مقدمة الطبعة الثانية

نظراً إلى ما لَقِيَـتْهُ الطبعة الأولى من هذا الكتاب من استقبال واسع لدى أولي الألباب والرجال والعلماء الموحدين، حتى نفذت تلك الطبعة وصارت النسخ النادرة الباقية تُباع بأضعاف سعرها، ونظراً إلى رجوع الكثيرين من أهالي المدن والبلدات الأخرى إليَّ طالبين الحصول على نسخة من الكتاب، قررت أن أقوم - بحول الله وقوته - بطبع الكتاب مرة ثانية.

ولقد أضفتُ إلى هذه الطبعة عدداً من المسائل مثل موضوع الاستغاثة بغير الله وكيفية نشأة الأضاحي بين البشر وعلّة عبادة الأصنام وأن التوحيد هو منشأ جميع الفضائل، ومباحث من هذا القبيل. ولما كان أكثر الناس في بلادنا لا علم لهم باللغة العربية وكانت الآيات والأحاديث في الطبعة الأولى غير مشكلةٍ ويصعب قراءتها على غير العربي قمنا بتشكيل كل الآيات والأحاديث في هذه الطبعة الجديدة.

وقد قمت بهذا رغم أن تأليف ونشر هذا الكتاب وكتاب «كليد فهم قرآن» أي "مفتاح فهم القرآن" ومحاضرات مساء الخميس، قد كلفني الكثير من المتاعب إذْ قام عددٌ من الأراذل والجهلة الذين لم يشمُّوا رائحة التوحيد بشنّ حملات مسعورةٍ ضدّ مؤلف الكتابين ولم يتوانوا عن كل ما أمرتهم به أنفسهم الأمارة بالسوء من الافتراء والبهتانٍ بحقِّي.

ولا غرو فمن الطبيعي أن طرحَ ما يخالف عقائد جماهير الناس وآراء العوام وأوهامهم أمرٌ صعبٌ للغاية وخطيرٌ جداً وقد ابتليت بهذا الأمر منذ قرابة 15 سنة فليس هذا بالأمر الجديد بالنسبة لي، ففي كل عصر وزمان عندما يظهر شخصٌ قد أكرمه الله بشيء من التميُّز على أقرانه ولو كان بسيطاً، ويفهم أكثر مما يفهمه العامة وينقل للناس فهمه هذا، عليه أن يتوقع أن يواجهه عوام الناس والمقلدون بالعداوة وأن يقابله أهل البدعة والضلال بالنفور والكراهية، فلا ينبغي أن يتوقع من جميع الناس أن يفهموا كلامه ويقبلوه، لأن الأكثرية في كل عصر هم الجهال، ولو كانوا يفهمون لما صاروا إلى هذا الشقاء الذي هم فيه ولما بقوا في مستنقع الجهل كلّ هذا الوقت.

في اعتقادي إن هذه الفضائح والتهم التي يرميني بها الجهلة وأدعياء الباطل بسبب الإصلاحات التي أقوم بها لا تساوي شيئاً ولا وزن لها، لأنني في هذا الكتاب وسائر كتبي ومحاضراتي التي أبيِّنُ فيها إسلام السلف الصحيح وأعرِّف به إنما أضرب بفأس تجتث الخرافات من جذورها وأهدم معابد الأصنام فوق رؤوس أصحابها، فالذين أنسوا بتلك المقالات وتدبروا القرآن وأدركوا توحيد الإسلام لن يلقوا بالاً لتشويشات أدعياء الباطل وأنصار الخرافات، وبعد أن عرفوا الحقيقة لن يعودوا إلى الأوهام والأباطيل من جديد، فلا عجب أن ترتفع أصوات المرتزقين من تلك الأوهام عندما يرون أن منافعهم ومصالحهم أصبحت مهدَّدة بالخطر، لذا تجدهم يستخدمون كل سلاح ممكن لمحاربة هذه الدعوة التوحيدية. وينبغي أن نعلم أن حرب هؤلاء ضدنا ليست حرباً دينية بل حرباً مادية واقتصادية. فيا ليتهم كانوا يعتقدون فعلاً بما يقولون لأن الدفاع عن العقيدة أمرٌ محمود، ولو كانوا متدينين حقيقةً ويعملون لخدمة الدين فلماذا يهاجمونني باستمرار مع أنني لا أقوم إلا بدعوة الناس إلى الله الواحد رب العالمين وإلى ختم نبوة سيد المرسلين وإلى اليوم الآخر وإلى العلم والتقوى؟؟!

إن مجتمعنا يغصُّ بالمنكرات والبدع وفيه كثير من الزنادقة الذين يحاربون القرآن والإسلام تحت عناوين مختلفة ويقومون بأعمال متنوعة وعديدة تهدم الأخلاق والقيم وتعاليم الدين، فلماذا لا يقوم هؤلاء الذين يحاربوننا بمحاربة أولئك الفجار والتصدي لهم، لماذا لا يحاربون من يذهب إلى المراقص والخمارات ويمارسون أكل الربا والاحتكار وأمثالهم، ولماذا لا يجاهدون لمنع الكتب الضالّة والمقالات الضارّة التي تؤدي إلى زوال الدين من أساسه وإلى القضاء على أعراض المسلمين ونواميسهم، وبدلاً من ذلك نجد أن كلَّ همِّهم هو منع الناس من قراءة كتابي هذا وكتاب «مفتاح فهم القرآن» ومن سماع دروسي ومحاضراتي!

إن أسباب ذلك واضحةٌ:

أولاً: إنه الحسد الذي يحمله الأمثال والأقران تجاهي فلما كان الحسود لا يملك القدرة على الوصول إلى مرتبة محسوده فإنه يسعى بكل جهده لكي يحط من شأن المحسود في أنظار الناس، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أن الحسود لا يسود وأنه طالما عمل الإنسان بما يرضي الله تعالى فلن يؤثر فيه حسد الحُسَّاد.

ثانياً: لما أحدثت كتاباتنا ومحاضراتنا بحول الله وقوته تأثيراً كبيراً في الناس المثقفين وعرّفت الناس بتعاليم القرآن الكريم، فمن المؤكد أن الذين عرفوا تعاليم القرآن لن يضرهم بعدئذٍ كل ما يقوله مدعو الباطل ولن يطيعوا بعد ذلك الدجالين والشياطين من الإنس، ومن هنا أدرك الحُسَّاد أن مصالحهم أصبحت في خطر فلجؤوا إلى كل وسيلةٍ للحفاظ على مصالحهم ومنافعهم المهددة بالزوال، فقاموا أحياناً بالتهديد بقتلي وأثاروا العوام ضدي؛ لكن ينبغي أن يعلموا أنهم لا يستطيعون أن يهزموا كلمة الحق بالجَلَبَة والضوضاء لأن الغلبة دائماً للحق، «فللباطل جولة وللحق صولة».

يستغل أراذل الناس دائماً الأوضاع المضطربة ظانِّين أن الدنيا ستبقى على منوال واحد، لكن الواقع أنه لا بد أن يأتي يوم تنطفئ فيه نيران هذه الحروب الدموية المخربة، وعندئذٍ سيكون اليوم يوم شقاء وندم للمفسدين.

إن جميع حوادث العالم خاصةً الحوادث التي نشهدها في هذا العصر -حيث لم يشهد التاريخ مثل هذه الثورات والاضطرابات- امتحانٌ إلهي للناس، فينبغي أن نحذر من تقديم الامتحان بشكل سيء. إننا نجد لسوء الحظ أن معظم أهل الدنيا يقدِّمون الامتحان بشكل سيِّء جداً، وكأنَّ شيطان الجهل والرذائل الأخلاقية قد أحكمت سيطرتها على الناس فأصبحوا لا يتورعون عن أي رذيلة وكأنه ليس في قاموسهم شيء اسمه الفضيلة والتقوى! لقد شاع - كما نرى - النفاق والقتل والسرقة وهتك الأعراض والاحتكار وانعدام الرحمة والظلم والشتم والافتراء وأمثالها إلى درجة تُوجب على الإنسان أن يفر إلى الله. ولكن لا يظنَّنَّ الأعداء أن الأمر سيبقى على هذه الحال دائماً، أو أن بإمكانهم أن يطفئوا نور حقائق القرآن أو يحجبوا كلام الله عن الناس بأكاذيبهم ومفترياتهم، وليعلموا أن الله معنا وأننا سنواصل بحول الله وقوته قول الحقائق وكتابتها ولن تأخذنا في ذلك لومة لائم ولن ترعبنا هجمات الأراذل والسفلة، سائلين العون والتأييد من الله تعالى.

إن الخوف من الناس يكون لأحد سببين: إما طمعاً في أموال الخلق أو خوفاً منهم وقد وجدنا علاج هذين المرضين في مستشفى أمير المؤمنين الذي يقول «وإِنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ولا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ»، فلن يمنَعَنَا إذن الاهتمام بالرزق أو الخوف على روحنا من إظهار غيرتنا الإيمانية. يقول «سعدي»: إن الذي يمكنه أن ينصح الملوك هو المسلم الذي لا يخاف قطع رأسه ولا طمع له في أموالهم. غاية الأمر أننا يجب أن نقنع بالطعام قليل الدسم وأن نقطع ألفتنا بالفجرة اللئام، وكل من قطع آفة الطمع وأزال من نفسه علة الحاجة أصبح أسداً في الشجاعة وباسلاً في الدين.

إن هذه المشقَّات والمتاعب التي نتحمَّلها نعدُّها ذخيرةً لنا ليومٍ تُبلى فيه السرائر، وسوف يحكم الله بيننا في ذلك اليوم في حضور خاتم الأنبياء في محكمة عدله الإلهية وعندئذٍ سيُدان هؤلاء الأعداء وسنكلهم للمنتقم الحقيقي.

لا شكَّ أن هذه البذرة التي نزرعها اليوم ستؤتي ثمارها يوماً ما، فنأمل الهداية للشباب المتعلّم المثقّف الذين نؤمّل فيهم الكثير، عسى الله تعالى أن يجعلهم من السعداء في مجتمع المستقبل تحت لواء التوحيد ويوفّقهم لإنشاء المدينة الفاضلة. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

شريعت سنگلجي

1362 هـ ق.