في بيان حقيقة الواسطة بين الحقِّ والخَلْقِ

من المسلمات العقلية والضروريات الدينية أن الأنبياء والرسل سلام الله عليهم هم الواسطة بين الحق والخلق وأنه لا بد للبشر من وسائط وإلا خربت دنياهم وآخرتهم.

ولما كان هذا الموضوع من المسائل الدقيقة والصعبة إذ إنه يتخذ أحياناً ذريعةً للشرك وقد وقع كثير من المسلمين في ورطة الشرك بسبب عدم دقتهم في هذا المعنى، لذا فإننا نحتاج إلى التحقيق في هذه المسألة وأن نبين لإخوتنا في الإيمان ما يرشد إليه كتاب الله وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الموضوع:

إذا أريد بالواسطة أنه لا بد أن يبعث الله تعالى شخصاً لهداية عباده وإرشادهم فهذا أمر حق وعين الحقيقة، لأن الناس لا يعلمون ما يحبه الله من أعمال وما يبغضه، كما لا يعلمون بماذا أمر الله وعن أي شيء نهى، كما أن الناس لا يدركون أي أعمال وأقوال توصلهم إلى سعادة الدارين وأي أعمال تشقيهم في الدنيا والآخرة. كما أن عقل البشر عاجز عن معرفة صفات الله ولا يعلم أي صفة تليق بجلاله، ولا الأسماء التي ينبغي أن يدعوه بها، كما ليس للعقل البشري طريقٌ لمعرفة كيفية المعاد وحشر الأجساد. فمن المسلم به أن الإنسان يحتاج إلى واسطة تهديه إلى الطريق المستقيم وتبيِّن له الأمور التي ذكرناها.

چونكه حق غيب است ونايد در عيان        نايب حقـند اين پيغمبران

أي: لما كان الحق غيباً لا يظهر للعيان  كان هؤلاء الأنبياء نوّاب الحقّ

فإذا ثبتت الحاجة إلى الرسل لزم أن يرسل الله تعالى هداةً ومرشدين للخلق.

إن الإيمان بالرسل هو جوهر الهداية وحقيقة الفلاح، وعصيان الرسل أصل الضلال والبعد عن الحق، ولا يمكن لإنسان أن ينال الخلاص والنجاة دون طاعة الأنبياء واتِّباعهم، فإن لم تكن نبياً فكن من أمته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/31)، فالأنبياء والرسل واسطة للهداية ووسيلة لها والإعراض عن أوامرهم سبب للضلال والشقاء.

يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (الأعراف/35).

ويقول كذلك: ﴿... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا؟ قَالَ: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (طه/123-126).

وقال سبحانه على لسان أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (الملك/9).

وقال أيضاً: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (الزمر/71).

ويقول الله سبحانه كذلك: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأنعام/48).

كما يقول سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.. (النساء/163-165).

ونظير هذه الآيات في القرآن كثير حيث يبين الله تعالى حال مكذبي الرسل الذين هلكوا بسبب تكذبيهم لرسل الله، كما أن هناك آيات أخرى تدل على أن الله ولي الأنبياء وناصرهم دائماً كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (الصافات/173)، وقال كذلك: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (غافر/51).

وقد أمر الله تعالى في آيات أخرى بصراحة بطاعة الأنبياء فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (النساء/64)، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (النساء/80)، وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران/31)، وقال كذلك: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعراف/157)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب/21).

أما إن أريد بالواسطة أن يكون الأنبياء والرسل واسطةً ووسيلة لجلب النفع أو دفع الضُرّ كالقول بأن الأنبياء وسطاء في الرزق والحياة ووسطاء في شفاء المرضى، ثم طلب الحوائج بعد ذلك من الرسل واعتبارهم أبواب الحوائج، فإن هذا القول من أكبر أنواع الشرك، لأن صاحبه يعتبر غير الله ولياً للإنسان وقادراً على جلب النفع له أو دفع الضرّ عنه.

يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟﴾ (السجدة/4).

ويقول أيضاً: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (الإسراء/56).

ويقول كذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سبأ/22-23).

سبب نزول هذه الآية أن بعض الناس كانوا يدعون المسيح والملائكة لكشف الكُرَب ودفع البلايا ويستغيثون بهم، فأجابهم الله تعالى أن الملائكة والأنبياء غير قادرين على إزالة الضرر وتغييره.

وقال تعالى أيضاً: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/79).

فكل من اتخذ الأنبياء والملائكة وأئمة الهدى واسطة يطلب منهم الرزق والحياة ويتوكل عليهم ويسألهم جلب النفع ودفع الضرّ، كغفران الذنوب ورفع الشقاء وقضاء الحاجات ودفع الفقر والفاقة، فهو كافرٌ بنص القرآن الكريم وإجماع أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (الأنبياء/26).

وقال أيضاً: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النساء/172).

وقال كذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم/89).

وقال أيضاً: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ؟ سُبْحَانَهُ! وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (يونس/18).

وقال أيضاً: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (النجم/26).

وقال أيضاً: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ (يونس/107).

وقال كذلك: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر/2).

وقد يقول قائل إننا نتَّخذ الأنبياء والأولياء وسطاء كما يكون الوزراء وسطاء بين المَلِكِ والرعية؟ فكما أن الوزراء يعرضون حوائج الناس على المَلِكِ ويطلبون منه قضاءها، فكذلك الأنبياء والأولياء يعرضون حوائج العباد على الله ويطلبون منه أن يقضيها للناس، والله هو الذي يرزق ويحي ويشفي ويعين ويمنح المال والجاه للعباد بوسيلة الأنبياء، لأن الأنبياء والأولياء أقرب إلى الله تعالى كما أن الوزراء أقرب للمَلِكِ خلافاً للعباد الذين هم بعيدون عن الله، فعلى الناس أن يقدموا حاجاتهم بكل أدب وتواضع إلى الوزراء وحجّاب المَلِكِ حيث أن طلبهم الحوائج من الوزراء أنفع لهم من طلبها من المَلِك مباشرةً.

فأقول: إذا جعلت الأنبياء والأولياء واسطة على هذا النحو بين الرب والخلق فقط وقعت في كفرٍ وشركٍ محضٍ ولا يطهِّرُكَ من نجاسة هذا الشرك هذه إلا ماء التوبة عنه!

أيها المسكين الجاهل!... إن المَلِكَ لا علم له بالجزئيات ويجهل ما يحدث في أطراف مملكته وأكنافها ولا خبر عنده عن أحوال رعيته، فلا بدَّ له من أشخاص يخبرونه بأحوالهم ويوصلون إليه عرائضهم. ولكن أليس الله بعالم بجميع الجزئيات وخبير بقلوب الناس: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...﴾ (البقرة/255)، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا...﴾ (الأنعام/59)؟؟.

كما أن الناس بعيدون عن المَلِكِ وهو بعيدٌ عنهم، أما الله تعالى فهو أقرب إلى الناس من حبل وريدهم: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق/16)، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة/186).

إن وساطة الوزراء لدى المَلِكِ لا تخرج عن ثلاثة أحوال:

 الحالة الأولة: لما كان المَلِكُ غيرَ مطلع على تفاصيل أحوال رعيته فإن الوزراء يطلعونه عليها، فإذا اطلع على ذلك قام بإصلاح حال الرعية وتلبية حاجاتهم.

فإذا تصورت للأنبياء وساطة من هذا النوع فقد جعلت الله تعالى – نعوذ بالله – جاهلاً بأحوال عباده ولا ريب أن هذه العقيدة تخالف أصول التوحيد وهي كفر صريح.

الحالة الثانية: لما كان المَلِكُ غير قادر على مباشرة أمور الرعية ومعالجتها بنفسه مباشرةً مع قيامه بواجب الدفاع عن البلاد وصدّ الأعداء في الوقت ذاته، كان محتاجاً إلى الوسائط والأعوان ليساعدوه في إدارة شؤون المُلْك.

فإذا جعلت الأنبياء على هذا النحو فقد كفرتَ بداهةً ووقعتَ في الشرك المحض لأن الله تعالى غنيٌّ عن المعاون والظهير: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (سبأ/22).

يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسراء/111).

كل ما يوجد في عالم الوجود من أسباب فإن الله تعالى خالقه وربه ومالكه فالحق تعالى غنيٌّ عن العالمين وما سواه فقير إليه، وهذا خلافاً للملوك الذين يحتاجون إلى الخدَّام والجنود والحشم وإذا دقَّقت في الأمر رأيت أن الجنود والحشم والوزراء شركاء للسلاطين في ملكهم وأمرهم، أما الحق تعالى فهو كما قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(التغابن/1).

الحالة الثالثة: أن نتصور أن الملك لا يحسن إلى رعيته ويرحمها إلا بمحرك خارجي كوزير ينصحه ويعظه فتنشأ لدى الملك بفضل هذا الوعظ الرغبة بالإحسان والخوف من الظلم، فيقوم بالاعتناء برعيته والإحسان إليهم.

إن بطلان تصور وساطة الأنبياء على هذا النحو أوضح من أن يحتاج إلى برهان، ولا شك أن اعتقاد مثل هذا الأمر في الله كفرٌ وشركٌ صريح لأن الحق تعالى رب الموجودات وأرحم بعباده من الأم بطفلها وكل شيء تابع لمشيئته الإلهية: ما شَاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكن، فكيف يمكن أن لا يملك رب العالمين الرحمة والشفقة ويحتاج إلى من يدعوه إليها وينصحه بها ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (الإسراء/ 43).

اللهم إلا أن تَلتمس من المقام المحترم للرسل والأئمة الدعاء لك وتتمنى منهم داعياً على نحو أن تقول لهم: أيها النبي، أيها الإمام أسألك أن تدعو لي الله وتسأله أن يشفي لي مريضي أو يغنيني من فضله أو يوفقني في دراستي، أو غير ذلك، فهذا النحو من السؤال لن يكون شركاً بل هو طريق مستقيم وصحيح. ولما كان الأنبياء والأئمة مستجابي الدعوة وكان دعاؤهم مقبولاً عند الله فلا شك أن الله تعالى سيلبِّي حاجتك. أسأل الله تعالى أن يوفِّق الأمة المرحومة للتوحيد وأن يستجيب دعاء النبيِّ والأئمّة بحق الجميع.

فحاصل ما ذُكر أن كل من جعل الأنبياء والأولياء واسطة بين الله وخلقه من سنخ الوسائط بين الملك ورعيته كان مشركاً وخارجاً عن دين الإسلام الحنيف.

يذم الله تبارك وتعالى النصارى لممارستهم هذا النحو من الشرك فيقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة/31)، ويقول تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ (النمل/62)، ويقول أيضاً: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (الرحمن/29).

ولقد وضع القرآن تاج التوحيد هذا على رأس الناس واقتلع الشرك والوثنية من جذورهما كي لا يخاف العباد إلا من الله ولا يتوكلوا إلا عليه.

قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا (المائدة/44).

وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران/175).

وقال سبحانه كذلك: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ (التوبة/18).

وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (النور/52).

ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ... (التوبة/59). (يشير إلى الغنائم)

ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران/173]

فإن قلتَ بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء في غير أمور الهداية وأمور التكوين كالرزق والحياة والشفاء وغيرها واستدللت على قولك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة/35)، وقلتَ إننا عندما نتخذ الأنبياء والأولياء وسيلة لحاجاتنا فإننا نطيع أمر الله حيث أمرنا في هذه الآية الكريمة باتخاذ الوسيلة إليه فالاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين والتوسل بهم أي جعلهم واسطة بين الخلق والحق في الأمور التكوينية مشروع وصحيح.

قلتُ في الجواب عن ذلك: إن المراد من ابتغاء الوسيلة إلى الله التوسل إليه بالعلم والعمل الصالح لأن حقيقة التقرّب إلى الله الزلفى إنما تكون بامتلاك العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة، فيجب إذن التوسل إلى الله بالعلم والعمل. أما أشخاص الرسل فهم كما ذكرنا واسطة في الهداية، وطاعتهم وسيلة القرب من الله، فكل من أطاع الأنبياء وعلم وعمل عملاً صالحاً كان قريباً من الله، وكلما زاد علمه وعمله بالشريعة كان أقرب إلى الله، كما أن قرب المتعلم من المعلم هو أن تتجلى فيه كمالات المعلم وكلما كان التلميذ أكثر فضلاً وعلماً واستفاد من الأستاذ أكثر اقترب منه أكثر. والحاصل إن الوسيلة هنا معناها الطاعة والعمل الصالح. [وفيما يلي بعض الشواهد على ما نقول]:

أولا: لقد نصَّ المفسرون واللغويون على أن الوسيلة بمعنى ما يُتوسَّل به من الطاعات والعلم، وقد صرح الراغب الأصفهاني في مفرداته بهذا المعنى.

والشاهد الثاني على ما نقول هو نصّ الكتاب الكريم أي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (الإسراء/56).

ولقد ابتُليَت قريش بالقحط والغلاء، فأنزل الله هذه الآية على نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن يقول لهم: ادعوا هؤلاء الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم يقضون حاجاتكم!.. إنهم غير قادرين على إزالة الشدة أي القحط والغلاء عنكم كما لا يستطيعون أن يغيِّروا حالكم، إن هذه الآلهة التي تعبدونها (والمراد عيسى ومريم وعزير والملائكة والجن) هم أنفسهم يبتغون وسيلةً يتقرّبون بها إلى الله أيهم يكون أقرب إليه ويأملون رحمته ويخافون من عذابه. أي أن هؤلاء الذين تدعونهم بحجة أنهم من المقربين إلى الله كالمسيح والملائكة والجن هم أنفسهم يتوسلون إلى الحق سبحانه ويرجون عطاءه.

إذن فهؤلاء المدعوُّون هم كسائر العباد يعيشون في الخوف والرجاء فلا يجوز أن تسألوهم كشف الضرّ عنكم ولا قضاء حاجاتكم. وفي النتيجة النهائية يتضح أنه لا يمكن أن يكون المراد من الوسيلة في الآية الكريمة الأنبياء والأولياء لأن الله تعالى نفى عنهم، في هذه الآية الأخيرة، هذه الصفة (بالاستدلال الذي مَرَّ).

كان من دعاء سيد الساجدين حضرة زين العابدين سلام الله عليه في دَفْع كَيْدِ الأعْدَاءِ وَرَدِّ بَأْسِهِمْ – كما في الصحيفة السجادية: وَ وَسِيلَتِي إِلَيْكَ التَّوْحِيدُ، وَذَرِيعَتِي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً، وَلَمْ أَتَّخِذْ مَعَكَ إِلَهاً....

فتبيَّن من هذه الآية الكريمة ودعاء الصحيفة السجادية وتحقيق المفسرين أن الوسيلة ليس معناها شخص النبي أو الولي وأنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان شخصاً وسيلةً بل الوسيلة إلى الله منحصرة في العلم والعمل الصالح وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن ما يقرّب العبد من الله هو العقائد الصحيحة والأعمال الفاضلة.

إن من مصائب المسلمين جهلهم بأسس دينهم، وأنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن كل واحد من أئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين كذبة وزنادقة يكذبون عليهم وينسبون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأولياء صفات الله، ويدَّعون النبوة، وكان أولئك الأجلاء الكرام يبرؤون من أولئك الكذابين ويلعنونهم.

والغلاة في الأصل تسع فِرَق كلهم يقولون ببطلان الشرائع. ففرقةٌ منهم تقول: إن الله يظهر بصورة الخلق وينتقل من صورة إلى صورة ومعرفة مثل هذا الشخص (الذي ظهر الله بصورته) يوجب سقوط التكليف! وَفِرَق أخرى تقول إن الأئمة هم الخالقون والرازقون والمحيون والمميتون، وأن المراد من الصلاة والصوم والزكاة أشخاص صالحون والمقصود من الخمر والميسر والزنا رجال طالحون وكل من عرفهم سقط عنه التكليف!..

لاحظوا كيف راج الغلو بين المسلمين!.. والذي دفع العوام والجُهَّال إلى ذلك الغلو، الصفات الرفيعة والخصال العالية والعلم الوافر التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرون عليهم السلام يتمتعون بها.

والأمر الفاضح كان ذهاب العوام إلى مثل ذلك الغلو في حق ذراري الأئمة. بل إن بعض أراذل الخلق قالوا بمثل ذلك الغلو في حق مرشديهم الجهلة من رأسهم إلى أخمص أقدامهم! فنسبوا إليهم صفات الربوبية والخالقية وقضاء الحاجات وتفريج الكُرَب، ووصل الجهل والشرك بهؤلاء الأراذل إلى قولهم بوجوب تصوُّر صورة المرشد عند ذكر الله وعبادته! وقالوا: يجب أن يكون المخاطب بجملة إياك نعبد المرشد! بل وصل الأمر ببعضهم إلى السجود للمرشد وعبادته، نعوذ بالله من الضلال ومن حماقة الأراذل والجهَّال.

 وتتميماً للكلام وَتبصرةً للأنام ننقل فيما يلي حديثاً رواه الكشيُّ في رجاله (ص 108) عن عمير عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال علي بن الحسين سلام الله عليه: لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبإ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادَّعَى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله؟ كان عليٌّ - عليه السلام - واللهِ عبداً لِلَّهِ صالحاً، أخو رسول الله n، ما نال الكرامةَ مِنَ الله إلا بطاعته لِلَّهِ ولرسوله، وما نال رسول الله n الكرامةَ مِنَ الله إلا بطاعته..

وجاء في كتاب رجال الكشِّيّ(98) أيضاً عن يونس عن هشام بن الحكم أنه سمعَ حضرةَ الإمام أبي عبد الله الصادق - عليه السلام - يقول: كان المغيرةُ بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم..

وفي رجال الكشي أيضاً عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن الحسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام يوماً لأصحابه: لعنَ الله المغيرةَ بنَ سعيدٍ ولعن يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق إن المغيرة كذبَ على أبي عليه السلام فسلبه الله الإيمان، وإن قوماً كذبوا عليَّ ما لهم أذاقهم الله حرَّ الحديد، فوالله ما نحن إلا عبيدُ الذي خلقنا واصطفانا ما نقدر على ضر ولا نفع إن رحمنا فبرحمته وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون، ويلهم ما لهم لعنهم الله فلقد آذوا الله وآذوا رسوله n في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي... إلى آخر الحديث(99).

وعَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ (أي الإمام موسى الكاظم عليه السلام) أَنَا وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ يَحْيَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ؟! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَتْ فِي جَسَدِي شَعْرَةٌ وَلا فِي رَأْسِي إِلا قَامَتْ. قَالَ ثُمَّ قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلا رِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم‏(100).

وروى الكشي أيضاً بسند صحيح عَنِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ! قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ؟؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ يَعْلَمُ قَطْرَ الْمَطَرِ وَعَدَدَ النُّجُومِ وَوَرَقَ الشَّجَرِ وَوَزْنَ مَا فِي الْبَحْرِ وَعَدَدَ التُّرَابِ؟ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ لا وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ هَذَا إِلا اللَّه!(101)‏.

 

من أنواع الشرك الأصغـر الأخرى: الرياء:

يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (الماعون/5).

ويقول تعالى في ذمّ المرائين: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا [النساء/142].

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!.(102).

والرياء: مشتقٌّ من الرؤية والمراد من الرياء طلب المنزلة والتقدير في قلوب الناس بإظهار الخصال الصالحة كالعبادات والشمائل أو بالتظاهر بالآثار التي تدل على الصفات الحميدة، أي أن لا يقوم المرائي بعملٍ خيِّرٍ بل يتظاهر بأمور يمكن أن يُستدَلّ بها على عمل خيِّرٍّ كإظهار الضعف والإعياء ليفهم الناس أنه قليل الطعام قليل النوم في الليل، أو أن يمشي المرائي مشية المتماوت الفاقد للحال ويلبس الألبسة المتسخة وأمثال ذلك من الأعمال ليجعل الناس البسطاء والجهلاء يستدلون من ذلك على زهده وإعراضه عن الدنيا.

والرياء في العبادة من كبائر الذنوب وصاحبه مغضوبٌ عليه من الله ومحرومٌ من الوصول إلى السعادة، إضافةً إلى أن رياءه يبطل عبادته سواء كان الرياء في أصل العبادة أم في صفاتها اللازمة، ولا فرق في بطلان عبادة المرائي بين أن يكون قصده منها الرياء المحض دون أي نية للتقرُّب إلى الله أو أن يكون الرياء ممتزجاً بنيَّة القربة بل حتى لو كان قصد القربة أرجح وشابه شيءٌ قليلٌ من الرياء كان ذلك كافياً في إفساد العبادة وعدم سقوط التكليف عن صاحبها بل يكون حاله أسوء من حال من ترك العبادة.

كليد درِ دوزخ اسـت آن نماز       كه در چشم مردم گذارى دراز

اگر جز بحق ميرود جاده است        در آتش فشـانند سجاده است

ومعناه:

تلك الصلاة التي تطيلها أمام أنظار الناس هي مفتاحٌ لباب جهنم!

إذا اتَّجهت الجادَّة نحو غير الله، أُلْقِيَت السجَّادة (سجَّادة الصلاة) في النار!

كما أنه لا فرق في فساد العبادة التي تُؤدَّى رياء أن يكون الرياء في ابتداء العبادة أو يعرض أثناءها.

هناك نوع من الرياء جائز هو الرياء في المعاصي، بمعنى أن يستر العاصي والمذنب عصيانه عن الناس ويكره أن يطلع أحدٌ على ذنبه، فهذا النوع من الرياء جائز لأن إظهار المعاصي قبيح ومُحرَّم. وأما قيل من أن مقتضى الإخلاص أن تكون سريرة الإنسان وباطنه على نحو إذا ظهر للعيان لم يكن فيه أي قبح، وهو معنى ما قاله بعض الأكابر: عليك بعمل العلانية أي عليك بالعمل الذي إذا ظهر لم تخجل من، فلا شك أنَّه مرتبة عالية من الفضيلة ومقام رفيع لا يصل إليه إلا المعصومون وقليل من المختارين للقرب رب العالمين، أما سـائر الناس فلا يخلو أمرهم من ظاهر الإثم وباطنه خاصَّـةً من الأفكار الباطلة والوساوس الشيطانية والآمال الكاذبة التي يراها الحق تعالى جميعها إذْ لا تخفى عليه منهم خافية، فالسعي في إخفائها واجبٌ وإظهارها حرامٌ.

روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن من ارتكب عملاً قبيحاً فليستره عن الناس كي يستر الله عليه وليدع بهذا الدعاء: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ وَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَسُلْطانِكَ الْعَظِيمِ وَعِزَّتِكَ الَّتِي لا تُرَامُ وَقُدْرَتِكَ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَشَرِّ الأوْجَاعِ كُلِّهَا...(103). وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

في بيان أن الشفاعة لا تنفع إلا من كان اللهُ تعالى راضياً عنه:

مسألة الشفاعة من المسائل الدينية المهمة ومن المسلَّمات في دين الإسلام المبين، إلا أن الفِرَقَ الإسلامية اختلفت في كيفيتها:

فأثبت جمهور الأشاعرة والإمامية شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسقاط العقاب عن أهل العقاب. أما المعتزلة فقالوا ليست شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسقاط العقاب، وإنما هي لإيصال الثواب إلى أهل الثواب. وبعبارة أوضح، لا ينال العصاة الآثمون العفو والتجاوز عن ذنوبهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل ينال المطيعون بها عُلوَّ المرتبة وارتفاع المنزلة.

وأدلة الفريقين مبسوطة في كتبهم الكلامية، ومن دراسة اختلافهم يتبين أن موضوع الشفاعة مسلَّمٌ به لدى جميع الفرق وإنما وقع الاختلاف في كيفيتها وحقيقتها.

ونحن سنرجع قبل كل شيء إلى القرآن الكريم لنرى ماذا يقول بشأن الشفاعة؟

هناك في القرآن آيات تنفي الشفاعة بشكل مطلق وصريح، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (الأعراف/53).

وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (الشعراء/101).

وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (المدثر/46-48).

وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ (الأنعام/51).

وقوله تعالى كذلك: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ (الأنعام/70).

وقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ(الروم/12).

وقوله كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة/254).

وقوله أيضاً: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ؟ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ! (الزمر/43).

وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (البقرة/48).

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة/254).

وقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (يس/23).

وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (النجم/26).

وهناك آيات أخرى تثبت الشفاعة ولكن بشرط رضا الله عن المشفوع له وإذن الله للشافع بالشفاعة، وذلك كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ (البقرة/255).

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (يونس/3).

وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (طه/109).

وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (سبأ/23).

وقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (مريم/87).

وقوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (الزخرف/86).

إن استنتاج النتيجة الصحيحة من الآيات المذكورة أعلاه والتحقيق في مسألة الشفاعة يحتاج إلى مقدمة هي التالية:

من تعاليم الإسلام السامية المسلَّم بها أن الإنسان لا يجوز له أن يتوكَّل إلا على الله وعليه أن لا يرى في الوجود مؤثراً سواه. ومن الجهة الأخرى لما كانت سعادة الإنسان المادية والمعنوية رهينة بأعماله كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر/38)، فلا بد إذن من التوكل على الله والسعي لاكتساب الأعمال الصالحة ليرتقي بها في درجات الرقي والتكامل:

سـايهء حق بر سـر بنده بود                عاقبت جوينده يابنده بود

أي: اللهُ في عون العبد ومدده معه ومن جَدَّ في طلب الشيء وجده

وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (الإسراء/7).

وقال أيضاً: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة/112).

فالنجاة من الشقاء والمصائب والنكبات لا تكون إلا من خلال العمل الصالح كما أن كل ما يحل بالإنسان من مصائب سببه أعماله السيئة كما قال الله في الحديث القدسي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ إِلَيْكُم(104). ‏

ويقول تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (النساء/123).

ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يجادلون أهل الكتاب ويخاصمونهم ويستدلون عليهم وأن أهل الكتاب كانوا يقولون نحن خير منكم وأعلى شأناً وأقرب إلى الله منكم لأن نبينا وكتابنا كانا قبل نبيكم وكتابكم، وكان المسلمون يردون عليهم قائلين بل نحن أفضل منكم لأن نبينا أفضل الأنبياء وخاتمهم وشرعنا نسخ جميع الشرائع السابقة فنزلت هذه الآية الكريمة.

ومعنى الآية أن ما وعد الله به من ثواب وأجر للمؤمنين لا يُنالُ بأمانيكم ولا آمالكم (فمجرد كوننا أمة خير المرسلين أو شيعة أمير المؤمنين غير كاف) كما أن ذلك الأجر والثواب لا يُنالُ بأماني أهل الكتاب وآمالهم، الذين كانوا يقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى (البقرة/111)، بل يُنالُ بالعلم والعمل الصالح:

بآرزو وهوس بر نيايد اين معنـى     بآب ديده وخون جگر تواند بود

أي: لا يُنالُ ذلك بالتمنِّي والتشهِّي    بل بسكب الدموع وبذل المُهَج

في الحديث الشريف عن حضرة أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام أنه قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا بَنِي هَاشِمٍ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ وَإِنَّ لِي عَمَلِي وَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَمَلَهُ لا تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا وَسَنَدْخُلُ مَدْخَلَهُ فَلا وَاللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَلا مِنْ غَيْرِكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلا الْمُتَّقُونَ، أَلا فَلا أَعْرِفُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَأْتُونَ تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا عَلَى ظُهُورِكُمْ وَيَأْتُونَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ. أَلا إِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَفِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيكُمْ(105).

لا شك أن الذين أرسلهم الله لتربية الناس عليهم أن يسلكوا هذه الطريقة بأن يدعوا للعمل ويجعلوا السعادة والشقاء نتيجة مباشرة لأعمال الناس.

إذا عرفنا ذلك فلننظر الآن ما هي الشفاعة؟ إن الشفاعة طلب العفو عن ذنب المذنب وفي الاصطلاح الشرعي الشفاعة عبارة عن طلب بعض الصالحين من الله تعالى أن يتجاوز عن معاقبة المذنبين ويعفوَ عنهم.

لقد أوقعت مثل هذه العقيدة ضرراً فادحاً بأهل الأديان، وهي تحريف من صنع وتعاليم الكهنة الذين ابتدعوا هذا المعنى كي يكون لهم شأن بين الناس، وقالوا للناس إنهم يمتلكون مقام الشفاعة هذا.

إن الشفاعة بذلك المفهوم هي الشفاعة الشركية عينها التي كان يعتقد بها المشركون، ومن المعروف لدى العامة والجاهلين من الأمة أنهم يتصوَّرون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام كانوا يقولون – والعياذ بالله –: أيها المذنبون والخطاة أحبونا فقط ونحن سنشفع لكم غداً يوم القيامة!.

إن هذا المعنى يخالف دعوة الأنبياء ويناقض أصول الإسلام ويتنافى مع أصول التربية والتعليم ويلزم عنه أن تصبح بعثة الرسل لغواً وعبثاً. ومَثَلُ ذلك مثل من يقول لطفل: يجب عليك أن تدرس في المدرسة ولكن إذا لم تدرس فلا تخف من المعلم فأنا سآتي وأتوسط لك (كي تنجح)!.

هل يمكن أن نتصور أن يأتي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بنواهي وأوامر من عند الله ويقول لنا عليكم العمل بأوامر الله وترك نواهيه، ولكن إن لم تفعلوا ذلك فلا حرج فسأشفع لكم!.

إن هذا مخالف لتربية الرسل وينافي الهدف من بعثتهم. لقد أبطل الإسلام أيَّ سبب للفوز والفلاح سوى العمل الصالح، أضف إلى ذلك أن الشفاعة بذلك المعنى تتضمَّن شركاً محضاً إضافة إلى أنها تجعل الناس يغترون ويتركون العمل.

أما الشفاعة التي يثبتها الكتاب والسنة فهي الشفاعة التي تتم بإذن الله لأجل شخص موحِّدٍ قد نال رضا الله. وبعبارة أوضح لا بد للمشفوع له أن يكون موحداً وأن لا يؤمن بشركاء لِـلَّهِ وشفعاء بذلك المعنى الذي ذكرناه، عندئذ فقط يأذن الله لنبيه بالشفاعة لهذا الشخص.

سُئل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصَةً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ(106).

إذن فقد جعل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم تجريد التوحيد أهم سبب لنيل الشفاعة وهذا بالضبط عكس ما يقوله المشركون الذين يزعمون أنهم ينالون الشفاعة عندما يتَّخذون الأنبياء شفعاء وأولياء لهم من دون الله.

وببيان أوضح إن العقيدة الشركية في الشفاعة هي عين الاعتقاد الذي يعتقده العوام اليوم، الذين يقدمون صنوف العبادة للأنبياء والأولياء ويخضعون لهم ويخشعون أمامهم، ويبكون في مجالس عزائهم ويجعلون محبتهم في قلوبهم ثم بعد ذلك يقومون بآلاف الأعمال الفاسدة ويظنون أن الأنبياء والأولياء سيشفعون لهم يوم القيامة! فهذه هي عقيدة المشركين الذين لا يعتمدون على العمل الصالح أبداً.

ومن جهل العوام أنهم يقولون: إذا كنتَ تحبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام وتجعله شفيعك عند الله فإن الله سيرحمك ويعفو عنك، كما يحدث عندما تنشئ علاقة محبَّة وارتباط بينك وبين مقرَّبي مَلِكٍٍ من الملوك وتجعلهم شفعاء لك عنده، فإن هذا سيجعلك موضعاً للطف الملك بك ورحمته لك! ولا يدري هؤلاء العوام الجُهَّال أن الشفاعة دون إذن من الله مستحيلة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ؟ (البقرة/255)، وأنه بعد أن يأذن الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بالشفاعة، فإن هذا الإذن لن يكون إلا بالشفاعة لمن كان الله راضياً عنه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى (الأنبياء/28).

قال الشاعر سعدي:

اگر خداى نباشد زبنده اى خوشنود شفاعت همه پيغمبران ندارد سود

أي: إذا لم يكن الله راضياً عن عَبْدٍ     فلن تنفعه شفاعة جميع الأنبياء

وخلاصة الكلام إنه للنجاة من العقيدة الشركية بشأن الشفاعة لا بد من رعاية ثلاثة أصول:

الأصل الأول: الشفاعة مستحيلة دون إذن من الله.

الأصل الثاني: الله تعالى لا يأذن بالشفاعة إلا بحق شخص هو راضٍ عنه قولاً وعملاً.

الأصل الثالث: إن القول والعمل الذي يرضي الله تعالى هو التوحيد الخالص المنزه من شوائب العقائد الشركية الذي يتابع صاحبه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته السنيَّة. فإذا لم تتحقق تلك الشروط الثلاثة فلن تنفع أحد شفاعة الشافعين. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

في معنى السببية وحقيقتها وخطأ الناس في الأسباب وعدم انتباه المشركين إلى مسبب الأسباب:

لقد خلق الله تبارك وتعالى مخلوقات هذا العالم في غاية الحكمة والإتقان، وجعل بحكمته لكل موجود سبباً لا يمكن لهذا الموجود أن يوجد دون وجود سببه. والمسلم المؤمن بالقرآن لا ينكر الأسباب أبداً لأن القرآن صرَّح بها، كما في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ (البقرة/164).

فلكل شيء سبب ولن ينتظم أمر العالم دون الأسباب: أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الأُمُورَ إِلا بِأَسْبَابِها(107)، وهذه هي القاعدة التي بُنِيَت الخليقةُ على أساسها: ﴿.. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر/43).

لكن ثمَّة أمور ينبغي أن نعلمها بشأن الأسباب:

أولاً: إن الأسباب في العالم ليست علةً تامَّةً للمُسَبَّبات ولا هي الفاعلُ الحقيقي لها، فكل ما تراه من الأسباب هو مقتضيات ومُعَدَّات، والفرق بين العلة والمُعدّ أن العلة تمنح الوجود وتعطيه، أي عندما توجد العلة فإن المعلول يوجد بالضرورة والبداهة، كما أنه عند ذهاب العلة وانعدامها ينعدم المعلول تلقائياً، أما الأمر المُـعَدُّ فلا يوجد المعلول بوجوده كما لا ينعدم المعلول بانعدامه، وذلك مثل وجود الأب بالنسبة إلى الابن، فوجود الأب ليس علَّةً تامَّةً لوجود الابن بل لا بد من اجتماع شروط أخرى أيضاً كوجود الأم وسلامة نطفة الأب ورحم الأم وانعدام موانع أخرى ووجود ظروف ملائمة مثل الهواء والماء والمواد الغذائية التي يجب أن تأكلها الأم، فإذا وجدت هذه الشروط، وزالت الموانع، وُجِدَ الولدُ عندئذٍ. إذن الأب ليس علَّةً تامَّةً بل هو سببٌ ومُعَدٌّ وبذهاب الأب لا ينعدم الابن:

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (الواقعة/58).

إن العلة الحقيقيَّة هي الله تعالى وإذا أمسك مدده عن العالم لحظةً عاد العالم فوراً إلى عدمه الأزلي: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ (البقرة/255).

فبناء على ما تقدم ليس السبب المعين مستقلاً في تحصيل المطلوب بل لا بد من ضم أسباب أخرى له، وزوال الموانع، حتى يتحقق المطلوب.

فلا ينبغي على الشخص الموحِّد أن يتصوَّر أن الأسباب مستقلة في التأثير، كما لا يجوز له يعطِّل الأسباب بل عليه أن يأخذ بالأسباب ويتمسك بها, ويتكل في النتائج على مسبِّب الأسباب.

هناك فرقٌ بين تعطيل الأسباب وخلع الأسباب. الموحِّدُ يخلع الأسباب ويعتبر الله تعالى وحده مسبِّبَ الأسباب، ولكنه يأخذ بالأسباب بقدر استطاعته. أما المشرك فعينه على السبب فقط ونسيَ المُسَبِّبِ، ولقد خلق الله تعالى الأسباب بأكمل إتقان إلى درجة خفي فيها مسبِّبُ الأسباب الحقيقي عن أعين الناس.

فما جاء في القرآن الكريم من إثبات الأسباب في بعض الآيات، ونفي الأسباب في بعض الآيات الأخرى، إنما يشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه، من أن الأسباب ليست مستقلَّة.

إن الناس – إضافة لأنواع الشرك التي ابتلوا بها - مبتلون أيضاً بالشرك بالأسباب، ويعتقدون أن كل سبب ضعيف قاضٍ للحاجات:

از سبب سـازيت من سـودائيم            وزسبب سوزيت سوفسطائيم

ديده‌اي خواهم سبب سوراخ‌كن     تا سـببرا بركَنَد از بيخ وبُـن

تا مسـبب بيـنَد اندر لا مكان      هرزه بيند جهد واكساب دكان

از مسبب ميرسد هر خير وشـر     نيست اسباب ووسايط را اثـر

ومعناه:

أنا في حَيْرَةٍ من قولك بالأسباب         كما أنني متعجّبٌ من إلغائك للأسباب

أريد عينا تنفذ من الأسباب إلى المسبِّب وتقتلع تأثير الأسباب من الجذور

كي ترى المُسبِِّبَ في اللامكان وترى الجهد والاكتساب لغوٌ بلا تأثير

كل خير وشرٍّ يأتي من المُسَبِّب ليـس للأسـباب والوسـائط تأثير

ثانياً: هناك بين السبب والمسَبَّب مناسبةٌ وعلاقةٌ خاصةٌّ وليس كل سببٍ يصح أن يكون علَّةً لأيِّ مُسَبَّب. فلا بد من خصوصية وعلاقة بين العلة والمعلول، والسبَب والمُسبَّب, وإذا لم نقل بالخصوصية والمناسبة بين السبب والمسبَّب لزم من ذلك الهرج والمرج في نظام العلل والمعلولات فيصبح أي شيء علة لأي شيء دون مناسبة.

فمثلاً توجد مناسبة بين النار والإحراق فلا يمكن أن تكون النار سبباً للبلل، وبفضل هذه العلاقة بين الموجودات استطاع الإنسان أن يعلم بها ويحقق الحقائق، ولو لم تكن هناك علاقة ومناسبة بين الأشياء لامتنع التعليل والاستدلال. فلا يمكن لشيء أن يكون علة لشيء آخر دون مناسبة وخصوصية، فما لم نجد طريق المناسبة والخصوصية لا يجوز أن نحكم بالسببية.

وهناك طريقان للحكم بسببيّة شيء لشيء:

الطريق الأول: التجربة. مثلاً إذا قمت بتجربة إشعال النار وكرَّرتها فرأيت أنها تحرق غالباً، حكمتَ بأن النار محرقة.

طريقة التجربة هذه طريقة صحيحة، وقد حققت البشرية التقدم والرقي في الماديات من خلال هذه الطريقة.

الطريق الثاني: الوحي. ليس بمقدور التجربة أحياناً أن تكتشف السبب، فهنا لا بد من الاعتماد على الوحي الذي يأتي ويبيّن وجود هذه السببية. مثل سببية الأعمال الصالحة للسعادة الأخروية، وسببيَّة الأعمال السيئة للشقاء الأخروي.

إذن هناك طريقان لكشف السببية: التجربة والوحي.

وكثيراً ما يقع الإنسان في الخطأ في تعيين سببية بعض الأشياء لبعضها الآخر، فيجعل أمراً ما سبباً لأمر آخر مع أنه ليس سبباً له في الواقع، ولا دليل لديه على كونه سبباً لا من تجربة ولا من وحي، وذلك كأن يقول إن العطسة علامة للصبر، وأن عدد الثلاثة عشر سبب للنحس.

والحاصل إن هناك خطآن يقع الناس بهما عادةً في مسألة السببية:

الخطأ الأول: أن يتصور الإنسان أن شيئاً من أسباب العالم علةٌ تامةٌ ولا ينتبه إلى أنه ما لم تتعلق مشيئة الله تعالى بذلك السبب فلا يمكن لأي شيء أن يكون له أي تأثير.

خواجه پندارد كه روزي دِه دهد     او نپندارد كه روزيده دهد

أي: يظن الإنسان أن قَرْيَتَهُ ترزقه       وينسى أن الرزَّاق هو الذي يرزقه

وهنا مكمن لنشأة الشك والإلحاد في الدين: فالمعلِّمون الجهلاء يقولون لأتباعهم إن الدعاء الفلاني أو النذر الفلاني علة تامة لقضاء الحاجة الفلانية، فيؤدي الدعاء أو النذر ولا يحصل على النتيجة المطلوبة، فينشأ الشك وفساد العقيدة في نفسه ويتصور أن الدعاء والنذر ليست سوى أكاذيب ولا أثر لها مطلقاً، ويغفل عن أن الدعاء والنذر ليسا علة تامة بل هما مُعَد.

الخطأ الثاني: يحصل في فهم السببية والتناسب بين العلة والمعلول، فيظن الناس غافلين أن أي شيء يمكنه أن يكون علة لأي شيء.

وهذا الخطأ علة لنشأة الخرافات: مثلاً يظن البعض أن حوذة (نعل) الفرس سبب لتوسعة الرزق، وأن خاتم العقيق دافعٌ للبلايا، وأن قِدْر سُكَّر الشعير شافٍ، وأن الشيء الفلاني علامة للسعد والشيء الآخر علامة للنحس. مثل هذه العقائد إضافة لكونها شرك بالله، سبب لانحطاط العقل وحيرة الفكر، والمسكين الذي يفكر بهذه الطريقة يخاف من كل شيء ويتشبَّث بكل وهم ويتمسَّك دائماً بأسباب وهمية، قد أغلق على نفسه طريق الاستدلال العقلي فصار تائهاً وحيرانَ لا يدري ماذا يفعل وإلى أين يلجأ، تهزُّه كل ريح ويصاحب كل باطل ويعتقد كل يوم بشخص. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة/18).

بدء عبادة الأصنام بين البشر:

إن سبب عبادة الأوثان واتخاذ الأصنام أمران:

الأول: عبادة النجوم كما بيّناه في باب تحريم التنجيم.

والثاني: عبادة الأموات.

 

أما عبادة الأموات فتحاج إلى تقديم مقدمة:

يظهر من طقوس الدفن لدى الأمم القديمة أنهم كانوا يظنون أنهم عندما يدفنون ميتاً فإنهم يدفنون شيئاً حياً معه أيضاً في التراب. فاليونانيون القدماء كانوا إذا دفنوا ميتاً في التراب نادوا روحه باسمه ثلاث مرات ودعوا له بالحياة السعيدة تحت الأرض وقالوا له ثلاثة مرات: لتكن السعادة معك ولتكن مرتاحاً من كل غم وحزن، وكانت عقيدتهم ببقاء وجود الإنسان تحت التراب راسخةً إلى درجة تصورهم أن الميت يشعر باللذة والألم في قبره كالأحياء تماماً. (أما تعاليم الإسلام فتقول إن الروح تتعذب أو تتنعم في عالم آخر غير عالم القبر يسمى بعالم البرزخ)، وكانوا يكتبون على القبر هنا آرامگاه أي: مكان الراحة والسكون لفلان، وانتقلت إلينا هذه العبارة بعد قرون، ولا تزال متداولة بيننا اليوم، كأثر باقٍ من المعتقدات القديمة التي وصلت إلينا، هذا في حين أنه لا يوجد مسلم اليوم يعتقد أن القبر ذاته مكان لراحة وسكون المقبور الأبديين. لقد كانت الشعوب القديمة تعتقد بحياة الإنسان تحت التراب إلى درجة أنها كانت تدفن دائماً مع الميت أشياء مثل الألبسة والأواني وآلات الحرب، لأنها تعتقد أن الأموات يحتاجونها، حتى أنهم كانوا يصبون الخمر على قبر الميت كي لا يعاني من العطش ويضعون على قبره الطعام كي لا يتألم من الجوع، بل كانوا يقطعون رؤوس خيول الميت وغلمانه – أي عبيده – ويدفنونها معه كي تخدمه كما كانت تفعل في حال حياته!.

وانطلاقاً من هذه العقيدة كانوا يعتبرون دفن الأموات واجباً لأن الروح مرتبطة بالجسد وعندما يوضع الجسد في مثواه الترابي فإنه يتمتَّع بحياة جديدة. أما الروح التي ليس لها قبر معيَّن فإنها تبقى تائهةً هائمةً بلا مكان، ورغم شوقها إلى الراحة والسكون الأبديين بعد مشقات الحياة وآلامها، لا تصل أبداً إلى الجسم وتبقى تائهةً على صورة شبح لا يجد الراحة ولا يتمتع بالهدايا والأغذية التي يحتاجها، وهذا ما يجعل هذه الروح في عاقبة الأمر سيئة الأخلاق وشرسة فتبدأ بإيذاء الأحياء وترسل إليهم الأمراض المختلفة وتقوم بإهلاك زروعهم وثمارهم وتخيف الناس لعلها بذلك تدفعهم إلى دفن جسدها وتخليصها من التيه والضياع، وكانوا يعتقدون أنه ما لم يدفن الجسد فإن روحه تبقى شقيةً، فإذا دفن جسدها صارت سعيدة. وكانوا يطلقون على الروح الشريرة لقب الجن والشيطان.

وقد عاقب أهالي أثينا بعض قادة الحروب في المعارك البحرية الذين توانوا عن دفن القتلى واكتفوا برمي أجسادهم في الماء، فأعدموهم، ولا عجب في ذلك لأن أولئك القادة العسكريين كانوا تلاميذ الفلاسفة وكانوا يعتبرون الروح منفصلة ومتميزة عن الجسم، فلما لم يكونوا يعتقدون بالارتباط بين الروح والجسد، لم يكن هناك في نظرهم فرق بين فناء الجسد في الماء أو في التراب لذا كانوا يرمون الجنود القتلى في البحر، أما أهالي اليونان حتى الذين كانوا منهم في أثينا فكانوا لا يزالون متمسكين بعقائدهم القديمة، لذلك كانوا يعدمون مثل أولئك القادة بتهمة الكفر وانعدام الدين، هذا رغم أن فتوحات أولئك القادة حفظت أثينا من ضرر الأعداء، لذا كان أقرباء المقتولين يلبسون الحداد ويطالبون بالانتقام لقتلاهم من ديوان العدل (المحاكم).

في المدن القديمة كان القانون يعاقب أحياناً المجرمين الكبار بحرمانهم من الدفن وطقوسه وكان ذلك من أشد العقوبات لأنهم كانوا بذلك يعاقبون روح المجرم أيضاً التي كان ينتهي بها الأمر بتلك العقوبة إلى العذاب الأبدي.

كان أقدم تصور للإنسان عن الموت هو أن الإنسان يعيش من جديد تحت التراب وروحه لا تبتعد أبداً عن جسده بل تبقى في القبر ذاته الذي دفنت فيه عظام الميت. والإنسان الذي يعيش تحت التراب لا تختلف حياته كثيراً عن حالته الأولى بأن يصبح مثلاً مستغنياً عن الطعام، بل إنه لا يزال يأكل ويشرب لذا كانوا يأخذون للأموات الطعام في أواني خاصة في أيام معينة من السنة!

عبادة الأموات:

لم يمض زمن على تلك العقائد المذكورة حتى ترتبت عليها تكاليف وواجبات جديدة، فلما كان الأموات في نظرهم يحتاجون باستمرار إلى الأكل والشرب، اعتبر الأحياء أن تأمين حاجة الأموات من واجباتهم ومن هنا ظهرت عبادة الأموات.

لقد كان الأموات من جملة المقدسات وكان القدماء يضفون على أمواتهم أفضل الصفات وأعلاها، فكانوا يعتبرون الأموات صالحين ومطهرين وسعداء وكانوا يقدمون لهم كل صنوف التبجيل التي يقدمها البشر لإلـههم المحبوب والقدير، ولم تكن طقوس التبجيل والتعظيم تلك مختصة بالشخصيات الكبيرة بل كانت تشمل جميع الأموات دون فرق.

كان اليونانيون يعتبرون الأموات آلهة تحت الأرض، وكانت معابدهم هي قبور الموتى. وكانت هذه الطريقة رائجة في الهند أيضاً كما كانت رائجةً لدى الرومان واليونانيين، حيث كان الهنود يصنعون لأمواتهم طعاماً يطلقون عليه اسم سرادها، وكان على كل صاحب بيت أن يصنع هذا الطعام من الأرز والحليب وجذور الأشجار والفاكهة كي تعطف الأرواح عليه. وكانت الشعوب الأفريقية البدائية مثلها مثل الشعوب القديمة في الهند واليونان، يعتقدون أن أمواتهم آلهة سعيدة ومبتهجة، ولكن سعادتها منوطة بعدم تقصير الأحياء في أعمال البر والخير، وكانوا يعتقدون أنهم إذا لم يعدوا للأموات طعام السرادها، خرجت أرواحهم من مراقدها وتاهت وصارت سبباً لإيذاء الأحياء، وبالتالي فإلـهية الأرواح كانت أمراً مسلماً به طالما كان الأحياء يؤدون طقوس الدين الرائجة تجاهها. ويبدو أن ديانة عبادة الأموات كانت أقدم أديان البشرية.

كانت معابد الناس في البداية مقتصرة على القبور التي كانوا يؤدون لها أنواع العبادات مثل النذور وذبح وتقديم القرابين وأمثال ذلك ويطلبون بذلك من صاحب القبر قضاءَ حوائجهم وتفريج كُرَبِهِم.

الإسلام وضع أحكاماً لحفظ التوحيد وسدّ باب عبادة القبور:

1- أمر الإسلام بتسطيح القبور. روى الشهيد الأول(108) في كتابه الفقهيّ الذكرى روايةً عن أبي الهياج الأسديّ أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال له: أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي بِهِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ لا تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ وَلا تِمْثَالا إِلا طَمَسْتَهُ(109).

ويقول الشهيد الأول في الذكرى:

وليكن [أي القبر] مسطَّحاً بإجماعنا. نقله الشيخ [أي الطوسي] لأن رسول الله صلى الله عليه وآله سطَّح قبر ابنه إبراهيم. وقال القاسم بن محمد رأيت قبر النبي n والقبرين [أي قبري الشيخين] عنده مسطحة.. ولأن قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة وهو يدل على أنه أمر متعارف(110). انتهى.

2- وَعن جابرٍ نَهَى رسول الله أن يُجصَّصَ القبرُ أو يُبْنَى عليهِ أو أنْ يُقْعَدَ عليه(111).

3- وفي من لا يحضره الفقيه عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: إِذَا دَخَلْتَ الْمَقَابِرَ فَطَأِ الْقُبُورَ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً اسْتَرْوَحَ إِلَى ذَلِكَ وَمَنْ كَانَ مُنَافِقاً وَجَدَ أَلَمَهُ(112).

4- وفي تهذيب الأحكام عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى - عليه السلام - عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ وَالجُلُوسِ عَلَيْهِ هَلْ يَصْلُحُ؟ قَالَ: لا يَصْلُحُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَلا الْجُلُوسُ وَلا تَجْصِيصُهُ وَلا تَطْيِينُهُ.(113).

5- ولا يجوز تجديد القبر إذا خرب ولا تجصيصه، كما روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: مَنْ جَدَّدَ قبراً أو مَثَّلَ مثالاً، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الإسْلامِ(114).

ومثله عن حضرة الإمام الصادق عليه السلام: لا تَبْنُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَوِّرُوا سُقُوفَ الْبُيُوتِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَرِهَ ذَلِكَ.(115).

6- نهى الإسلام عن العبادة والصلاة إلى القبور، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح وَالمحقق والمسلَّم به لدى جميع أهل الإسلام ولا ينبغي أن يتطرق الشك إلى صحته أبداً أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ تعالى لَعَنَ الْيَهُودَ حِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ(116).

كما نقل الشهيد الأول في الذكرى عن حضرة الصادق عليه السلام(117) أنه قال: لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا(118).

وعَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِيهَا فَقَالَ: أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَلا بَأْسَ بِهَا وَلا تُبْنَى عِنْدَهَا الْمَسَاجِدُ(119).

وقد أجمَعَ الفقهاء على أن الصلاة نحو القبر أو فوق القبر مكروهة، بل إن ابن بابويه يعتبر الصلاةَ إلى القبر محرَّمةً(120). ويقول المحقق الثاني(121) في جامع المقاصد إن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي يقولان إن الصلاة في القبور مكروهةٌ مطلقاً حتى ولو كان القبرُ قبرَ الإمام عليه السلام(122).

زيارة قبور المؤمنين:

كانت الأحاديث المذكورة تهدف إلى سد باب الوثنية كي لا يقوم الناس بعبادة القبور. أما زيارة قبور المؤمنين فلا حرج فيها بل الزائر مُثابٌ عند الله كما وردت أحاديث كثيرة في فضل زيارة القبور، خاصة قبر الأب والأم. وفي مثل هذه الزيارة فائدتان: الأولى: النفع الذي يصل إلى الميت وإلى الزائر حيث يسلم الزائر على الميت ويطلب من الله تعالى لصاحب القبر الرحمة والغفران ورفع المنزلة والدرجات، وهذا الدعاء والاستغفار بمنزلة صلاة الجنازة على الميت، فينال الداعي أجرها. وفيما يلي بيان آداب وأحكام الزيارة الشرعية:

علَّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن يقولوا عند زيارتهم القبور: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ دِيَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين(123)‏، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ(124).

روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما مِنْ أحدٍ يَمُرُّ بقبرِ أخيه المُسْلمِ، كان يعرفه في الدنيا، فيُسَلِّمَ عليه، إلا ردَّ اللهُ عليهِ رُوْحَهُ، حتَّى يَرُدَّ عليه السلامَ(125)، والله يثيب المؤمن الذي يدعو للميت كما يثيب من يصلي عليه صلاة الجنازة. ولهذا السبب نهى الله عن زيارة قبور المنافقين كما قال سبحانه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (التوبة/84)، وبناء عليه فلا يجوز طلب الحوائج من الموتى عند زيارة قبورهم أو التوسل بهم بل يجب أن نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة ليكون ذلك فيضاً من الزائر لصاحب القبر.

الفائدة الثانية من فوائد زيارة القبور الذكرى والموعظة للزائر الذي يشاهد كيف أنه قد دُفن في هذه المقبرة الشباب اليافع الجميل والرجال العظماء والأغنياء البخلاء والظالمون والعلماء والفلاسفة والسلاطين الذين كان لكل منهم آماله وأمانيه، التي ذهبت معه في قبره، وقد ساوت الأرض بين الغني والفقير والعالم والجاهل والملك والمتسول، فعندما يقع نظره على الأموات ويرى حالتهم الحالية وكيف أن الدنيا ليس لها وفاء لأحد وأن هذه العجوز أصبحت عروساً لآلاف العرسان، يقلّ همّه وغمّه، ويرتاح باله وينسي مشتهياته وتنزل روح السكينة والصبر عليه، ولسان القبور يقول له: أيها الأخ! لا الحاسد يبقى ولا المحسود.

يقول الخواجة عبد الله: انظر إلى المقبرة ولا تكن غافلاً كالسكارى، كي ترى كيف ضمت المقابر والمزارات مئات آلاف الراقدين الذين اجتهدوا في حياتهم وسعوا واحترقوا في نار الحرص والشهوات ولبسوا القلانس المرصعة بالمجوهرات وجلسوا على موائد النعم وملؤوا الجرار من الذهب والفضة واحتالوا لجمع المال بشتى الحيل، حتى سرقوا النقود، ثم ماتوا وذهبوا بحسراتهم بعد أن ملؤوا مستودعات بيوتهم، وزرعوا في قلوبهم بذور حب الدنيا، فتركوها في النهاية ورحلوا عنها، وسقاهم ساقي الأجل شراب الموت.

فيا أيها العزيز اخشَ الموت واعمل له قبل أن يحل بك الفوت، وإلا فإن مأواك سيكون جهنم. واعلم أن أهل التراب يلتمسون دعاءك، ويقولون بلسان حالهم: أيها الشباب الغافلون والشيوخ الذين أضاعوا عمرهم هل أنتم مجانين لا تدركون أننا نائمون في التراب؟ قد سترت وجوهَنا الأكفانُ، سرعان ما نسينا أهل الدنيا! نحن أيضاً كُنَّا قبلكم نسير على بساط الدنيا ونسعى إلى النجاح فيها وكانت لنا نشاطاتنا وسرورنا بالدنيا الفانية، ونمنا على أسرة الراحة والهناء، وكنا نسعى نحو الكمال بأقدام الإرادة، حتى ذقنا في النهاية شربة الموت المُرَّة، ولم نر من الدنيا وفاء ولا للحياة بقاء، بل رأينا أنفسنا فجأة قد قذف بها إلى عالم الفناء ونزلت في تراب المحن والعناء، فلم نر من الأهل والعيال رحمة ولا غناء، ولا من المال والمنال نفعاً، وكنا سنقنع بهذه الندامة لو لم تكن أمامنا القيامة.

اليوم لم يعد لدينا دار ولا فراش، ولا مال ولا قماش، ولا وسيلة لخطاب أو نداء، ولا إمكانية لصوت أو كلام، حظنا من الدنيا الحرمان، ولحمنا وجلدنا طعمة للديدان.

واحسرتاه! عندما كانت لدينا إمكانية الفعل والاختيار لم نميز الأمور ولم ندرك الحقيقة فآل أمرنا في النهاية إلى الحيرة والضيق وأسلمنا الروح....

إن لم يكن بكم جنون فلا تبكوا علينا الآن، فكل واحد منا يبكي وينوح ويسكب دموع الحسرة على ما قدمته يداه فهو في ظلمة الندامة التي فوقها ظلمة القبر....

أيها الأعزاء: أقْبِلوا إلى الطريق وانظروا إلى حالنا، لم يعد لنا ذكر ولا لاسمنا خبر، قد تحللت جميع أجسامنا وفسدت أبداننا، وخربت بيوتنا وكسدت متاجرنا، وحل محلنا الآخرون وضاع أيتامنا، قد أكل التراب خدودنا، وذبلت ورود وجوهنا، واختلطت شفاهنا بالتراب، وتساقطت أسنانا في اللحد، وسكتت ألسنتنا عن النطق، وتقطعت أفواهنا، وفسد نظام جميع أعضائنا، وخبت نيران حرصنا، وطار طائر روحنا من رؤوسنا، ونبتت نبتة الحسرة من تربتنا، فنحن في الأرض المظلمة وأنتم في نوم الغفلة، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَلبَاب. انتهى.

وخلاصة الكلام أن في زيارة القبور موعظة كبيرة للإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ألا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ(126).

كان نهي الرسول الأكرم في البداية بهدف منع الناس عن عبادة القبور، وحفظ حريم التوحيد، فلما انتشر الوعي بين الناس وعرفوا أنه لا يجوز طلب حوائجهم من القبور ولا عبادتها وأصبحوا موحِّدين توحيداً كاملاً، عندئذ أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة القبور وبين لهم الحكمة والغاية من زيارة القبور بأنها تذكرهم بيوم القيامة، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت(127).

زيارة قبر الرسول الأكرم والأئمة الهادين سلام الله عليهم أجمعين:

وردت أخبار كثيرة في فضل زيارتهم في كتب الفريقين عن المعصومين وأن زيارتهم مليئة بالفوائد في الدارين وأن فيها أسرارٌ كثيرةٌ لا تتسع لذكرها هذه الرسالة وسنذكر خلاصةً عنها فيما يلي:

مثلما كان لزيارة النبي الأكرم والأئمة سلام الله عليهم أجمعين في حال حياتهم أجر كبير للزائرين، فكذلك لزيارتهم بعد وفاتهم ثوابٌ كبيرٌ، كما جاء في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

ما مِنْ أحدٍ يَمُرُّ بقبرِ أخيه المُسْلمِ، كان يعرفه في الدنيا، فيُسَلِّمَ عليه، إلا ردَّ اللهُ عليهِ رُوْحَهُ، حتَّى يَرُدَّ عليه السلامَ(128)، فإذا كان الميت المؤمن يرد سلام الزائر فكيف يمكننا أن نتصور أن سلام زائر قبر النبي والأئمة الهادين يبقى بلا جواب منهم(129)، أشْهَدُ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامِي وَتَرُدُّ جَوَابِي.

ومن الفوائد الأخرى لزيارة قبورهم أن تلك البقاع المباركة محل عناية ونظر الله تعالى وموضع تنزُّل رحمته، فدعاء الداعين فيها جدير بسرعة الإجابة خاصَّة عند قبر أبي عبد الله [الحسين بن علي عليهما السلام] وإجابة الدعاء تحت قبَّته.

ومن أسرار زيارة قبور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الهادين سلام الله عليهم أجمعين أنه إذا جاءَ الزائر إلى تلك البقاع المباركة حلَّت في قلبه سلسلة من الفضائل ومكارم الأخلاق، فالزائر يحدِّث نفسه قائلاً: أي تضحيات وخدمات قدَّمها للبشرية أولئك الأجلاء، ويتذكر وهو إلى جوار صاحب القبر تاريخه الوضاء المليء بالفخار، ولا ريب أن هذا التذكُّر والتدبُّر في سيرة صاحب القبر يبعثان في الزائر روح التأسي به ويشعر وكأن صاحب القبر يقول له: لقد كنت موحداً لم أشرك بعبادة الله أحداً ولم أعتبر أحداً سوى الله قاضياً للحاجات ومفرِّجاً للكُرَب، ولم أتوسل بأحد من عباده، وتمسكت بالعفاف والشجاعة والتقوى والتضحية وقول الحق فلم تكن تأخذني في قول كلمة الحق لومة لائم، أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فزيارتك أيها الزائر إنما تكون مقبولة عندما تتأسى بي وتتمثل بالشمائل والصفات الكاملة والملكات الفاضلة. أجل إذا دققنا في الأمر رأينا أن كل بقعة من تلك البقاع المباركة مدرسة تربية وتعليم، وأن لبّ الزيارة هو هذا الأمر بالذات وليس ما يتصوره العوام.

وأنا لما تشرّفت بزيارة روضة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ووفقني الله لزيارة تلك العتبة عظيمة المرتبة، ورأيت نفسي محاذياً للضريح المقدس، هجمت عليَّ سلسلة من الخواطر وأخذت عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمجامع نفسي وكأن تياراً من الكهرباء خرج من القبر فمسَّ قلبي فكأني برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو القرآن بصوته الجميل ولحنه العذب، ومرت أمام ناظري أحداث سيرة هذا الشخص العظيم سريعة كالبرق فتذكرت تلك الأيام التي كان فيها غريباً وحيداً، وتذكرت ظلم أولئك المتوحشين وجرأتهم عليه، وعظيم صبره وحلمه وكرم أخلاقه، فقلبت تلك الخواطر كياني وهزتني، فمهما أردت أن أقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ السَّكينَة، لم ينطلق لساني وأغلق عليّ من جلال الموقف وأخذ قلبي يخفق وعرضت لي أحوال لا أستطيع شرحها، فرأيت الشخص الذي كان مسؤولاً عن القبر الشريف قد انتبه إلى حالي فأخذ بيدي وأقعدني في زاوية وقال: شيخنا تفضَّل.

 وخلاصة الكلام أن لزيارة قبور النبيّ والأئمة خواصاً قلّما يدركها الناس. اللهُمَّ ارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الحَرام، وَزِيَارَةَ قَبْرِ نَبِيِّكَ والأئمة الطاهرين، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

سبب نشأة الأصنام وعبادتها:

كما بينا فيما سبق كانت المعابد في بداية الأمر منحصرة بالمقابر ثم بعد ذلك وجدت الأصنام وكانت في الأصل جسد الميت الذي يتم تحنيطه (المومياء) حيث كانت أمعاء الميت وأحشاؤه تُفَرَّغ من جسده ويملأ بطنُهُ بالأدوية والمواد مثل الكمُّون والمسك والعنبر والكافور والقصب الهندي والصندل، ليحفظوه من التحلل والتفسخ، كما كانوا يضعون مكان عينية حجرتين لامعتين كالياقوت، ثم لما رأوا أن التحنيط لا يحفظ الميت تماماً من البِلَى، قاموا بنحت تمثال للميت من الحجر أو الخشب، أو نحتوا على تابوته أو على قبره صورة له وأخذوا بعبادتها، وقد أخبر الله تعالى عن هذا الأمر في القرآن فقال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (نوح/23). أي قال سدنة المعابد وكهنتها للعوام والسفلة لا تتركوا عبادة آلهتكم ولا تتخلَّوْا عن وُدّ وسُوَاع ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر، وقد ذكر المحققون من السلف أن هذه الأسماء كانت أسماء خمسة رجال صالحين كانوا قبل نوح عليه السلام وكان الناس يجلونهم غاية الإجلال ويحبونهم وقاموا بعد موتهم بنحت تماثيل على صورهم من الأخشاب أو الأحجار فكانوا يعظِّمُونها ثم بمرور الزمن أصبحوا يعبدونها(130).

فتبيَّن من هذه الآية الكريمة أن مبدأ عبادة الأصنام كان عبادة الأموات.

عبادة الأحجار:

لما كانت آراء وعقائد الشعوب البدائية المتوحشة غير مبنية على المنطق والبرهان بل كان يعملون بكل ما يخطر على أذهانهم ثم يلتزمون به ردحاً من الزمن حتى يصبح ديناً وعقيدةً لهم، وكانت هذه العقيدة ترسخ فيهم إلى درجة أنهم حتى لو شاهدوا ما يخالفها ويدلُّ على بطلانها ما كانوا يستطيعون أن يرجعوا عنها، ومع مرور الزمن كان تكرارهم لأعمالهم وطقوسهم تلك - المبنية على الأوهام - يتَّخذ صفة القداسة.

كما رأينا كان الإنسان البدائي يعبد الميت ويقدم له الطعام وربما دفن الميت في منزله لكي يعبده، ولما كانوا يغطون القبر بحجرة ويضعون فوقها الأطعمة تحولت هذه الحجرة مع الزمن إلى شيء مقدس وأصبح أقرباء الميت يظنون أن لتلك الحجرة خصوصية ونسوا أن الحجرة إنما تقدست بسبب مجاورتها للميت، فجعلوا التقدس للحجرة ذاتها ومن هنا نشأت عبادة الأحجار فكانت اللات ومناة حجرين يعبدها العرب.

عبادة الأشجار:

تعود عبادة الأشجار في أصلها إلى عبادة القبور، حيث أنه لما كان الإنسان البدائي لا علم له بالزراعة كان معاشه منحصراً في صيد الأسماك والحيوانات ولم يكن يعلم بأن للأشجار والزروع بذوراً. ومن الجهة الأخرى كان البدائيون يعتقدون أن الميت يجوع في قبره فكانوا يضعون على قبره الفاكهة والحبوب، فكانت تلك الحبوب تخضرُّ بعد مدَّة وتنمو فكانوا يفسرون ذلك بأن روح الميت راضية عنهم وأنها أثابتهم على تجليلهم لها بهذه الشجرة التي نمت على قبرهم وأثمارها، لذا أصبحوا يقدسونها فكان هذا مبدأ تقديس الأشجار وعبادتها.

تحريم نحت التماثيل والرسم حمايةً للتوحيد:

من المهن والأعمال التي نهى عنها الإسلام نحت التماثيل والرسم، والأحاديث التي ذكرت في الفصل الماضي شاهدة على هذا المدعى، مثل حديث: ..وَلا تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَهُ..(131) أو حديث مَنْ مَثَّلَ مِثَالاً فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإسْلام(132)، وكذلك مثل حديث: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ(133).

وسبب النهي عن هذه الأعمال أن عبادة الأصنام والأوثان كان مبدؤها – كما بينا – عبادة الأموات، حيث كانوا يحنطون الموتى (المومياء)، كي تبقى أجسادهم مدَّةً من الزمن فيقومون بعبادتها، ولما رأوا أن التحنيط لا يحفظ جسد الميت بشكل دائم قاموا بنحت أحجار على شكل الميت أو رسموا صورته على الصخر وبعد ذلك عبدوا تلك التماثيل أو الأحجار وتبركوا بها. وكما مر معنا في بيان عقائد الصابئة كانوا ينحتون صوراً وتماثيل للروحانيات والكواكب ويعبدونها.

لذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صناعة التماثيل ورسم الصور حمايةً للتوحيد وحفظاً لتوحيد العبادة وسداً لباب عبادة الأصنام والأوثان، فحرمة تلك الأعمال ليست ذاتية وإنما حُرِّمَت صيانةً لوحدانية العبادة.

والعجيب أننا معشر أمة التوحيد نرحب بجميع أعمال عباد الأصنام، ولا نراعي في ذلك ما بذله الإسلام من أتعاب ومشقات في هذا المجال، متناسين فطرتنا التوحيدية ومتخلين عن شرف وافتخار توحيد العبادة فأصبحنا نرى لكل حجرة وشجرة منزلةً ومكانةً تقرّبنا إلى الله وأصبحنا ننذر النذور لـ النخل - الذي هو صنم صنعناه على شكل جنازة مهيبة – وللـ علامة(134) - التي على شكل صليب النصارى – وعظَّمنا كل صورة مزوَّرة تُنسَب لأئمة الدين، ونتيجة ذلك أننا اتخذنا حقائق الدين ظهريَّا، هذا مع أن تصوير حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وملامح الأئمة الكرام وتعظيمها والتبرك بها حرام، ومقصود الشارع من تحريم النحت والتصوير هو منع الوقوع في مثل هذه الأمور.

ولكن مع شديد الأسف فإن كثيراً من الناس يتبرَّكون بكلّ صورة مُتخَيَّلة مخترعة تُنسب لأحد أئمة الدين حتى أن بعض الناس يعلقون مثل هذه الصور في غرف بيوتهم ويعاملونها بكل إجلال وأدب. ومثل هذه الأمور إضافة إلى كونها من عبادة التماثيل ليس فيها أي فائدة في حين أنهم لو علَّقوا بدلاً من تلك الصور بعض آيات القرآن أو بعض الحكم والمواعظ أو أقوال أئمة الإسلام لكان ذلك أنفع بكثير إذ يستفيد كل من يقرأها شيئاً من الفضائل الأخلاقية.

فما هو الفرق بيننا وبين الوثنيين والنصارى؟ الوثنيون يتبرَّكون بالأخشاب والأحجار، ونحن نتبرَّك بمجسَّمة النخل ومجسَّمة موطئ القدم وأمثالها، والنصارى يتبرَّكون بصورة المسيح ومريم ونحن نتبرَّك بالصور المزوَّرة لأئمَّة الدين!.

والعجيب أن كل رسام يرسم صورة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى حسب تخيله، فمرة يرسمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكل شاب وسيم، وأخرى يرسمونه بشكل درويش من دراويش الصوفية، ومرة بشكل عربي بدوي، وتارةً بشكل شيخ زاهد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بقية الأئمة، والغرابة المخزية الأخرى التي تدل على الحماقة والجهل والفاضحة للجميع أنهم يرسمون سيف ذي الفقار الذي بيد عليٍّ (ع) على شكل سيف ذي رأسين ولا يفهمون ما هي فائدة السيف ذي الرأسين وهل له أثر في الحرب؟! وكيف يمكن لمثل هذا السيف أن يُدخل في غمده. (كان ذو الفقار سيف العاص بن منبِّه الذي قُتل يوم بدر فأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفه لعليٍّ ومعنى: ذو الفقار السيف الذي في شفرته حزوز شبهت بفقار الظهر).

يا رب! إن هؤلاء الناس لم يعرفوا سيف علي فكيف يعرفونك ويعرفون حال النبي وأئمة الإسلام ويدركون حقائق الدين؟!

يا رب! هؤلاء القوم الذين لا علم لهم بالتوحيد ولم يعرفوا النبي ولا عليا ولا الأئمة الهداة حق المعرفة، هل سيأتي عليهم يوم يعرفون فيه القرآن وسنَّة الرسول ويفهمون القرآن حق الفهم ويتمثلون أخلاق الإنسانية وآدابها.

وخلاصة الكلام، لقد نهى خاتم النبيين عن رسم الصور على الستائر ونحت التماثيل والمجسمات التي تُعظَّم وتُبَجَّل لأن ذلك من شأنه أن يزلزل أركان التوحيد، وأن يبعد الناس عن طريق عبادة الله وحده، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

التوحيد مبدأ الفضائل:

قال الله تعالى: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي(135).

إذا طالعتم صفحات هذا الكتاب بدقة أدركتم أن حقيقة التوحيد وإفراد الله بالعبادة هي الإعراض عن غير الله والابتعاد عن غيره سبحانه، وأدركتم أن لب التوحيد هو عدم تقديم أي صنف من صنوف العبادة مثل طلب الحوائج وذبح القرابين والسجود والركوع لغير الله وفهمتم أن التوحيد دقيق إلى درجة أنه لا ينبغي أن يعتقد الموحِّدُ أن للأيام سعداً أو نحساً، وأن لا يتوسَّل إلى الله تعالى بأي شيء سوى بالعلم (الإيمان) والعمل الصالح، وزبدة الكلام أن التوحيد هو التفطن إلى حقيقة كلمة لا إِلَهَ إِلا الله.

إن مسلمي هذا الزمن لم يعد بينهم وبين مشركي الجاهلية فرق كبير سوى أن مشركي عصر النبيّ كانوا أهل علم باللسان العربي ويدركون جيداً معنى ومفهوم كلمة لا إِلَهَ إِلا الله، أما المشركين من أهل اللغة الفارسية فإنهم لعدم معرفتهم باللغة العربية لا يفهمون المعنى الحقيقي لكلمة لا إِلَهَ إِلا الله، والدليل على ما نقول أن عرب زمن الجاهلية لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم: قولوا لا إِلَهَ إِلا الله تفلحوا كانوا يفهمون أن تصديقهم بهذه الكلمة يوجب عليهم أن يبتعدوا عمَّا سوى الله وأن لا يطوفوا حول أصنامهم وأن لا يعبدوا الملائكة، وأن لا يعتبروا عيسى ابن الله ولا قاضياً للحاجات، وأن لا يعتبروا مريم باب الحوائج، وأن يقروا بأن سعد الكواكب ونحسها عقيدة باطلة، وفي النهاية أن تلك الكلمة يلزم عنها أن ينبذوا الأصنام، ويحطموا تلك الأحجار التي كانوا يذبحون عندها ويقدِّسونها وأن يحرقوا تلك الأشجار التي كانوا ينذرون لها النذور وينحرون لها القرابين، وأن يعرضوا عن الأحبار والرهبان الذين كانوا يعتبرون أن التذلل والخضوع لهم يقربهم من الله زلفى، وأن يكفروا بالطاغوت الذي كان يمثله الكهنة وسدنة معابد الأصنام، وباختصار كان عليهم أن لا يعتبروا أحداً سوى خالق العالم مؤثراً في هذا الوجود. ومن البديهي أنه كان لكل من تلك الأصنام والأحجار سدنة يستفيدون من عبادة الناس لها ويسترزقون مما يقدمه الناس لها من نذور وصدقات. فكانت عزتهم مرتبطة بتلك الأصنام فإذا زالت انقطع خبزهم وذهبت مكانتهم وانهدمت حياتهم وصاروا إلى شقاء، لذا لا عجب أن يرفضوا قول كلمة التوحيد تلك وأن يكذّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم رغم أن الرسول الأكرم كان يقول لهم: أمرت أن أقاتلكم حتى تقولوا لا إله إلا الله.

في الواقع لقد كان التصديق بتلك الكلمة معناه اقتلاع الخرافات وانهدام معابد الأصنام وزوال الأوهام وجميع العقائد الشركية لذا ما كان المشركون مستعدين لتحمّل هذا المعنى فكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص/5).

لقد كان أهل الجاهلية فريقين: فريق من العوام الذين لم يكن لهم في أي زمن رأي ولا تفكير بل هم همج رعاع أتباع كل ناعق، تحرّكهم كل ريح ويؤثر عليهم كل كاهن ودجال. والفريق الآخر الكهنة وسدنة معابد الأصنام وأحبار اليهود والنصارى وهؤلاء كانوا دائماً وفي كل عصر وزمان يستفيدون من جهل الناس وأوهامهم ويسترزقون من ضعف الجماهير وجهلهم ويعيشون على حساب عرقهم ودمائهم.

وقد أطلق ابن رشد القرطبي على هذا الفريق الثاني اسم "الجناة على العقول" وقال: إن الناس يحصرون المجرمين بالسارقين والقتلة والسلاطين المتجبّرين مع أن جرم هؤلاء قليل بالنسبة إلى جرم ذلك الفريق. فهؤلاء المجرمين يجرمون بحق أموال الناس وأبدانهم في زمنهم فقط, أما جناية علماء السوء فهي بحق عقول الناس وأرواحهم حيث يملؤون أذهان الناس بالعقائد الباطلة والآراء السخيفة وينحطون بهم عن مرتبة الإنسانية وهذا الجهل والحماقة والتيه إذا استحكمت في الناس وضربت جذورها في نفوسهم انتقلت عنهم إلى أولادهم وورثها عنهم ذريتهم فلم ينحصر تأثيرها السيئ في قرنهم بل امتد إلى قرون متمادية.

إن هذا الفريق من الكهنة وسدنة معابد الأصنام عارضوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعادَوهُ عَدَاوَةً شديدةً ولم يكن ذلك لإيمانهم بعقيدتهم، إذ كانوا يعلمون أن هذه الأصنام ليست لا قاضية للحاجات ولا كاشفة للكُرَب، ولكنهم عادوه لأنه رأوا في دعوته تهديداً لمنزلتهم وجاههم ورزقهم الذي ارتبط بهذه الأصنام والخرافات والأوهام، فكانت حربهم للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الواقع حرباً اقتصادية لا حرباً دينيةً.

لقد بدأ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة سدنة الأصنام والكهنة إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وأتم عليهم الحجة لأنه كان يعلم أنه طالما كان هذا الفريق من الكهنة يستفيدون من عوام الناس فإنهم لن يصدّقوا بالنبي لأن تصديقهم بدعوته معناه تكذيبهم لأنفسهم والقضاء على حياتهم المادية ورئاستهم الروحية (الدينية)، ولهذا السبب كان هذا الفريق يلجأ إلى اتِّهام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والافتراء عليه.

ولما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يستطيع أن يبعد الكهنة وسدنة الأصنام عن عامة الناس, اتجه إلى تربية الجماهير وبذل في هذا الطريق جهوداً جبارةً واهتم بشكل خاص بالشباب. وكان سيد الشباب أمير المؤمنين علي (ع) أول مؤمن بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبدأت دعوت التوحيد تؤثر في نفوس الناس شيئاً فشيئاً. وبعد مجاهدات كبيرة تمكن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الأمر من رفع علم التوحيد فوق الكعبة وحطم الأصنام وهدم معابدها ووضع على رؤوس المسلمين تاج التوحيد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء/81). وبعد إيمانهم بكلمة لا إِلَهَ إِلا الله تحول أولئك الذي كانوا يعبدون الأصنام ويجعلون للأيام سعداً ونحساً ويخافون من كل شيء ويتوسَّلون بكل شيء ويطلبون منها الحوائج، والذين كانت حياتهم تموج بالفوضى والاضطراب يقاتلون بعضهم بعضاً, تحولوا إلى أمة تتمثل بجميع الفضائل الأخلاقية.

فكيف لا تكون كلمة لا إِلَهَ إِلا الله مبدأً للفضائل؟ إن الشخص الذي لا يرى لأحدٍ سوى الله الرحمن الرحيم تأثيراً في الوجود سيكون بالتأكيد شخصاً شجاعاً لأن اعتماده ليس إلا على الله خالق العالم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس/62), وهم لا يخافون من الموت بل يحبونه لأنهم سينالون بالموت لقاء ربهم، وسيصلون إلى السعادة الكبرى ويرتاحون من عذاب الدنيا وآلامها.

وكيف لا يكون التصديق بالكلمة الطيبة منشأً لسخاء النفس؟ فالذي يعبد الرب القدير وحده ويعتبره القادر المطلق ينفق في سبيله ولا يخشى الفقر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً (البقرة/268).

وكيف لا يكون التوحيد منشأ للعفة، والحال أن الموحد يؤمن أن الله مطلع على كل خفيٍّ وظاهر عالمٌ بكلِّ صغيرة وكبيرة: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا (الأنعام/59)، و﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (البقرة/255)، فالموحد عفيف طاهر لأنه يعلم أن الله مطَّلعٌ على ضمائر القلوب وأعمال الجوارح وأقرب للإنسان من حبل الوريد، ويعلم أن الله حكيم وعادل، ويؤمن أن المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة بيده تعالى وبالتالي يعيش المؤمن في أكمل درجات العفَّة والطهارة ولا يسمح لنفسه أن تتخطَّى حدود الأخلاق.

وإذا استقرت العفة والشجاعة والسخاء في نفس الموحد ورسخت، استقام عقله ولزمت نفسه التقوى فميَّز بين الحق والباطل كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا (الأنفال/29).

إذن عرفنا أن كلمة لا إِلَهَ إِلا الله كما أنها ترتقي بالعقل وتقتلع شجرة الخرافات والأوهام من جذورها، كذلك ترسِّخ في النفس جميع الفضائل. فكلمة التوحيد الطيبة أصل الفلاح والنجاح ومبدأ كتاب التعليم والتربية ومرقى البشرية. وعلى العكس من ذلك الشرك منشأ للرذائل وسبب لضعف العقل والإرادة والانحطاط عن مرتبة الإنسانية. إن المشركَ دائمُ التقلب مبتلىً بالوساوس، لاجئٌ إلى كل شيء خائفٌ من كل شيء، وباختصار لا يستند إلى مركزٍ وثيق, وليس لديه قاعدة متقنة، فهو بعيد عن التقوى منحرف العقل لا يمكنه تصديق الكلام الحق, وهو ألعوبة بيد الحوادث وبيد الدجالين لأنه لا يلتجأ إلى ركن مكين ولا يتمسك بالعروة الوثقى: لا إِلَهَ إِلا الله، فكل ريح تهزه وكل شيء يخيفه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (الحج/31). وكلمات هذه الآية من التشبيهات المركبة، أي أن كل من ينحط من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك وعبادة غير الله، فإن أهواء النفس تجعله مضطرباً حائراً، ورياح الضلالة والوساوس الشيطانية تطيح به في أودية الشقاء والتيه والضياع وتودي به إلى الهلاك.

وبالطبع من كان فكره مشوشاً دائماً لن يكون عمله صالحاً لأن الفكر مبدأ العمل. ومن لم يملك معياراً وميزاناً للأعمال، ارتكب الأعمال السيئة، وحتى إذا عرف ذلك من نفسه وأراد إصلاح عمله ضلَّ الطريق إلى ذلك لأنه يتوسل بأسباب لا تنفعه أبداً في إصلاح عمله، فمثلاً تراه يرتكب الفاحشة، ثم يظن أنه يصلح عمله بالتوسل بالأموات والذبح وتقديم القرابين للأوثان والسجود لغير الله، أو تراه إذا أكل مال الناس بالحرام، يظن أن إصلاح ذلك يكون بأن يدفع شيئاً من ماله للكاهن أو لمتولي الصنم، وإذا أكل الربا توسل إلى إصلاح عمله بمبادلته ببضع غرامات من سكر النبات! وظن أن هذا سيطهره من إثمه.

إذا تأملنا حال الناس جيداً أدركنا أن سبب فسادهم هو هذا الشرك بالذات. إن الانحطاط الأخلاقي لمجتمعنا سببه توسل الناس بغير الله، وسبب انتشار الرذائل في مجتمعنا عدم معرفة الله.

إن الله يقول: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي.

خلاصة الكلام أن المؤمن بـ لا إِلَهَ إِلا الله يشعر في نفسه بآداب عظيمة، ويجد في ذاته أخلاقاً فاضلة، رغم أنه لا يفهم مصطلح الفضيلة، إنه شجاع عفيف حكيم عادل وسخي رغم أنه لا يعرف تعريف تلك الصفات.

إن الحرية التي هي أمنية الناس والتي يتحدث عنها الفلاسفة مختصَّةٌ بالموحِّد. الموحِّد متحرِّرٌ من الغضب والشهوة لأنه عبدٌ لِـلَّهِ وليس عبداً لغضبه وشهواته. والموحِّدُ متحرِّرٌ من الأوهام لأنه اجتثَّ شجرة الأوهام بفأس التوحيد. والموحِّدُ ألقى عن كاهله ثقل سعد ونحس الأيام وعبادة الأحجار والأشجار، وعبودية العباد فهو لا يسمح لأحد أن يركب على ظهره فهو حرٌّ وليس حماراً مركوباً وهو باصطلاح الفلاسفة صاحب حكمة وحرية.

إن المجتمع الذي يتشكل من هذا النمط من الأفراد الموحدين أو يشكل أكثريته هذا النمط من الناس، هو المدينة الفاضلة ذاتها التي بُعث الأنبياء لبنائها وكانت أمنية فلاسفة العالم. ومن الواضح أن مثل هذا المجتمع لا يعرف الشقاء بل يرفل في السعادة والهناء.

أيها المسلم! استيقظ من نوم الغفلة، وألقِ عن كاهلك حِملَ الشرك والخرافات وتحرَّر كي تفلح وتسعد: قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

الهوامش:

(98) رجال الكشي، (ص 196) من الطبعة القديمة أو في (ص 225) من طبعة مشهد الحديثة، نشر مؤسسة النشر في جامعة مشهد/إيران، 1348 هـ.

(99) رجال الكشي، (ص 196) من الطبعة القديمة، أو في ص 225 – 226، من طبعة مشهد الحديثة. (تر)

(100) رجال‏ الكشي، ص 298. والمجلسي، بحار الأنوار، ج 25/ ص 293. (تر)

(101) رجال‏ الكشي، ص 299. والمجلسي، بحار الأنوار، ج 25/ ص 294. (تر)

(102) المجلسي، بحار الأنوار، ج 69/ص266، وص303 و304. والنوري الطبرسي، مستدرك ‏الوسائل، ج1/ص 106، نقلا عن الشَّهِيدُ الثَّانِي فِي مُنْيَةِ الْمُرِيدِ، كلهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدون سند. وأصله من مصادر الحديث السُّنِّيَّة كما في مسند أحمد (5/428).

(103) ذكر المجلسي في بحار الأنوار، ج 83 / ص 44، متن الدعاء فقط نقلاً عن مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي، وليس فيه جملة: وَسُلْطانِكَ الْعَظِيمِ ولا أنه يقال عند الوقوع في الذنب. (تر)

(104) متن حديث نبوي، كما في بحار الأنوار، ج3/ص90. وفي مصادر أهل السنة جاءت الجملة ضمن حديث قدسي معروف ولفظها إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، انظر مثلا: صحيح مسلم، (6737).

(105) الكُلَيْنِيّ، الكافي، ج 8/ ص 182.

(106) الحديث مروي من طرق أهل السنة فقط، وهو في صحيح البخاري، ح (99)، ومسند أحمد (2/373). كلهم عن أبي هريرة.

(107) الكُلَيْنِيّ، الكافي، ج 1/ص 183، ولفظه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الأشْيَاءَ إِلا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً....

(108) الشهيد الأول، هو الفقيه الشيعي الإمامي محمد بن مكى العاملي النبطي الجزينى، شمس الدين المتوفى سنة (786هـ). أصله من النبطية (في بلاد عامل) سكن (جزين) بلبنان. ورحل إلى العراق والحجاز ومصر ودمشق وفلسطين، وأخذ عن علمائها. وصار من أبرز فقهاء الإمامية في عصره. من أشهر كتبه اللمعة الدمشقية والذكرى والرسالة الألفية.(تر)

(109) ورواه الشيخ الطوسي في الخلاف، ج1/ص706 – 707. وروى الكُلَيْنِيُّ في الكافي بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فقال: لا تدع صورةً إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته.. انظر الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 3 / ص 209 – 210. وحديث أبي الهياج الأسدي في مصادر أهل السنة تجده في صحيح مسلم، كتاب الجنائز/ ح (969)، وسنن الترمذي، ج3/ص366، ح(1049) وسنن النسائي، ج4/ص88، ح(2031)، ومسند أحمد (1/96). (تر)

(110) الشهيد الأول، الذكرى، ص 67. وذكر الكلام ذاته العلامة الحلي في كتابه تذكرة الفقهاء، ج2/ ص 96 – 98 من الطبعة الجديدة. (تر)

(111) رواه بلفظ قريب: النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، الطبعة الحجرية، ج1/ص127. وفي مصادر أهل السنة في صحيح مسلم: 11- كتاب الجنائز/32- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، ح (970). (تر)

(112) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1/ص180، ح (539). (تر)

(113) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج1/ص461، ح (148)، ونقله الحر العاملي في وسائل الشيعة /باب 44 من أبواب الدفن، ح (3426). (تر)

(114) أحمد بن محمد البرقي (ت 274 أو 280هـ)، المحاسن، ط2، قم، دار الكتب الإسلامية، 1371هـ، ج2/ص 612، ح (33). والشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه ج1/ص189، ح (579)، ونقله الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام، ج1/ص 459، ح (142)، والحر العاملي في وسائل الشيعة /باب 43 من أبواب دفن الموتى، ح (6617).

(115) البرقي، المحاسن، ج2/ص 612، ح (32). والطوسي، تهذيب الأحكام، ج1/ص 461، ح (150)، والحر العاملي في وسائل الشيعة /باب 43 من أبواب دفن الموتى، ح (3428). (تر)

(116) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1/ص178، ح (532). ونقله الحر العاملي في وسائل الشيعة، 65- بَابُ كَرَاهَةِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الْقُبُورِ، ح (3497)، ج3/ص235. أقول: وقد روى ما يشبهه: الْعَلامَةُ أبو الفتح الْكَرَاجُكِيُّ (339هـ) فِي كَنْزِ الْفَوَائِدِ، قم، دار الذخائر، 1410هـ، ج2/ص 152، ولفظه: وقال حدثنا الأشج قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتخذوا قبري مسجداً ولا تتخذوا قبوركم مساجد ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلواتكم تبلغني وتسليمكم يبلغني‏. وروى نحوه العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج 34/ص 332 وَج79/ص 55، بلفظ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي الدُّنْيَا الأشَجِّ الْمُعَمَّرِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيداً، وَلا تَتَّخِذُوا قُبُورَكُمْ مَسَاجِدَ، وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي وَتَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي.. ونقله عنه أيضاً النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، 55-بَابُ كَرَاهَةِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الْقُبُورِ، الحديث 1، ج2/ص379. (تر)

(117) هكذا قال المؤلف رحمه الله، وهو سهوٌ منه، لأن الذي جاء في كتاب الذكرى للشهيد الأول: نقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس عن الإمام الصادق عليه السلام. وبالمناسبة فإن الشهيد الأول بين أنه إنما نقل هذا الحديث من كتب حديث أهل السنة، حيث قال: وفي صحاح العامة.. وذكره. (تر)

(118) الشهيد الأول، الذكرى، ص 69. والحديث في مصادر أهل السنة في صحيح مسلم، 11- كتاب الجنائز/32- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، ح (972). وسنن أبي داود، ح (3231)، وقال الألباني: صحيح. وسنن الترمذي (1050)، وسنن النسائي (760)، ومسند أحمد (4/135) كلهم بسندهم عَنْ أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ رفعه. (تر)

(119) الكُلَيْنِيّ، الكافي، بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ج3/ص228، ح (2). والصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1/ص178، ح (531). (تر)

(120) قال الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه، ج1/ص 242-243: وأما القبور فلا يجوز أن تتخذ قبلةً ولا مسجداً، ولا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يُتَّخذ شيءٌ منها قبلةً والمستحب أن يكون بين المصلى وبين القبور عشرة أذرع من كل جانب.. (تر)

(121) يقصد بالمحقق الثاني: الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، العاملي، المعروف بالمحقق الثاني، وبالمحقق الكركي، وبالشيخ العلائي، مجتهد أصولي إمامي من أعلام فقهاء الشيعة الإمامية في القرن العاشر الهجري، ولد في جبل عامل (بلبنان) ورحل إلى مصر فأخذ عن علمائها، وسافر إلى العراق، ثم استقر في إيران، فأكرمه الشاه "طهماسب" الصفوي وجعل له الكلمة في إدارة ملكه، وكتب إلى جميع بلاده بامتثال ما يأمر به الشيخ، وأن أصل الملك إنما هو له لأنه نائب الإمام الغائب، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان بدستور العمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في أمور الرعية. توفي في نجف الكوفة سنة 940 هـ وترك عدداً من المؤلفات أشهرها: جامع المقاصد في شرح القواعد في الفقه في ست مجلدات، وصيغ العقود والإيقاعات. (تر)

(122) انظر المحقق الكركي (940 هـ)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408هـ، ج2/ص135. (تر)

(123) رُويَ القسم الأول من الحديث - أي إلى قوله والمستأخرين - عن الإمام الصادق (ع) كما في الكافي للشيخ الكُلَيْنِيّ، ج3 /ص 229، وفي من‏ لا يحضره‏ الفقيه للشيخ الصدوق، ج1 /ص 178-179، ح رقم (533). ولفظه: وَسَأَلَ جَرَّاحٌ الْمَدَائِنِيُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) كَيْفَ التَّسْلِيمُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ؟ فَقَالَ: تَقِفُ وَتَقُولُ: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ رَحِمَ اللَّهُ‏ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ. وقال الصدوق: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا مَرَّ عَلَى الْقُبُورِ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ مِنْ دِيَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُون‏.

(124) رواه ابن ماجه في سننه ضمن حديثين كل حديث فيه بعض الجمل المذكورة دون غيرها وهما برقم (1546) وَ(1547) وليس في أي منهما جملة (يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين)، ورويت أجزاء منه في موطأ مالك (58) وصحيح مسلم (249) وَ(974)، وسنن أبي داود (3239)، ومسند أحمد (6/71 وَ6/111) بسنده عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال نحو ذلك في زيارته لأهل البقيع. والحديث بهذا السياق الذي أورده المؤلف هو بتمام حروفه وعين ألفاظه في كتاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: قسم العقيدة، باب زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهَيْنِ، ويبدو أنه جمعه من متون الروايات المتعددة وألف بينها.

(125) ذكره بهذا اللفظ الحافظ ابن كثير في تفسيره (6/325) ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾[الروم/52]، نقلاً عن الحافظ ابن عبد البر مصحِّحَاً له. ورواه الحافظ ابن عبد البر القرطبي (463هـ) في كتابه الاستذكار [بيروت، دار الكتب العلمية، (1/185)] بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله: ما من أحد مرَّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلَّم عليه إلا عرفه وردَّ عليه السلام.

(126) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، 2/439، والحر العاملي، وسائل الشيعة، 14/170، دون الجملة الأخيرة فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ. والمجلسي، بحار الأنوار، 63/498، بجملة: فزيارتها تذكرةٌ، وفي مصادر السنة روى نحوه مسلم في صحيحه (1977) والترمذي في سننه (1054) وابن ماجه في سننه (1571) وغيرهم.

(127) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز، ج1/ص375-376. وقال: وهذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. وأخرج مسلم في صحيحه (ح 976) عن أبي هريرة قَالَ: زَارَ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وقال: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ. (تر)

(128) تقدم تخريجه قبل ثلاث صفحات.

(129) ورد في مصادر أهل السنة حديث بهذا المعنى أخرجه أبو داود في سننه (2041) وأحمد في مسنده، 2/527، وغيرهما بسندهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَا مِنْ مُسْلمٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ.. قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (5679): حسن.

(130) انظر الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج 1/ ص 3 – 4، والشيخ علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، ج2 /ص 387 – 388، والشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج 10/ص 137– 138.

(131) المجلسيُّ، بحار الأنوار، ج79/ص18. وقد تقدم تخريجه بنحو أكثر تفصيلا فراجعه (ص 147). وفي مصادر أهل السنة، رواه كثيرون، منهم الترمذي في سننه (1049) ولفظه: عَنْ أَبِى وَائِلٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لأَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِى بِهِ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَنْ لاَ تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ وَلاَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ..

(132) الصدوق، من لا يحضره الفقيه ج1/ص189، ح (579). وتقدّم تخريجه مفصلاً سابقاً.

(133) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية بهذا اللفظ، وأقرب ما يوجد إليه هو ما رواه البرقي في المحاسن (2/616) عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هُمُ الْمُصَوِّرُونَ يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخُوا فِيهَا الرُّوح‏. والحديث مشهور في مصادر أهل السنة، مثل صحيح البخاري (5606) وصحيح مسلم (2109) وغيرهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً.

(134) النخل والعلامة عبارة عن مجسمات معدنية أو من الخشب ذات شكل خاص تعلق عليها الأعلام وأسماء الأئمة وأجسام معدنية بشكل راحة اليد إشارة للخمسة أصحاب الكساء يحملها الشيعة في مقدّمة مواكب العزاء الحسيني التي يسيرون بها يوم عاشوراء. (تر)

(135) حديث مشهور رواه الصدوق في معظم مؤلفاته الروائية مثل: الأمالي: المجلس الحادي والأربعين، ص195، ح (8)، ورواه في التوحيد ومعاني الأخبار وإكمال الدين. ورواه الطوسي في كتابه الأمالي، ص 279، ح (536). وفي مصادر أهل السنة رواه المتقي الهندي في كنز العمال وعزاه إلى ابن عساكر في تاريخ دمشق وَابن النجار في تاريخ بغداد بسندهما عن علي (ع). انظر كنز العمال ح (158) و(235) و(1769).