في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم الغلو في الأنبياء والصالحين

قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ (النساء/171).

الغلوّ معناه مجاوزة الحدّ، مثلاً: غلا السعر يغلو غُلُوَّاً أي ارتفع سعر المتاع وتجاوز الحدّ.

لقد نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب عن الغلو. ولقد كان غلوّ النصارى أشد من غلوّ سائر الملل، إذ رفعوا عيسى (ع) عن مرتبة العبودية والنبوَّة وأوصلوه إلى مرتبة الألوهية والربوبية وعبدوه، بل إنهم غلوا بحق بعض أتباع عيسى (ع) من العلماء والأحبار أيضاً وقالوا بعصمتهم وأطاعوهم في كل ما قالوه حقاً كان أم باطلاً، وصدقاً كان أم كذباً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة/31). كما غلا الصدوقيون من اليهود في عزير وقالوا بألوهيته.

يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيْسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»(94).

ولقد غلا بعض الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وقالوا له: يا رسول الله! ائذن لنا أن نسجد لك، فنهاهم الرسول الأكرم بشدة عن ذلك لأن السجود لا يجوز إلا للذات الربوبية كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ (فصلت/37)، والسجود لغير الله شرك سواء كان لشخص أم لقبر. ولكن العجيب أنه عندما يصل الجهال إلى قبر ولي من الأولياء يسجدون عنده بل إن بعض جهلة الصوفيَّة يسجدون لمرشدهم وشيخهم.

ويقول ابن عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ»(95).

وعن ابن مسعود: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلاثًا.»(96).

ورُوِيَ في «عيون أخبار الرضا عليه السلام»: «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ يَوْماً وَعِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام وَقَدِ اجْتَمَعَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْكَلامِ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخْتَلِفَةِ.... [إلى قوله] فقَالَ الْمَأْمُونُ للرضا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! بَلَغَنِي أَنَّ قَوْماً يَغْلُونَ فِيكُمْ وَيَتَجَاوَزُونَ فِيكُمُ الْحَدَّ؟! فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عليه السلام: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ‏ وَتَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟؟﴾ [آل عمران/79-80]. وَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: «يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ وَلا ذَنْبَ لِي مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ وَإِنَّا لَنَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَغْلُو فِينَا فَيَرْفَعُنَا فَوْقَ حَدِّنَا كَبَرَاءَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام مِنَ النَّصَارَى.». قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ! ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة/116-117] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء/172]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة/75]. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَغَوَّطَانِ. فَمَنِ ادَّعَى لِلأنْبِيَاءِ رُبُوبِيَّةً أَوِ ادَّعَى لِلأئِمَّةِ رُبُوبِيَّةً أَوْ نُبُوَّةً أَوْ لِغَيْرِ الأئِمَّةِ إِمَامَةً فَنَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ!...»(97).

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

الهوامش:

(94) انظر السيد حامد النقوي (1306 هـ)، «خلاصة عبقات الأنوار» قم: مؤسسة البعثة، 1405 هـ، ج3/ص301. وأصله من مصادر أهل السنة كما في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح (3261)، ومسند أحمد (1/124) عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. قلت: وقد روى محمد بن محمد بن الأشعث في كتابه «الأشعثيات» [ويُسَمَّى أيضاً «الجعفريات»] (ص 181): «بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً» ورواه القطب الراوندي في النوادر (ص16). ونقله المجلسي، بحار الأنوار، ج25/ص 265.

(95) روى المجلسي في بحار الأنوار (4/303) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): «لا تَتَجَاوَزُوا بِنَا الْعُبُودِيَّةَ ثُمَّ قُولُوا مَا شِئْتُمْ وَلا تَغْلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ كَغُلُوِّ النَّصَارَى فَإِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنَ الْغَالِين..»‏. وفي مصادر أهل السنة أخرج نحوه ابن ماجه في سننه (3029) وأحمد في مسنده (1/347) ولفظه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ «الْقُطْ لِى حَصًى»... (إلى قوله) ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِى الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِى الدِّينِ».»

(96) صحيح مسلم (2670) وسنن أبي داود (4610) ومسند أحمد (1/386).

(97) الشيخ الصدوق، «عيون أخبار الرضا(ع)»، ج2/ ص 200 – 201.