الحقُّ تعالى وصف أكمل خلقه

وأكرم عباده بصفة العـبوديّة له سبحانه

كما قال تعالى بحق المسيح عليه السلام: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء/172). وقال في آيةٍ أخرى كذلك: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ...﴾ (الزخرف/59). وقال أيضاً بحقِّ الملائكة المكرَّمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (الأعراف/206).

وقال في حقِّ المؤمنين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان/63)، وقال كذلك: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ (الإنسان/6).

وقال عن الأنبياء: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ (ص/17)، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (ص/41)، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (ص/45)، وقال عن أيوب (ع): ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص/30).

ووصف الله تعالى أكرم عباده عليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أشرف المقامات وأرفع المنازل بصفة العبودية له فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (البقرة/23)، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ...﴾ (الفرقان/1)، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ...﴾ (الكهف/1).

ووصف رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في مقام دعوته الناس إلى دين الإسلام المبين بوصف العبودية فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (الجن/19).

كما شرّف رسوله في ذكره لليلة الإسراء بشرف عبوديته لِـلَّهِ فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...﴾ (الإسراء/1).

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيْسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ(24).

وفي حديث آخر رُوي عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا عبدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ(25).

كما جعل الحقّ تعالى الأمن المطلق خاصاً بعباده الحقيقيين، فقال: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف/68).

وأزال سلطان الشيطان عن قلوب عباده فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر/42).

العبوديّة على نوعين عبوديّة عامة وعبوديّة خاصة:

العبودية العامة: عبودية جميع أهل السموات والأرض صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم، وتُسمَّى هذه العبودية بالعبودية القهرية:

قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا..... تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا! أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (مريم/89).

فجميع المخلوقات داخلة في هذه العبودية يستوي في ذلك المؤمن والكافر والمحسن والمسيء، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ؟ (الفرقان/17). ففي هذه الآية المباركة اعتبر الحق تعالى الضالين المشركين عباداً له أيضاً، ومثل ذلك ما جاء في موضع آخر من الذكر الحكيم بشأن العصاة والمذنبين حيث خاطبهم الله بعباده فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر/53).

العبودية الخاصة: وهي عبارة عن طاعة الحق تعالى ومحبته الإرادية واتباع أوامره، حيث قال الله عن أهل هذه الطاعة والاتباع: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الزخرف/68). وقال عنهم أيضاً على لسان إبليس: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ!﴾ (ص/82).

وفي آية أخرى اختص عباده الصادقين العقلاء فقط بالبشارة التامة فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر/18).

والخلاصة، جميعُ المخلوقات عبيد مقهورون لربوبية الحق تعالى، أما أهل الله وأهل الطاعة فهم عبيد ألوهيته تعالى.

وسبب انقسام العبودية إلى عبودية خاصة وعبودية عامة، أو عبودية قهرية وعبودية إرادية هو أن أصل لفظ العبادة معناه الذل والخضوع. والعرب تقول: طريق مُعَبَّد للطريق الذي ذلَّـله وطء أقدام الناس وجعله مستوياً ممهداً، وتقول أيضاً: فلان عبَّده الحب وذلك عندما يتذلل المحب لمحبوبه ويخضع له، وهذا المعنى يشمل التذلل والخضوع الإراديين وغير الإراديين، أما محبي الله فإنهم يخضعون له ويتذللون له باختيارهم وإرادتهم الحرة ويطيعون أوامره طاعة كاملة في حين أن خضوع أعداء الله وطاعتهم له تتم خلافاً لميلهم وإرادتهم.

عبادة الحقِّ تعالى واجبةٌ حتى الوفاة ولا تسقط عن العبد أبداً

العبادة واجبة حتى الموت، ولا يرتفع التكليف عن العباد أبداً طالما كانوا أحياءً، كما يشهد لذلك نص القرآن الصريح كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر/99)، واليقين في هذا الموضع معناه الموت بإجماع المسلمين، وبدليل قوله تعالى على لسان أهل النار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر/47). والدليل الآخر ما روي في الحديث الشريف من أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال حين وفاة عثمان بن مظعون: أَمَّا عثمان فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ من ربه(26).

بل حتى بعد الموت وفي عالم البرزخ هناك عبودية أخرى: وهي عندما يسأل الملكان عن عقائد الميت فيُكَلَّفُ العبد بالإجابة.

وهناك عبودية أخرى أيضاً يوم القيامة عندما يأمر الله تعالى الخلائق بالسجود فيسجد المؤمنون ولا يستطيع الكفار السجود: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم/42-43). أي أن الكفار لما فَوَّتُوا على أنفسهم فرصة الطاعة في الدنيا لم يعودوا أهلاً للسجود لِـلَّهِ ولم ينالوا في ذلك اليوم إلا الحسرة والندامة.

أما إذ دخل عباد الله الصالحون دار الثواب ودخل الكفار دار العقاب انقطع التكليف. وعندئذٍ تصبح عبودية أهل الثواب التسبيح والتقديس الذي يقترن بأنفاسهم ولا يكون فيه عناء ولا تعب.

إذا عرفنا ذلك، فإنه إذا ظن شخصٌ أنه وصل إلى مقامٍ سقط عنه فيه التعبُّد والعبودية لِـلَّهِ، فإنه يكفر بهذا الظن الفاسد يقيناً!.... نعم يمكننا أن نقول إنه وصل في الواقع إلى مقام الكفر بالله والانسلاخ عن الإنسانية حتى سقط عنه التكليف! نعوذ بالله من غضب الله.

في بيان أفضل العبادات واختلاف الناس فيها

قال جماعة إن أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها: العبادات والأعمال التي مشقتها أكثر من غيرها؛ لأن هوى النفس في الأعمال الشاقة يكون أقل ولأن الأجر على قدر المشقة، ولهذا السبب كلما كان العمل أصعب كان فضله أكثر. واستدلوا بحديث لا أصل صحيح له يقول: أفضل الأعمال أحْمَزُها(27). وهذا الفريق هم أهل المجاهدة والجور على النفس، وقالوا لما كانت النفوس مائلة بطبعها إلى الخمود والكسل وكان الإنسان لا يصل إلى الكمال إلا بتحمُّل الشدائد والمشقَّات، لذلك كلما كانت مشقة العمل أشدّ كانت فضيلته أكثر.

وقال جماعة آخرون إن أفضل الأعمال والعبادات التجرّد والزهد في الدنيا، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يلتفت إلى الدنيا ولا يغتَرَّ بها ولا تفتنه زخارفها. وهؤلاء الجماعة قسمان: عوام هذه الجماعة وجُهّالها الذين ظنوا أن غاية العبادة وخلق الإنسان الزهد في الدنيا والإعراض عنها، لذلك شدوا العزم وشمروا عن ساعد الهمة لسلوك هذا الطريق ودعوا الناس إليه وقالوا إن الزهد والتجرد أفضل من تحصيل العلم ومن العبادة وأعلى شأناً، وجعلوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة وعلم. أما علماء هذه الجماعة فقالوا إن الزهد في الدنيا ليس مقصوداً لذاته بل المقصود توجُّه القلب إلى الله والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فأفضل العباداتِ الحضور مع الحق تعالى والجمع معه، لذا اهتموا بدوام ذكره بالقلب واللسان وابتعدوا عن كل ما يبعد السالك عن الحضور مع الله. وهذا الفريق أيضاً قسمان: قسم عارف وعالم ومتبع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يسابق إلى فعل ما أمر الله به، ويجتـنب ما نهى عنه ويبتعد عن جميع المنكرات. والقسم الثاني المنحرفون الذين يقولون: لما كان المقصود من الزهد حضور القلب مع الله فكل ما كان سبباً لِتَشَـتُّت الخاطر واضطراب الهمة وجب تركه حتى لو كان من الواجبات الشرعية، وهذا الشعر متعلقٌ بهذا الفريق:

يُطَالَبُ بالأورادِ مَنْ كانَ غافلاً         فكيف بِقَلْبٍ كُلُّ أوقاتِهِ وِرْدُ

وقالت جماعة ثالثة: إن أفضل العبادات وأنفع الأعمال هي الأعمال والعبادات التي يصل نفعها للغير، وقالوا إن النفع المتعدِّي أفضل من النفع القاصر. ويقولون إن الاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه، أفضل العبادات وأشرف القربات، ويستدلُّون بقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّهُمْ إِلَيه أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ(28)، ويستدلُّون أيضاً بأن فائدة عمل العابد ترجع إليه وعمله مفيدٌ لروحه فحسب، أما عمل صاحب النفع والعالِم فإنه يفيد الآخرين أيضاً، فالإحسان إلى الآخرين أفضل من الإحسان إلى النفس، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم(29)، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: وَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم(30))(31)، وقال أيضاً: مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَِعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً..(32)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم كذلك: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ.(33)، وقال: إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْر وحَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا(34).

والدليل الآخر الذي يذكرونه على هذا المدعى هو أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، بعكس عمل صاحب النفع فإن ثوابه يستمر ولا ينقطع مادام الناس ينتفعون من عمله. ويضيفون دليلا آخر هو أن الغاية من بعث الرسل الإحسان إلى الخلق وتعليم الناس طريق الخير، وإرشادهم في أمور معاشهم ومعادهم، وليس دعوتهم إلى العزلة والخلوة والانقطاع عن الخلق والرهبانية، ولهذا السبب لامَ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوماً اختاروا العزلة وانصرفوا بكليتهم إلى العبادات البدنية من صلاة وصوم.

إلى هنا ذكرنا الطرق المختلفة [حول أفضل العبادات] والآن نذكر الطريق الحق في المسألة، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

طريقة محقِّقي الإسلام في أفضل الأعمال والعبادات هي الطريقة الإبراهيمية المحمدية الختمية:

أما أفضل الأعمال والعبادات لدى المحقِّقين من الموحدين في الإسلام فهي الأعمال والعبادات التي تتحقق فيها ثلاثة شروط:

1- أن يراد بالعمل رضا الله.

2- أن يراعى في العمل مقتضيات الوقت والمناسبات.

3- أن يشخص العاملة واجبه تجاه العمل.

إذا توفرت هذه الشروط، كان عمل العامل وعبادته أفضل الأعمال والعبادات، مثلا:

أفضل الأعمال والعبادات في وقت هجوم العدو هو الدفاع حتى لو أدى إلى ذلك إلى ترك بعض الواجبات.

وعند حضور الضيف يكون القيام بإكرامه وأداء حقه أفضل من سائر الأعمال المستحبة.

وأداء حق الزوجة والأولاد من التربية والإنفاق وحقوق الزوجية أفضل من بعض العبادات الأخرى.

وأفضل الأعمال في وقت السحر الاستغفار وقراءة القرآن.

وعندما يرجع الجاهل إلى العالم ويحتاجه في بيان المعارف ومسائل الحلال والحرام، يكون قيام العالم بتعليم الجاهل أفضل من قيامه ببعض الأعمال الأخرى.

وفي وقت الصلوات الخمس أفضل الأعمال وأكمل القُربات أداؤها.

وعندما يقبل إليك محتاجٌ ويسألك قضاء حاجته المادية أو المعنوية فإن أفضل الأعمال أن تقوم بقضاء حاجته.

وأفضل الأعمال حين قراءة القرآن حضور القلب والتدبر في آيات الله.

وأفضل الأعمال عند الوقوف في عرفة الاجتهاد في التضرع إلى الله ومناجاة رب العالمين ولا يجوز الصوم في ذلك الوقت.

وأفضل الأعمال في العشرة الأولى من ذي الحجة الإكثار من التهليل والتكبير والتمجيد.

وفي العشر الأواخر من رمضان أفضل العبادات الاعتكاف في المسجد.

وعند مرض الأخ المؤمن أفضل العبادات عيادته ومساعدته. وعند موت الأخ المؤمن أفضل العبادات تشييع جنازته وتعزية أهله.

وعند جهل الناس عليك وإهانتهم لك وإساءتهم الكلام بحقك، فإن أفضل العبادات الحلم والصبر، وعدم الانعزال عن الناس والصبر على أذاهم أفضل من ترك معاشرتهم والفرار منهم.

فاتضح مما ذكرناه أن أفضل الأعمال في كل وقت ما لوحظ فيه رضا الله وأن يشخِّص العامل واجبه ومقتضى الوقت.

إن هذه الجماعة أي محققي الإسلام أهل التعبد المطلق والتوحيد المحض، فهم يلاحظون رضا الله دائماً ويقومون في كل وقت بالعمل الأفضل فيه.

أما الأقسام والأصناف الذين ذكروا قبلهم من أهل التعبد: فالفريق الذي يرى العبادة في الزهد، فإنه بمجرد خروجه عن الزهد يخرج من أفضل الأعمال.

والفريق الآخر الذي يظن أن أفضل الأعمال أحمزها (أي أشقها) يرى نفسه مقصراً وناقصَ العمل عندما يؤدي عملا لا مشقة فيه. والذين يعتبرون أن أفضل الأعمال خدمة الخلق يرون أن عملهم ناقصٌ إن لم يكن فيه نفع للخلق. فجميع هؤلاء يعبدون الله على نحو أو جهة واحدة.

أما أصحاب العبادة المطلقة التابعون للطريقة الإبراهيمية المحمدية الخاتمة فإنهم يعبدون الله في جميع الأحوال وعلى الدوام فهم ينتقلون دائماً من منزل تعبدُّي إلى منزل تعبدي آخر. فترى صاحب التعبد المطلق مع العلماء في مجلس العلماء، وبين المجاهدين في وقت الجهاد، ومع الذاكرين في وقت ذكر الله، ومع المعيدين والمشيعين للجنازة عند عيادة المريض وتشييع جنازة المؤمن. والحاصل أنك تجده حاضراً في كل مشهد من مشاهد العبادة ومنزل من منازل الطاعة يؤدي واجبه.

والعبد المطلق لِـلَّهِ هو صاحب هذه العبادة، وهذا هو التابع لشيخ الأنبياء عليه السلام وهذا هو أمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا هو صاحب الفضيلة. وهذا هو الموحد الحقيقي الذي لا يقيده قيد ولا يسكن في تعين محدد. إنه المتحقق بحقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة/5). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

الشرك على قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر:

الشرك الأكبر أن يعبد مخلوقٌ مخلوقاً آخر، والشرك الأصغر أن يأتي إلى الأفعال المختصة بذات الله وحده فيثبتها لغيره، كأن يعتبر غير الله شافياً، أو يتصوَّر غيرَ الله رزَّاقاً، أو يعتبر غير الله دافعاً للبلاء ورافعاًَ للشقاء.

الشرك الأكبر كما ذكرنا مراراً أن يرى لِلَّهِ شريكاً في العبادة، ويُحبَّ المعبود غيرَ الحق كما يحب المعبود الحقّ أو أكثر، وهذا هو تسوية الخلق برب العالمين، كما يخاطب المشركون يوم القيامة في نار جهنم آلهتهم فيقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (الشعراء/98)، هذا رغم أن المشركين كانوا يعترفون أن خالق العالم والكائنات هو الله وحده، وأن آلهتهم الخيالية لا ترزق ولا تحيي ولا تميت، فما المراد بتسويتها برب العالمين إذن؟

إن المقصود من تسوية تلك الآلهة برب العالمين التسوية بالمحبة والتعظيم والعبادة، فلقد كان المشركون يحبون آلهتهم كحب الله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (البقرة/165)، ففي هذه الآية تصريح بأن المشركين كانوا يحبون آلهتهم الباطلة مثل حبهم لِلَّهِ رب العالمين، وفي آية أخرى يبين الله تعالى أن المشركين كانوا يفرحون عند ذكر معبوداتهم أكثر من فرحهم عند ذكر الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (الزمر/45).

ولذلك تجد المشركين إذا سمعوا من يذكر آلهتهم بأدنى سوء ويقلل أدنى تقليل من شأن مشايخهم وأوليائهم من دون الله يهجمون عليك كالكلاب المسعورة يريدون أن يفترسوا ذلك الموحد الذي قلل من شأن معبوداتهم. أما عندما تهان حرمات الله أو تنتهك أحكامه وتشريعاته ويتم تغييرها وتبديلها فلا تجد أحداً من أولئك القوم ينتفض ولا يحرك ساكناً، خاصاً إذا كان ذلك الشخص الذي انتهك أحكام الدين وتعرض لشرائعه وسنة خير المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وقام بتبديلها وتغييرها، صاحب جاه وسلطان يأملون منه مالاً أو جاهاً.

يا للعجب! إن قلتَ: ليس هؤلاء الأولياء من دون الله بقضاة الحاجات، ولا هم باب الحوائج ولا الشافون، بل قاضي الحاجات هو الله وحده، وقابل التوبة وغافر الذنب والنافع والضارّ والقادر هو الله وحده لا سواه، لذا لا يجوز أن تُطْلَب الحاجات من أيِّ إنسانٍ، رأيتهم ضربوا خدودهم وشقوا جيوبهم! وصاحوا: واديناه!! وقام الدجالون المتاجرون بالدين باختلاق تأويلات ومحامل وتبريرات للعقائد الشركية للجهَّال، تشابه توجيهات وتبريرات الكهنة ورؤساء المشركين. ومما لا ريب فيه أنه بمثل هذه التأويلات والتبريرات التي يفتي بها الدجالون للجهَّال لن تفتح لهم أبواب الفلاح وسيزداد عدد المشركين يوماً بعد يوم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (الحجر/3).

وإذا قلتَ: إن الإمام زاده (أي الصالح من أبناء أحد الأئمة أو من أحفادههم وذريتهم) لا يشفي الأعمى، والسيِّدة بي بي شهربانو لا تعمي أبصار زائري قبرها، وقِدْر سُكَّر الشعير ليس بقاضٍ للحاجات!، قالوا: نعم! ولكننا نتخذها شفعاء تتوسط لنا عند الله! وهو عين ذلك الجواب الذي كان المشركون يجيبون به خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18)، وقد ردَّ الله تعالى عليهم جوابهم هذا وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في‏ ما هُمْ فيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر/3)، وقال تعالى في موضع آخر أيضاً: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت/41)، وقال كذلك: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا(الكهف/102). وسنقوم فيما يلي ببيان موارد الشرك ونماذجه هدايةً لأخوتنا المسلمين لعل الله يهدي بذلك ضالاً ويرشده إلى موازين الدين وأحكامه.

من أنواع الشرك لبس الخاتم أو الخيط وأمثالها لرفع البلاء أو دفعه:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ؟ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ؟ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (الزمر/38).

هذه الآية تبين بوضوح أنه لا يوجد أي كائن يملك ضُرَّ أحدٍ أو نفعه إلا بإذن الله تعالى، ولو أن شخصاً تصوَّر أن هناك أحداً سوى رب العالمين ضارَّاً أو نافعاً كان مشركاً محضاً.

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رَأَى رَجُلا فِى يَدِهِ حَلْقَةٌ(35) مِنْ صُفْرٍ(36) (وفي رواية: وفي يده خاتمٌ من صُفْر) فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْحَلْقَةُ؟؟. قَالَ هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لا تَزِيدُكَ إِلا وَهْنًا، فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحت أبداً(37).

الْوَاهِنَةُ: عِرْق (أي أَلَمٌ) يَأْخُذ فِي الْمَنْكِب وَفِي الْيَد كُلّهَا فَيَرْقَى مِنْهَا، وَقِيلَ مَرَض يَأْخُذ فِي الْعُضْو وَرُبَّمَا عُلِّقَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَز مَا يُقَال لَهَا خَرَز الْوَاهِنَة(38).

الحلقة: كان من عادة المشركين أن يربطوا عضدهم أو معصمهم بحلقة من التوتياء أو من معدن آخر ويعتقدون أن هذا يحفظهم من العين أو من الجنّ.

ورُويَ في حديث صريح وصحيح آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ(39).

التميمة: خرزات كان العرب يسلكونها ضمن خيط ويشكلون منها حلقة يعلقونها في أعناق أولادهم يتقون بها العين.

الوَدَعة أو الوَدْعَةُ: خَرَزٌ بَيضٌ تَخْرُجُ منَ البَحْرِ تَتفَاوَتُ في الصِّغَرِ والكِبَرِ شَقُّهَا كشَقِّ النَّواةِ تُعَلَّقُ على الأطفال لِدَفْع العَيْنِ.

فمعنى الحديث أن من علَّق على بدنه تميمةً فلا أتم الله له لأنهم كانوا يعتقدون أن التميمية تشتمل على جميع الأدوية وتؤمن جميع أنواع الشفاء. وكذلك من علق خرز الودعة فإن الله لن يجعله في دعةٍ أي هناء وسكون. (أو فلا أزال الله عنه ما علق الودعة لأجل دفعه!).

ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف/106].

وفي الحديث (الصحيح) عن أَبَي بَشِيرٍ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولاً أَنْ لا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلادَةٌ إِلا قُطِعَتْ.(40).

الوَتَر: كان من عادة أهل الجاهلية أنه عندما يصبح وتر قوسهم قديماً يبدِّلُونه ويعلِّقُون الوَتَر القديم على أعناق الإبل والخيل والبقر والضأن، ويعتقدون أن هذه الأوتار تحفظ أنعامهم من المكاره ومن العين.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ(41).

الرُّقَى: جمع رُقْيَة: وهي العُوذة التي يُرْقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات.

التِّوَلَةَ: (بكسر التاء وفتح الواو) ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. فهو سِحْرٌ أو شبهه وخرز تتحبب معها المرأة إلى زوجها.

وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مرفوعاً: مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ(42).

ورُوِيَ عن رُوَيْفِعَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِى، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا(43) أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهُ بَرِيءٌ(44).

عَقَدَ لِحْيَتَهُ: ذُكر مَعْنَيَان في تفسيره: الأول قِيلَ هُوَ فتل اللحية ومُعَالَجَتهَا حَتَّى تَنْعَقِد وَتَتَجَعَّد. والثاني: أنهم كَانُوا يَعْقِدُونَ لحاهم فِي الْحُرُوب تَكَبُّرًا وَعُجْبًا فَأَمَرَهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بِإِرْسَالِهَا.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة.

يَتَّضِح من هذه الأخبار الصحاح ومن نص الآية المباركة أن الاستمداد الغيبي والاستعانة المعنوية من الخاتم والحلقة والخيط الذي يُعَلَّق لدفع الحُمَّى وأمثال هذه الأمور من قبيل تعليق حِدوة الفرس (النعل) على أبواب الدكاكين أو السيارات أو البيوت شرك محض وخرافات صِرْفةٌ ولا يجوز التبرُّك بأمثال هذه الأشياء أو طلب رفع الفقر والفاقة منها ودفع الآفات والمصائب بها!.

فإن قالوا: لقد وردت الأخبار في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين كانوا يلبسون الخواتيم في أيديهم، ووردت أخبار في خواص فصّ الخاتم، بأن الفص الفلاني مفيد في دفع الفقر، والفص الفلتاني يضاعف ثواب الصلاة، والفص الآخر يحفظ الإنسان من البلايا وغيرها.

قلنا في الإجابة عن ذلك:

أولاً: طبقاً للرواية الصحيحة التي نقلها صاحب الوسائل عن الإمام الصادق عليه السلام: مَا تَخَتَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلا يَسِيراً حَتَّى تَرَكَه(45).

ثانياً: الخاتم الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنوات الأخيرة من حياته لم يكن لأجل التبرُّك والغلبة على العدوّ أو رفع الفقر الفاقة، بل لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب رسائل إلى ملوك الدنيا يدعوهم فيها إلى الإسلام، قيل له إن الرسالة دون خاتم عليها لا اعتبار لها ولن يقرأها أحد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُصنَعَ له خاتمٌ من فضَّةٍ وجعل نقشه في ثلاثة أسطر: السطر الأول: الله، والسطر الثاني: رسول، والسطر الثالث: محمد، ليُقرأ من أسفل إلى أعلى. وبقي هذا الخاتم في يده الشريفة طالما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً، فلما رحل الرسول الأكرم وضع أبو بكر الخاتم في يده، وبعده عمر وبعدهما عثمان وعندما قُتل عثمان وقع الخاتم في بئر أريس فبحثوا عنه ثلاثة أيام فلم يجدوه.

فمن هذا البيان نعلم أن خاتم النبي كان ختماً يتضمن اسمه الشريف، لا أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يتبرَّك بفص الخاتم!

وكذلك لم يكن الأئمة الطاهرون عليهم السلام يتبركون بالأحجار الكريمة بل يتيمنًّون بأسماء الله الحسنى، فكان نقش خواتيمهم مبنياً على التوسل بالحق تعالى وأسماء الله الحسنى: فكان نَقْشُ خَاتَمِ أمير المؤمنين علي (ع): الْمُلْكُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَنَقْشُ خَاتَمِ حضرة الزهراء عليها السلام: اللَّهُ وَلِيُّ عِصْمَتِي، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام [الحسن] المجتبى (ع) الْعِزَّةُ لِلَّهِ، وَنَقْشُ خَاتَمِ الحسين الشهيد (ع): إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه، وَنَقْشُ خَاتَمِ السيد السجاد (ع): لِكُلِّ غمٍّ حَسْبِيَ اللَّه، وَنَقْشُ خَاتَمِ باقر العلوم (ع): أملي بالله، وَنَقْشُ خَاتَمِ حضرة الإمام الصادق (ع): اللَّهُ وَلِيُّ عِصْمَتِي مِنْ خَلْقِهِ، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام موسى بن جعفر (ع): حَسْبِيَ اللَّه، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام الرضا (ع): مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام محمد التقي (ع): حَسْبِيَ اللَّه‏ حافظي، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام علي النقي (ع): الْمُلْكُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار، وَنَقْشُ خَاتَمِ الإمام الحسن العسكري (ع): الغِنى لِـلَّهِ.

 تبيَّن من هذه المقدمات أن عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الطاهرين عليهم السلام لم تكن التبرك بالأحجار ولا التوسط بالخاتم لدفع البلاء أو رفع الأمراض والمصائب. كما تبين من نص القرآن الكريم ومن الأخبار الصحيحة التي ذكرناها أن التبرك بالأحجار شرك.

لكن العجب هنا كيف ولماذا اتخذوا كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهرياً؟ لماذا لا يعلم المسلمون عنهما شيئاً؟ لماذا لا يفكرون في أنفسهم بأن التبرك بحجر لا معنى له؟ يا ربّ! لماذا أصبح دينك ألعوبةً بيد الجهال؟ يا رب! لماذا نُسِيَت سنة نبيك؟

سبحان الله! يضع المتديِّنون الخواتيم في أيديهم ويقولون الفصُّ الفلاني خاصيَّته أن يقرِّب الإنسان إلى الله، والحجر الكريم الفلاني يضاعف ثواب المصلي أضعافاً! أليس هذا نوع من عبادة الأحجار؟ ما الفرق بين أن يعبد الإنسان حجراً كبيراً ويتبرَّك به وبين أن يفعل ذلك بحجر صغير؟

إن تقديسَ الأحجار والتبرُّكَ بها من مخلفات العصور البدائيَّة وأزمنة الجهل والهمجية التي كان الإنسان يقدِّس فيها الأحجار، ولكن المخجل والفاضح أنهم يقولون إن الشرع هو الذي أمر بالتبرك بالأحجار!. هذا في حين أن الأخبار التي رووها في هذا الباب كلّها موضوعة ولا أصل لها، وهي تعارض – كما رأينا – القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

 إن تلك الأخبار تخالف أصول التوحيد، كما تخالف روح الإسلام، فيجب أن تطرح جانباً لأننا أمرنا أن نفعل ذلك بكل خبر يخالف كتاب الله.

لقد كان لي خاتم من حديد صيني، قرأت في الكتب أن له خواصاً، من جملتها أنه يحفظ من يضعه في يده في الصحاري والبحار من الآفات. لذا عندما عزمت السفر إلى حج بيت الله الحرام وضعت الخاتم في يدي ولما كنت في طريقي من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة وأخذت بقراءة كتاب في الحديث وأنا في الحافلة وقعتُ فجأةً على تلك الأخبار التي نقلتُها في هذا الفصل، فلمَّا تأمَّلتها قلت في نفسي: يا ويح نفسي! كم أن جاهل وعديم الاطلاع على توحيد ديني الإسلام! كيف أكون مُحْرِماً وحاجَّاً ومسافراً إلى بيت الله وأضع صنماً في يدي؟! لماذا لا أعتبر ربَّ العالمين حافظي؟ لماذا أعتبر الحجر حافظي مع أنني أنا الذي أحفظه؟! لقد أحدث هذا الفكر انقلاباً في نفسي يستحيل عليَّ شرحه. فاشتغلت بالاستغفار ونزعت الخاتم من يدي ورميته في الصحراء وأعدته إلى عالمه عالم أحجار البادية وحصاها وقرأتُ هذا البيت:

رسم عاشق نيست با يكدل دو دلبر داشتن

                        وكعبه دل را از بت انگشتر پاک كردم

أي: ليس من شأن العاشق أن يكون له محبوبان في قلبه

لقد طهَّرْتُ كعبة القلب من الخاتم

والحمد لله رب العالمين.

وهنا نقطة لا بد من توضيحها وهي أننا لا ننكر خواص الأحجار، فلا شك أن لكل حجر خواص كالعقيق والفيروزج وغيرها، لكن بحث خواص الأحجار يُدرَس في العلوم الطبيعية، والإسلام ينكر خواصها الروحية والغيبية ولا ينكر خواصها الطبيعية. لذا إذا ادَّعى شخصٌ أن من يضع بيده خاتماً من فيروزج لا يغرق في البحر! فعلى علماء الطبيعة أن يجرِّبوا ذلك ويختبروا صحته بأن يرموا شخصاً لا يجيد السباحة في حوض ماء، وبيده خاتمٌ من فيروزج، ليروا هل يغرق أم لا؟

ولقد قلنا في بحث العبادة أنك لو طلبت من شيءٍ أمراً غيبياً وسلطاناً معنوياً فعملك هذا عبادة لهذا الشيء. فلا ينبغي أن ننسى هذه القاعدة: لو سألتَ أيَّ موجود غير الحقَّ تعالى أن يقوم بأمر معنوي من قبيل حفظ الحياة والرزق ودفع البلاء ورفع الشقاء والهداية وغفران الذنوب والنجاة تكون مشركاً لأن تلك الأفعال من شؤون الحق تعالى.

فإن قيل: لقد روي عن الإمام في الحديث أنه قال: علامات الإيمان خمس: التختُّم باليمين(46).

قلنا في الجواب: المراد من المؤمن هنا الشيعة، وكان من تقاليد الشيعة التي تميِّزهم عن الآخرين التختّم باليمين، إذْ كانت العادة في ذلك الزمن أن يتختّم غير الشيعة باليد اليسرى، فلما كان الشيعة قليلي العدد بالنسبة إلى الآخرين ويعيشون في التقية ولا يعرفون بعضهم بعضاً لذا استقرَّ هذا الشعار فيما بينهم كي يعرفوا بعضهم بعضاً ولا يحتاجوا إلى التقية، وهذا الحديث لا يدل على أنه يجوز التبرك بالخاتم بل كل ما يقوله إن الخاتم الذي هو زينة يجب على الشيعي أن ينزعه من يده اليسرى ويضعه في يده اليمنى، ومن الشواهد على هذا المعنى وضع ذؤابة العمامة تحت الحنك والذي كان أيضاً بهدف تميز الموحدين عن المشركين، لأن لباس المشركين والموحدين في صدر الإسلام كان متماثلاً وكانت العمائم التي يضعونها على رؤوسهم ذات شكل واحد، لذا استحب للمسلم أن يضع ذؤابة العمامة تحت حنكه مخالفةً للمشركين، كما قال المحقق الثاني في كتاب جامع المقاصد في باب لباس المصلي: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ التَّلَحِّي بِالْعَمَائِم(47) أي وضع طرف العمامة تحت اللحية. اللهم نسألك برحمتك الرحمانية أن تحفظ عبادك الموحدين من شرك المشركين.

اللهم اهدِ المسلمين الذين انحرفوا عن ميزان القرآن والسنة، وأَبْعِد عنهم الشرك برحمتك يا أرحم الراحمين، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ.

من أنواع الشرك التبرُّك بشجرةٍ أو حَجَرٍ ونحوها

يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (النجم/19). (وكلمة الأخرى هنا صفة ذمٍّ، أي مناة المتأخرة والسافلة).

وكانت اللات - كما يقول ابن كثير - صخرةً بيضاءَ منقوشةً، وعليها بيت بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فناء معظّم عند أهل الطائف، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدم الصنم وأحرق معبده [وجعل مكانه مسجد الطائف].

وأما العزَّى فكانت شجرةً عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش تعظِّمها، فبعث الرسولُ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلم خالدَ بنَ الوليد إلى نخلة، فاقتلع تلك الشجرة وأحرقها. وقال بعضهم كانت على ثلاث سَمُرات (أي ثلاث شجرات نخيل) [فقطع خالد السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان عليها].

وأما مناة فكانت عند قُدَيد، بين مكة والمدينة، [وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها]، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها عليَّ بن أبي طالب (ع) سنةَ الفتح فحطَّمها وهدم معبدها.

عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْر، وللمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوْطُوَن بِهَا أسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أنْوَاطٍ(48)، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ(49)، فقلنا: يَا رَسُولَ اللهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَات أنْوَاطٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: اللهُ أكْبَر، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ ـ والذي نفسي بيده ـ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلُ لِمُوْسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهَةٌ قال إنكم قومٌ تَجْهلون. لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ(50).

ينبِّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أمَّتَه في هذا الحديث إلى أنهم سيتَّبعون سنن من سبقهم من الأمم، ولو دقَّقْنا النظر لرأينا أنَّ تَبَعيَّة المسلمين لسنن الأمم السالفة أمرٌ واضحٌ ملء العينين إذْ إنَّنا نجد في كل مدينةٍ وقريةٍ وحيٍّ حجرةً أو شجرةً أو سبيلا يطلب منه الناس حوائجهم، ومئات من مثل هذه الأشياء، فهل يمكننا أن نطلق اسم المسلمين والموحِّدين على الذين يعتقدون بمثل تلك الموهومات ويطلبون منها حوائجهم؟؟ أليسوا مشركين؟؟.

والعجيب أنهم يقولون إن الشجرة أو الحجرة أو سبيل الماء أو موضع القدم أو قِدْر سُكَّر الشعير وغيرها التي نطلب منها حوائجنا إنما نالت هذه القدرة ببركة نظر هذا الصالح من ذرية الإمام إليها، وهذا لعمري عذر أقبح من ذنب، فهم في كلامهم الجاهل هذا يبنون شركاً على شركٍ آخر!! فمن قال إن هذا الصالح من ذرية الإمام قاضي الحاجات حتى يؤدِّي نظره إلى شجرةٍ إلى جعلها شجرةً قاضيةً للحاجات؟!

ولقد رأيت بنفسي شجرةً تُدعى مُلا شوندر خلف مدرسة السيد ناصر الدين، وقد اجتمع حولها جماعة من النِّسْوَة وكان هناك شخصاً يقرأ عليهم مرثيةً وكانت النِّسْوَة يطلُبْنَ حاجاتهنَّ من الشجرة وقد ربطن عدداً كبيراً لا يمكن إحصاؤه من قطع القماش الصغيرة والخيوط بالشجرة، ودقَقْنَ في جسم الشجرة عيوناً من فضَّة وقد تحوّلت الشجرة إلى خشبةٍ جافَّةٍ محترقةٍ متعفِّنةٍ لكثرة ما وضعن عليها من الشموع المشتعلة!. والأعجب من ذلك أن تلك الشجرة كانت خلف مدرسة دينية يدرس فيها حوالي مئة طالب للعلوم الشرعية فلم يكن أحدٌ منهم يجرؤ على النهي عن ذلك المنكر. ونحمد الله أن حوادث الزمن أدت إلى شق طريق في موضع تلك الشجرة مما أدى إلى إزالتها. ولكن للأسف الشديد تمت إزالة تلك المدرسة الجميلة معها أيضاً.

كذلك كانت هناك شجرة دُلب إلى جانب القصر الملكي يُقال لها شجرة دُلب عباس علي كانت مَحَطَّاً لاهتمام ساكني تلك المحلَّة فكانوا يتبرَّكون بها، ونحمد الله أنها اقتُلِعَت من جذورها.

لقد بلَّغَ خاتمُ النبيين صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة وأدَّى الأمانةَ وكرَّه إلى المسلمين الشرك إلى درجة أن عُمَر رغم كل تعصبه زمن الجاهلية لعبادة الأصنام، لما زار الكعبة أيام خلافته ووصل إلى الحجر الأسود خاطبه قائلا: أيها الحجر إني أعلم أنك لست أكثر من جماد. ولولا أني رأيت رسول الله يستلمك ويحترمك لما اهتممت بك أبداً(51). فانظر الاختلاف الكبير بين ذلك الزمن وهذا الزمن!

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أنه لا ينبغي تعظيم وعبادة الحجر الأسود، أما استلامه عند الطواف فهو عمل مستحب فقط، ومكان الحجر هو لتعيين نقطة بدء الطواف، وبعبارة أوضح على الحاج أن يبدأ طوافه من محاذاة ذلك الحجر، لأن على الطائفين أن يتحركوا بجهة واحدة إذْ لو تحرك كلٌّ منهم في جهة مخالفة للآخر لاصطدموا ببعضهم ولأصبح الطواف مشكلا، لذا نصَّ الشرعُ على أن تتم النية بمحاذاة الحجر ويبدأ من عنده الطواف.

تلك كانت تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن للأسف الشديد! بعد مضي مدة قليلة من رحيله وقع كثير من الأمة في الشرك وغاصوا فيه إلى درجة أصبحوا يرون فيها عاداتهم الشركية من ضروريات الدين ومسلمات شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم!!

بس كه بستند بر او برگ وساز              گر تو بيائى نشناسيش باز

أي: لِكَثرة ما ألصقوا به من أمور وأشياء       فإنك لو جئت ورأيته لم تعْرِفْه!

 أحد أنواع الشرك: الذَّبح وتقديم القرابين لِغَـيْرِ الله:

القربان هو كل ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله سواء كان دماً أم غيره، وفي العرف هو اسمٌ للذبيحة التي تُقَدم لِـلَّهِ، كما هو مذكور في تاريخ بني إسرائيل أن قربان قابيل كان من ثمار الأرض وقربان هابيل كان من الحيوانات.

في زمن نوح (ع) تمَّ بناء مذبح لتذبح عليه القرابين وتحرق [تقدمةً لِـلَّهِ]، وفي زمن إبراهيم (ع) كانت قرابين الناس الخبز والماء والبشر وكانوا يقدمونها للأصنام (وقضية ذبح إسماعيل ونزول الفداء له تشير إلى هذه القضية).

وفي زمن موسى (ع) كانت القرابين نوعين: دموية وغير دموية، فكانوا يذبحون القرابين الدموية، ويُخَلُّون سبيل القرابين غير الدموية لتذهب في البيداء.

وقد تعلَّم العرب الجاهليون هذه العادة من قوم موسى فكان يسيبون الحيوانات تقرُّباً لأصنامهم، وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك: البحيرة والسائبة، كما قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (المائدة/103).

البحيرة: كان من عادة العرب إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولا تطرد عن ماء ولا تمنع من مرعى(52).

السائبة: كان الرجل في الجاهلية ينذر أنه إذا قدم [سالماً] من سفر أو برئَ من علة أن يحرِّرَ ناقةً أي يُسيِّبها فتكون كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى وَقيل هي التي تسيب للأصنام أي تُعْتَقُ لها(53).

الوصيلة: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم وإن ولدت في البطن السابع جديا وعناقا قالوا إن الأخت وصلت أخاها فحرمته علينا فحرما جميعا فلم يكونوا يذبحون الجدي لأجل أخته، [وكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء](54).

الحام: وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل سبعة أبطن(55) قالوا قد حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا من مرعى، وقيل إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل حمي ظهره فلا يركب(56).

وطريقة المشركين هذه أصبحت سائدةً لدى بعض المسلمين حيث يقومون بتحرير وإطلاق عنزة أو خروف أو جمل لسبيل الماء أو لقبر صالح، ومن الأمثال السائرة أنهم يقولون: إن عِجْـل الإمام الرضا لا يؤكل في الضحى، وأن ذلك العجل كان زمن الشاه سلطان حسين الصفوي وقد زيَّنُوه بالذهب والمرايا وتركوه طليقاً في الأزقَّة والأسواق فكان الناس يتبرّكون به، ولقد رأيت بنفسي أنهم أطلقوا عنزةً تقرّباً إلى سبيلٍ وجعلوا قرنها من ذهب وكانوا يتبرّكون به!

وكانت ذبائح بني إسرائيل ثلاثة أنواع: الذبيحة المحرقة، وذبيحة كفارة الذنوب، وذبيحة السلامة؛ فكانوا يحرقون الذبائح من النوع الأول ما عدا جلدها، وكانوا يقسِّمون الذبائح من النوع الثاني نصفين فيعطون النصف الأول للكاهن ويحرقون النصف الثاني، وكانوا يأكلون الذبائح من النوع الثالث.

أما القربان لدى المسيحيين فهو منحصرٌ بالخبز والخمر ويعتبرونهما جسد المسيح ودمه.

وكان بعض الأمم كالمصريين والرومان والفينيقيين والكنعانيين يبالغون في أمر القرابين إلى درجة أنهم كانوا يضحون بالبشر أحياناً وقد استمرت هذه العادة المشؤومة في أوروبا حتى القرن السابع الميلادي.

وقال بعضهم كان هناك سببين للقرابين: 1- الإهداء للآلهة وتعظيمها. 2- للتكفير عن الذنوب حتى ترضى عنهم الآلهة ويسكن غضبها. أما الشعوب المتوحشة فكانت تقدم القرابين لثلاثة أسباب: 1- لأجل روح الميت إذْ كانوا يقولون إن الميت يبقى جائعاً في قبره ويحتاج إلى طعام، حتى أنهم كانوا يضحون بفرس الميت وغلمانه كي تعاونه في قبره. 2- يقدمون القرابين لآلهتهم كي ترضى عنهم، 3- يقدمون القرابين لأجل التكفير عن ذنوبهم وعن ذنوب قبيلتهم. والأصل في هذه القرابين أنهم كانوا يعتقدون أنهم بذبحهم لحيوان قرباناً ينتقل المرض من شخص المريض إلى الحيوان المذبوح، ثم نشأ عن هذه العقيدة عقيدة أخرى وهي انتقال إثم الأمة إلى الحيوان المذبوح، كما كانت بعض القبائل الأفريقية تضحي برجل وامرأة مرَّةً كل سنة وتقول إن آثام القبيلة تنتقل إلى هذين الشخصين وبذبحهما تتطهر القبيلة من ذنوبها. وكان الأثينيون يضحون بإنسان في أوقات انتشار الأوبئة العامة أو الكوارث الطبيعية مثل القحط والغلاء ويعتقدون أن البلاء يرتفع عنهم وتنجو أمتهم بالتضحية بذلك الشخص.

ولقد كانت هذه العقيدة هي الأساس الذي نشأت عنه عقيدة الفداء لدى النصارى الذين يقولون إن عيسى فدى الناس بنفسه بموته على الصليب كي يطهِّر الناس من ذنوبهم، وتوجد مثل هذه العقيدة لدى أراذل الشيعة وجهلتهم الذين يرون أن الحسين بن علي عليه السلام استشهد ليطهِّرَ الشيعة بذلك من ذنبوهم.

تقديم القرابين والأضاحي في الإسلام:

لقد أزال الإسلام جميع تلك الأوهام والخرافات عن البشر وأجاز التضحية بالحيوانات ونهى بشدة عن التضحية بالبشر.

كان المصريون يقومون مرَّةً في كل سنة بإغراق فتاة جميلة في نهر النيل ويسمونها عروس النيل، وبقي ذلك الأمر حتى زمن الفتح الإسلامي وحكم عمرو بن العاص لمصر حيث توقفت العادة الشنيعة ببركة الإسلام.

لقد قرَّر الإسلام التضحية بالحيوانات، وبيَّن أن الحكمة من ذلك ليست لا إرضاء الأصنام ولا فداء الأحياء بل هي هديَّةٌ من الأغنياء للفقراء، فالمقصود من الأضاحي إطعام الجائعين والمساكين والبؤساء، كما قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الحج/36).

فقوله: فاذكروا اسم الله عليها إيجابٌ لقول المضحِّي عند ذبحه لأضحيته: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك(57).

والقانع هو الفقير المتعفِّف الذي يقنع بما يُعطى ولا يسأل أما المعترّ فهو الفقير الذي يسأل العطاء. وقال بعضهم القانع فقير مكة والمعترّ الفقير الآفاقي (أي القادم من خارج مكة).

لقد صرَّحت الآية الكريمة أن الأضاحي ليست مقصودة لذاتها كما أنها لا تفيد ذات الحق تعالى لأن ﴿إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (آل عمران/97)، كما أنها ليست ركناً من أركان الدين، لكنها مستحبةٌ باعتبارها صدقةً وتوسعةً على الفقراء والمحرومين.

ولا بد من ذبح القرابين لِـلَّهِ تعالى وحده فقط، ولا يجوز ذكر اسم غير الله عند الذبح والنحر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام/162).

معنى وَ نُسُكِي: قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك: ذبيحتي في الحج والعمرة.

وكذلك يقول تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (الكوثر/2). والنحر هو ذبح الجمل والتضحية به.

ويقول أيضاً: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ... (البقرة/173).

والمراد من وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما كانوا يفعلونه من الذبح باسم غير الله أي بذكر اسم صنم من أصنامهم وإلـه من معبوداتهم، فيقول أحدهم عند التضحيه بقربانه: أيها الصنم أقدم لك هذه الأضحية متقرِّباً بك إلى الله.

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع كلمات: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأرْضِ(58).

وروى أبو عبيدة في كتاب الأموال وَالبيهقي عن الزهري وهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه نَهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّارَ أَوْ يَسْتَخْرِجَ الْعَيْنَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَذْبَحَ لَهُ ذَبِيحَةً لِلطِّيَرَةِ مَخَافَةَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْجِنِّ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَنَهَى عَنْهُ(59).

يتَّضح من هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي ذكرناها أن تقديم القرابين لغير الله شرك ولحمها حرام.

يقول الفقهاء رضوان الله عليهم: كل أضحية ذُكِر اسم غير الله عند ذبحها حَرُمَ لحمها حتى لو ضُمَّ اسم الله إلى ذلك الاسم عند الذبح. ومن هذا القبيل ما يقوم به الناس اليوم بالذبح باسم صالح من ذريّة الأئمة أو باسم أبي الفضل [العباس] (ع) أو أئمة الهدى. حيث يقول العامي: يا ابن الإمام! ذبحتُ هذة الشاة في سبيلك، أو يقول: يا أبا الفضل! أذبح هذا الخروف باسمك كي تشفي لي مريضي.

يا ربّ! لقد ساد الشرك باسم التوحيد، وصار أكثر الناس يرتكبون أعمالاً شركيةً باسم الإسلام.

حقّاً إنها مشكلة غريبة؟ ولا شكّ أن إثم ذلك يقع على عاتق الدجّالين الذين يخترعون ألف تبرير لأعمال العوام الشركيّة هذه. ولا غرو فإنهم يريدون الارتزاق منهم! فأولئك العلماء هم المُقَلِّدون للعوام وليس العوام مُقلِّدين لهم. فحيثما ذهب العوام سار أولئك الدجالون كالأنعام وراءهم. ولما كان أولئك الدجالون الذين يبيعون دينهم بعرض زائل من الدنيا يقولون ما يوافق أهواء ورغبات العوام الجهلة، فإن الناس الجاهلين الذين لا يملكون القدرة على تشخيص الصواب من الخطأ يتخيلون أن أولئك العلماء مطاعون في الدين فيطيعونهم طاعة كاملة كي يدخل التابع والمتبوع كلاهما في النار! ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (الأحزاب/67).

حقاً لو كان لديهم إيمان بالله ورسوله وكانوا يخافون من يوم القيامة لكان ذلك كافياً لهم! ولكن للأسف: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (الشعراء/212).

من الأنواع الأخرى للشرك: النذر لغـير الله:

يقول تعالى مادحاً عباده الصادقين ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (الإنسان/7)، وهذه الآية الكريمة تدل على وجوب الوفاء بالنذر وتمدح فاعله. فالنذر إذن عبادة من العبادات، والعبادات يجب أن تكون خالصةً لِـلَّهِ لا يُتَوَجَّهُ بها لأحدٍ غيره، فكما أن الصلاة والصوم لا يكونان إلا لِـلَّهِ تعالى وحده، ولو أُدِّيا لغير الله كانا باطلين، فكذلك النذر بما أنه عبادة فإن أُدِّي لغير الله كان باطلا، ولهذا السبب يقول الفقهاء: لا ينعقد نذر الكافر.

يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (البقرة/270). في هذه الآية الكريمة يبيِّنُ الله تعالى لنا أنه العليم الخبير بأعمال العباد في عالم الدنيا، سواء كانت إنفاقاً أم نذراً، وقد تعهَّد الله تعالى أن يجزي المحسنين خيراً ورحمةً على إحسانهم.

روي في الكافي عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ عَلَيَّ هَدْيُ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ بِحَجَّةٍ أَوْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيُ كَذَا وَكَذَا إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا(60).

وفي الكافي: عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ؟ قَالَ: لَيْسَ النَّذْرُ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى يُسَـمِّيَ شَيْئاً لِـلَّهِ صِيَاماً أَوْ صَدَقَةً أَوْ هَدْياً أَوْ حَجّا(61).

وفي الكافي أيضاً: عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (ع) سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالنَّذْرِ وَنِيَّتُهُ فِي يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ قَالَ إِذَا لَمْ يَجْعَلْ لِلَّهِ فَلَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ(62).

فاستناداً إلى تلك المقدمات، من الآيات والأحاديث وإجماع العلماء، يتضح أنه لا يجوز النذر لغير الله وأن من نذر لغير الله فنذره باطل ولا يقع أصلا، وذلك كالنذور لقبور الصالحين. كقول الناذر: نذرت لك يا ابن الإمام هذه السجادة أو هذا المصباح والشمعدان أو هذه الشاة، فكل هذه النذور باطلة وإذا كان الناذر يطلب من خلالها أن يقوم صاحب القبر بقضاء حوائجه كان مشركاً بلا ريب.

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الأنعام/136).

كَانَ لقبيلة بني ِخَوْلانَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ عُمْيَانِسُ بِأَرْضِ خَوْلانَ، يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ(63)، وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه لِلَّهِ وبعضه للأصنام فما كان لِلَّهِ أطعموه الضيفان والفقراء، وما كان للصنم أنفقوه على سدنة الصنم، وكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه لِلَّهِ ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ويقولون إن الله غني والأصنام أحوج وإن زكا الزرع الذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الذي زرعوه لِلَّهِ لم يجعلوا منه شيئا لِلَّهِ وقالوا هو غني! (64) وقد أشار الحق تعالى إلى هذا الأمر في الآية المذكورة.

فاتضح مما ذكر أن النذر لغير الله باطل وحرام، سواء كان ذلك لقبر أم لشخص حي، والسبب في ذلك أولا: أن النذر لمخلوق مثله مثل الصلاة لغير الله كلاهما عبادة، في حين أن العبادة ينبغي أن تكون لِـلَّهِ وحده فقط.

ثانياً: أنه لا يُتَصَوَّر النذر للميت لأن الميت بإجماع أمة خير المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة العقل لا يملك شيئاً.

ثالثاً: إن الشخص الذي ينذر لصحاب القبر يفترض أن صاحب القبر مستقل في التصرف بالأمور في مقابل الله وهذا شرك وكفر صريح.

بعد أن عرفنا ذلك، إذا انتبه شخص إلى شركه وأدرك أنه أمضى ردحاً من عمره في الشرك بسبب جهله وغفلته فعليه أن يتوب، وإذا أراد بعد ذلك أن ينذر نذراً فعليه أن يقول: اللهم نذرت لك هذه الأضحية وأهدي ثواب أضحيتي إلى روح حضرة سيد الشهداء (ع) أو الأئمة (ع) أو إلى أولياء آخرين، وجعلت مصرفها للفقراء ومحبي أئمة الهدى. أو أن يقول اللهم: نذرت لك هذه السجادة أو هذا المصباح أو هذه الآنية ووقفتها للحرم أو للمسجد؛ فإذا نذر بهذه الطريقة كان نذره صحيحاً وكان مثاباً عليه.

إن معظم ضلالات الناس سببها جهلهم بأحكام الشرع فإذا تمَّت توعيتهم بأحكام الشرع فإنهم سيعملون بها بلا شك.

من أنواع الشرك الاستغاثة بغـير الله ودعاء غيره:

الاستغاثة: طلب الغوث لإزالة الشدة وطلب العون. وقال بعضهم استعملت الاستغاثة لأجل المكروب والمغموم فقط، والدعاء غير الاستغاثة لأنه أعم منها، فبين الدعاء والاستغاثة عموم وخصوص مطلق فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة.

والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة. فدعاء المسألة طلب الداعي ما ينفعه من جلب منفعة أو كشف ضُرٍّ، وقد خطّأ الله في قرآنه الكريم الذين يدعون غير الله لجلب النفع أو كشف الضر فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (المائدة/76)، وقال كذلك: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ (الأنعام/71)، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (يونس/106).

وكل دعاء عبادة يستلزم دعاء مسألة كما أن كل دعاء مسألة يستلزم دعاء عبادة كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/55)، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (الأنعام/41)، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (الجن/18).

وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير وهي تبين أن دعاء المسألة مستلزم لدعاء العبادة، وتـنصُّ على أن السائل يجب أن يكون سؤاله خالصاً لِـلَّهِ تعالى.

والاستغاثة جائزة في الأسباب الظاهرية والأمور الحسية كأن تقول في القتال: يا فلان أدركني. أو أن يهجم عليك حيوان مفترس فتقول يا فلان أغثني أو أن تصيبك مصيبة أخرى كأن يحترق منزلك أو يهاجمك العدو فتستغيث بالمسلمين قائلا أغيثوني وأدركوني، فكل ذلك جائز بإجماع أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعتبر شركاً.

أما الاستغاثة بالقوة والتأثير بالأمور المعنوية والأمور التي لا يقدر عليها أحد سوى الله مثل طلب شفاء المرض أو وفاء الدين من غير الأسباب الطبيعية أو طلب الرزق والهداية وغفران الذنوب ودخول الجنة والتوفيق والنجاح في الدراسة وأمثالها فإن هذا النحو من الاستغاثة مختص بالذات الربوبية ويكون شركاً إذا طلب من غير الله، فلا يجوز الاستغاثة بنبي أو ولي كأن تقول له يا فلان! اشفني أو اغفر لي أو ارحمني، أو تقول: استغيثُ بك يا فلان، أو: أغثني يا فلان، بل يجب أن تقول أغثني يا غياث المستغيثين! وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم منافقٌ يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المنافق. فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله.(65). وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

من الأنواع الأخرى للشرك: التنجيم:

لما كان الاعتقاد بالتنجيم وتأثير الكواكب والشمس والقمر في هذا العالم من العقائد القديمة لفرقة الصابئة ومنها سرى إلى عقائد المسلمين فنحن مضطرون إلى بيان طرف من أحوال تلك الملّة أي ملة الصابئة.

الصابئة: كانوا – طبقاً لرأي بعض العلماء – أتباع صاب بن شيث ومن هنا سموا بالصابئة، وَمما يؤيد هذا الرأي كلامهم أنفسهم إذ يقولون إن معلمهم في هذه المذهب هو عاذيمون يعني شيث، وهرمس ويعني إدريس. يقول صاحب الصحاح: صَبَأَ الرجل صُبوءًا، إذا خرج من دينٍ إلى دين.. وكان العرب الجاهليون يطلقون على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لقب الصابئ لأنه صبأ أي خرج عن دين قريش الذي هو عبادة الأصنام، وكذلك كانوا كلما أسلم شخص قالوا عنه صبأ الرجل ويسمون المسلمين بالصابئين.

وفي مقابل الصابئة ملة الحنفاء، والحنف في اللغة الإعراض عن الضلال والميل للهداية. والحَنِيف عند العرب: من كان على دين إبراهيم عليه السلام. فإمام الحنفاء كما سيأتي إبراهيم خليل الرحمن (ع) وخاتم الحنفاء سيد الأنبياء صاحب المرتبة الختمية صلى الله عليه وآله وسلم.

لما بنى إبراهيم الكعبة وجعلها مركز الدين الحنيف كان أجداد وسلف أهل مكة تابعين لإبراهيم وكانوا يسمون الحنفاء وكانوا مخالفين جداً للصابئة ولكن أخلافَهم وأبناءَهم المعاصرين لخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم كانوا رغم كل وثنيتهم وعبادتهم للأصنام يتصوّرن أنفسهم أنهم على طريقة الحنفاء وكانوا يظنّون معاداة الأصنام خروجاً عن دين إبراهيم الحنيف! لذا كانوا يطلقون على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين لقب الصابئين.

كما أن سلفنا وآباءنا كانوا أيضاً مسلمين وكانت عقائدهم حقَّة وكان توحيدهم كاملا ثم لتطاول العهد بهم ولأسباب وعلل أخرى استبدلوا عقيدتهم السابقة بعقائد غير إسلامية وبأنواع من الشرك باسم الإسلام والتوحيد بل أشاعوا كثيراً من الأعمال والاعتقادات المخالفة للإسلام وظن المسلمون الذي لا علم لهم بحقيقة الإسلام أن هذه الاعتقادات والأعمال التي يمارسونها هي الإسلام وكلما قام شخص يدعو إلى الإسلام الحقيقي وطريقة السلف الصالح كفَّروه.

وأساس دين الصابئة عبادة الروحانيين والملائكة، في حين أن أساس مذهب الحنفاء عبادة الله الواحد، وسنفصِّل هذا الأمر فيما بعد، فالصابئة في مقابلة الحنيفية، والصابئة تدَّعي أنّ مذهبها هو الاكتساب والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة وأن عقائد الدين يجب أن تصدقها الفطرة، فكلما خرج عن الفطرة لا يمكن اعتباره ديناً، يقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الروم/30).

والفطرة وزناً ومعنىً الخلقة، والمقصود من الفطرة الاستعداد للتوحيد وإدارك الحقائق دون امتناع أو إنكار، فالفطرة التي بهذه الصفة فطر الناس عليها، وحرف لا في قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) نهي بصورة نفيٍ أي لا تبدِّلوا خلق الله الذي هو الدين الذي خلق الله تعالى الناس بفطرتهم عليه، وهذا الدين الذي هو دين الفطرة دين صحيح مستقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

فهذه الآية صريحة في أن الإنسان خُلِق مفطوراً على التوحيد وإدراك الحقائق، وأن طبيعة الإنسان الأصلية التي خلقه الله عليها هي في غاية الحسن والاستقامة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين/4). وإنما يخرج الإنسان عن فطرته السليمة لأسباب وعلل عديدة: مثل تربية المعلمين وتقليد الآباء وتأثير المحيط وأمثالها، حيث أخرجت هذه العوامل الناس عن الفطرة وشريعة الإنسانية، فبعث الله تعالى الرسل ليعيدوا الناس إلى فطرتهم الأولى ويزيلوا الموانع التي عرضت لفطرة البشر.

يقولون بعض العلماء: لكل إنسان ثلاثة أديان: الأول دين أبيه وأمه، وعامة أهل مدينته. والثاني: دين ملك البلاد التي يعيش فيها فإذا كان الملك عادلا كان أكثر أهل ولايته عادلين وإذا كان ظالماً كان أكثرهم ظالمين، وإذا كان زاهداً كانوا زاهدين وإذا كان حكيماً كانوا حكماء، وإذا كان سُنِّـياً كانوا سُـنَّةً وإذا كان شيعياً كانوا شيعةً لأن كل شخص يريد التقرُّب إلى الملك ويطلب محبته ورضاءه فهذا معنى مقولة: الناس على دين ملوكهم. الثالث: دين الصديق، فكل من صاحب صديقاً تأثر به وأخذ دينه، وهذا معنى قول من قال: شرط الصحبة المشابهة الخارجية والموافقة الباطنية، وهذا معنى القول: الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ(66).

عن المرء لا تسال وأبْصِرْ قريْنَه  فكلُّ قرينٍ بالمقارِنِ يقتدي

نفس از همنفس بگيرد خوى          بر حذر باش از لقاى خبيث

باد چون بر فضاى بد گذرد          بوى بد گيرد از هواى خبيث

ومعناه:

النفس تأخذ عن نظيرها الأخلاق والطباع

فاحذر من لقـاء ومصـاحبة الخبيث

إذا مـرَّت الريـح في جـوِّ سـيِّئٍ

أخذت الرائحة السيئة من الجو الخبيث

والصابئة أربعة فرق:

الفرقة الأولى: أصحاب الروحانيات. ومذهب هؤلاء أن مبدأ العالم هو الذات الربوبية وَالحقيقة القيومية المقدسة عن الحدوث والزوال. وهذه الذات أعلى وأجل من أن نعبدها. وبعبارة أخرى، الله بعيد عن عباده، ولا يمكن للعباد أن يتقربوا إليه لانغماسهم في عالم الطبيعة وفي الشهوات، لذا لا بد من وسائط بين الرب والخلق. يقولون: والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة. أما الجوهر: فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤون عن القوى الجسدانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح.

 أقول: هذه الواسطة – كما سنبين لاحقاً - غير الواسطة التي يقول بها الحنفاء، حيث يعتبر الحنفاءُ الأنبياءَ واسطةً في الهداية.

ويقولون أيضاً: والروحانيُّات أربابنا وآلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، فيجب أن نتقرَّب إلى الله بواسطتهم. ونسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع أمورنا من رزق وصحة وحياة وسائر الأمور إليهم.

والروحانيات مدبرات للكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية... ففعل الروحانيات تحريك الأفلاك على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات، فالروحانيات هي مصدر نشأة وخلق النباتات والجمادات والحيوانات.

والكواكب السيارة هي هياكل الروحانيين فلكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره(67).

ويقولون إن عازيمون وهرمس هما اللذان وضعا أساس علم الهيئة وأسماء الكواكب السيارة وتقسيم الأبراج.

الفرقة الثانية: أصحاب الهياكل. تقول هذه الفرقة أنه لا بد للإنسان من متوسط، ولما كان الملائكة والروحانيون لا يُرَوْن بالعين حتى يمكن التوجه إليهم، كنا بحاجة وسائط تُرى فيمكن التوجه إليها والتقرُّب بها إلى المبدأ، ففزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع وقالا أنها تُرى بالعين فنجعلها وسيلتنا ونعبدها:

ولأجل عبادة النجوم السيارة لابد أولا من معرفة بيوتها ومنازلها، وثانياً: معرفة مطالعها ومغاربها، وثالثاً: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعاً: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامساً: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها. فعملوا الخواتيم وتعلموا العزائم والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت وراعوا فيه ساعته الأولى وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وهيئته وصنعته ولبسوا اللباس الخاص به وتبخروا ببخوره الخاص ودعوا بدعواته الخاصة به وسألوا حاجتهم منه الحاجة التي تستدعى من زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به فكان يقضي حاجتهم ويحصل في الأكثر مرامهم، كذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه(68).

أقول: إذا فتح المسلم عينيه لفهم وأدرك أن التبرك بالخاتم هو من بقايا وآثار عباد الكواكب، وقد صار هذا التبرك مع الأسف من شعار أهل التقوى!!

هذا ولما كانت هذه الفرقة ترى أنها تحقق حاجاتها وتصل إلى طلباتها بواسطة تلك الوسائط أي الكواكب كانوا يسمونها أربابا آلهة ويقولون أن الله تعالى هو رب الأرباب وإله الآلهة ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب.

وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقرباً إلى الروحانيات ويتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا وتحريكا كما نتصرف في أبداننا ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه.

ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم والصور كلها من علومهم (69).

أقول: ولا تزال بقايا هذه الأمور موجودة وقد أصبحت من جزءاً من عقائد بعض المسلمين، ومن هذا الأمر نفهم أن العقول العشرة التي قال بها الفلاسفة هي عين الروحانيات الذين يقول بهم الصابئة، وقد اعتقد بها متفلسفة الإسلام وهذه العقيدة الشركية إنما جاءت إلى الفلسفة من الصابئة، وللأسف فإن المتفلسفين في الإسلام قبلوا بهذه العقيدة الشركية وظنوا أن هذه هي عبادة الله والتوحيد. والآيات التي جاءت في القرآن في نفي شفاعة الملائكة إنما تشير إلى هذه العقيدة كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (النجم/26).

الفرقة الثالثة: أصحاب الأشخاص. كان أتباع هذه الفرقة يقولون إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به وشفيع يتشفع إليه والروحانيات - وإن كانت هي الوسائل - لكنا إذا لم نرها بالأبصار ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقق التقرب إليها إلا بهياكلها ولكن الهياكل قد تُرى في وقت ولا تُرى في وقت لأن لها طلوعاً وأفولا وظهوراً بالليل وخفاءً بالنهار فلم يَصْفُ لنا التقرُّب بها والتوجُّه إليها فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها ونتوسل بها إلى الهياكل فنتقرب بها إلى الروحانيات ونتقرب بالروحانيات إلى الله سبحانه وتعالى فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر/3)، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18).

فاتخذوا أصناماً أشخاصاً على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره وصوروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه وراعوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب التي تستدعي منه فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه ولبسوا لباسه وتضرعوا بدعائه وعزموا بعزائمه وسألوا حاجتهم منه.(70)

"وأما الهياكل التي بناها الصابئة على أسماء الجواهر العقلية الروحانية وأشكال الكواكب السماوية، فمنها هيكل العلة الأولى ودونها هيكل العقل وهيكل السياسة وهيكل الصورة وهيكل النفس مدورات الشكل. وهيكل زحل: مسدسٌ، وهيكل المشتري: مثلثٌ، وهيكل المريخ: مربع مستطيل، وهيكل الشمس: مربَّعٌ، وهيكل الزهرة: مثلث في جوف مربَّعٌ، وهيكل عطارد: مثلَّثٌ في جوفه مربع مستطيل، وهيكل القمر: مثمَّنٌ"(71).

الفرقة الرابعة: الحلولية. وقد أطلق عليهم ابن بطوطة وَسائر المؤرخين اسم: الحرَّانية. وقالت هذه الفرقة: "إن الصانع المعبود واحد.. وهو أبدع الفلك وجميع ما فيه من الأجرام والكواكب وجعلها مدبرات هذا العالم السفليّ، فالأفلاك السبعة هم الآباء وهم أحياء ناطقون، ويعتبرونها آباء للمواليد الثلاثة الجمادات والنباتات والحيوانات، في حين يعتبرون أن العناصر الأربعة: الماء والتراب والنار والهواء هي أمهات المواليد الثلاثة.

ويقولون: إن الله تعالى ظهر وتجلى بالكواكب السبعة وتشخص بالهياكل السماوية كلها وهو واحد – أي دون أن يحصل تعدد في ذاته - وإنما يظهر فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه وتشخصه به، كما أن الله قد يظهر بصورة أشخاص أحياناً فيكون الشخص إلـه البشر.

والله تعالى أجل من أن يخلق الشرور والقبائح والأقذار والخنافس والحيات والعقارب، بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب: سعادة ونحوسة واجتماعات العناصر: صفوة وكدورة"(72).

تلك كانت خلاصة عقائد الصابئة الذين يعبدون الكواكب وَالأصنام، ويعتبرون الكواكب مؤثرة بشكل كامل في أيام السَّعْد والنَّحْس كما يعتقدون أن لأنواع الفصوص والأحجار الكريمة خواص وتأثيرات روحية ومعنوية، ويعتبرونها مؤثر في الأمور غير المادية (ما وراء الطبيعية)، ولقد أرسل الله تعالى شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام لهداية قومه الذين كانوا من الصابئة فكانت له عليه السلام مناظرات ومناقشات مع فرقة عُبِّاد الهياكل وعُبَّاد الأصنام، وسنذكر فيما يلي خلاصة عن مناظرة إبراهيم عليه السلام مع الصابئين في عصره:

مناظرة إمام الحنفاء إبراهيم (ع) للصابئة:

يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (الأنعام/83).

في البداية أقام إبراهيم (ع) الحجة على أصحاب الأشخاص. كان أبوه – وعلى قولٍ: عمُّه - آزر أعلم هذه الفرقة، وكانت آداب وطقوس عبادة الأصنام وشؤون معبد الأصنام، كلها بيده. لذلك كان إبراهيم (ع) يناظره في أغلب الأوقات: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً؟ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الأنعام/74)، و: ﴿إِذْ قَالَ لأبِيهِ: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ (مريم/42).

وفي موضع آخر نقرأ قول إبراهيم (ع) لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات/95). أي أنه كيف يمكن لفاقد الشيء أن يكون معطياً لهذا الشيء ذاته؟

ذات نايافته از هسـتى بخش  چون تواند كه شود هستى بخش

كهنه ابرى كه شد از آب تُهى        نايد از وِى صـفت آب دِهى!

ومعناه:

الذات التي لم تنل نصيباً من الوجود

كيف يمكنها أن تصبح مانحةً للوجود؟

السحابة القديمة التي غدت خاليةً من الماء

لا يمكنها أن تملك صفة إعطاء الماء

وبعد أن بيَّن إبراهيم (ع) لأبيه بالدلائل الواضحة والحجج الساطعة أن هذه الأصنام مخلوقة ومصنوعة بيديك فكيف يمكنها أن تكون واسطتك وشفيعك عند رب الأرباب، قال له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (مريم/43).

لم يقبل آزر كلمات هذه الآيات الساطعة بالحقيقة أبداً وقال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (مريم/46).

ولما لم تنفع الحجة العلمية مع آزر وأتباعه، شرع حضرة إبراهيم (ع) بإقامة برهان عَمَلِيٍّ، فقام بتحطيم الأصنام. قال تعالى: ﴿قَالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ! (الأنبياء/63).

بهذا العمل ألزم إبراهيم (ع) جماعة آزر الحجَّة فأُفحِموا وانقلبوا صاغرين وعجزوا عن الإجابة على دليله. لذا لجؤوا إلى التعدي والتهديد وهي سنة الجاهلين الذين يعجزون أمام حجة الخصم مثل آزر ناحت الأصنام لما أعجزته حجة ابنه شرع بمعاداته فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ (مريم/46).

وقد قام حضرة إبراهيم (ع) الذي أطلعه الله على ملكوت الكونَيْن وأسرار العالَمَيْن كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (الأنعام/75)، بمناظرة أصحاب الهياكل ومجادلتهم بطريقة الإلزام ومماشاة الخصم، والمجادلة بالتي هي أحسن وأتم، فقال في البداية إن هذا الكوكب معبودي: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (الأنعام/76). أي إن ما يعرض له التغيير والانتقال لا يستحق أن تُطْلق عليه صفة الربوبية لأنه لما كان متغيراً احتاج إلى مغيِّر. كما لا يجوز إطلاق صفة الشفيع عليه لأن أفوله وزواله أخرجاه عن حد الكمال.

ونظراً إلى أن جماعة من الصابئة كانوا يعتقدون أن عبادة الكواكب ممتنعة في حال أفولها لذا أقاموا أشخاصاً مقام الهياكل كما مرَّ شرحه، لذا استدلَّ إبراهيم (ع) عليهم بما يعترف به بعضهم بالجملة، وأبلغ الاحتجاج أن يستند المناظر إلى مسلمات الخصم ويُدينُهُ بها.

وعلى كلِّ حال لمَّا صرف إبراهيم (ع) نظره عن الكوكب ورأى القمر في غاية السطوع قال هذا ربي: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي. فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (الأنعام/77-78).

وفي آخر الأمر أغلق أمامهم جميع أبواب العذر وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام/79).

وهكذا برهن إبراهيم الخليل (ع) على التوحيد الحقيقي وجعله من المسلمات وبيَّن أنه فطرة الدين الحنيف وأن الكائنات السماوية والأرضية ليست فاعلا حقيقياً، وأن واهب الوجود هو الحق ولا مؤثر في الخلق سواه.

ولكن لما كان حب الشيء يعمي ويصم فإن قوم إبراهيم رغم عجزهم عن الإجابة وإقرارهم بعدم نطق أصنامهم لم يستطيعوا أن يقلعوا عن عاداتهم المذمومة التي مارسوها سنين طوال: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ؟ (الأنبياء/65). فقال لهم إبراهيم (ع): ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟﴾ (الأنبياء/67). ولما لم يدع قبح فعلهم لهم مجالا للكلام، قاموا طبقاً لطريقة علماء الدين الجاهلين بتكفير إبراهيم وإصدار الحكم بحرقه كي لا يكتشف المريدون السِرَّ ويخرجوا عن اتِّباعهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (الأنبياء/68).

ووافق نمرود على حكم القضاة وأمر بإشعال نار وألقى نبيَّ الله فيها، ولكن الله الكريم لم يدع رسوله يغرق في بحر النار ذاك بل حوله إلى حديقة أزهار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء/69).

 

وههنا بضع نقاط يجب ذكرها في قضية مناظرة إبراهيم (ع):

النقطة الأولى: قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (الأنبياء/63)، حيث أن ظاهر هذا الكلام كذب وهو ما لا يليق بإبراهيم الذي قال عنه الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (مريم/41)! والجواب عن هذه الشبهة: أن إبراهيم (ع) ذاته قال: ﴿وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (الأنبياء/57). وبعد هذا التهديد لم يعد هناك مجالٌ للإنكار، فلمَّا قال القوم: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ؟ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (الأنبياء/61)، أي لعل الناس يشهدون أنه كان يذم الأصنام، فلما أحضروا إبراهيم لاستجوابه سألوه بصيغة الاستفهام التقريري: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟؟ (الأنبياء/63)، فأجابهم إبراهيم لأجل أن يتم الحجة عليهم وينبِّهَهُم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (الأنبياء/63). أي ألقى بمسؤولية تحطيم الأصنام الصغيرة على عاتق الصنم الكبير بشرط نُطْقِهَا، ولقد أثَّر هذا الكلام في نفوس القوم كما قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (الأنبياء/64).

والنقطة الثانية أن إبراهيم (ع) إذا كان قد قال في المواضع الثلاثة: ﴿هَذَا رَبِّي عن حقيقة واعتقاد لزم من ذلك أن يكون معتقداً في الجملة بمذهب الصابئة وأنه كان لا يزال في مرحلة البحث والاجتهاد ولم يصل بعد إلى مقام التوحيد واليقين، فعندئذ كيف أمكنه أن يحوذ على مرتبة الرسالة ويهدي قومه، وإن كان قالها لا عن اعتقادٍ حقيقيٍّ بمضمونها فإن هذا يوهم الكذب؟

ونقول في الإجابة عن هذه الإشكال: إن كلام إبراهيم كان على أسلوب الاستفهام الإنكاري الذي ينكر الربوبية الحقيقية للكواكب، والتحقيق أن يقال إنه قال ذلك من باب المماشاة مع قومه والتظاهر بالدخول في دينهم، واستدل بعد ذلك بأفول الكواكب كي يكون أقرب إلى الإنصاف معهم، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (الأنعام/83).

ممَّا تقدَّم من المقدِّمات تبيَّن أن القول بتأثير الكواكب في سعد ونحس الأيام مأخوذٌ من ديانة الصابئة، ولذلك لما كان خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الحنفاء فإنه نهى بشدة عن هذه العقيدة واعتبر أن الإيمان بالتنجيم حرام وشرك بالله تعالى.

روى [جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَقِّقُ الحلي] فِي الْمُعْتَبَرِ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَنْ صَدَّقَ كَاهِناً أَوْ مُنَجِّماً فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم(73).

وَعَنْ نَصْرِ بْنِ قَابُوسَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: الْمُنَجِّمُ مَلْعُونٌ وَالْكَاهِنُ مَلْعُونٌ وَالسَّاحِرُ مَلْعُونٌ...(74).

وفي نهج البلاغة: و من كلام له عليه السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له إن سرت يا أمير المؤمنين، في هذا الوقت، خشيت ألا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم، فقال عليه السلام:

أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لأنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَأَمِنَ الضُّرَّ.

ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ(75).

وقريبٌ من هذا الحديث ما وقع بينه عليه السلام وبين منجِّمٍ آخر نهاه عن ذلك المسير فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَتَدْرِي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ قَالَ إِنْ حَسَبْتُ عَلِمْتُ! قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: مَنْ صَدَّقَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان/34] مَا كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم يَدَّعِي مَا ادَّعَيْتَ أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَالسَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ؟؟ مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا اسْتَغْنَى بِقَوْلِكَ عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ...(76).

ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْعِلْمِ فَأُرِيدُ الْحَاجَةَ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى الطَّالِعِ وَرَأَيْتُ الطَّالِعَ الشَّرَّ جَلَسْتُ وَلَمْ أَذْهَبْ فِيهَا وَإِذَا رَأَيْتُ الطَّالِعَ الْخَيْرَ ذَهَبْتُ فِي الْحَاجَةِ. فَقَالَ لِي: تَقْضِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: أَحْرِقْ كُتُبَك‏.(77).

هذه الأحاديث الصحيحة تُبيِّن أن الاعتقاد بالتنجيم شرك وكفر، ولما كان هذا الموضوع دقيقاً للغاية وكان الناس مبتلون بشكل عام بهذا الشرك وكانت هذه العقيدة سبباً للشقاء واليأس والخوف من غير الله والأمل بغير الحق كان لا بد من التفصيل الكلام في أمر هذا الشرك كي يتضح الموضوع أكثر.

تشتمل النجوم على عدة أنواع من التأثيرات وهي: الطبيعيات والحسابيات والوهميات.

فالتأثيرات الطبيعية للنجوم عبارة عن تأثير الشمس والكواكب الطبيعي على الأرض وعلى مواليد هذا العالم، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أبداً كما هو مشهود من تأثير الشمس في نمو النبات وحياة الحيوان وفي المدن وطبيعة أهاليها. فإذا كان عرض ناحية قليلا كان مزاج أهلها ضعيفاً ولون بشرتهم أسود أو أصفر مثل أهل النوبة والحبشة، وإذا كان عرض الناحية كثيراً كان لون بشرة أهالي تلك النواحي أبيضَ وشعرهم أشقرَ كأهالي تركستان. فتأثير الشمس والقمر والنجوم الطبيعي أمر محقق وهذا لا علاقة له أبداً ببحثنا والاعتقاد به ليس شركاً.

 والتأثيرات الحسابية للنجوم هي قيام المنجم بحسابات فلكية لتحديد وقت الكسوف والخسوف وفي غالب الأحيان يكون تحديده صحيحاً والاعتقاد والإيمان بهذه الحسابات لا يوجب شركاً.

وأما التأثيرات الوهمية للنجوم فهي أن يقول المنجم أن عمر الشخص الفلاني بحكم النجوم هو كذا أو أن ثروته ستزداد أو سيفقر أو سيصبح وزيراً، أو أن الجنين الذي في بطن هذه المرأة سيكون سعيداً أو شقياً، أو أن الساعة الفلانية مباركةٌ بالنسبة للزواج، أو أن اليوم الفلاني مناسبٌ لتناول الدواء أو للسفر أو للخضاب أو للاستحمام أو لوضع الكرسي وتغيير المنزل وأمثال هذه الأوهام مثل تحديد يوم السفر أو يوم البناء.

والذي نُهي عنه في شرع خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وحُرِّم واعتُبِر شركاً هو هذا النوع الأخير من التأثيرات الوهمية للنجوم، كما لاحظنا أن الأحاديث الصحيحة أشارت إلى هذا المعنى.

والعقل أيضاً يصدق هذا المعنى بشكل كامل، لأنه من الممتنع أن يستطيع البشر أن يدرك أحوال جميع النجوم وتأثيراتها إذ إن النجوم لا حد لها والعلم بغير المحدود ممتنع. ورغم وجود المراصد الفلكية القوية اليوم يقول علماء الفلك أن فوق مجرتنا المشاهدة هذه هناك مجرات عديدة لا يمكن رؤيتها بشكل جيد بأدواتنا البصريّة الحاليّة، فالعجب كيف يمكن للبشر رغم عدم إمكانية اطلاعهم على أحوال جميع النجوم أن يحكموا بشأن مستقبل العالم والأفراد الموجودين فيه من خلال رؤيتهم ورصدهم لبضعة نجوم؟ مَا هَذَا إلا ضَلالٌ مُبِينٌ.

ومن الجهة الأخرى يشتمل علم التنجيم على أصول يضحك منها العقل. فالبداهة العقلية تحكم أنه لا يوجد في السماء حمل وثور وحية وعقرب ودب وكلب وتنين، ولما كان القدماء قد قسّموا الفلك إلى اثني عشر قسماً وأرادوا وضع علامة معينة لكل قسم شبهوها بحيوانات مع أن التشبيه بعيدٌ جداً. ولكن علماء النجوم فرَّعوا عن هذه الأسماء والعلامات الوهمية تفريعات وقالوا: إن الصور السفلية مطيعة للصور العلوية، فالعقارب تابعة لصورة العقرب الفلكي والأفاعي مطيعة لصورة التنين الفلكي والأسد تابع للأسد الفلكي الموهوم. فالذي يعلم كيفية وضع هذه الأسماء يضحك من هذه الأحكام ويتضح له كذب المنجمين.

أضف إلى ذلك أن هذا العلم لم يكن له طريقة خاصة بل يستند إلى التقليد المحض، وهذا التقليد أيضاً غير منظم: فلكل طائفة مقالة تختلف عن مقالة الطوائف الأخرى، فللبابليين مذهب خاص وللفرس مذهب آخر وللهنود أحكام للنجوم من نوع ثالث، وتوجد مذاهب عديدة أخرى غيرها أيضاً.

ولو رجعنا إلى التاريخ لرأينا أن المنجمين عندما كانوا يتنبؤون كان كذبهم يتَّضح بسرعة:

ففي سنة 37 هجرية تحرك أمير المؤمنين (ع) إلى حرب أهل الشام فقال جميع المنجمين إن علياً سيقتل في هذه الحرب ويتعرض لهزيمة كبيرة. فاتضح كذبهم حيث انتصر جيش علي عليه السلام على أهل الشام ولم يستطع جيش الشام أن يخلِّص نفسه إلا بحيلة عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنَّة الحراب.

وكذلك قال المنجمون عندما أراد عليٌّ عليه السلام الخروج لحرب الخوارج: إذا انطلقت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ستُهزَم لأن القمر الآن في برج العقرب. فقال الإمام: سأنطلق متوكلا على الله، وانطلق فكان نصيبه الفتح والنصر الكامل.

وفي سنة 67 هجرية قال المنجمون لعبيد الله بن زياد إذا حاربت المختار انتصرت عليه فانطلق عبيد الله بن زياد بثمانين ألف رجل وتقدم إبراهيم بن مالك أيضاً بألف محارب من طرف المختار والتقى الجيشان في أرض نُصَيْبين وقُتِلَ سبعون ألفاً من أصحاب عُبَيْد الله ولم يُقْتَل من جنود ابن مالك أكثر من مئة شخص وَقَـتَلَ ابنُ مالك عبيدَ الله في تلك المعركة.

وفي سنة 146 هجرية عندما انتهى بناء بغداد اتفق المنجمون على أن طالع هذا البناء يحكم أنه لن يموت في هذه المدينة أي خليفة، وشاعت هذه العقيدة إلى درجة أن الشعراء هنؤوا بها المنصور باني بغداد وباركوا له. ولما حدث أن مات المنصور في طريق مكة والمهدي في ماسبدان والهادي في عيساباذ والرشيد في طوس، تأكدت تلك العقيدة وزاد نفوذها شيئاً فشيئاً، ولكن عندما قتل الأمين في بغداد على يد طاهر بن الحسين تبين بطلان ذلك الأصل وكذب النجوم، ومات بعد ذلك جماعة من الخلفاء في بغداد مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر. وهناك كثير من مثل هذه الدلائل والشواهد على كذب المنجمين.

فإن قيل إن أهل التنجيم استدلوا على صحة عملهم بالآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (القمر/19)، والآية الكريمة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ (فصلت/16).

قلنا في الإجابة:

أولا: إن معنى يوم نحس اليوم الذي كانت برودته شديدة كما صرح بذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته حيث قال: أيام نحسات يعني شديدات البرد.

ثانياً: الزمان معلول للحركة وهو موجود أُخِذَ في ذاته التصرُّم والانقضاء، وبعبارة أوضح: الزمان موجود سيال وغير باق، وقد افتُرِض وجود قطع من الزمن في هذا الموجود غير الباقي مثل الدقيقة والساعة والنهار والليل والأسبوع والشهر والسنة والقرن والدهر، وكل قطعة من الزمن لن توجد بعد ذهابها ولن تعود بعد انقضائها:

ما فاتَ مَضى وما سيأتيك فَأَيْن                 قُمْ فَاغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ بيْنَ الْعَدَمَينِ

وما لم تنعدم القطعة الأولى من الزمان لن توجد القطعة الثانية، مثلا ما لم ينعدم يوم السبت لن يوجد يوم الأحد، ففي ذات الزمان الذي هو حقيقة سيالة لا يمكن تصوُّر النحس والسعد بأن نقول هذه القطعة نحس وهذه القطعة سعد أو مباركة أو غير مباركة.

ولكن أجزاء الزمان تصبح سعداً ونحساً بسبب الحوادث التي تقع فيها، مثل أن شهر رمضان أصبح مباركاً وسعداً بسبب نزول القرآن فيه.

والخلاصة إن الموجودات والحوادث لما كانت سعداً أحياناً ونحساً في أحيان أخرى والموجودات الزمانية تقع في أفق الزمان، لهذا ينسبون سعدها ونحسها إلى الزمان مع أن الزمان ذاته ليس علة للخير أو الشر ولا يمكن أن نقول إن هذا الزمن الخاص نحس أو سعد أو أن الأيام لها تأثير في الحوادث. مَا هَذَا إلا ضَلالٌ مُبِينٌ.

وأما معنى اليوم النحس في الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (القمر/19)، فهو أن هذا النحس أمر ملازم دائماً لمكذِّبي الرسل، فكلمة مستمر صفة للنحس لا لليوم. وكل من يظن أن النحس صفة لليوم وأن ذلك اليوم كان يوم الأربعاء من آخر شهر صفر وأن هذا اليوم نحس دائماً فإنه أخطأ في فهم القرآن.

فسعد الأيام ونحسها سببه سعادة الأعمال ونحسها، والأعمال السعيدة هي موافقة الرسل، والأعمال المنحوسة هي مخالفة الرسل. فكل يوم يصدر فيه عن الإنسان عمل صالح يكون سعداً وإذا صدرت فيه عنه أعمالٌ رذيلةٌ كان نحساً، كما كان يوم بدر سعداً للمؤمنين ووفي الوقت ذاته نحساً للمشركين. فاليوم الذي يصدر فيه من الإنسان عمل صالح هو يوم سعد حتى لو كان يوم الثالث عشر من الشهر أو يوم الأربعاء من آخر صفر. واليوم الذي يصدر فيه عن الإنسان عمل سيِّئ هو يوم نحس حتى لو كان يوم عيد النيروز. أعاذنا الله من شرور أنفسنا.

من أنواع الشرك الأصغر: التطيُّر والتشاؤم:

يقول ابن الأثير في النهاية: الطِّيَرَة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكّن: هي التَّشاؤُم بالشَّيء. وَالطِّيَرَة مصدر تَطَّير، يُقال تَطَّيَرة طِيَرةً وتَخَيَّر خِيَرَةً.

أصل التطيُّر أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم السفر أو التجارة أو أي أمر آخر، زَجَر طيراً أو حيواناً برِّياً من منزله فإذا جاءه من اليمين سماه سانحاً وإذا أتاه من شماله سماه بارحاً. وإذا جاء من قُدَّامه فهو النَّطِيحُ، وإذا جاء من وَرَائِهِ فهو القَعِيدُ. فكان بعض العرب يتفاءل بالسانح ويتشاءم من البارح. وكان بعضهم يتفاءل ويتشاءم بعكس ذلك.

واليوم يوجد بيننا أناس يتفاءلون بقهقهة البوم، ويتشاءمون من بكائه. والتطيُّر وضع في أول استعماله للتشاؤم من حركة الطير، ثم استعمل فيما بعد في كل الحوادث التي يُتشاءَمُ منها.

ولما كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد عالج الأمراض الاجتماعية والأخلاقية للبشر فإنه عالج هذا المرض المهم أي مرض التطيُّر الذي ابتُلِيَ به معظم البشر وازداد رسوخاً بينهم يوماً بعد يوم. كما أجاب صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل عن التطيُّر: هو شيء ابتُلِيتُم به، ولكن يجب أن لا يردَّ أحدكم عن عمله(78). وفي حديث آخر: إذا تطيَّرتم فامضوا ولا يردكم تطيركم عن عملكم(79).

وينبغي أن نعلم أن التطيُّر لا يضرُّ إلا من خاف منه، أما من لم يُعِرْهُ أي اهتمام ولم يأبه له فإنه لا يضرُّهُ، لاسيما إذا دعا بهذا الدعاء: اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إلا طَيْرُك، وَلا خَيْرَ إلا خَيْرُك، وَلا إِلِهَ غَيْرُك(80). اللَّهُمَّ لا يَأْتِى بِالْحَسَنَاتِ إِلا أَنْتَ وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلا أَنْتَ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ.(81)..

والطيرة والتشاؤم من أنواع الشرك وإلقاء الشيطان ووسوسته، ومهما اهتم بها الإنسان أكثر كان تأثُّرُه بها أكثر، وكَبُر وهمُها في نظره، أما إذا لم يهتم بها، فإنها تفقد تأثيرها عليه وتضمحلّ، فمادام القلب لم ينشغل بالتطيُّر والتفكير به، فلن يكون مؤثراً به على الإطلاق(82).

إذا كان الإنسان متشائماً في حياته هجمت عليه المصائب كالسيل وفُتحت عليه أبواب الوساوس، فكلَّما رأى شيئاً أو سمع بشيء تشاءم منه، مثلاً إذا خرج من بيته صباحاً فصادف أعمى أو مفلوجاً أو صاحب آفةٍ تشاءم من ذلك، أو كلَّما سمع كلمة سيئةً وغير مناسبة تشاءم منها وظن نفسه شقيّاً. فحال هذا الشخص كحال المُوَسْوِس الذي لا يصغي إلى عِلم ولا نُصْح، ولا يتوكل أبداً على الحق تعالى، بل هو فاقد للثقة بالله وعديم التوكل على خالق العالم ومتمسكٌ دائماً بالأسباب الوهمية والضعيفة، فكلُّ من ابتلي بهذه الحالة أحاطت به البلايا من كل جانب، كصاحب الدمّل الذي لا يعالجه بالمرهم بل يرش عليه الملح، فالشخص المتشائم والمتطيِّر دائم الحزن والغم والحيرة، فهو يعيش في ضيق وضنك، يبتعد عن كل أمر، ويوسوس في كل عمل. ويعتبر كل موهوم مؤثراً، وكم من حظوظ ومنافع يُحْرَم منها لهذا السبب.

إن التطيُّر والتشاؤم عمل أعداء الأنبياء والرسل، وقد قال الله تعالى عن منكري رسله: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (يس/19).

كذلك وصف لنا حال فرعون وقومه فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (الأعراف/131).

كما قال واصفاً أعداء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. (النساء/78).

ففي هذه المواضع الثلاثة من القرآن نسب الله تعالى التطيُّر إلى أعداء الرسل. وقال في جوابه عن تطيرهم بموسى (ع) وقومه: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ (الأعراف/131)، وفي جواب تطيرهم بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ..، وفي جواب تطيُّرهم بالرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ (يس/19). وقال ابن عباس في معنى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدّر لهم. وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله وَمِنْ قِبَل الله(83). أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وتكذيبهم بآياته ورسله، فنتيجة عملهم هذا التي هي شؤم وشقاء إنما هي من عند الله، وهذا الشؤم الذي حل بهم في الدنيا سببه أعمالُهم السيِّئَة.

وهذا المعنى نظير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ(84)..﴾ (الإسراء/13)، تقول العرب: جرى الطائر له بكذا من الخير والشرّ. ويقول أبو عبيدة: الطائر عند العرب بمعنى الحظ. وهو الذي يُقال له بالفارسية: بَخْتْ، والعرب تقول: هذا يطير لفلان.

وقال بعضهم ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني أن سبب شؤمهم عند الله، وهو أفعالهم المكتوبة في صحيفة أعمالهم التي سيجزيهم الله عليها.

وهذا المعنى لا يتناقض مع قول الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ، لأن معناه أن حظكم وما يصيبكم من خير أو شر هو من عند أنفسكم أي بسبب أعمالكم وكفركم ومخالفتكم لنصح الناصحين، فليس ما يحل بكم من مصائب بسببنا بل بسبب عنادكم وعداوتكم للأنبياء. وطائر الظالم معه، وهذا أيضا مكتوب عند الله كما يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؟؟﴾ (النساء/78).

أي أنهم لو تفقَّهوا وفهموا ما أتيتَ به من عند الله لم يتطيَّروا بك. لأن كل ما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ محضٌ، ولا يُتَصَوَّر بحقه الشر على الإطلاق، بل هو ما فيه صلاح الأمة ولا سبيل فيه إلى الفساد، فهو حقيقة الحكمة والعقل، ولا عبث ولا لغو فيه، بل رحمةٌ خالصةٌ لا جور فيها. فلو كان هؤلاء القوم أهل فهم ودراية لما تطيروا بما هو خير محض وبما وجوده كلُّه رحمة. لأن الشاؤم من ذات البشر فقط بسبب كفرهم وظلمهم وشركهم وأعمالهم الشركية وأفعالهم القبيحة التي رسخت فيهم وكلها مسجلة عليهم محفوظة عند ربهم ومليكهم، مثل كل الحظوظ الأخرى التي أعدوها بأعمالهم.

وقد رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا غُولَ وَلا طِيَرَةَ وَلا شؤم(85).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ(86).

وفي رواية أخرى: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فقد قارَنَ الشركَ(87).

وفي رواية أخرى: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ.(88).

إذن تبيَّن على ضوء ما تقدم من نصوص الآيات والأحاديث أن التطيُّر أو التشاؤم عمل المشركين، ولا يشكل علَّة لشيءٍ ولا يؤثِّر بأي أمر على الإطلاق. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

من الأشياء التي كانوا يتشاءمون منها في الجاهلية العـطاس:

كان أهل الجاهلية يتطيَّرون من العطاس فإذا سمعوا عطسةً ردَّهم ذلك عما عزموا على فعله، وكانوا إذا أرادوا الخروج إلى الصيد بكَّروا في الخروج قبل أن يستيقظ الناس خوفاً من أن يعطس أحدهم فيمنعهم ذلك من الذهاب!.

وإذا صدر عطاسٌ ممن يحبون قالوا له: عُمْراً وشبَاباً، أما إذا صدر ممن يبغضون قالوا: وَرْياً وقُحَاباً. (الوريُ مرضٌ وألمٌ في الكبد، والقُحاب: السُّعال). وإذا سمع أحدهم عطاساً من شخص وتطيَّر (أي تشاءم) منه قال: جعل الله شؤم هذه العطسة عليك، وكان يتشاءمون من العطسة القويةَ أكثر من الضعيفة.

ولما أشرقت شمس النبوة في سماء الجزيرة العربية أبطل الله تعالى بواسطة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأوهام الجاهلية ونهى الناس صراحةً عن التشاؤم والتطيُّر بالعطسة، وشرع أن تُطلبَ الرحمة للعاطس بدلاً من شتمه أو الدعاء عليه، بل أمر أن يُبارك للعاطس بعطاسه، ولما كان الدعاء على العاطس ظلماً شرع الله تعالى الدعاء له بلفظ الرحمة وأمر سامع العطسة أن يشمِّت العاطس ويطلب له المغفرة(89)، والمراد من تشميت العاطس أن يقال له: يرحمك الله (قرأ بعضهم التشميت بالسين المهملة وفسرها بمعنى التكريم والاحترام) (90). وخلاصة الأمر أن الإسلام أبطل التشاؤم من العطسة الذي كان شائعاً زمن الجاهلية.

قال النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ. فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتُرَه مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنه إن فتح فاهُ فقَالَ آه آه. ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ(91). وعلَّةُ ذلك أن العطسة تبعث على النشاط أما التثاؤب فعلامةٌ على الكسل والفتور.

التفاؤلُ مستحبٌّ وَممدوحٌ:

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: لا طِيَرَةَ وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ(92).

وفي حديث صحيح آخر: لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ. قَالَوا: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ(93).

لا يُتَصَوَّر الشرك أبداً في الإعجاب بالفأل الحسن بل من طبيعة الإنسان وفطرته أن يميل إلى ما يلائم طبيعته ويوافق فطرته كما ورد في بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان تعجبه براعم نبتة الحناء وتعجبه الحلوى والعسل والماء العذب البارد.

أودعَ الحقُّ تعالى في غرائز البشر السرور من سماع الاسم الحسن مثل اسم الصلاح والفلاح والظفر والنجاح والفرح والعون والقوة وأمثالها، فعندما يسمع الإنسان هذه الأسماء يشرق قلبه وتسعد روحه وتقوى إرادته، أما عندما يسمع أضدادها فإنه يحزن ويغتم ويستولي عليه الخوف والضيق ويتشاءم منها ويمتنع عن العمل، وبالتالي فإن التشاؤم والتطيُّر مليء بالضرر الدنيوي ودليلٌ على نقصان الإيمان بالله وفي النتيجة يوجب الشرك بالله.

إن سرور الناس من الأسماء المباركة والحسنة والكلام الجميل مشابهٌ لإحساسهم الغريزي تجاه البساتين الجميلة والمياه الصافية العذبة والألوان الجميلة، كما أن الروائح العطرة والأغذية اللذيذة تجذب الناس ويمتنع على نفوس البشر أن تنفر منها وتنصرف عنها، فكذلك التفاؤل نافعٌ للإنسان ومفيدٌ له ومبسطٌ لنفسه ومنشِّطٌ لروحه ولا يضرُّ بتوحيده.

فرغم أن الفأل والطيرة مصدرهما واحد إلا أن مقاصدهما مختلفة والفرق بينهما هو: أن الإنسان يتفاءل بما هو محبوب وصالح وما هو ممدوح ومستحسن ولكنه يتشاءم مما هو منفر ومكروه وقبيح ومشؤوم.

وكان من عادة العرب تغيير الأسماء واستبدال الاسم السيئ بالاسم الحسن والتفاؤل به. فمثلا يطلقون على من لدغته الأفعى اسم السليم تفاؤلا بسلامته ويسمون العطشان الناهل تفاؤلا بأنه سيرتوي عن قريب، ويسمون الصحراء بالمفازة تفاؤلا أن مجتازها سيصل للفوز والفلاح، فاتّضح من هذا أن التفاؤل والتيمُّن من العناصر المهمة في تكوين الشخصية الإنسانية، وعلى الإنسان أن يكون متفائلا حسن الظن وينظر إلى الدنيا بعين مباركة.

 

بجهان خُرَّم از آنم كه جهان خُرَّم از اوست

                        عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

أنا جَذِلٌ بالعالم لأن العالم نَضِرٌ به

أنا عاشقُ كلّ العالَم لأن العالَم كلُّهُ منه

إن الدنيا مثل المرآة إذا نظرت إليها بعبوس انعكست لك بالعبوس وإذا نظرت إليها بسرور وابتهاج انعكست لك بالنضارة والابتهاج.

على الإنسان أن يتفاءل بكل حادثة من حوادث الحياة وأن يعتاد أن ينظر إلى جميع الأمور بعين الأمل والرحمة لا بعين اليأس والإحباط. على الشخص المتفائل أن يكون راضياً بما مرَّ عليه سواء كان خيراً أم شراً، واثقاً بالله، آملا بالمستقبل، يؤدي واجبه ويسعى وراء عمله، وأن يأخذ بالأسباب ثم يطلب النتائج من الله تعالى.

إن التشاؤم ينشأ من ضعف النشاط وضعف الأعصاب ووهن القوة العقلية فالإنسان المتشائم يتحرك في أرض منخفضة ومرتفعة من الأوهام والخرافات ويجول في ظلمات الوساوس، إلى أن تظهر في سماء عقله سحب مظلمة ودخان متراكم من التطير والتشاؤم الذي يضعف روحه ويبث في نفسه الكسل ويضعف إرادته ويقلب أفكاره رأساً على عقب.

وبعكس ذلك يوقظ التفاؤل العقل ويمنح الإنسان النشاط ويشجعه في أعماله وينقذ روحه من الشقاء ويحرِّرها من أغلال الوساوس والتشاؤم.

وفي الختام نسلم على روح خاتم النبيين الطاهرة الذي أنقذ الأمة المرحومة من صنوف الشقاء وألبس المسلمين لباس السعادة والهناء، واستأصل الخرافات وأخرجها من أدمغة الناس. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

الهوامش:

(24) انظر السيد حامد النقوي (1306 هـ)، خلاصة عبقات الأنوار قم: مؤسسة البعثة، 1405 هـ، ج3/ص 301. والحديث في مصادر أهل السنة في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح (3261)، ومسند أحمد (1/124) كلاهما عن عمر بن الخطاب رفعه. قلت: وقد روى محمد بن محمد بن الأشعث (قرن 4 هـ) في كتابه الأشعثيات [ويُسَمَّى أيضاً الجعفريات] (ص 181): بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً ورواه القطب الراوندي (573هـ) في النوادر (ص 16). ونقله المجلسي في بحار الأنوار، ج 25/ ص 265. (تر)

(25) القاضي أبو حنيفة النعمان التميمي (363هـ)، دعائم الإسلام، 2/118، والمجلسي، بحار الأنوار، 16/242. وفي مصادر أهل السنةَّ: أخرجه أبو داود (3769) والترمذي (1830) وابن ماجة (3262) والدارمي (2077) في سننهم وأحمد في مسنده (4/308 و309). (تر)

(26) انظر صحيح البخاري: 29- كتاب الجنائز/3- باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه، ح (1186). وَمسند أحمد، 6/436. (تر)

(27) قال الزبيدي في تاج العروس (15/17): وأَحْمَزُ الأعمالِ: أَمْتَنُها وأَقْوَاها وأَشُدَّها، وقيل: أمَضُّها وأشَقُّها، وهو من حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الأعمالِ أَفْضَلُ؟ فقال: أَحْمَزُها، وهو مَجاز.. (تر)

(28) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة نقلاً عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ فِي قُرْبِ الإسْنَادِ بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ج 16/ ص 345. وفي مصادر أهل السنة أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس (13706) وعزاه إلى أبي يعلى والبزار في مسنديهما، وعن عبد الله بن مسعود (13707) وعزاه إلى الطبراني في معجميه الكبير والأوسط، وضعَّف الهيثمي الروايتين بأن في سند كل منهما متروك. (تر)

(29) الجملة جزء من حديث يقول: وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ رواه الكُلَيْنِيّ في الكافي، بَابُ ثَوَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، 1/34. وفي مصادر أهل السنة: أخرجه أبو داود (3643) وابن ماجه (223)، والدارمي (342) في سننهم. (تر)

(30) قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن (ص 499): والنعم مختص بالإبل، وجمعه أنعام وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم أعظم نعمة، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل.

(31) المجلسي، بحار الأنوار، ج:21/ ص 3. وَج 39/ ص 12. (تر)

(32) الشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد وَالمستفيد، ص 102. وهو بألفاظ قريبة في مصادر أهل السنة في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي ومسند أحمد.

(33) ابن أبي جمهور الإحسائي (910هـ؟)، عوالي ‏اللآلي، ج 1/ص 359، والشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، ص 101، ولفظه: فضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ. وهو في مصادر أهل السنة في سنن الترمذي (2685) عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ، وقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. (تر)

(34) الشهيد الثاني، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، ص 107، دون جملة حتى النملة في جحرها. وقد روى نحوه محمد بن حسن الصفار في بصائر الدرجات (ص4) بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام قال: إِنَّ جَمِيعَ دَوَابِّ الأرْضِ لَتُصَلِّي عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْر. وهو في مصادر أهل السنة بلفظ مغاير قليلاً لدى لطبراني في الأوسط وأبو الشيخ ابن حبان فى كتاب الثواب. وإسناده ليس بالقوي. (تر)

(35) الحَلْقَةُ: كلُّ شي‏ءٍ استدار كحَلْقةِ الحديد والفِضّة والذهب‏، ومنها حَلْقَةُ القُرْطِ أَو الحَلْقَةُ الصَّغيرَةُ منَ الحُلِيِّ كهَيْئَةِ القُرْطِ. (ويُقال لها اليوم سُنَّارة).

(36) الصُّـفْر: النحاس الأصفر الجيد. (تر)

(37) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وهو في المصادر السنية في: سنن ابن ماجه، كتاب الطب، باب تعليق التمائم (3531) وقال الألباني: ضعيف, ومسند أحمد (4/445) وقال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن وهذا إسناد ضعيف لجهالة خالد بن عبيد المعافري. (تر)

(38) ابن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، 5 / 234. (تر)

(39) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وأقرب ما يوجد له ما رواه القاضي أبو حنيفة النعمان التميمي الشيعي (363هـ) في كتابه دعائم الإسلام، 2/142 مرسلاً، ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار، ج 60/ ص 18، والنوري الطبرسي في مستدرك الوسائل ج4/ ص317، ح (4664) ولفظه: وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن التمائم والتول - فالتمائم ما يعلق من الكتب والخرز وغير ذلك والتول ما يتحبب به النساء إلى أزواجهن كالكهانة وأشباهها- ونهى عن السحر. قال جعفر بن محمد (ع): ولا بأس بتعليق ما كان من القرآن. أما المتن الذي ذكره المؤلف فهو بلفظه في مصادر أهل السنة في: مسند أحمد (4/154) وقال محققه شعيب الأرنؤوط: حديث حسن. وضعَّفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1266). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 9/350، ح (20090) وقال بعدها: قَالَ الشَّيْخُ:.. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ النَّهْىِ وَالْكَرَاهِيةِ فِيمَنْ تَعَلَّقَهَا وَهُوَ يَرَى تَمَامَ الْعَافِيَةِ وَزَوَالَ الْعِلَّةِ مِنْهَا عَلَى مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَصْنَعُونَ فَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَهَا مُتَبَرِكًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لا كَاشِفَ إِلا اللَّهُ وَلا دَافَعَ عَنْهُ سُوَاهُ فَلا بَأْسَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (تر)

(40) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، أما في مصادر أهل السنة فهو حديث صحيح متفق عليه رواه الإمام مالك في الموطأ (1677) والشيخان البخاري (2843) ومسلم (2115) في صحيحيهما. (تر)

(41) روى الحر العاملي، في وسائل الشيعة ج6/ص237، ح (7824): وَعَنْ (أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ) قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) أَنَتَعَوَّذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ الرُّقَى؟ قَالَ: لا، إِلا مِنَ الْقُرْآنِ. إِنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ مِنَ الإشْرَاكِ، ورواه المجلسيُّ، بحار الأنوار، (ج92/ص5)، كما روى فيه حديثاً آخر (ج60/ص18) ولفظه: وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنِ الرُّقَى بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِه‏. أما المتن الذي ذكره المؤلف فهو في مصادر السنة، أخرجه أبو داود (3885) وابن ماجه (3530) في سننهما، وقال الألباني: صحيح. (تر)

(42) سنن الترمذي (2072) ومسند أحمد: (4/310) وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: حسن لغيره. كما رواه البيهقي في السنن الكبرى (20096). (تر)

(43) تَقَلَّدَ وَتَرًا: هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَرَ الْقَوْس أَوْ مُطْلَق الْحَبْل. قِيلَ الْمُرَاد بِهِ مَا كَانُوا يُعَلِّقُونَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَوْذ وَالتَّمَائِم الَّتِي يَشُدُّونَهَا بِتِلْكَ الأوْتَار وَيَرَوْنَ أَنَّهَا تَعْصِم مِنْ الآفَات وَالْعَيْن. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأشْبَه أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْلِيد الْخَيْل أَوْتَار الْقِسِيّ، نُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِمَّا لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ تَقْلِيدهَا بِذَلِكَ يَدْفَع عَنْهَا الْعَيْن، أو مَخَافَة اِخْتِنَاقهَا بِهِ، لا سِيَّمَا عِنْد شِدَّة الرَّكْض، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ الأوْتَار عَنْ أَعْنَاق الْخَيْل. (تر)

(44) سنن أبي داود (36)، وسنن النسائي (5067)، وقال الألباني عن كليهما: صحيح. ومسند أحمد (4/108) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيفٌ. (تر)

(45) رواه الكُلَيْنِيّ في الكافي، بَابُ الْخَوَاتِيمِ، ح (10)، ج6/ص469. (تر)

(46) يشير إلى رواية ذكرها الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام (ج6/ص52) قال: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ (ع) أَنَّهُ قَالَ عَلامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ صَلاةُ الْخَمْسِينَ وَزِيَارَةُ الأَرْبَعِينَ وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وهي رواية ضعيفة وينقضها ما رواه الكليني في الكافي (ج6/ ص469) بسنده عَنْ أَبَانٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَقُلْتُ إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي هَاشِمٍ يَتَخَتَّمُونَ فِي أَيْمَانِهِمْ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبِي يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ وَكَانَ أَفْضَلَهُمْ وَأَفْقَهَهُمْ.

(47) الشيخ الصدوق، من‏ لا يحضره ‏الفقيه، ج 1/ص 266.

(48) ذات أنواط: قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ يَنُوطُونَ بِهَا سِلاحَهُمْ أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.

(49) سدرة: قال ابن الأثير في النِّهَايَةِ: السِدْر: شجرُ النبِق. (تر)

(50) نقله الشيخ الطوسي في تفسيره التبيان، ج1/ص400، والشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان، ج3/ص351، كلاهما لدى تفسيرهما لقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ..﴾ [البقرة/108]. أما في مصادر أهل السنة فقد أخرجه - بهذا اللفظ - الطبراني في المعجم الكبير، ح (3291)، ج3/ص 244. وبلفظ قريب جداً: أحمد في مسنده (5/218)، وقال شعيب الأرنؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين). وهو في سنن النسائي الكبرى (11185) ومسند الطيالسي (1346) وَصحيح ابن حبان (6702). وأخرجه الترمذي في سننه (2180) بلفظ فيه اختلاف يسير وذكر أن الخروج كان إلى خيبر، وقَالَ بعده: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ... وَفِى الْبَابِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ.. (تر)

(51) الخبر مرويٌ في مصادر أهل السنة إذ رواه الشيخان البخاري (1520) ومسلم (1270) في صحيحيهما وغيرهما عن عُمَر بن الخطاب Eأنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّلَهُ وقال: وَاللَّهِ إِنِّي لأقَبِّلُكَ وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.. (تر)

(52) الشيخ الطبرسي، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، ج3، ذيل تفسيره الآية المذكورة (103) من سورة المائدة. (تر)

(53) انظر المصدر السابق. (تر)

(54) انظر المصدر السابق مختصراً وملخصاً. (تر)

(55) هكذا قال المؤلف، والذي في كتب التفسير كتفسير الطبرسي وغيره عشرة أبطن وليس سبعة. (تر)

(56) المصدر السابق، والرواية منقولة فيه عن ابن عباس وَابن مسعود وَهو قول أبي عبيدة والزجاج. (تر)

(57) المراد من جملة منك وإليك أن هذه الأضحية عطاء من عندك ونحن نتقرب بهذا القربان إليك.

(58) لم أجده في أيٍ من مصادر الحديث الإمامية، أما في مصادر أهل السنة فقد أخرجه مسلم في صحيحه بتقديم وتأخير: 35-كتاب الأضاحي/8-باب تحريم الذبح لغير الله تعالى، رقم (1978). (تر)

(59) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ح (15386)، ج 11 / ص 507. (تر)

(60) الكُلَيْنِيّ، الكافي، بَابُ النُّذُورِ، الحديث رقم 1، ج 7/ ص 454. (تر)

(61) المصدر السابق، الباب ذاته، ح رقم 2. (تر)

(62) المصدرالسابق، الباب ذاته، ح رقم 22. (تر)

(63) ابن هشام، السيرة النبوية، ج1/ ص 80. (تر)

(64) الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ذيل تفسير قوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا.. الآية﴾ (الأنعام/136)، وقد روى القول المذكور عن الزجاج. (تر)

(65) لم أجده في مصادر الحديث الشيعية، وفي مصادر أهل السنة روى نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد (17276)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث. (تر)

(66) هو متن حديث رواه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385-460 هـ) في الأمالي، قم، انتشارات دار الثقافة، 1414هـ، ص 518. وفي مصادر أهل السنة رواه الترمذي في سننه (2378) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو داود في سننه (4835) وقال الألباني: حسنٌ، وأحمد في مسنده (2/303 و334) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده جيد. وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البر والصلة، ح (7320) وقال: حديث أبي الحباب صحيح إن شاء الله تعالى ولم يخرِّجاه، وعلّق عليه الذهبي في التلخيص بقوله: صحيح إن شاء الله. وقد أخرجوه جميعاً بسندهم عن أبي هريرة مرفوعاً. (تر)

(67) انظر الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم (548هـ)، الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، 1404هـ، ج2/ ص 4-8، والمؤلف تصرَّف في الاقتباس تقديماً وتأخيراً وتلخيصاً واختصاراً. (تر)

(68) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج2/ ص 48 – 49. (تر)

(69) المصدر السابق، ج2/ ص 49. (تر)

(70) المصدر السابق، ج2/ ص 50-51. (تر)

(71) المصدر السابق، ج2/ ص 57. (تر)

(72) المصدر السابق، ج2/ ص 56، والمؤلف يتصرَّف في الاقتباس منه تقديماً وتأخيراً أو تلخيصاً أو إضافةً لتوضيحات من عنده. (تر)

(73) الحر العاملي، وسائل الشيعة، بَابُ عَدَمِ جَوَازِ تَعَلُّمِ النُّجُومِ وَالْعَمَلِ بِه، ج17/ص144، ح (22205). وعبارته: (جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَقِّقُ فِي الْمُعْتَبَرِ وَالْعَلامَةُ فِي التَّذْكِرَةِ وَالشَّهِيدَانِ قَالُوا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ صَدَّقَ كَاهِناً أَوْ مُنَجِّماً فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد.) (تر)

(74) المصدر السابق، الباب ذاته، ج17/ص 143، ح (22201). (تر)

(75) نهج البلاغة، الخطبة رقم 79، ص 105. (تر)

(76) الشيخ الصدوق، الأمالي، طهران، كتابخانه إسلاميه، ط4، 1362هـ شمسية، الرواية رقم 16، ص 415. ونقله الحرّ في الوسائل، ج11/ص371-372، ح (15044) (تر)

(77) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 2/ ص 267، ح (2402). (تر)

(78) لم أجده بهذا اللفظ. وهناك حديث معناه قريب من هذا المعنى رواه المجلسي في بحار الأنوار ج55/ص 320، مرسلا ولفظه: ثَلاثٌ لا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَالظَّنُّ. قِيلَ: فَمَا نَصْنَعُ؟ قَالَ إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ. ورواية المجلسي هذه مأخوذة من مصادر أهل السنة حيث نجد الحديث لدى المتقي الهندي في كنز العمال برقم (43789) عن الحسن مرسلاً وعزاه إلى الحافظ رُسْتَه (عبد الرحمن بن عمر أبي الحسن الزهري الأصبهاني) في كتابه الإيمان، وبرقم (28563) عن أبي هريرة مرفوعاً، وعزاه إلى الحافظ البيهقي في شعب الإيمان. وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (2527): (ضعيف). (تر)

(79) لم أجده بهذا اللفظ. ويوجد ما هو قريب من معناه في حديث رواه الحر العاملي في أَبْوَابُ آدَابِ السَّفَرِ من كتاب الوسائل، (8) بَابُ اسْتِحْبَابِ تَرْكِ التَّطَيُّرِ وَالْخُرُوجِ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ وَنَحْوِهِ خِلافاً عَلَى أَهْلِ الطِّيَرَةِ وَتَوَكُّلا عَلَى اللَّهِ، ح (15023): عن الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعْبَةَ فِي تُحَفِ الْعُقُولِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلا تَقْضِ. أما في مصادر أهل السنة فروي ضمن حديث رواه السيوطي في الجامع الصغير ضمن حديث أطول عن جابر مرفوعاً: إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا حسدتم فلا تبغوا وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا وإذا وزنتم فأرجحوا وعزاه إلى ابن ماجه في سننه مع أنه لا يوجد فيه سوى الجملة الأخيرة، وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (588): (ضعيف). (تر)

(80) رواه الشيخ الصدوق علي بن بابويه القمي في الأمالي، ص 416، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه دعا بهذا الدعاء في آخر ردّه على المنجّم الذي خوّفه من المسير إلى النهروان ولفظه: ثم قَالَ ِ عليه السلام: اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا ضَيْرَ إِلا ضَيْرُكَ وَلا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُك‏. أما في مصادر أهل السنة فقد رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في المصنف (29872) عن ابن عباس أنه كان يدعو بهذا الدعاء إذا نعق الغراب. ورواه أحمد في مسنده (2/220) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قَالَ: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ وَلا طَيْرَ إِلا طَيْرُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ. (تر)

(81) المجلسيُّ في بحار الأنوار (ج91/ص302) ضمن دعاء طويل، و(ج92/ص2- 3) نقلا عن مكارم الأخلاق للطبرسي. ورواه ابن أبي الحديد مرسلاً في شرح نهج البلاغة، ج19/ ص 374. ورواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني في المصنف، ح (19512)، والبيهقي في السنن الكبرى، ح(16962)، بسندهما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ مرفوعاً. (تر)

(82) روى الكُلَيْنِيّ في الكافي (ج8/ص187-198) بسنده عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: الطِّيَرَةُ عَلَى مَا تَجْعَلُهَا إِنْ هَوَّنْتَهَا تَهَوَّنَتْ وَإِنْ شَدَّدْتَهَا تَشَدَّدَتْ وَإِنْ لَمْ تَجْعَلْهَا شَيْئاً لَمْ تَكُنْ شَيْئاً. (تر)

(83) انظر: البغوي (516هـ)، تفسير معالم التنزيل، ط4، الرياض، دار طيبة، 1417هـ/ 1997م، ج 3 / ص 269. (تر)

(84) قال بعضهم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾ الطائر بمعنى العمل، وقد أُلْزم العمل بالعنق لأن العنق هو الموضع الذي يوضع عليه الطوق فلا يملك الإنسان عندئذٍ أن يرفعه عن نفس. كما يقولون: إثم فلان برقبة فلان أو يقولون افعل هذا واجعل إثمه في رقبتي.

(85) الكُلَيْنِيّ، الكافي، باب حديث قوم صالح، ح (234)، ج8/ص196، ولفظه – ضمن حديث أطول: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا شُؤْمَ وَلا صَفَر... الحديث. أما في مصادر أهل السنة فأخرجه مسلم في صحيحه [39- كتاب السلام/ 33- باب لا عدوى ولا طيرة، ح (2222)]، وأحمد في مسنده (3/293) بسندهما عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا غُولَ.. (تر)

(86) روى الكُلَيْنِيّ في الكافي في باب حديث قوم صالح، ح (236)، ج8/ص198 بسنده عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: كَفَّارَةُ الطِّيَرَةِ التَّوَكُّل‏. أما في مصادر أهل السنة فرواه أبو داود في سننه (3912) وابن ماجه في سننه (3538) بلفظ: الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا إِلا وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. ورواه أحمد في مسنده (1/440) وفيه تكرار لجملة الطيرة شرك مرتين. (تر)

(87) لم أجده بهذا اللفظ في أي مصدر معتبر. (تر)

(88) رواه أحمد في مسنده (2/220) ح (7045) عن عبد الله بن عمرو رفعه. وعلق عليه شعيب الأرنؤوط قائلا: حسنٌ. (تر)

(89) روى الكُلَيْنِيّ في الكافي (ج2/ص654) بسنده عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَأَحْصَيْتُ فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا فَعَطَسَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَمَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): أَلا تُسَمِّتُونَ أَلا تُسَمِّتُونَ؟! مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُسَمِّتَهُ أَوْ قَالَ يُشَمِّتَهُ وَإِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَه‏. وفي مصادر أهل السنة ورد في الصحيحين: البخاري (1182) ومسلم (2066) بسندهما عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (رض) قال: أَمَرَنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِى، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.... الحديث. وقال الشُرَّاح إن معنى تشميت العاطس الدعاء له بالخير والبركة كأن تقول له يرحمك الله بعد حمده لِلَّهِ تعالى. (تر)

(90) روى الحرّ العاملي في وسائل الشيعة (58- بَابُ كَيْفِيَّةِ التَّسْمِيتِ وَالرَّد، ج 12/ ص 88) بسنده عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَيَرْحَمُكُمْ وَإِذَا عَطَسَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ قَالَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل‏.. وبسنده عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإِذَا سَمَّيْتَ الرَّجُلَ فَلْيَقُلْ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَإِذَا رَدَّ فَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ وَلَنَا. (تر)

(91) روى النوري الطبرسي في مستدرك الوسائل [50- بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعُطَاسِ وَكَرَاهِيَةِ الْعَطْسَةِ الْقَبِيحَةِ وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلاث‏، ح (9746)، ج 8/ ص 384] الجملتين الأوليين منه فقط نقلا عن كتاب الجعفريات ولفظه: حَدَّثَنِي مُوسَى حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُب. وهو بتمامه في مصادر أهل السنة بألفاظ قريبة جداً مما ذكره المؤلف. انظر: صحيح البخاري (5869) وسنن أبي داود (5030) وسنن الترمذي (2746) كلهم بسندهم عن أبي هريرة رفعه. (تر)

(92) رواه الشيخ رضي الدين الفضل بن الحسن الطبرسي في كتابه مكارم الأخلاق، ط4، قم، انتشارات شريف رضي، 1312هـ، ص 350، وعنه المجلسيُّ في بحار الأنوار (ج 92/ص 2- 3) كلاهما مرسلاً دون سند. وأصله في مصادر أهل السنة حيث أخرجه مسلمٌ في صحيحه برقم (5936) (وغيره) عن أبي هريرة مرفوعاً. (تر)

(93) صحيح البخاري (5422) وصحيح مسلم (2223). (تر)