تفسير التوحيد وإفراد الله بالعبادة

وأن «توحيد العبادة» قطب رحى القرآن

إن القرآن يدعو الضائعين والعطاش في صحراء الشرك والوثنية إلى كوثر التوحيد الزلال وإلى منزل التفريد، إنه ينقذ الواقعين في حفرة الوثنية فيخرجهم منها بحبل التوحيد المُحْكَم.

از چاه شور اينجهان بر حبل قرآن زن دو دَسْت

                اى يوسف آخر بهر توست اين دَلو در چاه آمده!

تمسك بحبل القرآن بيديك لتخلص من بئر هذا العالم الأجاج

يا يوسف! ما أنزل هذا الدلو في البئر إلا لنجاتك

يعتمد الفهم الصحيح لـ«توحيد العبادة»، الذي يشكِّل قطب رحى القرآن، على التمهيد بعدة أصولٍ وقواعد:

1- الأصل الأول:

أنه من ضروريات دين الإسلام المبين أن كل ما أنزله الله تعالى في كتابه حقٌ وصدقٌ محضٌ ولا سبيل للكذب إليه، فهو حقيقة الهداية وجوهر العلم والدراية، ولب لباب اليقين، والعروة الوثقى المتينة، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ (فصلت/42)، ولا يتحقق إسلام المرء إلا إذا اعترف بهذا الأصل وآمن وأيقن به.

2- الأصل الثاني:

إن الهدف من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل دعوة الخلق إلى الله الواحد الأحد. لقد جاء الأنبياء ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده ويحضوهم على إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، لأن البشر رغم إيمانهم بفطرتهم بأن لهذا العالم خالقٌ وموجدٌ، ورغم عبادتهم لهذا الإله، إلا أنهم بسبب تقليدهم للآباء والأجداد وغيرهم ينحرفون عن هذه الفطرة فيتوهمون أن هناك آلهة أخرى تستحق العبادة مع الله خالق العالم، فيصنعون لهذه الآلهة تماثيل ويعبدونها: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ»(13). وما جاء الأنبياء إلا ليعيدوا الناس إلى فطرتهم الأولى ويدعوهم إلى التوحيد في العبادة وإفراد الله بها.

وجميع الأنبياء أول ما يدعون أقوامهم إليه هو قولهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (الأعراف/59). وأول ما يُذَكِّرونهم به هو:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/56)،

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ( 14 ) (النحل/36)

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ (الإسراء/23).

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (النساء/36).

﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللهَ (هود/26).

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (نوح/3).

فكل هذه الآيات تدعو في الواقع إلى حقيقة وجوهر «لا إله إلا الله» وإلى التحقق بحقيقة عبادة الواحد القيوم، وهذا لا يتحقق بمجرد الكلام ولقلقة اللسان بل إن معنى «لا إله إلا الله» إفراد الحق تعالى بالألوهية والعبادة ونفي عبادة غير الرب تعالى والبراءة من غير الله.

ليس في قلب الدرويش إلا جمال قامته

البيت ضيقٌ لا يتسع إلا لشخصٍ واحد

إن المسلم العالم بكتاب الله وسنة نبيه وآثار الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لا يشك أدنى شك في هذا الأصل المتين.

3- الأصل الثالث: التوحيد قسمان: توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة والعبادة

توحيد الربوبيَّة: هو الإقرار والاعتراف بأن الحقّ تعالى خالق جميع الموجودات وربُّ العالمين. وقد كان المشركون مقرِّين تماماً بهذا التوحيد ومعترفين به كما ذكر الله تعالى لنا ذلك في قرآنه المجيد حين قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ (لقمان/25).

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (يوسف/106).

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزخرف/9).

كما أن المشركين كانوا يقرُّون ويعترفون بأنَّ الله هو الرزَّاق وهو المحيي والمميت وهو المدبِّر للسموات والأرض وهو الذي يملك الأبصار والأسماع والقلوب كما يقول تعالى:

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؟ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ؟ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ: اللهُ. فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟؟ (يونس/31).

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ. قُلْ: أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟؟ (المؤمنون/84).

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ سَيَقُولُونَ: لِـلَّهِ. قُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟؟ (المؤمنون/87).

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِـلَّهِ. قُلْ: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟ (المؤمنون/88).

فكل مشركٍ يعترف بأن الله خالقه وخالق العالم كلَّه ويقرُّ بأن الحقّ تعالى رازقه ومحييه ومميته، ولذلك كان الأنبياء والرسل يستدلّون على المشركين بما يؤمن به هؤلاء المشركون أنفسهم ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟؟ (النحل/17). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.. (الحج/73).

توحيد الألوهية والعبادة:

وهو أن يعبد الإنسان الذات الإلهية المقدسة بأنواع العبادات، كما سيأتي تفصيله لاحقاً. وهذا التوحيد في العبادة هو الذي وقع الشرك فيه بين البشر حيث قالوا إن لِـلَّهِ شركاء في استحقاق العبادة، ولفظ الشريك بحد ذاته يدل على أن المشركين يعترفون بوجود الله وخالق الموجودات.

إن الأنبياء والرسل مأمورون بتقرير وإثبات التوحيد بالمعنى الأول أي توحيد الربوبية لذلك نجد القرآن المجيد يأتي بأدلة متقنةٍ على هذا التوحيد. ولكن أكثر ما يهتم له الأنبياء ويعتني به القرآن بشكل خاص هو التوحيد بالمعنى الثاني أي توحيد العبادة والذي يشكِّل في الواقع قطب رحى القرآن وأساس دعوته والمحور الذي تدور عليه آياته ومعنى وحقيقة «لا إله إلا الله».

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل/36).

تدل عبارة «في كل أمة» بصراحة على أن بعثة الرسل كانت في جميع الأمم بهدف الدعوة إلى توحيد العبادة وليست لأجل إثبات وجود خالق العالم لأن جميع المشركين كانوا معترفين بهذا الأمر.

وبسبب اعتراف المشركين بخالق العالم نجد أن بعض آيات القرآن قد تحدَّثَتْ عن خالق العالم بصيغة الاستفهام التقريري كقوله تعالى:

﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟!..﴾ (فاطر/3).

﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟!..﴾ (النحل/17).

﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ؟!..﴾ (إبراهيم/10).

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ؟!..﴾ (الأنعام/14).

﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ؟..﴾ (فاطر/40).

فمن هذه البيانات يتّضح تماماً أنّ المشركين لم يكونوا يعتبرون الأصنام شركاء لِـلَّهِ في خلق السموات والأرض وكذلك النصارى بالنسبة إلى المسيح وأمّه مريم وكذلك عُبَّاد النجوم والكواكب والملائكة ما كانوا يعتبرون هذه المعبودات خالقةً رازقةً لهم ولا مُحْيِيَةً مُمِيْتَةً بل كانوا يشركون هذه المعبودات مع الله في عبادتها ويتّخذونها شفعاء تشفع لهم عند الله: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ (يونس/18).

وهذا التوحيد قسمان:

1- توحيد في العلم والقول: أي أن يؤمن الموحِّدُ بأن ذات الحق بسيطة الحقيقة ومنزهةٌ عن التركيب الخارجي من مادةٍ وصورة أو التركيب العقلي من ماهية ووجود والخلاصة منزهةٌ عن صفات الممكن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى/11)، وقد بينت سورة التوحيد (الإخلاص) غاية التنزيه وأثبتت مطلق التقديس للذات الربوبية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص/2).

أيها المنزه من الصاحبة والولد والقرين  كيف يمكنني أن أشكر نعمك؟

2- التوحيد في الإرادة والعمل: أي أن لا يريد الشخص شيئاً سوى الذات الأحدية المقدّسة وسوى الحقيقة القيّومية ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (الانشقاق/6). وسورة الكافرون تثبت وتحقق توحيد الإرادة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ( 15 ) (الكافرون/6).

 إن الأساس الذي بُنِـيَت عليه دعوة القرآن هو توحيد الإرادة ووحدة المراد، لأن سبب اختلاف البشر اختلاف المُراد، وتشتُّت الإرادة، حيث جعل كل جماعة لأنفسهم مُراداً خاصاً بهم، وأخذوا يطلبون حوائجهم منه، ويدعون الناس إلى مُرادهم، ويعتبر مُراد غيرهم باطلا.

وعندما تعدَّدت المُرادات (الآلهة) وقع الاختلاف والنزاع، بالطبع، بين المريدين، وسيبقى هذا النزاع ولن يزول طالما بقيت هذه المرادات مختلفة ولن ينجح الناس في الوصول إلى الصلاح وسداد أمرهم، لأن سعادة البشر رهينة باتحاد مُرادهم وتوحُّد مَرَامهم وإرادتهم.

إن المشهود مع الأسف هو أن اختلاف المُرادات الذي يستتبع اختلاف الإرادات هو الأمر السائد والحاكم بين الناس، بدءاً من عُبَّاد الأصنام الذين اتخذ كل فريق منهم لأنفسهم صنماً جعلوه مُرَادهم ومعبودهم واخترعوا لأنفسهم رباً: فالتاميليون اتخذ فريق منهم «بوذا» معبوداً واعتبر فريقٌ آخر منهم «براهما» مُرادَاً ومرغوباً، واتخذ آخرون موسى(16) معبوداً وآخرون عيسى معبوداً ومُراداً، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/80).

إن مَبنى دعوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، إضافة إلى الإطاحة بجميع الأصنام والأوثان والآلهة، هو وحدة البشر واتحاد مرامهم ومرادهم. لقد دعا الأمم المختلفة إلى إلـهِ واحدٍ ومعبود واحدٍ ومَرَام وهدف واحدٍ، وجعل الفضيلة والعلم والتقوى قبلة آمال البشر وسبيلهم لنيل السعادة الكبرى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ...﴾ (آل عمران/64)، فالكلمة السواء التي دعا إليها تتضمَّن ثلاثة أمور: الأول: أن لا نعبد إلا الله وهذا تعريض باليهود الذين عبدوا عُزَيْراً والنصارى الذين عبدوا عيسى، والثاني: أن لا نشرك بالله شيئاً أي لا نشرك مع الله معبوداً آخر بأي قسم من أقسام العبادة والشرك، والثالث: أنْ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فاتخاذ الأرباب في النصارى كان سجودهم لأحبارهم وقولهم إن ممارسة الرياضة الروحية الكاملة أظهرت أثر حلول اللاهوت في ذواتهم، واتخاذ الأرباب في اليهود كان اتباعهم أحبارهم وطاعتهم لهم في التحليل والتحريم(17).

لماذا يجب أن يكون مراد البشر مراداً واحداَ هي الذات الربوبية تبارك وتعالى؟ إن علة ذلك أنه لو كان مراد البشر كائناً ممكناً وحادثاً، فإن هذا الكائن الحادث لا بقاء له بل سيؤول بالضرورة إلى الزوال والفناء، فإذا فني المراد وانعدم ماتت الإرادة وانهارت. والإرادة التي تتجه كل يوم إلى مراد جديد لن تكون قوية أبداً. هذا في حين أن سعادة الدنيا والآخرة هي نصيب أصحاب الإرادات القوية.

تحث دعوة الإسلام وتربية القرآن على تحصيل العلم وتقوية الإرادة. وسبيل تقوية الإرادة منحصرة بكون مُراد الإنسان ذاتاً موجودةً حيةً لا تموت، ولا يعرف الزوال ولا الفناء إليها طريقاً على الإطلاق: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ (البقرة/255).

لقد مدح الله تعالى الرجال الذين مقصودهم حيٌّ لا يموت فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الأنعام/52).

ويقول تعالى في موضع آخر بحقِّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(18) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى (الليل/21).

وخلاصة الكلام أنه لو تعلقت الإرادة بالمراد الحقيقي الذي هو الله تعالى الباقي الذي لا يزول، فلم يكن للإنسان مقصودٌ سواه ولا مطلوبٌ ولا غايةٌ غيره، فإن هذه الإرادة تستطيع أن تقتلع الجبال، وصاحب مثل هذه الإرادة يعيش هنيئاً يرفل في السعادة والهناء، ولازم هذه الإرادة إخلاص الدين لِلَّهِ رب العالمين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة/5).

الأصل الرابع: في حقيقة العبادة ومعناها:

يقول الزمخشري في «الكشاف»: «والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل... ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع(19). ويقول محقِّقو السلف: «العبادة أقصى الحب مع غاية الخضوع والتذلل لِـلّه».

لكن هذا المعنى متحقِّقٌ أيضاً لدى العشاق المجازيين تجاه معشوقهم الذي يولونه كمال محبتهم ويبدون تجاهه غاية تذللهم وخضوعهم. لذا فإن ما يقتضيه التحقيق، كما ذهب إليه بعض المحقِّقين، هو أن حقيقة العبادة: غاية الحب ونهاية التذلُّل والخضوع أمام ساحة الربوبية والذي يترافق باعتقاد وشعور بأن لهذا المعبود الحقيقي سلطان غيبيٌّ وحُكْمٌ فوق العلل والأسباب، فهو يملك بسلطانه وقدرته التامة القدرة على إيصال النَّفْع ورفع الضُرِّ وتغيير الأسباب وخلق أسباب أخرى، فهو مسبِّب الأسباب وميسِّر كلِّ أمر عسير، وهو المحيي والمميت والرزَّاق والشافي والكافي، وهو غياث المستغيثين ورحمةٌ للعالمين.

وبناء على ما تقدم فإن كل دعاء وثناء يترافق بهذا النحو من الاعتقاد والشعور التام بالمعنى الذي ذكرناه يُعتبَر «عبادة».

وخلاصة الكلام إن حقيقة العبادة: الحب والتذلل مع هذا المعنى الدقيق بأن المحبوب خالق الأسباب، وفوق الأسباب وصاحب القدرة التامة: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أإلـهٌ مَعَ اللَّهِ؟؟ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ؟ (النمل/62).

رأس العبادة وأساس التوحيد كلمة ﴿لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. عندما كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» كان المشركون – بوصفهم أهل اللغة ويدركون حقيقة معاني الكلمات ومراميها – يدركون أنهم إقرارهم بهذه معناه براءتهم من كل معبود سوى الله تعالى، وأن عليهم أن لا يخضعوا ولا يتذللوا لأحد غير الله، ولا يطلبوا حاجاتهم من غيره تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ! وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ! (ص/5).

النتيجة: إذا تقرَّرت الأصول الأربعة المذكورة فاعلم أن سلسلة الأنبياء والرسل إنما بعثوا لدعوة الناس إلى إفراد الحق تعالى وحده بالعبادة ولم يبعثوا لأجل إثبات أن الله تعالى خالق الموجودات لأن جميع المشركين كانوا يعترفون بذلك: جهانرا صانعى باشد خدا نام  كز او آشفته دريا گيرد آرام

أي: للعالم صانع اسمه الله               هو الذي أسكن البحار الهائجة

ولهذا كان المشركون يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ؟؟ (الأعراف/70). ولم يكونوا ينكرون الله وعبادته أبداً بل يعتبرونه مستحقاً للعبادة، كل ما في الأمر أنه كانوا يرون له شركاء في استحقاق العبادة فقال الله تعالى لهم: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة/22).

كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ في تلبيتهم في الحجّ: «لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»(20). فكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عند سماعه لتلبيتهم هذه يقول: لو أنهم تركوا قولهم «إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ» لكانوا موحدين. فإذن من لوازم الشرك أن يكون المشرك معترفاً بالله ومقراً بوجوده. ويقول الله تعالى أيضاً: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ (الأنعام/22). ويقول كذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (الأعراف/195).

والحاصل، إن المشركين كانوا بخضوعهم وخشوعهم وعبادتهم للأصنام ونذرهم ونحرهم القرابين لها يعتقدون أن أصنامهم هذه تقربهم إلى الله فقط وتشفع لهم عنده يوم القيامة(21) ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس/18)، من هنا نفهم أن التوحيد الذي جاء به الأنبياء والرسل هو توحيد العبادة.

لقد كان المشركون عدة أنواع: فريق كانوا يعبدون الملائكة، وفريق يطلبون حوائجهم من النجوم والكواكب والشمس، وبعضهم كان يعبد الأصنام، وبعضهم يقدسون الأحجار، وجميع هؤلاء كانوا يفزعون إلى معبوداتهم ويلجؤون إليها في الشدائد والملمَّات، يطلبون منها تفريج الكُرَب وقضاء الحوائج، فبعث الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم ليقول لهؤلاء المشركين: إن كنتم تؤمنون أن ربكم وخالقكم واحد وهو الله فاعبدوه وحده أيضاً ولا تعبدوا غيره ولا تطلبوا حوائجكم من غيره، وآمنوا بحقيقة أن «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» واعملوا بمقتضاها: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ.. (الرعد/14)، وقال لهم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (المائدة/23) لأن الغنى والفقر والسلطان والملك والعز والذل كلها بيد الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران/26).

لقد دعا عباد الله أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة/5)، وبالتالي فإذا استعنتم بغير الله كنتم من المشركين بالتأكيد.

ولا يتحقَّق إفراد الله بالعبادة إلا إذا توجَّه العبد بالدعاء والتضرُّع والعبادة لِـلَّهِ وحده دون غيره فلم يدعُ في الشدة والرخاء إلا إيّاه، ولم يلجأ في العسر واليسر إلا له، ولم ينذر النذور أو يذبح القرابين إلا لِـلَّهِ، فلا يجوز تقديم أيّ صنف من صنوف العبادات من ركوع وسجود وقيام وتذلل وطواف وغيره إلا لذات الحق تبارك وتعالى الباقي الذي لا يزول وحده فقط. وكل من قام بتلك العبادات لمخلوق سواء كان حياً أم ميتاً وسواء كان صنماً أم ملاكاً أم جنيّاً أم حجراً أم شجراً أم قبراً فهو مشركٌ، فكما أن إقرار المشركين بأن الله رب العالمين وخالق الكائنات لم ينقذهم من الشرك فكذلك مجرّد الاعتراف بوجود الله وبنبوّة محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة الطاهرين عليهم السلام لا يخرج صاحبه من الشرك إذا كان يقوم بتلك العبادات لغير الله تعالى. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ لا يقبل الله عملاً شورك فيه غيره ولا يؤمن به من عبد معه غيره»(22).

فالذي يعبد غير الله تعالى لا يفيده اعترافه وإقراره بالله لأنه ساوى بين المخلوق والخالق في الحبّ والعبادة ونواحي أخرى، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء/98)، هذا مع أن المشركين لم يكونوا يساوون بين الربِّ والخَلْق من جميع الجهات والحيثيَّات ولم يكونوا يعتقدون أن الأصنام خالقةٌ للعالم، بل كانوا يعبدونها فقط ويتخذونها شفعاء لهم عند الله. كانوا يسجدون لها وينذرون لها النذور ويذبحون لها القرابين راجين منها الشفاعة والبركة، فقال تعالى بحقهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف/106) فمن هؤلاء مشركو مكة الذين كانوا يقولون ربنا الله، أما الملائكة فهم بنات الله! ومنهم اليهود الذين كانوا يؤمنون بالله ولكنهم يقولون عُزَيْر ابن الله، ومنهم النصارى الذين آمنوا بالله ولكنهم قالوا المسيح ابن الله.

وقد جعل الله تعالى الرياء في الطاعات شركاً أيضاً وسمَّى المرائي مشركاً(23) مع أن المرائي لا يعبد غير الله بل يريد بطاعته وعمله أن ينال جاهاً ومنزلة في قلوب الناس بأن يقولوا: فلانٌ متديِّنٌ. فخلط العبادة بقصد الجاه والمنزلة في قلوب الناس شركٌ أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون/4).

إذا عرفنا ذلك، وأدركنا مدى اهتمام القرآن بتوحيد العبادة وتنزيهها عن الرياء، فإننا نعجب أشد العجب ونأسف أن يقوم الجاهلون في ملة الإسلام وأمة التوحيد بترويج جميع أنواع الشرك باسم الإسلام! فهم اسماً موحدون مسلمون، وحقيقةً مشركون وثنيون:

چشم باز وگوش باز واين عمى               حيرتم از چشم بندى خدا

سبحان ربي! عيونهم مفتوحة وآذانهم تسمع وكل هذا العمى؟؟

 أنا في حيرة من الغشاوة التي جعلها الله على هذه الأعين

سبحان الله! ماذا حلَّ بعناء وجهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين (ع)؟ أين ذهبت تعاليم سيد المرسلين؟؟ لقد أريقت دماء كثيرة حتى استقر التوحيد الحقيقي! فلماذا لا يهتم المسلمون بالحفاظ على هذا التوحيد؟ لماذا لا يقرؤون كتاب الله وسيرة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟؟ إن الشرك الذي نهى عنه القرآن والسنة أصبح منتشراً بشكل أكثر بروزاً اليوم بين كثير من المسلمين: عبادة القبور، عبادة الأحجار، عبادة الأشجار، عبادة المرشدين، التبرك بحجر موضع القدم والسبيل والآلاف من أمثال هذه الأمور... يا أيها النبي يا رحمةً للعالمين! يا أهل لا إلـه إلا الله! أيها البدريون! أيها الأحديون! يا شهداء التوحيد! يا أئمة الدين ويا حملة القرآن! انهضوا من قبوركم وانظروا حال المسلمين! انظروا مدى الانحطاط الذي وقع فيه عالم الإسلام اليوم وأين وصل أمر التوحيد فيه! لقد أثَّر الجهل وانحطاط الأخلاق ونشأة البدع وانتشار الخرافات فيه تأثيراً أصبح من الصعب أن تتعرّفوا عليه إذا رأيتموه! ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف/89).

 

الهوامش:

(13) الصدوق، «من‏لا يحضره ‏الفقيه»، ج 2/ ص 49. (تر)

(14) يقول الراغب في «المفردات» (ص 305): «الطاغوت) عبارة عن كل متعد، ولما تقدم سُمِّىَ الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتاً». ويقول السيوطي في «الإتقان» (1/402): «الطاغوت هو الكاهن بالحبشية».

(15) يقول أبو مسلم البحر الأصفهاني (322هـ) في تفسير هذه الآية أن المقصود من الجملتين الأوليين المعبود و(ما) بمعنى الذي، أي أنه يقول: أنا لا أعبد الأصنام وأنتم لا تعبدون الله. أما في الجملتين الأخريين، (ما) مع الفعل في تأويل المصدر أي عبادتي ليست مثل عبادتكم مبنيّةً على الشرك وعبادتكم ليست مثل عبادتي مبنيّة على اليقين.

(16) لم يُعْرَف عن قوم موسى أنهم عبدوه أو ألَّهُوه، كما فعل النصارى بحق عيسى، نعم عبد بعض قوم موسى العجل، وانحرف بعضهم عن التوحيد وقالوا عزير ابن الله. (تر)

(17) المروي في كتب التفسير والحديث هو تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاتخاذ النصارى بعضهم أرباباً أنهم كانوا يطيعون أحبارهم طاعة الأرباب، يقول الطبرسي مثلا في تفسيره «مجمع البيان» مفسِّراً الآية المذكورة: «و روي عن أبي عبد الله أنه قال: ما عبدوهم من دون الله ولكن حرَّموا لهم حلالا وأحلُّوا لهم حراماً فكان ذلك اتخاذهم أرباباً من دون الله. وقد روي أيضاً أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أما كانوا يُحِلُّون لكم وَيُحَرِّمُون فتأخذون بقولهم؟ فقال: نعم! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو ذاك.». وحديث عدي بن حاتم رواه الترمذي في سننه (3095) والبيهقي في سننه الكبرى (20847). (تر)

(18) أي ليس لأحد حق عليه حتى يكون قصده من إعطاء المال أداء حق الناس.

(19) أبو القاسم جار الله محمود بن عمرو الزمخشري (538هـ)، تفسير «الكشاف»، ذيل تفسيره لقوله تعالى «إياك نعبد وإياك نستعين». (تر)

(20) صحيح مسلم، 15- كتاب الحج/3- باب التلبية وصفتها ووقتها، ح (1185). (تر)

(21) الواقع إن المشركين لم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة وإنما كانوا يرجون شفاعة أصنامهم لتيسير أمورهم وقضاء حاجاتهم الدنيوية. وإنكار المشركين للقيامة أمر معروف وتدل عليه عشرات آيات القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ! إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون/35-37]، وقوله سبحانه: ﴿ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُون؟! لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون/82-83]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا؟؟ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق/2- 3] ونحوها كثير من الآيات. (تر)

(22) الحديث المشهور لدى الفريقين هو «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِي‏ءٌ فَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» رواه المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج69/ص 282)، والطبرسي وغيره من المفسرين في تفسيرهم لقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف/110]. وهو في مصادر السنة في صحيح مسلم: 53- كتاب الزهد والرقائق/5- باب من أشرك في عمله غير الله، ح (2985)، وسنن الترمذي (3154)، وسنن ابن ماجه (4202) وغيرها. أما ما رواه المؤلف في المتن فلم أجده بهذا السياق، لا في مصادر السنة ولا في مصادر الشيعة، وإن كان معناه صحيحاً. والله أعلم. (تر)

(23) روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» عن الإمام الصادق (ع) قوله: «كُلُّ رِيَاءٍ شِرْكٌ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ ومَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ» وروى عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي قَوْلِ‏ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾، قَالَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ» (الكافي، باب الرياء، ح (3) و(4)، ج2/ص 293-294. وفي مصادر أهل السنة روى الإمام أحمد في المسند (4/125) بسنده عن شداد بن أوس (رض) قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ ذَلِكَ: أَفَلا يَعْمِدُ إِلَى مَا ابْتُغِيَ فِيهِ وَجْهُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ كُلِّهِ فَيَقْبَلَ مَا خَلَصَ لَهُ وَيَدَعَ مَا يُشْرَكُ بِهِ؟؟ فَقَالَ شَدَّادٌ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا خَيْرُ قَسِيمٍ لِمَنْ أَشْرَكَ بِي مَنْ أَشْرَكَ بِي شَيْئًا فَإِنَّ حَشْدَهُ عَمَلَهُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أَشْرَكَ بِهِ وَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ». علق عليه شعيب الأرنؤوط قائلاً: إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب. قلتُ وقد أخرجه الحاكم النيسابوري (405هـ) مختصراً في «المستدرك على الصحيحين»، تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ح (7938)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. (تر)