بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

طـريـق الاتحـــاد

أو

دراسة وتمحيص روايات النص على الأئمة

 

 

بقلم:

حيدر علي قلمداران القمّي

 

 

قدم له:

آية الله العلامة السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي

 

ترجمه عن الفارسية وحققه وعلق عليه

محمود علي زين العابدين

1428هـ-2007 م


 

 

 

 

 

الإهـداء

 

v  إلى أرواح الأئمة الهداة من عترة المصطفى وآل خير الأنام، مصابيح الدجى وأعلام التقى وورثة الأنبياء عليهم السلام.

v  إلى أرواح صحابة خاتم المرسلين، الأبرار الصادقين والأخيار المنتجبين، الذين آمنوا وهاجروا، وجاهدوا وصبروا، وآوَوْا ونَصَروا، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

v       إلى كل ساع وطامح للتقارب والتآلف ووحدة الصفّ بين جميع المسلمين.

المترجم


 

مقدمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد،

فمما لا شك فيه أن كل مؤمن مهتم بأمور المسلمين، يحزنه انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق ومذاهب وطوائف مختلفة وأحياناً متنازعة قد يصل الأمر لحد أن يكفِّر بعضها الآخر، ويقاتل بعضها الآخر، لذا يتمنى الحريصون على وحدة كلمة المسلمين أن يوجد سبيل لإنهاء هذه الخصومات المذهبية أو الحد منها، وذلك عبر نشوء تفهُّم متبادل بين علماء طوائف المسلمين، يتعرّف به كلّ منهم على حقيقة مذهب الآخر، ويتفقون من خلاله على الأصول الأساسية للإسلام، مستقاةً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يعذر بعضهم البعض الآخر في الاجتهادات الفرعية، وفي رؤاهم لحوادث التاريخ الإسلامي، وغير ذلك من الأمور التي لا تمت لجوهر الدين بصلة، ويكون نتيجة ذلك اعتراف كل فريق بإيمان وإسلام ونجاة الفريق الآخر والكفّ نهائياً عن تلقين الأتباعِ كُفْرَ المخالفين أو هلاكَهم في النار، وبذلك تتوحّد صفوف الأمّة وتتآلف قلوب أبنائها تآلفاً حقيقياً لا مصلحياً ظاهرياً، وهو أمرٌ يحتاجه المسلمون أكثر من أيّ وقت مضى في هذا الوقت الذي يواجه فيه المسلمون أعتى التحديات وأشرس العداوة والحروب من أعداء الإسلام وخصومه المعروفين في الشرق والغرب.

ولقد شعر بهذه الحاجة للتقريب الصحيح بين مذاهب الأمة الإسلامية الكبرى - باعتبار أنها نابعة جميعاً في الأصل من الإسلام الحنيف تتحرّك فيه وتتمسّك بأصوله وأن انقسامها لم يكن في الواقع إلا نتيجة لاختلافات أو صراعات سياسية قديمة أكل عليها الدهر وشرب - رجالٌ عقلاءٌ من أهل العلم والفضل وأهل الخير والحرص على الإسلام والمسلمين، فأدركوا ضرورة بذل الجهود لرأب الصدع وإزالة سوء التفاهم الناجم عن جهل أبناء الطوائف الإسلامية ببعضهم البعض، فقاموا بجهود طيبة في هذا المجال، تجَلَّت بتأليف الرسائل والكتب ونشر المقالات حول ضرورة الوحدة الإسلامية، كما تجلّت في دار التقريب التي نشأت في القاهرة - والتي لم تستمرّ لأسباب سياسية - وما كان يصدر عنها من مجلّة تضمّ مقالات ممتازة يكتبها علماء الفريقين، وتلك الموسوعة الفقهية التي جمعت بين دفّتيها آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية، ولا زالت تصدر، ثم تجلّت بمراسلات ولقاءات بين بعض علماء الفريقين السنة والشيعة في العراق وسوريا ولبنان، وفي تجمّع علماء المسلمين في لبنان، وفي دار التقريب التي أنشئت مؤخراً في إيران وفي لبنان وفي ندوات التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تتمّ في بعض الدول العربية والإسلامية سواء في آسيا أو شمال أفريقيا، وفي غير ذلك من الجهود الطيبة المشكورة.

و هذا الكتاب، في رأيي، محاولة طيبة في هذا المجال، من أستاذ فاضل عصامي منصف، من إيران، رأى أن من الأسباب الرئيسية لتباعد وافتراق أتباع مذهبه عن سائر المسلمين، عقيدة النص الإلهي على الأئمة: التي ترى أن الأئمة الاثني عشر من آل البيت عليهم السلام، منصوبون ومعينون من قِبَلِ الله تعالى لإمامة المسلمين السياسية والدينية، مفترضو الطاعة على العالمين بأمرٍ مُنَـزَّلٍ من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالإيمان بهم ومعرفتهم أصلٌ من أصول الدين يساوق أصل الإيمان بالله واليوم الآخر وبنبوّة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، مما يعني بالنتيجة الضرورية، أنه لن تكون هناك نجاة أخروية كاملة لأي مسلمٍ أو لأي إنسان دون معرفة أولئك الأئمة والإيمان بأنهم حكَّام الناس الشرعيين بأمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم معصومون مفترضو الطاعة على العالمين!(1).

فأراد أن يمحِّص صحّة هذه العقيدة ويرى سندها، فتبيّن له أن مستندها مجموعة من الأحاديث والروايات الواهية سنداً ومتناً، المروية من قبل غلاة أو وضَّاعين لا تقوم برواياتهم أي حجة مهما كثرت، ثم تبين له أن القرائن الخارجية من آيات القرآن ووقائع التاريخ وسير الأئمة أنفسهم تؤكد عدم صدور تلك الأحاديث والروايات وبالتالي عدم صحة العقيدة التي انبنت عليها، فضمَّن نتيجة بحثه هذا الكتاب، مبتغياً بذلك إزالة السبب الرئيسي للتباعد العقائدي بين المسلمين من الشيعة الإمامية عن سائر مذاهب المسلمين، وسماه بالفارسية: "شـاهراهِ اتحاد"، أي طريق الاتحاد الواسع، ونشره سنة 1978 م.

و مما يجدر ذكره في هذه المقدمة بأن مؤلف هذا الكتاب - حسبما عرفته شخصياً - كان وبقي إلى آخر حياته شيعي المذهب جعفري الفقه، متيَّماً بعشق الأئمة من آل الرسول رضوان الله وسلامه عليهم أجمعين، وله كتاب يحكي فيه خواطره ولواعجه لدى زيارته قبر سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام وما زرفه من دموع وما ألقاه من خطبة مؤثرة في الصحن الحسيني، وهو يفتخر بأنه جعفري من مقلدي أئمة العترة وأتباع مذهبهم، ويرى أن مذهب العترة هو، بنص حديث الثقلين، أحق المذاهب وأولاها بالاتباع، فلم يكن هدفه من هذا الكتاب - في الحقيقة - نقد أصل التشيع أو ترجيح مذهب آخر عليه، بل المؤلف كان وبقي شيعياً جعفرياً. وهو وإن رأى أن الإمام علياً عليه السلام لم يُنَصَّ بالتصريح والتعيين على حكومته المباشرة أي خلافته السياسية للرسول صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله ورسوله، إلا أنه يرى - كما هو واضح في كتابه هذا - النص على إمامته الروحية، فهو مولى المؤمنين وإمام التقين وملاذ الموحدين ومن تجب محبته ونصرته على كل مسلم، ويرى بأنه أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بخلافته وإمامة المسلمين من بعده، لمقامه ومرتبته في الإسلام التي لا يرقى إليها أحد، كل ما في الأمر أنه رأى أن القول بالنص الصريح، من قِـبَل الله تعالى ورسوله، على إمارته وحكومته المباشرة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وحكومة سائر الأئمة من أولاده إلى يوم القيامة، فكرة لا تثْبُت - في رأيه - وسندها إما روايات غير صحيحة أصلاً أو روايات صحيحة ولكن لا تدل على المعنى المراد.

و لذلك أهيب بكل من يطالع هذا الكتاب، سواء اتفق مع مؤلفه أو اختلف، أن يأخذ بعين الاعتبار قصد صاحبه، وأنه رجل مجتهد يحق له أن يبدي وجهة نظره التي انشرح صدره إليها مستنداً إلى الأدلة والبراهين التي ساقها، ولمن أراد أن يردَّ عليه فله أيضا كل الحق بذلك، فلا كلام المؤلف ولا كلام غيره سيكون الكلمة النهائية في هذا الموضوع الشائك، وعلى أي حال فالكتاب بحث عقائدي روائي فقهي محض وليس له أي غرض سياسي، وفي رأيي أن مثل هذه الأبحاث العلمية، من أي طرف كانت، لا يصح اعتبارها مثيرةً للفتنة، لأنها لا تتعارض أبداً مع الحفاظ على وحدة المسلمين وتماسكهم، ما دامت قد اعتمدت أسلوب البحث العلمي الرصين بعيدا عن الشتائم والتشنج والمهاترات، وكما يقال: الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية.


عملي في الكتاب:

أما عملي في هذا الكتاب فلم يقتصر على مجرد الترجمة فحسب، بل قمت بتوثيق اقتباساته، ورجعت لمصادره العربية لأنقل الاقتباسات من أصولها بعين حروفها، وأحياناً لم يتوفر لديّ نفس المصدر الذي رجع المؤلّف إليه فوثَّقْتُ من مصدر مشابه فيه نفس الاقتباس وأحلت إليه، كما هذَّبت بعض عباراته التي كان فيها شيء من الحدّة أو الألفاظ الساخرة، كما أعدت ترتيب بعض فقرات الكتاب التي رأيتها تحتاج لترتيب، واختصرت قليلاً في بعض المواضع القليلة التي رأيت فيها تكراراً أو خروجاً عن الموضوع، ووضعت لبعض فقرات الكتاب عناوين توضيحية أو أصلحت عنوان بعض فقراته لأن العنوان الذي ذكره المؤلف لم يكن واضح الدلالة على ما تحته، فاخترت له عنواناً أوضح، وأحياناً أضفتُ مثالاً آخر أو وسَّعت الاقتباس حيث رأيت أن اقتباسه كان مختصراً وأن الأولى نقله بتمامه من المصدر لأن ذلك يوضح أكثر فكرة المؤلف قيد العرض. كما ترجمت في الحاشية لأغلب الأعلام المذكورين في المتن.

ومن الجدير بالذكر أنني ترجمت الكتاب من نسخةٍ جديدةٍ أرسلها لي أحد الأصدقاء من إيران وذكرَ لي أن بعض أصدقاء المؤلِّف المرحوم كانوا قد أخرجوها منذ سنتين أو ثلاث مصحّحةً ومنقحةً ومحلاةً بحواشي وإضافات قيّمة كان قد دونها على الكتاب مرجع مرحوم هو آية الله البرقعي (الذي قدم للكتاب أيضاً) والعلامة المجتهد الحسيني، فصارت الحواشي كالتالي:

§  التي لم تٌذَيَّل بأي رمز هي للمرحوم مؤلف الكتاب نفسه أعني قلمداران.

§  والمذيَّلة برمز (ت) هي للمترجم أي راقم هذه السطور.

§ والمذيَّلة برمز (برقعي) هي للمرحوم المرجع آية الله السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي، الذي قدم للكتاب.

§  والمذيَّلة برمز (م) للمرحوم العلامة المجتهد الحسيني (من أصدقاء المؤلف).

والخلاصة أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو دراسة اجتهادية تشارك فيها أكثر من كاتب وإن كان المتن الأصلي هو للسيد حيدر علي قلمداران.

و أخيراً فمما يلزم أن أذكره في هذا المقام أيضاً، أن ترجمتي للكتاب لا تعني، بالطبع، أنني أتفق، بالضرورة، مع المؤلف في كل ما ذهب إليه. غاية ما في الأمر أنني رأيت في كتابه بحثاً اجتهادياً جديداً ووجهةَ نظرٍ شيعية جديرةً بأن تطرح في ساحة الحوار، وكما قلت ليس كلامه آخر المطاف في هذه المسألة، ولا هو أول من ذهب إلى هذا الرأي فيها، فرأي المؤلف في هذه المسألة قريب من وجهة نظر الزيدية من الشيعة ويتفق في أحد مناحيه مع وجهة نظر عامة المسلمين من أهل السنة والجماعة في موضوع الإمامة، ولا شك أن جمهور علماء الشيعة سيختلف معه فيما قاله، ولهم الحق في مناقشته فيما كتب، وأتمنى أن يحصل هذا لأنه إن حصل فسيغني ويثري الفكر الإسلامي في هذا المضمار ويصقل المسألة ويبلورها أكثر، وعلى كل حال للمجتهد إن أصاب أجران وإن أخطأ أجر، والحمد لله على رحمته.

نبذة عن مؤلِّف الكتاب:

و قبل اختتام المقدمة لا بد من نبذة مختصرة عن مؤلف هذا الكتاب، ملخصة من رسالة أعطاني إياها أحد معارفه، فقد ولد المرحوم حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية "ديزيجان" من أعمال مدينة قـم في إيران سنة 1913 م. من أبوين قرويين فقيرين، وبدأ دراسته بتعلم القرآن الكريم في كتَّاب القرية، وكان شغوفاً جداً بتعلم الكتابة والقـراءة وإتقانها، حتى كان يصنع أقلام الكتابة بنفسه لعجزه عن شرائها لفقره، فسمّوه بـ"قلمداران"، التي ترجمتها: صاحب القلم! كما كان كثير الشغف بالقراءة والبحث ومطالعة الكتب الإسلامية منذ صغره، وما لبث - وهو لا يزال في ريعان الشباب - أن قرض الشعر وأصبح كاتباً في عدد من المجلات التي كانت تصدر في عصره في قم وطهران، وعمل في سلك التدريس في مدارس مدينة قم، وكان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، ويردّ على مخالفي الإسلام، ويدعو لإصلاح الأوضاع وإيقاظ همم المسلمين، وقد جمع هذا الاتجاه الديني الإصلاحي بينه وبين مفكري إيران الإسلاميين التجديديين المنوَّرين في عصره لا سيما المرحوم المهندس مهدي بازركان(2) والمرحوم المعلّم الشهيد الدكتور علي شريعتي، ولكن الشخص الذي تأثّر به المؤلف أكثر من أي شخصية أخرى كان المرجع العراقي المجاهد، والمصلح الكبير آيـة اللـه الشيـخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله) الذي كان آنذاك منفياً إلى إيران من قبل السلطات الإنجليزية في العراق، وكان بدءُ تعرُّفِ المرحوم قلمداران على الشيـخ الخالصي (رحمه الله) عبر ترجمته لكتبه التي أعجب بها كثيراً مثل ترجمته لكتاب "الإسلام سبيل السعادة والسلام" وكتاب "إحياء الشريعة" وهو دورة فقهية عقائدية عصرية في المذهب الجعفري في ثلاثة مجلدات، ثم أعقب ذلك مراسلات بينه وبين الشيخ الخالصي، سعى بعدها الأستاذ قلمداران للقاء الشيخ الخالصي وحظي بذلك أكثر من مرة، ولكن المرحوم قلمداران قال لي، وهو يروي قصّة تعرفه على الشيخ الخالصي وأفكاره الإصلاحية، أنه وجد الشيخ الخالصي رغم وافر علمه وجرأته في الحق وإصلاحاته العظيمة قد توقف عند حدود الأصول المسلّمة المجمع عليها لمذهب الإمامية، أمّا هو فلم يجد داعياً - على حد قوله - لهذا التهيُّب، بل تجاوز شيخه ومقتداه الخالصي بخطوات للأمام وخرج عن إجماع الإماميّة في بعض المسائل كقوله بعدم وجوب أداء خمس المكاسب والأرباح في عهد الغيبة، وبأن الأئمة الاثني عشر ليس منصوصاً عليهم من قبل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل هم علماء ربانيون وفقهاء مجتهدون، وأفضل أهل عصرهم وأولاهم بالاتباع والتقليد بنص حديث الثقلين وبالنظر لكفاءاتهم الذاتية وعلو مقامهم وقربهم من جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً ونسباً، وكذلك قال بأنه لا ثبوت لإمامٍ غائبٍ مستترٍ إلى الآن ولا رجعة ولا عصمة مطلقة لأحد إلا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالات ربه، ورأى كذلك، من خلال دراسته لتاريخ زيارة القبور في الإسلام، عدم صحة نصب القباب وإقامة المساجد على أضرحة الصالحين سواء من أئمة آل البيت أو أولادهم وأحفادهم، وخطأ زخرفتها وجعلها معابد لها سدنة وحجاج وطائفين يطوفون بها داعين مستغيثين بأصحابها، وكان يرى ذلك مظهراً من مظاهر الإشراك في العبادة، وأذكر أنه قال لي عندما زرته قبل سبع وعشرين سنة، وهو يشير إلى الضريح الكبير للسيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم في قم (عليهم السلام)، والواقع أمام بيته، أن هذا المزار على الصورة التي آل إليها وما يفعله العوام عنده صار مثل "بتخانه" أي معبد صنم! وقد ألّف في هذا المضـمار كـتاب "راه نجات از شر غلاة " أي: طريق النجاة من شر الغلاة، المؤلَّف من خمسة أجزاء: هي "علم غيب إمام"، "بحث در ولايت وحقيقت آن" (ولم تتيسر طباعتهما)، "بحث در شفاعت" أي بحث حول الشفاعة، "بحث در غلوّ وغاليان" أي بحث حول الغلو والغلاة (و طُبِعا مع بعضهما بكتاب واحد)، و"بحث در حقيقت زيارت وتعمير مقابر" أي بحث حول حقيقة زيارة القبور وتشييد الأضرحة (ولم يطبع أيضاً).

هذا وعلاوة على الكتب التي أشرنا إليها، أفاد المؤلف مسلمي عصره، الذين كانوا يتطلعون للفكر الإسلامي العصريّ الناهض والمتنوِّر، كتباً قيمةً إسلاميةً وإصلاحيةً أخرى نشير هنا لأهم ما طبع منها:

    1.  "آيين دين يا احكام اسلام" وهو ترجمة للفارسية لكتاب "الإسلام سبيل السعادة والسلام" للعلامة الخالصي (رحمه الله) وهو رسالة فقهية عقائدية مختصرة.

    2.  "أرمغان آسمان" أي: هدية السماء، وهو مجموع مقالاته التي كانت تنتشر في جريدة "وظيفة " في طهران.

    3.  "أرمغان إلهي" أي: الهدية الإلهية، وهو ترجمة للفارسية لكتاب "الجمعة" للعلامة الخالصي (رحمه الله) الذي بين فيه الوجوب العيني لصلاة الجمعة في كل الأعصار خلافا لفتوى القائلين بوجوبها التخييري في عصر الغيبة.

            4.  "حج يا كنگره عظيم إسلام" أي: الحج أو مؤتمر الإسلام العظيم.

    5.  "حكومتِ اِسلامي" أي: الحكومة الإسلامية، في مجلدين، وهو من أهم كتب المؤلف، وكان سبَّاقًا لهذا الموضوع في عصره، وقد ذَكَرَ لي أن الشيخ الفقيه المجاهد حسين علي المنتظري كان يقوم بتدريس هذا الكتاب سرَّاً لتلامذته في نجف آباد، وقد أوقع الكتابُ المؤلفَ تحت ملاحقة مخابرات الشاه الإيراني المقبور.

    6.  "بحثي در باره مسائل واجب بعد از نماز" أي: بحث حول أهم واجب بعد الصلاة أي فريضة الزكاة، أثبت فيه وجوب الزكاة في كل أنواع الأموال والزروع والممتلكات وعدم انحصارها في الأجناس التسعة، خلافاً للمشهور من مذهب الإمامية.

    7.  "الخمس" وهو بحث روائي رجالي فقهي ضخم أثبت فيه عدم وجوب أداء خمس أرباح المكاسب في عهد الغيبة، خلافا لمذهب الإمامية الأصوليين.

وتوفي الأستاذ قلمداران عام 1989م. عن عمر ناهز السادسة والسبعين، أفاد فيه المسلمين بدراساته وتحقيقاته القيَّمة فرحمه الله وغفر له وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. هذا ما أردنا ذكره في هذه المقدمة والحمد لله أولاً وآخراً، ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾.

المترجم

5/ شعبان/1428 هـ. ق.


 

تقديم سماحة المرجع آية الله العلامة الفـقيه السيد
أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي
(رحمه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، وصلَّى الله على النبي المكرَّم وآله وأصحابه وأتباعه المؤمنين بكتابه المعظَّم، وبعد:

لا يخفى أن الشيعة الإمامية درجت على اعتبار الإمامة من أصول الدين، واعتقدت أن الأئمة الاثني عشر مفترضو الطاعة، منصوص عليهم ومنصوبون من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) للعالمين، واعتبرت أن من جحد ذلك عَمْداً وعِناداً، خرج عن حقيقة الإيمان وصار محروماً من السعادة الأبدية، ولو كان مؤمناً ببقية العقائد الإسلامية كإيمانه بالله تعالى ورسوله، وقائماً بسائر الفرائض الدينية، وذلك لكونه ينكر أصلاً من أصول الدين ألا وهو أصل الإمامة، بعد أن قامت عليه الحجة فيه.

و مستند الشيعة الإمامية في عقيدتهم هذه، ليس إلا الأحاديث والأخبار التي جاءت في كتبهم وقالوا بتواتر مضمونها تواتراً معنوياً. وإلا فليس في كتاب الله تعالى ذكرٌ صريحٌ ولا خبرٌ عن إمامة الأئمة الاثني عشر، اللهم إلا بالتأويل والتقدير بالقوّة لبعض الآيات، لحملها على مفاد الأخبار الواردة، لكن مثل هذا التأويل، وطبقاً لصريح آيات القرآن، لا يجوز أبداً، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل القرآن كتاباً بيِّناً مفصلاً ونوراً مُبِيْنَاً وهدىً للناس، ويسَّره للذكر واعتبره قابلاً للفهم والتدبر، وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل، ومعنى ذلك كله أن القرآن الكريم كتابٌ واضحٌ بيِّنٌ على المسلمين أن يرجعوا إلى بيانه ويتدبّروا معانيه الظاهرة ويفهموه لكي يميزوا به بين الحق والباطل، فما وافقه من حديثٍ أو خبرٍ قبلوه، وما خالفه تركوه، فيجب فهم معاني الأخبار على ضوء ما يقوله القرآن الكريم، لا أن تُحْمَل آيات القرآن ويلوى عنقها لتنطبق على مفاد الأخبار!

ولذلك، فيجب القيام بدراسة وتمحيص كاملين للأحاديث والأخبار المتعلقة بالإمامة والنصّ على الأئمة، إذ كيف يسوغ لأحد أن يقلّد في أمر هو من أصول الدين وعليه (كما يُقال) مدار السعادة أو الشقاء الأبديين؟ ولكننا نتساءل ابتداءً: إذا كان القرآن الكريم، رغم كونه تبياناً لكل شيء ورغم ذكره لعديد من فروع المسائل العقائدية والفقهية، ليس فيه أيّ ذكر للأئمة ولنصبهم من قبل الله عز وجل حكَّاماً على العالمين، فكيف يمكن أن يعذب سبحانه أو يثيب على شيء لم يُبَيِّنْه؟ وهو القائل جل جلاله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء:15]، والقائل أيضاً: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة:115]؟!

ولذلك منذ مدة مديدة وأنا أفكر بالقيام بدراسة وبحث شامل حول الأحاديث والأخبار المتعلقة بموضوع الإمامة والنص على الأئمة، لأقدم نتيجة بحثي للأخوة والأصدقاء من أهل التحقيق، الطالبين للحق والباحثين عن الحقيقة، إلا أن صعوبة مثل هذا البحث من جهة، والمشاغل الكثيرة من جهة أخرى، والتعصبات التي ليست في محلها، علاوة على الخوف من هجمات المقلدين، كل ذلك حال بيني وبين ذلك العمل، إلى أن قيض الله تعالى لهذا الأمر الأستاذ الفاضل والمحقق المتتبع حيدر علي قلمداران دامت بركاته، الذي يتمتع حقّاً بهمة عالية، رغم كونه مجهولاً بين كثير من معاصريه، فتجشّم عناء هذا البحث، واستطاع، بحمد الله، أن يوفيه حقه، ووضع أمام أنظار القراء، في هذا الكتاب، النتائج القيمة لبحثه وتحقيقه.

ونحن نهيب بكل من يطالع هذا الكتاب أن يتذكر دائما الهدف العظيم لمؤلفه، ألا وهو إزالة سبب أساسي من أسباب الاختلاف والشقاق بين المسلمين وإيجاد الوحدة والتفاهم بينهم، لذا سمى كتابه "طريق الاتحاد".

وندعو القارئ لهذا الكتاب أن يطالعه بروحٍ مشبعة بالتجرد والإنصاف والإخلاص في طلب الحقيقة، بعيداً عن التأثُّر بأفكارٍ أو أحكامٍ مسبقة، وعن التعصّب والعناد، لأن التعصّب والعناد يغشيان على البصيرة ويَحُولان دون رؤية الحقائق، وأحياناً يجرّ التعصبُ الإنسانَ إلى مواقف تخالف مبادئه دون أن يشعر، كما هو حاصل لكثير من عوام الشيعة الإمامية الذين جرّهم تعصّبهم لمخالفة حتى أئمتهم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عديد من أعمالهم وعقائدهم! ومن جملة ذلك تفرقهم وابتعادهم عن سائر فرق المسلمين وإساءة القول في حقهم، وهو أمر مخالف لسلوك وكلام أمير المؤمنين علي عليه السلام (الذي ورد في الخطبة 127 من نهج البلاغة) حيث قال: [...والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة! فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب. ألا ومن دعا إلى هذا الشعار (أي شعار الخروج والتحزب والتفرقة في الدين) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه (أي ولو كنت أنا)].

ولقد كان عليه السلام في حياته تجسيداً حيّاً لهذا المبدأ، فلقد حافظ على علاقة طيبة مع الخلفاء الذين سبقوه وشارك في صلاة جمعتهم وجماعاتهم وقدم لهم معونته الفكرية في حلّ ما طرأ من المستجدات والحوادث، وتعامل معهم التعامل الإسلامي الأخوي الذي تقتضيه الأخوَّة في الإيمان، وليس هذا فحسب، بل سمَّى ثلاثةً من أولاده بأسمائهم، فأحد أولاده سماه عمر بن علي والآخر عثمان بن علي وثالث أبا بكر بن علي، كما هو مسطور في كتبنا ككتاب الإرشاد للشيخ المفيد (رحمه الله) وسائر كتب الحديث والتاريخ، وكذلك زوَّجَ ابنته أم كلثوم من الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه(3)، وكذلك أثناء محاصرة الثوار لعثمان، كان يحمل له الماء بيده وجعل ابنيه الحسن والحسين يلزمان حراسته، كما أنه كان يذكر الخلفاء بكلماته بالخير ولم يكن أبدا فحّاشاً ولا سبّاباً، لا يمنع ذلك أنه كان يرى نفسه أولى وأعلم وأحق وأليق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، إلا أنه مع ذلك لم يعتبر خلافتهم غصباً أو كفراً أو باطلاً!.

ونذكر هنا بعض ما جاء في كتبنا من كلماته عليه السلام عن الشيخين (رضي الله عنهما)، ففي رسالته التي بعث بها إلى أهالي مصر مع قيس بن سعد بن عبادة واليه على مصر، كما أوردها إبـراهيم بن هلال الثقفي فـي كتـابـه: "الغارات" (ج1/ص210) والسيد علي خان الشوشتري في كتابه " الدرجات الرفيعة " (ص 336) والطبري في تاريخ الأمم والملوك (ج3/ص550) قال: [.. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز وجل صلى الله عليه ورحمته وبركاته ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنـَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز وجل رضي الله عنهما].

وفي الخطبة 228 من نهج البلاغة قال عليه السلام عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: [..فلقد قوَّم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلَّف الفتنة، ذهب نقيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرَّها، أدَّى إلى الله طاعته واتَّقاه بحقِّه.]. وجاء كذلك في الخطبة 164 من نهج البلاغة، أنه لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته لهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال: [إن الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وقد رأيتَ كما رأينا، وسمعتَ كما سمعنا، وصحبتَ رسول الله - صلى الله عليه وآله - كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك...] فشهد لهما بأنهما عملا بالحق.

بل أكثر من ذلك، فقد جاء في نهج البلاغة أيضاً (الخطبة 206) أنه لما سمع قوماً له يسبّون أهل الشام (من أتباع معاوية) أيام حربهم في صفين، نهاهم عن ذلك وقال: [إني أكره لكم أن تكونوا سـبَّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصـوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سـبّكم إيّاهم: اللّهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به].

فما أبعد بعض العوام الجهلة من مدّعي التشيع لآل البيت، الذين لا يتحرّجون في مجالسهم ومنابرهم عن الطعن وإساءة القول بحق الخلفاء وأئمة سائر فرق المسلمين، وتكرار ما وضعته أيدي الغلاة المفرقين المثيرين للفتنة بين المسلمين من أحاديث وأخبار، عن سيرة وتعاليم الأئمة الهداة عليهم السلام!.

ومن جملة ما يخالف به فريقٌ من المنتسبين للتشيع لأئمة آلِ بيتِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيرةَ الأئمة عليهم السلام، نسبة عديد من الأحكام الفقهية المخالفة لسائر المسلمين إلى الأئمة عليهم السلام ورفض ما نُقِل عنهم في ذلك مما وافق سائر مذاهب المسلمين بحجة أنهم إنما أفتوا به من باب التقية، فحيثما وجدوا نقلين عن أئمة الآل أحدهما يوافق مذاهب السنة وآخر يخالفها أخذوا بالثاني عملا برواية لا تصح وقاعدة خاطئة تقول "خذ ما خالف العامة!"، هذا مع أنهم هم أنفسهم يقررون بأنـه: «... إنما شرعت التقية لحفظ الدين والمذهب، حتى أن الإمام في حالة هتك الدين ونشر البدعة، يقوم بمحاربة ذلك مقدِّماً روحه في هذا الطريق.. لأن الإمام إنما وجد أصلاً لحفظ الدين، فأهمية بقاء الدين أهم من بقائه. فإذا جاز لعوام الناس ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الواجبات اضطراراً من باب التقية (أي تفادياً لأذى الأعداء الذي لا يحتمل)، لم يجز ذلك أبداً لمن هو في مقام الإفتاء والإرشاد والمرجعية الدينية للناس لأن تقيته ستؤدي لضلال الناس وفساد عقيدتهم... وقد جاءت روايات كثيرة في كتبنا تبين: أن على العلماء وأئمة الدين أن يحاربوا البدع إذا ظهرت ويظهروا علمهم وإلا فعليهم لعنة الله...»(4)، لكنهم عند الإفتاء ينسون هذه القاعدة الذهبية ويحملون كثيراً من أقوال أئمة الآل عليهم السلام التي لا تعجبهم على أنها إنما كانت منهم من باب التقية! فلا يأخذون بها، ولا يفكرون بأن كل عاقل - فضلاً عن أئمة آل البيت العظام - إنما يكفيه، في موضع الخطر والخوف، السكوت، ولا أحد يضطره للإفتاء بعشرات الفتاوى المخالفة لحكم الله تعالى ورسوله وإيقاع أتباعه في الحيرة والضلال!

ومن جملة ما خالف به كثير من عوامّ المتبعين للأئمةِ من آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام أيضاً، ابتداع شعائر وأعمال لا أصل لها في تعاليم الشرع بحجة تعظيم أئمة أهل البيت، واعتبارهم معرفة الأئمة ومحبتهم والاعتقاد بهم كافية للنجاة، في حين أن الأئمة من آل البيت عليهم السلام لم تكن دعوتهم لأنفسهم ولا لتمجيد أشخاصهم، بل كانت دعوتهم، إحياءً لدعوة نبي الإسلام عليه وآله الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله تعالى وتعريف الناس بعقائد الإيمان وتشريعات الدين، وأن طريق النجاة منحصر بالإيمان والتقوى والعمل الصالح لا غير.

وحاصل الكلام أننا نأمل أن يقوم طالبوا الهداية والحق، بمطالعة هذا الكتاب القيِّم ليستيقظوا من غفلتهم، ولا ينخدعوا بتهويلات بعض المغالين، أو بعض المتاجرين بالدين، الذين يسارعون إلى تكذيب وتكفير كل من يجتهد ويبدي رأياً جديداً خلاف المشهور أو يكتب أو يقول كلمة حق، ونهيب بكل من يملك القدرة، أن يساعد على طبع هذا الكتاب ونشره، لينصر بذلك دين الله، ويساهم في إصلاح ذات بين المسلمين، وإزالة أهم سبب من أسباب سوء الظن والعداوة والبغضاء فيما بينهم، تلك العداوة التي لا يعلم إلا الله كم جرت من الويلات على المسلمين وكم أشعلت بينهم من حروب وكم شغلتهم في صراعات وكتابات وعصبيَّات لا طائل تحتها عبر تاريخهم الطويل.

و في الختام نقول، بكلام موجز، إن كتاب الله المنزَّل المبارك، إنما نزل ليبين للإنسان طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وهو إن اكتفى في بعض فروع الدين بالإشارة، موكلاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية تفصيل ما أوجزه وبيانه، فإنه - ولا بد - بيَّن وكرَّر بكل وضوح: أصول الدين وأركان الإيمان التي هي مناط الكفر أو الإيمان وعليها مدار النجاة أو الهلاك، فقال عزّ من قائل: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..  ﴾ [البقرة:285]، وقال أيضاً: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..  ﴾ [البقرة:177]، وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ..  ﴾ [الحديد:19] وقال جلّ شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء:136]. فهذه هي أركان الإيمان التي أمرنا الله عز وجل بالإيمان بها وجعل منكر أحدها كافراً من الضالين وهي أن نؤمن بالله تعالى الواحد الأحد وباليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.

ولم يأت الله عز وجل، في كتابه، الذي وصفه بأنه تبيانٌ لكل شيء، على الإمامة ولا على الإيمان بأئمَّةٍ معينين مخصوصين بأي ذكرٍ، فلا يحقّ لأي أحدٍ بعد ذلك أن يأتي ويزيد هذه الأمور على ما ذكره الله من أصول الدين وأركان اليقين، إذ من البديهي أن لو كان الإيمان بخلفاء أو أئمة معينين (سواء كانوا منصوصاً عليهم ومنصوبين من قبل الله أم غير منصوص عليهم) أمراً أساسيّاً من أمور الدين ومعرفتُهُم شرطاً لازماً للإسلام والإيمان، لَذَكَرَ اللهُ سبحانه وتعالى ذلك بكل صـراحة ووضـوح في كتابه الحكيم، فلما لم يفعل عـُلِمَ أن مـعـرفةَ ذلـك والإيمانَ به ليس من أصول الدين اللازمة. والسلام على من اتبع الهدى.

 

خادم الشريعة
أبو الفضل بن الرضا البرقعي

+                 +                 +


 

تمهيـد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وأتباعه، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

عقل وتفكير جميع بني الإنسان وتجربة وخبرة البشر وليس هذا فحسب بل كذلك وحي خالق العالم وتعاليم الأنبياء والمختارين تدل جميعها بأوضح بيان وأصرح لسان على وجوب الاتحاد ووحدة الكلمة واتفاق الأمة والجماعة واتفاق كل شعب ومجتمع يعيش أفراده بجوار بعضهم البعض، إذ أن بركات الاتحاد ومحاسن الاتفاق أوضح من أن تحتاج لذكر أو بيان، فأدنى ذي شعور يحكم بعظيم فائدتها وحسن عاقبتها. وقد دعا خالق العالم، في آيات متعددة من كتابه المحكم، المسلمين، للوحدة والاتحاد والاجتماع والاتفاق، فقال سبحانه في سورة الأنبياء/92: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ وفي سورة المؤمنون/52: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ فذكّرهم بكلمة التوحيد لتتوحد كلمتهم وتتحد جماعتهم قائلا: بما أنني أنا وحدي ربكم جميعا فكونوا أنتم أيضاً أمة واحدة واعبدوني وحدي جميعا ولا تخافوا إلا إيّاي.

وبرغم أن هيئة ونظام الخليقة بحد ذاته دليل واضح على أن خالقها واحد، وهذه حقيقة واضحة وبرهان متقن، لكن إذا لم تكن ثمرة هذه الحقيقة ونتيجتها توحيد الكلمة والاتفاق، فإن ذلك يعتبر فقداناً كبيراً وخسارةً عظيمةً، تماثل أن نكون عمياناً ونحن بجوار بحر النور، أو عطاشى ونحن بجوار شريعة الكوثر الزلال. لقد حذرنا الحق تعالى من الاختلاف والتشتت ودعا الناس للاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن المجيد ودين الإسلام المبين فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران:103]، وقال كذلك: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران:105]، وقال أيضاً: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام:153]. وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام:159]، وقال كذلك: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13)وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..  ﴾ [الشورى:13-14]. وعلينا أن ننتبه أنه لما أخبرنا الله تعالى عن الكفار أنهم: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ سورة الحشر/14، فمعناه أن المؤمنين عليهم أن يعتبروا من ذلك ويكونوا على خلاف تلك الحال بأن يكونوا متَّحدي القلوب في وحدة حقيقية صادقة، عاملين بحكم قرآن رب العالمين الذي نهاهم عن التفرق وأمرهم بالاجتماع ووحدة الكلمة، لا أن يتحدوا مجرد اتحاد صوري فاقد للحقيقة والأصالة، بل أن تكون وحدتهم متجذّرةً في قلوبهم.

إن التفرقة في الدين مذمومةٌ إلى درجة أن قوم موسى لما عبدوا العجل بتضليل السامري، ورجع سيدنا موسى عليه السلام غاضباً وأخذ بلحية أخيه ورأسه، كان مما قاله سيدنا هارون عليه السلام معتذراً عن عدم تركهم: ﴿ .. إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلي ﴾ [طه:94]. وأخيراً فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه أن التفرق والتنازع والاختلاف في الآراء يؤدّي إلى ضعف شوكة المسلمين وذهاب عزتهم وقوتهم فقال: ﴿ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46].

ويوجد في السنة النبوية ما لا يكاد يحصى من الأحاديث الصحيحة في وجوب الالتزام بالجماعة، من جملة ذلك الحديث المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فارقَ الجَمَاعَةَ قيْدَ شِبْرٍ فقد خلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ إلاَ أن يَرْجِعَ..»(5) والحديث الآخر الذي قال فيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية»(6). ومثل هذا ما جاء في الخطبة رقم 127 من نهـج البلاغة عن سيدنا مولى الموحدين وأمير المؤمنين حيث قال: «والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار التفرقة والانشقاق) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه» أي أنني أنا نفسي أمير المؤمنين لو دعوتكم للفرقة والتحزُّب فاقتلوني! والحقيقة أن السيرة الشريفة لذلك الإمام، نفسها، أوضح دليل على وجوب ملازمة الجماعة واجتناب الفرقة، إذْ إنه عليه السلام رغم كل الحوادث المؤلمة والآلام التي تحملها، بقي دائماً ملازماً لجماعة المسلمين.

 

+                 +                 +


 

أسباب وبواعث اختلاف وتفرّق الأمّة الإسلاميّة

أهم وأعظم علة لتفرّق المسلمين وانشقاقهم، وسبب وقوع الاختلاف والخصومة فيما بينهم، مسألة خلافة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لقد نشأت بذور هذا الاختلاف في صدر الإسلام في الأيام الأولى التي تلت رحلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونمى وقوي فيما بعد بواسطة جهل المسلمين وتعصبهم وتحريك أعداء الإسلام، إلى أن اشتدَّ في القرون التالية قرناً بعد قرن حتى جعل المسلمين أعداء ألدّاء في مواجهة بعضهم البعض وأدى إلى مشاهد مشينة من الحرب والجدال والخصام والاقتتال سوَّدت صحائف التاريخ بالعار إلى الحد الذي أصبحت فيه فرق المسلمين أقدر على الاختلاط والعشرة مع اليهود والنصارى منها على التعايش مع بعضها البعض مع أنهم بنص كتابهم السماوي أخوة متساوون.

ورغم أن غباراً غليظاً مغطياً للحقيقة أوجدته قرون من الجدال والاقتتال، أصبح مانعاً كبيراً وصعباً يحول دون إظهار وجه الحقيقة كما ينبغي وتعرُّف كل فرقة على الأخرى وإعادة المياه إلى مجاريها فيما بينهم، لكننا بعون الله سنقوم بمحاولتنا وسعينا في هذا الطريق مستخدمين كل ما أتيح لنا من طاقة مادية ومعنوية، عسى أن ننير بفضل الله سراجاً نيِّراً في هذا الطريق المظلم الضيق، ونطلع إخواننا المؤمنين، الذين يطلبون الحق ويبحثون عن الحقيقة إلى ما هدانا الله إليه بفضله ورحمته، عسى أن يعودوا لأنفسهم بعد هذا الزمن الطويل وبعد اطلاعهم على حيل وسياسة الأعداء وتذوقهم لمرارة كل تلك البلايا والمصائب التي حلت بهم نتيجة تلك الاختلافات، فيسيروا إلى الأمام نحو العزة والسعادة والشوكة والسيادة ويستعيدوا وحدتهم فيكونوا مصداقاً للآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ ﴾. أما لو لم تؤثر فيهم - لا سمح الله - صخب السيول الجرّارة لكل حوادث التاريخ هذه ولا الأمواج المهلكة لكل أعاصير القرون والعصور هذه، وما تحويه من صفير الإنذار والتحذيرات الصريحة، بل استمرت العصبيَّات الجاهلية والتفرقة القومية والعنصرية التي تغذيها الأهواء ووساوس الشيطان ودسائس الأعداء الماكرين تعمل عملها في إضلالهم، فإننا سنكون معذورين لدى ربنا سبحانه وتعالى بكتابة هذا الكتاب ومأجورين إن شاء الله على سعينا لهذا الهدف وما سنلقاه من آلام نتيجة الاتهامات والسب والبهتان والافتراء بحقِّنا: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف:164].

 

+                 +                 +


 

علة الاختلاف الأصلية

المادّة الأصلية والأساسية لاختلاف الأمة الإسلامية هو - كما قلنا - مسألة الخلافة والإمامة، ومن هذه المسألة تشعَّبت سائر الاختلافات الأخرى، وقد أخذت مسألة الإمامة، بمعنى الحكومة وزمام الأمور، والتي محركها الأصلي لدى أغلب الأفراد ليس إلا حب المقام وحب الرئاسة، في هذه الأمة، شكلاً وصورةً قلّما يوجد لها نظير في الشعوب والأمم السابقة!

كمقدّمة ينبغي القول بأن حبّ العلو والرئاسة أمر فطريّ في كلّ نفس، وكل إنسان يطلب بغريزته التفوق على أقرانه، وإذا تمت هداية هذه الغريزة بشكل صحيح، أمكن أن نستخرج منها أفضل النتائج، وذلك أنه من لوازم وجود وحياة المجتمع البشـري أنه لا يمكن لأي شعب أو أمة أن تستمر في حياتها المدنية دون امتلاك حكومة ونظام اجتماعي، وليس هذا لدى الإنسان فقط، بل إن كثيراً من الحيوانات شعرت بهذا الأمر وأوجدت في حياتها نظاماً وتشكيلات اجتماعية، كما نجد ذلك واضحاً في عالم النمل والنحل والحشرات الآكلة للخشب (النمل الأبيض) وعديد من الطيور والحيوانات الأخرى. ولا شك أن دين الإسلام الذي يحتوي على أفضل القوانين الاجتماعية التي تضمن السعادة الدينية والدنيوية لأتباعه، لم يبق هذه المسألة مسكوتاً عنها ولا مجهولة، بل بيَّن الوظائف والأحكام والأوامر والقواعد في هذا الشأن بشكل إجمالي. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا " الحكومة في الإسلام" الذي طبع في مجلدين فيمكن للراغبين الرجوع إليه لمعرفة هذه الحقيقة.

أما الذي يمكن قوله هنا فهو أنه من المحتَّم واليقيني أن سيدنا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أتى في شريعته الإسلامية المتقنة بمقررات وأحكام وإرشادات تتعلق بمسألة الحكومة وزمام الأمور، ذلك أن دين الإسلام الذي زيَّنَهُ الله سبحانه بوسام ووشاح قوله المقدس: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ لا يمكن أن يكون خالياً من مسائل وأحكام تتعلق بالحكومة والقيادة التي هي من ألزم لوازم الحياة البشرية، بل إن هذا الأمر، كما سيأتي بيانه في محله، هو من أهم أهداف وأقدس أحكام الإسلام.

أما الزوائد والحواشي الناشئة، بلا شك، من أغراض وأمراض عدة من الأعداء المغرضين أو الأصدقاء الجاهلين فلا سبيل لها على الأحكام السماوية والقوانين الإلـهية الواضحة البينة. وسنبين، بمشيئة الله تعالى، كيف أن هذه الزوائد والأهواء المبتدعة قد بدَّلت الصورة الناصعة للأحكام الإلـهية المتعلقة بالحكم والحكومة وحوَّلتها لصورة بشعة مكروهة ينفر منها العقلاء وينزجر منها الأحباء.

إن الذي يعيننا على معرفة وإدراك حقيقة تعاليم الإسلام السامية حول هذه القضية هو دراسة قضية سقيفة بني ساعدة التي وقعت بعد ساعات من انتقال روح رسول الله المقدسة صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى، فإذا تتبعنا ودرسنا ملابسات هذه الواقعة، بدقة مشبعة بطلب الوصول للحقيقة، سندرك، لا محالة، كثيرا من القضايا المهمة، وستظهر الحقيقة لطالبها المخلص رغم كل ما أحاط بها من أغشية.

ولهذا فسننقل للقارئ الكريم في رسالتنا المختصرة هذه، باختصار، قصة سقيفة بني ساعدة التي حضرها وشارك فيها كبار صحابة الرسول المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تتضح حقيقة الأمر لطلاب الحق، إن شاء الله.

 

+                 +                 +


 

بحث عميق في قضية سقيفة بني ساعدة

كانت سقيفة بني ساعدة مكانا يجتمع فيه أهل المدينة ليتخذوا قراراتهم في شؤونهم المهمة من خلال الشورى بين رؤسائهم. وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة اجتمع أهل المدينة، الذين كانوا قد أسلموا دون إكراه ولا إجبار ودعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل هجـرته أن يأتي إليهم وكثيرون منهم أعانوه ونصروه وعرفوا بالأنصار، في هذه السـقيفة، ورشَّحوا "سـعد بن عبادة"(7) زعيم قبيلة الخزرج (إحدى أهم قبيلتين في المدينة)، والذي كان مريضاً، لمنصب الإمامة والخلافة، ولفوه في حصير أو بساط وأتوا به إلى السقيفة كي يأخذوا له البيعة من المسلمين. وسننقل هنا باختصار أحداث هذا الاجتماع من كتب التاريخ الموثقة دون أن نحذف باختصارنا النقاط التاريخية لهذه القصة. ونلفت أنظار القرَّاء في البداية، إلى أن الكتب التاريخية التي ذكرت هذه القصة هي مؤلفات خلَّفها علماء المسلمين الكبار للأمة الإسلامية. وقد دُوِّنت هذه المؤلفات بشكل عام بعد القرن الثاني الهجـري وغالباً في القرن الثالث وما بعده، ونذكِّر أيضاً أنه في ذلك الزمن لم تكن مسألة السنة والشيعة قد تطوَّرت إلى الصورة التي هي عليها اليوم، بمعنى أنه لم يكن التمايز بين الفريقين في الفكر والتراث والتأليفات قد أخذ شكله المتمايز الفاصل الذي صار إليه فيما بعد، ولا كان المؤلفون في مسألة الإمامة قد انقسموا فريقين متخاصمين بعد. والسبب في ذلك أن فرقة الشيعة، التي أصبحت اليوم تختص لنفسها - ولله الحمد - أعداداً كبيرة من المسلمين وأصبح لها دولة ونظام ومؤلفات وتصانيف خاصة بها، إنما كانت في ذلك العهد لا تزال جماعة قليلة العدد ومضطرة - في أغلب أحوالها - للعيش في حالة من التكتُّم والسرِّيَّة، كونها كانت تمثل حزباً معارضاً لحكومة الوقت الأموية، فلم يكن للشيعة من الكثرة والقوة ما يدفع مخالفيهم من علماء ذلك الزمن لتأليف كتب ومصنفات ضدها من باب العناد والخصومة وكتمان الحقيقة، ليختلقوا مثل هذه القصة التي لم يوافَقُ فيها على حق لهم! وأيا كان الأمر فليس بين أيدينا اليوم لفهم الحقائق إلا الكتب والمؤلفات التي بقيت لنا منذ ذلك العهد، ولا يوجد لدينا أي شيء يجعلنا نتشكك أو نرتاب في صحة هذه الكتب والتواريخ، اللهم إلا الاكتفاء بالحدس والظن والتخمين. هذا بالإضافة إلى أننا سنرجع إلى المؤلفات والآثار التي وثَّقها وصوَّبها علماء الشيعة الكبار، لننقل منها أحداث تلك الواقعة بأمانة تامة، ونضعها أمام طالبي الحقيقة.

وأقْدَمُ الكتب في هذا الباب [سـيرة ابن هشـام] المعتمدة من قبل عامة المسلمين والتي ليس لقضية الشيعة والسنة فيها دخل، ومؤلفها "عبد الملك بن هشام المعافري"، وقد استخرج سيرته ورواها عن "محمد ابن اسـحق المطلبي" وهو من مؤرخي القرن الهجـري الأول والثاني، إذْ كانت وفاته في أوائل القرن الهجـري الثاني، وابن هشام نفسه كانت وفاته سنة 213هـ، ورجعنا بعد ذلك لكتاب [تاريخ الإمامة والسياسة] لابن قـُتَيْبة وهو "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري" المتوفى سنة 270 هـ.، ثم [تاريخ اليعقوبي] ومؤلفه "أحمد ابن يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب"، مؤرخ شيعي المذهب توفي سنة 292 هـ.، ثم [مروج الذهب ومعادن الجـوهر] و[التنبيه والإشراف] وهما "لعلي بن الحسين المسعودي"، المعروف بالتشيُّع والمتوفى سنة 345هـ. وليس لأي ممن ذكر مصلحة خاصة في روايته لحديث سقيفة بني ساعدة. ولن نتجاوز في عرضنا لهذه القصة، إن شاء الله، ما اتفقت عليه تلك الكتب الخمسة المذكورة، والتي عرفنا أن ثلاثة منها هي من تأليف مؤلِّـفَيْن شيعيين.

 

+                 +                 +


 

قصـة سـقيفة بـني سـاعـدة

جاء في سيرة ابن هشام: [قال ابن اسحق: قال الزهري: وحدثني "عبد الله بن كعب بن مالك" عن "عبد الله بن عباس" قال: خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا علي، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنتُ أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا، أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له علي: إني والله لا أفعل، والله لئن مُنِعْناه، لا يؤتيناه أحدٌ بعده](8) هذه الرواية ذكرتها أيضاً عدة مصادر تاريخية أخرى(9).

ما اتفق عليه جميع المؤرخين وكتَّاب السيرة هو أنه لما ارتحل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شُغِل أهل بيته بأمر تجهيزه وتكفينه وكان في مقدمتهم حضرة علي بن أبي طالب والعباس عم الرسول صلى الله عليه وآله وأولاد العباس، كما كان حاضراً معهم في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وقد أغلق باب البيت أمام الآخرين. أما بقية المهاجرين وبعض الأنصار مثل أُسَيْد بن حُضَيْر فقد اجتمعوا حول أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ جاءهم رجل، على غير انتظار، يخبرهم أن طائفةً من الأنصار على رأسهم "سعد بن عبادة" قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وأنهم في صدد تعيين خليفة لإمامة وحكومة المسلمين فإن كان لكم بأمر الناس (أي بأمر الرئاسة والحكم) حاجة فأدرِكوا الناس قبل أن يتفاقم أمر الأنصار(10)، عند ذاك ترك عمر وأبو بكر (رضي الله عنهما) حضور مراسم الدفن وأوكلوه لمن له الكفاية لذلك من أهل بيته صلى الله عليه وآله - إذ لم يكن بعد قد فُرِغَ من تجهيزه ودفنه (صلى الله عليه وآله) وكان أهل بيته قد أغلقوا باب بيته (صلى الله عليه وآله) دون الناس - وهرعا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة إثر وقوفهما على خبر اجتماع جماعة الأنصار فيها، وسرعان ما وصلا إلى السقيفة ليجدوا الأنصار قد عصَّبوا "سعد بن عبادة " رضي الله عنه بعصابة وأجلسوه في وسط السقيفة، وكان يخطب فيهم، إلا أن صوته كان ضعيفا لشدة مرضه، فكان ابنه قيس بن سعد، ينقل كلامه جملة جملة بصوت مرتفع للمجتمعين(11).

لما سمع عمر رضي الله عنه قول الناس بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم صعق ولم يستطع تصديق الخبر وامتشق سيفه وصاح: بل إن رسول الله لم يمت وكل من زعم ذلك أدبته بسيفي هذا بل قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن ثانية ليكمل دينه!، أما أبو بكر رضي الله عنه فلما رأى جسد النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد من وفاته، بكى وقبله وقال له بنفسي أنت وأبي وأمي طبت حياً وميتاً، ثم صاح رضي الله عنه في المسلمين المجتمعين في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمصعوقين بهذا الخبر الفاجع، قائلا: [أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت] ثم لما علم بأن الأنصار مجتمعون في السقيفة سارع في الخروج برفقة عمر رضي الله عنهما متجهين من مسجد رسول الله إلى السقيفة.

والآن نعود إلى السقيفة لننقل نص خطبة سعد بن عبادة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه "الإمامة والسياسة"، قال: «فكان مما قاله رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا(12) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرام، وخصَّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ النّاس على من تخلّف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة(13) صاغراً داحراً، حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفَّاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاكم به. قال: فأجابوه جميعا: أن قد وُفِّقْتَ في الرأي، وأصبت في القول، ولـن نعدو، ما رأيت، توليَتَكَ هذا الأمر، فأنت مَـقْـنَع ولِصَالِح المؤمنين رضا»(14).

و بعد أن أكمل سعد كلمته وسكت، أراد عمر رضي الله عنه أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر رضي الله عنه: «...فلما سكت (أي سعد) أردتُ أن أتكلم وقد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه وكنت أداري منه بعض الحد(15)، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هو أوسط العرب نسباً(16) وداراً(17) قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة الجراح، قال (عمر): وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئاً مما قاله (أي أبو بكر) غيرها، كان والله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر»(18).

و قد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبو بكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة رضي الله عنهم فقال: [... وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا (أي عمر وأبو عبيدة) عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش](19).

أما ابن قتيبة فقد أورد - في "الإمامة والسياسة" - خطبة أبي بكر رضي الله عنه بشكل أكثر تفصيلا على النحو التالي [... فتشهد أبو بكر رضي الله عنه وانتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس لنا فيه تبع. ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله، الذين آوَوْا ونصروا. وأنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم أيضاً إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سرّاء وضرّاء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرِّضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد ألا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر رضي الله عنه، أنت صاحب الغار وثاني اثنين وأمَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر](20).

و الآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر رضي الله عنه؟ ذكرت جميع كتب التواريخ والسير أن جواب الأنصار كان - كما يروي ابن قتيبة ـ: [فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم وإنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمــة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. عندئذ قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى خلقه وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخُشُبَاً منجورة، فاقرؤوا إن شئتم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله ﴾ وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس مخالف عليهم، زارٍٍ(21) عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصاراً لِدِينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات(22) دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور.

فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء والنصرة وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم، واللهِ ما عبدوا الله علانيةً إلا في بلادكم ولا جُمِعَت الصلاة إلا في مساجدكم ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر، وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير.

فقام عمر رضي الله عنه فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي لها أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.

فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجْلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم دان لهذا الأمر من لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جزعة(23)، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطَّمتُ أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوءه أبداً. ثم قام أبوعبيدة (الجراح) فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من يبدل ويغير. قال (أي الراوي الذي يروي عنه ابن قتيبة هذا الحديث): وإن بشيرا (و هو بشير بن سعد من أقرباء سعد بن عبادة) لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسدا لسعد، وكان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.

قال (الراوي): ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام على الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عُبيدة الجرَّاح وعُمر فبايعوا من شئتم منهما. فقال عُمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ويتولى هذا الأمر عليك؟ أبسط يدك أبايعك، فلما ذهبا (أي عُمر وأبو عُبيدة) يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عقُّك عِقاقٌ(24) ما اضطرك إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال: لا والله، لكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم، فما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وهو من سادات الخزرج، وما دعوا إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه! فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء، قال أبو بكر: أمِنَّا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم. فقال (عندئذ) سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤون سعدا. فقال سعد (بن عبادة) قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره وتُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب(25) منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابـي، فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولجَّ وليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه(26) لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجماعتهم(27) ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى تُوُفِّيَ أبو بكر رحمه الله ووَلِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخرج (أي سعد) إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله](28).

 

+                 +                 +


 

موقف بقية أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

من المسلَّم به أن أمير المؤمنين علي عليه السلام كان في ذلك الحين مشغولاً بتجهيز جثمان رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أغلق أهل بيته باب البيت وجلسوا في عزائهم، قائمين بأمر غسله وكفنه ودفنه صلوات الله وسلامه عليه وآله، في الوقت الذي كانت تدور فيه حوادث السـقيفة التي انتهت كما رأينا بمبايعة الأنصـار لأبي بكر رضي الله عنه.

ويواصل ابن قتيبة عرضه لما جرى فيقول: «وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار، إلى علي بن أبي طالب، ومعهم الزبير بن العوام رضي الله عنه - وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب فكان يعد نفسه من بني هاشم وكان علي كرم الله وجهه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا - واجتمعت بنو أمية إلى عثمان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر، قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتى(29)، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعتُهُ وبايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيها أُسَيْد بن حُضَيْر، وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام بالسيف فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع، وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا»(30).

 

+                 +                 +


 

كيفية مبايعة أمير المؤمنين علي لأبي بكر

لقد اختلفت الروايات التاريخية في كيفية وزمن مبايعة علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه. فبعض الروايات تحكي أن عليّاً بايع أبا بكر فوراً ودون توقف، كما أخرج ذلك الطبري في تاريخه حيث قال:

«حدثنا عبد الله بن سعيد قال أخبرني عمي قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت: قال: كان عليٌّ في بيته إذ أُتِيَ فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميصٍ ما عليه إزارٌ ولا رداءٌ عجِلاً كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتجلله ولزم مجلسه»(31).

و لكن هذه الرواية منفردة لا يوجد ما يؤيدها، بل المسَلَّم به الذي اتفقت عليه أكثر التواريخ أن علياً عليه السلام كره البيعة وتوقف في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه ردحاً من الزمن إلى أن بايعه في النهاية، حسبما سيأتي شرحه، وذلك - على ما يظهر - بعد وفاة فاطمة عليها السلام. روى ذلك الطبري نفسه في تاريخه المذكور حيث قال:

«وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس. فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت. قال معمَّر: فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهرٍ؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ قال: فانطلق أبو بكر فدخل على عليٍّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك ولا نفاسةٌ عليك بخير ساقه الله إليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليٌّ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فوالله لَقَرَابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما آلوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول " لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال " وإني أعوذ بالله، لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله، ثم قال (علي): موعدك العشيّ للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليّاً ببعض ما اعتذر، ثم قام علي فعظَّم مِن حق أبي بكر رضي الله عنه وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر رضي الله عنه فبايعه. قالت (أي عائشة، وهي التي أخرج الطبري عنها هذه الرواية): فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسـنت، قالت: فكان الناس قريباً إلى عليٍّ حين قارب الحق والمعروف»(32). عند ذاك ذكر الطبري الرواية التي تبين مجيء أبي سفيان لحضرة علي عليه السلام يحرضه على أبي بكر رضي الله عنه ويقول له: [ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ وأيم الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا، قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً].

وجاء في كتاب "الأخبار الموفقيات" (ص 585) أن عليّاً عليه السلام قال في رفضه لعرض أبي سفيان هذا: "لي عهدٌ مع رسول الله ونحن جميعاً ملزمون به".

و روى المسعودي الشيعي في تاريخه "مروج الذهب" قصة سقيفة بـني ساعـدة (في الجزء الأول، ص 412 من طبعة عام 1316 هـ)، كما أورد القصة مختصراً في تاريخه "التنبيه والإشراف" في ص 247 حيث قال: [وبويع أبو بكر في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دُلَيْم الأنصاري ثم الخزرجي، فكانت بينه وبين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة وخطوب عظيمة، وعلي والعباس وغيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه، وكان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدَّ أكثر العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كافر، ومانع للزكاة والصدقة، وكان أعظمهم شوكة وأخوفهم أمرا مسيلمة الكذَّاب الحنفي باليمامة وطليحة بن خويلد الأسدي في أسد بني خزيمة، وقد عاضده عُيَيْنة بن حصن الفزاري في غطفان فوجَّه أبو بكر إليهم وإلى جميع من ارتد من ضاحية مضر، خالدَ بن الوليد...(إلى أن قال في آخر ذلك الفصل) ولم يبايع علي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه إلى أن توفيت (يعني فاطمة) وتُنُوزِع في كيفية بيعته إيَّاه](33).

وبهذا النحو أورد "اليعقوبي"، المؤرخ الشيعي، في تاريخه، تفاصيل قصة سـقيفة بني ساعدة، فقال تحت عنوان: خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر: «واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي رسول الله........(34) يُغْسلُ، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي، وعصَّبَتْه بعصابة، وثنت له وسادة. وبلغ أبا بكر وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح فقالوا: يا معشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منا الأمراء وأنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شمَّاس، وهو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، ولكن قريشا أولى بمحمد منكم وهذا عمر بن الخطَّاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمير هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش.

ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير وبدَّل. وقام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وإن فيهم رجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني، علي بن أبي طالب. فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأُسَيْد بن حُضَيْر الخزرجي، وبايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة، وحتى وطئوا سعدا. وقال عمر: اقتلوا سعدا، قتل الله سعداً!

و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر. فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، ونحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة.

و كان المهاجرون والأنصار لا يشُكُّون في عليٍّ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، وكان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم.

و قام عتبة بن أبي لهب فقال(35):

ما كنت أحسب أن الأمر منصرفٌ           عـن هاشم ثم منها عن أبي الحسنِ

عن أوَّلِ الناس إيـمانـا وسابقـةً(36)       و أعلم الناس بالقرآن والسـننِ

و آخر الناس عهدا بالنـبي، ومَنْ             جبريل عون له في الغَسْل والكفنِ

مَـنْ فيـه ما فـيهمُ لا يمترون به           وليس في القوم ما فيه من الحَسَـنِ

ما ذا الذي ردهم عنـه فتـعلمه             ها إن ذا غبننـا مـن أعظم الغبن(37)

فبعث إليه علي فنهاه(38). وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطَّاب وأبي عبيدة الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً، فحمد أبو بكر اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فوليت ذلك وما أخاف بعون الله وتشديده وهناً، ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وما انفكَّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامَّة المسلمين، يتخذكم لجأً فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك…...(39) عنكم وعلى رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا ومنكم.

فقال عمر بن الخطَّاب: إي والله وأخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتـفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.

فحمد الله العباسُ وأثنى عليه وقال: إن الله بعث محمداً كما وصفت نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ على أمته به، حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده، فخلَّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقاً أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضاً ولا حللنا وسطاً ولا برحنا سخطاً، وإن كان هذا الأمر أنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلَّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلِكَ، فإن رسول الله من شجرةٍ نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.

و كان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قَصيّ، وقال:

بني هاشم لا تُطْمِعوا الناس فيكُمُ              و لا سيما تَيْمَ بن مـرَّةَ أو عـديّ

ما الأمـر إلا فيكم وإليكُمُ                    وليس لهـا إلا أبـو حسنٍ علـيّ

أبا حسن، فاشدد بها كف حازمٍ        فإنك بالأمر الذي يُرْتَجـى مَلِـيّ

وإنَّ أمرأً يرمي قصـيٌّ وراءه           عزيز الحمى، والناس من غالب قصي

وكان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليَّاً فقال: هلمَّ أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم اغدوا على هذا مُحَلِّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر...»(40).

ثم يذكر "اليعقوبي" بعد ذلك فصلا في خلافة أبي بكر يشير فيه إلى أن الأنصار اعتزلوه أول الأمر، فغضبت لذلك قريش فتكلم خطباؤها، وقدِم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج عليٌّ مغضبا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار بخير، وردَّ على عمرو بن العاص قوله(41)، فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت: ما نبالي بقول من قال مع حُسْنِ قول عليٍّ. ثم اجتمعت الأنصار إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب قريشا وسألوه أن يذكر ويمدح في شعره عليّاً ففعل(42).

أما "الزبير بن بكار" فيروي، في كتابه "الأخبار الموفقيات" (الصفحة 58)، ندَمَ كثيرٍ من الأنصار على بيعتهم لأبي بكر على النحو التالي:

«حدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال: لما بويع أبو بكر واستقر أمره ندم قوم كثيرٌ من الأنصار على بيعته ولامَ بعضهم بعضا وذكروا علي بن أبي طالب وهتفوا باسمه وإنه في داره، فلم يخرج إليهم. (أي لم يؤيدهم في ذلك واستمر على بيعته لأبي بكر»(43).

 

+                 +                 +


 

بيعة أمير المؤمنين عليٍّ لأبي بكرٍ كما يرويها ابن قتيبة

ينقل ابن قتيبة في " الإمامة والسياسة" مبايعة الإمام علي لأبي بكر رضي الله عنه على النحو التالي: يقول: «... ثم إن علياً كرَّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لأخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلباً لك شطره(44) واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه(45). فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا ابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقدر على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً واضطلاعا به، فسلِّم لأبي بكر رضي الله عنه هذا الأمر فإنك إن تعش ويطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقـعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لَفِينا فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعَتْهُ الأنصار منك قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه، ما اختلف عليك اثنان(46). وخرج عليٌّ كرَّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلاً في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجكِ وابن عمكِ سبق إلينا قبل أبي بكر رضي الله عنه ما عدلنا عنه، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم»(47).

هذه هي قصة سقيفة بني ساعدة كما روتها كتب السيرة والتواريخ الإسلامية القديمة المعتمدة، ولا خلاف لها فيما روته كتب الشيعة القديمة اللهم إلا النذر اليسير، وليس في أي منها أي ذكر لغدير خم ولا لاحتجاج الإمام علي به!، إلى أن ظهر ذلك في كتاب شيعيّ (متأخر) هو كتاب "الاحتجاج على أهل اللجاج" للطبرسي(48) ضمن رواية، تتضمن خطأ تاريخيا واضحا، حيث يقول: [...فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر رضي الله عنه وقالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمِعَتْهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه ما اختلف فيك اثنان، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسمو له، وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه، ولا علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك يوم غدير خُم لأحد حجة، ولا لقائل مقالا، فأُنشِدُ اللهَ رجلا سمع النبيَّ يوم غدير خم يقول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله" أن يشهد الآن بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً(49) بذلك وكنت ممن سمع القول من رسول الله فكتمتُ الشهادة يومئذ فدعا علِيٌّ علَيَّ فذهب بصري](50).

قلتُ: نسبة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بقضية غدير خم، الذي رواه زيد بن أرقم، إلى عهد أبي بكر، أمر يخالف التواريخ المسلّمة التي يبدو أن واضع هذه الرواية كان عديم الاطلاع عليها، فقد ذكرت المصادر التاريخية الموثقة - (كما جاء ذلك مفصلاً في بحار الأنوار:ج22/ص32، والجزء الأول من كتاب الغدير) - أن استشهاد علي بواقعة الغدير وكتمان أو عدم كتمان زيد بن أرقم(51)، إنما حدث في رحبة الكوفة بعد ثلاثين عاما (من قصة السقيفة) في زمن خلافة أمير المؤمنين أثناء نزاعه مع معاوية، بهدف إثبات أن الحق معه وليس مع معاوية (لا بهدف إثبات النص الإلهي على خلافته!) وبهدف تشجيع المؤمنين على النهوض في قتال ابن أبي سفيان الذي نصب الحرب لعلي بغير حق، فذكَّرهم بواقعة الغدير كدليل وشاهد نبوي قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنصرته وموالاته ومعاداة من عاداه وحاربه: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و..».وليس لهذا أي علاقة بموضوع النص على علي بالخلافة من قِبَلِ الله تعالى.

هذا بالإضافة إلى أن كتاب "الاحتجاج" الذي ذكر في تلك الرواية الضعيفة(52) أن اثني عشر بدرياً قاموا وشهدوا بما استشهدهم عليه أمير المؤمنين، ذكر رواية أخرى تخالفها حيث تبين احتجاج أولئك الاثني عشر (على أبي بكر) دون أن يأت في كلام أي واحد منهم أي ذكر أو احتجاج بغدير خم بل كل ما جاء في كلامهم أنهم بعد استئذانهم من أمير المؤمنين بالكلام قالو له: "يا أمير المؤمنين! تركت حقا أنت أحق به وأولى منه لأنا سمعنا رسول الله يقول: "علي مع الحق والحق مع علي" وهذه الجملة بحد ذاتها لا تؤدي الغرض ولا تثبت النص على عليٍّ بالإمامة، بل أكثر ما يفيده ظاهرها أنه أكثر استحقاقاً ولياقةً بذلك المنصب من أي أحدٍ آخر.

 

+                 +                 +


 

ما جاء في هذا الباب في كتبنا الشيعية

1 - كما ذكرنا، يتفق ما رواه الطبرسي في كتابه الاحتجاج - وهو من كتب الشيعة - عن قصة السقيفة وبيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر، مع ما جاء في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة المقبول عند أهل السنة أيضاً.

2 - كما رُوِيَت قصة السقيفة والبيعة لأبي بكر في كتاب "إثبات الوصية" المنسوب للمسعودي، والذي يعتبرونه من كتب الشيعة المعتمدة، كما نقل عنه ذلك العلامة المجلسي(53) (محمد باقر بن محمد تقي) في "بحار الأنوار"(54) فقال: «واتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله وتحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه بعد الصلاة عليه مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته مثل سلمان وأبو ذر ومقداد وعمار وحذيفة وأُبيّ بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلاً. فقام (أي علي) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق بها من قريش وإن لم تكن في قريش فالأنصار على دعويهم، ثم اعتزلهم ودخل بيته»(55).

و إذا لاحظنا بدقّة ما جاء في هذا الكتاب الذي عنونه صاحبه بـِ"إثبات الوصية" أي الوصية بالخلافة لعلي، لا نجد فيه أي ادعاء من علي بأنه قد نصب لمقام الخلافة من قبل الله ورسوله، بل كان الاستناد في الدعوى لموضوع قبلي فحسب حيث قال: إن كانت الخلافة في قريش فأنا أحق بها من أي أحد من قريش، في حين يجب القول أن عليّاً أولى بها من جميع الناس على الإطلاق لا لكونه منصوباً من جانب الله والرسول بل لكونه أليق وأعلم وأتقى وأسخى وأشجع من سائر الصحابة، وهي الصفات المطلوبة في كل خلفاء المسلمين.

3 - ويروي الشيخ الطوسي(56) في ص 394 من كتابه: "تلخيص الشافي"(57) - (كما نقل ذلك عنه المجلسي في ص 63 من المجلد الثامن من "بحار الأنوار"(58) - قصة السقيفة والبيعة لأبي بكر فيقول: «...عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر الأنصاري قال: أن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نُوَلِّي هذا الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله: سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلامي ولكن تلقَّ مني قولي فأَسْمِعْهم، فكان يتكلم، ويحفظ الرجلُ قولَه فيرفع به صوته ويسمِع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب....(إلى آخر كلامه)»، ثم لما شعر الأنصار باحتمال عدم قبول قريش لذلك قالوا: «منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبداً، فقال سعد بن عبادة لما سمعها: "هذا أول الوهن" وأتى عمرَ الخبرُ فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي في جهاز النبي صلى الله عليه وآله... إلخ.»

و يروي نفس قصة السقيفة التي انتهت بالبيعة لأبي بكر، دون أن نجد في القصة أي كلام عن نصب الإمام علي خليفة من قبل الله ورسوله أو عن قصة الغدير.

و لقد جاءت في بعض كتب الشيعة الأخرى قصص وروايات مختلفة أخرى أيضاً عن قضية السقيفة وموضوع الخلافة والبيعة لأبي بكر ومعارضة علي ورد فعل مؤيدي أبي بكر تجاه معارضة علي وسنتعرض لهذه الروايات في حينها إن شاء الله. أما ما يلزم التذكير به هنا، أنه خلال حادثة السقيفة والمحاججات التي جرت فيها وبعدها (طبقاً لما روته كتب الشيعة والسنة)، لم يأت أي ذكر لقضية غدير خم أو لكون علي منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة وخلافة الرسول، لا مِنْ قِبَل أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا من قِبَل المتحزِّبين لعليٍّ، مع أن المدة بين حادثة غدير خم ووفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تزد عن 70 يوماً فقط! حيث أن قضية الغدير - طبقاً لكل التواريخ ولإجماع الشيعة - وقعت في 18 من ذي الحجة سنة 10 للهجـرة أثناء عودة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجة الوداع، مع اتفاقهم على أن وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقعت في 28 من صفر سنة 11 للهجرة(59).

فلو أن حادثة الغدير كانت حقَّاً على النحو الذي يدَّعيه المدَّعون من أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام خطيباً في غدير خم، فيما يزيد على مائة ألف من أصحابه الذين جاؤوا معه لحجَّة الوداع، فخطب بهم خطبةً طويلةً مفصّلةً نصب فيها عليّاً خليفة له وإماماً للمسلمين وأخذ له البيعة من الحاضرين جميعاً، بل حتى في بعض الروايات الشيعية أنه توقف في ذلك المكان ثلاثة أيام، ليأخذ البيعة له من جميع أفراد الأمّة حتى من النساء، وأن حسان بن ثابت أنشد أبياتاً من الشعر في هذه المناسبة(60)، بالإضافة إلى قولهم إن رسول الله ذكَّرَ أكثر من مرَّةٍ بنصبه للإمام علي - بأمر الله تعالى - أميراً وخليفة له عليهم، وأكَّد ذلك الأمر حين وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ليزيده استحكاماً، ورغم كل ذلك وبمجرد وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يأْبَهْ أصحابه - باستثناء قلة نادرة لا يزيد تعدادها على أحسن الأقوال عن أربعين رجل - لكل هذه التأكيدات والأوامر الإلـهية ولم يُعِيْروها أي اهتمام ولا أشاروا إليها أدنى إشارة، بل سارعوا للعمل على اختيار خليفة من بينهم، ففي البداية رشّح الأنصار وأهل المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتحركوا لنصبه فتقدَّم المهاجرون بدورهم وقَلَبوا الأمر على الأنصار معتبرين أنفسهم أليق وأحق بمقام الخلافة منهم وحازوا فعلا منصب الخلافة بعد احتجاجاتهم التي تقدم ذكرها، ولم يأتوا في كل ذلك بأي ذكر على الإطلاق للإمام علي وخلافته المنصوص عليها ولا لقضية غدير خم وأخذ الرسول البيعة منهم لعليّ؟؟! إنها قصة يصعب على العقل قبولها وتخالف منطق الأمور ويصعب أن تجد لها نظيراً في التاريخ. إذ كيف يمكن لمائة ألف أو يزيدون، اجتمعوا في مكان واحد أمر على هذه الدرجة من الأهمية كالبيعة التي لها عند المسلمين والعرب بشكل خاص أهمية لا يضاهيها في أهميتها شيء، أن يتناسوها تماماً أو يجحدوها بعد سبعين يوم فقط لدرجة أن أحداً منهم لا يذكر شيئاً منها طوال عمره؟ إن مثل هذا الاتفاق لم يحدث في أي ملة من الملل.

والأعجب من ذلك أنه حتى أولـئك الأربعين شخصاً مورد الادعاء الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لم يتكلموا أبداً عن شيء اسمه نصٌّ على عليٍّ عليه السلام أو تعيين له من قبل الله ورسوله ولا احتجوا أصلاً بشيء من هذا القبيل، بل لم تكن حجتهم إلا أنهم اعتبروا عليّاً أحق وأولى بهذا المقام، وحتى أولـئك البدريين الاثني عشر الذين احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه - طبقاً لما ذكره الطبرسي في كتابه الاحتجاج - واعترضوا على خلافته، لم يحتجُّوا بغدير خم. وكذلك لم ينقل عن أحد من الذي انفصلوا عن القافلة المتجهة للمدينة - بعد سماعهم خطبة الغدير - وانطلق كل منهم في طريقه إلى موطنه، ولم يكن لهم دوافع المهاجرين المقيمين في المدينة، لم يسمع عن أحد منهم اعتراضاً عندما وصل إليهم نبأ اختيار أبي بكر للخلافة أو تعجباً من أنه كيف صار خليفة مع أن علياً هو الذي نصبه الرسول صلى الله عليه وسلم للخلافة؟ لماذا لا نرى في كتب التاريخ أي أثر لمثل هذا الاعتراض أو رد الفعل؟!

مثل هذا الاتفاق على الكتمان والتوحُّد على النسيان الذي ادُّعي حصوله في أمة الإسلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس له حقاً نظيرٌ في أي أمة في التاريخ! والأعجب من ذلك أن علياً عليه السلام نفسه أيضاً لم يُشِر إلى شيء من هذا الباب عند إعراضه في بداية الأمر عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ولا احتج به! فهذا كله يضع علامات سؤال كبيرة حول كون واقعة الغدير كانت فعلاً نصَّاً نبوياً صريحاً وأمراً إلـهياً يفرض الإمارة الزمنية أي الخلافة السياسية المباشرة لعليٍّ عليه السلام على المسلمين.

 

+                 +                 +


 

نظرة إلى روايات ارتداد جُلِّ أصحاب الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج الشيخ المفيد(61) في كتابه الاختصاص بسنده: «عن محمد بن الحسن الصفَّار عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عمرو بن ثابت: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثاً: سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري، إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء أربعون رجلاً إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: لا والله لا نعطي أحداً بعدك طاعة أبداً، قال: ولم؟ قالوا: إنا سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك يوم غدير [خم]، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غدا مُحَلّـِقِين، فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة! قال: وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر، فضرب يده على صدره ثم قال له: ما لك أن تستيقظ من نوم الغفلة، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد؟»(62).

قبل أن نتعرض لرواة هذا الحديث المفترى، من الضروري أن ننبه إلى أن متنه يتضمن إشكالا كبيراً جدا لا يتفق حتى مع الروايات التاريخية المسلمة عند الشيعة، ذلك أنه لم يذكر في عداد الذي استثناهم من الارتداد، العباس بن عبد المطلب عم علي عليه السلام ولا أبناء العباس عبد الله والفضل وقُثَـم، ولا خالد بن سعيد بن العاص والبراء بن العازب وحذيفة بن اليمان وأبو الهيثم التيهان و... والكثيرين الآخرين الذي تروي نفس كتب الشيعة أنهم كانوا - في موضوع الخلافة بعد رسول الله - من المؤيدين لخلافة علي ومن المخالفين - في ابتداء الأمر - لخلافة أبي بكر، لدرجة أن بعضهم اعتصم في بيت فاطمة عليها السلام إظهاراً لرفضه وعدم رضائه عما تم(63)! فما ندري ما هو ملاك الارتداد وعدمه عند واضع هذا الحديث؟؟! فإن قيل إن هؤلاء إنما اعتبروا مرتدين لأنهم إنما أيدوا عليّاً لسبب آخر غير الاعتقاد بأنه منصوص عليه؛ لوجب إذن في هذه الصورة اعتبار سلمان والمقداد أيضاً من المرتدين لأنهم - كما سنرى فيما بعد(64) - لم يكونوا يعتقدون بالنص على علي! أما لو كان ملاك الإيمان وعدمه (أي الارتداد) هو مساندة وتأييد خلافة علي وعدمه، فإن عدد غير المرتدين لا يتناسب مع عدد الثلاثة أو السبعة المذكور في الحديث! حقا إن حبل الكذب لقصير كما يقولون. والآن لنأت لفحص سند هذا الحديث وأضرابه:

إن راوي هذا الحديث الموضوع المكذوب هو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" الموصوف عموماً في كتب رجال الشيعة بأنه: [كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يُعْتَدُّ بروايته].

1- أما رواة ورجال هذا الحديث من أوائل علماء الشيعة بعد الغيبة فلن نبحث فيهم الآن وسنبدأ من "موسى بن سعدان"، الذي عرَّفَتْه كتب الرجال الشيعية بما يلي:

 أ - في كتاب "الرجالللنجاشي(65)، في الصفحة 317: [موسى بن سعدان الحناط، كوفي روى عن أبي الحسن في مذهبه غلوّ.]

ب - في كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي(66) قال: [(غض)(67) موسى بن سعدان الحناط: كوفي روى عن أبي الحسن، ضعيف في مذهبه غلـوّ.]

 ج - في كتاب "خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" للعلامة الحلي(68): جاء ذكر موسى بن سعدان في الصفحة 375 من القسم الثاني من الكتاب المخصص للضعفاء والغلاة وقال عنه الحلي: [ضعيف في مذهبه غلو].

د - في كتاب "الرجال لابن داوود الحلي(69): ذكر المؤلف اسمه في الصفحة 545 في عِداد الضعفاء والمجروحين والمجهولين.

هـ- وأخيراً ذكره الشيخ محمد طـه نجف(70) في الصفحة 376 من كتابه "إتـقان المقال في أحوال الرجال" في القسم الثالث المخصص للضعفاء.

2 - أما عن الحال الوخيمة للمدعو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" فجاء ما يلي:

أ- قال النجاشي عنه في الصفحة 167 من كتابه الرجال: [عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، كذاب غال يروي عن الغلاة، لا خير فيه ولا يُعتَدُّ بروايته]

ب- وقال القهبائي في الصفحة 34 من الجزء الرابع من كتابه "مجمع الرجال": [(غض) عبد الله بن القاسم البطل الحارثي، كذاب، غال، ضعيف، متروك الحديث، معدولٌ عن ذكره. وأيضا عن (الغضائري): عبد الله بن القاسم الحضرمي: كوفي ضعيف أيضاً غال متهافت لا ارتفاع به.]

ج- وقال الشيخ الطوسي في الصفحة 357 من كتابه "الرجال": [عبد الله بن القاسم الحضرمي، واقفي].

د- ويقول العلامة الحلي في "الخلاصة": [عبد الله بن القاسم الحضرمي من أصحاب الكاظم واقفي، وهو معروف بالبطل وكان كذابا، روى عن الغلاة، لا خير فيه ولا يُعتَدُّ بروايته وليس بشيء ولا يُرْتَفَع به].

هـ- وقال ابن داود في "الرجال": [عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، واقفي كذاب غال يروي عن الغلاة ولا خير فيه ولا يعتد بروايته، ليس بشيء].

و- وقد وُصِفَ بعين هذه الأوصاف في "إتقان المقال" لطـه نجف (صفحة 361) و"نقد الرجال" للتفرشي(71) (الصفحة204) و"منهج المقال" للميرزا الإسترآبادي(72).

3- أما عمرو بن ثابت الذي روى عبد الله هذا، عنه، هذا الحديث:

أ- فقال عنه القهبائي في مجمع الرجال (ص 257): [(غض) عمرو بن ثابت بن هرمز أبو المقدام مولى بني عجل، كوفي ضعيف جدا].

ب- وذكره العلامة الحلي في الصفحة 241 من "خلاصة الرجال" في القسم الثاني المخصص للضعفاء وقال: [عمرو بن ثابت ضعيف جدا، قاله الغضائري]، أما باقي كتب الرجال فقد توقفت في شأنه، وعلى أي حال يكفي للحكم بوضع وكذب ذلك الحديث وجود عبد الله بن القاسم الكذاب في سنده.

وهناك رواية أخرى في هذا الباب أخرجها أيضاً المفيد في كتابه المذكور نفسه فقال: [عن الحرث بن المغيرة قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله عليه السلام فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذا؟ فقال: إي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون، قلت: أهل الشرق والغرب؟ قال: إنها فُتحت على الضلال، إي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر: سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد، ولحقهم عمَّار، وأبو ساسان الأنصاري، وحُذَيفة، وأبو عمرة فصاروا سبعة](73).

قلتُ: أصل هذه الرواية عند الكِشِّي(74) في كتابه "الرجال"(75) (ص 13) بالسند التالي: «محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن الحسن بن فضال قال: حدثني العباس بن عامر وجعفر بن محمد بن حكيم عن أبان بن عثمان عن الحرث بن المغيرة البصري قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله..إلخ الحديث بعينه»(76)

 

فلنر حال رجال سندها:

أما "علي بن الحسن بن فضال"، فقد بينا في كتابنا الزكاة(77) سوء حاله وطعن علماء الرجال فيه وتضعيف فقهاء الشيعة له، إلى درجة أن صاحب "السرائر"(78) قال عنه في باب تقسيم الخمس من كتابه (الصفحة 115): [واقفي(79) وكافر وملعون! هو وأبوه رأس كل ضلال].

أما "جعفر بن محمد بن حكيم"، فقد ذكر الشيخ الماماقاني(80) في الصفحة (223) من كتابه "تـنـقيح المقال" عن رجل من أهل الكوفة أنه قال: [و أما جعفر بن محمد بن حكيم فليس بشيء!].

و أما "أبَّان بن عثمان":

أ- فقال عنه العلامة الحلي في الصفحة 21 من الخلاصة أنه [فاسد المذهب لأنه من الناووسية(81)].

ب- وقال المحقق الحلي(82) في كتابه "المعتبر": [في أبَّان بن عثمان ضعفاً].

ج- كما اعتبره الكشي في كتابه "الرجال" (الصفحة 3) من الناووسية.

د- ونقل فخر المحققين(83) عن أبيه العلامة الحلي أنه كان يقول: [الأقرب عدم قبول روايته لقوله: إن جاءكم فاسـقٌ بنبأ فـتبيَّنوا، ولا فسق أعظم من عدم الإيمان].

كذلك أورد المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص 47) نقلا عن رجال الكشـي: «عن علي بن الحكم عن ابن عمـيرة عن أبي بكر الحضـرمي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ارتدَّ الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر والمقداد!. قال: قلت: فعمّار؟ قال (أي أبو جعفر الباقر) قد كان حاص حيصةً ثم رجع...»(84).

سند هذا الحديث أيضاً ليس بأحسن حالا من سند الحديثين السابقين، ومن المسلم به أن مثل هذه الأحاديث، من وضع الغلاة بل ربما تكون من وضع أعداء الإسلام، ليس لإثارة العداوة وبث الاختلاف والفرقة بين المسلمين فحسب بل ربما بهدف اجتثاث جذور الإيمان بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالقرآن الكريم أي برسالة الإسلام من الأساس، كما سيأتي توضيح هذا المدعى عن قريب.

فبالإضافة إلى السند الواهي لتلك الأحاديث، كما رأينا، فإن متنها أيضاً موضع إشكال كبير، لأنه يتعارض مع صريح آيات القرآن وحكم العقل والوجدان، ذلك أن رب العالمين، مدح وأثنى على مسلمي الصدر الأول، أعني أصحاب النبي المختار الذين يشكل المهاجرون والأنصار أعلامهم وزبدتهم، في أكثر من خمسين آية من آيات القرآن، كما أن سيرة وحياة أولـئك الكرام تدل على أن عامتهم إنما دخلوا في الإسلام عن إيمانٍ قلبيٍّ ورغبةٍ صادقةٍ، وقدموا في سبيل نصرته أكبر التضحيات إلى حدّ بذل الروح وترك الديار والعشيرة والأقرباء والهجـرة والبعد عن الوطن واللجوء لبلدان مخالفة لدينهم كما لجأ المهاجرون إلى الحبشة التي كانت بلدا نصرانيا مخالفا للإسلام ظاهرا، وكم من المصاعب والمشقات تحملوها في سبيل إيمانهم وعقيدتهم وإسلامهم مما سيأتي شرحه عن قريب إن شاء الله. فكيف يجتمع هذا، مع القول بأن مثل أولـئك الرجال المؤمنين الأبطال، لم يهتمُّوا بعد رحلة رسول الله بنصّ الله ولا بأمر رسوله الصريح الواضح، بل تحدوا كل ذلك وجحدوا حق عليٍّ القطعي والمعين من الله، وأعطوه لأبي بكر، ولماذا؟ لا لأجل شيء أبداً سوى لسواد عيني أبي بكر رضي الله عنه - كما يُقال (!)ـ، حيث لم يكن لأبي بكر رضي الله عنه آنذاك أي قوة مادية أو سلطان قبائلي أو قوة عشائرية أو ارتباط (ودعم) من دولة أجنبية! أي أنه لو فرضنا أنه كان لأبي بكر رضي الله عنه مصلحة في القضية، فما هي مصلحة أصحاب رسول الله الكرام من الأنصار والمهاجرين في أن يصرفوا الخلافة عن صاحبها الشرعي ويعطوها لغيره؟!.

وقد حاول بعض العلماء حل هذا الإشكال وتبرير صرف الأصحاب الإمارة عن علي بأن سببها يعود لكون عليٍّ كان قد قتل عددا كبيراً من المشركين العرب في معارك فجر الإسلام إبان حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم حتى كانوا يسمُّونه (قـتَّال العرب)، فلم يكن بيت من بيوت العرب لم يصب بأحد أفراده على يده عليه السلام، لهذا السبب عملت الأحقاد والثارات التي بقيت في الصدور عملها بعد رحلة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعلت الكثير من أصحابه يغمضون أعينهم عن نص الله ونصوص رسوله على عليّ، ويغصبون حقه في الإمارة والخلافة، وقد يبدو هذا الحل مقنعاً في البداية لكنه عند التحقيق والتمحيص يتبين أنه ادعاء يفتقر إلى أساس علمي صحيح ويتناقض مع الشواهد التاريخية، ذلك لأن علياً عليه السلام إذا كان قد قتل كثيراً من المشركين فإن أيا ممن قتلهم لم يكن من ذوي المهاجرين والأنصار الذين كانوا هم المؤسِّـسين لبيعة أبي بكر رضي الله عنه، وحتى لو فرضنا أن بعض المهاجرين كان لهم أقرباء قَتَلَهم عليّ عليه السلام - مع أننا لا نعلم أحداً كذلك - فإنه من المحال أن يحقد المؤمنـون المهاجرون - الذين كانوا هم أنفسهم يقتلون آباءهم وإخوانهم بأيديهم في سبيل رضا الله ولبقاء الإسلام - على عليٍّ لقتله بعض قرابتهم من المشركين!

نعم كان عليٌّ قد قتل من كفار قريش بعضاً ممن التحق أقرباؤهم بالنهاية بالمسلمين، ومثل هؤلاء يحتمل أن يكون قد بقي في صدورهم حقد تجاه ذلك الجناب، ومن أعلام هؤلاء أبو سفيان الذي قتل عليٌّ أبا زوجته وأخاها؛ لكن مثل هؤلاء لم يكن لهم حق ولا دور في انتخاب الخليفة لأن ذلك الحق كان خاصّاً بالمهاجرين والأنصار ومجاهدي بدر وأحد وما كان لأولـئك الطلقاء أن يدخلوا في صفوفهم، هذا بالإضافة إلى أن أبا سفيان كان على العكس، من الذين عارضوا بيعة أبي بكر وتحزَّبوا - حسب الظاهر - لعلي!

إذن، القول بأن المهاجرين والأنصار، الذين كانوا المؤسسين للبيعة لأبي بكر، قد أنكروا نصاً إلـهياً على علي عليه السلام، ولم يذكروا اسمه في هذه القضية عمداً وارتدوا بذلك بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر - (مع أن اثنين من أولـئك الثلاثة ليسا لا من المهاجرين ولا من الأنصار!) - قولٌ لا ينسجم مع آيات القرآن، ولا أعتقد أن أيَّ مؤمن يسمح لنفسه بمعارضة القرآن ومخالفته.

 

+                 +                 +


 

الآيات التي نزلت في مدح أصحاب الرسول
(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

1- قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ الله وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:99-100].

يقول الشيخ الطوسي عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره "التبيان": [أخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الإيمان بالله ورسوله والإقرار بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وإلى الحبشة ومن الأنصار الذين سبقوا أوَّلاً غيرهم إلى الإسـلام من نظرائهم من أهـل المدينة والذين تبعوا هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الإسلام بعدهم وسلوكهم منهاجهم...](85).

قلت: أيُّ مؤمنٍ بالـقـرآن يمكنه - بعد أن يرى هذه الآيات الطافحة بالبشـارة بالرحمة والرضوان والوعد بالجنة والفوز العظيم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أنفسهم المؤسسون الأصليون لبيعة أبي بكر رضي الله عنه في السقيفة - أن يصدق مثل ذلك الحديث القائل:[ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!

الآن لنر بعض أولئك المهاجرين الذين كانوا في بيعة السقيفة وبايعوا أبا بكر رضي الله عنه وبقوا أوفياء لبيعتهم، ممن مدحهم الله تعالى في هذه الآيات: فأحدهم "عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب" رضي الله عنه من بني سعد، كان من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، وكانت هجـرتهم أول هجـرة في الإسلام، واستشهد في معركة القادسية في خلافة عمر رضي الله عنه مجتهدا في سبيل الله تحت إمرة سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه(86)، ومنهم "هبَّار بن أبي سفيان بن عبد الأسد بن مخزوم" رضي الله عنه وقد استشهد (على أصح الأقوال) في معركة أجنادين في الشام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه(87)، ومنهم أخو هبار الأخير "عبد الله بن سفيان" رضي الله عنه الذي استشهد في الشام في معركة اليرموك في خلافة عمر رضي الله عنه(88)، وغيرهم الكثير ممن لا يتسع المجال هنا لشرح حالهم.

2- ويقول سبحانه: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أبداً إِنَّ الله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة:20-22].

فكيف ينسجم القول بارتداد الكثير من الأصحاب بعد رسول الله مع هذه الآيات البينات؟! ولكي نعرف من هؤلاء الموعودون بهذا الثواب العظيم نأتي بآيات أخرى تضمنت نفس العبارات والألفاظ:

3 - يقول الله رب العالمين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [الأنفال:72]. فهؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، هل هم إلا المهاجرون إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم المجاهدون مع رسول الله؟ وكذلك الذين آووا ونصروا، هل هم إلا أهل المدينة؟ أي أنهم مؤسسو بيعة السقيفة أنفسهم. فهل هؤلاء ارتدوا على أعقابهم كفاراً بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! لنسمع إجابة سورة الأنفال هذه نفسها على افتراء أولـئك المفترين وأعداء الإسلام والمسلمين، حيث يقول سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال:74]. الله الخالق، الذي يعلم الظاهر والباطن، يقول"أولـئك هم المؤمنون حقاً"، ولكن كتابي "الاحتجاج على أهل اللجاج" و"البرهان" في تفسير القرآن (لمؤلفيهما: الطبرسي(89) والبحراني(90) على الترتيب) مليئان مع الأسف بروايات الغلاة التي تقول: أولـئك ارتدُّوا بعد رسول الله إلا ثلاثة! ومن المفارقات العجيـبة أن اثنين من أولـئك الثلاثة لا تشملهم الآية الكريمة من ناحية الهجـرة والجهاد بالمال وإيواء المهاجرين! لأن سلمان وأبا ذر لم يكونا لا من المهاجرين ولا من الأنصار، فلا هم من الذين أُخْرِجوا من ديارهم وأُجبِروا تحت ضغط العذاب والفتنة في الدين على ترك أهلهم وديارهم ووطنهم، ولا هم من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله، لأنهم كانوا فقراء، ولا هم من أهل المدينة الذين آووا ونصروا المهاجرين، وهذا أمر لا يخفى على من له معرفة بتاريخ الإسلام وسيرة أولـئك الكرام، إذ لكل منهم تاريخ معروف وسيرة واضحة يُعْلَم منها أنهم لم يكونوا من المهاجرين ولا من الأنصار(91)، وإليكم نبذة من سيرتهم:

1 - أما سلمان الفارسي رضي الله عنه فكان من أهل أصفهان وترك وطنه وابتعد عن أهله بحثاً عن الدين الحق، ولم يكن عند ذاك متشرِّفاً بنعمة الإسلام بعد، لذلك لا يصـح اعتباره مصـداقاً لقوله تعالـى: "الذين آمنوا وهاجروا"، ثم سكن آخر الأمر في المدينة حيث صار عبداً لامرأة أو رجل يهودي، ثم اشتراه نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد وأعتقه(92). لذا فإنه رضي الله عنه ليس فقط لم يكن مصداقاً واضحاً لـ﴿ الذين آمنوا وهاجروا ﴾ بل كذلك لم يكن مصداقا لـ ﴿ وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ (93)، ولما لم يكن من الأنصار أيضاً، لم يكن مصداقاً لبقية الآية أي لـ﴿ الذين آووا ونصروا ﴾. وهذا لا يمنع أنه كان على أعلى درجات الإيمان بل كان في قمة الإيمان رضي الله عنه وأرضاه.

2 - وأما أبو ذر رضي الله عنه فكان من قبيلة غفار، وبعد أن بُعِثَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واشتهر نبؤه بين العرب ووصل خبره لأبي ذر، ذهب إلى مكة ليستطلع الأمر بنفسه، فلقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأسلم، وأمَرَه رسول الله بكتمان إيمانه والعودة إلى بلده إلى حين قوة الإسلام، فلما هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة لحق به أبو ذر رضي الله عنه طائعا مختارا دون أن يضطره أحد إلى الهـجـرة من وطنه(94).

3 - وأما المقداد رضي الله عنه، فمع أنه من السابقين الأولين الذين آمنوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكة، إلا أن هجـرته تمَّـت بطريقة خاصة وهي أنه لما خرج كفار مكة لقتال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن معه من المسلمين في المدينة، خرج المقداد متنكرا مع عتبة بن غزوان ضمن صفوف كفار قريش، واتجه للمدينة ولحق بالمسلمين فيها. نعم كان المقداد من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، لذلك تشمله الآية الكريمة، ولكن سيرة المقداد رضي الله عنه تدل على أنه لم يكن يعتقد بنص الله عز وجل على علي بالخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يدل على ذلك ما نقله الطبري في تاريخه حين قال: [وقال (أي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طُعِن) للمقداد بن الأسود: إذا وضعتمـوني في حفرتي فأجمع هـؤلاء الرهـط في بيـت حتـى يختاروا رجلا منهم،و قال لصهيب: صَلِّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخِل عليّاً وعثمان والزبيـر وسـعدا وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة إن قدم، وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما...(إلى قوله): فلما دُفِنَ عمر جمع المقداد أهل الشـورى في بيت المسـور بن مخرمة ويُقال في بيت المال..إلخ](95). فقبول المقداد رضي الله عنه لهذه المهمة دليل على عدم اعتقاده بالنص على علي بالخلافة. طبعا هذا لا يمنع أن مقدادا كان من مؤيدي وأنصار علي عليه السلام وسعى لنقل الخلافة إليه بعد عمر رضي الله عنه.

لا شك أن أولـئك الكرام الثلاثة كانوا من كبار أصحاب الرسول المختار وأجلتهم، ومن المشمولين بثناء الله ورحمته ورضوانه، لكن اثنين منهم على الأقل ليسا مصاديق واضحة لتلك الآية المذكورة، وإنما ذكرنا ذلك لكي نبين فضـيحـة ذلـك الحديث الكاذب والمـخالـف للـوجدان والمتعارض مع آيات الله، فالقول بارتداد جلّ الصحابة على أعقابهم إلا ثلاثة بسبب انصرافهم عن بيعة علي عليه السلام ليس إلا هراء وافتراء(96).

4 - وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:117].

يقول الشيخ الطوسي في تفسيره: [أقســم اللـه تعالى في هذه الآية، لأن لام لقد لام القسم، بأنه تعالى تاب على النبي والمهاجرين والأنصار بمعنى أنه رجع إليهم وقبل توبتهم، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، يعني في الخروج معه إلى تبوك، والعسرة صعوبة الأمر وكان ذلك في غزاة تبوك لأنـه لحقهم فيها مشـقّـة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الإبـل وعصروا كروشها ومصوا النوى وقل زادهم وظهرهم،..(إلى قوله): وقيل من شدة ما لحقهم هَمَّ كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم...أي رجع عليهم بقبول توبتهم إنه بهم رؤوف رحيم.](97).

قلت: ففي هذه الآية يضع الله تعالى المهاجرين والأنصار في صف واحد مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويشملهم جميعاً بالتوبة والرأفة والرحمة، إعلاما لنا أن مقام المهاجرين والأنصار في توبة الله عليهم مثل مقام النبي المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فهل مثل هؤلاء صاروا مرتدين؟؟

5- ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله..  ﴾ [آل عمران:110].

قال الشيخ الطوسي عليه الرحمة في تفسير التبيان: [واختلف المفسرون في المعـنـِيِّ بقوله كنتم خير أمة، فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله، ذكره ابن عباس وعمر بن الخطاب والسُدِّي، وقال عكرمة نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وقال الضحاك: هم من أصحاب رسول الله خاصة...](98).

وأيَّاً كانوا فإنهم عند الله خير أمة، أمّا عند جماعة الغلاة واضعي الحديث، فإنهم كانوا أسوأ أمة!(99). فأيهما نقبل: قول الرب سبحانه أم قول الغلاة المخالفين للقرآن؟

6- يقول تعالى بدأً من الآية الرابعة من سورة الفتح: ﴿