.                   سيرة ابن هشام

39.                   السيرة الحلبية للحلبي

40.                   مفردات الراغب الأصفهاني

41.                   النهاية لابن الأثير

42.                   الفهرست لابن النديم

43.                   الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي

44.                   إحياء علوم الدين للغزالي

45.                   مدارج السالكين لابن القيم

46.                   إعلام الموقعين لابن القيم

47.                   شرح المواقف لمير سيد شريف

48.                   سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني

49.                   سنن ابن ماجة

50.                   سنن أبي داود

51.                   المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري

52.                   عيون أخبار الرضا للصدوق

53.                   جنات الخلود لآقا محمد رضا

54.                   تمدّن قديم لفونستل دوكولانژ الفرنسي، ترجمة نصر الله الفلسفي

55.                   دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي

56.                   نشوء فكرة الله لسلامة موسى

57.     فتح المجيد (في شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبد الرحمن [بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب]

58.                   المناجاة للخواجة عبد الله الأنصاري

 

+            +             +

 

الهوامش

(1) وقيل أيضاً أنه ولد عام 1271 هجرية شمسية (يقابل 1310 هـ. ق. أو 1892م)

(2) كان الشيخ فضل الله نوري من علماء الشيعة البارزين والمناضلين في إيران وكان في بداية الأمر من أنصار الثورة الدستورية فيها في مطلع القرن العشرين، لكنه لما رأى ما آلت إليه تلك الثورة من تنحية الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية أصبح من أشد المعارضين لها والمخالفين للديمقراطية الغربية، والمطالبين بتحكيم الشريعة الإسلامية في البلاد، وقد قبض عليه وحوكم بتهمة الخيانة ثم أعدم رحمه الله عام 1909م.

(3) انظر: حيدر حب الله، «نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، التَكَوُّن والصيرورة»، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م، ص 612 فما بعد.

(4) شريعت سنگلجي، «كليد فهم قرآن»، ص 5-7.

(5) شريعت سنگلجي، «كليد فهم قرآن»، ص 3- 4-5.

(6) المصدر السابق، ص 39-41.

(7) هو غير كتاب «محو الموهوم وصحو المعلوم» الذي ألفه المرحوم آية الله السيد أسد الله خرقاني (المتوفى 1355هـ = 1936م)، والذي يقع في 382 صفحة، وموضوعه مختلف.

(8) استقينا هذه الترجمة لحياة المؤلف من عدة مصادر أهمها: كتاب المؤرخ الإيراني المعاصر «رسول جعفريان» المسمى: «جريان‌ها وسازمان‌هاى مذهبى-سياسى ايران» (أي التيارات والمنظمات الدينية-السياسية في إيران), طهران، نشر مؤرخ، ط 8، 1386هـ ش (2007م)، الفصل الثامن: التيارات المطالبة بإعادة النظر في عقائد الشيعة، ص 811 إلى 816. ومن كتاب الباحث اللبناني الفاضل «حيدر حب الله»: «نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، التَكَوُّن والصيرورة»، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م، ص 612 فما بعد.

(9) قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن (ص 395): «وقيل لكل متباعد غريب ولكل شيء فيما بين جنسه عديم النظير غريب، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ" وقيل العلماء غرباء لقلتهم فيما بين الجهال».

(10) بحار الأنوار، 25/136. وأخرجه بلفظ مشابه – دون جملة: الذين يصلحون ما أفسده الناس – مسلم في صحيحه: (1) كتاب الإيمان، ح (145)، وابن ماجه في سننه (3986)، وَأحمد في مسنده (4/73). (تر).

(11) نهج البلاغة، ص 319، و«الغارات» لإبراهيم بن هلال الثقفي، ج2/ص398.

(12) الكليني، «أصول الكافي»، 1/54، ح (2). (تر)

(13) الصدوق، «من‏لا يحضره ‏الفقيه»، ج 2/ ص 49. (تر)

(14) يقول الراغب في «المفردات» (ص 305): «الطاغوت) عبارة عن كل متعد، ولما تقدم سُمِّىَ الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتاً». ويقول السيوطي في «الإتقان» (1/402): «الطاغوت هو الكاهن بالحبشية».

(15) يقول أبو مسلم البحر الأصفهاني (322هـ) في تفسير هذه الآية أن المقصود من الجملتين الأوليين المعبود و(ما) بمعنى الذي، أي أنه يقول: أنا لا أعبد الأصنام وأنتم لا تعبدون الله. أما في الجملتين الأخريين، (ما) مع الفعل في تأويل المصدر أي عبادتي ليست مثل عبادتكم مبنيّةً على الشرك وعبادتكم ليست مثل عبادتي مبنيّة على اليقين.

(16) لم يُعْرَف عن قوم موسى أنهم عبدوه أو ألَّهُوه، كما فعل النصارى بحق عيسى، نعم عبد بعض قوم موسى العجل، وانحرف بعضهم عن التوحيد وقالوا عزير ابن الله. (تر)

(17) المروي في كتب التفسير والحديث هو تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاتخاذ النصارى بعضهم أرباباً أنهم كانوا يطيعون أحبارهم طاعة الأرباب، يقول الطبرسي مثلا في تفسيره «مجمع البيان» مفسِّراً الآية المذكورة: «و روي عن أبي عبد الله أنه قال: ما عبدوهم من دون الله ولكن حرَّموا لهم حلالا وأحلُّوا لهم حراماً فكان ذلك اتخاذهم أرباباً من دون الله. وقد روي أيضاً أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أما كانوا يُحِلُّون لكم وَيُحَرِّمُون فتأخذون بقولهم؟ فقال: نعم! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو ذاك.». وحديث عدي بن حاتم رواه الترمذي في سننه (3095) والبيهقي في سننه الكبرى (20847). (تر)

(18) أي ليس لأحد حق عليه حتى يكون قصده من إعطاء المال أداء حق الناس.

(19) أبو القاسم جار الله محمود بن عمرو الزمخشري (538هـ)، تفسير «الكشاف»، ذيل تفسيره لقوله تعالى «إياك نعبد وإياك نستعين». (تر)

(20) صحيح مسلم، 15- كتاب الحج/3- باب التلبية وصفتها ووقتها، ح (1185). (تر)

(21) الواقع إن المشركين لم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة وإنما كانوا يرجون شفاعة أصنامهم لتيسير أمورهم وقضاء حاجاتهم الدنيوية. وإنكار المشركين للقيامة أمر معروف وتدل عليه عشرات آيات القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ! إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون/35-37]، وقوله سبحانه: ﴿ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُون؟! لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون/82-83]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا؟؟ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق/2- 3] ونحوها كثير من الآيات. (تر)

(22) الحديث المشهور لدى الفريقين هو «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِي‏ءٌ فَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» رواه المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج69/ص 282)، والطبرسي وغيره من المفسرين في تفسيرهم لقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف/110]. وهو في مصادر السنة في صحيح مسلم: 53- كتاب الزهد والرقائق/5- باب من أشرك في عمله غير الله، ح (2985)، وسنن الترمذي (3154)، وسنن ابن ماجه (4202) وغيرها. أما ما رواه المؤلف في المتن فلم أجده بهذا السياق، لا في مصادر السنة ولا في مصادر الشيعة، وإن كان معناه صحيحاً. والله أعلم. (تر)

(23) روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» عن الإمام الصادق (ع) قوله: «كُلُّ رِيَاءٍ شِرْكٌ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ ومَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ» وروى عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي قَوْلِ‏ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾، قَالَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ» (الكافي، باب الرياء، ح (3) و(4)، ج2/ص 293-294. وفي مصادر أهل السنة روى الإمام أحمد في المسند (4/125) بسنده عن شداد بن أوس (رض) قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ ذَلِكَ: أَفَلا يَعْمِدُ إِلَى مَا ابْتُغِيَ فِيهِ وَجْهُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ كُلِّهِ فَيَقْبَلَ مَا خَلَصَ لَهُ وَيَدَعَ مَا يُشْرَكُ بِهِ؟؟ فَقَالَ شَدَّادٌ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا خَيْرُ قَسِيمٍ لِمَنْ أَشْرَكَ بِي مَنْ أَشْرَكَ بِي شَيْئًا فَإِنَّ حَشْدَهُ عَمَلَهُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أَشْرَكَ بِهِ وَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ». علق عليه شعيب الأرنؤوط قائلاً: إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب. قلتُ وقد أخرجه الحاكم النيسابوري (405هـ) مختصراً في «المستدرك على الصحيحين»، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ح (7938)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. (تر)

(24) انظر السيد حامد النقوي (1306 هـ)، «خلاصة عبقات الأنوار» قم: مؤسسة البعثة، 1405 هـ، ج3/ص 301. والحديث في مصادر أهل السنة في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح (3261)، ومسند أحمد (1/124) كلاهما عن عمر بن الخطاب رفعه. قلت: وقد روى محمد بن محمد بن الأشعث (قرن 4 هـ) في كتابه «الأشعثيات» [ويُسَمَّى أيضاً «الجعفريات»] (ص 181): «بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً» ورواه القطب الراوندي (573هـ) في النوادر (ص 16). ونقله المجلسي في بحار الأنوار، ج 25/ ص 265. (تر)

(25) القاضي أبو حنيفة النعمان التميمي (363هـ)، «دعائم الإسلام»، 2/118، والمجلسي، بحار الأنوار، 16/242. وفي مصادر أهل السنةَّ: أخرجه أبو داود (3769) والترمذي (1830) وابن ماجة (3262) والدارمي (2077) في سننهم وأحمد في مسنده (4/308 و309). (تر)

(26) انظر صحيح البخاري: 29- كتاب الجنائز/3- باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه، ح (1186). وَمسند أحمد، 6/436. (تر)

(27) قال الزبيدي في تاج العروس (15/17): «وأَحْمَزُ الأعمالِ: أَمْتَنُها وأَقْوَاها وأَشُدَّها، وقيل: أمَضُّها وأشَقُّها، وهو من حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الأعمالِ أَفْضَلُ؟ فقال: أَحْمَزُها، وهو مَجاز.». (تر)

(28) الحُرّ العاملي، «وسائل الشيعة» نقلاً عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ فِي قُرْبِ الإسْنَادِ بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ج 16/ ص 345. وفي مصادر أهل السنة أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس (13706) وعزاه إلى أبي يعلى والبزار في مسنديهما، وعن عبد الله بن مسعود (13707) وعزاه إلى الطبراني في معجميه الكبير والأوسط، وضعَّف الهيثمي الروايتين بأن في سند كل منهما متروك. (تر)

(29) الجملة جزء من حديث يقول: «وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، بَابُ ثَوَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، 1/34. وفي مصادر أهل السنة: أخرجه أبو داود (3643) وابن ماجه (223)، والدارمي (342) في سننهم. (تر)

(30) قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن (ص 499): «والنعم مختص بالإبل، وجمعه أنعام وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم أعظم نعمة، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل».

(31) المجلسي، بحار الأنوار، ج:21/ ص 3. وَج 39/ ص 12. (تر)

(32) الشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد وَالمستفيد، ص 102. وهو بألفاظ قريبة في مصادر أهل السنة في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي ومسند أحمد.

(33) ابن أبي جمهور الإحسائي (910هـ؟)، عوالي ‏اللآلي، ج 1/ص 359، والشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، ص 101، ولفظه: «فضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ.» وهو في مصادر أهل السنة في سنن الترمذي (2685) عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ، وقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. (تر)

(34) الشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، ص 107، دون جملة «حتى النملة في جحرها». وقد روى نحوه محمد بن حسن الصفار في «بصائر الدرجات» (ص4) بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «إِنَّ جَمِيعَ دَوَابِّ الأرْضِ لَتُصَلِّي عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْر». وهو في مصادر أهل السنة بلفظ مغاير قليلاً لدى لطبراني في الأوسط وأبو الشيخ ابن حبان فى كتاب الثواب. وإسناده ليس بالقوي. (تر)

(35) الحَلْقَةُ: كلُّ شي‏ءٍ استدار كحَلْقةِ الحديد والفِضّة والذهب‏، ومنها حَلْقَةُ القُرْطِ أَو الحَلْقَةُ الصَّغيرَةُ منَ الحُلِيِّ كهَيْئَةِ القُرْطِ. (ويُقال لها اليوم سُنَّارة).

(36) الصُّـفْر: النحاس الأصفر الجيد. (تر)

(37) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وهو في المصادر السنية في: سنن ابن ماجه، كتاب الطب، باب تعليق التمائم (3531) وقال الألباني: ضعيف, ومسند أحمد (4/445) وقال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن وهذا إسناد ضعيف لجهالة خالد بن عبيد المعافري. (تر)

(38) ابن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، 5 / 234. (تر)

(39) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وأقرب ما يوجد له ما رواه القاضي أبو حنيفة النعمان التميمي الشيعي (363هـ) في كتابه «دعائم الإسلام»، 2/142 مرسلاً، ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار، ج 60/ ص 18، والنوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» ج4/ ص317، ح (4664) ولفظه: «وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن التمائم والتول - فالتمائم ما يعلق من الكتب والخرز وغير ذلك والتول ما يتحبب به النساء إلى أزواجهن كالكهانة وأشباهها- ونهى عن السحر. قال جعفر بن محمد (ع): ولا بأس بتعليق ما كان من القرآن». أما المتن الذي ذكره المؤلف فهو بلفظه في مصادر أهل السنة في: مسند أحمد (4/154) وقال محققه شعيب الأرنؤوط: حديث حسن. وضعَّفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1266). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 9/350، ح (20090) وقال بعدها: «قَالَ الشَّيْخُ:.. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ النَّهْىِ وَالْكَرَاهِيةِ فِيمَنْ تَعَلَّقَهَا وَهُوَ يَرَى تَمَامَ الْعَافِيَةِ وَزَوَالَ الْعِلَّةِ مِنْهَا عَلَى مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَصْنَعُونَ فَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَهَا مُتَبَرِكًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لا كَاشِفَ إِلا اللَّهُ وَلا دَافَعَ عَنْهُ سُوَاهُ فَلا بَأْسَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». (تر)

(40) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، أما في مصادر أهل السنة فهو حديث صحيح متفق عليه رواه الإمام مالك في الموطأ (1677) والشيخان البخاري (2843) ومسلم (2115) في صحيحيهما. (تر)

(41) روى الحر العاملي، في «وسائل الشيعة» ج6/ص237، ح (7824): «وَعَنْ (أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ) قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) أَنَتَعَوَّذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ الرُّقَى؟ قَالَ: لا، إِلا مِنَ الْقُرْآنِ. إِنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ مِنَ الإشْرَاكِ»، ورواه المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، (ج92/ص5)، كما روى فيه حديثاً آخر (ج60/ص18) ولفظه: «وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنِ الرُّقَى بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِه‏». أما المتن الذي ذكره المؤلف فهو في مصادر السنة، أخرجه أبو داود (3885) وابن ماجه (3530) في سننهما، وقال الألباني: صحيح. (تر)

(42) سنن الترمذي (2072) ومسند أحمد: (4/310) وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: حسن لغيره. كما رواه البيهقي في السنن الكبرى (20096). (تر)

(43) تَقَلَّدَ وَتَرًا: هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَرَ الْقَوْس أَوْ مُطْلَق الْحَبْل. قِيلَ الْمُرَاد بِهِ مَا كَانُوا يُعَلِّقُونَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَوْذ وَالتَّمَائِم الَّتِي يَشُدُّونَهَا بِتِلْكَ الأوْتَار وَيَرَوْنَ أَنَّهَا تَعْصِم مِنْ الآفَات وَالْعَيْن. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأشْبَه أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْلِيد الْخَيْل أَوْتَار الْقِسِيّ، نُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِمَّا لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ تَقْلِيدهَا بِذَلِكَ يَدْفَع عَنْهَا الْعَيْن، أو مَخَافَة اِخْتِنَاقهَا بِهِ، لا سِيَّمَا عِنْد شِدَّة الرَّكْض، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ الأوْتَار عَنْ أَعْنَاق الْخَيْل. (تر)

(44) سنن أبي داود (36)، وسنن النسائي (5067)، وقال الألباني عن كليهما: صحيح. ومسند أحمد (4/108) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيفٌ. (تر)

(45) رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، بَابُ الْخَوَاتِيمِ، ح (10)، ج6/ص469. (تر)

(46) يشير إلى رواية ذكرها الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام» (ج6/ص52) قال: «وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ (ع) أَنَّهُ قَالَ عَلامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ صَلاةُ الْخَمْسِينَ وَزِيَارَةُ الأَرْبَعِينَ وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وهي رواية ضعيفة وينقضها ما رواه الكليني في الكافي (ج6/ ص469) بسنده عَنْ أَبَانٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَقُلْتُ إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي هَاشِمٍ يَتَخَتَّمُونَ فِي أَيْمَانِهِمْ؟ فَقَالَ: «كَانَ أَبِي يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ وَكَانَ أَفْضَلَهُمْ وَأَفْقَهَهُمْ».

(47) الشيخ الصدوق، «من‏ لا يحضره ‏الفقيه»، ج 1/ص 266.

(48) ذات أنواط: قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: «هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ يَنُوطُونَ بِهَا سِلاحَهُمْ أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ».

(49) سدرة: قال ابن الأثير في النِّهَايَةِ: «السِدْر: شجرُ النبِق». (تر)

(50) نقله الشيخ الطوسي في تفسيره «التبيان»، ج1/ص400، والشيخ الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان»، ج3/ص351، كلاهما لدى تفسيرهما لقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ..﴾ [البقرة/108]. أما في مصادر أهل السنة فقد أخرجه - بهذا اللفظ - الطبراني في المعجم الكبير، ح (3291)، ج3/ص 244. وبلفظ قريب جداً: أحمد في مسنده (5/218)، وقال شعيب الأرنؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين). وهو في سنن النسائي الكبرى (11185) ومسند الطيالسي (1346) وَصحيح ابن حبان (6702). وأخرجه الترمذي في سننه (2180) بلفظ فيه اختلاف يسير وذكر أن الخروج كان إلى خيبر، وقَالَ بعده: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ... وَفِى الْبَابِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ.». (تر)

(51) الخبر مرويٌ في مصادر أهل السنة إذ رواه الشيخان البخاري (1520) ومسلم (1270) في صحيحيهما وغيرهما عن عُمَر بن الخطاب Eأنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّلَهُ وقال: «وَاللَّهِ إِنِّي لأقَبِّلُكَ وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.». (تر)

(52) الشيخ الطبرسي، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن، تفسير «مجمع البيان»، ج3، ذيل تفسيره الآية المذكورة (103) من سورة المائدة. (تر)

(53) انظر المصدر السابق. (تر)

(54) انظر المصدر السابق مختصراً وملخصاً. (تر)

(55) هكذا قال المؤلف، والذي في كتب التفسير كتفسير الطبرسي وغيره عشرة أبطن وليس سبعة. (تر)

(56) المصدر السابق، والرواية منقولة فيه عن ابن عباس وَابن مسعود وَهو قول أبي عبيدة والزجاج. (تر)

(57) المراد من جملة «منك وإليك» أن هذه الأضحية عطاء من عندك ونحن نتقرب بهذا القربان إليك.

(58) لم أجده في أيٍ من مصادر الحديث الإمامية، أما في مصادر أهل السنة فقد أخرجه مسلم في صحيحه بتقديم وتأخير: 35-كتاب الأضاحي/8-باب تحريم الذبح لغير الله تعالى، رقم (1978). (تر)

(59) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ح (15386)، ج 11 / ص 507. (تر)

(60) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، بَابُ النُّذُورِ، الحديث رقم 1، ج 7/ ص 454. (تر)

(61) المصدر السابق، الباب ذاته، ح رقم 2. (تر)

(62) المصدرالسابق، الباب ذاته، ح رقم 22. (تر)

(63) ابن هشام، السيرة النبوية، ج1/ ص 80. (تر)

(64) الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ذيل تفسير قوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا.. الآية﴾ (الأنعام/136)، وقد روى القول المذكور عن الزجاج. (تر)

(65) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وفي مصادر أهل السنة روى نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد (17276)، وقال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث». (تر)

(66) هو متن حديث رواه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385-460 هـ) في الأمالي، قم، انتشارات دار الثقافة، 1414هـ، ص 518. وفي مصادر أهل السنة رواه الترمذي في سننه (2378) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو داود في سننه (4835) وقال الألباني: حسنٌ، وأحمد في مسنده (2/303 و334) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده جيد. وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البر والصلة، ح (7320) وقال: حديث أبي الحباب صحيح إن شاء الله تعالى ولم يخرِّجاه، وعلّق عليه الذهبي في التلخيص بقوله: صحيح إن شاء الله. وقد أخرجوه جميعاً بسندهم عن أبي هريرة مرفوعاً. (تر)

(67) انظر الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم (548هـ)، «الملل والنحل»، تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، 1404هـ، ج2/ ص 4-8، والمؤلف تصرَّف في الاقتباس تقديماً وتأخيراً وتلخيصاً واختصاراً. (تر)

(68) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج2/ ص 48 – 49. (تر)

(69) المصدر السابق، ج2/ ص 49. (تر)

(70) المصدر السابق، ج2/ ص 50-51. (تر)

(71) المصدر السابق، ج2/ ص 57. (تر)

(72) المصدر السابق، ج2/ ص 56، والمؤلف يتصرَّف في الاقتباس منه تقديماً وتأخيراً أو تلخيصاً أو إضافةً لتوضيحات من عنده. (تر)

(73) الحر العاملي، وسائل الشيعة، بَابُ عَدَمِ جَوَازِ تَعَلُّمِ النُّجُومِ وَالْعَمَلِ بِه، ج17/ص144، ح (22205). وعبارته: (جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَقِّقُ فِي الْمُعْتَبَرِ وَالْعَلامَةُ فِي التَّذْكِرَةِ وَالشَّهِيدَانِ قَالُوا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ صَدَّقَ كَاهِناً أَوْ مُنَجِّماً فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد.) (تر)

(74) المصدر السابق، الباب ذاته، ج17/ص 143، ح (22201). (تر)

(75) نهج البلاغة، الخطبة رقم 79، ص 105. (تر)

(76) الشيخ الصدوق، «الأمالي»، طهران، كتابخانه إسلاميه، ط4، 1362هـ شمسية، الرواية رقم 16، ص 415. ونقله الحرّ في «الوسائل»، ج11/ص371-372، ح (15044) (تر)

(77) الشيخ الصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج 2/ ص 267، ح (2402). (تر)

(78) لم أجده بهذا اللفظ. وهناك حديث معناه قريب من هذا المعنى رواه المجلسي في بحار الأنوار ج55/ص 320، مرسلا ولفظه: «ثَلاثٌ لا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَالظَّنُّ. قِيلَ: فَمَا نَصْنَعُ؟ قَالَ إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ». ورواية المجلسي هذه مأخوذة من مصادر أهل السنة حيث نجد الحديث لدى المتقي الهندي في كنز العمال برقم (43789) عن الحسن مرسلاً وعزاه إلى الحافظ رُسْتَه (عبد الرحمن بن عمر أبي الحسن الزهري الأصبهاني) في كتابه «الإيمان»، وبرقم (28563) عن أبي هريرة مرفوعاً، وعزاه إلى الحافظ البيهقي في «شعب الإيمان». وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (2527): (ضعيف). (تر)

(79) لم أجده بهذا اللفظ. ويوجد ما هو قريب من معناه في حديث رواه الحر العاملي في أَبْوَابُ آدَابِ السَّفَرِ من كتاب «الوسائل»، (8) بَابُ اسْتِحْبَابِ تَرْكِ التَّطَيُّرِ وَالْخُرُوجِ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ وَنَحْوِهِ خِلافاً عَلَى أَهْلِ الطِّيَرَةِ وَتَوَكُّلا عَلَى اللَّهِ، ح (15023): عن الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعْبَةَ فِي «تُحَفِ الْعُقُولِ» عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلا تَقْضِ». أما في مصادر أهل السنة فروي ضمن حديث رواه السيوطي في الجامع الصغير ضمن حديث أطول عن جابر مرفوعاً: «إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا حسدتم فلا تبغوا وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا وإذا وزنتم فأرجحوا» وعزاه إلى ابن ماجه في سننه مع أنه لا يوجد فيه سوى الجملة الأخيرة، وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (588): (ضعيف). (تر)

(80) رواه الشيخ الصدوق علي بن بابويه القمي في «الأمالي»، ص 416، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه دعا بهذا الدعاء في آخر ردّه على المنجّم الذي خوّفه من المسير إلى النهروان ولفظه: «ثم قَالَ ِ عليه السلام: اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا ضَيْرَ إِلا ضَيْرُكَ وَلا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُك‏». أما في مصادر أهل السنة فقد رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في المصنف (29872) عن ابن عباس أنه كان يدعو بهذا الدعاء إذا نعق الغراب. ورواه أحمد في مسنده (2/220) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قَالَ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ». (تر)

(81) المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج91/ص302) ضمن دعاء طويل، و(ج92/ص2- 3) نقلا عن «مكارم الأخلاق» للطبرسي. ورواه ابن أبي الحديد مرسلاً في شرح نهج البلاغة، ج19/ ص 374. ورواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني في «المصنف»، ح (19512)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، ح(16962)، بسندهما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ مرفوعاً. (تر)

(82) روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» (ج8/ص187-198) بسنده عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: «الطِّيَرَةُ عَلَى مَا تَجْعَلُهَا إِنْ هَوَّنْتَهَا تَهَوَّنَتْ وَإِنْ شَدَّدْتَهَا تَشَدَّدَتْ وَإِنْ لَمْ تَجْعَلْهَا شَيْئاً لَمْ تَكُنْ شَيْئاً». (تر)

(83) انظر: البغوي (516هـ)، تفسير «معالم التنزيل»، ط4، الرياض، دار طيبة، 1417هـ/ 1997م، ج 3 / ص 269. (تر)

(84) قال بعضهم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾ الطائر بمعنى العمل، وقد أُلْزم العمل بالعنق لأن العنق هو الموضع الذي يوضع عليه الطوق فلا يملك الإنسان عندئذٍ أن يرفعه عن نفس. كما يقولون: إثم فلان برقبة فلان أو يقولون افعل هذا واجعل إثمه في رقبتي.

(85) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، باب حديث قوم صالح، ح (234)، ج8/ص196، ولفظه – ضمن حديث أطول: «ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا شُؤْمَ وَلا صَفَر... الحديث». أما في مصادر أهل السنة فأخرجه مسلم في صحيحه [39- كتاب السلام/ 33- باب لا عدوى ولا طيرة، ح (2222)]، وأحمد في مسنده (3/293) بسندهما عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا غُولَ.». (تر)

(86) روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» في باب حديث قوم صالح، ح (236)، ج8/ص198 بسنده عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَّارَةُ الطِّيَرَةِ التَّوَكُّل‏». أما في مصادر أهل السنة فرواه أبو داود في سننه (3912) وابن ماجه في سننه (3538) بلفظ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا إِلا وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». ورواه أحمد في مسنده (1/440) وفيه تكرار لجملة «الطيرة شرك» مرتين. (تر)

(87) لم أجده بهذا اللفظ في أي مصدر معتبر. (تر)

(88) رواه أحمد في مسنده (2/220) ح (7045) عن عبد الله بن عمرو رفعه. وعلق عليه شعيب الأرنؤوط قائلا: حسنٌ. (تر)

(89) روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» (ج2/ص654) بسنده عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَأَحْصَيْتُ فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا فَعَطَسَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَمَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): «أَلا تُسَمِّتُونَ أَلا تُسَمِّتُونَ؟! مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُسَمِّتَهُ أَوْ قَالَ يُشَمِّتَهُ وَإِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَه‏». وفي مصادر أهل السنة ورد في الصحيحين: البخاري (1182) ومسلم (2066) بسندهما عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (رض) قال: «أَمَرَنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِى، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.... الحديث». وقال الشُرَّاح إن معنى تشميت العاطس الدعاء له بالخير والبركة كأن تقول له «يرحمك الله» بعد حمده لِلَّهِ تعالى. (تر)

(90) روى الحرّ العاملي في «وسائل الشيعة» (58- بَابُ كَيْفِيَّةِ التَّسْمِيتِ وَالرَّد، ج 12/ ص 88) بسنده عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَيَرْحَمُكُمْ وَإِذَا عَطَسَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ قَالَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل‏.». وبسنده عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإِذَا سَمَّيْتَ الرَّجُلَ فَلْيَقُلْ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَإِذَا رَدَّ فَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ وَلَنَا». (تر)

(91) روى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» [50- بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعُطَاسِ وَكَرَاهِيَةِ الْعَطْسَةِ الْقَبِيحَةِ وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلاث‏، ح (9746)، ج 8/ ص 384] الجملتين الأوليين منه فقط نقلا عن كتاب «الجعفريات» ولفظه: «حَدَّثَنِي مُوسَى حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُب». وهو بتمامه في مصادر أهل السنة بألفاظ قريبة جداً مما ذكره المؤلف. انظر: صحيح البخاري (5869) وسنن أبي داود (5030) وسنن الترمذي (2746) كلهم بسندهم عن أبي هريرة رفعه. (تر)

(92) رواه الشيخ رضي الدين الفضل بن الحسن الطبرسي في كتابه «مكارم الأخلاق»، ط4، قم، انتشارات شريف رضي، 1312هـ، ص 350، وعنه المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج 92/ص 2- 3) كلاهما مرسلاً دون سند. وأصله في مصادر أهل السنة حيث أخرجه مسلمٌ في صحيحه برقم (5936) (وغيره) عن أبي هريرة مرفوعاً. (تر)

(93) صحيح البخاري (5422) وصحيح مسلم (2223). (تر)

(94) انظر السيد حامد النقوي (1306 هـ)، «خلاصة عبقات الأنوار» قم: مؤسسة البعثة، 1405 هـ، ج3/ص301. وأصله من مصادر أهل السنة كما في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح (3261)، ومسند أحمد (1/124) عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. قلت: وقد روى محمد بن محمد بن الأشعث في كتابه «الأشعثيات» [ويُسَمَّى أيضاً «الجعفريات»] (ص 181): «بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً» ورواه القطب الراوندي في النوادر (ص16). ونقله المجلسي، بحار الأنوار، ج25/ص 265.

(95) روى المجلسي في بحار الأنوار (4/303) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): «لا تَتَجَاوَزُوا بِنَا الْعُبُودِيَّةَ ثُمَّ قُولُوا مَا شِئْتُمْ وَلا تَغْلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ كَغُلُوِّ النَّصَارَى فَإِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنَ الْغَالِين..»‏. وفي مصادر أهل السنة أخرج نحوه ابن ماجه في سننه (3029) وأحمد في مسنده (1/347) ولفظه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ «الْقُطْ لِى حَصًى»... (إلى قوله) ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِى الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِى الدِّينِ».»

(96) صحيح مسلم (2670) وسنن أبي داود (4610) ومسند أحمد (1/386).

(97) الشيخ الصدوق، «عيون أخبار الرضا(ع)»، ج2/ ص 200 – 201.

(98) رجال الكشي، (ص 196) من الطبعة القديمة أو في (ص 225) من طبعة مشهد الحديثة، نشر مؤسسة النشر في جامعة مشهد/إيران، 1348 هـ.

(99) رجال الكشي، (ص 196) من الطبعة القديمة، أو في ص 225 – 226، من طبعة مشهد الحديثة. (تر)

(100) رجال‏ الكشي، ص 298. والمجلسي، بحار الأنوار، ج 25/ ص 293. (تر)

(101) رجال‏ الكشي، ص 299. والمجلسي، بحار الأنوار، ج 25/ ص 294. (تر)

(102) المجلسي، «بحار الأنوار»، ج 69/ص266، وص303 و304. والنوري الطبرسي، «مستدرك ‏الوسائل»، ج1/ص 106، نقلا عن الشَّهِيدُ الثَّانِي فِي مُنْيَةِ الْمُرِيدِ، كلهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدون سند. وأصله من مصادر الحديث السُّنِّيَّة كما في مسند أحمد (5/428).

(103) ذكر المجلسي في بحار الأنوار، ج 83 / ص 44، متن الدعاء فقط نقلاً عن مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي، وليس فيه جملة: «وَسُلْطانِكَ الْعَظِيمِ» ولا أنه يقال عند الوقوع في الذنب. (تر)

(104) متن حديث نبوي، كما في بحار الأنوار، ج3/ص90. وفي مصادر أهل السنة جاءت الجملة ضمن حديث قدسي معروف ولفظها «إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا»، انظر مثلا: صحيح مسلم، (6737).

(105) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج 8/ ص 182.

(106) الحديث مروي من طرق أهل السنة فقط، وهو في صحيح البخاري، ح (99)، ومسند أحمد (2/373). كلهم عن أبي هريرة.

(107) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج 1/ص 183، ولفظه «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الأشْيَاءَ إِلا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً...».

(108) الشهيد الأول، هو الفقيه الشيعي الإمامي محمد بن مكى العاملي النبطي الجزينى، شمس الدين المتوفى سنة (786هـ). أصله من النبطية (في بلاد عامل) سكن (جزين) بلبنان. ورحل إلى العراق والحجاز ومصر ودمشق وفلسطين، وأخذ عن علمائها. وصار من أبرز فقهاء الإمامية في عصره. من أشهر كتبه «اللمعة الدمشقية» و«الذكرى» و«الرسالة الألفية».(تر)

(109) ورواه الشيخ الطوسي في «الخلاف»، ج1/ص706 – 707. وروى الكُلَيْنِيُّ في «الكافي» بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فقال: لا تدع صورةً إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته.». انظر الحر العاملي، «وسائل الشيعة»، ج 3 / ص 209 – 210. وحديث أبي الهياج الأسدي في مصادر أهل السنة تجده في صحيح مسلم، كتاب الجنائز/ ح (969)، وسنن الترمذي، ج3/ص366، ح(1049) وسنن النسائي، ج4/ص88، ح(2031)، ومسند أحمد (1/96). (تر)

(110) الشهيد الأول، «الذكرى»، ص 67. وذكر الكلام ذاته العلامة الحلي في كتابه «تذكرة الفقهاء»، ج2/ ص 96 – 98 من الطبعة الجديدة. (تر)

(111) رواه بلفظ قريب: النوري الطبرسي، «مستدرك الوسائل»، الطبعة الحجرية، ج1/ص127. وفي مصادر أهل السنة في صحيح مسلم: 11- كتاب الجنائز/32- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، ح (970). (تر)

(112) الشيخ الصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج1/ص180، ح (539). (تر)

(113) الشيخ الطوسي، «تهذيب الأحكام»، ج1/ص461، ح (148)، ونقله الحر العاملي في «وسائل الشيعة» /باب 44 من أبواب الدفن، ح (3426). (تر)

(114) أحمد بن محمد البرقي (ت 274 أو 280هـ)، «المحاسن»، ط2، قم، دار الكتب الإسلامية، 1371هـ، ج2/ص 612، ح (33). والشيخ الصدوق، «من لا يحضره الفقيه» ج1/ص189، ح (579)، ونقله الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام»، ج1/ص 459، ح (142)، والحر العاملي في «وسائل الشيعة» /باب 43 من أبواب دفن الموتى، ح (6617).

(115) البرقي، «المحاسن»، ج2/ص 612، ح (32). والطوسي، «تهذيب الأحكام»، ج1/ص 461، ح (150)، والحر العاملي في «وسائل الشيعة» /باب 43 من أبواب دفن الموتى، ح (3428). (تر)

(116) الشيخ الصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج1/ص178، ح (532). ونقله الحر العاملي في «وسائل الشيعة»، 65- بَابُ كَرَاهَةِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الْقُبُورِ، ح (3497)، ج3/ص235. أقول: وقد روى ما يشبهه: الْعَلامَةُ أبو الفتح الْكَرَاجُكِيُّ (339هـ) فِي «كَنْزِ الْفَوَائِدِ»، قم، دار الذخائر، 1410هـ، ج2/ص 152، ولفظه: «وقال حدثنا الأشج قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: «قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتخذوا قبري مسجداً ولا تتخذوا قبوركم مساجد ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلواتكم تبلغني وتسليمكم يبلغني‏». وروى نحوه العلامة المجلسي في «بحار الأنوار»، ج 34/ص 332 وَج79/ص 55، بلفظ: «عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي الدُّنْيَا الأشَجِّ الْمُعَمَّرِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيداً، وَلا تَتَّخِذُوا قُبُورَكُمْ مَسَاجِدَ، وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي وَتَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي.». ونقله عنه أيضاً النوري الطبرسي، «مستدرك الوسائل»، 55-بَابُ كَرَاهَةِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الْقُبُورِ، الحديث 1، ج2/ص379. (تر)

(117) هكذا قال المؤلف رحمه الله، وهو سهوٌ منه، لأن الذي جاء في كتاب «الذكرى» للشهيد الأول: نقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس عن الإمام الصادق عليه السلام. وبالمناسبة فإن الشهيد الأول بين أنه إنما نقل هذا الحديث من كتب حديث أهل السنة، حيث قال: «وفي صحاح العامة..» وذكره. (تر)

(118) الشهيد الأول، «الذكرى»، ص 69. والحديث في مصادر أهل السنة في صحيح مسلم، 11- كتاب الجنائز/32- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، ح (972). وسنن أبي داود، ح (3231)، وقال الألباني: صحيح. وسنن الترمذي (1050)، وسنن النسائي (760)، ومسند أحمد (4/135) كلهم بسندهم عَنْ أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ رفعه. (تر)

(119) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ج3/ص228، ح (2). والصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج1/ص178، ح (531). (تر)

(120) قال الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»، ج1/ص 242-243: «وأما القبور فلا يجوز أن تتخذ قبلةً ولا مسجداً، ولا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يُتَّخذ شيءٌ منها قبلةً والمستحب أن يكون بين المصلى وبين القبور عشرة أذرع من كل جانب.». (تر)

(121) يقصد بالمحقق الثاني: الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، العاملي، المعروف بالمحقق الثاني، وبالمحقق الكركي، وبالشيخ العلائي، مجتهد أصولي إمامي من أعلام فقهاء الشيعة الإمامية في القرن العاشر الهجري، ولد في جبل عامل (بلبنان) ورحل إلى مصر فأخذ عن علمائها، وسافر إلى العراق، ثم استقر في إيران، فأكرمه الشاه "طهماسب" الصفوي وجعل له الكلمة في إدارة ملكه، وكتب إلى جميع بلاده بامتثال ما يأمر به الشيخ، وأن أصل الملك إنما هو له لأنه نائب الإمام الغائب، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان بدستور العمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في أمور الرعية. توفي في نجف الكوفة سنة 940 هـ وترك عدداً من المؤلفات أشهرها: «جامع المقاصد في شرح القواعد في الفقه» في ست مجلدات، و«صيغ العقود والإيقاعات». (تر)

(122) انظر المحقق الكركي (940 هـ)، «جامع المقاصد في شرح القواعد»، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408هـ، ج2/ص135. (تر)

(123) رُويَ القسم الأول من الحديث - أي إلى قوله «والمستأخرين» - عن الإمام الصادق (ع) كما في «الكافي» للشيخ الكُلَيْنِيّ، ج3 /ص 229، وفي «من‏ لا يحضره‏ الفقيه» للشيخ الصدوق، ج1 /ص 178-179، ح رقم (533). ولفظه: «وَسَأَلَ جَرَّاحٌ الْمَدَائِنِيُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) كَيْفَ التَّسْلِيمُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ؟ فَقَالَ: تَقِفُ وَتَقُولُ: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ رَحِمَ اللَّهُ‏ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. وقال الصدوق: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا مَرَّ عَلَى الْقُبُورِ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ مِنْ دِيَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُون‏».

(124) رواه ابن ماجه في سننه ضمن حديثين كل حديث فيه بعض الجمل المذكورة دون غيرها وهما برقم (1546) وَ(1547) وليس في أي منهما جملة (يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين)، ورويت أجزاء منه في موطأ مالك (58) وصحيح مسلم (249) وَ(974)، وسنن أبي داود (3239)، ومسند أحمد (6/71 وَ6/111) بسنده عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال نحو ذلك في زيارته لأهل البقيع. والحديث بهذا السياق الذي أورده المؤلف هو بتمام حروفه وعين ألفاظه في كتاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: قسم العقيدة، باب زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهَيْنِ، ويبدو أنه جمعه من متون الروايات المتعددة وألف بينها.

(125) ذكره بهذا اللفظ الحافظ ابن كثير في تفسيره (6/325) ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾[الروم/52]، نقلاً عن الحافظ ابن عبد البر مصحِّحَاً له. ورواه الحافظ ابن عبد البر القرطبي (463هـ) في كتابه «الاستذكار» [بيروت، دار الكتب العلمية، (1/185)] بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله: «ما من أحد مرَّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلَّم عليه إلا عرفه وردَّ عليه السلام».

(126) الشيخ الصدوق، «علل الشرائع»، 2/439، والحر العاملي، «وسائل الشيعة»، 14/170، دون الجملة الأخيرة «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». والمجلسي، بحار الأنوار، 63/498، بجملة: «فزيارتها تذكرةٌ»، وفي مصادر السنة روى نحوه مسلم في صحيحه (1977) والترمذي في سننه (1054) وابن ماجه في سننه (1571) وغيرهم.

(127) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، كتاب الجنائز، ج1/ص375-376. وقال: وهذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. وأخرج مسلم في صحيحه (ح 976) عن أبي هريرة قَالَ: «زَارَ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وقال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». (تر)

(128) تقدم تخريجه قبل ثلاث صفحات.

(129) ورد في مصادر أهل السنة حديث بهذا المعنى أخرجه أبو داود في سننه (2041) وأحمد في مسنده، 2/527، وغيرهما بسندهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلمٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ.». قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (5679): حسن.

(130) انظر الشيخ الصدوق، «علل الشرائع»، ج 1/ ص 3 – 4، والشيخ علي بن إبراهيم القمي، «تفسير القمي»، ج2 /ص 387 – 388، والشيخ الطبرسي، «تفسير مجمع البيان»، ج 10/ص 137– 138.

(131) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج79/ص18. وقد تقدم تخريجه بنحو أكثر تفصيلا فراجعه (ص 147). وفي مصادر أهل السنة، رواه كثيرون، منهم الترمذي في سننه (1049) ولفظه: «عَنْ أَبِى وَائِلٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لأَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِى بِهِ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنْ لاَ تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ وَلاَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ».».

(132) الصدوق، «من لا يحضره الفقيه» ج1/ص189، ح (579). وتقدّم تخريجه مفصلاً سابقاً.

(133) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية بهذا اللفظ، وأقرب ما يوجد إليه هو ما رواه البرقي في المحاسن (2/616) عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هُمُ الْمُصَوِّرُونَ يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخُوا فِيهَا الرُّوح‏». والحديث مشهور في مصادر أهل السنة، مثل صحيح البخاري (5606) وصحيح مسلم (2109) وغيرهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً.

(134) «النخل» و«العلامة» عبارة عن مجسمات معدنية أو من الخشب ذات شكل خاص تعلق عليها الأعلام وأسماء الأئمة وأجسام معدنية بشكل راحة اليد إشارة للخمسة أصحاب الكساء يحملها الشيعة في مقدّمة مواكب العزاء الحسيني التي يسيرون بها يوم عاشوراء. (تر)

(135) حديث مشهور رواه الصدوق في معظم مؤلفاته الروائية مثل: «الأمالي»: المجلس الحادي والأربعين، ص195، ح (8)، ورواه في «التوحيد» و«معاني الأخبار» و«إكمال الدين». ورواه الطوسي في كتابه «الأمالي»، ص 279، ح (536). وفي مصادر أهل السنة رواه المتقي الهندي في كنز العمال وعزاه إلى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وَابن النجار في «تاريخ بغداد» بسندهما عن علي (ع). انظر كنز العمال ح (158) و(235) و(1769).

(136) انظر الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج1/ ص 448، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، ح (27).

(137) انظر الشيخ الصدوق، «علل الشرائع»، ج1/ص 1-2. والكُلَيْنِيّ، «الروضة من الكافي»، طهران، انتشارات علمية إسلامية، ج2/ص67-68 وص 127.

(138) كُتيِّب يضم مجموعة من الأدعية مروية عن الإمام السجاد: زين العابدين علي بن الحسين بن فاطمة الزهراء عليهم السلام.

(139) الصحيفة السجادية، ص 62، الدعاء (11).

 

+            +             +

 

 

 

 

 

 

 

 

B