في بيان سبب نشأة الشرك والخرافات بين المسلمين

لما ساد الإسلام على معظم مناطق المعمورة بفضل منطقه الصحيح وبرهانه القوي وضم كثيراً من الأمم تحت سلطانه وحكمه فانمحى سلطانها وذهبت عظمتها أمام عظمة الإسلام، كان من الطبيعي أن تتولَّد في قلوب بعض أبناء تلك الأمم عداوة وبغضاء تجاه الإسلام، فكانوا يتحينون الفرصة للهجوم على هذا الدين، ولكن لما كان الإسلام قوياً عظيم الشوكة لم يكن في مقدورهم أن يحاربوه بالسيف، فلجؤوا إلى الحيلة والمكر فتظاهروا بمحبة الإسلام وعملوا في الباطن على تخريبه من الداخل، وشكلوا ما يُسَمَّى بحزب المنافقين الذين كان رأس سلسلتهم «عبد الله بن أبي» الذي كان رأس النفاق زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد دبَّر المنافقون حيلةً ومكراً لمحاربة الإسلام تمثلت في أن يدسوا في تعاليمه أقاويل فاسدة وخرافات وأباطيل مما كان بعضه في بعض الأديان الباطلة، وبعضه اخترعوه من عند أنفسهم، ونسبوه للساحة المقدسة لشارع الإسلام.

لقد أخذ هذا الفريق من المنافقين ثقافة الإسلام بأيديهم: فبدأ جماعة منهم يعملون عملهم التخريبي تحت اسم رواة الحديث مثل «كعب الأحبار» اليهودي، في حين عمل آخرون منهم كمفسرين للقرآن، وآخرون باسم الوعاظ، وبعضهم باسم فقهاء الإسلام، وبعضهم عمل عمله التخريبي باسم المؤرخ، فكان جميع هؤلاء مسلحين بسلاح علوم التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وحملوا على الإسلام حملةً عنيفة، ونسبوا إليه كلاماً بشعاً وغير معقول وفعلوا ما لا ينبغي أن يفعلوه.

لقد كان الهدف الأساسي للمنافقين أن يصوروا الإسلام بصورة منكرة غير معقولة ونجحوا إلى حد ما في مسعاهم هذا، وأفقدوا الإسلام ذلك التميُّز الذي كان له على سائر الأديان.

كان الإسلام دين العقل والمنطق والفطرة. كان الإسلام دين التوحيد وعبادة الله وحده وإسقاط جميع الأوثان والأصنام. كان الإسلام دين الفضيلة والأخلاق، ودين الصبر والشجاعة، ودين العلم والعمل الصالح. كان الإسلام شريعة الإنسانية. لقد منح الإسلام البشرية حرية النفس والعلم والعقل. لقد أنقذ الإسلام البشرية من ربقة الكهنة، ونفى الواسطة بين الخلق والخالق. وألغى الإسلام عبادة القبور والأحجار والعبودية لغير الله. وحينما كان أيُّ شخصٍ يُسلم ويعتصم بالقرآن لم يكن بحاجة إلى واسطة بينه وبين الله. وحرّم الإسلام التقليد الأعمى، ونهى عن العمل بالظن.

من المسلَّم به أن هذه التعاليم العالية والرفيعة تغلق أبواب الحوانيت التي يتكسب بها الدجالون باسم الدين، وتسد باب الانتفاع من الدين عليهم. فلا عجب أن يسعى أولئك المنافقون والدجالون إلى المحافظة على منزلتهم الدينية السابقة بين الناس، فيخترعوا في مواجهة كل هدف ومقصد من أهداف الإسلام ومقاصده أحاديث تناقض تلك الأهداف والمقاصد وينشروها في أمة الإسلام وبين المسلمين. ومن هذا الطريق دخلت إلى الإسلام مقالات لليهود والنصارى والصابئين والمجوس، لو أردنا الحديث عنها بالتفصيل لاحتجنا إلى كتاب ضخم.

وهكذا اختلطت أهداف الإسلام وحقائق الدين بتعاليم الأديان الباطلة إلى درجة اضمحلَّ معها التميُّز الجوهري للإسلام عن سائر الأديان، وتشوهت الصورة الحقيقية الناصعة لهذا الدين.

اليوم إذا تأملنا وضع المسلمين جيداً لم نجد بينهم وبين أتباع الملل والأديان الباطلة فرقاً كبيراً في العقائد والأعمال:

 فالصابئون يقدِّسون الكواكب ويؤمنون أنَّ للأيام سعداً ونحساً. وتوجد هذه العقيدة أيضاً بين بعض المسلمين بنحوٍ أشدّ، حيث يدونون كل سنة تقاويم تُعيِّن سعدَ ونحسَ الأيام وينشرونها بين المسلمين وهي إذا دقَّقْنا فيها بمثابة رسالة عملية فقهية لفرقة الصابئين.

والنصارى يطلبون حوائجهم من المسيح (ع) ومريم (ع). والمسلمون أيضاً يطلبون حوائجهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأئمة سلام الله عليهم ومن الأولياء.

واليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً. والمسلمون أيضاَ اتخذوا الأولياء والشيوخ المرشدين أرباباً.

 والمشركون ذبحوا القرابين لغير الله، والمسلمون أيضاً يذبحون القرابين للصالحين من أولاد الأئمة.

المشركون عبدوا الشجر والحجر، والمسلمون أيضاً تبركوا بالأشجار والأحجار.

وأما عدوان المنافقين الآخر على الإسلام الذي يستحق أن يبكي له المسلم دماً فهو نسبتهم أحاديث وأقوال ركيكة ولا معقولة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الهادين عليهم السلام كي يخرج من الإسلام كل من له أدنى عقل. وفي هذه العداوة بلغوا مبلغاً شوَّهُوا به دين الإسلام وصوَّروه بصورة دين مليء بالخرافات والأباطيل بحيث أن كل من تمتَّع بالرشد وحُسن التمييز سيرفض هذا الإسلام حتماً من أول نظرة يلقيها عليه. وذلك كنسبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد الأنبياء والماء سيد المشروبات والباذنجان سيد الخضرواتَ. وكتبوا في الكتب في خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من خصائصه أن أي امرأة نظر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعجبته حَرُمَت على زوجها! وكتبوا في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لمَّا ولد رضع الحليب من صدر أبي طالب مدة سبعة أيام فكان بذلك أخا عليٍّ من الرضاعة!(136). ونسبوا إلى النبي أنه قال إن الأرض على قرن ثور والثور على ظهر حوت يسبح في البحر فكلما هز الثور رأسه وقعت الزلازل في الأرض(137).

كما افتروا على الأئمة الطاهرين افتراءات كثيرة كقولهم مثلاً إن الإمام الصادق قال إن حمرة السماء في بداية الليل التي يطلق عليها اسم الشفق هي دم عليٍ الأصغر ابن الحسين.

وأكثر هذه الأكاذيب فضيحةً كتاب يسمى «ضياء عيون الناظرين» أُلِّفَ زمن الصفويين, وقد وُضِعَ متنه في مقدِّمَة بعض المصاحف المطبوعة في طهران, وكله كفر ومخالفة لتعاليم القرآن ومناقضة لأسس الإسلام, فمما تضمنه خواص نقش خاتم النبوة والنعل المبارك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشكال ورسوم من موضوعات اليهود, ونقلوا خواصاً عجيبة وغريبة لهذه الأشكال والرسومات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين مما يجلب العار للإسلام والمسلمين, فمن ذلك روايتهم عن أمير المؤمنين (ع) في بيان خواص أحد تلك النقوش أنه قال: إن كل من نظر إلى هذا النقش المكرَّم مَرَّةً غُفِرت له ذنوب سبعين عاماً وإذا نظر إليه مَرَّتين عفا الله الكريم عن جرائم أبيه وأمه وغفرها لهما بكرمه، ومن نظر إليه ثلاث مرات غفر الله الغفار الغني ذنوب كل أمة صاحب الرسالة!.

إذا تأملنا جيداً أدركنا أن الذي وضع هذا الحديث عدوٌّ للدين ولأمير المؤمنين، فكل من كان لديه مثقال ذرة من عقل يضحك من هذا الحديث, إذْ ما هي المناسبة بين نظر شخص ثلاث مرات إلى نقشٍ أو رسمٍ وغفران الله لذنوب الأمة المرحومة؟!

وفيه أيضاً طلسم ونقشٌ آخر رووا عن أمير المؤمنين في فضله خبراً يقول إن كل من نظر بعد صلاة الفجر إلى هذا النقش كان كمن حجَّ خمسين حجة مثل حجة آدم ومن نظر إليه بعد صلاة الظهر كان كمن حجَّ ثلاثمئة حجة كحج إبراهيم ومن نظر إليه بعد صلاة العصر كان كمن حجَّ سبعمائة حجة كحج يونس ومن نظر إليه بعد صلاة المغرب كان كمن حجَّ ألف حجة كحج موسى ومن نظر إليه بعد صلاة العشاء كان كمن حجَّ ألف حجة كحج خاتم النبيين!. ويوجد كثير من أمثال هذه الترَّهات والأوهام والكفريات في ذلك الكتاب، وسبحان الله! ما معنى أن ينظر شخص جاهل فاسق إلى شكل أو رسم فيثيبه الله ثواب من حج ألف حجة كحج سيد الأنبياء؟!!

وهناك الكثير جداً من أمثال هذه الأخبار الموضوعة والمكذوبة الكاشفة عن كفر رواتها وعداوتهم للإسلام مما لو أردنا أن نتكلَّم عنه لاحتجنا إلى مجلَّدات ضخام، مما يستحي الإنسان من نقله. ومن الواضح تماماً والبديهي أن هدف واضعي تلك الأحاديث لم يكن سوى الاستهزاء بالقرآن وبشريعة سيد المرسلين:﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (البقرة/15).

فإذا عرفنا ذلك فهل يبقى عاقل في دين الإسلام إذا رأى هذه الأخبار الخرافية والعقائد الفاسدة والأعمال الرذيلة؟

أيها المسلمون! افتحوا أعينكم واستيقظوا من نوم الغفلة؟ واعرفوا دين الإسلام الحقيقي وفرِّقوا بين الحق والباطل كي لا يزول الإسلام وكي يعود الإسلام إلى صفائه الأولي.

لماذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً؟ لأنه قد أصبح ديناً مليئاً بالأوهام والخرافات ولم يبقَ له من الإسلام الحقيقي إلا الاسم؟ فكيف يتوصّل الناس إلى حقيقة الإسلام؟ وكيف يتعرّف الناس على حقائق الدين وشريعة سيد المرسلين مع وجود هؤلاء الدجالين وقطاع طريق الهداية في الإسلام الذين هم من أكبر حماة الخرافات والمروجين لها؟

إن طريق النجاة هو اللجوء إلى كتاب الله وسنة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.

إذا تمسك المسلمون بهذين المشعلين النَّـيِّرَيْن أمكنهم أن يجتازوا صحراء الطبيعة المظلمة ويصلوا إلى منازل السعادة، وإلا فسيبقون فريسةً للدجالين وستكون عاقبتهم الهلاك. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ. وأختم كتابي بهذا الدعاء الشريف من الصحيفة الملكوتية السجادية(138):

«وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوَاتِمِ الْخَيْرِ:

 يَا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ طَاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطِيعِينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْرٍ، وَأَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْرٍ، وَجَوَارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَةٍ. فَإِنْ قَدَّرْتَ لَنَا فَرَاغاً مِنْ شُغْلٍ فَاجْعَلْهُ فَرَاغَ سَلامَةٍ لا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ، وَلا تَلْحَقُنَا فِيهِ سَأْمَةٌ، حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَّابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ ذِكْرِ سَيِّئَاتِنَا، وَيَتَوَلَّى كُتَّابُ الْحَسَنَاتِ عَنَّا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَنَاتِنَا. وَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ حَيَاتِنَا، وَتَصَرَّمَتْ مُدَدُ أَعْمَارِنَا، وَاسْتَحْضَرَتْنَا دَعْوَتُكَ الَّتِي لا بُدَّ مِنْهَا وَمِنْ إِجَابَتِهَا، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْ خِتَامَ مَا تُحْصِي عَلَيْنَا كَتَبَةُ أَعْمَالِنَا تَوْبَةً مَقْبُولَةً لا تُوقِفُنَا بَعْدَهَا عَلَى ذَنْبٍ اجْتَرَحْنَاهُ، وَلا مَعْصِيَةٍ اقْتَرَفْنَاهَا. وَلا تَكْشِفْ عَنَّا سِتْراً سَتَرْتَهُ عَلَى رُءُوسِ الأشْهَادِ، يَوْمَ تَبْلُو أَخْبَارَ عِبَادِكَ. إِنَّكَ رَحِيمٌ بِمَنْ دَعَاكَ، وَمُسْتَجِيبٌ لِمَنْ نَادَاكَ.»(139).

 

الهوامش:

(136) انظر الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج1/ ص 448، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، ح (27).

(137) انظر الشيخ الصدوق، «علل الشرائع»، ج1/ص 1-2. والكُلَيْنِيّ، «الروضة من الكافي»، طهران، انتشارات علمية إسلامية، ج2/ص67-68 وص 127.

(138) كُتيِّب يضم مجموعة من الأدعية مروية عن الإمام السجاد: زين العابدين علي بن الحسين بن فاطمة الزهراء عليهم السلام.

(139) الصحيفة السجادية، ص 62، الدعاء (11).