مقدمة المترجِم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، تعالى عن الصاحبة والولد، لم يكن له شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً. بعث عباده المرسلين بتوحيده، وأقام بهم الحجة على عبيده، فهو وحده الإله الحق المستحق للعبادة دون سواه. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله سيد النبيين وخير خلقه أجمعين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار الأبرار الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فإنه ولِلَّهِ الحمد، لم يقع اختلاف بين كافة المسلمين في وجوب عبادة الله وحده وحرمة إشراك غير الله معه في العبادة، فعلماء الفريقين مجمعون ومطبقون على أنه لا يجوز أبداً عبادة غير الله سبحانه، أو تقديم أي شكلٍ من أشكال العبودية والخضوع من صلاة أو سجود أو دعاء أو ذبح قربانٍ أو نذرٍ أو طوافٍ أو غير ذلك لأحد سوى الله سبحانه وتعالى، وسبب اتفاقهم على ذلك أن هذا الأمر ثابت بوضوح بالغ في الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء/23] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..﴾ [النحل/36] وقال عزّ من قائل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..﴾ [يوسف/40]، وقال عزَّ شأنه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام/162]، والآيات في ذلك كثيرة، فتوحيد العبادة من ضروريات الإسلام، بل هو معنى ومضمون كلمته الطيبة وشعار الإسلام الأساسي: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، وكل المسلمين سنة وشيعة يقولون على الأقل عشر مرات في اليوم والليلة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، أي إياك وحدَك نعبد ولا نستعين إلا بك وحدك، وكلهم يدعون عقب صلواتهم بهذا الدعاء المأثور المتفق عليه لدى الفريقين: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيْتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».

لكن رغم هذا الإجماع والاتفاق، وقع كثير من عوام الفريقين في أعمال شركية تتناقض تناقضاً صارخاً مع توحيد العبادة الذي يقرون به بألسنتهم، حيث نرى كثيراً من العوام الجهلة يحجُّون إلى مشاهد وأضرحة الصالحين ليسجدوا عند القبر أو يُصَلُّوا إليه أو يطوفوا حوله داعين صاحب القبر لكشف الكُرَب وتلبية الحاجات ناذرين له النذور أو ذابحين باسمه القرابين، بحجة أنهم إنما يفعلون ذلك لصاحب القبر ليشفع لهم عند الله، بل إن بعضهم يرى أن للولي والصالح قدرة على فعل الخوارق والتصرف في الكون بذاته بعد وفاته، وقد انتشرت مثل هذه الأعمال الشركية بشكل كبير بن عوام الشيعة وجهَّالهم، رغم أن مجتهدي الشيعة الكبار يصرِّحون جميعاً بحرمة مثل هذه الأعمال في كتبهم، لكن بعض أنصاف العلماء المتكسِّبين بالدين أخذوا يبرِّرون مثل تلك الأعمال للعوام ويتمحَّلون لفاعليها التأويلات والأعذار، كما أن كثيراً من العلماء الواعين لزموا السكوت تجاه هذه الأمور وتقاعسوا عن القيام بواجبهم في نهي العوام عن ممارسة تلك الأفعال الشركية، وتنبيههم إلى خطورتها على دينهم وآخرتهم وإيمانهم، مع أن واجبهم ألا يسكتوا عند ظهور البدع، ومسؤوليتهم تلزمهم القيام بإرشاد الناس، وأن يزيحوا كلَّ شبهة في هذا الصدد من أذهان العوام، ويحذِّروهم من أي عمل يتعارض مع أصل توحيد العبادة الذي هو أهم ركن من أركان الإسلام وشرط النجاة يوم الحساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (النساء/116)، وقال كذلك: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (المائدة/72). لهذا أحس المرحوم آية الله الشيخ شريعت سنگلجي (1362هـ) – الذي كان من علماء الشيعة الإمامية المصلحين والمجدِّدين في إيران في أوائل القرن الرابع العشر الهجري – بخطورة هذا الوضع وبعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء في هذا المجال فقام يدعو من جديد إلى توحيد العبادة الذي هو أساس الدين، ويبيِّن أخطاء العوام وأعمالهم الشركية، وألَّف كتابه الحالي الذي بين أيدينا بلغته الفارسية، ونشره بين أبناء وطنه قبل حوالي ثمانين عاماً من الآن، وقد أعيدت طباعته عدّة مرَّات، وكان له أثر طيب في تنبيه كثير من الناس إلى حرمة تلك الأعمال التي كانوا مبتلين بها وهم لا يشعرون. هذا ولما كان كثير من العوام والجهلة وأنصاف المتعلمين لا يزالون يمارسون أنواعاً وأشكالاً من تلك الأعمال، رأينا من المفيد أن ننقل هذا الكتاب القيم والجهد المشكور إلى اللغة العربية إضاءةً لجهد علميٍّ شيعيٍّ بارزٍ في مجال الدعوة إلى توحيد العبادة، وبياناً لكون هذا الأمر مما يتفق عليه أهل الإسلام، ولا ينبغي أن يختلف بشأنه مسلم.

ولا بد في هذا المقام من ترجمة مختصرة لمؤلف هذا الكتاب تعرِّف القارئ به وبمنهجه وسائر مؤلفاته: