ديبـاجـة

بسم الله الرحمن الرحيم

سُبحان من دانت له السموات والأرض بالعبودية، وأحمد من شهدت له جميع الخلائق على اختلاف ألسنتهم بالربوبية، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المُجتبى أشرفُ المخلوقاتِ وأفضلُ البرَّية، وأصلي عليه وآله كما صلى عليه هو وملائكته أفضل صلاةٍ وأكمل تحية.

قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا(9) وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ يُصْلِحُونَ ما أفَسَدَهُ النَّاسُ من السُنَّة»(10).

قوله «بدأ الإسلام غريباً»: أي أن الإسلام في أوّل ظهوره كان مستغرباً لدى أهل ذلك الزمن الذين لم يسمعوا بمثل ذلك الكلام من قبل، فمقاصد الإسلام وتعاليمه المقدّسة كانت جديدة بالنسبة إلى العرب بل جديدةٌ بالنسبة لجميع البشر ومخالفةٌ لما كانوا عليه من عقائد وعادات، فقد كانوا جميعاً منهمكين في عبادة الأصنام والأحجار والنار أو عبادة الأنبياء والملائكة. قال تعالى: ﴿.. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران/80) كما كان النصارى يعبدون عيسى والصدوقيون من اليهود يعتبرون عزيراً ابن الله، والخلاصة كل شيء كان يُعبد سوى الله رب العالمين وكان الهدف المقدس لرسالة خاتم النبيين دعوة الناس لعبادة الله وحده، ولما كانت هذه الدعوة، أي الدعوة لِـلَّهِ الواحد ولتحطيم الأصنام وإبطالها، مخالفةً لعقائد العرب وعاداتهم، اعتبروا كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عجيباً وقصَّ علينا القرآن هذا عن المشركين الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص/5)، أي أنه لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» كان المشركون يتعجبون ويقولون كيف نعبد إلهاً واحداً إن هذا يريد أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا ويحصر عبادتنا بخالق العالم فقط.

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «وسيعود غريباً»: دليلٌ على أن الإسلام كما بدأ غريباً أول ظهوره فكذلك سيعود غريباً فيما بعد أي أن التوحيد الحقيقي والفضائل الأخلاقية وسنة النبي الصحيحة ستُمحى من بين المسلمين وسيحل محلها الشرك والرذائل والبدع حتى لو قام رجلٌ يدعو إلى التوحيد الحقيقي كان كلامه عجيباً وغريباً بالنسبة إلى الناس.

سبحان الله! لقد زالت تعاليم الإسلام وأهداف نبي آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم من بين المسلمين وضاعت ولم يعد بالإمكان وجدانها ولو بواسطة أي مشعل أو مصباح. لقد أحاطت ظلمات الجهل والوثنية بعالم الإسلام وتراكم غبار البدع فوق القرآن فلم يعد من الممكن غسله بأي ماء ولا بيان أهداف ومرامي القرآن المقدسة بأي لسانٍ واستفاد مدعو الباطل والضالون المضلون من جهل الناس بالقرآن والدين وضياع مقاصد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، فانقضوا على جماعات من المسلمين الجاهلين وقدموا أنفسهم بوصفهم هداةً ومرشدين لهم فأوقعوا النفاق والبغضاء بين المسلمين وقادوا أولئك الناس الجاهلين المساكين إلى أودية الظلمات وبيادي الضلالات المخيفة وأوصلوهم في النهاية إلى مصير هلاك الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزمر/46).

لمثل هذا فليبكِ المسلم دماً! لقد حُرِّف الإسلام وحلَّت الخرافات والأباطيل محل حقائق الدِّين إلى درجة أنه إذا قام شخص بتعريف الناس بالدين الحقيقي، سارع الذين لم يقرؤوا سطراً من علوم الدين ولا علم لهم بالقرآن ولا بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بآثار أئمة الدين (عليهم السلام)، والذين تفصلهم عن علوم الإسلام الحقة اليقينية وعن تعاليم خاتم النبيين وعلومه اليقينية مسافات بعيدة، وهم مقيدون بسلاسل الكفر وأغلال الخرافات، بل هم خارجون حقيقةً عن الدين وكافرون بشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، سارعوا إلى تكفير هذا الذي عَرَفَ حقيقة الدين، وحسب أولئك العوام الجهلة أنهم من دعاة الدين وحَمَلَة شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم!! (ويلٌ لنا إذا كان لهذا اليوم غدٌ).

كيف يمكن لأناسٍ نسوا التعاليم السماوية واتخذوا القرآن ظهرياً وافتروا بحقه آلاف الافتراءات فقالوا هو محرفٌ أو قالوا هو غير قابل للفهم وله سبعون معنى، أقول كيف يمكن لأمثال هؤلاء أن يهتدوا إلى الحق؟

يا رب! لماذا يقومون بتخريب دينك؟؟ يا رب! لماذا يتلاعبون بتعاليمك؟؟ أيها المسلمون! افتحوا أعينكم ولا تنخدعوا بمثل تلك الكلمات، ولا يبعدنَّكم شيءٌ عن القرآن واستعيذوا بالله المتعال من شرِّ هؤلاء الشياطين!.

إنها مقالات زنادقة الإسلام تلك التي يتفوه بها من يقول إن القرآن أصابه التحريف وهو غير قابل للفهم. هؤلاء يريدون أن يسلبوا منكم مصدر الإسلام الأساسي ليحلوا محله بدعهم وخرافاتهم.

ماذا حل بتاج فخار التوحيد الذي وضعه آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم على رأس أمته؟ لقد تعرض ذلك التاج اليوم إلى لكمات وركلات المال والأوهام والخرافات والوثنيات التي ازدهرت باسم دين الإسلام!.

لقد أصبح الإسلام اليوم أشد غُربةً من زمن ظهوره كما أصبح المسلمون الواقعيون غرباء وحدهم بين الناس وكيف لا يكونون غرباء وقد اتبع الناس في عقائدهم وعاداتهم عشرات الفرق والمذاهب وَالمسالك والطرق بل أكثر من ذلك، أصبح كل جماعة تابعون لشخصٍ أحدث مذهباً ونشر بدعةً أضيفت إلى البدع الأخرى. وقام أدعياء الباطل بإلباس جسد الإسلام المقدس ألبسةً مختلفةً، وأصبحنا نسمع من كل حدبٍ لحناً ومن كل صوبٍ نغمةً مرتفعةً فواحدٌ يدعي الإلهية وآخر يدعي النبوة وثالث مسكين يدعي الولاية والإمامة ولكل منهم مريدون وأتباع يضيِّعون عمر العامة من الناس في تقبيل الأيادي والأرجل والسجود لغير الله.

ولا يزدهر سوق هؤلاء إلا إذا خالفوا الله ورسوله لأن القرآن يخالف مقاصدهم وهواهم فالقرآن ليس له هدف سوى دعوة الناس إلى طاعة الله وإلى إصلاح أنفسهم وإلى التقوى والفضيلة، لذا كان عليهم – كي يتمكنوا من ترويج طريقتهم وتسويق بضاعتهم - أن يسقطوا القرآن من الحُجِّيَّة كي يفتح لهم الطريق أمام نشر بدعهم وضلالاتهم وأوهامهم وخرافاتهم وبيعها للناس، هؤلاء هم الذين سيشتكي منهم الرسول الأكرم غداً يوم القيامة في محضر العدل الإلهي: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (الفرقان/30).

إذا أنعم الله تعالى على شخصٍ بمفاد قوله ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة/213) فمنحه بصيرةً في الدين وعِلماً بسنة سيد المرسلين وفهماً وتدبراً للقرآن المبين فنهض يعرِّف الناس بالبدع والخرافات ويدعوهم بحول الله وقوته إلى صراط الله المستقيم، صراط القرآن الكريم، فعليه أن يستعدَّ لطعن الجاهلين به وإهانة أهل البدع والضلالة له ونفور الناس منه. وليعلم أنه سيكون غريباً في الدين لأنه لا يتماشى مع دين الناس الباطل وغريباً في التمسك في السنة حيث شاعت البدعة مكان السنة، وغريباً في عقيدته حيث راج الشرك والخرافات، وغريباً في مجتمعه ومعاشرته لأنه لا يتفق مع أهواء الناس. سوقُهُ كاسدة لأن متاعه التوحيد والأخلاق وليس لهذا المتاع من يشتريه:

عاشقوك (ياالله!) لا يملكون إلا مُقْلةً دامية

لا يملكون إلا قلباً متألماً بالأفكار

يا أتباع الهوى ابتعدوا عني أنا المسكين 

رجال طريق الله لا يبحثون عن دنيا ومتاع

وليعلم مثل هذا الشخص أن لا رفيق له سوى الله وليتذكر دائماً أن من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس وَمن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤونة الناس، فليفر إلى الله ولا يخاف من الخلق لأن الله كافيه، وليوطن نفسه على الصبر على أذى الناس.

إن الموحد لو صببت الذهب أمامه      ولو وضعت السيف الهندي على رأسه

لم يرجُ ولم يَخَـفْ سـوى الله               هـذا هو أسـاس التـوحيـد ومبناه

وإذا وجد نفسه وحيداً في هذا الطريق ولا من يعينه من أهل هذا الزمن فعليه أن يعلم أنه ليس وحده لأن السالكين لهذا الطريق هم أعظم الناس وأسياد البشر، فهذا الطريق طريق نُوحٍ نجِيِّ الله عليه السلام، وحامل مشعله شيخ الأنبياء إبراهيم خليل الله عليه السلام. إنه الطريق الذي سلكه موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام. ورئيس القوافل في هذا الطريق هو أشرف المخلوقات خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم. إنه الطريق الذي استشهد فيه المرتضى عليه السلام والطريق الذي تألم فيه المجتبى عليه السلام والطريق الذي ضحى فيه تلك التضحيات العظيمة الحسين المظلوم عليه السلام. إنه الطريق الذي أسر في سبيله زين العابدين عليه السلام والطريق الذي حُبِس لأجله موسى بن جعفر ِِ عليه السلام وفي هذا الطريق بذل الحكماء والعلماء أرواحهم. قال عليٌ عليه السلام: «أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ»(11).

فعندما يكون الأنبياء هم روّاد القافلة ويكون زعيم القافلة (قافلة السالكين) خاتم النبيّـين، لا ينبغي الخوف، فالله تعالى معه والرسل الكرام مرافقون له فلن يستطع الشياطين التعرّض له أبداً. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.. (الطلاق/3)، ﴿كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.. (المجادلة/21).

«فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس من السنة»

طوبى لحال الغرباء! الذين يقومون بإفهام الناس مقاصد وتعاليم هذا الدين ويمكنهم أن يميّزوا التوحيد من الشرك ويفرّقوا بين البدعة والسنة ويصلحوا ما أفسده الناس من سنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا العبد الضعيف [شريعت سنگلجي] أمضيتُ سنين طوال في دراسة العلوم الإسلامية والتبحّر فيها بعمق وبذلت غاية جهدي بقدر الطاقة البشرية في دراسة التفسير والحديث والكلام والفلسفة والفقه والأصول والتاريخ واجتهدت فيها، وقمت بمطالعات وافية في الملل والنحل والأديان واهتديت إلى القرآن طبقاً لمفاد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.. (العنكبوت/69) وحقّقت في دين الإسلام الحنيف وبحثت فيه وميّزت بقدر طاقتي بين الحقّ والباطل وألقيت عن ظهري أثقال الشرك والأوهام وسلاسل الخرافات وأغلال الأباطيل، ونهلت من معين القرآن الزلال واهتديت بنوره، ولما رأيت أن الأمور التي فهمتها قد قام على صحتها وحقيقتها شاهدا عدل: العقل والشرع، وأنني لو لم أظهر الحقيقة للمتعطّشين لها لانطبق عليّ الحديث الشريف الذي يقول: «إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ»(12) فاستحققت اللعن الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك نهضتُ وبادرتُ إلى هذا الأمر الأهم وهو توحيد الإسلام وركن الدين الركين ورأسمال سعادة الدنيا والآخرة، الذي تبدَّل وتحوَّل لدى الناس إلى معنىً آخر إذ راج مكان التوحيد وباسمه ألف شركٍ وشرك. أسأل الله تعالى أن يوفِّقني لبيان هذا الأمر الهام والمقصد الأسنى الذي تستند إليه دعوة الرسل في بضع كلمات لإخوتي من أبناء اللغة الفارسية آملاً أن يكون عملي ذلك ذخيرةً لي يوم المعاد.

شريعت سنگلجي

شوال المكرم 1361هـ ق.

الهوامش:

(9) قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن (ص 395): «وقيل لكل متباعد غريب ولكل شيء فيما بين جنسه عديم النظير غريب، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ" وقيل العلماء غرباء لقلتهم فيما بين الجهال».

(10) بحار الأنوار، 25/136. وأخرجه بلفظ مشابه – دون جملة: الذين يصلحون ما أفسده الناس – مسلم في صحيحه: (1) كتاب الإيمان، ح (145)، وابن ماجه في سننه (3986)، وَأحمد في مسنده (4/73). (تر)

(11) نهج البلاغة، ص 319، و«الغارات» لإبراهيم بن هلال الثقفي، ج2/ص398.

(12) الكليني، «أصول الكافي»، 1/54، ح (2). (تر)