بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

طريق النجاة من شر الغلاة

 

 

الجزء الأول: بحث حول الولاية وحقيقتها

الجزء الثاني: بحث حول اختصاص علم الغيب بالله

 

 

كتبه (بالفارسية) المرحوم الأستاذ

حيدر علي قلمداران القُمِّي

(1913 - 1989م)

 

تعريب وتقديم وحواشي

سعـد رستــم

 

 

 

 

 

 

 

P

 

مقدّمة المترجِم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لِـلَّهِ وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى سيَّما خاتمهم محمد المختار المُجْتَبَى وآله مصابيح الدُّجى وأنوار الهدى، وصحبه أهل التُّقَى والوَفَا، ومن على نهجهم مشى وبهديهم اهتدى وبعد،

 فمن أسوأ الآفات التي عانت منها جميع الرسالات السماوية آفة غلوّ بعض أتباعها في أنبيائهم وأوليائهم إلى درجة التأليه الصريح - كما في النصرانية - أو التأليه الضمني بإضفاء الصفات الإلـهية إليهم كما في فرق الغلاة المنتسبين للإسلام، فقد غلا بعض غلاة الصوفية من المنتسبين للسنة (كالبريلوية مثلاً) في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلوه حاضراً ناظراً في كل زمان ومكان، يسمع دعوة الداعين ويلبي نداءات المستغيثين، ونفوا عنه حقيقة البشرية واعتبروه نوراً من الله وأثبتوا له علم الغيب والعلم بكل شيء بما في ذلك علم الساعة، وغير ذلك من صنوف الغلوّ المخالفة لصريح آيات الكتاب. وبمثل ذلك غلت بعض الفرق من المنتسبين للشيعة في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من آله -عَليهِمُ السَّلام- فنسبوا إليهم تلك الأوصاف وبعضهم زاد في الغلوِّ فنسب للنبي والأئمة تدبير الكون والإحياء والإماتة وتقسيم أرزاق العباد والحكم بينهم يوم المعاد وغير ذلك من صفات الله وأفعاله!! وبعضهم الآخر ألّـهَ الإمام عليَّ بن أبي طالب (ع) أو النبيَّ والأئمة صراحةً كفرقة السبئية وفرقة الخطابية وفرقة النميرية والمفوِّضة وغيرهم من فرق الغلاة.

وقد بذل أئمة أهل البيت -عَليهِمُ السَّلام- جهوداً كبيرةً في فضح أولئك الغلاة وإعلان البراءة من أقاويلهم ومن غلوِّهم هذا في حقِّهم، ولعنوهم وحذَّروا من أخطارهم وأفكارهم، كما بذل علماء الرجال (من الشيعة الإمامية) جهوداً مشكورةً في تعقُّب أولئك الغلاة وفضحهم وبيان أحوالهم وأخبارهم، وقد أجمع علماء الشيعة الأصوليون المحققون على تكفير الغلاة وتضليل أقاويلهم واعتبارهم نجسين، حتى قال مرجع الشيعة الإمامية الأعلى في عصره السيد أبو القاسم الخوئي (رح) في فتواه الشهيرة حول المفوِّضة الغلاة: «..إن الكتاب العزيز (أي القرآن) يدلُّ على أن الأمور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلها بيد الله سبحانه (إلى أن قال): فهذا الاعتقاد [أي الغلوّ والتفويض] إنكارٌ للضروري..فيبتني كفر هذه الطائفة (الغلاة والمفوضة»).

لكن الغلاة تمكّنوا قديماً من دسِّ كثير من الأخبار المختلقة والقصص الملفَّقة الطافحة بالغلوّ بين الشيعة، فبذروا بذلك بذوراً خبيثة للغلوِّ يمكنها أن تُنْبِتُ في كلِّ عصرٍ وزمان غلاةً منحرفين يحيون أقاويل أسلافهم من الغلاة القدماء لاسيما المفوّضة الملعونين على لسان الأئمة الطاهرين، وهذا ما كان يحصل فعلاً، مما كان يضطر العلماء الأصوليين إلى التصدي للتيارات المغالية والتحذير منها ورفض ما تتمسك به من أخبار اعتماداً على القاعدة الذهبية العظيمة التي وضعها الأئمة من آل الرسول -عَليهِمُ السَّلام- وهي العرض على القرآن الكريم، فما وافقه أُخذ به وما خالفه ضُرب به عرض الحائط، فقد وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام نصوص عديدة بهذا المعنى كقولهم «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتابَ والسُّنَّةَ» و«ما جاءكم من حديث لا يُصدِّقُه كتابُ الله فهو باطل» و«كلُّ شيءٍ مردودٌ إلى كتاب الله والسنَّة، وكلُّ حديث لا يُوافق كتابَ الله فهو زُخْرُفٌ» ونحوها من الروايات(1).

وفي الستينات من القرن الماضي (الميلادي) ظهر في قم/ إيران، شيخٌ من المنتسبين إلى العلم يُدْعى «أبو الفضل النبويّ»، ولقَّبه من نشـر كتابه بلقب آية الله العظمى زوراً وبهتاناً، وألف كتاباً (بالفارسية) سمَّاه «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) نحى فيه منحىً مفرطاً في الغلوِّ بـزَّ فيه كلَّ من سبقه من الغلاة!! إذْ جعل فيه المعصومين الأربعة عشـر - على حد قوله - (أي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة الزهراء والأئمة الاثني عشـر -عَليهِمُ السَّلام-) حُكّاماً وأمراء على عالم الوجود يُسَيِّرون جميع الكائنات ويدبِّرون جميع شؤون المخلوقات، فيحيون ويميتون ويرزقون ويشفون، ويقسمون أرزاق العباد ويقومون على شؤونهم... وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم.. واعتبر أن لا شركَ في ذلك لأن كل ذلك يتم بإذن الله لا استقلالاً منهم عن الله!! وَزَعَمَ أن هذه هي الولاية التكوينية المطلقة التي بيَّنها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا[المائدة/55]!!، كما فسّـَر الشفاعة على نحو يجعل النبيَّ والأئمّة أصحاب حق مطلق وكلمة لا تُردّ في إنقاذ جميع من انتسب إليهم ووالاهم من عذاب يوم القيامة ولو أتوا بأعمال شركية وبذنوب كالجبال الرواسي.... إلى غير ذلك من أصناف الغلوّ التي لا يقرِّها قرآن ولا شرع وتتنافى تماماً مع التوحيد الذي هو أساس الإسلام.

فقام الأستاذ الفاضل «حيدر علي قلمداران القُمِّيّ» - الذي يُعَدُّ من أبرز أعلام الاعتدال والتصحيح من الشيعة الجعفرية في إيران في القرن المنصـرم - فردّ عليه ردَّاً شاملاً مبيِّناً مخالفة أقواله للقرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة وتعاليم أئمة العترة النبوية، فألف كتاباً بالفارسية من خمسة مباحث أسماه «راه نجات از شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث التالية:

1- «بحث در ولايت وحقيقت آن» أي بحث في الولاية وحقيقتها.

2- «بحث در اختصاص علم غيب به خدا» أي بحث في اختصاص علم الغيب بالله.

3- «بحث در شفاعت وحقيقت آن» أي بحث في الشفاعة وحقيقتها.

4- «بحث در باره غلاة» أي بحث حول الغلاة.

5- «بحث در باره زيارت» أي بحث حول زيارة المراقد.

وقد ترجمنا المباحث الثلاثة الأخيرة إلى العربية من قبل، وبقي المبحثان الأولان دون ترجمة نظراً لفقدان نسخهما لكن أبناء المؤلف وأصحابه تمكنوا من وجدانهما وأعادوا طباعتهما مع مبحثي الشفاعة والغلو في كتاب واحد منقَّح ومُراجع ومُحَلَّى بحواشي مفيدة وتعليقات لآية الله البرقعي وهو من أصحاب المؤلف ومن يشاركونه في الفكر، كما أضافوا في آخر الكتاب تعليقاً على «رسالة في سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم» لآية الله الشوشتري لارتباطها بموضوع الكتاب، وقد حصلت على نسخة من هذا الكتاب، فقمت بترجمة البحثين الأولين المتبقيين اللذَيْن لم نترجمهما فيما سبق أي «بحث في الولاية وحقيقتها»، و«بحث في اختصاص علم الغيب بالله»، مع الرسالة الملحقة بهما حول «سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم» فكان هذا الكتاب الحالي الذي نقدم له.

وقبل ختام المقدمة أودّ الإشارة إلى أمرين فيها:

الأول: أن حواشي هذه الترجمة إما للمؤلف الأستاذ قلمداران فأُوْرِدَتْ كما هي، أو لآية الله البرقعي فميَّزتُها برمز (البرقعي) في آخرها، أو للمترجم أي كاتب هذه السطور، وهي أغلب الحواشي، وميَّزتُها برمز (تر) في آخرها.

الثاني: أن الترجمة ركَّزت على إيصال المعنى بلغة عربية سلسة أكثر من الترجمة الحرفية، وفي هذا الإطار اقتضت الترجمة أو اقتضى توضيح بعض العبارات والمطالب ذكر جملة أو كلمة من عندي بين معقوفتين [...] بين كلام المؤلف رحمه الله، فليُعْلَم.

اللهَ تعالى أسأل أن يتقبَّل منا هذا العمل، ويعفو عما بدر منا فيه من خطأ وزلل، إنه وليُّ التوفيق، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

 

المترجم

 

+            +             +

 

توطئة

الحمدُ لِـلَّهِ ربِّ العالمين، المتفرِّدُ في ألوهيته الذي لا شريك له ولا نظير في الخلق والرزق، هو وحده المحيي المميت، وهو وحده المعبود بحق، لا مُعين له في تدبير أمور خلقه ولا مشير، ولا نائب له ولا وزير. ليس لأحد من مخلوقاته من ملائكته المقربين أو أنبيائه المرسلين أو أوليائه الصالحين طريق إلى أسرار علم غيبه المكنون. لا يُظْهِرُ على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه بالوحي على شيء من أخبار المستقبل أو شذرات من علم ما كان وما يكون ليكون ذلك حجة لرسالته وتصديقاً لنبوته، لطفاً منه بعباده، وتأييداً منه لنبوة من أرسله برسالاته، أما ما سوى ذلك فإنه لا يُسمح لأحد من الخلق بالدخول إلى حرم الغيب الإلهي أو الورود إلى حمى كبريائه اللامتناهية، وخفيات مكنوناته المحجوبة، ومن تطلع من الشياطين إلى هتك حجب الغيب تلقته حرس السماء بشهب النار، فعاد ذليلاً حسيراً وسقط مذموماً مدحوراً.

والصلاة والسلام بلا حدٍّ على النبيِّ المحمود الذي سدّ برسالته الأبدية كل طُرق خداع العوام وإضلال البسطاء واستغلالهم. ولم يحطم الأصنام ويهدم معابد الأوثان فحسب بل أرسى قواعد التوحيد وأحكم بنيانه غاية الإحكام بحيث أن كل من دخل في شرعه ونهل من معين شريعته صار موحّداً كاملاً لا يمكن أن تتطرَّق الوثنيةُ إلى ذهنه ولا أن يأتي إلى مخيِّلته خيال اصطناع أي معبودات زائفة غير الله.

ورغم أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان زبدة الخليقة وكانت ماهيته وصورته مبعث دهشة أهل العلم والحقيقة، إلا أنه كان متواضعاً ومنكسـراً أمام الله إلى درجة أنه كان يهتم بعبوديته لربه تعالى أكثر من اعتزازه برسالته، وبمجرَّد أن سمع بعض المتملّقين يمدحونه بما كانوا معتادين على مدح صناديدهم وكبرائهم به قال: «لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً»(2). وقرَّر بأمر من ربه أن يعلن المسلمون هذا المنصب -منصب العبودية- في كل تشهّد في صلواتهم التي يؤدُّونها صباح مساء حيث يشهدوا أمام ساحة القدس الربوبية الأحدية بعبودية النبيِّ لِـلَّهِ تعالى قائلين: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» مقدمين وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية على وصفه بالرسالة كي يُعلَمَ أن شرف العبودية مُقَدَّمٌ على مقام الرسالة.

كما روى خادمه «أنس بن مالك» أن بعض الناس لما خاطبوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم: «يَا رسول الله! يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا» قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»(3).

كما روى صادق العترة الطاهرة عليه السلام بسند سلسلة الذهب عن آبائه الطاهرين عن أمير المؤمنين - عليه صلوات الله- قال:

«إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على نَفَرٍ من أصحابه فقالوا له مرحباً بسيدنا وَمولانا! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولوا هكذا وَلكن قولوا مرحباً بنبيِّنا وَرسولِ ربِّنا، قولوا السداد من القول وَلا تغلوا في القول فتمرقوا»(4).

ولما تشرّف وفد «عامر بن صعصعة» بزيارة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وتشرَّفَ وتنوّر بمحضـره المبارك، وقام رجل من الوفد يُدعى «أبو مطرف عبد الله بن الشخّير» فقال: «يا رسول الله! أنت سيدنا وذو الطول علينا»، فاستاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مثل هذا الإطراء وقال: «السيدُ الله، لا يستهوينَّكم الشيطان»(5).

وأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ(6) فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ القَدِيدَ(7).

وقال «أنس بن مالك»: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا إليه لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ»(8).

وأفضل السلام وأكمل التحيات على آله الأطهار وعترته الأبرار لاسيما رأس سلسلتهم الإمام الكبير حضرة علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه وآله- الذي حذَّر في خطبته «القاصعة» في نهج البلاغة، الناسَ من تقليد ساداتهم وكبرائهم الذين تكبَّروا وترفَّعوا فقال: «وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ وَخَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً... [إلى قوله].. أَلَا فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِم...»(9).

وكما جاء في «نهج البلاغة» وفي الروضة من «الكافي» وفي المجلد الثامن من «بحار الأنوار»أن علياً كان يقول: «وَ إِنَّ مِنْ‏ أَسْخَفِ حَالَاتِ الوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الفَخْرِ ويُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الكِبْرِ وقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ ولَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ ولَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ ورُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ البَلَاءِ فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ ولَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ البَادِرَةِ ولَا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ ولَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولَا التِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ العَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ العَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي فَإِنَّمَا أَنَا وأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالهُدَى وأَعْطَانَا البَصِيرَةَ بَعْدَ العَمَى»(10).

ومع أن صدره كان صندوقاً للعلوم الإلهية التي تعلَّمها من حضرة خير البريَّة إلا أنه كان يقول عن أسرار الخليقة وسرّ الموت والحياة في آخر لحظات عمره: «وَكَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأَمْرِ فَأَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ. هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْزُون‏»(11).

وكان يُظْهر عدم معرفته بشـيء يجهله الآخرون ويقول للخليفة الثالث: «وَ وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ ولَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ...»(12).

والسلامة والرشاد والهداية والإرشاد لمن سلكوا صراط الله المستقيم الذي هو الحدّ الوسط بين الإفراط والتفريط وابتعدوا عن اليأس من رحمة الله والأمن من مكره فكانوا يطلبون من ربهم الهداية على الدوام ويسألونه أن لا يجعلهم من المغضوب عليهم ولا الضالين.

الدافع لتأليف هذا الكتاب

ابتُليَ دينُ الإسلام المقدس منذ بدء ظهوره بمعارضين وأعداء ألدَّاء كمشـركي مكة واليهود والنصارى في المدينة واليمن وفي سائر البلدان والقبائل، ولكن سرعان ما استسلم أولئك الأعداء والمعارضون أمام دلائل الإسلام الواضحة وبراهينه المحكمة فأسلموا لِـلَّهِ أو على الأقل كفُّوا عن محاربتهم له وقبلوا بالصلح ودفع الجزية، ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا لم يلجأ أعداء الإسلام الذين لا يُحصـى عددهم إلى سلاح العقل والعلم لمواجهة الإسلام لأنهم يعلمون تمام العلم أنهم سيُفضحون ويخيب سعيهم ويخرجون من هذه المعركة منهزمين يجرون أذيال الخيبة والخسران.

رغم كل الجهود التي بذلها ولا يزال يبذلها المبشرون النصارى الذين يمتلكون إمكانيات هائلة وقدرات مادية ومعنوية كبيرة لأجل إضعاف الإسلام فإن التاريخ يشهد والوضع الحاضر يدل على أنهم لم يستطيعوا أن يُنْجزوا شيئاً يُذكر في هذا المجال وأُصيبوا بالهزيمة والخيبة.

إلا أنه مع الأسف الشديد لا يمكن إخفاء الهزائم والخسائر والمفاسد وإراقة الدماء والجهل والتعصب والحوادث الكارثية التي تعرَّض لها الإسلام من قبل المسلمين أنفسهم وبسبب تفرقهم إلى فرق وطوائف متناحرة ومتعادية.

بعد غروب شمس النبوّة حدثت مباشرة وعلى عجل حادثة سقيفة بني ساعدة بشأن خلافة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى كل حال بُذرت بذرة بقيت محاذيرها على مر الزمن واستغلها مثيرو الفتنة مما عاد بالوبال على المسلمين إلى يومنا هذا ولعل آثارها السيئة ستبقى إلى يوم القيامة!

منذ ذلك الزمن انشق صف المسلمين ثم وقع بينهم الاقتتال لأسباب متنوعة وبحجج وذرائع مختلفة وسُفكت من الدماء في هذا الأمر ما لو جمع بعضه إلى بعض لشكَّل بحراً مخيفاً، كما أُنفقت من الأموال ما يعجز الحاسبون عن إحصائه!وكم من بيوت هُدِّمت ونساء رُمِّلت وأطفال يُتِّموا وأصبحوا بلا معيل وكم من نفوس زكية وبريئة احترقت بنار الفتنة! الله وحده يعلم!

والعجب العجاب أنه لو دُرست الأسس المشتركة والعقيدة الواحدة التي تشترك فيها تلك الفرق المختلفة والمذاهب المتعدّدة لتبيّن بكلّ وضوح أن الجميع يعبدون إلهاً واحداً ويؤمنون بنبوة نبيٍّ واحد: «محمد بن عبد الله» صلى الله عليه وآله وسلم، ويمتلكون كتاباً واحداً ويتّجهون إلى قبلة واحدة وأعمالهم وعباداتهم من صلاة وزكاة [وصوم وحج] واحدة وليس بينهم من الفروق أكثر مما بين مجتهد وآخر في المذهب نفسه!

المسألة الوحيدة التي تُعتبر مصدر وأساس هذه العداوة والبغضاء هي مسألة «الإمامة» التي لم يعد اليوم لحقيقتها أثر ولا خبر على الأرض! وفي الواقع أصبح نزاع هذين الفرقتين الكبيرين مثل نزاع الأحمقين في قصة الملا نصـر الدين (جِحا) اللذين كان أحدهما يسأل الله ألف غنمة والآخر يسأله مئة ذئب! ثم انجرّت المطالبة بهذين الطلبين غير المنطقيين إلى نزاع وجدال دموي بينهما!!

لا شك أن هناك أيْدٍ خفيَّةٌ معاديةٌ للإسلام من مصلحتها النفخ في نار العداوة وجعل معركة الجدال أكثر دموية بل ربما تكون تلك الأيادي هي التي أشعلت نار الفرقة والفتنة منذ البداية، وعلى كل حال وأياً كان الأمر فإن أسباب الشقاء والنزاع الذي وقع بين المسلمين في هذا المجال إنما صنعتها أيدي المسلمين أنفسهم ثم استفاد منها العدو بذكائه وخبثه، ولا يُنتَظر من العدو سوى ذلك، والأحمق هو الذي يتوقع من عدوه الرحمة والعدل والإنصاف!

كان أعداء هذا الدين الخارجيين كامنين له بالمرصاد على الدوام وكانوا يستغلُّون كلَّ حادثة لبثِّ الاختلاف والنزاع بين المسلمين ولقد نجحوا في تحقيق هدفهم الذي هو إخفاء حقيقة الإسلام المضيئة وستر حقائقه المشرقة عن أعين أهل الدنيا.

فمثلاً لم تكن لمسألة «الإمامة» في بداية الأمر كل تلك الأهمية، وإذا كان قد حدث فيها أمر مخالفٌ للأَوْلى، فإن الـمُدَّعِي الحقيقي لها [الإمام علي] غضَّ الطرف بكل سماحة وسمو نفس عن حقِّه الطبيعي والمشروع فيها، وتَبِعَ بكلِّ بُعْد نظر ما اختاره أكثرية المسلمين وبايع هو وأسرته الخليفة المنتخب! وبقي طيلة الفترة التي سبقت قبول الناس له خليفةً عليهم ودعوتهم إياه للقيام بهذه المسؤولية، جالساً في بيته، تلبيةً لطلب خلفاء زمانه، ولم يتوان عن المشاركة برتق وفتق بعض الأمور عندما كان يُطلب منه ذلك، كما لم يقصِّر في تقديم أي نصح فيه نفع للخلفاء ولعامّة المسلمين، وفي الفترة التي تولَّى فيها مضطراً ومجبراً أمر الخلافة لم يُنْقل عنه أي إشارة إلى أنه كان ينوي نقل تلك الخلافة من بعده إلى أولاده بل -كما يذكر المؤرخون - لمّا أدركت علياً الوفاةُ سُئل: «يا أمير المؤمنين! أرأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ فأجاب: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر.»(13).

وبعد أن رحلت روحه المطهرة إلى الملأ الأعلى، ثم وجد خلفه الكريم الإمام الحسن نفسَه غير متمكِّنٍ من إدارة أمور المسلمين لقلّة الناصر وعداوة العدوّ الشرس قرَّر أن يتنازل لمنافسه الداهية المكَّار بكل كرمٍ وزهد في الرئاسة عن منصب الخلافة، حفاظاً على وحدة عالم الإسلام. ولو لم تكن حقارة فطرة يزيد بن معاوية وخبث طينته وانتهاكه السافر لحريم المحرمات الإلهية، ولو لم يدعُ أهلُ الكوفة الإمامَ الحسين لاجتثاث الظلم والقضاء على الجور لما قبل ببيعتهم له ولما نهض ذلك النهوض ولسار على درب أبيه الكريم والجليل الذي كان يقول: «لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز(14).

وإذا رأينا أن بعض أبناء ذلك الإمام الهمام وأحفاده الكرام نهضوا معترضين على حكومات عصرهم الظالمة بل قام بعضهم بثورات مسلحة دموية فإن ذلك لم يكن إلا لرؤيتهم أن أحكام الإسلام لا يُعْمَل بها ولا تُراعى التعاليم والقواعد التي أرست بنيانها الشريعة المطهرة في السياسة والحكم وإلا فإن لسان حالهم كان يقول مثل قول جدهم: «وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز». أي أن أولئك الأجلاء الكرام كانوا ينظرون إلى الدنيا وإلى الحكم كما ينظر الرجل العاقل إلى الريح الذي يخرج من مقعد العنزة أو المخاط الذي يخرج من أنفها!

وإذا صدر عن بعضهم شيء في هذا الصدد كان مثل ما قاله علي (ع) لعمه العباس عندما رجع من عند عمر: «وَاللهِ مَا بيَ رَغْبَةٌ فِي السُّلْطَانِ وَلَا أُحِبُّ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لِإِظْهَارِ العَدْلِ، وَالقِيَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»(15).

كماَ يروي لنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فيقول: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «وَاللهِ لـَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»(16). وكان يناجي ربه دائماً بقوله: «اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ولَا التِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الحُطَامِ ولَكِنْ لِنَرِدَ المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ المُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِك‏»(17).

وعلى كل حال إذا كان المراد من «الإمامة» هو الرئاسة والزعامة فإنها لم تكن مطلوبة ولا مرغوبة في نظر أولياء الله، وإذا كان المقصود من الإمامة هداية الناس وإرشادهم إلى صراط الله المستقيم فإن هذه الإمامة منصب لا يمكن لأحد أن يغصبه منهم، فلما كان الناس يسألون أولئك الأئمة الأجلاء عن أحكام الله وعن بيان ما أنزل الله كانوا يُجيبونهم ويُبَيِّنون لهم ما يسألون عنه أوضح بيان، ولولا أن خلفاء زمانهم كانوا ينظرون إليهم بعين المنافس لهم، ويتصورون أنهم يعملون ضدّ حكوماتهم، لما تعرّض أولئك الخلفاء أبداً إلى نشاطهم الدعوي وإمامتهم الإرشادية، لكن ثورات بعض أحفاد علي (ع) ضدّ المتوسدين لسدة الخلافة ألقت في أذهان الخلفاء التصوُّر بأن إقبال الناس على أي إمام من آل علي والتفافهم حوله ليس إلا تمهيداً لثورته عليهم!

إذن لم تكن مسألة «الإمامة» في بداية الأمر موضع اهتمام أولياء الله ولكن مع مرور الزمن واختلاط المسلمين بأتباع الملل الأخرى وشعوب الأمم المجاورة في بلاد فارس والروم ورؤية الناس لما كانت تقدِّمه تلك الشعوب لقياصرتها وملوكها من إجلال وتعظيم وتمنحه له من مقام وجبروت بدأت مسألة الإمامة تأخذ منحىً آخر وأصبحت موضع عناية واهتمام طلاب اللذائذ والشهوات. ولا يخفى الحال الذي يكون عليه المحرومون والخاسرون في الصـراعات السياسية على الحكم وكيف أنهم عندما يخسرون في ميدان السباق فإنهم لا يجلسون صامتين، بل يحاولون في كل مناسبة أن يعبِّروا عن عُقْدَتِهِم بكل الوسائل المتاحة لهم والتي أسهلها اللسان والقلم اللذان يُستخدمان للانتقام من منافسيهم وتلبية نار الحسد تجاههم، فيصولون ويجولون في هذا الميدان ثم يورثوا ذلك لمن يخلفهم من بعدهم، وهذا ما حصل وتواصل حتى وصلنا إلى هذه النتيجة التي نجدها اليوم!

في أيامه الأولى لم يخرج أمر النزاع على الخلافة عن حالته الطبيعية كثيراً. كان بعضهم يعتبر أن معيار الأهلية لذلك المنصب هو -حسب سنن الجاهلية- كِبَر السن والوراثة، أما الذين تشبَّعوا بتعاليم الإسلام فكانوا يرون أن معيار الأهلية للخلافة يكمن في العلم والسوابق المشـرقة في الإسلام فكانوا يبحثون عن المؤهَّلين لذلك المنصب بين مجاهدي بدر وأحد كي يطبِّقوا أحكام الدين في الأمّة من إقامة للصلاة وجباية للزكاة وتأمين للحدود والثغور ونصرة للمظلوم وضرب على أيدي الظالمين والقيام بفريضة الجهاد وأمثالها وكان الذين نالوا منصب الخلافة إنما يحترمون ذلك المنصب من خلال التشبُّث بتلك المعاني.

أما الذين حُرِموا منها رغم محاولاتهم الوصول إليها والذين حلَّت بهم النكبات والأذى في هذا السبيل فقد أخذوا يخترعون لهذا المقام شروطاً صعبةً وثقيلةً ويشترطون لمنصب الإمامة والرئاسة امتلاك فضائل خارجة عن قدرة البشر العاديين إلى الحدّ الذي أصبح فيه منصب حكم البلاد وسياسة العباد الذي كان أمراً عاديّاً ومعروفاً منذ آلاف السنين في جميع أنحاء الدنيا، منصباً يتلو مقام الله ومقام الرسول، وصار من اللازم لصاحب ذلك المنصب أن يكون معصوماً عصمةً كاملةً مطلقةً وطاهراً طهارةً مطلقةً! وأخذوا يطرحون بظنونهم وأوهامهم أن لا حقَّ لأحد في الحكم وإدارة دفّة أمور المسلمين إلا إذا كان منصوصاً عليه من قبل الله تعالى! وقالوا بهذه الصفة والخصوصية بحقّ أفراد معدودين قالوا إن الله تعالى نصَّ على تعيينهم في هذا المنصب والمقام -منصب الإمامة- نصَّاً خفيّاً وجليّاً وحصروا ذلك بعليٍّ عليه السلام وأحد عشر من أولاده وذريته، فميَّزوهم عن الكثيرين من فضلاء ذرية الإمام علي باسم الأئمة الاثني عشر. هذا رغم أن أحداً من أولئك الأئمة الكرام الأجلاء -باستثناء الإمامين الحسنين عليهما السلام- لم يخطُ أي خطوة باتجاه السعي لحيازة الخلافة بل كانوا يرفضون الاستجابة لمن عرضها عليهم من المسلمين كالإمام زين العابدين والإمام جعفر بن محمد -عليهما السلام- أو الإمام علي بن موسى الرضا -سلام الله عليه- الذي أبى وامتنع [في بداية الأمر] عن قبول ولاية العهد التي عرضها عليه الخليفة المأمون العباسي.

مع ذلك فإن مَنْ كانوا أكثر مَلَكِيَّةً من الملك! جعلوا من موضوع «الإمامة» موضوعاً مثيراً بشدَّة للاختلاف والنزاع وأشعلوا لأجله نيران الفتنة والفساد إذْ كانوا يحاولون مرَّةً تِلْوَ الأخرى أن يدفعوا بعض أولئك الأئمة المحبوبين والمشهورين من أولاد علي بن أبي طالب (ع) إلى الثورة ضد حكام زمانهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وكلّما أوصلوا إماماً إلى يد العدو حتى تمكن من قتله، ذهبوا نحو إمام آخر ليدفعوه إلى الثورة والمصير ذاته!!

ولما لم تؤدِّ تلك الحركات إلى نتيجة، باستثناء حكومتين أو ثلاث لأولاد علي وفاطمة في مصر واليمن وبعض البلاد الأخرى، ونشأت فرق متعددة وطوائف مختلفة باسم الشيعة في أنحاء بلدان العالم الإسلامي وكانوا يَدْعُون الناس للانضمام إليهم باسم الأئمة من أولاد علي (ع)، ولم يقتنعوا بالحكومات القائمة بسبب ما وضعوه من شروط عجيبة ومخترعة لمنصب الإمامة والرئاسة، فكانوا يتحجَّجُون ويسعون في الواقع نحو غايات أخرى! وفي الوقت ذاته كانوا يُضيِّقون دائرة شروط الوصول إلى الحكم أكثر فأكثر، من خلال كتابة الكتب التي أخذوا يضعون فيها شروطاً عجيبةً للإمام، إلى أن وصل الأمر في النهاية إلى أنهم حُبِسوا داخل الشبكة التي نسجوها بأيديهم حتى فقدوا في النهاية الحكومة الشـرعية الحقَّة التي كانوا يحلمون بها ويدعون إليها والتي وضعوا لها كل تلك الخيالات والأوهام في أذهانهم!(18) وهكذا تعطَّلت أحكام الإسلام العظيمة والحياتية وهُجر العمل بها، ومن الجهة الأخرى كان المتشـرعون وطلاب الحكومة الحقَّة في نزاع ومعارضة وتمرّد مستمرّ ضدّ حكومات وقتهم بسبب عدم التزامها بالإسلام.

لو اقتصرت الخسائر والآثار السلبية الدنيوية التي سببها النزاع حول مسألة «الإمامة» على ما ذكرناه لهان الأمر، ولكن الأمر لم ينته عند ذلك الحدّ، ولم تقتصـر الخسائر على وقوع الفرقة بين أبناء أمة الإسلام ونشوب النزاعات الدموية بينهم، بل امتدّ الخَطْبُ أخيراً إلى خسائر لا يمكن تعويضها، وإلى إثم لا يمكن -بنص القرآن الكريم وبرهان العقل السليم- غفرانه، ألا وهو ما دخل مذهب التشيُّع من غلوّ وإفراط في هذا المجال أصبح مادة خصبة لدفعِ مخالفي مذهب التشيُّع إلى اعتبار الشيعة مشركين غير مسلمين وإعطائهم مبررات للمزيد من الجرأة والجسارة في تضليلهم، فقد صارت الأفكار المغالية المدسوسة من قبل الغلاة حججاً ومستندات قوية لأعداء الشيعة تجعلهم أكثر جرأة في إذلال [عامَّة] الشيعة وتحقيرهم وقتلهم وتدميرهم مما يؤدي بلا شك إلى الخسـران الأخروي الأبدي لفاعليه. لقد قام بعض الغلاة بإحياء الوثنية وتعدد الآلهة بصورة جديدة ووسَّعوا أمر «الولاية» - التي لا تعني في الأصل سوى المودة والمحبة ويمكن التوسع في معناها لتشمل الرئاسة- فأوصلوها إلى «الولاية التشـريعية» ثم وسَّعوها لتصل إلى «الولاية التكوينية»!! وهكذا رفعوا مقام أئمّة الإسلام الذين كانوا هداة للأنام فحسب إلى حد القَيُّومية على أمور العالم والنيابة عن الله والوزارة له في تدبير الكون بل الولاية المطلقة في تسيير أمور عالم الإمكان! وبذلك تم إحياء عقائد «المفوِّضَة»(19) -لعنهم الله- من جديد بين صفوف الشيعة بصورة أشدّ حدَّةً!

كلَّما مرَّ زمنٌ على مسيرة هذا المذهب وجدنا أن كثيراً من أتباعه يقعون من ناحية العقيدة والعمل في إفراط أو تفريط، فكلّما ازداد غلوُّهم بشأن الصالحين وأولياء الإسلام كلما نقص التزامهم بالعمل والتقوى إلى الحدّ الذي أصبحت معظم منهيّات الإسلام مستباحة ورائجة بين العوام وتُركت معظم أوامر الله في المجتمع وهُجرت واتخذها الناس ظهرياً!! فتجد سوق الربا والاحتكار والضـرر والإضرار والكذب والانهيار رائجةً ومتاع الفسق والفجور في المجالس والخلوات مستشرياً ورخيصاً!

وأساساً إن تلك النتيجة هي الهدف الأساسي لعامة الغلاة في الدنيا، لأن عُبَّادَ الأصنام إنما رفعوا أصنامهم في هذه الدنيا إلى حد الإلهية، لأنهم كانوا يدركون أن أعمالهم القبيحة التي يثقل على وجدانهم ارتكابها ويشهد عقلهم وفهمهم على قبحها ويعلمون أن آثارها السيئة ستحيق بهم يوماً ما، فكان خوفهم من تلك العقوبة على أعمالهم دافعاً لهم للبحث عن ملجأ وملاذ يعفيهم من آثار أعمالهم القبيحة تلك، فأخذوا يعبدون الأصنام ويقولون إنها ستشفع لهم عند الله كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُـرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله [يونس/18]، وبالمثل قام اليهود الذين يتفوقون على إبليس في الخبث والتزوير والغش والتدليس، بتصوير بعض أنبيائهم بأنه «ابن الله» وباعتبار أنفسهم أبناء الله كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة/18]، لكي يُسكِتوا وجدانهم بهذه الطريقة. كما تصور النصارى لفرط استغراقهم في المعاصي أن عيسى ابن الله بل الله ذاته وقالوا إن محبته كافية ومغنية عن جميع العبادات واجتناب المنهيات وأنه [بصلبه ودمه] أصبح شفيعاً لجميع المذنبين إلى يوم القيامة!!

ولم يكن للغلاة في دين الإسلام المقدَّس منذ بداية أمرهم من هدف وغاية سوى استباحة المحرَّمات وارتكاب المنكرات، كما نرى ذلك واضحاً في قصة أولئك الذين ألَّهوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد رُوِيَ «أن مولى المتَّقين عليا (ع) مرَّ بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً! فقال: أسفرٌ أم مرضى؟؟ قالوا: لا، ولا واحدة منهما! قال: فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية؟ قالوا: لا. قال: فما بال الأكل في نهار رمضان؟ فقاموا إليه فقالوا: أنت أنت! يومئون إلى ربوبيته! فنزل (ع) عن فرسه فألصق خده بالأرض وقال: ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله، فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام. فأبوا، فدعاهم مراراً، فأقاموا على كفرهم فنهض إليهم وقال: شدوهم وثاقاً وعَلَيَّ بالفعلة والنار والحطب، ثم أمر بحفر بئرين، فحفرتا إحداهما سربا والأخرى مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحا وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب والنار فألقى عليهم فأحرقوا»(20).

ومنذ ذلك الحين نشأت فرق الغلاة ضمن الإسلام كالمنصورية والخطابية والشلمغانية والنصيرية، فهؤلاء لما كانوا لا يستطيعون أن يصـرفوا النظر عن شهواتهم ويكبحوا نفوسهم الأمارة بالسوء ويمتنعوا عن اللذات المحرمة، أو لما لم يكونوا يعتقدون من الأساس بالمبدأ والمعاد (أي بالله واليوم الآخر) وكانوا يرومون الحصول على لذاتهم وإشباع شهواتهم من أموال الآخرين ونسائهم وولدانهم، وكانوا يَرَوْن أن عقائد الناس الدينية تحول بينهم وبين الوصول إلى تلك الرغبات، لذا اخترعوا أساطير باسم الدين وافتروا أكاذيب وألقوا بين العوام عقائد مغالية ليجعلوهم مستعدين للتجاوب مع رغباتهم ومآربم.

واليوم أيضاً لو لاحظنا الأمور بدقة لرأينا أن الأشخاص الذين ينسبون إلى الأئمة امتلاكهم للولاية التكوينية والقدرة على التصـرفات المطلقة في عالم الوجود والذين يعتبرون الأئمة «أمراء الكون»، هم أشخاص أدركوا أن لا سبيل لهم إلى إرضاء إلـهٍ عليم وبصير ولطيف وخبير ومنزه عن العواطف البشـرية وعن الأب والولد، ولا سبيل إلى الوصول رغباتهم عن طريقه لأنه إلهٌ [غنيٌّ عن العالمين] لا يؤثر فيه التملُّق والإطراء، بل قد وضع لكل عمل أجراً ولكل تصـرف جزاءً أو ثواباً وقال:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة/7، 8]، وقال أيضاً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت/46] و[الجاثية/15].، وقال كذلك: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران/30].

وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [النحل/111]. وقال أيضاً: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر/70]. وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام/132]. وقال كذلك: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف/49]، وقال أيضاً: ﴿فَاليَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس/54].

فهذه الآيات تؤكِّد بكل وضوح أن الإنسان لا ينال سوى نتائج أعماله ولا يحصد إلا ما زرعته يداه، وآيات القرآن تحث الإنسان دائماً على النظر فيما يدخره لغده من أعمال صالحة وسيئة وأن لا يغفل عن نفسه، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر/18]. ويقول كذلك: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [النبأ/40].

كما أن مسألة الشفاعة في الإسلام ضيقة إلى حد تكاد تكون معه معدومة! كما تؤكد هذا المدعى آيات كريمة عديدة وتبيّنه بوضوح، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة/48 و123]، أو قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة/254]، وسنبحث بعون الله هذا الموضوع بتفصيل وافٍ في قسم الشفاعة من كتابنا هذا.

أقول لما رأى غلاة زماننا أنهم لا يستطيعون التأقلم مع مثل هذا الإله وأن يراقبوا كل صغيرة وكبيرة من أعمالهم، عمدوا إلى الغلو في الأئمة فراراً من عذاب الضمير، واخترعوا أحاديث عجيبة بل أكاذيب فاضحة بعيدة عن المنطق والعقل والشرع، ورفعوا بعضاً من أولياء الله إلى مقام الإلهية! ثم فتحوا باب شفاعتهم للمؤمنين وجعلوه واسعاً بوسع السماء والأرض! كي تشملهم هذه الشفاعة وتجعلهم في مأمن من التعرض لجزاء أعمالهم القبيحة وتجعلهم مستحقين لجنات الخلد وأعلى درجات العليين بل في درجة يصبحون فيها دائنين لِـلَّهِ!

وما أحسن ما فهمه سلمان الفارسي الذي قال عنه الإمام محمد الباقر - عليه السلام - سلمانُ المحمدي، إن سلمان منَّا أهلَ البيت، وقال: إنه كان يقول للناس: «هربتم من القرآن إلى الأحاديث، وجدتم كتاباً رقيقاً حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل فضاق ذلك عليكم وهربتم إلى الأحاديث التي اتسعت عليكم.»(21).

أجل لقد روّجوا سوق الأحاديث الموضوعة التي تقول إن المسلم يمكنه أن يصل إلى أعلى درجات الجنان وأن يُعفى من المجازاة على جميع السيئات بقراءة دعاء أو زيارة قبر أو ذرف دمعة حتى لو كان ذلك رياءً! وهو ما سنشـرحه لاحقاً إن شاء الله ونبيِّن أن القرآن بعيد كل البعد عن هذه الادعاءات الباطلة.

كان ذلك الدافع للغلوّ دافعاً شيطانياً في الواقع بل كان في الحقيقة هو ذلك الغرور الذي يلقيه إبليس في النفوس ليجرّها عن طريق الدين [المحرَّف] نحو جهنم. إنه الغرور ذاته الذي حذَّر الله الإنسانَ من أن يوقعه الشيطان فيه فقال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء/120].

وإذا كان الدافع للغلوّ في أولياء الله الصالحين وإشاعة مثل تلك الأقوال القبيحة والمنكرة والعقائد السخيفة والشـركية بحقهم، في الأزمنة السالفة، هو الغرور الشيطاني وتسويلات النفس الأمارة بالسوء، أو كان الدافع لذلك هو سعي أعداء الأئمة -عليهم السلام- لإيجاد ذرائع ومبررات للإضرار بالأئمة وشيعتهم وإيذائهم وتعريضهم للقتل والنهب؛ فإن علَّة الغلوّ في زماننا هي أمر آخر يضاف إلى تلك العلل الماضية. هذه العلة هي نكبة وجود دولة غاصبة باسم إسرائيل تُعَدُّ اليوم ألدّ أعداء الإسلام. إنها دولة اليهود الصهاينة الذين مكّنتهم الدول الاستعمارية لاسيما انجلترا وأمريكا من السيطرة على قلب عالم الإسلام وقبلة المسلمين الأولى بيت المَقْدِس. ولما كان وجود مثل هذه الدولة في قلب عالم الإسلام باعثاً ومحركاً لاتّحاد الشعوب المسلّمة ضدَّها، لأن المسلمين وأبناء كل أرض يخرج منها نداء الله أكبر يعتقدون انطلاقاً من تعاليم دينهم أن بيت المقْدِس متعلِّقٌ بجميع المسلمين وأنه من الواجب على كل فرد مسلم كبيراً كان أم صغيراً حتى النساء والأطفال أن يدافعوا بأرواحهم وأموالهم عن كل أرض من أراضي الإسلام تتعرض لأطماع الغزاة وغزوهم ليصدوا أولئك الغزاة ويخرجوهم من ديار المسلمين. هذا رغم أن مبدأ الجهاد هذا قد تُرك ونُسِـيَ بفعل الدسائس الشيطانية التي يقوم بها اليهود في كل فترة ليبعدوا المسلمين عن مثل تلك العقيدة الجهادية حتى أنه لم يعد أحد يأتي عليها بذكر اليوم في المجالس والمنابر، لكن رغم ذلك لا تزال هذه العقيدة تبعث الخوف والرعب في قلب تلك الدولة الغاصبة الملعونة ومن يقف وراءها.

رغم أن بذرة العداوة والبغضاء بسبب الاختلاف في موضوع الإمامة قد بذرت بين المسلمين منذ سنوات وقرون ماضية طويلة وأثمرت ثماراً مرة ومشؤومة أدت إلى حروب واقتتال ودماء كثيرة، مع ذلك لما وُجد بين المسلمين بلطف الله وفضله علماء ومثقفون قاموا بتوعية أمة الإسلام إلى هذه المخاطر وتنبيههم إلى حيل الأعداء ومكرهم وسعيهم إلى بث الفرقة بينهم عن هذا الطريق كي يوقعوهم في أسباب الشقاء، ولمَّـا بدأت تلك التوعية تُؤتي أُكلها وبدأت نار العداوة تخبو وتحل محلها الألفة والمحبة، فإن تلك الدولة اليهودية الصهيونية الهدامة والمشؤومة أدركت أنه لا بقاء لها بين الدول التي أكثر أهلها من أهل السنة، فلجأت إلى وسيلتين كبيرتين لتفرقة المسلمين وشغلهم ببعضهم، ولطالما استخدم الاستعمار هاتين الوسيلتين للقضاء على معارضيه دون أن يتمكن من تحقيق أغراضه، بيد أن الاستعمار لما كان مطمئناً إلى فعاليّة سلاحه هذا وحماقة معارضيه، عاد إلى استخدام الحربة ذاتها وقد حصل بواسطتها على نتائج مفيدة له ولا يزال! هاتان الوسيلتان هما:

1- موضوع القومية والتعصب القومي الذي هو من آثار الجاهلية وعصور البربرية. هكذا تم دفع زعماء بعض الدول الإسلامية إلى رفع الشعارات القومية والتغني بأمجاد العروبة واعتبار العرب قوماً متميّزين ومنفصلين عن سائر المسلمين وبهذا أبعد العرب عن أنفسهم وعن نصرتهم أكثر من ستمائة مليون مسلم من مسلمي العالم واكتفوا بمئة مليون عربي(22) من مسلمين ويهود ونصارى، كما نلاحظ ذلك حتى اليوم.

2- والحربة الأخرى وهي أقل خطراً من الحربة الأولى لكن أثرها أقوى من أثر جيش ذي مئة مليون جندي! وهي إثارة موضوع النزاع بين الشيعة والسنة! وليس هناك أفضل من إحياء وتقوية هذا الخلاف لزرع العداوة والشقاق بين المسلمين العرب الذين أكثرهم من أهل السنة، والمسلمين غير العرب الذين يشكّل الشيعة كثرةً بينهم!

ولذلك نجد أنه في هذه السنوات التي نشأت فيها دولة اليهود تم تأليف كتب كثيرة وطباعتها ونشـرها لأجل تجديد النزاع بين تينك الفرقتين الكبيرتين ووقعت بينهما أعمالٌ لا إنسانية ولا يقرها الإسلام لتحقيق ذلك الهدف المشؤوم. من ذلك قتل المرحوم «أبو طالب اليزدي» في مكة المكرمة محل الأمن الإلهي وتأليف كتب مثيرة للفتنة ومحرضة على العداوة مثل «الصراع بين الوثنية والإسلام» وإعادة طباعة كتب مثل «العواصم من القواصم» وعشرات الكتب الأخرى ونشـرها بين السنة بهدف بث الفرقة والعداوة بين أبناء الفريقين، وفي مقابل ذلك قام كُتّاب من الشيعة بتأليف كتب تشعل نار العداوة أيضاً، ولا يسعنا أن نذكر اسم هذه الكتب لأن مؤلفيها لا يزالون أحياء ويمتلكون نفوذاً وتأثيراً، ونكتفي بالإشارة إلى أن هذه الكتابات إنما تُنْشَرُ بهدف إشعال نار العداوة بين تينك الفرقتين، وقد تم في هذا الصدد إحياء بعض الكتب القديمة التي كتبها بعض القدماء لتحقيق مصالح السلاطين وأرباب السياسة في الأزمنة الماضية، فأعيدت طباعتها من جديد حتى أن بعض الكتب التي كانت في مجلد واحد أُخرجت في عشرة أجزاء أو أكثر ونُشرت بين المسلمين كي تحقق تلك الأغراض المشؤومة!

بهذا قدَّم أولئك الكتّاب -دون أن يدروا - خدمة مجانية لأعداء الإسلام والمسلمين ووسيلةً ناجعةً يمكنهم استخدامها لتحقيق أهدافهم، هذا رغم أننا على يقين أن كثيراً من أولئك الكتّاب أناس غافلون لا يدركون الآثار السيئة التي تحملها كتاباتهم ولا ينتبهون إلى أن أيادي الاستعمار تستغل هذه الأمور لتحقيق مآربها. ولكي نبيِّن للقراء الكرام نموذجاً عن هذا الأمر نذكِّرهم بقضيّة تأليف كتاب قيّم:

قبل عدة سنوات ألف أحد الكُتَّاب الإيرانيين الفضلاء ويدعى «نعمة الله صالحي نجف آبادي» كتاباً في موضوع شهادة سيد شباب أهل الجنة الإمام أبي عبد الله الحسين- عليه السلام- عنوانه «شهيد جاويد» (أي الشهيد الخالد)، وقد ذكر في كتابه أدلة عقلية وشرعية حول حقيقة فلسفة الثورة الحسينية. ولم يكن ما ذكره بدعاً من الأمر ولا كان في كتابه أي فكرة ليس لها سابقة، ولما كان المخاطَبون المستهدَفون من الكتاب هم طبقة المتعلِّمين المثقَّفين فقد راعى مؤلِّفه فيه مطلب كل قارئ متعلِّم مفكِّر، ورغم أنه عرض كتابه -من باب الاحتياط- على عدد من كبار العلماء أولي الأبصار كي يبدوا ملاحظاتهم عليه، إلى حد أن اثنين من كبار الفقهاء قرَّظا الكتاب واعتبراه تأليفاً ممتازاً، إلا أنه بمجرد نشر الكتاب بدأ قرَّاء مراثي العزاء المأمورون والخطباء المأجورون يشنون هجماتهم على الكتاب ويذمون محتوياته ويسيئون الكلام بحق مؤلفه ويعتبرونه ضالاً مضلاً! وقد صدرت فتاوى عجيبة وغريبة من بعض آيات الله وقد كُتب حتى اليوم أكثر من عشرين كتاباً في الرد على ذلك الكتاب!! وكأن القيامة قد قامت وكأن الحسين بن علي -عليهما السلام- قد قُتل من جديد في كربلاء أو كأن الكعبة المشرَّفة قد هُدمت!!

قد يتصوَّر بعضهم أن الدافع لهذا الموقف هو التعصب المذهبي التقليدي للخطباء والكتّاب الذي هو نوعٌ من الغيرة الدينية العاميّة والتعصُّب الجاهل! نعم يمكن أن تكون المسألة كذلك إذا وجدنا أن هذا الشعب يتصرَّف بهذه الطريقة ويُبْرِز هذه الغيرة الدينيَّة تجاه جميع أو بعض الوقائع التي يجترئُ فيها بعض الناس على المعتقدات الدينية والمذهبية، ولكن لكي نعلم أنه لم يكن لدى أولئك الكتّاب أو الخطباء تلك الغيرة الدينية ولا التعصب المذهبي، ما علينا إلا أن نلاحظ أنه في ذات الوقت الذي انتشر فيه كتاب «شهيد جاويد» انتشر في طهران والمدن الأخرى كتاب آخر بعنوان «أفكار الميرزا فتح علي آخوندزاده» وكان عدد نسخه المطبوعة أكثر، وتم فيه إنكار الله والاستهزاء بالنبيّ وبأحكام الشريعة ولم يوفِّر صاحبُهُ شيئاً من الإهانة لأولياء دين الله وقد بيعت مئات النسخ من ذلك الكتاب في كل مدينة، ومع ذلك لم نسمع أحداً علا صوته ضدَّه فلماذا؟ السبب أنه لم يكن هناك محرِّك ولا كان لأحد اهتمام بأمره!

وكذلك قام عبدٌ من عباد الله الصالحين(23) في طهران بنشر كتاب باسم «درسي از ولايت» (أي درس من الولاية)، ولم يتجاوز فيه حدود العقل والشـرع ولا بمقدار شعرة، بل أدرج فيه بعض عقائد الشيعة أنفسهم! ولكن لما ذهب بشأن مسألة «الولاية» مذهباً معتدلاً قامت قيامة بعض الناس ضدَّه وبدأت تُكتب الكتب وتصدر الفتاوى في الردّ عليه وقام البعض بتحريض عوام الناس وإثارتهم لضـرب المؤلف وسحقه! وكذلك لما قام المؤلف ذاته بكتابة كتاب بيَّن فيه عدم صحّة الدعاء المعروف بدعاء الندبة، تحركت الغيرة الدينية المقلوبة لدى بعضهم وبدأت تصدر بحقّ المؤلف فتاوى التضليل بل وصل بعضهم إلى حدّ تكفيره! ولا زال سوق التفسيق والتضليل رائجاً والمعركة تزداد اشتعالاً.

لماذا تحدث كل هذه الحركات؟ ومن المستفيد منها سوى دولة إسرائيل المشؤومة وشعبها الصهيوني الملعون؟! لو أنفق اليهود الصهاينة أموالاً طائلة على السلاح لما حقَّقوا تلك الفائدة والتأثير الذي يكسبونه من مثل تلك الحركات؟! فما أعظم الفائدة التي يستفيدونها عندما يبثون النزاع والاختلاف بين الشيعة والسنة وبين الشيعة أنفسهم!

قلنا إن الغلاة والأعداء يهدفون من خلال هذه المساعي إلى تحقيق هدفين: الأول هو سعي الغلاة لاستعطاف قلب أولياء الله الذين يعتقدون أنهم «شفعاؤهم عند الله»، أو مالكو مُلْكِ اللهِ وملكوته، وتصورهم أنهم بتلفيقهم ونشرهم لمثل هذه الأوهام والترهات فإنهم سيبدلون قانون الله تعالى وسنته التي لا تتبدل حول الجزاء على الأعمال وتبديل السيئات بالحسنات! ويعتقدون أنهم بتملقهم ومدائحهم لأولئك الأولياء سيوصلون أنفسهم لدرجة الرضوان وللحور والقصور في أعالي الجنان!

أما هدف الأعداء من نشر هذه الأوهام فهو تشويه صورة الدين المشـرقة وعرضه بصورة كريهة كي ينفر منه العقلاء من الخاصة ويتجرأ الجاهلون من العامة على الانغماس في المعاصي والفسق والفجور، كما أن الشيطان والنفس الأمارة الموجودين في باطن كل شخص يشكّلان - كما ذكرنا - دافعاً قويّاً للغرور والسـرور بنشر مثل هذه الأكاذيب.

إن الكتب التي كُتبت في هذا الموضوع في السنوات القليلة الماضية لا تعد ولا تحصى وقد تنافس في هذا الميدان الجميع من علامة الزمان إلى الطفل الذي تعلم الأبجدية حديثاً ومن الخطيب المفوَّه إلى قارئ المراثي والمآتم! وتسابقوا في السفاهة! ولا يسعنا في هذا الكتاب المختصر أن نتعرّض لجميعهم وأن نبين خطأ ما يقولونه ومناقضة عقيدتهم لأحكام الشريعة الأبدية الإلهية المتقنة، وسنكتفي بذكر ما يمليه علينا وجداننا وضميرنا أمام رب العالمين، وبحمد الله تعالى ليس لنا من هدف من بيان هذه الحقائق سوى رضا الله ربنا وخالقنا وخدمة شريعته ودينه الذي نؤمن به ونلتزم به، وتوعية إخوتنا في الإيمان. وقد اخترنا من بين جميع تلك الكتب والرسائل والمقالات أحد أهم ما كتبه ونشره أولئك الغلاة وهو كتاب «أمراء هستي» (أي أمراء الكون) تأليف الشيخ «أبي الفضل النبوي» وقمنا بنقده وتمحيص ما جاء فيه.

وسبب انتخابنا لهذا الكتاب هو: أولاً- أن مؤلفه يلقب نفسه بلقب «آية الله العظمى»! وهو أكبر لقب علميّ يطلق في زماننا على عالم ومرجع ديني، فمؤلفه بتلقيبه لنفسه بهذا اللقب أو برضائه بتلقيب ناشر كتابه له بهذا اللقب يفصح عن اعتقاده أنه أهل لمقام المرجعية وجدير بها. وبالتالي فلا يستطيع أصحاب الحوانيت المذهبية وبائعي الخزف أن يحتجوا علينا بأننا بانتقادنا لمذهب معين لا يجوز أن نستند إلى أفعال وأقوال العوام أو الأفراد متوسطي العلم بل لا بد من الرجوع إلى أقوال أئمة المذهب ومراجعه المجتهدين وأفعالهم، لأن الكتاب الذي ننقده تأليف لأحد «آيات الله العظمى»!.

ثانياً: قلَّد المؤلف في كتابه العلماء الكبار والمعروفين واستخدم اصطلاحات الفلاسفة والحكماء والمتكلمين وأحياناً انتقد كلامهم وعلق عليه. فكتابه مهم وجدير بالتدقيق والتأمل من هذه الناحية.

ثالثاً: لم يوفِّر المؤلف في كتابه هذا شيئاً من الأقوال الشـركية وعبارات الكفر، بل ابتدع أموراً لم تكن تخطر أبداً على بال الغلاة القدماء واخترع لها التوجيهات والتأويلات والتبريرات واعتبر المعصومين الأربعة عشر مُدبِّري الكائنات ومُسيِّري الأرض والسموات!! وقال في حقِّ الأئمَّة ما لم يقل مثله أي مشـرك في الأصنام وطرح ذلك بوصفه عقيدةً دينيةً وحكماً ضرورياً مسلَّماً به! وبناء على ذلك فمناظرة [ناشر] مثل عقائد الكفر تلك ومحاربة مثل تلك الاعتقادات أوجب وأهم من أي أمر آخر، وسيكون فضح أخطاء هذا المؤلف سبيلاً لإسكات وقطع السبيل على الآخرين من أمثاله.

بحث حول الولاية وحقيقتها

[نقد العبارات الشركية في افتتاحية كتاب «أمراء الكون»]:

بعد أن ابتدأ حضرة آية الله العظمى! كتابه بسطر ونصف من الثناء على الله ونصف سطر بالشهادة للنبي بالرسالة تقليداً منه لسنة المؤلفين القدماء، أعقب ذلك بقوله: «وأشهد أن خلفاءه وأوصياءه مدبرو أمور الخليقة»!!

فلنأت إلى هذه العبارة التي افتتح بها كتابه ونتأملها على ضوء القرآن الكريم لنرى من هو مدبر أمور الخليقة؟

يقول القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ [يونس/3]، ويقول كذلك: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ [الرعد/2]، ويقول أيضاً: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ [السجدة/5]. والعجيب هو ما يذكره الله تعالى عن المشركين من قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس/31، 32].

عندما يُقِرُّ المشركونَ بأن مدبِّرَ الأمر هو الله رب العالمين وحده فإن ذلك كان يستتبع سؤاله التقريري: فلماذا إذن لا تتقون الله؟إن الذي يدبر الأمر في السموات والأرض هو ربكم فإذا كان هذا هو الحق فلماذا تنصرفون عنه وليس بعد الحق إلا الضلال فأين تذهبون؟!

إذن كان المشركون يقرون بأن الله هو مدبر أمور الخليقة! فماذا نقول للمسلمين إذن؟ إننا نخاطب مؤلف ذلك الكتاب بجواب الله تعالى ذاته ونقول: أين تذهب وأين تُصرف عن الحق؟ وهل بعد الحق إلا الضلال؟!

ثم يقول حضرة الكاتب في الجمل اللاحقة: «سكون كل ساكن وحركة كل متحرك بأمرهم» (أي بأمر الأئمة الاثني عشر). وفيما يلي الردّ من آيات القرآن الإلهية على هذه الجملة الشركية بل الشرك الصريح:

يقول تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الأنعام/13]، ويقول كذلك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس/67]، ويقول أيضاً: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود/56]، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان/45]. فكل الحركات والسكنات تحت أمر الله وبإرادته وحده فقط لا غير!

إلى كم آمر يحتاج المأمور؟ وهل الله الذي هو نفسه الخالق والمبدع للكون والواهب للروح عاجز عن تدبير أمور ما خلق أم أنه أوكل قدرته وشؤون كونه إلى الآخرين؟ هل الخلفاء المعصومون غير الله أم هم عين الله؟ حتى تكون تلك الأمور أُوكلت إليهم؟! إن التزام المجيب بأيٍ من هذه الإجابات سيوقعه في الكفر والشرك! فإذا قال إنهم غير الله كان قوله شركاً محضاً والمشرك نجس كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/28]، وإن قال إنهم عين الله قال بالاتحاد والحلول! وكلاهما اعتقاد كفري مرادف للشرك ومتناقض مع أسس دين الإسلام بإجماع قاطبة المسلمين.

ثم يقول المؤلف في الجملة التالية: «ولا ينبت نبات من غير حكمهم»!

 فلننظر إلى مسألة نبات النبات من وجهة نظر القرآن:

1- يقول تعالى في سورة لقمان: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان/10].

2- ويقول أيضاً: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء/7].

3- ويقول كذلك: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر/19].

4- ويقول أيضاً: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ؟؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل/60].

كأن الآية الأخيرة تنبئنا بالضبط عن عقيدة الكفر والشرك التي سيقول بها في المستقبل أمثال أولئك المسلمين [الغلاة] الذين سوف يدَّعون يوماً ما أن مخلوقات الله تشارك الله في أمره وينسبون إليها إنبات النبات، لذا يسألهم الله باستفهام إنكاري: ﴿أَئِلَـهٌ مَعَ اللهِ؟!﴾ [النمل/60]. ثم يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل/60]! أي يعدلون عن الحق.

5- ويقول تعالى أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ... ﴾ [النحل/10- 11].

ولو أردنا أن نأتي بجميع الآيات في هذا الأمر لطال بنا الكلام وخرجنا عن الاختصار لذا نكتفي بالإشارة إلى أرقام الآيات: البقرة /61، الأنعام/ 99، إبراهيم/ 25، طه/ 53، الأنبياء/ 30، عبس/ 25-31، ق/7-11

ففي جميع هذه الآيات نسب رب العالمين إنبات النباتات إلى ذاته العلية، ومن يخالف هذا الاعتقاد فإنه -كما ذكر تعالى في الآية 60 من سورة «النمل»- يتخذ إلهاً آخر مع الله وبالتالي فهو مشرك!

إننا لنحتار حقاً من جرأة هؤلاء المدَّعين للإسلام في نسبتهم تلك الأمور إلى مخلوقات الله؟! ولما كان المؤلف قد ادعى أنه «ولا ينبت نبات من غير حكمهم»! فيبدو أنه يرى أن إنبات النبات أمر غير الحكم! فتكون النتيجة أن الأئمة يحكمون أي هم آمرون والله -والعياذ بالله- هو الذي ينبت فهو المأمور!. والأمر ذاته ينطبق على سائر الأمور!! تَعَالَى الله عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلُوَّاً كبيراً.

وفي الجملة التالية يقول آية الله العظمى (!) «أبو الفضل النبوي»: «ولا تقطر قطرة من مطر...». ومعناها أنهنهأنهأ لا تنزل قطرة من مطر بغير حكم أولئك الأوصياء!

ونحن نكتفي بذكر آية كريمة واحدة من آيات القرآن للردّ على مثل هذا الادعاء وهي قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر/22].

ونشير بعدها إلى الآيات التي تؤكد المعنى ذاته: البقرة/ 22، الأنعام/ 99، الأعراف/57، يونس/ 24، الرعد/ 17، إبراهيم/ 32، النحل/ 10، الكهف/ 45، طه/ 53، الحج/ 5 و43، المؤمنون/ 18 و19، الفرقان/ 48، النمل / 60 و63، العنكبوت/ 63، الروم/ 24، لقمان/ 10، السجدة/ 27، فاطر/ 27، الزمر/ 21، فصلت/ 39، الشورى/ 28، الزخرف /11، ق/ 9، الواقعة/ 68-70، الملك/ 30، النبأ/ 14 و15، عبس/ 25.

في جميع هذه الآيات ينسب الله تعالى إنزال المطر إلى نفسه فكل من يدعي أن هذا الأمر هو من فعل غير الله أياً كان يخرج عن إيمان المسلمين ويصبح من جملة المشركين!

ويقول المؤلف في الجملة التالية: «ولا تهب ريح». ونذكر في الرد عليه بعض الآيات من القرآن تيمُّناً:

يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة/164]، ويقول أيضاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان/48]. وقد كرر الله تعالى المعنى ذاته بشيء من الاختلاف في سورة النمل (الآية 63). ونسب الله تعالى في الآيات 22 من سورة الحجر و46 من سورة الروم و9 من سورة فاطر و5 من سورة الجاثية هبوب الريح وتحريكها إلى ذاته واعتبر ذلك دليلاً على ألوهية «الله».

إذن إنْ كان المؤلف يصر على أن خلفاء النبي المعصومين مدبرون لتلك الأمور فلا بد عليه أن يلتزم بأنهم الله!! ولعل بعضهم يتحجج ويعتذر عن تلك النتيجة قائلاً: نعم هذه الأمور متعلقة بالله ولكن الله هو الذي أوكل تلك الأمور بإرادته وبإذنه إلى خلفاء النبي المعصومين! وسنوضح في الصفحات التالية سخافة هذه العقيدة ونرد على هذا العذر المزور إن شاء الله.

ويكتب حضـرة «آية الله أبو الفضل النبوي» مؤلف كتاب «أمراء الكون وحكومة المعصومين الأربعة عشـر على جميع الموجودات» بعد ذلك قائلاً: «ولا يضـيء نجم...» (أي لا يشرق في السماء نجم دون حكم خلفاء النبي)!!

إنه لمن الصعب جداً علينا ونحن نعيش بين بعض الناس الذين يدّعون الإسلام وينسبون أنفسهم إلى دين التوحيد أن نطرح مثل هذه المباحث التي لم يكن نبي الإسلام يرى ضرورة إثباتها حتى للمشركين في عصره الذين كانوا بفطرتهم يقرون بأن تدبير أمور الخليقة وسكون كل ساكن وحركة كل متحرك هو بيد الله تعالى وكانوا يعلمون أنه من غير حكم الله لا ينبت نبات ولا تنزل قطرة من السماء ولا يضيء نجم. كما يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون/88، 89].

فكم من المؤسف أن يعتبر الوثنيون والمشركون القدامى تدبير كل أمر بيد الله ثم نجد بين المسلمين بعد ألف وأربعمئة عام من انتشار تعاليم الإسلام رجلاً يدعو نفسه «آية الله العظمى» ويقول إن الخلفاء المعصومين أو المعصومين الأربعة عشـر يحكمون ويدبرون جميع الموجودات؟!!

ونعود الآن إلى جملة المؤلف «ولا يضيء نجم» ونعرضها على القرآن لنرى هل تؤيد آيات القرآن مثل هذا الحكم أم أن نبيه -نعوذ بالله- قصر في إبلاغ آيات الله وتبليغ رسالة ربه في الرد على الكفر والشرك!!

يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ [الأنعام/97]، ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ [الأعراف/54]، ويقول كذلك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُورًا...﴾ [يونس/5]. ويقول أيضاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ...﴾ [الأنبياء/33]. ويقول بشأن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ؟؟﴾ [العنكبوت/61].

إذا كان المشـركون أنفسهم ينسبون خلق الشمس والقمر - اللذَيْن هما نموذجان واضحان للكواكب والنجوم- إلى الله فكيف يجوز لمن يدَّعي الإسلام أن ينسب ذلك الأمر إلى عباد الله ومخلوقاته؟! فما هذا الهذيان الذي يقوله ذلك المؤلف؟ حقاً ينبغي أن نقول له كما قال تعالى: ﴿قُلْ آَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ؟؟﴾ [يونس/59].

ثم يكتب «أبو الفضل النبوي» في الصفحة السادسة بعد تلك الجمل: «كل معدومٍ وُجد أو موجود انتقل إلى عالم الفناء إنما تم برقابة وإشراف الأئمة»!!!

لنرَ الآن فيمن تنحصر صفة المراقبة والشهود من وجهة نظر القرآن؟

يقول تعالى على لسان عيسى بن مريم: ﴿... أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة/117]، ويقول كذلك: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء/1]، ويقول أيضاً: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب/52].

فأمر المراقبة وحفظ العباد وجميع مخلوقات عالم الإمكان مختص بالله رب العالمين وكل كلام مخالف لذلك زخرف من القول وكفر وهذيان.

ثم يزيد «أبو الفضل النبوي» من شركه وكفره وفضح نفسه فيقول في جملة تالية: «ولا يعزب عنهم ذرة من عالم الوجود ولا تغيب عن نظرهم وانتباههم»!! ويقول لإثبات هذه الترهات في الصفحة 198 من كتابه: «إن الإمام-عليه السلام- يرى جميع المشارق والمغارب وكل أماكن الوجود حاضرة ومجسمة أمام ناظريه»!!

لنعرض الآن هذا الادعاء على القرآن الكريم ليقضي بيننا بحكمه. في الآيات التالية يبين الله تعالى أن ﴿عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ هو الله وحده: الأنعام/73، التوبة/94 و105، الرعد/ 9 و10، السجدة/ 6، الزمر/ 46، الحشر/ 22، الجمعة/ 8، التغابن/ 18.

وفي الآية 92 من سورة «المؤمنون» وبعد أن يبيِّن تعالى أن الله ﴿عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ يقول مباشرة: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون/92]. ومعنى ذلك أن من يعتبر غير الله عالماً بالغيب والشهادة فإنه يشرك غير الله معه فهو مشرك! تعالى الله عما يقول المشركون.

وأما الآيات التي تنصُّ على أن الله وحده هو الشاهد على أعمال مخلوقاته وأفعالهم فنذكر منها قوله تعالى: ﴿... وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران/98].

ويقول عيسى لربه: ﴿... وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة/117].

ويقول سبحانه: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس/46]، ويقول كذلك: ﴿... إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج/17].

والآيات التالية أيضاً تؤكد المعنى ذاته: ، النساء/ 33، الأحزاب/ 55، سبأ/ 47، المجادلة/ 6، البروج/ 9.

ويسأل تعالى بصيغة الاستفهام الإنكاري والتوبيخي فيقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟!﴾ [فصلت/53].

فالقرآن الكريم يصرح أن الله تعالى كاف لشهود أمور عباده ويقول: ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا [النساء/79]. والمعنى ذاته نقرؤه في (النساء/ 79، يونس/ 29، الإسراء/96، الفتح/ 28). فهذه الآيات تلقم من يهذون بمثل تلك الشـركيات حجراً في فمهم، إذ تؤكد أنه كفى بالله شهيداً ولا حاجة لشهيد آخر. وأما الآيات التي تنصُّ على أن الله هو البصير بأعمال عباده فهي كثيرة للغاية إلى درجة تغنينا عن الإتيان بها في هذا الكتاب المختصر.

[نقد تفسير صاحب كتاب «أمراء الكون» لمعنى «الولاية»]:

بعد افتتاحه كتابه بجمله الكفرية تلك، يعرب مؤلف كتاب «أمراء الكون» عن أسفه الشديد لكون الجَمّ الغفير من أتباع مذهب التشيّع الحقّ محرومون من معرفة الحقيقة بشأن إمامهم وولي عصرهم وذلك بسبب قصور التبليغ الإسلامي في هذا المجال!! ويرى أن التقصير في الدعوة والتبليغ من جهة ودسائس الضالين المقصرين الجاهلين أو طلاب الشهرة المعاندين من جهة أخرى أدَّيَا إلى انصراف أبناء الشيعة الأبرياء عن الانتباه اللازم إلى ساحة الإمام المقدسة!!. ونتيجة هذا الانحراف الخطير، فقد سُلبت - في نظره - من عامة الناس «الولاية» التي هي الشرط الأعظم لقبول الأعمال والعبادات (يبدو أن هذا السيد المؤلف قد أتى إلى أرض المحشر ووصل إلى ساحة القدس الربوبية فلما رأى هناك أن الأعمال لن تُقبل بدون مثل هذه الولاية التي يطرحها قرَّر أن يؤلف كتابه هذا كي ينقذ أبناء الشيعة الأبرياء ويكمل ولايتهم!!). ويواصل المؤلف كلامه قائلاً إن هذا الواقع المؤلم (!!) الذي لا تتسع الصفحات لبيان آثاره الوخيمة (ويا ليته ذكر لنا أثراً واحداً من هذه الآثار الوخيمة كي يحكم بشأنه القراء)(24) دعاه إلى أن يأخذ القلم ويؤلف كتابه.

ثم في الصفحة 8 وبعد أن ينقل لنا كلام أهل اللغة في معنى «الولاية» يهيِّئ لادّعائه بأن معنى «الولاية» هو تدبير أمور الكائنات والرزق والإحياء والإماتة لأهل الأرضين والسموات!

ثم يواصل بحث «الولاية» فيقول إن كلمة «مولى» التي لها معان عدة، لا يمكن أن يكون المقصود منها في عبارة «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاهُ» التي قيلت في حق أمير المؤمنين عليّ (ع) في قصّة غدير خُمّ إلا معنى «الأولى في التصرف بالأمور التكوينية»!، وقال: إن بعضهم يقولون إن الولاية معناها القرب، فإذا كان المقصود من كلمة «مولى» القرب فهذا أيضاً في نظره قريب من المقصود لأنه نوع عجيب من التقرب المخصوص بالله من ناحية التصرف والتدبير!! وكذلك أولياء الله من ناحية امتلاك أمر جميع المخلوقات هم في أشد مراتب القرب من الله! أما العصاة والكفار والمتمردون فرغم أن أولياء الله أقرب إليهم من حبل الوريد فإنهم لا يتقربون إليهم أبداً بل تفصل بينهم مسافات بعيدة، وَذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ البَعِيدُ!!

أيها القارئ الكريم والعاقل! انظر كيف يفسر هذا الذي يلقب نفسه بآية الله العظمى الآية الكريمة ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ [ق/16] التي تتكلم عن قرب الذات الإلهية المقدسة من العباد والتي تدل الآية التي سبقتها أي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق/16] على أن ذلك القرب مختص بالذات الأحديّة المقدّسة ولا يمكن نسبته لأي أحد سوى الله، فيدَّعي [ذلك المؤلِّف] لأولياء الله مثل هذا القرب بل أشدّ مراتبه قوَّةً!!!

إني لم أرَ في حياتي ولم أعرف أي مشرك ووثني وصل في ادعائه إلى هذا الحدّ! إذا لم يكن مثل هذا الادعاء شركاً وكفراً فما هو الشرك والكفر إذن؟

ثم يطرح المؤلف كلمة «ولي» فيرى أنها مطابقة لكلمة «مولى» التي وردت في حديث الغدير. وبعد أن يذكر كلاماً طويلاً في أن كلمة «ولي» تحمل معان لفظية ومعنوية مشتركة يستنتج في النهاية أن الولاية في الآية الكريمة التي تقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة/55] معناها «الأولى بالتصرف»، ويرى أن كلمة «إنما» قصرت هذه الصفة على الله ورسوله وعليٍّ عليه السلام، أما لو كان معنى كلمتي «ولي» أو «مولى» الصديق والنصير -لأن الآية الكريمة وردت في سياق النهي عن مصادقة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهما وموالاتهم - فإن هذا المعنى أيضاً يصب - في نظره - في معنى الأولى بالتصرف، لأن صداقة الكفار وحدها لا تضر ومحبة وموالاة الله وحدها لن يكون فيها نفع لصاحبها!.

إن هذا المُتَلَقِّب بَآية الله العُظْمى يحاول بكل وسيلة مهما كلَّفه من أمر ولو بكلام مضطرب أن يستخرج من كلمتي «ولي» و«مولى» معنى تصرف وتدبير الأئمة للكون والمكان حتى ولو كانت تينك الكلمتين تتعلقان هنا بشأن اليهود والنصارى!

هذا في حين أن سياق الآيات ونصوص التاريخ والسير والروايات تدلُّ بأجمعها على أن آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...﴾ [المائدة/55] جاءت ضمن النهي عن مودَّة اليهود والنصارى والتحالف معهم ونصـرتهم على المسلمين حيث نجد أن بداية الموضوع كانت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّـهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة/51]، ثم قال تعالى بعد ذلك في السياق ذاته ولأجل مواصلة المعنى الذي تم التأكيد عليه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة/55](25).

وقد ذَكر أرباب التفسير في سبب نزولها قضيَّة محاصرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليهود بني قريظة، أو ليهود بني قينقاع [بعد خيانتهم العهد وتآمرهم على المسلمين] وأن رأس النفاق «عبد الله بن أُبَيّ بن سلول» الذي كان بينه وبين اليهود موالاة وصداقة وحلف جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بناء على طلب منهم ليطلب منه أن يخفف من حصارهم ويغض الطرف عما فعلوه في حين أن عبادة بن الصامت الخزرجي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «يا رسول الله! إن لي أولياء من اليهود كثيراً عددهم قويّةً أنفسهم شديدةً شوكتهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبدُ الله بنُ أُبَيّ: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم..»(26) فنزلت هذه الآيات.

فالمعنى الذي استُخْدِمَتْ فيه «الولاية» أو «الولي» و«اتخاذ الأولياء» في الآيات بشأن اليهود والنصارى هو المعنى ذاته الذي جاء في سياق الآيات بشأن الله ورسوله والمؤمنين، والتي أرادت من المؤمنين أن تكون ولاية الله ورسوله والمؤمنين لهم نِعْمَ البَدَل لولاية اليهود والنصارى. أما استخراج أي معنى آخر للولاية غير ذلك من الآيات فليس سوى تعدٍّ على معاني القرآن وصرفٍ لمعاني الآيات عن حقيقتها وانحرافٍ عن المقصود وحملٍ لآيات الله على الرأي الشخصي(27).

لكن لما كان «أبو الفضل النبوي» مُصـرَّاً على أن يستخرج من الآية -زوراً ولجاجاً - معنى تصرُّف أولياء الله في جميع عالم الإمكان كتصرف الله تعالى! فإنه أخذ يضرب يميناً وشمالاً، ثم عقد في الفصل الثاني من كتابه فصلاً أطال الكلام فيه ليثبت أن مثل هذه الولاية على الكون ممكنة وغير ممتنعة عقلاً، وأخذ يقسِّم الأمور إلى الممكن عقلاً والمستحيل عقلاً وتوصَّل إلى نتيجة تقول إنه من وجهة نظر الفلاسفة فإن تصرف فرد ما من البشر وتدبيره لكل عوالم الخليقة من إحياء وإماتة ورزق وتربية وتعليم والذي يمكن تلخيصه - على حد قوله - بكلمة «الولاية» أمرٌ ممكنٌ ذاتاً ووقوعاً!.

ثم أخذ يبحث في الكمال الذي يؤمّن غاية آمال البشر قائلاً: لما لم يكن في عالم الوجود كمال مطلق سوى ذات الله تعالى، فكمال البشر النهائي هو أيضاً في التشبّه والتمثّل بصفات الله كالعلم والإرادة والقدرة وأن يصل الإنسان إلى مقام «الولاية» في ملك الله بأمر من الله ونصب من الله له في هذا المقام. وقال إن هذا الكمال لم يكن لدى أهل بيت العصمة والطهارة كسبياً بل ذاتياً(28)، ويمكن أن يحصل شيء من ذلك الكمال لدى سائر المخلوقات من خلال مخالفة الهوى والنفس وطاعة الحق، أما الولاية العامة والشاملة والذاتية فهي خاصة بتلك الأنوار الطاهرة الأربعة عشر.

ثم أتى بنظرية من عند الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا ليثبت عقيدته وقال: كل من جمع بين الحكمة العملية والحكمة النظرية وصل إلى السعادة الكلية، وكل من ضم إلى ذلك خصائص مقام النبوة أوشك أن يصبح إلهاً بصورة إنسان، ولم يبعد أن تكون عبادته جائزة بعد الله وأن تُفَوَّضَ إليه أمور العباد وأن يصبح سلطان عالم الوجود وخليفة الله في أرضه. ثم قال: «إن جميع المقامات والكمالات الموجودة في شخص الولي من جانب ولايته مرجعها إلى تكامل قوتي العلم والعمل فيه، أي أنه من الناحية العلمية ينبغي أن يكون عالماً بجميع الجوانب والجهات الخاصة بعالم الخليقة وأن يكون مطلعاً على كل أمر وكل شيء وأن لا تخفى عن علمه أي حقيقة بل أن يكون مسرح الوجود بأسره حاضراً مجسماً أمامه»!!

ثم ذكر شعراً للحاج مُلاّ هادي السبزواري وقال: «في هذه الصورة يعلم أن الماهية الفلانية يجب أن تكتسي بكسوة الوجود وأن الموجود الفلاني لا يصلح أن يصل إلى الحد الفلاني من التربية والتكميل...»

ثم أطلق لقلمه العنان في شرح هذه الفلسفة ثم أتى بحديث عن أبي ذر واستنتج منه نتيجة خاطئة، هذا بغض النظر عن أن هذا الحديث مختلقٌ -احتمالاً - ومن وضعِ الغلاة!

يقول الحديث: «قال أبو ذر الغفاري: كنت سائراً في أغراض مع أمير المؤمنين (ع) إذ مررنا بواد ونمله كالسيل الساري فذهلت مما رأيت فقلت: الله أكبر جل محصيه! فقال أمير المؤمنين (ع): لا تقل ذلك يا أبا ذر ولكن قل جل باريه فو الذي صورك إني أحصي عددهم وأعلم الذكر منهم والأنثى بإذن الله عز وجل(29).

حتى لو فرضنا صحة هذا الحديث فإنه لا يدل أبداً على تصـرف أولياء الله في الموجودات لأن معرفة أعداد النمل الأسود أو الأبيض في جحر من جحوره أو في قطعة من الأرض أمر سهل على كل من كان له علم بحياة النمل العادي أو النمل الأبيض أو حياة النحل وتشكيلاتها المنظمة. وذلك لأن بناء جحور النمل أو خلايا مملكة النحل يعتمد على قاعدة منظمة وهندسة دقيقة تبعاً لعدد سكان الجحر أو الخلايا كما أن توليد الذكر والأنثى منها يتم طبق حساب مضبوط ومحدد. فمن كان عالماً بالعلوم الطبيعية وعلم الأحياء لا يُعتَبر تحديده لعدد الذكور والإناث من سكنة جحور النمل أو خلايا النحل أمراً خارقاً(30).

فالتمسُّك بمثل هذا الحديث على فرض صحته لإثبات مثل تلك الولاية التكوينية لعلي -عليه السلام- هو من قبيل تشبُّث الغريق بكل قشة!! هذا رغم أن جميع الأدلة التي يذكرها «أبو الفضل النبوي» كلها مثل تشبث الغريق بكلّ قشَّة، وسنبيِّن في الصفحات القادمة ضعفها جميعاً إن شاء الله تعالى.

 [تخبُّطات مؤلف «أمراء الكون» في محاولاته حل الإشكالات العقلية المترتبة على تفسيره للولاية]:

بعد أن أثبت عقلاً - بزعمه وخياله الباطل- تصـرُّف أولياء الله تعالى في عالم الوجود، انتقل مؤلف «أمراء الكون» إلى حل إشكال جسمانية أولياء الله!

قال: «إذا استشكل أحدهم قائلاً: إن الوصول إلى كل نقطة من أماكن الوجود موقوفٌ على الذهاب إلى تلك النقطة وبناء على ذلك فعلى شخص الولي أن يتواجد في آن واحد في آلاف الأماكن وأن يحضـر عند ولادة أو موت الأشخاص الذين يموتون ويحيون في كل لحظة في أماكن متباعدة للغاية، وقال هذا المستشكِل: إن مثل هذا العمل طالما أنه سيتم بالبدن العنصري الجسمي وهو بدن واحد فحسب، فإن وجود البدن الواحد في آلاف الأماكن في وقت واحد يستلزم اجتماع النقيضين واجتماع الجزء مع الكل وهو من المحالات، كما أن التصـرُّف والتأثير في الأمور الجسمية دون القرب منها والحضور الجسمي المكاني لديها محال أيضاً».

ثم أخذ المؤلِّف في رفع هذا الإشكال بزعمه فقال: «والجواب عن هذه الشبهة هو أنه لو كان التصرف والتأثير وتنفيذ الإرادة موقوف على الحضور في المكان المراد التأثير فيه والدخول إلى تلك النقطة، ولو كان التأثير دون الحضور محال، للزم من ذلك أن يكون تدبير الله وتصرفه في أجزاء العالم مستلزماً لمجيئه وقدومه إلى ذلك الجزء. ولكن لما كان هذا الأمر يستلزم حلول الله في الأمكنة وهو أمر يتنزَّه عنه الله، استتبع ذلك أن تكون تصرفات الله في العالم مُحالة [وهذا لا يمكن لأحد الالتزام به]. ولا فرق في المحال العقلي بين الله وغيره فإذا كان أمرٌ ما محالاً عقلاً، كان محالاً بالنسبة إلى البشر وبالنسبة إلى الله أيضاً»!!!

أقول: لاحظوا كيف يسيء هذا المُتَلَقِّب بَآية الله العُظْمى استخدام قاعدة عقلية بشكل فاضح وبشكل مخادع للعوام؟!

نعم القاعدة تقول: كلُّ ما كان محالاً بالنسبة إلى الله فإن قدرته لا تتعلق به، ومن البديهي وبالطبع سيكون محالاً أيضاً على ما سوى الله. لكن لا يمكن أبداً استنتاج العكس من هذه القاعدة وأن نقول أن ما كل ما كان محالاً بالنسبة إلى البشـر لا بد أن يكون محالاً أيضاً بالنسبة إلى الله العليِّ القدير!!

من الواضح أن كلامه في الموضوع الذي هو في صدد الحديث عنه، ليس عن استحالة التأثير وتنفيذ الإرادة والقصد بالنسبة إلى الله -الذي هو موجود غير محدود وغير مقيد- دون الحضور في أماكن متعددة، بل النزاع هو بشأن مخلوقات الله التي هي موجودات محدودة ومقيدة. لكن «أبا الفضل النبوي» يقول إن هذا العمل إذا اعْتُبِرَ مستحيلاً على غير الله فلا بد أن استحالته هذه استحالة عقلية، وإذا كانت الاستحالة استحالة عقلية فينبغي أن تكون محالة بالنسبة إلى الله أيضاً!! وطالما أنها غير محالة على الله فليست إذن محالاً عقلياً وبالتالي فهي غير مُحالة بالنسبة إلى الإنسان!

يا للعجب! ألا ينتبه جناب آية الله العظمى (!) أن كثيراً من خصائص الله تعالى وصفاته لا تقبل التفويض لغير الله، ومن ذلك لا محدوديته وعدم تقيده وغناه المطلق؟! وبالتالي فإن البرهان الذي يسعى لاستخدامه للوصول إلى مقصوده يعاني من إشكالين أساسين:

الإشكال الأول: أنه لا يمكن القول إن كل ما كان محالاً على غير الله لا بد أن يكون محالاً عقلياً حصراً، ثم يستنتج أنه محال على الله أيضاً.

 والإشكال الثاني: أنه حتى لو لم يكن أمر ما محالاً عقلاً أي كان غير محال بالنسبة إلى الله، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه ممكنٌ بالنسبة إلى من سوى الله أو يقبل أن يُفَوَّض إلى غير الله. ولكن مع الأسف الشديد فإن جناب َآية الله «أبو الفضل النبوي» ليس مستعداً لفهم هذه الحقائق الواضحة والبسيطة!

حقاً ينبغي أن نقول لتقرّ عين عالم الإسلام بمثل آية الله العظمى هذا! الذي يحل لها تلك المشكلات بهذه الطريقة الفذَّة؟! لاحظوا ماذا يقول هذا الفيلسوف العظيم؟! إنه يقول إن كل ما كان محالاً بحق البشر لا بد أن تكون استحالته استحالة عقلية حصراً، ثم يستنتج أن هذا المحال العقلي سيكون محالاً أيضاً بالنسبة إلى الله!!!

حقاً إننا لنتساءل هل كان آية الله «أبو الفضل النبوي» هذا بكامل قواه العقلية عندما كتب هذه الجمل؟ هل كان عاجزاً عن فهم أن الإيجاد من العدم محال على البشر وعلى كل ما سوى الله ولكنه غير محال على الله؟!

إن خلق الإنسان ذاته من عدم مستحيل على الإنسان وعلى كل قدرة سوى الله لكنه غير مستحيل على الله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم/9]، و﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم/67].

إن الموت والدفن والتحلل إلى ذرات العالم ثم جمع تلك الذرات من كل مكان لبعث الإنسان من جديد كلها مستحيلة بالنسبة إلى البشر، وحتى أن الفيلسوف «أبو علي ابن سينا» يتفق على استحالتها لأنه يصرِّح أنه يؤمن بحشـر الأجساد يوم القيامة تعبُّداً لا عقلاً! ولكن ذلك الأمر ممكنٌ تماماً بالنسبة إلى الله لأنه على كل شيء قدير.

ثم ما هي النسبة أو العلاقة بين الله والبشر؟! وبأي حق يقول إن ما كان محالاً على البشر لا بد أن يكون محالاً على الله فأين التراب الفاني من الله المتعال الباقي؟ تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.

ثم بدأ «أبو الفضل النبوي» بذكر أدلَّةٍ على مُدَّعاه فقال: «مثلاً اجتماع النقيضين الذي يمكن القول بأنه مرجع جميع المحالات العقلية محال بالنسبة إلينا ومحال بالنسبة إلى الله ولا يمكن لأحد أن يقول إن الله قادر على الجمع بين النقيضين بأن يضع في وعاء حجمه متر بمتر شيئاً حجمه مترين بمتر دون أن يكبر الوعاء أو يصغر ذلك الشيء، فمثل هذا العمل لا نستطيع نحن أن نفعله كما لا تتعلق قدرة الله به لأنه محال. أو أن يضع الله تعالى العالم داخل بيضة، دون أن تكبر البيضة أو يصغر العالم فهذا أيضاً محال عقلي».

ثم أتى بحديث يجيب فيه الإمام عليٌّ (ع) عَلَى من سأله عن قدرة الله على مثل ذلك العمل (إدخال العالم في بيضة دون أن تكبر البيضة أو يصغر العالم) قائلاً: «إن الله لا يُنْسَبُ إلى العجز ولكن ما سألتَهُ لا يكون»(31)، هذا مع أن هذا الحديث لا يدل على أن الله لا يقدر على فعل ذلك العمل بل ما قاله الإمام هو أن ما تسأل عنه لا يكون، أي هو أمر محال الوجود.

إن كثيراً مما كان محالاً على البشر أصبح اليوم ممكناً وكثيراً من المحالات بالنسبة إلينا يمكن للقدرة أن تتعلَّق بها، وعقل الإنسان المحدود لا يمكنه أن يكون ميزاناً لحقائق عالم الوجود ومعياراً لما يمكن أن يتحقَّق وما لا يمكن أن يوجد، وقد أجبنا عن هذه التصوُّرات الساذجة في الصفحات التالية.

ثم واصل «أبو الفضل النبوي» التظاهر بالعلم وسوق الدلائل على هذا الادّعاء فقال: «إذن تصرُّف الله في أرحام الأمهات وتصوير الأجنَّة وخلقها وتسوية أبدانها في أحسن تقويم عجيب دون الذهاب إلى الأرحام ودون امتلاك قلم ودواة وألوان مختلفة، لا بد أن يكون -عقلاً- محالاً، وذهاب الله من مكان إلى مكان وما يلزم عنه من التحيز سيكون محالاً أيضاً. وحسب الظاهر نحن لا نرى مصوراً ولا دواةً وحبراً في الأرحام، كما لا نسمع وقع أقدام أي شخص يتردد جيئةً وذهاباً في الأرحام، كما لا نشاهد مهندساً ومخططاً يحمل دواة الألوان في بساتين الزهور وعند براعمها، إذن لا بد أن نقول إن كل هذه الأمور تتم بمجرد إرادة الحق تعالى فقط. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نقول إن الأمر ذاته أيضاً يمكن أن يتم من خلال إرادة الوجود الأقدس لأولياء الله وبإذن الله وتأييده وأن يتم في أقصى نقاط العالم دون الحاجة إلى الذهاب والإياب»!

لاحظوا كيف يتفلسف هذا المُتَلَقِّب بَآية الله العُظْمى في حل هذه المسألة؟!! الأمر الذي هو محال بالنسبة إلى البشر، اعتبره محالاً أيضاً بالنسبة إلى الله، وبما أن الله تعالى يصور الأجنة في الأرحام دون أن يذهب إليها أو يستخدم قلماً ودواةً وألواناً ودون أن يُسمع صوت ذهابه وإيابه ومع ذلك يصور الورود ويلونها في الحقول والبساتين! لذا نسأل كيف يقوم بهذا العمل؟ والجواب بالطبع أنه يقوم بها بإرادته. هنا يقفز المؤلف إلى الاستنتاج بأن أولياء الله أيضاً يفعلون ذلك بإرادتهم، غاية ما في الأمر أنهم يقومون بذلك بإذن الله وتأييده!!

وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نرى لماذا يقوم أولياء الله بهذه الأعمال؟ هل الله بحاجة إلى مساعدة من أولياء الله للقيام بتلك الأعمال؟ أم أن عملهم ذاك عمل تشريفيٌّ فقط؟ وإذا كان الله محتاجاً لذلك -والعياذ بالله - فهل أولئك الأولياء جزء من ذات الله أم خارجون عن ذاته؟ وأساساً ما هو الدليل على أن هذه الأعمال تتم من قِبل أولياء الله؟! وهل يمكن لصفات الله اللامحدودة واللامقيدة أن تُفَوَّض إلى المخلوقات أم لا؟

كل هذه أسئلة تُوَجَّهُ إلى «أبي الفضل النبوي» المتلقِّب بآية الله، ولما كان من المعلوم أن ادعاءه كاذب ولا يعدو زخرف القول فإن الإجابة عن تلك الأسئلة ستتضح قريباً وما أحسن قول من قال بحجر واحد يمكن إبعاد مئة غراب.

الدلائل على بطلان ادعاءات آية الله العظمى!

يَدَّعِي آية الله (!) أبو الفضل النبويّ أن شخص «الوليّ» يجب أن يذهب في كل لحظة إلى آلاف الأمكنة وأن يحضر عند ولادة كل من يولد أو وفاة كل من يموت من الناس في لحظة واحدة ولو في أماكن متباعدة عن بعضها جداً، وأنَّه لما كان هذا العمل مستحيلاً بالنسبة إلى البدن العنصري فلا بدَّ أن يتمَّ حضور الولي في كلِّ مكان دون ضرورة لانتقال بدنه العنصري، تماماً كما يحضر الله تعالى في كل مكان دون أن يكون له بدن عنصري وحركة وانتقال أساساً. وإذا كان هذا محالاً بالنسبة إلى الإنسان، فسيكون محالاً بالنسبة إلى الله أيضاً، وبما أنه ممكن بالنسبة إلى الله تعالى، فهو إذن ممكن أيضاً بالنسبة إلى «وليِّ الله»!!!

وخلاصة دليله هو أنه: إما أن تكفُّوا عن الاعتقاد بأن «الله» حاضر ناظر في كل مكان كي أكفَّ أنا أيضاً عن القول بمثل هذه العقيدة بالنسبة إلى الوليّ!! أو بمجرد أن تؤمنوا بأن الله حاضر في كل مكان -بأي دليل كان- فعليكم أن تقبلوا أن الولي أيضاً يمكنه أن يحضر في آنٍ واحدٍ في كل مكان!!

ولما كان تصرُّف الله وتدبيره مستلزماً لحلوله في الأمكنة وكنتم تنزِّهون الله عن التحيُّز والحلول في الأمكنة فتصرُّفه في العالم بهذه الطريقة محال. وإذا كان من المحال للبدن العنصري الواحد أن يتصرّف في العالم دون ذهاب وإياب وكان هذا من المحالات العقلية!!! فسيكون هذا المحال محالاً بالنسبة إلى الله تعالى أيضاً لأن كل ما كان محالاً عقلياً بالنسبة إلى البشر فهو محال عقلي أيضاً بالنسبة إلى الله. وفي الختام، وبما أن الله لا يستطيع أن يضع شيئاً حجمه مترين بمتر داخل وعاء دون أن يكبر الوعاء أو يصغر الشيء فنحن أيضاً لا نستطيع أن نفعل ذلك، وبما أن الله لا يستطيع أن يضع العالم داخل بيضة دون أن يصغر العالم أو تكبر البيضة فنحن أيضاً لا نستطيع ذلك!!

ولكن بما أن الله يستطيع دون الدخول إلى الأرحام ودون استخدام دواة وقلم أن يصوِّر الأجنَّة أحسن تصوير بإرادته المحضة فكذلك «الولي» يستطيع بإرادته المحضة أن يحضر في كل مكان وأن يحضر عند كل ولادة أو وفاة. فما يقدر الله على فعله بواسطة إرادته فقط يمكن للبشر أيضاً أن يفعلوه بواسطة إرادتهم!! هذه هي خلاصة ونتيجة ادعاء جناب «أبو الفضل النبوي» المُتَلَقِّب بَآية الله العُظْمى!

الآن علينا أن نبحث ونتساءل ما الذي دفع «أبو الفضل النبوي» إلى النشاط والاجتهاد في بحث هذه القضية، وما علَّة ادعائه لتلك الدعاوي؟

أما بالنسبة إلى الدافع فإننا لا نتصور دافعاً سوى ما ذكرناه في صدر كتابنا هذا والله أعلم بحقيقة عباده. وأما بالنسبة إلى دليله على ما يقول، فمن الواضح أنه ذلك البيت من الشعر الذي وضعه السيد الحميري على لسان أمير المؤمنين (ع) وأنه قاله للحارث بن الأعور:

 يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ قُبُلا (32)

والواقع إن قصة دخول الحارث الأعور على أمير المؤمنين علي (ع) من جملة القضايا التي لم تقع أصلاً واخترع لها السيد أشعاراً.

ثم هناك بعض الأحاديث في هذا الشأن [أي حضور علي بن أبي طالب عند كل إنسان لحظة وفاته] أوردها الكُلَيْنِيّ في كتاب «الجنائز» من كتابه «الكافي».

أما بالنسبة إلى الشعر المذكور فيكفي أن قائله هو «السيد إسماعيل الحميري» وهو صاحب السوابق المضطربة، وكان طبقاً لما تذكره كتب التاريخ والرجال رجلاً فاسقاً، وقد قلنا سابقاً إن الفسَّاق والفجَّار أراحوا أنفسهم بالاعتقاد بمثل هذه الأوهام التي أغواهم بها الشيطان لكي تزيد جرأتهم على ارتكاب المعاصي والآثام. وقد اتَّفقت جميع كتب الرجال التي ترجمت له على أنه كان مستمراً في شرب الخمر إلى حين احتضاره ومفارقته الحياة!

ورغم أن بعض الأخبار تنقل أنه قال في آخر ساعات عمره أشعاراً استغفرَ اللهَ فيها من مذهبه الماضي الذي كان مذهب الخوارج والكيسانية وقال البيت المعروف:

 تَجَعْفَرْتُ بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو وَيَغْفِرُ(33)

رغم أن هذا المطلب غير صحيح برأي أهل الأدب، لأن هذا البيت لا يشبه أبداً أشعار «إسماعيل بن محمد الحميري» الجميلة والطريفة، يُضاف إلى ذلك أن المذكور في تاريخ ولادته أنها كانت سنة 173هـ وبالتالي فالرواية التي تذكر أنه التقى بحضرة الإمام الصادق وتاب على يديه أو انصرف عن مذهبه السابق وأن الإمام الصادق (ع) قال شيئاً بشأن العفو عن شربه الخمر، رواية غير صحيحة من أساسها لأن الصادق توفي سنة 148هـ أي قبل 25 عاماً من ولادة «السيد الحميري»!

ولكي نتأكد أن ذلك البيت من الشعر ليس لأمير المؤمنين عليٍّ (ع) بل هو من كلام السيد الحميري نفسه فإننا نحيل القارئ الكريم إلى الكتاب النفيس الذي ألفه العلامة الكبير المرحوم السيد «محسن الأمين العاملي» بعنوان «جمعة النفيس» حيث أتى فيه بما يلي:

[[لا بأس أن نشير إلى بعض ما يوجب القطع بفساده ألا وهو نسبة بعض المذكور في الديوان إلى أمير المؤمنين.....» [ثم يصل إلى القول أن البيت الذي يقول]: يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ قُبُلا

في حين أن هذا البيت هو للسيد «الحميري» وأوله يقول:

 قَوْلُ عَلِيٍّ لِحَارِثٍ عَجَبٌ كَمْ ثَمَّ أُعْجُوبَةً لَهُ حَمَلا(34)

وهذا صريح بأن ما يقوله حكاية لقول الإمام وليس عين كلامه. وقد نسب الشيخ الطوسي -عليه الرحمة- أيضاً في المجلس الثامن عشر من أماليه ذلك البيت من الشعر إلى السيد «الحميري» وأتى بذلك البيت في مطلع القصيدة.

نعم لقد اشتبه الأمر على «ابن أبي الحديد» شارح نهج البلاغة فقال إن الشيعة تروي ذلك البيت عن أمير المؤمنين]] (انتهى كلام العلامة السيد محسن الأمين).

أما الأحاديث التي أوردها الكليني في كتاب «الجنائز» من كتابه «الكافي» فقد ذكر ستة عشر حديثاً في هذا الباب معظمها لا يدل على ذلك المطلب بصراحة. وكل تلك الأحاديث طبقاً لتشخيص العلامة المجلسي -رحمة الله عليه- في كتابه «مرآة العقول» إما ضعيفة أو موضوعة أو مجهولة!! ومعظم رواتها من الغلاة الضالين من أمثال «سهل بن زياد» و«محمد بن سنان» و«بنو الفضّال» وقد ذكرنا ترجمة أحوالهم في الجزء الثاني من هذا الكتاب المتعلق بالزيارة وأدعية الزيارات.

ولا يوجد من بين تلك الأحاديث الستة عشر سوى حديث صحيح واحد. وهو لا يتعلق بحضور «الولي» أو الإمام عند المحتضر بل مضمونه أن المؤمن ستقر عينه عند موته بنتيجة أعماله.

والأحاديث التي جاءت في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري وفي تفسير العياشي وسائر الكتب حول هذا الموضوع جميعها لها نفس الدرجة من الصحة أيضاً أي هي أحاديث ضعيفة أو مجهولة وغير معتبرة. وعلى فرض أن كل تلك الأحاديث صحيحة وكلها تذكر أن أولياء الله يحضرون عند موت المؤمن أو المنافق فليس معناها أن شخص الإمام يحضر بجسمه أو روحه أو بمشيتئه وإرادته! بل أفضل تفسير وتأويل لمثل هذه الأخبار هو ما ذكره الشيخ الجليل الشيخ المفيد -أعلى الله مقامه- حيث قال:

[[القول في رؤية المحتضـرين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَأمير المؤمنين (ع) عند الوفاة: هذا باب قد أجمع عليه أهل الإمامة وَتواتر الخبر به عن الصادقين من‏ الأئمة (ع) وَجاء عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال للحارث الهمداني رحمه الله:

يا حار همدان من يمت يرني        من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفنـي طـرفه وَأعـرفه        بعينه وَاسمه وَما فعلا

في أبيات مشهورة وَفيه يقول إسماعيل بن محمد السيد رحمه الله

وَيراه المحضور حين تكون          الروح بين اللهاة وَالحلقوم‏

وَمتى ما يشاء أخرج للناس          فتدمى وجوههم بالكلوم‏

غير أني أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما عليهما السلام هو العلم بثمرة ولايتهما أو الشك فيهما وَالعداوة لهما أو التقصير في حقوقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه وَأمارات وَمشاهدة أحوال وَمعاينة مدركات لا يرتاب معها بما ذكرناه، دون رؤية البصر لأعيانهما ومشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع، وقد قال الله عزّ وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة/7-8]، وَإنما أراد جل شأنه بالرؤية هاهنا معرفة ثمرة الأعمال على اليقين الذي لا يشوبه ارتياب وَقال سبحانه: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ [العنكبوت/5] وَلقاء الله تعالى هو لقاء جزائه على الأعمال وَعلى هذا القول محققو النظر من الإمامية. وقد خالفهم فيه جماعة من حشويتهم وَزعموا أن المحتضـر يرى نبيَّه وَوليَّه ببصره كما يشاهد المرئيات وَأنهما يحضران مكانه وَيجاورانه بأجسامهما في المكان!!..]] انتهى كلام الشيخ المفيد. (35).

ومثله التفسير والتأويل الذي ذكره السيد جليل القدر المرتضى علم الهدى كما نقل ذلك العلامة المجلسي في الجزء الرابع من بحار الأنوار (147) حيث قال:

«الخامس ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه وَهو أن المعنى أنه يعلم في تلك الحال ثمرة ولايتهم وَانحرافه عنهم لأن المحبّ لهم يرى في تلك الحال ما يدلّه على أنه من أهل الجنّة وَكذا المبغض لهم يرى ما يدلّه على أنه من أهل النار فيكون حضورهم وَتكلُّمهم استعارة تمثيلية»(36).

ومما يؤكّد ذلك صراحة بعض الأخبار في إفادة هذا المعنى، كما جاء في حديثٍ للكافي: «عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع): جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ! هَلْ يَكْرَهُ المُؤْمِنُ عَلَى قَبْضِ رُوحِهِ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ إِنَّهُ إِذَا أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِهِ جَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ يَا وَلِيَّ اللهِ لَا تَجْزَعْ فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم لَأَنَا أَبَرُّ بِكَ وَأَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنْ وَالِدٍ رَحِيمٍ لَوْ حَضَرَكَ افْتَحْ عَيْنَكَ فَانْظُرْ. قَالَ: وَيُمَثَّلُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ‏ وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِم عليهم السلام...»(37).‏

فكان من الأفضل لآية الله العظمى! أن يصـرف النظر عن هذه الأحاديث ومعانيها كي لا يضطر إلى ذكر كل تلك الترهات وتلفيق كلمات الكفر تلك إلى حد قوله إذا كانت المشكلة هي الجسمية فإن تصـرّف الله في الأرحام وتصوير الأجنة يحتاج إلى الذهاب والإياب؟! فأي مسلم قال إن تدبير الله للأمور يستلزم حضور جسم عنصري حتى يجيب عليه حسب خياله ويردَّ قوله؟!

ولو فرضنا محالاً -والعياذ بالله- أن الله جسم ومادة! فهل حضوره في كل مكان مماثل لحضور البشر الذين يحتاجون إلى الحركة والتنقل وأن يسمع الناس صوت أقدامهم ويروا أيديهم وقلمهم ودواتهم!؟!

إن الله تعالى محيط بجميع عالم الإمكان دون مادة أو زمان، وليس وحده محيطاً بذلك بل حتى بعض مخلوقاته تحضر في أغلب الأمكنة ومع ذلك لا يمكن قياس البشر عليهم.

فمثلاً الأمواج الكهرطيسية موجودة في سائر أنحاء العالم ويمكن لأجهزة الراديو والتلفاز وأمثالها أن تلتقطها، ولكن البشر لا يملكون مثل تلك الخاصية والقدرة ولن يملكوها. وكذلك قوة الجاذبية التي تؤثر في جميع أنحاء الكون وفي نظام المجرات ولا يمكن تصور مثل هذه القدرة للبشر.

وكذلك تستطيع أشعة اكس والأشعة ما وراء البنفسجية والقوى الأخرى التي تقع تحت القدرة العلمية للبشر اليوم، أن تقوم بأعمال لا يمكن لفكر الإنسان أن يتصوَّرَها! فما هذا القياس الخاطئ الذي يقوم به آيتنا العُظْمى هذا! إذ يقيس الله على البشر الذي هو بشهادة العلوم الطبيعية إن لم يكن أعجز المخلوقات وأضعفها فليس بأقواها بالتأكيد. والأسوأ من ذلك قوله إن الذي يكون تحقيقه بالنسبة إلى الإنسان محالاً عقلاً فكذلك سيكون محالاً بالنسبة إلى الله! ويقول بما أن الله لا تتعلق قدرته بأن يضع العالم في بيضة دون أن يصغر العالم أو تكبر البيضة فنحن أيضاً لا نقدر أن نفعل ذلك! انظروا إلى هذا القياس المقلوب والخاطئ.

أولاً: يجب أن يُقال لهذا المؤلف إن الله قادر حتى على تحقيق ما تتصوره محالاً عقلياً! فخلق العالم من العدم هو من المحالات ولكن الله أوجد العالم من عدم على رغم أنف الفلاسفة، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس/82]. وقال أيضاً: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم/9]. وقد ورد في الخبر «كان الله ولم يكن معه شيء»(38).

يا حضرة الآية العُظْمى! رغم كل ادعاءاتك لا يمكنك أن تدعي أنك تعيش في كون وسعته وحقيقته بمقدار ما يمكنك تصوره فقط لا غير! وذلك لأن عقل الإنسان ليس ميزاناً للحقائق، بل العقل شعلة ضعيفة منحها الله للإنسان تعويضاً عن حرمانه من الغرائز الطبيعية المرشدة كي يستطيع من خلاله تلمس سبيله نحو العيش، وليس هنا موضع إثبات هذه الأمور.

في حياة الإنسان التي يُمضي ثلثَها على الأقل في النوم، تحدث في عالم الرؤيا أمورٌ لا يمكن أبداً أن نقيسها بمقاييس المادة والزمان، ولا يمكن تطبيق قاعدة المحالات العقلية عليها أبداً. فالإنسان في عالم الرؤيا يقوم في لحظات بأعمال لا يمكنه في عالم اليقظة أن يفعلها ولا في سنين من الزمن، ويتكلّم ويتبادل الحديث بما لا يستطيع أن يفعله خلال أشهر من حالة اليقظة! وتحدث خلال الرؤية عجائب مثل مرور الجمل في سم الخياط وطيران الإنسان وعروجه وسقوطه... دون أن يعتبر أحدٌ ما شُوهد محالاً عقلياً، مع أنها أمورٌ لا يمكن تصديقها أبداً في غير حالة الرؤيا ومنطقها يختلف كلياً عن منطق اليقظة وهي تشكِّل ثلث حياة الإنسان وأهميتها في الشريعة جزء من 46 جزء من النبوة، بل هي دليل كبير على المعاد (البعث) فلا يمكن غض الطرف عنها.

كما أن على آيتنا العُظْمى أن يجيب عن هذا السؤال: لما تحوّلت عصا موسى (ع) بأمر الله ثعباناً مبيناً وابْتَلَعَتْ -كما ينصُّ على ذلك القرآن الكريم- جميع الآلات والعصـيّ والأدوات التي ألقاها سحرة فرعون والتي تزن مقداراً كبيراً من الكيلوغرامات من النحاس والحديد والخشب والحبال، فقال تعالى: ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه/69]، هل كَبُرَتْ عصا موسى أم صَغُرَت حبال سحرة فرعون وعِصِيُّهم عندما دخلت في بطن ثعبان موسى؟! كيف اتَّسعت جميع تلك الحبال والعِصِيّ في ثعبان عادي من مترين أو ثلاث دون أن يكبر الثعبان أو تصغر العصـيّ والحبال؟

يشهدُ الله ويعلم أننا لسنا بصدد التقليل من حرمة نعمة العقل العظيمة الذي كرَّمَه القرآن الكريم تكريماً عظيماً ولا نريد إنكار وجود محالات عقلية، بل كل ما نرمي إليه هو أن لا يعتبر بعض علماء الدين كل ما كان مستحيلاً على غير الله مستحيلاً أيضاً على الله بوصفه محالاً عقلياً، بل أن يدركوا أن كثيراً من المحالات هي محالات بالنسبة لنا فقط وليست محالات عقلية وجودية، فعليهم أن يتأمّلوا ويحتاطوا كثيراً عندما يتكلّمون عن الذات الإلهية.

ثانياً- ننصح آية الله «أبا الفضل النبوي» هذا الذي يستند أكثر من الآخرين إلى كتب الروايات والأخبار، وكثيرٌ من دعاويه مستقىً من الخرافات والقصص المبثوثة في كتب الروايات، أن لا يحتجّ إلى هذا الحدّ بعقل الإنسان الضعيف لأن كثيراً من مستندات اعتقاداته -كما سنرى- مخالفة للقرآن كما هي مخالفة للعقل والعلم والتاريخ.

ونقول له: أنت نفسك مضطرٌّ طبقاً لعقائدك المذهبية- ونحن نلزمك بقول علماء مذهبك- أن تسلِّمَ وتقرَّ بكثير من المحالات العقلية. حتى بالنسبة إلى القضية ذاتها التي تذكرها أعني هل يستطيع الله أن يضع جميع العالم داخل بيضة دون أن يصغر العالم أو تكبر البيضة، هناك في كتاب «الكافي» حديث حول هذا الموضوع عن «عَبْدِ اللهِ الدَّيَصَانِيِّ» يذكر أنه تناقش في هذا الأمر مع «هشام بن الحكم» فسأل هشامٌ لإمامَ الصادقَ عن هذه المعضلة فكانت إجابة الإمام إمكانية فعل ذلك بالنسبة إلى الله!!(39)

وطبقاً لما يُقال في مجالسكم المذهبية وكتبكم الروائية -والتي لم نسمع من العلماء والمراجع نهياً عنها أو اعتراضاً عليها- قال الإمامُ الكاظم - عليه السلام - لصورة أسد مصوَّرة على بعض الستور: يا أسد الله! خذ عدو الله! فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترسته وذلك في محضر هارون الرشيد(40). وكذلك صورة الأسد التي كانت على المسورة في محضر الخليفة المتوكل، والتي ضرب عليها الإمام علي بن محمد بن الهادي - عليه السلام - بيده فَوَثَبَتْ الصُّورَةُ مِنَ الْمِسْوَرَةِ فَابْتَلَعَتِ المشعبذ الهندي - الذي أحضـره الخليفة المتوكل ليهين الإمام ويضحك الناس منه -، وَعَادَتْ الصورة فِي الْمِسْوَرَةِ كَمَا كَانَت(41). وعندما طُلب من الإمام الكاظم (ع) أن يعيد ما ابتُلع قال: «إِنْ كَانَتْ عَصَا مُوسَى رَدَّتْ مَا ابْتَلَعَتْهُ مِنْ حِبَالِ الْقَوْمِ وَعِصِيِّهِمْ فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَرُدُّ مَا ابْتَلَعَتْهُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ»! (42).

وفي قضية المعراج النبوي التي تُعدّ من أعظم معجزات وكرامات خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم والتي يعتقد معظم الشيعة [كما يعتقد سائر المسلمين] بأنه كان معراجاً بالجسم والروح، فإن السؤال المحيِّر هو ما تذكره الروايات من أنه عندما عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رحلة المعراج التي عرج فيها من فراشه إلى السموات العلى في رحلة عجيبة شاهد فيها عجائب ملكوت الله في أقل من لحظة، وقطع مسافات الكون التي كشفت التحقيقات العلمية الحديثة والأجهزة والمراصد المتطورة اليوم أن مسافته تزيد عن مليار سنة ضوئية (علماً أن النور يقطع في كل ثانية أكثر من 300 ألف كيلو متر!!) والتقى صلى الله عليه وآله وسلم بكل أولئك الملائكة وأهل الجنة والنار وتحادث مع الأنبياء وتلقَّى الأحكام والشرائع من الله، فلما عاد إلى سريره كانت جرَّة الماء التي كان يضعها عند رأسه والتي سُكِبَتْ عندما ارتطمت بقدمه الشريفة لا تزال تنسكب، كما أن حلقة الباب التي تحرَّكت عند ذهابه كانت لا تزال تتحرك! كما أن سريره كان لا يزال ساخناً!

فكيف استطاع جسم عنصري أن يقطع في تلك المدة القليلة جداً كل تلك المسافات الهائلة وكل تلك العوالم الكثيرة؟ هل صَغُر حجم العالم أم كبر جسم رسول الله أم صغرت ملايين ملايين الأجسام؟!

وصور الأسد التي -حسب قولكم- افترست عدو الإمام الكاظم وعدو الإمام الهادي وابتلعتهما هل كبرت أم أن عدوَّىْ الأئمة الملعونَين صغرا؟!

إن الأسود لم تكبر، وأجساد أولئك الأشخاص لم تصغر، فكيف اتسعت الأجسام التي حجمها عدة أمتار في صورة ليس لها حجم؟!

وأنتم تدَّعون فيما تنقلونه من روايات أن الإمام الجواد أجاب عن ثلاثين ألف مسألة مشكلة في مجلس واحد! فلو فرضنا أن الإجابة عن كل مسألة تحتاج إلى أقل من دقيقتين، فمعنى ذلك أن الإمام كان يحتاج إلى ستين ألف دقيقة أي حوالي خمسين يوماً وليلةً للإجابة عن تلك المسائل!! فإما أن تكون المسائل قد استغرقت أقل من دقيقتين أو أن يكون المجلس قد طال إلى خمسين يوم وليلة؟!

فمن العجيب أنكم تريدون أن تقنعوا الناس بهذه المسائل من خلال هذه التلفيقات الفلسفية التي لا تمتلكون دليلاً عليها سوى أن بعض الغلاة أو أعداء الدين وضعوها ودسوها بين الأخبار والكتب.

ويبدو أنكم رغم كل ادعاءاتكم العلمية لم تتعلموا المنطق جيداً، فمن بين النسب الأربعة بين الأشياء، قضيتنا هنا هي من باب العموم والخصوص المطلق (ليس كلُّ شيءٍ كرويٍّ حبَّةُ جوزٍ رغم أن كلَّ حبَّةِ جوزِ كُرَويَّةٌ)، في حين أنكم في القياس الاقتراني المنطقي الذي ذكرتموه جعلتموها من الشكل الأول أو الثالث (كل ما هو ممكنٌ لِـلَّهِ فهو ممكنٌ أيضاً للبشر!) ونتيجة هذا القياس ستكون أن الإنسان أيضاً إله! ويكفيكم هذا الخطأ الكبير الذي لا يمكن لمجنون أن يرتكبه فضلاً عن أن يقول به من يدعي أنه آية الله العظمى!

إن نشر مثل هذه الأفكار نوع من الرشوة والبشارة للفسَّاق والفجَّار الذين يتصوَّرون أنه بما أن عليَّاً (ع) سيحضر عند رأسهم عند وفاتهم، والحال أنهم يعتبرون أنفسهم من محبيه وشيعته إما لأنهم كانوا من جملة الدراويش أو لأنهم كانوا من الذين يضربون أنفسهم [في ذكرى وفاته] بالسلاسل والسيوف، ويعتبرون ذلك أقوى دليل على ولايتهم له، فإن أمورهم ستكون محلولة وسيكونون في أسعد حال!

وإلا فماذا يفيد نشر مثل هذه الأفكار في التربية وهداية الأرواح إلى الله عزَّ وجلَّ؟! أليس في نشر مثل تلك الأفكار تشجيع لعامة المنتسبين إلى التشيّع على التجرُّؤ أكثر على ارتكاب المعاصي والذنوب. إن نظرةً إلى ما يجري في الأسواق تكفي لرؤية مقدار تجاهل الناس لموضوع الربا والاحتكار ومخالفة أحكام الشريعة.

وبصرف النظر عن كل ذلك فما الحاجة لإثبات مثل هذا الأمر سوى وسوسة الشيطان ودسائس الأعداء الذين يدفعون الإنسان نحو أودية الكفر والشرك الخطيرة، ويشوّهون دين الإسلام ومذهب التشيُّع في نظر عقلاء العالم حيث يصوِّرونه مذهباً مليئاً بالأوهام مفتقراً إلى العقل والتفكير السليم؟!

لو قلنا إن محمداً وعلياً -عليهما السلام- لا يحضران عند رأس المولود حين ولادته أو الميت عند مفارقته الروح، فأيُّ خلل يصيب أركان الإيمان وأيُّ ضرر يصيب المولد أو الميت؟! هل يعجز الله تعالى -والعياذ بالله- عن الإتيان بالمولود إلى عالم الدنيا أو أخذ الميت من هذا العالم دون وجود محمدٍ وعليّ، حتى تتجشمون كل هذا العناء لإثبات هذه القضية؟ طبعاً نحن نعلم أن قصدكم من هذا الأمر ليس سوى التشبث بدليل لإثبات مدعاكم الشركي ولو كان هذا الدليل مثل القشَّة!.

وليت شعري! هل اعتقاد الناس بحضور محمدٍ وعليٍّ أو سائر الأئمة -عليهم السلام- عند رأس الميت أو المولود يساعد على نشـر حقائق الإسلام في العالم واكتشاف الناس عظمة الإسلام وأنه دين الحق؟! أم على العكس من ذلك من شأن نشر مثل هذه الأفكار والأوهام أن ينفُرَ حتى الأفراد المسلمون الواعون وذوو الفهم، من الدين، ويحال بينهم وبين سماع حقائق الدين الحقيقية! كما نرى ذلك فعلاً.

ثم بدأ المؤلف «أبو الفضل النبوي» بشرح الفرق بين عمل أصحاب الرياضات الرهبانية وبين طريقة أولياء الله، وذلك لكي يحل إشكال وجود أفراد من الملل الأخرى يدَّعون القدرة على التصرفات في الكون مشابهة لما يُروى عن بعض الأئمة عليهم السلام، وفي الحقيقة قام بإثبات باطل استناداً إلى باطل. لقد ادعى أن الفرق بين أعمال أولياء الله وبين تصرّفات بعض النُسَّاك وأصحاب الرياضات الروحية هو أن قدرات أولياء الله ذاتية بينما قدرات النُسَّاك كسبية! هذا رغم أنه اضطر في صفحات أخرى من كتابه إلى الإقرار بأن كل ما ناله أولياء الله من مقامات فهو نتيجة لعبادتهم لِـلَّهِ، وهو أمر صحيح تؤيده الأخبار.

ثم بدأ يتحدّث عن أباطيل لا تستحق النقل والعناية بها ولما وقع في إشكال توارد العلل على معلول واحد حاول التفصِّـي منه والإجابة عنه بقوله: إن ورود الإرادات المتعددة على مراد واحد كما تفيده آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا.......﴾ [المائدة/55]، إنما يؤدي إلى إشكال إذا كانت الإرادات متفاوتة ومتباينة عن بعضها البعض، لأن الفلسفة تقول إن توارد علتين أو ثلاث علل على معلول واحد من المحالات العقلية، ولكن هنا لما كانت إرادة الله والرسول والولي إرادة واحدة فليس هناك من إشكال في الأمر! ثم شبَّه ذلك بجهاز السلاطين والوزراء وجعل الله مثل السلطان والرسول والأولياء مثل وزرائه ورئيس وزرائه الذين يمتلكون جميعاً إرادة واحدة.

لقد أتى بالفلسفة ذاتها التي اخترعها المسيحيون للأقانيم الثلاثة فقالوا إن الأب والابن وروح القدس ثلاثتهم واحدٌ وهم في الوقت ذاته ثلاثة أيضاً!! بل يمكننا أن نقول إن فلسفة المسيحيين أقل ضعفاً مما يذكره!

إن هذه التخيلات العامية بل الصبيانية التي يقوم بعرضها بأسلوب فلسفي تؤدي إلى إيقاع هؤلاء المساكين بفكرة أن الله مثل الملك، ولما كان لكل ملك وزراء ومشيرون وخدم وحشم لذا فإنهم يعتقدون بوجود مثل هؤلاء لدى الله، وعندئذ عندما يرون أن وزير الملك قدرته أكثر من الآخرين فإنهم يثبتون لرسول الله ذلك المقام وتلك القدرة ثم عندما يشاهدون أن سائر الوزراء يملكون صلاحيات واسعة بعد صلاحيات الوزير الأول، لذا يثبتون مثل هذه الصلاحيات لأوصياء رسول الله، وقِس على ذلك...

وفي الواقع لقد نشأت مسألة التوسل والشفاعة انطلاقاً من هذه التخيلات والتصورات الباطلة ذاتها، مع فارق أنه في جهاز السلطنة تكون قدرة الملك وعظمته محفوظتان دائماً ومحترمتان بحيث أنه يملك أن يعزل رئيس وزرائه أو أي وزير من وزرائه متى شاء وأحياناً يأمر بضرب عنقه!! أما في جهاز السلطنة الإلهية عند هؤلاء فإن قدرة ونفوذ رئيس الوزراء والوزراء تكون في تزايد دائم إلى حد أنه مع وجود الأولياء وكل ما يملكونه من قدرات وصلاحيات يبدو وجود الله زائداً وإضافياً!!!

والسبب في ذلك أن وزراء الله يقومون بجميع أعماله وأحياناً -كما تفيده بعض الأخبار الموضوعة- يقومون بالأمر قبل أن يريده منهم.

ولعلهم قاسوا قدرة وزراء الله هذه على قدرة الوزراء في بلاط السلاطين الصفويين لأن كثيراً من هذه الكتب المذهبية كُتبت في زمن أولئك السلاطين، وقد اتسعت قدرة الأئمة -عليهم السلام- على أيدي كتّاب ومؤلفين أمثال صاحب «مدينة المعاجز»(43) و«إثبات الهداة»(44) وأمثالهما في زمن أولئك السلاطين، وإلا فإن علماء ومؤلفي الشيعة لاسيما القدماء منهم لم يكونوا أبداً يعتقدون في حق الأئمة بمثل تلك القدرات على التصرف في الكون كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.

وهذه المبالغة والإفراط في قدرة ونفوذ وتسلط الأئمة نجدها منعكسة في التوسل والشفاعة في البلدان الشيعية التي نجد المشاهد فيها عامرة أكثر من المساجد ونجد الأوقاف والنذور فيها على المقابر أكثر من الزكوات والصدقات على الفقراء والمصالح العامة، ونجد دعاء الأولياء والاستغاثة بعلي والحسين -عليهما السلام- فيها أكثر من الاستغاثة بالله ومن نداء «يا الله»، ونجد جماعات النائحين واللاطمين لصدورهم فيها أكثر من جماعات صلوات الجماعة وقراءة القرآن، ونجد تمني زيارة قبر الحسين والرضا -عليهما السلام- أكثر من تمني زيارة بيت الله الحرام، والخوف من حضرة العباس و«شاه جراغ» أكثر من خوف الله و....و....

لماذا يحدث كل هذا؟ إن السبب في ذلك أن الناس لم يعرفوا اللهَ حقَّ المعرفة، ولأن أمثال «أبي الفضل النبوي» يوجهون الناس في خطبهم ودروسهم نحو إلـهٍ أعوان بِلاطِهِ يهتمُّون بالناس أكثر من اهتمامه بهم! ويحقِّقون -بما يملكونه من قدرة عظيمة- آمال محبيهم وأمانيهم بصورة أسرع!!! ومؤدَّى التبليغ الذي يقومون به هو أن دعاء الله وإطاعة أوامره ونواهيه ليست لازمة على نحو قطعي! لأنه يمكن من خلال تملق أولياء الله وزيارتهم والبكاء عليهم استعطاف قلبهم، وبما أن الأولياء بشر فلا بد أن تكون لهم عواطف بشرية، وبالتالي يمكن للمتوسِّلين بهم استمالة قلبهم بصورة أسرع فيحقِّقون لهم مطالبهم فلا تبقى هناك حاجةٌ لِـلَّهِ بعد ذلك!

هذا هو منشأ المفاسد في هذه البلدان وهو قلّة المعرفة بالله أو ذلك التصور المغلوط عن الله كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.

وأما إجابته الثانية عن إشكال توارد العلل فخلاصته ما يلي: ولاية الأولياء مثلها مثل الحاجة إلى الأسباب، ولما كان عالم الوجود هو عالم الأسباب والمسببات لذا فإن أولياء الله أيضاً سبب لإفاضة الفيض الإلهي بالحياة والموت والرزق والحركة و... وكل الفيوضات الأخرى!

وأقول: هذه الإجابة أيضاً لا تعدو السفسطة والمغالطة لأنه: رغم أن عالم الشهادة هو عالم الأسباب والوسائل، والعلل والمعلولات، لكن سبب كل شيء هو ما يكون لزومه معلوماً في الحياة العادية والطبيعية للبشـر، ويكون البشـر ملزمين ومحكومين بإعداد تلك الأسباب والأخذ بها ضمن نظام العالم المتقن فمثلاً: البشـر ملزمون لأجل تأمين رزقهم بالسَّعْيِ إلى الكسب والصناعة والزراعة، وملزمون لأجل تأمين سلامتهم بمراعاة مبادئ الصحة والنظافة، وملزمون لأجل التغلب على أعدائهم بإعداد القوة اللازمة، أما ما يتعلّق بالله ونظام الخليقة، فالله وحده هو الذي يعلم بهذا النظام ويقوم به ولا يطلب من أحد معرفته والقيام به!

إن الأنبياء والأولياء واسطة الفيض الإلهي لهداية البشر فقط لا غير. ولم يرد الله منهم أكثر من ذلك، لأنه لم يعطِهِم أصلاً أكثر من ذلك، لأن الله تعالى لا يحتاج في ملكه إلى وزير ولا إلى مشير ولا إلى رئيس وزراء ولا إلى وكلاء! وتصور مثل هذه الأمور في حق الله -كما قلنا- لا يعدو خيالات صبيانية وتصورات عامية وأوضح مثال عليه تصور الأقانيم الثلاثة.

ثم لخص آيتنا العُظْمى (!) في ختام هذا الفصل كل ما ذكره فيه، وانطلق نحو الفصل الثالث الذي عَنْوَنَ له بعنوان «عدم امتناع الولاية في نظر الشرع». وهنا ذكر عدة أحاديث من التي تُعجِب الصوفيةَ مثل حديث «التقرُّب بالنوافل»(45) -الذي لا علاقة له كثيراً بمدعياته- وأتى بقصة إحضار عرش بلقيس -التي ذكر القرآن فيها أن عفريتاً من الجن كان قادراً على الإتيان به قبل أن يقوم سليمان من مقامه في حين أن الذي كان عنده علم من الكتاب أحضر العرش قبل أن يرتد طرف سليمان إليه! وبعد أن ذكر دعاءً عن الإمام السجّاد -عليه السلام- في التضـرُّع والابتهال لِـلَّهِ تبارك وتعالى، وكأنه يريد أن يقول لنا نَعَمْ نحن أيضاً نعلم ذلك ونؤمن به! ومع ذلك نعرف وننحرف عما نعرفه على علم!! بدأ بالهجوم على من يعتبرون أمثال هذه الأدعية [التوحيدية] دليلاً واضحاً على عدم تصرّف الأئمة في الكون وإقراراً مِنْ قِبَل أولياء الله أنفسهم بالعجز والعبودية، فقال [عن أولئك الموحدين]: «إن هذه الجماعة الشقية (!) التي لا علم لها، عمدت إلى إشاعة هذه الأفكار بسبب غلبة السفاهة والجهل عليها (!) أو بهدف الشهرة على مبدأ «خالِف تُعرف»، مستغلِّين في ذلك بساطة العوام والمقلِّدين ليبعدوا الناس الأبرياء عن فهم حقيقة مقام الأولياء وعن الاستضاءة بأنوارهم المقدَّسة والاستنارة بأشعَّتهم الملكوتية، وبالنتيجة ليحرموهم من امتلاك قوة الإرادة والنفس للتشبُّه برجال الله العظماء أولئك»!! اهـ

ونقول له: افْرِضْ أن الناس اعتقدوا هذا الاعتقاد الذي تريده منهم وآمنوا أن أولياءَ الله قبلةُ حاجاتهم ومدبرو الكائنات والمتصـرِّفون في جميع الأرضين والسموات، -ولسوء الحظ لقد اعتقد كثير من الناس فعلاً في هذا البلد بهذه الأمور بسبب التبليغ المتواصل لهذه الأوهام ليل نهار من أمثالكم ومن قراء المراثي والمداحين-، فأي نفع سيعود به مثل هذا الاعتقاد على الناس؟؟ وأي خير سيجلبه إليهم وأيُّ شرٍّ سيدفعه عنهم؟! وليت شعري! ما هو الخير والحُسْن في نشأة مثل هذه العقيدة في نفس الإنسان؟ اللهم إلا أن يستغيث الإنسان بأولئك الأولياء فيجعلهم شركاء لِـلَّهِ ويتصوَّر أنهم سيكونون شفعاءه عند الله ومنقذيه من عقاب الله على أعماله السيئة، فتزداد بذلك جرأته على ارتكاب المعاصي والفسق والفجور؟! كما يحصل فعلاً! ويندفع إلى صرف أمواله على تزيين مقابر الأئمة والأولياء ويقتصـر في أعماله على التضرع لهم؟!

وإذا كان مقصودكم من التشبه بأولئك الرجال الرواد العظماء أن يسعى المتشبهون بهم إلى أن يصبحوا مثلهم [حسب عقيدتكم] أصحاب قدرة وتصـرُّف في عالم الملك والملكوت أو أصحاب تلك العظمة والجبروت! فإنكم أنفسكم قلتم في المباحث التالية من كتابكم أنه لا يحق حتى للأنبياء والملائكة أن يتمنوا مقامهم وأن تلك الأمنية الساذجة هي التي أوقعت الناس في المصائب! خاصة أن مقامات وفضائل المعصومين الأربعة عشر تلك مقامات وفضائل ذاتية وليست كسبية! [فلا يمكن إذن التشبُّه بهم في الحصول عليها!].

إذن لا يبقى من الاستضاءة والاستنارة بنورهم - حسب اقتراحكم- إلا أن يطلب الناس منهم الأعمال التي لا تُرجى إلا من الله! وهو الشرك بعينه الذي حاربته آيات القرآن والذي حاربه أنبياء الله وأولياؤه العظماء دائماً، والقرآن الكريم يردُّ بكل صراحة وحزم على تلك الكفريات فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف/194]. فإن أصررتم على موقفكم جاءت الإجابة الربانية القارعة لتصفعكم وتقول لكم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَـهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ/22]. إذن فلتقل ما تشاء [أيها المسمِّي نفسه آية الله] فقولُ اللهِ أصدقُ وأحقُّ.

ثم دخل «أبو الفضل النبوي» بعد ذلك في مبحث بعنوان «انسجام الولاية مع التوحيد» أراد من خلاله أن يوفق - زوراً - بين التوحيد وبين ما يطرحه من معنى «للولاية» وهو توفيق يشبه ما فعله ويفعله علماء الأقانيم الثلاثة من جمع بين التثليث والتوحيد!

هنا اعتبر أن الله لا شريك له في صفاته وأفعاله وقال: «إن الذي يتصور أن وجود أولياء الله إلى جانب الحق تعالى في تنظيم وتنفيذ أمور الخليقة مستلزم للشرك والكفر، فعليه أن يعتبر أن توسل الناس بالأسباب والوسائل، مثل سعيهم لتحصيل الرزق، ومراجعتهم الطبيب لمعالجة المرض، واستعمالهم الدواء للشفاء، وسائر أنواع التوسل بالوسائل والتمسك بالأسباب كفراً وزندقة وإلحاداً من باب أولى!».

ثم أخذ - متذاكياً - بالمجادلة والسفسطة فقال: «وذلك لأن مثل هذه الأعمال والتوسل بالأسباب تتضمن أيضاً اعتبار غير الله دخيلاً في أمور الكون وتتضمن استمداداً مما سوى الله، واعتقاداً بوجود شريك له في الأفعال، وهو شريك لا يَفْهَمُ ولا يعقل ولا يشعر ولا يحس، مثل الدواء والغذاء والأرض وحانوت التجارة والمحراث والمجرفة والفأس والشمس والغيم والريح وأمثالها. والتوسل بمثل هذه الأسباب أقبح وأشنع بكثير من التوسل بأولياء الحق الذين هم رجالٌ أصحاب حسٍّ وإرادةٍ وفهمٍ وسَمْعٍ وبصرٍ وعقلٍ وعلمٍ»!!.

وأقول: حقاً لتقرّ عين عالم الإسلام وعالم الشيعة بمثل آية الله العظمى هذا!! الذي ليس بوسع حتى أفلاطون وأرسطو أن يكونا تلميذين له في الاستدلال والمنطق!!!

وإننا لنسأل: كيف عرف هؤلاء الله؟! وبأي فهم يدركون دينه وشرعه؟! هل تناول الطعام وأخذ الدواء والسعي لأجل الكسب والرزق ومراجعة الطبيب مثله مثل طلب الرزق الغيبي من المخلوقين المرزوقين والاستغاثة وطلب الشفاء من البشر الذين هم عرضة للمرض والعلل، أو مثل سؤال من هم أنفسهم محتاجون لغيرهم، وطلب الحياة من الأموات؟!

هل استخدام المجرفة والفأس يماثل رفع أكف الضراعة والدعاء بلا قيد ولا شرط نحو مخلوقين محتاجين إلى ربهم رحلت أرواحهم إلى دار السلام وودَّعوا دار الفناء والتحقوا بدار البقاء ولم يبق مهم في الدنيا سوى مقبرة من التراب والحجر؟! (هذا بالطبع بغض النظر عن تعاليمهم الباقية).

أي إنسان حتى لو كان مجنوناً أو جاهلاً لا يعلم أنه عند الجوع عليه أن يتجه نحو الطعام وعند البرد عليه أن يطلب النار وعند الحر عليه أن يتجه نحو الظل؟ وأي عاقل يذهب لأجل كسب معاشه نحو المقبرة ويذهب لأجل شفاء مرضه نحو أرواح الراحلين؟!

حتى لو فرضنا أنه ليس ثمة شرع ولا دين فإن البشر يعلمون بفطرتهم التي أودعها الله فيهم أنهم يحتاجون إلى السعي وإلى العمل للحصول على رزقهم، كما أن الله منح الإنسان عقلاً يدرك به أنه حتى لو لم تمنعه الشريعة من ذلك فإن التوسل بالأموات دون السعي والعمل لن يؤمِّن له رزقه ومعاشه.

ونحن عندما نعارض مثل هذه العقائد الشركية بله الشرك الصريح ونخالفه فلأنه بصرف النظر عن أن هذه الأمور ينكرها ويأباها العقل السليم، فإن الشارع الحكيم ذاته نهى عنها أيضاً!

لا شك أن الإنسان يضطر عندما يفقد كل حيلة أمام حوادث الحياة والآفات والكوارث التي تهدده بالفناء إلى البحث عن ملجأ وملاذ مطلق ليس لقدرته أي حد أو قيد وقد دلَّنا الشارع الحكيم على هذا الملجأ وهو التوسل بالذات الإلهية المقدسة فقط لا غير: ﴿...وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء/32]. وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...﴾ [غافر/60]، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.... أَإلَهٌ مَعَ اللهِ؟؟ [النمل/62].

لقد اعتبر القرآن الكريم اللجوء إلى الله عند الاضطرار من فطرة الإنسان وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا...﴾ [يونس/12]. وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ...﴾ [الزمر/8].

وأكَّد الأمر بدعائه في مثل هذه الأحوال فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً..... وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف/55 و56].

وأمر نبيَّهُ مؤكِّداً فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف/205].

وفي الوقت ذاته نهى هذا الشارع ذاته وكتابه الذي ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ أي القرآن الكريم، الناسَ عن التوسل والدعاء غير المشروط لأحد سوى الذات الأحدية وقال بكل صراحة ونهي شديد: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا [الجن/18]. وأقل امتثال لهذا الأمر الإلـهي أن لا يقول الإنسان على نحو الاستعانة والاستمداد غير المقيد ولا المشروط: «يا محمد ويا علي....»(46). إن القرآن اعتبر بصراحة أن دعاءَ غير الله شركٌ صريحٌ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن/20].

لقد أوجب دين الإسلام وكتابه السماوي على جميع مسلمي العالم أن يقولوا عشر مرات في اليوم والليلة على الأقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة/5]. أي أن العبادة لا تكون إلا لِـلَّهِ والاستعانة الغيبية لا تكون إلا بالله حصراً.

ولكنك يا جناب آية الله «أبي الفضل النبوي» تدعو الناس بتلك الترهات التي تقولها إلى أن يدعوا الأئمة مع الله ويستعينوا بهم ويستمدوا منهم تلبية الحوائج التي يختص بفعلها اللهُ، وليس هذا فحسب بل ربما تدعوهم إلى أن يدعوا هؤلاء الأولياء فقط لا غير كما هو مشهود لدى الكثيرين!

إن الذين يدعون غير الله دعاءً غير مُقَيَّدٍ ويستمدون المدد منهم يقومون -طبقاً لتعاليم القرآن الصريحة الواضحة ولدلالة العقل - بعمل عبثيٍّ لا فائدة منه فضلاً عن كونه شركاً صريحاً، حتى لو كان المدعُوّ هو محمد المصطفى وعلي المرتضـى -عليهما السلام-، إذْ يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف/194].

ومن الواضح تماماً من قوله تعالى: «عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ» أن المقصود ليس الأصنام الحجرية بل أشخاص من البشر كانوا عباداً لِـلَّهِ، ولا شك أن المصداق الكامل لعباد الله هم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمد. فالآية تنهى عن دعائهم وتبين أنه لا جدوى منه.

وفي السورة ذاتها يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف/197].

ويقول تعالى أيضاً في سورة الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [الإسراء/56]. وبنحو ذلك يقول سبحانه أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَـهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ...﴾ [الرعد/14]. ويقول كذلك: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر/13].

وإذا قام أولئك الذين يُزَيِّنُونَ الشرك للعوام ويخدعونهم بالتشبيه على العوام وادعاء أن الذي نهت الآيات عن دعائه إنما هو الأصنام التي لا روح لها فقط! فإن صراحة تلك الآيات ذاتها ترد عليهم وتصفعهم في وجوههم بشدة لأنها تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ أي الذين تدعونهم من دون الله هم مثلكم ومن جنسكم أي هم بشر كسائر البشر يحتاجون للنوم والطعام ويفتخرون بعبوديتهم لِـلَّهِ، فهؤلاء المدعوون ليسوا سوى عباد الله الصالحين أو اصطلاحاً أولياء الله.

وأهل اللغة العربية والأدب يعلمون أن ضمائر (كم) و(هم) تعود لذوي العقول ولا تعود أبداً إلى أحجار صماء لا روح فيها، هذا فضلاً عن أنه حتى لو كانت تعود إلى الأصنام فإن هذا لا يوجب انحصار النهي عن دعاء غير الله بها فقط بل عموم النهي يشمل دعاء كل ما سوى الله. خاصة أن الله تعالى اعتبر في قرآنه أن مثل هذا الدعاء عبادة. ولكي تتضح الفكرة أكثر نعود مرة ثانية إلى آيات القرآن الكريم تلك والقرآن هو أولى من أي شيء آخر بالاتباع والطاعة:

عندما يأمر الله تعالى في القرآن الكريم الناس بدعائه وسؤاله فيقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر/60]، يردف أمره هذا مباشرة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر/60]؛ فهل هناك أوضح من هذا النص في أن الدعاء على ذلك النحو غير المقيد وغير المشـروط هو عبادة محضة؟ (ادعوني ß عبادتي).

ويقول تعالى أيضاً: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر/66].

ويقول كذلك: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ [الأنعام/56].

إن القرآن يدعو بشكل مستمرّ الناسَ إلى دعاء الله وحده أي الإخلاص في دعائه والإعراض عمّا سواه لأن الله حيٌّ حاضرٌ أقربُ من أيِّ شيءٍ إلى عباده فيقول سبحانه: ﴿هُوَ الحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِـلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ [غافر/65]. فهو الحيُّ دائماً وغيره -حتى أعظم الأنبياء- يموتون(47).

ولو فرضنا - من باب فرض المحال- أن الأنبياء والأولياء لهم تصـرُّف كما تدَّعِي جنابك ويستطيعون أن يساعدوا الذين يدعونهم ويستغيثون بهم، فإن العقل الصُّراح يقضي أن لا يُعرِضَ الإنسانُ عن اللهِ الحيِّ الحاضر القادر الأقرب إليه من أي شيء آخر، ويمد يديه بدلاً من ذلك نحو أولياء مخلوقين، حتى لو فرضنا جدلاً أن لهم تصرف في الملك والملكوت. وذلك لأننا مهما تصورنا من قدرة لأولئك الأولياء فإنهم بلا ريب لن يكونوا سوى قطرة أمام بحر الله الذي لا ساحل له، وإنه لمن قمة الجهل أن يَدَعَ الإنسانُ القدرة المطلقة التي لا حدود لها والمحيط الذي لا ساحل له ويتجه بيد الحاجة نحو قطرة! لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة/186].

إن هذه الآيات المباركات تسْطَع على قلوب كل من لم يصدأ قلبه بالكفر والشرك بنور كالنور الذي يشرق على جبل الطور ويدك الصخور الصماء. وكل مؤمن بالله يفهم منها بوضوح أنه لا يجوز الدعاء والطلب بدون قيد وشرط من أحد سوى الله وحده.

والواقع أنه قد وردت أحاديث وآثار عن أئمة الهدى -سلام الله عليهم- تتطابق تماماً مع آيات الله تلك وتؤيد مضمونها وهي تثبت دعوانا بأن دعاء الله وحده مباشرةً دون واسطة وسيط ولا شفاعة شفيع أمر يريده الله تعالى من عباده، كما جاء في كتاب نهج البلاغة، باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين (ع) في وصيته إلى ابنه الإمام الحسن (ع): «واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ ولَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ»(48).

ويدعو الإمام عليُّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام بالدعاء الذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي فيقول: «وَالْحمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي..».

مما يبيِّنُ بوضوح أنه لا حاجة عند دعاء الله إلى وساطة أي وسيط أو شفاعة أي شفيع لأن توسيط الواسطة حتى لو سلم من الشـرك والكفر يبقى عملاً عبثياً لا حاجة له فضلاً عن أنه لا يحقُّ لأحد أن يقدم عليه دون أمر من الشرع!

هذا مع أننا نعلم جميعاً أنَّ ما يحصل فعلاً [مِنْ قِبَل العوام الجهلاء] هو الشـرك والكفر الذي لا يغفره الله أبداً والذي نهى عنه رب العالمين بشدة ولعن فاعليه.

لقد اعتبر القرآنُ كلَّ من يدعو غير الله في حال الاضطرار على نحوٍ غير مقيَّد فيطلب منه جلب النفع ودفع الضر مشركاً وقال في حق من يفعل ذلك: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [النمل/62].

فختام الآية يدل على أن من يعتقد بأن غير الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف الضرّ يكون قد اتخذ إلهاً مع الله.

إذن استناداً إلى كل تلك الآيات الكريمة فإن دعاء غير الله دعاءً غير مقيد وسؤاله سؤالاً غير مقيَّدٍ كفرٌ وشركٌ والمعتقد به مشركٌ ونجس!

أما ما يسعى إليه بعض المتسمِّين بالآية العظمى (!) لأجل ستر الكفر والشـرك بقوله: نعم ليس هناك أي تأثير في الوجود لعمل الأولياء من ناحية أنفسهم واستقلالاً عن الله، بل هم مثلهم مثل سائر الأسباب والوسائل قد أوكل لهم الحق تعالى تنفيذ نظامه وأوامره في العالم! فنقول في الردّ عليه:

أولاً- لا ندري ما فحوى عبارة «التأثير المستقل» هذه وما دليلها ومن الذي اخترعها؟

ثانياً- وهل كان عبَّاد الأصنام الذين يدعون أصنامهم ويعبدونها يعتقدون باستقلالها في أفعالها؟! إنهم لم يكونوا يعتقدون بذلك أبداً، فقد قصَّ علينا القرآن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى [الزمر/3].

فإذن لم تكن الأصنام في عقيدة المشركين سوى وسائل ووسائط تقرب عابديها من الله، وهذا التقرُّب من الله هدفه أن يقضي الله لهم حوائجهم، وإلا فإن المشـركين عُبَّاد الأصنام لم يكونوا يتقرّبون بها إلى الله لأجل الفناء في حبه والوصول إلى رضوانه!! لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالآخرة أصلاً. هذا فضلاً عن أنه حتى لو كانوا يؤمنون بالآخرة وبرضوان الله فإنهم كانوا يطلبون ذلك من الله. أضف إلى ذلك أنه رغم كل شرك المشركين ما كانوا يتصورون لأصنامهم مقام الولي المتصـرّف في تمام الكون والمكان والآمر على جميع موجودات عالم الإمكان الذي تقولونه أنتم في حق الأئمة.

أما الأصنام التي اخترعتموها بأوهامكم وتخيلاتكم فقد جعلتموها هي بذاتها آلهة العالم!!!؟ مهما تذرَّعْتم بعبارة «على نحو غير مستقل!».

عندما ذم القرآن المشركين قال عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُـرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ... [يونس/18].

إن الله تعالى لم يثبت في أيَّ آيةٍ من آيات كتابه العزيز هذه الشفاعة التي يعتقدها الناس اليوم في مجتمعنا، بل إنه نفى مثل هذه الشفاعة نفيا تاماً، وبكل صراحة، في الآيات الأخيرة من كتابه التي أنزلها في المدينة في آخر أيام حياة النبي الشريفة. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

وفي تتمة الآية 18 من سورة يونس التي ذكرناها للتوّ يقول تعالى مباشرةً: ﴿... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ؟؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس/18].

أي أنه لا يوجد عند الله أصلاً مثل هذا الأمر! والله منزَّهٌ وأرفع شأناً من أن يستطيع موجود أن يتدخل في ملكه أو يكون له تأثير في سلطانه وحكمه. والاعتقاد بوجود شفعاء عند الله يملكون حق الشفاعة بشكل مطلق هو – بنص القرآن – شرك، كما قال تعالى في آخر الآية السابقة: ﴿... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس/18].

لقد ذهبتم في عقيدتكم بشفاعة الأصنام الذين اخترعتموهم بخيالكم وأوهامكم أبعد بكثير مما ذهبت إليه عقيدة الشفاعة لدى المشركين من أهل الجاهلية! وسنبحث هذا الأمر في قسم مفصل من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

ولا ندري ما التميُّز الذي توجده عبارة «على نحو الاستقلال» أو «على نحو غير مستقل» التي اخترعتموها، بينكم وبين المشركين عباد الأصنام؟!

فمن جهة تعتبرون [بعض] أولياء الله الصالحين مدَّبري أمور الكائنات والمتصـرِّفين في الأرضين والسموات إلى درجة أنهم يملكون التصـرُّف في الكون والمكان باختيارهم وإرادتهم الحرة، ومن الجهة الأخرى تعتبرونهم مجرد وسائل مثل المجرفة وَالمِعْوَل!! فمثلاً المعجزة التي رويتموها في الصفحة 339 من كتابكم عن حضرة سيد الشهداء عليه السلام ونسبتم إليه فيها أنه أخرج العنب والموز من أحد أعمدة المسجد لأجل ابنه علي الأكبر، هل كان الحسين فيها مجرد وسيلة وأداة ولم تكن له أيَّة إرادة في فعله لتلك المعجزة، بل كان أداةً فقط وجرت قدرة الله بواسطة تلك الأداة لأجل علي الأكبر؟!(49).

وكذلك معجزة أمير المؤمنين عليّ (ع) التي رويتموها في ص340 من كتابكم: «أن عمار بن ياسر، قال: أتيت مولاي يوماً فرأى في وجهي كآبة، فقال: مالك؟ فقلت: دين أتى مطالب به، فأشار إلى حجر ملقى وقال: خذ هذا واقض منه دينك. فقال [عمار]: إنه لَـحَجَرٌ؟!. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ادع الله بي يحوَّل لك ذهباً. قال عمار: فدعوت باسمه، فصار الحجر ذهباً. فقال لي: خذ منه حاجتك. فقلت: وكيف تلين؟ فقال: يا ضعيف اليقين! ادع الله بي حتى تلين فإن باسمي ألان الله الحديد لداود. قال عمار: فدعوت الله باسمه، فَلانَ، فأخذت منه حاجتي، ثم قال: ادع الله باسمي حتى يصير باقيه حجراً كما كان.»(50).

هل نفَّذ عليٌّ هذه المعجزة بلا إرادة واختيار منه؟ هل نفَّذها لكي يُقوِّي بها إيمان عمار بن ياسر الذي يبدو من ظاهر الرواية أنه ضعيف اليقين!! بهدف أن يقوي عليٌّ بها إيمانه فقط؟! فجرت المعجزة على يديه دون إرادة منه بل كأداة جرت بواسطتها إرادة الله؟!

ومعجزة الإمام السجَّاد (ع) في قَلْبِ غُسَالة الماء التي كانت تُصَبُّ في الطست إلى ياقوت أحمر وَدُرٍّ أبيض وَزُمُرُّدٍ أخضر لأجل صديقه البلخي(51).

وكذلك معجزة قرصي الخبز الذين أدَّيَا إلى غِنى شخص من محبي الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وعشرات من أمثال هذه المعجزات التي ذكرتها يا حضـرة «أبي الفضل النبوي» في كتابك للاستدلال بها على إثبات ولاية الأئمَّة بمعنى تصرّفهم في ملكوت الله وأن الأئمَّة - عليهم السلام - يغنون أولياءهم وأصدقائهم بالمال! كالمعجزة المنقولة في الصفحة 345 والتي تنقل عن إبراهيم بن سعيد «أنه رأى الإمام الجواد (محمد بن على عليه السلام) يضرب بيده إلى ورق الزيتون فيصير في كفه ورقاً (أي عملة من الفضة)، فأخذ منه كثيراً وأنفقه في الأسواق، فلم يتغيَّر.»(52) وأن الإمام الجواد إنما لُقِّب بجواد الأئمة بسبب أمثال هذه العطايا!

ومعجزات تقول إن الأئمة كانوا يحوِّلون بعض أعدائهم إلى امرأة أو كلب! كتلك المعجزة التي تقول إن الإمام الصادق - عليه السلام - جلس وهو في طريقه إلى الحج تحت نخلة يابسة، فحرَّك شفتيه بدعاء ثم قال: يا نخلة أطعمينا مما جعل الله فيك مما يرزق عباده، فتمايلت النخلة نحو الصادق - عليه السلام - بأوراقها وعليها الرطب، فقال لرفيقه: ادن وقل بسم الله فكل، يقول فأكلت منها رطباً أطيبَ رطب وأعذبَه، فإذا نحن بأعرابي يقول: ما رأيت كاليوم سحراً أعظم من هذا، فقال الصادق - عليه السلام -: نحن ورثة الأنبياء ليس فينا ساحر ولا كاهن، بل ندعو الله فيجيب دعانا، وإن أحببت أن أدعو الله أن يمسخك كلباً تهتدي إلى منزلك وتدخل عليهم فتبصبص لأهلك. فقال الأعرابي لجهله: بلى، فدعا الله فصار كلباً في وقته!.(53)

وأمثال هذه الأوهام التي تسمونها معجزات، وحتى الآن لا تعلمون المعنى الحقيقي المعجزة؟!

والحال أن المعجزة إنما تكون لأجل إتمام الحجة على منكري رسالات الرسل ولا تقع إلا في حالة وجود تحدِّي للمنكرين ومطالبتهم بالمعجزة، وفي حال رأى الله تعالى المصلحة في إظهارها لأجل إثبات نبوّة نبيٍّ من أنبيائه، وهي تتمّ أمام ملأ عام وفي حضور آلاف المعارضين والموالين، مثل معجزة النبي صالح أو معجزات النبي موسى أو عيسى – عليهما السلام – وغيرهم من الأنبياء مما بيَّنه القرآن لنا.

وليست المعجزة أن يحصل أمرٌ خارقٌ للعادة في السـرِّ والخلوة! للمؤمنين الصادقين ذوي الإيمان الراسخ أمثال عمار بن ياسر وحضـرة علي الأكبر، أو لأشخاص مثل إبراهيم بن سعيد البلخي مجهول الهوية الذي ادُّعِيَ أنه كان مرافقاً للإمام السجاد، والتي اخترعها راوٍ غالٍ ومشركٌ مثل الحافظ رجب البرسي ورواته الكذابين أمثال «عبد الله البلوي»، و«عمارة بن زيد» الاسم بلا مُسمَّى أو «علي بن حمزة البطائني» الملعون!

إن مثل هذه المعجزة التي قائلها وسامعها مجهولان إنما تفيد الحمقى الذين لفقوها وصدّقوها!! وإلا فإنَّ مثل هذه الأقاويل لا تثبت حقاً ولا تقيم حُجَّةً! نعم إن الفائدة الوحيدة لرواية مثل هذه الأقاصيص هي فرار الناس من الدِّين ونفورهم من المذهب الذي يروِّج لمثل هذه الخرافات ويدعو إليها.

أجل، لقد تساءل المؤلِّف في كتابه (الصفحات من 52 إلى 57) عن «أن الأئمة هل يتصرَّفون في الكائنات على نحو مستقل عن الله أما أنهم مجرّد أدوات لِـلَّهِ وليس لديهم من أنفسهم أي استقلال أو إرادة مستقلة؟»

واختار الشق الثاني فشبّهَ الأئمة «بحوانيت التجارة والمزارع والعمارات أو الطاولات والكراسي والمنصب والمقام التي يظن الطغاة العنيدون - على حدِّ قوله - أنها سبب رزقهم، فيطمحون إليها، ويفترضون أنها مسبِّب الأسباب، كما يفعل العوام البسطاء والعاديون الذين يطلبون حوائجهم مباشرة من الأولياء ويعتبرونهم مستقلين في تلبية حوائجهم وينسون أن شأنهم هو الشفاعة والوساطة فقط، فيقعون في ورطة الشرك.». انتهى كلامه.

حسناً! وأقول: رغم أننا لا نعتبر العوام البسطاء الذين أقررتم أنفسكم بأنهم واقعون في ورطة الشرط مقصّرين أبداً بل نعتبر أن علّة شركهم وسببه أنتم أنفسكم وكتاباتكم هذه التي نتيجتها الطبيعية صدور مثل تلك الأعمال، التي أشرتم إليها، عن العوام. ولكن رغم ذلك نقول: ثمَّة جانبان لما تطرحونه من عقيدة ونظرية وكلامكم كلام غير مفهوم وغير مترابط!

فأنتم تقولون: إن الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- هم مجرد أسباب ووسائل في أمور الرزق والإحياء والإماتة وأمثالها، مثلهم مثل كون الدكان والمزرعة والطاولة والمجرفة والمعول أسباب للتوصل إلى المقاصد من خلالها، أو مثل الطعام الذي هو وسيلة للشبع والدواء الذي هو وسيلة للشفاء، فنقول:

أولاً- إن لنا تحفظاً على تشبيهكم هذا الذي نراه غير مناسب أصلاً. وذلك لأنه قد ثبت من خلال التجربة والعمل عبر آلاف السنين أن تلك الوسائل والأسباب مثل الدكان والمزرعة والمجرفة والمعْوَل تُحقِّق الأغراض المطلوبة منها ولكن لا تُحقِّق جميع الأعمال، ولذلك لا يوجد عاقل يطلب من المجرفة الفاكهة أو يطلب من المعول حذاءً! لأن هذه الأدوات أوجِدَت لأجل أعمال محدَّدة منوطةٍ بها. ولكن لم يوجد أي فرد من أفراد البشر، مهما كان شخصاً استثنائياً، قد تحقَّق بشأنه، بالتجربة العملية، أنه منشئٌ للبريَّات ومحي للأموات ورافعٌ للبلايا. ولم يوجد إنسانٌ عاقلٌ في تاريخ البشرية كلِّه اعتبر كائناً ما غير الله مدبِّرَاً للكائنات ومتصرِّفاً في الأرضين والسموات، ولم يوجد أي فرد ذي شعور اتجه لتحقيق مثل تلك الأمور نحو إنسان مثله اللهم إلا إذا كان واقعاً تحت تأثير تعاليم وتبليغات أمثالكم التي حرفته عن فطرته وأضلته!!

ثانياً- ليس هناك من يقوم بشكر الطعام نفسه وتمجيده وإطرائه بعد تناوله الطعام وشبعه بواسطته، ولا من يقوم بحمد الدواء وشكره والثناء عليه، بعد تناوله للدواء الناجع الذي أوقف ألمه! بل الجميع يحمدون رب العالمين الذي خلق الطعام والدواء ويثنون عليه ويمجِّدونه.

ولكنكم تقومون بتمجيد الأولياء والمبالغة في إطرائهم وتعظيمهم إلى حدّ رفعهم إلى مقام الإلهية بل أكثر، وتقدّمون الثناء والمدائح لحيِّهم وميِّتهم! وتعظِّمون قبورهم وتزينونها وتهتمُّون بها أكثر من المساجد، إلى درجة أنكم لا تقدِّمون لِـلَّهِ تعالى عشـر ما تقدمونه لأولئك الأولياء من خضوع وتعظيم وثناء ومديح وأنماط العبادة.

ثالثاً- لا ينتظر أحدٌ من المجرفة والمعْوَل أو من السيف والبندقية ثواب موالاتها وعقاب معاداتها، لأن الكل يعلم أنها مجرد أدوات وآلات لا تعرف صديقاً ولا عدواً ولا تحبُّ أحداً ولا تبغضه! أما الأولياء فهم - طبقاً لما تعلِّمُونه- يتصرَّفون في الكون والمكان ويحبُّون أولياءَهم ويبغضون أعداءَهم بتعصُّب شديد! فيمنحون محبيهم تلقاء أدنى درجة من المحبة والخدمة ثواباً عظيماً قد يصل إلى أعالي الجنان! في حين يرسلون أعداءَهم في غاية الذل إلى أسفل دركات جهنم!! وحتى أنكم تقولون إن عبادات الناس مهما كانت مبنية على الإخلاص إذا لم تترافق بموالاة الأئمة ومحبتهم فلن تحسب شيئاً أبداً وستكون هباءاً منثوراً في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي سيكون أمره وأمر الميزان والكتاب والحساب فيه بيد أوليائكم أولئك الذين سيفعلون بأوليائهم كيت وكيت وبأعدائهم كيت وكيت! وكما قلنا سابقاً إن هذا المعنى بالذات والطمع بهذا المقصود هو الذي جرّكم نحو هذا الكفر والضلال!

أنتم أنفسكم في الصفحة 480 من كتابكم «أمراء الكون» كتبتم تحت فصل بعنوان «حساب القيامة وإشراف الإمامة»: «قال المفسِّـرون المعصومون في تفسير الآيات الأخيرة من سورة الغاشية أي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية/25- 26]، إن إياب الخلق إلينا وحسابهم علينا. من ذلك ما رواه الفيض الكاشاني في تفسيره «الصافي» عن الإمام الكاظم -عليه السلام- أنه قال: «يَا سَمَاعَةُ! إِلَيْنَا إِيَابُ هَذَا الخَلْقِ وَعَلَيْنَا حِسَابُهُمْ فَمَا كَانَ لَـهُمْ مِنْ ذَنْبٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَمْنَا عَلَى اللهِ فِي تَرْكِهِ لَنَا فَأَجَابَنَا إِلَى ذَلِكَ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ اسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْهُمْ وَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَعَوَّضَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»! (54)

كما نقرأ في «الزيارة الجامعة الكبيرة»: «وَ مِيرَاثُ النُّبُوَّةِ عِنْدَكُمْ وإِيَابُ الخَلْقِ إِلَيْكُمْ وحِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ!!!»(55).

وفي الصفحة 490 من كتابكم المذكور رويتم عن الإمام السجاد (ع) ما خلاصته أنه قال: «نحن يوم القيامة أصحاب حوض الكوثر نسقي منه أولياءنا ولا يصلون إليه إلا بتوسلهم بنا. فمن سرّنا أسررناه ومن آذانا وغصب حقنا كانت نطفته غير طاهرة ونال في الآخرة جزاء أعماله»!!

واستنتجتم في الصفحة 179من بعض الأخبار أن «أهل المحشـر يتعلَّقون بأذيال الشيعة ويتعلَّق الشيعةُ بأذيال الأئمة فيذهب الجميع إلى الجنة وكل جماعة تصل إلى ثواب ذلك العالم بالتوسل بجماعة أخرى، كما نجد في هذا العالم أيضاً أن التوصل إلى الحاجات والنجاة من المصائب والبلايا طريقته الوحيدة هو التشبث بعناية ونظرة آل البيت الكرام!». انتهى.

نحن نعلم أن دافع أكثر الكتّاب وجميع الغلاة هو هذا الغرور الشيطاني بالذات ولا شك أن أعداء الإسلام أيضاً يقومون إما مباشرة أو بواسطة أياديهم الخفية بنشر مثل هذه الأفكار المورثة للغرور والفاتنة وذلك لأجل إضعاف المسلمين بشكل عام والشيعة بشكل خاص.

فما هو أكثر طمأنينة من أن يحصل المرء على هذا الأمل الذي لا قيود له ويُبَشّـَر بشفاعةٍ بابُها مفتوحٌ على مصـراعيه ليُعْتَقَ من الإنذارات والوعيد الإلهي الذي ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر/23]، فَمَا كَانَ لَـهُمْ مِنْ ذَنْبٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَمْنَا عَلَى اللهِ فِي تَرْكِهِ لَنَا فَأَجَابَنَا إِلَى ذَلِكَ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ اسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْهُمْ وَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَعَوَّضَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ!! ألن يدفع هذا مَنْ يُصَدِّقُون بهذه الأخبار إلى الجرأة على ارتكاب المعاصي والآثام وتصوُّرِهِم بأنَّهم بتعلُّقِهِم بأذيال الأئمَّة سوف ينجون هم ويُنقِذون الآخرين الذين يتعلَّقون بأذيالهم حتى ينجو الجميع في النهاية ويصيرون إلى الجنة رغم أعمالهم السوداء!!

وسنبين إن شاء الله تعالى في بحث الشفاعة من هذا الكتاب تهافت هذه الرواية وأمثالها وأنها من الأكاذيب الموضوعة.

وهنا نريد أن نثبت فقط أن ما تدَّعُونه من كون الأئمة الأطهار مجرد أسباب ووسائل في مملكة الإله الواحد القهار وأن الذي ينتفع بهم مثله مثل الذي ينتفع بالدكان والمزرعة والمجرفة والمعْوَل، ادّعاء مزخرف وهذيان مَنَمَّقٌ مٌلَفَّق! وذلك لأن الأئمةَ باعتقادكم مالكو ملكوت الله ويستطيعون أن يفعلوا بأعدائهم وأوليائهم ما يريدونه، لأن مفاتيح الجنة والنار بأيديهم!

إن هذا الدافع والطمع هو الذي دفع ويدفع عوام الناس المساكين في هذه البلاد إلى عدم الاعتناء بجميع أوامر الشريعة ونواهيها التي بُعث بها جميع الأنبياء ونزلت بها جميع الكتب السماوية والقرآن الكريم فيتخذونها ظهرياً ويتصرفون تجاه الأصول والمبادئ الدينية والدنيوية على نحو أسوأ مما تتصرَّف به الشعوب نصف الوحشية!! ثم يقومون لأجل الحصول على رضا الأئمَّة حسب خيالهم بتعطيل أعمالهم في مناسبات وفاتهم أو الاحتفال بمناسبات ولادتهم رغم أنه لا يوجد أي دليل ومستند من الشرع أو العقل على مثل هذه الاحتفالات، ويصْـرِفُون لأجل إحياء مراسم عزائهم وإقامة مآتمهم ملايين التومانات لشـراء السلاسل والسيوف والمجسّمات المعدنية والأعلام وإقامة تمثيليات تجسِّد الشخصيّات التاريخيّة على المسارح التي تُنْصَب في تلك المناسبات ويخرجون في ملايين المجموعات من لاطمي الصدور ولاطمي الظهور بالسلاسل وحاملي «الشبيه»! كما يصرفون المليارات على مراقدهم وتعميرها وتزيين قبابها وأضرحتها وإعطاء الرواتب لخدمها وسدنتها(56) و... و....

لماذا يفعل الناس كل ذلك؟! لأنكم أفهمتم هؤلاء الناس أن الأئمة مالكو أمر الدنيا والآخرة! فلا بد من إرضائهم بمثل تلك الوسائل! وإلا فلا!! وأُقْسِمُ بالله لو لم تكن تبليغاتكم وتطميعاتكم تلك لما أقدم أحد من الناس على تلك الأعمال السفيهة ولما أنفق الناس كل أوقاتهم تلك وأموالهم وأعمارهم وفكرهم على مثل تلك الأمور التي لا يوجد أي أثر عن الله ونبيه في الحض عليها والدعوة إليها.

أنتم أنفسكم تؤمنون بأن رب العالمين بَعَثَ لهداية البشـر أكثرَ من مئة وعشـرين ألفَ نبيٍّ(57)، ورغم ذلك فإنه -طبقاً لما رواه «اسحق بن عبد الله أبي فروة» وغيره- لا يوجد لجميع أولئك الأنبياء الكرام، الذين مدحهم الله تعالى في القرآن، من قبر معلوم أو مزارٍ، سوى ثلاثة قبور، حيث قال: «ما يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة: (1) قبر إسماعيل، فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت،

(2) وقبر هود، فإنه في حَقْفٍ من الرَّمل تحت جبلٍٍٍ من جبال اليمن عليه شجرة تندى، وموضعه أشدّ الأرض حرّاً،

(3) وقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [في المدينة المنوّرة]. فإن هذه قبورهم بحق.»(58).

فهذه القبور الثلاثة هي فقط المراقد الحقيقية للأنبياء، وبقية القبور وَهْمٌ ومجهولة الحقيقة!. لكن انظروا إلى القبور والمزارات والمشاهد في أقطار الشيعة تجدون أن عددها يصل إلى مئات الآلاف، هذا على رغم كلّ النهي الصـريح الذي ورد في شريعة الإسلام من طرق العامة والخاصة(59) عن تعمير القبور وتجصيصها والبناء عليها! ولا يعلم إلا الله وحده كم تُنفق من أموال كلَّ عامٍ على هذه الأمور التي نهى الله تعالى عنها!. وسنذكر شيئاً من ذلك للقراء الكرام في قسم «الزيارة وأدعية الزيارات» من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى(60).

لماذا؟! لأنكم بتبليغاتكم هذه جعلتم الناس يعتقدون أن أصحاب هذه القبور مدبِّرُو أمور الكائنات والمتصرِّفُون في الأرض والسموات ومُلَبُّو الحاجات ودافعو المصائب والبلايا ومنزلو البركات ورافعو الدرجات في الدنيا والآخرة!! ولا شك أن كل حيوان فضلاً عن الإنسان العاقل يسعى إلى ما فيه خيره ونفعه وما يدفع عنه الشر والبلاء، لذا نجد الناس يُقْدِمُونَ بكلِّ حَمَاسٍ ورغبة واندفاع على دفع الدرهم أملاً بالحصول على مئة دينار في المستقبل وعلى تقديم القليل للحصول على الكثير!

ويتصوَّر العاميّ أنه يمكنه التعامل بسهولة مع الأئمة الذين يملكون عواطف بشرية جياشة جعلتهم مستعدين لأجل نجاة محبيهم ومواليهم إلى التضحية حتى بأنفسهم وجعلتهم يغضبون على أعدائهم إلى درجة أنه بمجرد أن شك العربي البدوي في الصحراء بقدرة الإمام على استخراج التمر من النخلة اليابسة حوَّلَهُ الإمام إلى كلب! و... و....، ويمكنه أن يستجلب رضاهم بسهولة، خاصة إذا ما قورن ذلك بصعوبة إرضاء الله تعالى المنزَّه عن العواطف البشرية والتعصب الإنساني! والذي هو بالمرصاد لجميع الظالمين والمجرمين أياً كانوا [بغض النظر عن مذهبهم ودينهم وعرقهم]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَادِ [الفجر/14]، والذي هو عدوٌّ لجميع الكافرين كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة/98]، والذي سيحاسب الناس على النقير والقطمير كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء/47]، وكما قال سبحانه على لسان لقمان الذي يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ...﴾ [لقمان/16]، وكما قال أيضاً: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة/7- 8].

فكيف يمكن مواجهة مثل هذا الإله الحكيم المنزه عن العواطف البشـرية المنحازة إلى فريق دون فريق والبريء من التعصب، والذي -كما يقول المثل- يُخْرِجُ الشعرة من العجين؟! لذا فإن العوام يلوذون بالأئمة الذين يُحَتِّمُون على الله (!) -[على حد قول الرواية]-أن يترك للناس ما قصَّروا فيه من حقوقه والذين يستوهبون حقوق الناس منهم. ويبدو أن الناس الذين هُضمت حقوقهم في الدنيا لا يمكن أن يردُّوا طلب الأئمة في الآخرة وَيُخْجِلوهم بل سيتنازلون عن حقوقهم المهضومة لأجلهم! بهذا تتم تسوية وإنهاء مشكلة حساب القيامة؟! وبعد ذلك فإن مفتاح الجنة والنار بيد الأئمة أي رَبْع الشيعة(!) الذين لن يتوانوا عن إدخال أعزائهم وأحبائهم وجماعتهم الجنة وإرسال أعدائهم ومخالفيهم إلى جهنم وبئس المصير! فما أسهل هذه المعاملة وما أربحها! فلماذا لا يقومون بها؟

هذا هو الدافع الذي يدفع العوام إلى حدّ الوقوع -كما اعترافكم بأنفسكم -في الشِّـرك. هذا مع أننيننا  أرى أن السبب الحقيقي والدافع الأصلي لوقوع العوام في الشرك هو أنتم أنفسكم بما تروونه لهم من أحاديث عجيبة وغريبة وضعها الغلاة أو أعداء دين الإسلام، فتشبيهكم الأئمّة بمجرّد أدوات ووسائل لجريان إرادة الله! غير صحيحٍ ومغالطة ومخالفة لواقع الحقيقة وهو الغلوُّ والكلام الجزاف بعينه. وإلا لو كان الأمر أمر أدوات ووسائل للفيوضات الإلهية فليس هناك من أداة ووسيلة أظهر وأوضح من الشمس التي قُلْتُم أنفسكم في الصفحة 58 من كتابكم: «إن للقمر والشمس آثار كبيرة في تربية الكائنات على الأرض من جماد ونبات وحيوان ولها تدخُّل تامٌّ في ذلك لا شك فيه، كما أنها بلا شك وسيلة للحياة الجسمية والمادية لسائر الكواكب والسيارات التي تستفيد من إشعاع الشمس، ولكن الشمس ليس لها أي استقلال ذاتي في تربيتها وتأثيرها بالكائنات بل هي تفعل ذلك بإرادة الله وبأمره».

وأنا أضيف على ما تقولونه إن مثل هذا الفيض والتربية لا تخفى على أكثر الناس بل جميعهم مطَّلعون عليها ولكننا لم نسمع حتى اليوم عن أي مسلم اتَّجه نحو الشمس بالخضوع وإظهار الولاء والمحبة؟ أو قام بالثناء عليها وتمجيدها وحمدها وإطرائها؟! لماذا؟! لأنه يعلم أن الشمس ليس لها عاطفة وميول وتعصُّب لفريق دون آخر ولا إرادة لها من ذاتها ولا اطلاع لها على مدح الناس لها أو قدحهم بها. إنها تعطي ما أعطاها الله وتقوم بما أمرها به ولا تُسَرُّ من إقبال أحد عليها ولا تغضب من إعراض أحد عنها! لذا لا يوجد مسلم يتخذها محبوبة ويسعد من لطفها أو يخاف من غضبها فهذه فعلاً آلة للفيض الإلهي، وإذا كان هناك من يستحق الشكر والثناء فهو الله وحده رب العالمين الفّياض على الإطلاق. فهل الأئمة وسائط للفيض على هذا النحو؟!

أما من ناحية العقل والدِّين فإن ربَّ العالمين لا يحتاج أبداً في إدارة أمور العالم وتدبير شؤونه إلى أي موجود سواء كان نبياً أم ولياً أم وصياً أم وزيراً أم مُعيناً أم وكيلاً أم مُشيراً! ولا يملك أحدٌ طريقاً إلى حريم ملكوته ولا لأحد علمٌ بأسرار خليقته وعلوم غيبه إلا ما أبلغه الله لنبيِّهِ عن طريق الوحي حسب المصلحة والحكمة، أما تلك الأفكار التي تقولون بها فليست سوى أفكار صبيانية وتصورات عامية تنشأ من قلب خال من العلم والفكر الصحيح!

فمن ناحية العقل، كل تلك القصص التي رويتموها كمعجزات وكرامات وتصرفات للأئمة في أمور الحياة والممات والرزق وحاجات البشـر والحيوانات لا تعدو حكايات مخترعة وأكاذيب مُلفَّقة! ولقد ملأتَ [يا آية الله أبا الفضل النبوي] الصفحات من 385 إلى 394 ومن 439 إلى 449 في كتابكَ منها وكلُّها من أوهام الغلاة وافتراءاتهم! وذلك لأن المعجزة التي يرويها شخص مجهول واسم بلا مسمى مثل «عمارة بن زيد»، أو شخص سيء الصيت مثل «علي بن أبي حمزة البطائني» أو شخص كذاب من الغلاة مثل «محمد بن سنان» أو كذاب مثل «يونس بن ظبيان»، وقصص مجاهيل مثل قصة الأعرابي والرجل البلخي!! ونحوها من الموضوعات والأوهام والخرافات، لا يمكن لأي عاقل أن يستدل بها على تصرف الأئمة في تدبير أمور الكائنات، بل تلك المعجزات المخترعة لا تفيد إلا قصاصين مثل رُاوتها وسامعين مثل جدّاتهم العجائز!! وفضلاً عن أنها ليست بحجة أصلاً فإنها فضيحة وخفة لقائلها وسامعها!

إن مئات من أمثال تلك الروايات والقصص تتهاوى أمام آية واحدة من القرآن الكريم مثلما تندحر آلاف القشَّات أمام سيلٍ جارفٍ جرَّارٍ، وهذا بالطبع بالنسبة إلى من يؤمن بالله واليوم الآخر. إذْ لا يمكن لعاقل أن يغضّ الطرف عن حقائق القرآن الصريحة ويدع عقله ووجدانه جانباً لأجل تُرَّهات وأباطيل لفَّقها الغالي الفلاني أو الكذَّاب الفلتاني!! لقد أظهرت تلك القصص الملفّقة الموضوعة أولياءَ الله تعالى -الذين أمضوا حياتهم كلَّها في العبادة والتقوى وكانت سيرتهم عامرة بخشية الله والخوف من يوم الجزاء وكانوا خير المعلِّمين والداعين إلى إخلاص العبودية إلى الله- بصورة أشخاص لا هَمَّ لهم إلا تمجيد أنفسهم والعُجْب بذواتهم والأنانية؟! وكأن جميع الكائنات والمخلوقات خُلقت لأجل تعظيمهم وتمجيدهم وعبادتهم والخضوع أمامهم؟! تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الجاهلون عُلُوًّا كَبِيرًا.

إن المعجزات المنسوبة إلى الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- التي أوردتموها في كتابكم واعتبرتموها دليلاً نقلياً وشرعياً على تصـرُّفهم في جميع الممكنات والموجودات، حتى قلتم في الصفحة 60: «إن التأمل في معجزات المعصومين الأربعة عشـر والتدقيق فيها يكشف أنها مليئة بالخَلْق والإيجاد وتغيير الماهيات وتبديلها والإخبار عن الغيب وسائر الأعمال الإلهية والولائية»!! إن هذه المعجزات المُدَّعاة إذا صحَّ اعتبارها دليلاً على تصرُّف أصحابها في أمور العالم ونظام الكون وتدبير شؤونه، فإن كلَّ طائفة من ملل الدنيا ونِحَلِهَا لديها نظائر لهذه المعجزات المخترعة والأوهام الملفَّقة تنسبها لأوليائها. والمعجزة التي ينقلها شخصٌ واحدٌ ويرويها وحدَهُ -حتى ولو كان عادلاً- لا يمكن لأي عالم أن يقبل بها ويطمئنَّ إلى صحَّتها، فما بالك إذا كان رواتُها من الكذَّابين الغلاة أمثال «محمد بن سنان» و«يونس بن ظبيان» و«عمارة بن زيد» مجهول الهوية والوجود و«علي بن أبي حمزة» الملعون على لسان الأئمة!

[ما ترويه بعض كتب الصوفية من خوارق لمرشديهم وأقطابهم يفوق ما تذكُرُهُ عن الأئمة!!]:

اقرؤوا فقط أحوال أولياء الصوفية المذكورة في كتبهم لتروا أن ما تثبته تلك الطائفة من كرامات لأقطابها ومرشديها يفوق ما تذكرونه من معجزات للأئمة الاثني عشر -صلوات الله عليهم-!! فنَظْرةٌ سريعةٌ إلى كتب بعض الصوفيَّة مثل كتاب «تذكرة الأولياء» للشيخ عطار، أو كتاب «نفحات الأنس» للجامي، أو كتاب «إسعاف الراغبين» لليافعي وأمثالها تبيِّن أنها تنسب آلاف المعجزات الغريبة والعجيبة لأوليائها. ونذكر فيما يلي نماذج مختصرة عنها:

الشيخ عطار [النيسابوري] مثلاً الذي يفتتح كتابه «تذكرة الأولياء» باسم حضرة الإمام جعفر الصادق قطب الصوفية الكبير -على حد قوله- لا يذكر عن الإمام الصادق أي معجزة مهمة! أما بالنسبة إلى «الحسن البصري» - الذي يعتبره كثيرٌ من علماء الشيعة الكبار كالعلامة المجلسي وآخرين، من مخالفي الأئمة خاصة أمير المؤمنين علي (ع) - فإن «عطار النيسابوري» يقول: إن «الحسن البصري» وجد حبَّةَ تمر فأعطاها لشخص فأكلها فتحوَّلت نواتُها إلى ذهب! ويقول إن «الحسن» كان يصلِّي كلَّ يوم صلاةً في البصرة ثم يذهب إلى مكة ويصلي الصلاة التالية فيها ثم يعود إلى البصرة فيصلي فيها! ويقول إن شمعون المجوسي وضع يده في النار فلم تحترق فأسلم، فكتب «الحسن» له كتاباً ضمن له فيه الجنة فأمضـى الله ما كتبه «الحسن» ونفَّذه!!

ويذكر من معجزات «مالك بن دينار» أن ثعباناً ذا قرن من النرجس كان يروّح الهواء بقرنيه لمالك بن دينار! وأن دهرياً وضع يده في النار فلم تحترق لأنه كان جالساً إلى جوار «مالك بن دينار»! أو أن شخصاً ضرب «مالك بن دينار» سوطاً فدعا «مالك بن دينار» عليه، فقُطعت يد ضارب السوط في اليوم التالي!

ويذكر أن «حبيباً العجمي» الذي كان من أقطاب الصوفية، كان يذهب إلى المسجد كل يوم ويعبد الله تعالى، ويقول لأهله إني أشتغل عاملاً عند شخص ولم أقبض أجرتي منه بعد، وفي اليوم العاشر أحضـر بعضهم إلى بيته طنَّاً من الدقيق ولحماً وزيتاً وعسلاً! أو أنه كان يأتيه الطعام من عالم الغيب لأجل ضيوفه!! أو أنه لما هرب «الحسن البصـري من الحجاج واختبأ في منزل «حبيب العجمي» وجاءت الشـرطة إلى بيته لتقبض عليه، لم يشاهدوه رغم أنهم لمسوه بأيديهم كرامةً «لحبيب العجمي» وثواباً على صدقه في إخباره أن الحسن عنده في هذا البيت!! أو أنه كان يسير فوق الماء الجاري ولا يغرق!! أو أنه لما وقعت إبرة من يد «حبيب العجمي» أضاء المنزل المظلم لكي يراها!! أو أنهم صلبوا قاتلاً فلما مرّ حبيبٌ عليه استحق الجنة!!

وذكر من كرامات «عتيبة بن غلام» أنه عبر من فوق ماء البحر، حتى أن الحسن البصري ذاته الذي كانت له كل تلك المعجزات، تعجَّب من ذلك!! أو أنه قدّم لشخص -دون مقدمات- رطباً طازجاً في فصل الشتاء.

وكتب «عطار النيسابوري» عن كرامات رابعة العدوية فقال إنها لما وُلِدَت جاء لأبيها مالٌ كان يستطيع أن يشتري به كل ما يشاء! وأن حمارها الذي مات في سفر الحج عاد إلى الحياة من جديد! وأن مقامها عند الله كان عظيماً إلى درجة أن الكعبة بذاتها جاءت لاستقبالها!!! وناقل هذه المعجزة والكرامة هو «الشيخ علي فارمدي» وهو وإن كان من الكذابين إلا أنه ليس بأكذب من علي بن حمزة أو محمد بن سنان أو عمارة بن زيد. أو أن رابعة كانت تضع أمام ضيوفها رغيفي خبز فيأتيها عشـرون رغيفاً من عالم الغيب! أو أن قِدْرَ رابعة كانت تغلي دون أن توضع على النار فأكلت منها مع الحسن البصري الذي قال أنه لم يأكل طعاماً أفضل منه في حياته!

وكتب عن كرامات «الفضيل بن عياض» أن يهودياً عرض عليه نقل تلة من الحصى في مقابل عتقه من الرق، فأرسل الله ريحاً نقلت دفعة واحدة كل تلّة الحصى!.

وكتب عن كرامات إبراهيم بن الأدهم أن ثعباناً تحول إلى جلد كي يلبَسَهُ إبراهيم بن الأدهم ويقي نفسه به من البرد! وأنه لما سقطت منه إبرة في البحر فطلبها خرجت آلاف الأسماك بإبر ذهبية في أفواهها لأجله، وهي قصة قد ذكرها أبو الفضل النبوي نفسه في كتابه! أو أنه لما خرج إبراهيم بن أدهم برفقة صحبه إلى الصحراء وأشعلوا ناراً وتمنَّوْا لحماً حلالاً لشيّه أرسل الله لهم أسداً قد افترس حماراً وحشياً وقدَّمه لهم!

وفي كرامات ذي النون المصري ذكرت كتب الصوفية: إنه لما فُقدت جوهرةٌ في سفينة واتَّهَمَ أهلُها ذا النون بسرقتها خرجت آلف الأسماك وفي فم كلٍّ منها جوهرةٌ لتقدَّمها إلى ذي النون! أو أنه لما أنفق شابٌّ مئة ألف درهم على فقراء الصوفية الدراويش ثم ندم على ذلك جاء ذو النون المصري وحول دواء من ثلاث حبات إلى ياقوت!! أو أنه عندما جاء رجل إلى ذي النون وقال له عليَّ ديْنٌ، تناول ذو النون حَجَرةً وأعطاها له فانقلبت في يده زمرّدةً قيمتها أربعمئة درهم.

إلى حدّ أن المتوكل الملعون الذي لم يستطع إمامُ الشيعة العاشر أن يهديه للصلاح رغم كل المعجزات والكرامات التي فعلها أمامه، صار مريداً لذي النون لِـمَا رآه من كراماته!! وعندما كانوا يحملون جثمان ذي النون بعد وفاته جاءت طيور وظلَّلت جنازته كي تقيها من حرّ الشمس.

أما عن كرامات «بايزيد البسطامي» فقد كتبوا أن الشيخ أبا سعيد أبي الخير الذي كان من كبار الصوفية قال: رأيت ثمانية عشـر ألف عالمَاً ممتلئاً من بايزيد البسطامي!! إلى حد أن بايزيد ادَّعى الإلهية فقال: «سبحاني ما أعظم شأني»!! وتوجد في ديوان «المثنوي» لجلال الدين الرومي قصة عجيبة حول هذا الأمر. أو أنه كان يحضر في طبرستان جنائز الموتى إلى حد أن أحد مريدي بايزيد واسمه «أبو سعيد الراعي» استخرج من عصا الرعي عنباً أبيضاً وأسوداً كان يأكل منه هو وضيوفه!! أو قصة معراج «بايزيد» العجيبة التي ذكرها العطار في عدة صفحات من كتابه.

ورووا أن عبد الله بن المبارك شفا ضريراً من العمى وأعاد إليه بصـره، وأن سفيان الثوري دعا على الخليفة وأركان الدولة فخُسفت بهم الأرض! وأن الطير الذي كان سفيان قد رآه في قفص فاشتراه كان يذهب إلى قبر سفيان بعد موته ويرفرف بأجنحته فوقه.

وفي باب «بشر الحافي» ذكروا أنه سار -طبقاً لوعد قد أعطاه- حافياً فوق ماء نهر دجلة وأنه طيلة حياته لم يكن أيٌّ من الأنعام يتغوَّطُ ويسقط روثه في المدينة وأن أهل العرفان إنما علموا بموت «بشر الحافي» عندما رأوا أن بغلة أخرجت روثَهَا!!

ورَوَوْا أن الحسين بن منصور الحلاج غضب يوماً على أسد ضرغام فأخذ بيده ثعباناً وخرج من بوابة بغداد ودار حول المدينة وهو يقول «أنا الحق».

وهناك كثيرٌ من أمثال هذه الكرامات والمعجزات المنسوبة لأقطاب الصوفية والتي يطول نقلها وهي مروية في كتب الصوفية المكتوبة بالعربية أو الفارسية، والتي تُرَوَّجُ في عصرنا بسبب سياسة الاستعمار التي تشجِّع على نشر مثل تلك الخرافات.

فإذا صحَّ الاستناد إلى مثل تلك الأوهام للاستدلال على تصرُّف بعض البشر في تدبير أمور الأرضين والسموات لكان جميع أولئك الأفراد الذين نُسبت إليهم تلك الكرامات مدبري أمور الكائنات! ولأصبح المتصرِّفون في أمور العالم، بدلاً من أربعة عشر معصوماً، أربعة عشر ألفاً بل أربعمئة ألف متصرف أو بعبارة أبسط «إله». ولم تعد هذه الفضيلة منحصرةً بأئمة الشيعة!! بل إن نسبة الكرامات والمعجزات إلى أولياء الدين ليست مقتصرة على المسلمين بل أهل كلّ ملّة ودين ينسبون إلى أوليائهم مثل هذه الأوهام.

وقد ادّعى بعض النصارى في تاريخ كنيستهم وقوع معجزات عجيبة لبعض رهبانهم وقديسيهم من النساء والرجال إلى حد أن أحد العلماء الكبار مثل «كاميل فلامريون» عالم الفلك الفرنسي الموحِّد، الذي لا يؤمن أصلاً بالكنيسة ورجال الدين النصارى، صدّق تلك المعجزات، وأورد بعضاً منها في مؤلفاته!

إن كُلَّ إشكال توردونه على هذه الادعاءات يمكن إيراد مثله على ادعاءاتكم! لأنه إذا كان رواة تلك المعجزات وناقلوها أفراداً أو كان عددهم قليلاً فإن الأمر ذاته ينطبق على رواة المعجزات المنسوبة للأئمة!

وإن قلتم إن رواة تلك المعجزات كانوا من الصوفية والرهبان ولم يكونوا صادقين ولا عدولاً، فإن رواة المعجزات التي تنسبونها إلى الأئمة أيضاً أشخاص ليست عدالتهم وصدقهم مشكوك فيها فحسب بل كثير منهم -بتصريح كتب علم الرجال- كذّابون وغلاة!

إذن لا يمكن إثبات عقيدة بمثل تلك الحكايات والأوهام ولا يمكن اعتبار القيل والقال الصادران من كل مبتدع ضال حجَّةً ودليلاً.

[اعتراف أبي الفضل النبوي بعدم ادّعاء الأئمّة لمقام الإمارة على الكون! ومحاولته الفاشلة للإجابة عن هذا الإشكال]:

ثم ذكر آية الله (!) النبوي في الفصل الثالث من كتابه بعض الإشكالات التي قد ترد على ما ذكره من ادعاءات ثم شرع في الإجابة عنها: فقال في الصفحة 80 مثلاً: «من الإشكالات الأخرى التي يطرحها بعضهم أن الأئمة أنفسهم لم يدّعوا أبداً مقام حكم وقيادة العالم والسلطنة على الكون بل كذّبوا قولاً وعملاً كلَّ من ينسب إليهم مثل ذلك، وعلّة ذلك أنّ تلك الولاية والسلطنة المفترضة -كما ذكرنا- إنما تنشأ من كمال العلم والإرادة والعمل، أي لا بد أن يكون شخص الولي من ناحية العلم، محيطاً بجميع الأمور وبجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطَّلعاً على الغيب وعلى ظاهر العالَم وباطنه، لا تخفى عليه خافية ولا يعجز عن الإجابة عن أي سؤال ولا يحتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، كما أنه من ناحية القوة لا يعجز عن التغلّب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره، ويجب عقلاً أن يكون معصوماً ومنزهاً من كل عيب ونقص عمليٍّ ومبرَّأً ومطهَّراً من كلِّ زلَّة وخطأ، كي يتمكَّن من إحراز مقام النيابة عن المنوب عنه الذي هو الله العالِمِ القدير المتَّصف بجميع صفات الكمال والمنزه عن جميع صفات النقص والعجز، ولكي يستحقَّ الخلافَةَ عن المستخلَف وقيادة ملكوت الله»! انتهى كلامه.

وأقول: أولاً: في الجمل المذكورة يقرّ آية الله أبو الفضل النبوي ذاته أن الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- لم يدَّعوا لأنفسهم أبداً مقام التسلُّط على عالم الكون وقيادته وكذَّبوا هذه النسبة وخطَّؤوها قولاً وعملاً. بل إنهم -كما سنرى في بحث الغلو والغلاة من هذا الكتاب- لعنوا لعناً شديداً كرروه مئات وربما آلاف المرات كلَّ من نسب لأحدهم شيئاً من تلك الصفات بل حتى من نسب إليهم ما هو أقل من ذلك، وتبرؤوا منه، وحذَّروا أصحابهم ومحبيهم وشيعتهم من مجالسة أمثال هؤلاء الغلاة الذين ينسبون إليهم تلك المقامات.

لكن العجيب أن «أبا الفضل النبوي» هذا يريد أن يثبت للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- عين ما كانوا يكذِّبونه ويخطِّئون القول به- حسب إقراره نفسه-!!

أجل، كثيراً ما يوجد بين المريدين والأصدقاء أفرادٌ حمقى وجهلاء تدفعهم محبتهم إلى الإساءة إلى محبوبهم، وذلك مثل قصّة الدبّ الذي أنقذه صاحبه من فم الثعبان فأراد أن يكافئ صاحبه على ذلك فلما رآه نائماً ورأى ذبابة تحطُّ على وجهه وتزعجه أخذ صخرةً ورماها على الذبابة فأودى بحياة الرجل! وانطبق عليه المثل الصديق الأحمق عدو! وربما كان سبب ادعاء من ادعى الألوهية من أمثال فرعون وشدَّاد ونمرود وزعماء الملل والنحل الباطلة كالباب والبهاء، هو فرط حماقة مريديهم وأتباعهم. كما نقلوا في أحوال الميرزا «حسين علي البهاء المازندراني» [مؤسس نحلة البهائية الباطلة] أنه قال لأحد مريديه المتحمِّسين ويدعى الميرزا «روح الله»: أيها الميرزا لو أنني أقررت لك أنني لستُ الله هل تكف عن إيمانك بألوهيتي؟ فأجابه الميرزا روح الله قائلاً: كلا يا سيدي! لو فرضنا جدلاً أنك كففت يوماً ما عن قولك بألوهيتك فإنني سأقوم بدعوتك إلى ألوهية نفسك وأثبت لك بالدليل أنك الله!!!

وهنا فإن صاحبنا آية الله النبوي الذي قَرَأَ نفسَه أخبار أهل بيت النبي الأطهار التي يعلنون فيها مراراً وتكراراً براءتهم ممن ينسب إليهم تلك الكفريات ويلعنون أصحابها الغلاة ويكذبونهم، يقول مع ذلك أن الأمر ليس على ظاهره أي أن الأئمة لا يعلمون أنهم آلهة ولكن الحقيقة هي ذلك والآخرون علموا بهذه الحقيقة!!!

ثانياً: لقد ظنّ أبو الفضل النبوي هذا أن القدرة على إدارة أمور العالم وتدبير أمور المخلوقات وكل ما في مُلْكِ الله وملكوته من الأرض والسموات يحتاج فقط إلى «أن يكون الشخص قادراً على الإجابة عن كل سؤال وغير محتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، كما أنه من ناحية القوة لا يعجز عن التغلب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره...»، هذا مع أنه من الممكن أن يوجد بين أفراد البشر بعض من يتصف ببعض تلك الصفات دون أن يؤدي ذلك إلى كونهم الله! هذا رغم أنه مما لا ريب فيه أن الأولياء والأئمة لم يكونوا أبداً متصرفين في الكون والمكان وأن تاريخهم وسيرتهم تشهد أنهم لم يكونوا يملكون أياً من تلك الصفات الإلهية المنسوبة إليهم، كما يُقِرُّ أبو الفضل النبوي ذاته بذلك، حين يقول في الصفحة 81 من كتابه: «ولكننا عندما ندرس تاريخ حياة الأئمة وكيفية معيشتهم نرى أنهم حسب الظاهر لم يكونوا يتمتَّعون بتلك المراتب الثلاثة التي بيناها، بل نجد في حياتهم أموراً توهم خلاف تلك المقامات».

ثم بدأ بشرح عجز الأئمة عن الاتصاف بتلك المراتب، ببيان أنهم كثيراً ما كانوا يُبيِّنون عدم اطلاعهم على بعض الأمور وأنهم كانوا محكومين للظروف المحيطة بهم ومقهورين للطبيعة وحوادث الزمان، ومن ناحية العصمة يمكن أن نجد في أقوالهم ما يخالف ذلك خاصة ضمن أدعيتهم ومناجاتهم لِـلَّهِ حيث يعترفون بذنوبهم ويقرون بخطاياهم!

فأقول: أولاً- حتى لو كان هناك شخصٌ متمتِّعٌ بما ذكرته من أوصاف أي أن يكون محيطاً بجميع الأمور وبجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطلعاً على الغيب وعلى ظاهر العالم وباطنه، لا تخفى عليه خافية ولا يعجز عن الإجابة عن أي سؤال ولا يحتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، وقوياً إلى درجة لا يعجزه معها التغلب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره....الخ.

 أقول حتى في مثل هذه الحالة المفترضة، لا يمكن لم اتصف بذلك أن يكون نائباً عن الله المتصف بجميع صفات الكمال والمنزه عن جميع صفات النقص، ولا أن يكون خليفةً لِـلَّهِ في إدارة ملك الله، لأن الله أعظم وأكبر بكثير وكثير جداً مما تتصوَّره، وإدارة أمور العالم وتدبير عالم الإمكان يحتاج إلى صفات كاملة أكثر بكثير وكثير جداً جداً مما تظنه ومما تذكره من عدم عجزه عن الإجابة عن أي سؤال و.....! هذا بمعزل عن أن الله المتعال لا يحتاج إلى نائب أو وزير أو خليفة لينوب عنه في إدارة أمور مملكته، ومن يقول بمثل ذلك يكون من أسوأ المشركين والكفار!

ثانياً- لدينا أخبار وآثار عديدة عن الأئمة الأطهار -عَليهِمُ السَّلام- تدل على أنهم كانوا يبرؤون من نسبة تلك الأمور إليهم وأنهم كانوا يتأذَّون ممن ينسب إليهم ذلك ويلعنونه ويدعون عليه، وأنهم كانوا يظهرون في مناجاتهم وأدعيتهم كمال العبودية والعجز والتقصير أمام الله. ومع ذلك تأتي أنت [يا أبا الفضل النبوي] لتثبت استناداً إلى عدد من الأحاديث الموضوعة الباطلة التي افتراها بعض الغلاة وأعداء الدين والتي ذكرتَ نماذج عديدة منها في كتابك، أن الأئمة كانوا نوّاب الله وخلفاءه في إدارة أمور ملكه رغم أنه حتى لو صحت جميع تلك الروايات الكاذبة والمغالية فإنها لن تثبت ذلك المعنى الذي تريد إثباته!

فليت شعري! هل تريد أن تقول إن أولئك الأجلّاء الكرام كانوا يظهرون عجزهم وعبوديتهم في خلوتهم مع الله، أما في جلوتهم وأمام الناس فكانوا يدَّعون الصفات الإلهية!! وهذا معناه أنهم كانوا -والعياذ بالله- منافقين مخادعين للعوام!! أي أنهم كانوا مثل فرعون إذا خلا بينه وبين الله عرف عبوديته وأظهرها، أما إذا كان في حضور الناس ادَّعى أنه ربهم الأعلى، خلافاً لموسى -عليه السلام- الذي كان يظهر في خلوته وجلوته عبوديته المحضة لِـلَّهِ، فهل هناك من تهمة أسوأ من ذلك يمكن أن يُتَّهَمَ بها الأئمة -عَليهِمُ السَّلام-؟! والآن لنرى ما هي أدلتك لحل ذلك الإشكال الذي ذكرته:

كتب آية الله أبو الفضل النبوي وهو يتحدث عن موضوع علم الإمام وإحاطته بجميع جهات العالم وجوانبه: «اعلم أن علم أولياء الله إراديٌّ يعني أنهم إذا أرادوا أن يعلموا عَلِمُوا وإذا لم يريدوا أن يعلموا بموضوع ما لم يعلموا به»!

فإن قلنا ما الدليل على أن علمهم إراديٌّ على هذه الصورة؟ أجابونا ببعض الأحاديث المعلولة ذات السند الضعيف المليء بالمجاهيل، وقد أتى العلامة المجلـسي -رحمة الله عليه- في شرحه لأحاديث الكافي في كتابه «مرآة العقول»، بثلاثة من تلك الأحاديث تحت عنوان «باب في أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا» فحكم على اثنين منها بالضعف وعلى الثالث بالجهالة! فليت شعري كيف يمكن إثبات عقيدة مخالفة للعقل والنقل بثلاثة أحاديث ضعيفة ومجهولة؟!

وأما من ناحية العقل فمن المعلوم أن الإنسان متعطِّش بطبيعته للعلم والمعرفة. والعلمُ بكلِّ شيء أفضلُ من الجهل به، فكيف ولماذا لا يريدون أن يعلموا؟!

ومن ناحية النقل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -و هو أفضل المخلوقات - أُمر، كما تفيده آيات القرآن الكريمة، أن يطلب من الله أن يزيده علماً ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه/114]. فكيف يمكننا أن نصدِّق بأمر مخالف للعقل والوجدان ومباين ومضاد لآيات القرآن استناداً إلى مثل تلك الأحاديث الضعيفة المتهافتة؟

الآن لنأتِ إلى الأحاديث التي ذكرها أبو الفضل النبوي واعتبرها دليلاً على ادعائه علم الأئمة بجميع العلوم:

أحدها خبرٌ عن أمير المؤمنين أنه قال لابن عباس في تفسيره لآية البسملة: «أنا نقطة باء بسم الله»!

أقول: إنني مقيمٌ الآن وأنا أخط هذه السطور في فصل الصيف هذا، في قريةٍ من قرى «قُم» (قرية ديزيجان)(61) ولا أملك الوصول إلى مكتبتي حتى أحقق في سند هذا الحديث، لكن رغم ذلك يمكنني الجزم استناداً إلى وقائع التاريخ المسلَّم بها أن هذا الحديث موضوعٌ وكاذبٌ. وأكذَبُ الحديث ما كذَّبه التاريخ! كما يقول الشهيد الثاني -عليه الرحمة- في كتابه «الدراية».

وتوضيح ذلك أنه طبقاً للتواريخ المعتبرة لم يبدأ تنقيط المصاحف أي وضع النقاط فوق أو تحت الحروف ذات النقط إلا في زمن عبد الملك بن مروان [الأموي]، وأما قبل ذلك فلم تكن هناك أي نقطة في نسخ المصاحف المنتشـرة بين أيدي المسلمين، كما نشاهد ذلك اليوم فيما تبقَّى من نسخ مخطوطة قديمة للمصاحف التي تعود إلى ذلك الزمن، حيث لا نجد فيها أيّة نقاط. إذن لم تكن في زمن أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيُّ باء ذات نقطة حتى يقول عن نفسه أنه باء بسم الله! فالحديث بتصديق التاريخ مكذوب مختلقٌ من أساسه(62).

والحديث الآخر الذي أتى به وأراد أن يثبت به العلم غير المتناهي (!) للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- قصة مناظرة الإمام الصادق لأبي حنيفة، وهي قصة مستبعدة يصعب تصديقها رغم ورودها في بعض كتب الحديث! ونعتذر عن تحليل سندها هنا للعلة ذاتها التي ذكرناها أعلاه(63). ولكننا لا يمكننا عقلاً أن نصدق أبداً أن يكون الإمام الصادق في صدد الطعن في الأئمة والفقهاء المعاصرين له ولا أن يكون معادياً لأبي حنيفة الذي كان من محبي الإمام الصادق وكان لا يُخفِي محبته لأهل البيت ونصرته لهم.

ومع ذلك فإن آية الله أبا الفضل النبوي كتب يقول: «سأل الإمام الصادق أبا حنيفة فقال: هل البول أشدُّ نجاسةً أم المنيُّ؟ فقال أبو حنيفة: البول! فقال الإمام: فلماذا وجب الغسل من خروج المنيِّ ولم يجب من خروج البول؟! ثم سأله فقال: يا أبا حنيفة! هل الصلاة أفضل أم الصوم؟ فقال أبو حنيفة: الصلاة. فقال الإمام: فلماذا وجب على الحائض أن تقضي الصوم [ولا تقضي الصلاة]؟! ثم سأله فقال: يا أبا حنيفة! هل إثم قتل النفس أكبر أم الزنا؟ فقال أبو حنيفة: القتل. فقال الإمام فلماذا يكفي لثبوت القتل شاهدان ولا يكفي لثبوت الزنا إلا أربعة شهداء؟ فعجز أبو حنيفة عن الإجابة على جميع تلك الأسئلة وأُفحم ولم يحر جواباً»!!

أقول: يبدو أن آية الله النبوي يرى أن مثل هذا يثبت أهلية الإمام لإدارة الكون والتصرف في عالم الإمكان!! والواقع أنني أعتقد أن مثل هذه المناظرات المُخْتَلَقَة افتُريت مِنْ قِبَل أشخاص متعصِّبين كانوا يريدون إثبات عداوة وهمية بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة وأن يصوروهما خصمين يواجه أحدهما الآخر، كي يتوصلوا من خلال إظهار غلبة الإمام لأبي حنيفة وإفحامه له إلى المباعدة بين أتباع الإمامين أكثر فأكثر! وإلا فإن ما ذُكر من أمور لا يمكن أن تخفى على فقيه مثل أبي حنيفة (رح) أو على عالم يُراد اعتباره عالماً بالكون والمكان ومدبراً لأمور العالم مثل الإمام الصادق (ع)؟!!

والعجيب أن الإمام الصادق نفسه - حسب ادعاء الرواية - لم يجب على تلك المسائل المشكلة (!) واكتفى بالإشكال على كلام أبي حنيفة ونقضه!!

وفيما يلي الإجابة عن هذه المسائل من هذا العبد الفقير إلى الله الذي لا يدعي أي علم وفضل، ويشهدُ الله أنني لم أسمع حتى الآن أي جواب لا عن الإمام الصدق ولا عن غيره عن هذه المسائل، ولكنني بالميزان الذي أملكه من علوم الإسلام الشرعية، أجيب عن تلك الإشكالات إجابة تكفي لإخراج أبي حنيفة -المُتَخَيَّل- من الإفحام الذي ادُّعِيَ أنه وقع فيه. وفي الواقع تكفي لبيان كذب مختلق هذه القصة، وإنما أفعل ذلك انطلاقاً من محبتي الصادقة للإمام جعفر الصادق (ع) وآبائه الكرام -عَليهِمُ السَّلام-.

فأقول: إن قول أبي حنيفة -حسب ادعاء الرواية- أن البول أشدُّ نجاسةً من المنيِّ قولٌ صحيحٌ، لأن العلم والتجربة أثبتتا أن البول أنجس من جميع النجاسات، [حيث يحتوي على جميع الفضلات والسموم التي يطرحها الدم عن البدن] كما أن شرع الإسلام المطهر يقول بذلك إذْ يكتفي في غسل كل نجاسة بعد زوال عينها بغسلها مرَّةً واحدةً إلا البول فإنه يأمر بغسله مرتين على الأقل.

أما لماذا وجب الغسل من خروج المنيِّ ولم يجب من خروج البول؟ فَعِلَّتُه أن عملية قذف المنيّ تتشارك فيها جميع الأعصاب، ولما كانت الأعصاب بمثابة الشبكة المحيطة بجميع البدن، فإننا نجد أنه عند المعاشرة وقذف المني تحدث قشعريرة وارتخاء في جميع أعضاء الجسم، كما يخرج من الإنسان عرقٌ ذو رائحة خاصة بعد قذفه للمنيِّ مما يدلّ على أن جميع البدن اشترك وتفاعل خلال عملية القذف هذه. لذا وجب غسل جميع البدن مرَّةً على الأقل [كي يستعيد البدن نشاطه]. وليس في ذلك ما يتنافى مع كون البول أشدُّ نجاسةً من المنيّ.

أما عن المسألة الثانية التي ادَّعَتْ الروايةُ أن الإمام الصادق سأل أبا حنيفة عنها وهي: هل الصلاة أفضل أم الصوم؟ وإجابة أبي حنيفة بأنها الصلاة! فأقول إن إجابة أبي حنيفة صحيحةٌ تماماً والصلاة أفضل من الصوم فعلاً بدليل العقل والنقل، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رُوي عنه: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة». أما لماذا وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فعلة ذلك أنه لا يوجد في السَّنَة كلِّها سوى شهر واحد للصوم، فإذا حاضت المرأة فيه - ونعلم أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثرها عشرة - وأخذنا بأكثر مدة الحيض، لما وجب على المرأة سوى قضاء صوم عشرة أيام في السنة كلها [وهذا أمر ميسور]، بخلاف الصلاة، التي حتى لو أخذنا بأقل مدة الحيض أي ثلاثة أيام، تترك فيها الحائض الصلاة، وقلنا بوجوب قضائها لوجب على المرأة قضاء مئة وثمانين صلاة في السنة وهذا تكليف شاق والشريعة السمحة السهلة لا تكلف النفس بمثله لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْـرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ [البقرة/185]، و﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج/78]، لذا أُعْفِيَت المرأة من قضاء الصلاة رغم أفضليتها على الصوم.

أما عن سؤال الإمام هل قتل النفس أعظم أم الزنا وإجابة أبي حنيفة بأنه القتل، فإن جواب أبي حنيفة صحيح تماماً، لأن الله تعالى اعتبر في آيات القرآن إثم القتل أكبر من إثم الزنا (سورة المائدة/ 32)(64)، ولأن العقل السليم أيضاً يشهد بهذا بكل وضوح، ومما يدل على ذلك أن حد الزنا -بعد ثبوته- مئة جلدة أما حد القتل فهو القتل. أما لماذا اكتُفي لإثبات القتل بشاهدين في حين لم يكف لإثبات الزنا إلا أربعة شهداء فعلة ذلك أن وقوع القتل معلوم وغير قابل للتشكيك به لذا كل ما يلزم هو معرفة مرتكبه وهذا يمكن أن يتحقق من خلال شاهدين. أما وقوع الزنا فهو أمر غير معلوم وإثباته صعب، ولذلك فإن مجرد وجود امرأة ورجل غير محرم في سرير لا يثبت وقوع الزنا ولا يتم إثبات ذلك إلا بمشاهدة أربعة أشخاص لكيفيةٍ تثبت وقوع الجرم [كالميل في المكحلة] أما سائر الكيفيات كالتقبيل والمعانقة والعري في مكان واحد....الخ فلا تكفي في إثبات وقوع الزنا. إذن تبين أن إثم القتل أكبر من إثم الزنا، رغم ثبوت القتل بشاهدين وحاجة إثبات الزنا إلى أربعة شهود.

ثم إنه من الواضح أن معرفة جواب تلك المسائل لا تجعل صاحبها محيطاً بجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطلعاً على جميع الغيوب وعلى باطن العالم وظاهره!! ولم يكن الإمام الصادق (ع) -إن صحت هذه الرواية عنه- يسعى من خلال طرح تلك الأسئلة إلى إثبات تلك الصفات لنفسه، لأن أبا حنيفة لم يكن يدَّعي ذلك أو ينفيه. فإتيانك بمثل هذه الرواية أمر لا فائدة منه وقد أبعدك عن قصدك مسافات بعيدة!!

وكما قلنا من الظاهر أن من اختلق هذه المناظرة كان يهدف إلى تقوية النزاع الطائفي بين مذاهب المسلمين وتعميق الفرقة بينهم، وإلا فإن أبا حنيفة - كما ذكرنا - كان من محبي الإمام الصادق وسائر أئمة أهل البيت الكرام(65)، كما صرح بذلك الشيخ الطوسي - عليه الرحمة - في كتاب «أسماء الرجال» طبقاً لما رواه العلامة عبد الجليل الرازي في كتابه «النقض» (ص204): «وكان محمد ين إدريس الشافعي من أصحابنا». إذن تبين أن أبا حنيفة والشافعي كلاهما كانا من محبي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم دخل آية الله أبا الفضل النبوي في الصفحة 324 من كتابه في موضوع كيفية علم الإمام فقال: «وأما كيفية علم الأئمة ومقدار علمهم وميزانه فإن هذا المختصر لا يتسع لبيانه وشرحه بشكل وافٍ».

يعني هل لو كان كتابكم مفصلاً أكثر كان بإمكانكم بيان ذلك؟!

ثم أتى لأجل إثبات مدعاه ببعض الأحاديث الواردة في باب علم الإمام في كتاب أصول الكافي والتي تنسب إلى الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- قولهم أننا كذا وكذا....، ومن جملة ذلك حديث تحت عنوان: «بَابٌ فِيهِ ذِكْرُ الصَّحِيفَةِ والْجَفْرِ وَالْجَامِعَةِ وَمُصْحَفِ فَاطِمَةَ (ع)»، ونصه: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَجَّالِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ‏ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامِي؟؟ قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) سِتْراً بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتٍ آخَرَ، فَاطَّلَعَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ...»(66).

واللطيف في هذا الخبر أن الإمام الذي قيل إنه يعلم بما كان وما يكون - حسب عقيدة الغلاة- ويحيط بجميع عوالم الوجود، لم يكن يعلم بما في الغرفة المجاورة في بيته خلف الستارة ويحتاج إلى إزاحة الستر ليطمئن إلى عدم وجود أحد يسمع كلامه في الغرفة المجاورة!. والأفضل من ذلك أنه لما كان أبو بصير يريد سؤال الإمام عن علم الغيب فإن الإمام بعمله ذاك أجاب عن جميع أسئلته! لأن من يخفى عليه ما يجري في الغرفة المجاورة من بيته كيف تسأله أنت عن علوم الغيب؟! فإن قيل إن رفع الستر الذي قام به الإمام الصادق (ع) كان لأجل أبي بصير كي يرى أن لا أحد في الغرفة المجاورة! فالجواب أن أبا بصير كان أعمى فلم يكن يحتاج إلى رفع الستر للنظر أصلاً. فإذا رفع الإمام الستر فقد فعل ذلك لأجل نفسه وليطمئن إلى عدم وجود أحد.

 ويقول هذا الحديث إن الإمام قال لأبي بصير: «إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ وعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. قَال: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ! هَذَا وَاللهِ هُوَ الْعِلْمُ. قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ ولَيْسَ بِذَاكَ! قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ الْعِلْمُ؟! قَالَ: مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ وَالشَّيْ‏ءُ بَعْدَ الشَّيْ‏ءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ!»(67).

وقال جناب آية الله (!) أبي الفضل النبوي مستنتجاً من هذا الحديث: «بناء على ذلك لا يخفى عن علمهم شيءٌ مهما كان بعيداً في الزمان أو المكان ومحجوباً خلف الأستار فهم مطلعون على ضمائر القلوب وقعر الأرض وأوج السماء وأعماق البحار».

لاحظوا كيف يستنتج من ذلك الحديث الواحد كل هذه النتائج العجيبة والغريبة! ثم يستنتج أيضاً قائلاً: «إن رئيس وزراء البلاط الإلهي لا بد أن يكون مطلعاً على جميع بقاع مملكة الوجود»!!

وأقول: لو صح هذا التشبيه فيجب أن ننتبه إلى أن رئيس الوزراء يجب أن يكون أكثر اطلاعاً من الملك نفسه على أحوال المملكة لأن عدم اطلاع الملك على بقعةٍ من مملكته لا يعيبه بقدر ما يعيب عدم اطلاع رئيس وزراءه على ذلك!

ولكن علينا أن نرى هل يحتاج الله إلى رئيس للوزراء حتى يكون رئيس وزرائه مطلعاً على جميع بقاع مملكته أم لا؟ إن كل مُوَحِّد مؤمن بالقرآن يعتقد أن القول برئيس للوزراء في سلطان الله كفر وشرك!

ثم أورد أبو الفضل النبوي حديثاً من كتاب «بصائر الدرجات» ينسب إلى أمير المؤمنين (ع) قوله: «فقال يا رميلة! ليس من مؤمن يمرض إلا مرضنا بمرضه ولا يحزن إلا حزنَّا بحزنه ولا يدعوا إلا آمنَّا لدعائه!...»(68).

وينبغي أن نقول: أولاً- إن متن هذا الحديث أياً كان مصدره مخالفٌ للعقل ومردودٌ. لأنه إذا كان الأئمة يمرضون لمرض كل مؤمن ويحزنون لحزنه للزم من ذلك أن يكونوا مرضى وحزانى على الدوام وفي جميع الأوقات وأن يزيد مرض كل فرد من الشيعة من شدة مرض الإمام إلى أن تصبح درجة حرارة الإمام مئات آلاف الدرجات المئوية مما لا يتحمّله أي صخر جلمود أو جبل أشمّ، والأمر كذلك بالنسبة إلى حزنهم!!!

اللهم إلا أن نقول: إن شيعة الإمام أفراد قليلون جداً لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة! أو أن نقول إن طاقة الأئمة في تحمل الأمراض طاقة هائلة يمكنهم معها أن يتحملوا مليون درجة حرارة مئوية! وكلا التصورين حماقة وسذاجة!!

ثانياً- إن الكتاب الذي نقل «أبو الفضل النبوي» عنه هذه الرواية، أي كتاب «بصائر الدرجات» المنسوب إلى محمد بن الحسن الصفار، يشتمل على الكثير من الغلو والأباطيل وكثير من الأمور البعيدة عن العقل والإنصاف، إلى درجة أن الشيخ الجليل «محمد بن الحسن بن الوليد» -رحمة الله عليه- الأستاذ الكريم للشيخ الصدوق، والشيخ الصدوق نفسه أيضاً وأبوه، كلُّهم اعتبروا أن ذلك الكتاب ليس من تأليف الصفار بل هو كتاب منحول ولا يستحق الاعتناء به(69).

ثالثاً- راوي تلك الرواية هو «أبو داوود نفيع بن الحارث السبيعي» الذي صرّح المرحوم ابن الغضائري بأن في رواياته مناكير ولا بد من التوقُّف فيها(70). وأورده العلامة الحلي في خلاصته ضمن الضعفاء(71).

رابعاً- في متن الرواية المذكورة أن أمير المؤمنين (ع) قال لرميلة: «يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها»!!.

هل تريد بمثل هذا الحديث المزخرف المنكَر أن تثبت تصرف الإمام وعلمه بما كان وما يكون؟! أم أنك تثبت في الواقع أن الغريق يتشبّث بأي قشة!.

 ثم استنتجَ [أبو الفضل النبوي] من هذا الحديث نتيجة عجيبة غريبة تُعتَبَر كفراً صريحاً فكتب يقول: «والخلاصة إن علم الأئمة كان عين علم الله الذي أشار إليه الربّ عزّ وجلّ بقوله: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ [سبأ/3].»!!

أقول: لم أسمع حتى الآن شركاً بمثل هذه الصراحة. والواقع إن صعوبة تحمُّل مثل هذا الكفر صعوبةً بالغة وعدم إمكانية السكوت عليه، خاصة مثل كلمات الكفر هذه التي تجلبُ المذلَّةَ والشقاءَ لأبناء مذهبنا وديننا ووطننا أمام سائر المسلمين بل لدى جميع عقلاء العالم، هي التي دفعتني إلى تجشُّم عناء القيام بهذا البحث وتحمُّل الأذى الذي سألقاه في سبيله لاسيَّما اتهامات بعض الجلهة من العوام الذين غرَّر بهم بعض آيات الله العظام (!) أولئك، لي، لكي أزيل التهمة عن الشيعة الحقيقيين الصادقين وأبين نزاهة الأئمة [من آل الرسول] الكرام الأجلاء -عَليهِمُ السَّلام- عن مثل هذه النسب الباطلة، متحمِّلاً في هذا السبيل كل ما يمكن أن يقع عليَّ من أذى، لا تأخذني في ذلك لومة لائم. ذلك لأن الأمور قد وصلت إلى درجة تحمل الإنسان على ألا يخاف حتى من القتل والنهب أو الحرق والضرب وأن يشد العزم بكل وسيلة ممكنة لإزالة هذه البدعة ومحاربة الشـرك. ويعلم الله أن الجهاد في هذا السبيل أهم من جهاد الكفار والمشركين وأكثر فائدةً، لأن الفتنة الداخلية أشد خطراً، والعدو أصبح يهاجمنا من داخل بيتنا، وعلينا أن نحذر من العدو الداخلي أكثر من حذرنا من العدو الخارجي! وبالله التوفيق وعليه التكلان وهو المستعان.

عدوى در خانه خنجر تيز كرده     تو از خصم برون پرهيز كرده؟!

[أي] العدو سنَّن حدَّ خنجره في داخل البيت

وأنت مشغولٌ بتوقِّى خصمك الخارجي؟!

 

+            +             +

 

بحث حول اختصاص علم الغيب بالله

موقف القرآن والأئمَّة من دعوى علم الأئمَّة بالغيب :

نُريد الآن أنْ نرى مدى صحَّة ادِّعاء من يدَّعي أن الإمامَ عالمٌ بما كانَ وما يكونُ من أمور عالم الإمكان، من وجهة نظر القرآن الكريم والأئمة أنفسهم، وأن نتبيَّن هل تصحّ هذه الدعوى أم أنها كاذبة قطعاً ولا أساس لها من الصحة؟

لقد أمر اللهُ تعالى نبيَّ آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام/50].

كتب المرحوم الشيخ الطوسي الذي يُعَدُّ من أكبر العلماء والمفسرين الشيعة، في تفسيره لهذه الآية الكريمة يقول: «أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله أن يقول لعباده: (لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) أغنيكم منها (وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ) الذي يختصّ بعلم الله تعالى فأعرفكم مصالح دنياكم، وإنما أعلم قدر ما يعلّمني الله من أمر البعث والجنة والنار، وغير ذلك، ولا أدَّعي أني ملك، لأني إنسان تعرفون نسبي، لا أقدر على ما يقدر عليه الملك، وما أتبع إلا ما يوحِي الله به إليَّ. وبين لهم أن المَلَك من عند الله، والوحي هو البيان الذي ليس بإيضاح نحو الإشارة والدلالة»(72).

ثم كتب المرحوم الشيخ الطوسي -رحمة الله عليه- يقول: «وإنما أمره بأن يقول ذلك لئلا يدَّعوا فيه ما ادَّعت النصارى في المسيح، ولئلا يُنْزِلُوهُ منزلةً خلاف ما يستحقُّه. ثم أمره بأن يقول لهم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ؟) أي هل يستوي العارف بالله تعالى وبدينه العالم به مع الجاهل به وبدينه، فجعل الأعمى مثلاً للجاهل والبصير مثلا للعارف بالله ونبيه». وتابع بعد أسطر يقول: «وإنما المراد (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) فأشاهد من أمر الله وغيبته عن العباد ما يشاهده الملائكة المقرَّبون المختصون بملكوت السماوات»(73). انتهى كلام الشيخ الطوسي.

كانت تلك آية واضحة من القرآن الكريم يأمر فيها الرب سبحانه نبيه أن يعلن أنه لا يعلم الغيب وأنه ليس بملَك، أي أنه لا يمتلك حتى قدرة مَلَك من الملائكة!

وكان ذلك تفسير أحد أكبر علماء الشيعة في أهم التفاسير الشيعية لتلك الآية، ولم نضف على ما قاله أي كلمة من عندنا.

فقارنوا الآن مضمون تلك الآية الكريمة وتفسير أكبر علماء الشيعة لها بكلمات الكفر التي قالها آية الله عظمى القرن العشرين (!) أبي الفضل النبوي حيث قال إن العلم الذي أثبته الله لنفسه بقوله: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ [سبأ/3]، ثابت بعينه للأئمة أولياء الله!! قارنوا بين القولين جيداً واحكموا هل قول أبي الفضل النبوي هذا شرك أم لا؟

وأمر الله تعالى نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف/188]. فإذا كان النبيُّ لا يملك نفعَ نفسه ولا ضرَّها إلا إلى الحدِّ الذي يشاؤه الله، أي ذاك الاختيار الذي منحه الله للإنسان ليجلب لنفسه النفع والضرر ليكون مسؤولاً عن عمله، فكيف يكون قادراً على جلب النفع ودفع الضرر عن الناس؟؟.

وقد فسّر الشيخ الطوسي -رحمة الله عليه- هذه الآية الكريمة بقوله: «أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين إني (لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) أن يملّكني إياه، فمشيئته تعالى في الآية واقعةٌ على تمليك النفع والضـر لا على النفع والضر، لأنه لو كانت المشيئة إنما وقعت على النفع والضـر كان الإنسان يملك ما شاء الله من النفع، وكان يملك الأمراض والأسقام وسائر ما يفعله الله فيه مما لا يجدله عن نفسه دفعاً.

ومعنى الآية إني أملك ما يملّكني الله من الأموال وما أشبهها مما يملكهم ويمكنهم من التصرف فيها على ما شاؤوا، وكيف شاؤوا. والضر الذي ملّكهم الله إيّاه هو ما مكنهم منه من الإضرار بأنفسهم وغيرهم، ومن لم يملّكه الله شيئاً منه لم يملكه.».

وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ [الأعراف/188]. ما نصه: «معناه إني لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما يربح من التجارات في المستقبل وما يخسر من ذلك فكنت أشتري ما أربح وَأتجنّب ما أخسـر فيه، فتكثر بذلك الأموال والخيرات عندي، وكنت أعدّه في زمان الخصب لزمان الجدب (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) يعني الفقر إذا فعلت ذلك.»

ثم قال الشيخ -عليه الرحمة-: «وقال البلخي: لو كنت أعلم الغيب لكنت قديماً، والقديم لا يمسه السوء لأن أحداً لا يعلم الغيب إلا الله..... وقوله تعالى: (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) معناه لست إلا مخوِّفا من العقاب محذِّراً من المعاصي ومبشِّراً بالجنَّة حاثاً عليها غير عالم بالغيب»(74). انتهى كلام الشيخ الطوسي عليه الرحمة والغفران.

إذن الآية الكريمة تشير، لا بل تصـرِّح بأن من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم الغيب، ليس بمؤمن، فما بالك بمن ينسب علم الغيب إلى من هو أدنى من النبيّ؟!

إن جميع آيات الكتاب الإلهي تؤكِّد هذه الحقيقة وتصدِّقها. فلا ندري ما الذي عرض لآية الله أبي الفضل النبوي وأمثاله حتى عموا عن رؤية هذه الشواهد والدلائل الواضحة من كلام الله تعالى في آيات القرآن ومن السيرة العطرة لنبي آخر الزمان وتاريخ وسير الأئمة من آله والتي تنادي بأعلى صوتها أنه لا النبي ولا أي أحد آخر سوى الله تعالى يعلم الغيب، وتصريح القرآن بأن كل من كان عالماً بالغيب، سواء كان نبياً أم من هو أقل رتبة منه، فإن من الخواص الحتمية والتلقائية لهذا العلم هي أن يسعى إلى جلب النفع لنفسه ودفع الضرر عنها، وبالتالي فلم يكن أحد منهم عالماً بالغيب لأننا نعلم من سيرتهم علم اليقين أنهم لم يكونوا قادرين على دفع كثير من الأضرار وجلب كثير من المنافع لأنفسهم في كثير من محطات حياتهم. مع هذا يصر صاحبنا على أن الأئمة كانوا يعلمون العلم الذي وصفه الله بقوله: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ/3]!!!

نسأل الله الهداية لهؤلاء الذين يكذِّبون بدعاويهم وأقوالهم آيات القرآن وينحرفون عن صريح ما أنزل الله ويضلون الناس عن شريعة الله الحقة!

إن حضرة المعبود يقول لنا على لسان حضرة نوح (ع): ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ...﴾[هود/31]، وقد مر معنا تفسير هذه الآية الكريمة عندما نقلنا تفسير الشيخ الطوسي للآية الخمسين من سورة الأنعام فلا نعيده، وإنما ذكرنا هذه الآية الكريمة تأييداً وتأكيداً لنفي علم الغيب عن الأنبياء ولنبيِّنَ أن شعار جميع الأنبياء كان ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ.

وفي سورة هود ذاتها أيضاً نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلِـلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود/123].

وكذلك يقول سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ [النمل/65].

إذا عرفنا ذلك فعلينا أن نرى ما الذي دفع صاحبنا آية الله العظمى! إلى التعامي عن كل تلك الآيات الصـريحة والإصرار على قوله إن الأئمة أولياء الله يعلمون الغيب، وأي غيب؟ إنه الغيب الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ!! [يونس/61].

ولنا أن نسأل ألم يكن الأئمة أنفسهم من كائنات الأرض والسماء؟! أفلا يلزم من ادعاء آية الله النبوي ذاك أن لا يكونوا من كائنات الأرض والسماء وأن يكونوا بالتالي -نعوذ بالله- آلهة للسموات والأرض! ألا يستحي ذلك الرجل من الله؟!

إن الآيات في هذا الموضوع كثيرة ونكتفي بما ذكرناه تجنّباً للإطالة وما ذكرناه كاف لأهل الإنصاف.

النبيُّ لا يعلم من الغيب سوى الوحي!

وفيما يلي نذكر الآيات التي تدلّ دلالة صريحة على أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعلم شيئاً من الغيب سوى ما يوحيه الله إليه أحياناً، وأن ما كان يُوحَى إليه من قول أو فعل كان يطبِّقه على الفور وما أُمر بتبليغه كان يبلِّغه حالاً لعامَّة الموجودين ولم يكن يخفي شيئاً مما أوحاه الله إليه.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف/9].

ويقول أيضاً: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأنبياء/108-111].

يقول العالم الجليل الشيخ الطوسي في تفسيره لهذه الآيات:

[[(فان تولوا) يعني إن أعرضوا عن هذا الذي تدعوهم إليه من إخلاص التوحيد، فقل لهم (آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي أعلمتكم على سواء في الإيذان تتساوون في العلم به، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وهو دليلٌ على بطلان قول أصحاب الرموز، وأن للقرآن بواطن خُصَّ بالعلم بها أقوامٌ.

وقيل على سواء (في العلم) أي صرت مثلكم، ومثله قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ..﴾ أي ليستوي علمك وعلمهم. وقيل معناه: لتستووا في الإيمان به.

وقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ معناه لست أعلم إن ما وعدكم الله به من العقاب أقريب مجيئه أم بعيد.

وقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ أي لستُ أدري لعلَّ التأخير شدَّةً في عبادتكم يظهر بها ما هو كالسـرِّ فيكم من خير أو شر، فيخلص الجزاء بحسب العمل.]](75) انتهى.

هنا يشير الشيخ -عليه الرحمة- إلى نقطة هامة حول بطلان دعاوي الغلاة، إذْ يبيِّن أن كل ما يقوله القرآن من تعاليم فإن معرفته والعلم به عام لجميع الخلق على السواء فليس هناك في القرآن شيءٌ خاصٌّ بفريق دون فريق آخر حتى يستطيع بعضهم أن ينفذ من هذه الحجَّة ليصطاد عوام الناس البسطاء!!

لو لاحظتم أقاويل الغلاة لرأيتم أنهم يدعون أن للقرآن بطوناً تصل إلى سبعين بطناً، وأن العلم بالقرآن خاصٌّ بالأئمَّة فقط ولا نصيب لأحد في الدنيا من العلم به!!

و وَاضحٌ أن هذا يفتح الباب على مصـراعيه للغلاة ليلفِّقوا كلَّ ما عنَّ على خاطرهم من أمور ثم ينسبونه إلى الأئمة، فإذا أشكل أحد المؤمنين عليهم وَوجد أن كلامهم غير مقبول لعدم توافقه مع ظاهر القرآن، قالوا له: إن ما نقوله هو واحد من البطون السبعين التي يعلمها الإمام وحده من معاني القرآن!! وأنت لا تستطيع أن تفهم ذلك، فليس أمامك إلا أن تقبل هذا الكلام الوارد عنهم!!.

وهذا بالضبط ما أتى به صاحبنا آية الله العظمى (!) في الصفحة 311 من كتابه حين نقل عن ابن عباس قوله: «لقد فسَّر لي ابن أبي طالب باء بسم الله منذ بداية العشاء وحتى أذَّن المؤذنُ لصلاة الفجر!». وأن الإمام [عليّاً] قال له: «يا ابن عباس! لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب»!!

ولا ندري ما هي تلك المعاني والموضوعات التي لم يقُلْهَا أمير المؤمنين (ع) لأحد سوى لابن عباس، ولم يؤثر عن ابن عباس شيء منها!!

وهنا يعربد أبو الفضل النبوي ويقول: «مَن الذي يستطيع أن يكتب حتى كتاباً واحداً ضخماً بل كتاباً عادياً في تفسير فاتحة الكتاب، أو من الذي يستطيع أن يتكلّم ساعتين على الأقل في تفسير بسم الله». ثم ينسب إلى الإمام أموراً ولا يأتي عليها بأي دليل مع كل أسف.

إن جناب آية الله (!) يظن أن كلَّ ادعاء يدعيه الغلاة حقيقةٌ ثابتةٌ!! إن كل ذلك التطبيل والتهويل إنما يصحُّ إذا كان لدينا نموذجٌ واحدٌ على الأقل ولو صغيرٌ عن كل ذلك التفسير الذي يملأ سبعين بعيراً الذي ذكره ابن عباس (هذا إن كان قد قال مثل ذلك أساساً؟!)، وإذا استطاع «أبو الفضل النبوي» أن يبرزه لنا، وإلا فإن ما لا نملك عنه إلا مجرد الادّعاء، لا يمكن لعاقل أن يصدقه أو يجعله دليلاً على عقيدة!

إن هذه الادعاءات أكاذيب صاغتها عقول الغلاة وأعداء الدين ونسبوها إلى أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، كما قال الشيخ الطوسي أيضاً إن القول بأن للقرآن بواطنٌ خُصَّ بالعلم بها أقوامٌ قولٌ باطلٌ.

ومن جملة التفاسير التي نسبها إلى الأئمة الصديق الجاهل أو العدو العالم أو أعداء القرآن، ذلك التفسير المنسوب كذباً للإمام المظلوم الحسن العسكري (ع)، ويا ليت مثل هذا التفسير لم يكن موجوداً بين الشيعة ولا بين المسلمين أصلاً!

ولقد أوضحنا في الصفحات (188 إلى 190) من كتابنا «ارمغان آسمان» [أي هدية السماء] الذي طبعناه ونشرناه قبل 12 سنة، اختلاق هذا التفسير المليء بالكذب وعدم وثاقته. وَلِـحُسْنِ الحظ أيَّد العلامة المحقق سماحة الحاج الشيخ «محمد تقي الشوشتري»(76) -أدام الله ظلَّه الوارف- في كتابه القيِّم وعديم النظير الموسوم بـ«الأخبار الدخيلة» والذي طُبع ونُشر قبل سنتين، ما نقوله بشأن هذا التفسير بأفضل بيان وأوضح برهان.

في هذا التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري الذي جمع خليطاً من حقٍّ وباطل وأوقع بعض علماء الشيعة في الخطأ والاشتباه وجعلهم يظنون صحة نسبته إلى الإمام المظلوم، ثمة أقاويل وموضوعات ينفر منها كل من لديه أدنى شعور!

وقد قام العلامة الشوشتري -دام بقاؤه- كما قلنا، في كتابه «الأخبار الدخيلة» (ص152إلى 228) بانتقاد هذا التفسير وبيان كذب واختلاق مندرجاته ووصل في النهاية إلى القول: «إذا كانت هذه الأخبار المذكورة في هذا التفسير صحيحة فالإسلام باطل من أساسه! لأنه يتضمن الجمع بين الضدين وهذا من المحالات!»(77).

إن مطالعة دقيقة لكتاب العلامة الشوشتري القيِّم تُظْهر حجم الأكاذيب التي افتراها أعداء الدين أو أصدقاءه الجهلاء الذين هم أحياناً أسوأ من الأعداء، والتي بدأ تلفيقها منذ الصدر الأول وفي فترة حياة الأئمة الكرام ذاتها وكانت تُنْسَب إلى أولئك الأئمّة الأعزّاء، وتُبَـيِّنُ كيف قتلوا أولئك المظلومين الذي كان كلامهم الحقيقي دُرَرَاً، قتلوهم لا بحدِّ السيف والسنان بل بالقلم واللسان! إلى درجة أنهم صوَّروا أولئك الأئمة الكرام بصورة أعداء الحقيقة -والعياذ بالله- وبصورة أناس عابدين لذواتهم وجاهلين بالله!

وإذا حصل مثل هذا الدسّ والافتراء في زمن الأئمة أنفسهم، فلا عجب أن يحصل أضعافه في الأزمان اللاحقة وفي زماننا!!

والأسوأ منهم أولئك الأشخاص الذين يقومون اليوم بنشـر تلك الأكاذيب والافتراءات والغلوّ وترويجها بين الناس، ويشوِّهون بذلك الوجه النورانيّ للدين ويجعلونه مكروهاً ومنفوراً لا يمكن لأي عاقل أن يقبل به فضلاً أن يعتبره وسيلة لسعادة آخرته.

كما نرى مع الأسف في عالم العلم والمعرفة حفنة من مدعي العلم والدين يقدِّمون للناس ثُفْل(78) ونفايات تلفيقات فلاسفة اليونان وترهات كشكول المتسولين والنسَّاك المرتاضين في الهند وإيران! فيقدِّمون تلك الأباطيل بثوب جديد، ثم إذا قام عبدٌ من عبيد الله(79) بالردّ على أوهامهم في كتاب باسم «درس في الولاية» أو بيَّن لهم عدم وثاقة «دعاء الندبة» وأمثال ذلك من الكتب المحقِّقة ونشرها، قامت قيامة مُدَّعي الحرص على الدين ولم تقعد، وبذلوا كل قواهم للرد عليه وملؤوا منابرهم بسبه وشتمه والنيل منه وتحريض عوام الناس ضدَّه!!!

أجل، كان كلامنا حول آيات القرآن التي تبين بكل صراحة ووضوح أنه لا النبيُّ ولا أحدٌ سواه يعلم الغيب إلا ما أوحاه الله لرسله من أمور ليبلِّغوها للناس.

يقول القرآن الكريم في هذا الموضوع أيضاً: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [التوبة/101].

كتب الشيخ الطوسي -عليه الرحمة- في تفسيره لهذه الآية: [﴿لَا تَعْلَمُهُمْ أي لا تعرفهم يا محمد ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي نحن نعرفهم](80).

فالقرآن يصرح بأنَّ نبيَّ الله لم يكن يعلم حتى المنافقين الذين كانوا من حوله! فما بالك بأن يعلم علماً ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أو يحيط بعالم الإمكان!!

ويقول الله تعالى للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء/36]. يقول الشيخ الطوسي في تفسيرها: «ثم نهى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقفو ما ليس له به علم»(81).

ويقول الله تعالى على لسان نبيه الكريم: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص/69]. ويقول الشيخ الطوسي: «ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول أيضاً (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) يعني بالملأ الأعلى الملائكة اختصموا في آدم حين قيل لهم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً في قول ابن عباس وقتادة والسدي، فما علمتُ ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى.»(82).

تلاحظون إذن أنه في جميع الآيات الكريمة المذكورة يوصي اللهُ نبيَّه الأكرمَ ليس أن ينفي عن نفسه علم الغيب فحسب بل أن يبين أنه لا يعلم حتى بالمنافقين من الأعراب الذين كانوا حوله أو الذين هم من أهل المدينة، وأنه ليس له علم بحقيقة حالهم، كما أنه لا يدري ماذا يفعل الله به وبالناس المعاصرين له؟ ولا يدري أقريب ما كان يعدهم الله به أم بعيد هو؟ كما لا يعلم هل أن هذا التأخير لما يعدهم الله به امتحان لهم أم غير ذلك؟

إذا كان الأمر كذلك فهل نصدق كلام الله تعالى ونعتبره حقاً أم نصدق ذلك المُتَلَقِّب بَآية الله العُظْمى (!) الذي يقول إن الأئمة وأولياء الله يملكون ذلك العلم ذاته الذي وصف الله به نفسه بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ؟؟! [سبأ/3].

هل كان الله -والعياذ بالله- يكذب بقوله إن النبيَّ لا يعلم شيئاً من الغيب سوى ما أطْلَعَهُ الله عليه من خلال الوحي وأمر النبيَّ بتبليغه للناس أم أن الآخرين هم الذين يقولون خلاف ذلك هم الذين يكذبون؟؟

ولقد تمسَّك هؤلاء في مقابل كل تلك الآيات المحكمات التي مرَّت معنا والتي نفت علم الغيب عن غير الله وأكدت أن النبي قد أُمر أن يعلن للناس حقيقة عدم علمه بالغيب، اللهمَّ إلا ما يُوحى إليه من مضامين الشرع، وأنه ليس بينه وبين سائر البشر أي امتياز من هذه الناحية، تمسكوا بجزء من آية كريمة وهي عبارة (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن/26-28]، وانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج/11]!

كما تلاحظون إن كل ما تقوله تلك الآيات [من سورة الجن] هو أن الله يُطْلِعُ أحياناً على غيبه من يرتضيه من رسول أو ملاك أو بشر ثم يراقبه حتى يبلِّغ ذلك الغيب الذي هو وحيُ الله، إلى الناس. وفي هذه الآيات عددٌ من النقاط لا بد أن نلاحظها:

1- عالم الغيب هو الله تعالى وحده فقط، ولا يظهر أحداً على غيبه.

2- أحياناً يظهر على غيبه من يرتضيه من رسول.

3- بعد أن يظهر شيئاً من غيبه لرسوله يراقبه ويحرسه حتى يبلغ ذلك الغيب إلى الناس كما أُوحي إليه.

4- هذه الحراسة والرقابة هي التي تُسمَّى اصطلاحاً «العصمة» وهي التي تبقى حتى يقوم الرسل بإبلاغ رسالة ربهم إلى الناس.

5- اللهُ محيطٌ بكلِّ ما لدى الأنبياء ويحصي كلَّ شيء ويعلم بما يتمُّ من إنقاص أو زيادة -إن حدثت- في إبلاغ رسالته فقد أحصى كلَّ شيء عدداً وأحاط بكل شيء خبراً.

إذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نرى ما هو الغيب الذي يظهره الله تعالى على من ارتضاه من رسول؟!

يجب أن نرجع إلى القرآن الكريم نفسه لفهم هذا الأمر، ونبحث فيه عن مضمون هذا الغيب الذي يظهره الله على من ارتضاه من رسول:

يقول سبحانه بعد أن يقصَّ علينا قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لِـلَّهِ وولادة مريم والإتيان بها إلى بيت المقدس وكفالة زكريا لها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [آل عمران/44].

إن كلَّ من له أدنى اطلاع على التاريخ والأناجيل الموجودة اليوم بين أيدي النصارى ويلاحظ كيف حُرّفت قصة مريم في تلك الكتب السماوية المحرَّفة يدرك ويقرُّ أن ما قصَّه القرآن كان من أنباء الغيب، لأنه لم يكن أحد من البشر قبل نزول القرآن يعلم قصة مريم بالكيفية والصورة التي بينها القرآن. إن قصة حمل مريم وولادة عيسى (ع) وتربية يوسف النجار زوج مريم لعيسى الوليد وسائر المضامين الموجودة في الأناجيل الأربعة تختلف وتبتعد بُعْدَ السماء عن الأرض عما ذكره القرآن في هذا الصدد، مما لم يكن أحدٌ يعلمه قبل نزول القرآن.

وكذلك بعد أن يقصَّ الله تعالى علينا في سورة هود قصَّة نوح ودعوته قومَه إلى التوحيد وأمرَ اللهِ له بأن يصنع الفلك أي السفينة الكبيرة وأن يركبها هو ومن آمن معه ثم كيفية مخالفة ابن نوح لأبيه وغرقه في الطوفان، يقول: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا...﴾ [هود/49].

وكذلك بعد أن يقص علينا القرآن الكريم قصة يوسف يقول: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [يوسف/102]، مما يبين أن قصة يوسف بالصورة والكيفية التي جاءت في القرآن كانت من الأخبار الغيبية التي أظهرها الله لرسوله وقد أبلغها الرسول بتمامها وكمالها للناس، وقد صرحت بداية سورة يوسف بهذا المعنى أي بعدم اطلاع النبي على تلك القصة قبل نزولها عليه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ [يوسف/3].

فتبين بذلك بشكل واضح أن الغيب الذي أظهره الله على من ارتضاه من رسول هو الوحي والأخبار الغيبية التي أصبحنا نعلمها نحن مما في القرآن الكريم ونقرؤها متى شئنا، ولم تعد أمراً سريَّاً ولا غيباً خفياً!

فهل يبقى هناك مجال بعد أن تبين ما ذكرناه لمثل تلك الخدع والأكاذيب التي تدعي -على رغم المعنى الواضح والمقصود البيِّن لتلك الآية- تلك الترهات والتلفيقات والتصوُّرات الباطلة والخيالات المخترعة والأوهام البعيدة؟!

الأئمة الأطهار عَليهِمُ السَّلام يبرؤون من القول بهذه العقيدة:

بعد أن ذكرنا عشر آيات كريمة من القرآن تنصُّ على عدم علم النبيِّ أو غيره بالغيب نذكر في هذا الفصل عشرة أحاديث من كتب الشيعة الموثوقة حول الموضوع ذاته وهي أحاديث يصدِّقها القرآن الكريم، ونكتفي -كما هي عادتنا في إثبات كل موضوع- بعشرة أدلة أو أحاديث، «تلك عشرة كاملة» ونعتقد أنها كافية لطلاب الحقيقة وأهل الإنصاف.

1- في رجال الكشي (طبع كربلاء، ص252) وَأمالي الشيخ الطوسي (ص 14): «عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ المُغِيرَةِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الحَسَنِ (أي الإمام موسى الكاظم) أَنَا وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحُسَيْنِ، فَقَالَ يَحْيَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَعْلَمُ الغَيْبَ؟! فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي فَوَاللهِ مَا بَقِيَتْ فِي جَسَدِي شَعْرَةٌ وَلا فِي رَأْسِي إِلا قَامَتْ. قَالَ ثُمَّ قَالَ: لا وَاللهِ مَا هِيَ إِلا رِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.»».

أي أن ما أُوحي إلى الرسول من أخبار الغيب ننقله لكم من خلال الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- بعد ذِكْرِ أمير المؤمنين (ع) بعضاً من أخبار الأتراك وَوصفه أحوالَـهم وبيانه لبعض حوادث المستقبل «قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِلْمَ الغَيْبِ! فَضَحِكَ (عليه السلام) وقَالَ لِلرَّجُلِ -وكَانَ كَلْبِيّاً-: يَا أَخَا كَلْبٍ! لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ. وإِنَّمَا عِلْمُ الغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ ومَا عَدَّدَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.. الآيَةَ،﴾ فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ ومَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً أَوْ فِي الجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً، فَهَذَا عِلْمُ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلا اللهُ، ومَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ (صلى الله عليه وآله) فَعَلَّمَنِيهِ ودَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي.» (نهج البلاغة، الخطبة 128).

من البديهي أن العلوم التي تحفظ في الصدور ويتّسع لها العقل ليست علم الغيب الذي يتضمَّن الاطلاع في كل آن وساعة على حوادث العالم ومجريات عالم الإمكان، بل هو علم يستطيع كل شخص أن يعلِّمَهُ للآخرين.

3- وجاء أيضاً في (ص 248) من كتاب «رجال الكشي» الذي يُعَدُّ من كتب الشيعة المشهورة، والذي لخَّصه الشيخ الطوسي، ما نصُّه:

«عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): أَيَّ شَيْ‏ءٍ سَمِعْتَ مِنْ أَبِي الخَطَّابِ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّكَ وَضَعْتَ يَدَكَ عَلَى صَدْرِهِ وَقُلْتَ لَهُ عِهْ وَلَا تَنْسَ! وَإِنَّكَ تَعْلَمُ الغَيْبَ وَإِنَّكَ قُلْتَ لَهُ عَيْبَةُ عِلْمِنَا وَمَوْضِعُ سِرِّنَا أَمِينٌ عَلَى أَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا! قَالَ: لَا وَاللهِ مَا مَسَّ شَيْ‏ءٌ مِنْ جَسَدِي جَسَدَهُ إِلَّا يَدَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنِّي قُلْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ! فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا أَعْلَمُ. فَلَا آجَرَنِيَ اللهُ فِي أَمْوَاتِي وَلَا بَارَكَ لِي فِي أَحْيَائِي إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ. قَالَ: وَقُدَّامَهُ جُوَيْرِيَةٌ سَوْدَاءُ تَدْرُجُ، قَالَ: لَقَدْ كَانَ مِنِّي إِلَى أُمِّ هَذِهِ أَوْ إِلَى هَذِهِ كَخَطَّةِ القَلَمِ فَأَتَتْنِي هَذِهِ فَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ مَا كَانَتْ تَأْتِينِي. وَلَقَدْ قَاسَمْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ حَائِطاً بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَصَابَهُ السَّهْلُ وَالشِّرْبُ وَأَصَابَنِي الجَبَلُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنِّي قُلْتُ هُوَ عَيْبَةُ عِلْمِنَا وَمَوْضِعُ سِرِّنَا أَمِينٌ عَلَى أَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا، فَلَا آجَرَنِيَ اللهُ فِي أَمْوَاتِي وَلَا بَارَكَ لِي فِي أَحْيَائِي إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ شَيْئاً مِنْ هَذَا قَطُّ!».

4- وكتب المرحوم الشيخ عباس القمي يقول: روى المسعودي عن «يحيى بن هرثمة» أنه لما انطلق بالإمام الهادي من المدينة وكان يقوم بخدمته ويحسن السلوك معه، وكانوا في الطريق فرأوا يوماً أن الإمام الذي كان راكباً كان يرتدي قماشاً واقياً من المطر وقد عقد ذنب فرسه، يقول: فتعجَّبْتُ من صنيعه لأن السماء كانت صافية ولم يكن فيها غيوم بل كانت الشمس ساطعة، ولكن لم تمض برهة من الزمن إلا وظهرت الغيوم في السماء وهطل المطر بغزارة وأصابنا من المطر أمر عظيم فنظر إليَّ الإمامُ وقال لي: إني أعلم أنك أنكرتَ صنيعي وتعجبتَ منه وظننتَ أنني أعلم من أمر المطر ما لا تعلمه أنت، ولكن الأمر ليس كما ظننتَ، لكنني كنتُ أعيش في البادية وعرفت الريح التي عقبها المطر فلما أصبحتُ اليومَ وهبَّت الريحُ عرفت من رائحتها قرب هطول المطر فصنعت ما صنعت... الخ(83).

5- جاء في كتاب «أصول الكافي» (باب الإشارة والنص على الحسن بن علي -عليهما السلام-) وفي كتاب «نهج البلاغة» وفي كتاب «إثبات الوصية» للمسعودي (ص153) باختلاف يسير في اللفظ أنه لما ضرب ابن ملجم -لعنه الله- أمير المؤمنين (ع) وحُمل إلى منزله «فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: كُلُّ امْرِئٍ مُلَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. الأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَالهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. كَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأَمْرِ فَأَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مكنونٌ مَخْزُون»(84).

إن هذه الجمل التي نطق بها حضـرة الإمام في آخر ساعات عمره الشريف أفضل دليل على أنه لم يكن مطلعاً على أمر وكيفية مقتله،رغم أنه كان مشتاقاً إلى الشهادة كل الشوق. كما أن هذه الجمل حجر قوي في فم الغلاة الذين يدعون علم الإمام بالغيب، حتى أنهم ادعوا أن الإمام قام بإيقاظ قاتله في المسجد كي يقوم بجريمته!!.

6- روى «محمد بن إدريس العجلي الحلي» في كتابه القيم «السـرائر» (ص486)، في قسم المستطرفات منه، نقلاً عن كتاب «محمد بن علي بن محبوب» أنه روى عن عباس عن حماد بن عيسى عن ربعي بن عبد الله عن الفضيل قال: «ذكرتُ لأبي عبد الله - عليه السلام - السهوَ فقال: وَينفلتُ من ذلك أحدٌ؟! ربما أقعدتُ الخادمَ خَلفي يحفظ علىَّ صلاتي. إياكم وَالغلو فينا!...»(85). من البديهي أن الإمام الذي لا يحفظ أحياناً أفعال صلاته إلا بمعونة شخص آخر لا يمكن أن يكون مطلعاً على الغيب الذي وصفه الله بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ [سبأ/3]!

وكل من يعتقد بمثل ذلك إما مجنون يجب أن يعالج في مستشفى المجانين أو مشرك سيلقى جزاء المشركين.

7- وروى الكشي أيضاً بسند صحيح عَنِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: «قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ! قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ؟؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ يَعْلَمُ قَطْرَ المَطَرِ وَعَدَدَ النُّجُومِ وَوَرَقَ الشَّجَرِ وَوَزْنَ مَا فِي البَحْرِ وَعَدَدَ التُّرَابِ؟ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ! فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! سُبْحَانَ اللهِ! لا وَاللهِ مَا يَعْلَمُ هَذَا إِلا اللهُ»!»(86).

وأقول: رغم أن معرفة تلك الأمور لا تجعل الشخص عالماً بالغيب علماً مساوياً لعلم الله ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ [سبأ/3]، ولا مدبراً للكون والمكان، فإن الإمام - عَلَيْهِ السَّلامُ - نفى ذلك عن نفسه بوضوح وحصر هذا العلم بالله.

8- روى الشيخ الطوسي في كتابه «تهذيب الأحكام» (طبع النجف، ج3/ص40) الحديث رقم 140، والمجلسي في المجلد 18 من «بحار الأنوار» (طبع كمباني ص625) فقال: «عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: صَلَّى عَلِيٌّ (ع) بِالنَّاسِ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ وَكَانَتِ الظُّهْرَ فَخَرَجَ مُنَادِيهِ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) صَلَّى عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ فَأَعِيدُوا وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ».

وأقول: هل هناك أحمق يصدق أن الإمام علياً - عَلَيْهِ السَّلامُ - الذي كانت صلاة الظهر في نظره أعز الأعمال والعبادات ورغم ذلك لم يدْر أنه صلاها دون طهارة، يعلم علم الغيب وأسرار السموات والأرضين على نحوٍ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ [سبأ/3]؟! فلعن الله الغلاة الذين افتروا تلك الأوهام وأضلوا الناس.

9- جاء في كثير من الأحاديث أن الراسخين في العلم هم الأئمة الأطهار، من ذلك ما جاء في «أصول الكافي» في باب عنوانه: «بَابُ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ هُمُ الأَئِمَّةُ -عَليهِمُ السَّلام-». وقد جاءت هذه الأحاديث أيضاً في تفسير علي بن إبراهيم القمي، وتفسير البرهان.

هذا رغم أن هذه الصفة (الرسوخ في العلم) تشمل كل شخص عالم راسخ في علمه، كما وصف الله تعالى علماء اليهود والنصارى بهذه الصفة حين قال عنهم: ﴿لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقيمينَ الصَّلاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتيهِمْ أَجْراً عَظيماً [النساء/162]. ولكن لما روت كتب حديث الشيعة خاصة كتاب «أصول الكافي» عن حضرة الصادق - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنه قال: «الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَالأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ -عَليهِمُ السَّلام-»(87).

فنحن أيضاً نستفيد مما تفضل به أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صفة الراسخين بالعلم وبيانه أنهم لا يعلمون الغيب حيث قال: «وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ المَضْرُوبَةِ دُونَ الغُيُوبِ الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الغَيْبِ المَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ البَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً...» [نهج البلاغة، الخطبة 91].

ومراد الإمام هنا من عدم العلم بالغيب نفي العلم بتأويل متشابهات القرآن الذي بيَّنه اللهُ تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ [آل عمران/7]. إذن الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- الذين هم الراسخون في العلم لم يكونوا، حسب بيان أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ -، يعلمون تأويل متشابهات القرآن، وقد مدحهم الله تعالى بإقرارهم بجهلهم بهذا الأمر فما بالك بادعاء علمهم بجمع حوادث عالم الإمكان! ولا أدري ماذا يقول غلاة عصرنا المجانين بشأن هذا البيان الواضح؟

10 - جاء في كتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي، وَفي المجلد السابع عشـر من كتاب «بحار الأنوار» للمجلسي (طبع كمباني، ص345)، هذا التوقيع الذي صدر عَنْ الإمام الثاني عشر رَدّاً عَلَى الغُلَاةِ، وقد جاء جَوَاباً لِكِتَابٍ كُتِبَ إِلَيْهِ عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ هِلَالٍ الكَرْخِيِّ، ونورده فيما يلي في ختام هذه الأحاديث العشـرة التي ينفي فيها الأئمة علمهم بالغيب ليكون ختامه مسكاً، ونص التوقيع الرفيع هو ما يلي:

«يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ! تَعَالَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَصِفُونَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ لَيْسَ نَحْنُ شُرَكَاءَهُ فِي عِلْمِهِ وَلَا فِي قُدْرَتِهِ‏ بَلْ لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ [النمل/65]،......‏ يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ آذَانَا جُهَلَاءُ الشِّيعَةِ وَحُمَقَاؤُهُمْ وَمَنْ دِينُهُ جَنَاحُ البَعُوضَةِ أَرْجَحُ مِنْهُ وَأُشْهِدُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَكَفَى بِهِ شَهِيداً وَمُحَمَّداً رَسُولَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ كُلَّ مَنْ سَمِعَ كِتَابِي هَذَا أَنِّي بَرِي‏ءٌ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِمَّنْ يَقُولُ إِنَّا نَعْلَمُ الغَيْبَ أَوْ نُشَارِكُ اللهَ فِي مُلْكِهِ أَوْ يُحِلُّنَا مَحَلًّا سِوَى المَحَلِّ الَّذِي نَصَبَهُ اللهُ لَنَا وَخَلَقَنَا لَهُ أَوْ يَتَعَدَّى بِنَا عَمَّا قَدْ فَسَّرْتُهُ لَكَ وَبَيَّنْتُهُ فِي صَدْرِ كِتَابِي.....

فَكُلُّ مَنْ‏ فَهِمَ كِتَابِي وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَا قَدْ أَمَرْتُهُ وَنَهَيْتُهُ فَلَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللهِ وَمِمَّنْ ذَكَرْتُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ»(88).

ونكتفي بما ذكرناه ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

عقيدة أصحاب الأئمَّة فيهم عَليهِمُ السَّلام:

سنذكر في هذا الفصل بعض النماذج المختصرة لعقيدة خواص أصحاب الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- بعلم أئمتهم، تُظهِرُ بوضوح أنهم لم يكونوا يعتقدون إطلاقاً بعلم الأئمة بالغيب، بل لم يكونوا يعتقدون بامتلاك الأئمة لما هو أقل بكثير من علم الغيب! وذلك لكي تستبين درجة ضلال غلاة عصرنا وبعدهم عن الحقيقة:

1- جاء في كتاب «وقعة صفين» لنصر بن مزاحم (ص99)، والمجلد الثامن من كتاب «بحار الأنوار» (طبع تبريز، ص450)، عبارات بالمضمون التالي:

«وَ خَشِيَ معاويةُ أن يبايع القراءُ عليَّاً على القتال، فأخذ في المكر وَأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا عنه وَيكفوا حتى ينظروا.

قال وَإن معاوية كتب في سهم: من عبد الله الناصح فإني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر عليٍّ (ع) فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة فقرأه ثم أقرأه صاحبَهُ فلما قرأه وَأقرأه الناسَ أقرأه من أقبل وَأدبر، قالوا: هذا أخ ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية، فلم يزل السهم يقرأ وَيرتفع‏، حتى رُفع إلى أمير المؤمنين، وَقد بعث معاويةُ مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر بأيديهم المرور وَالزبل يحفرون فيها بحيال عسكر علي بن أبي طالب فقال عليٌّ (ع): ويحكم! إن الذي يعالج معاويةُ لا يستقيم له وَلا يقوم عليه وَإنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم فالهوا عن ذلك وَدعوه. فقالوا له: لا ندعهم وَالله يحفرون الساعة.

فقال عليٌّ يا أهل العراق لا تكونوا ضعفي، ويحكم! لا تغلبوني على رأيي! فقالوا: وَالله لنرتحلن فإن شئت فارتحل وَإن شئت فأقم. فارتحلوا وَصعدوا بعسكرهم مليَّاً وَارتحل علي في أخريات الناس»(89).

وكذلك قصة رفع المصاحف وتعيين الحكمين حيث قام أصحاب الإمام بفرض تعيين الحكمين عليه [وفرضوا عليه أبا موسى الأشعري ليكون الحكم من طرفه] وعشرات القصص الأخرى التي تبيِّن أن الأكثرية الساحقة لأصحاب الإمام لم تكن تعتقد أنه عالم بالغيب وليس هذا فحسب بل كان كثير منهم -للأسف- يتصورون أنه أقل حنكة في السياسة وإدارة الملك من معاوية، كما نوّه الإمام أكثر من مرة إلى هذا فقال: «الدهر أنزلني أنزلني حتى قيل معاوية وعلي».

2- لم يكن أبناءُ عليٍّ أنفُسُهم - طبقاً لما تذكره التواريخ والأخبار - يعتقدون في أبيهم ما اعتقده غلاة الشيعة فيه فيما بعد!.

والشاهد على ذلك ما رواه الشيخ المفيد في «المجالس» ونقله عنه المجلسـيُّ في «بحار الأنوار» (المجلد الثامن/ص353) قال: «وَ قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حِينَ أَحَاطَ النَّاسُ بِعُثْمَانَ اخْرُجْ مِنَ المَدِينَةِ وَاعْتَزِلْ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَـهُمْ مِنْكَ، وَإِنَّهُمْ لَيَأْتُونَكَ وَلَوْ كُنْتَ بِصَنْعَاءَ، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَأَنْتَ حَاضِرُهُ.»(90). فأجاب الإمام ابنَه قائلاً: «فَقَالَ يَا بُنَيَّ! أَأَخْرُجُ عَنْ دَارِ هِجْرَتِي؟! وَمَا أَظُنُّ أَحَداً يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا القَوْلِ كُلِّهِ...»(91).

من الواضح أنه لو كان الإمام الحسن يعتقد في أبيه الكريم أنه عالم بالغيب وعارف بظاهِرِ كلِّ أمر وباطنِهِ لما أشار عليه بالخروج من المدينة والاعتزال؟! أفلا تعقلون؟

3- في المجلد الثامن من كتاب «بحار الأنوار» للمجلسـي (طبع كمباني، ص387)، وأمالي الشيخ المُفِيدِ وأمالي الشيخ الطوسي (ص 51)، بسندهم «عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ بِالرَّبَذَةِ سَأَلْتُ عَنْ قُدُومِهِ إِلَيْنَا فَقِيلَ خَالَفَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ وَصَارُوا إِلَى البَصْرَةِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ فَصِرْتُ إِلَيْهِ فَجَلَسْتُ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُكَلِّمَكَ، وَبَكَى. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ: لَا تَبْكِ يَا بُنَيَّ وَتَكَلَّمْ وَلَا تَحِنَّ حَنِينَ الجَارِيَةِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنَّ القَوْمَ حَصَرُوا عُثْمَانَ يَطْلُبُونَهُ بِمَا يَطْلُبُونَهُ إِمَّا ظَالِمُونَ أَوْ مَظْلُومُونَ فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ النَّاسَ وَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَؤُبَّ [تَئُوبَ‏] العَرَبُ وَتَعُودَ إِلَيْهَا أَحْلَامُهَا وَتَأْتِيَكَ وُفُودُهَا فَوَاللهِ لَوْ كُنْتَ فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَضَـرَبَتْ إِلَيْكَ العَرَبُ آبَاطَ الإِبِلِ حَتَّى تَسْتَخْرِجَكَ مِنْهُ‏. ثُمَّ خَالَفَكَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَسَأَلْتُكَ أَنْ لَا تَتْبَعَهُمَا وَتَدَعَهُمَا فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ فَذَاكَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ رَضِيتَ بِمَا قَسَمَ اللهُ، وَأَنَا اليَوْمَ أَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَقْدَمَ العِرَاقَ وَأُذَكِرُّكَ بِاللهِ أَنْ لَا تُقْتَلَ بِمَضِيعَةٍ. فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع): أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ عُثْمَانَ حُصِرَ فَمَا ذَاكَ وَمَا عَلَيَّ مِنْهُ وَقَدْ كُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَصْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ ائْتِ مَكَّةَ فَوَاللهِ مَا كُنْتُ لِأَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي يُسْتَحَلُّ بِهِ مَكَّةُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ اعْتَزِلِ العِرَاقَ وَدَعْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَوَاللهِ مَا كُنْتُ لِأَكُونَ كَالضَّبُعِ تَنْتَظِرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهَا طَالِبُهَا فَيَضَعَ الحَبْلَ فِي رِجْلِهَا حَتَّى يَقْطَعَ عُرْقُوبَهَا ثُمَّ يُخْرِجَهَا فَيُمَزِّقَهَا إِرْباً إِرْباً؛ وَلَكِنَّ أَبَاكَ يَا بُنَيَّ يَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الحَقِّ المُدْبِرَ عَنْهُ وَبِالسَّامِعِ المُطِيعِ العَاصِيَ المُخَالِفَ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي‏...»(92).

وقصة خيانة ابن عباس في ولايته على البصرة وَخيانة سائر الولاة من خواصِّ أصحاب أمير المؤمنين (ع) والتي سيأتي بيان بعضها لاحقاً أوضح دليل على أنه لم يكن هناك في ذلك الزمن مثل ذلك الاعتقاد في حق الإمام.

4- كان «سُفْيَانُ بْنُ أَبِي لَيْلَى» أحد خواص أصحاب الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، ويشهد على مدى قربه من الإمام ما رواه الكشـي في رجاله (ص15) عن الإمام موسى بن جعفر - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضمن حديث، أنه: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ..... [إلى قوله]... ثُمَّ يُنَادِي المُنَادِي «أَيْنَ حَوَارِيُّ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [وَ] ابْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ»؟ فَيَقُومُ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي لَيْلَى الهَمْدَانِيُّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الغِفَارِيُّ...».

هذا الحواريُّ الخاصُّ للإمام الحسن - عَلَيْهِ السَّلامُ - الذي سينادَى بوصفه حَوَارِيَّ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يوم القيامة، قال هو نفسه للإمام الحسن: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ المُؤْمِنِينَ»! وذاك طبقاً للرواية التالية التي رواها الكشي في رجاله (ص103) عن أبي حمزة عن الإمام محمد الباقر - عَلَيْهِ السَّلامُ - قال:

«جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَسَنِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُقَالُ لَهُ سُفْيَانُ بْنُ لَيْلَى وَهُوَ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ فَدَخَلَ عَلَى الحَسَنِ وَهُوَ مُحْتَبٍ فِي فِنَاءِ دَارِهِ فَقَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ المُؤْمِنِينَ! فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ: انْزِلْ وَلَا تَعْجَلْ فَنَزَلَ فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ فِي الدَّارِ وَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ. قَالَ فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ: مَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ المُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ قَالَ عَمَدْتَ إِلَى أَمْرِ الأُمَّةِ فَخَلَعْتَهُ مِنْ عُنُقِكَ وَقَلَّدْتَهُ هَذَا الطَّاغِيَةَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ (ع) سَأُخْبِرُكَ لِمَ فَعَلْتُ ذَلِكَ...»(93).

هكذا نرى أن كل ما فعله الإمام الحسن أنه أمر «سفيان بن أبي ليلى» بالصبر والاصطبار، ولم يقل له أبداً: اسكت! إني عالمٌ بالغيب وعارفٌ بما ستصير إليه الأمور لذا قمت بما قمت به!! كما أن «سفيان بن أبي ليلى» أيضاً لم يكن يعتقد في حق الإمام الحسن بمثل تلك العقيدة ولا كان أحد من الشيعة في زمن الحسن يعتقد فيه بمثل ذلك. (للاطلاع أكثر على هذه القضية يراجع رجال الكشي).

5- جاء في المجلد العاشر من «بحار الأنوار» (ص115) أن «مُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَة الفزاري» (أحد رؤوس الكوفة ومن شيعة الإمام الحسن) وَ«سليمان بن صُرَد الخزاعي» (أحد الصحابة الأجلاء ومن أشراف الكوفة ومن زعماء الشيعة المعروفين) قالا للإمام الحسن (ع): «مَا يَنْقَضِي تَعَجُّبُنَا مِنْ بَيْعَتِكَ مُعَاوِيَةَ وَمَعَكَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ العَطَاءَ وَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَنَازِلِهِمْ وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ سِوَى شِيعَتِكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ وَالحِجَازِ ثُمَّ لَمْ تَأْخُذْ لِنَفْسِكَ ثِقَةً فِي العَقْدِ وَلَا حَظّاً مِنَ العَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْتَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَشْهَدْتَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وُجُوهَ أَهْلِ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَكَتَبْتَ عَلَيْهِ كِتَاباً بِأَنَّ الأَمْرَ لَكَ بَعْدَهُ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْنَا أَيْسَرَ وَلَكِنَّهُ أَعْطَاكَ شَيْئاً بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَمْ يَفِ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَالَ عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ إِنِّي كُنْتُ شَرَطْتُ شُرُوطاً وَوَعَدْتُ عِدَاةً إِرَادَةً لِإِطْفَاءِ نَارِ الحَرْبِ وَمُدَارَاةً لِقَطْعِ الفِتْنَةِ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَ اللهُ لَنَا الكَلِمَ وَالأُلْفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْتَ قَدَمَيَّ وَاللهِ مَا عَنَى بِذَلِكَ غَيْرَكَ وَمَا أَرَادَ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَقَدْ نَقَضَ فَإِذَا شِئْتَ فَأَعِدِ الحَرْبَ خُدْعَةً وَائْذَنْ لِي فِي تَقَدُّمِكَ إِلَى الكُوفَةِ فَأُخْرِجَ عَنْهَا عَامِلَهُ وَأُظْهِرَ خَلْعَهُ وَتَنَبَّذْ إِلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ. وَتَكَلَّمَ البَاقُونَ بِمِثْلِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ. فَقَالَ الحَسَنُ (ع): أَنْتُمْ شِيعَتُنَا وَأَهْلُ مَوَدَّتِنَا فَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا أَعْمَلَ وَلِسُلْطَانِهَا أَرْكَضَ وَأَنْصَبَ مَا كَانَ مُعَاوِيَةُ بِأَبْأَسَ مِنِّي بَأْساً وَلَا أَشَدَّ شَكِيمَةً وَلَا أَمْضَى عَزِيمَةً وَلَكِنِّي أَرَى غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ وَمَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا حَقْنَ الدِّمَاءِ فَارْضُوا بِقَضَاءِ اللهِ وَسَلِّمُوا لِأَمْرِهِ وَالزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَأَمْسِكُوا.»(94).

يا ترى لو كان هذان الصاحبان الجليلان للإمام الحسن يعتقدان في حقه أنه يعلم الغيب، هل كانا يقترحان عليه مثل ذلك الاقتراح؟! الجواب واضح. أضف إلى ذلك أن الإمام الحسن (ع) نفسه لم يدَّعِ أيضاً شيئاً من ذلك في إجابته على اقتراحهما.

وقد أضاف «ابن شهرآشوب» في «المناقب» أن «حجر بن عدي» (وهو من خواص أصحاب أمير المؤمنين والإمام الحسن -عليهما السلام-) كان حاضراً في ذلك المجلس أيضاً فقال للإمام: لوددت أنك كنت مت في مثل ذلك اليوم ومتنا نحن أيضاً معك! ولم نر مثل هذا اليوم!. فهل يمكن لمن يعتقد بعلم الإمام بالغيب أن يقول له مثل هذا الكلام؟

وقد ذكرت كتب التواريخ كراهة الإمام الحسين - عَلَيْهِ السَّلامُ - لمبايعة أخيه الإمام الحسن - عَلَيْهِ السَّلامُ - لمعاوية ومن أراد الاطلاع على ذلك يمكنه أن يرجع إلى كتب التاريخ مثل تاريخ دمشق لابن عساكر!(95)

6- كان «زرارة بن أعين» من خواص أصحاب الإمام جعفر الصادق وشيعته المخلصين وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة. ورغم ذلك نجد أنه -كما تفيده عدة أخبار في كتب الشيعة- لم يكن يعتقد في الإمام الصادق (ع) أنه يعلم الغيب وليس هذا فحسب بل كان يعرب عن شكه أو تحفظه بشأن بعض أقوال الإمام الصادق أو فتاويه العادية. فمثلاً جاء في رجال الكشي (ص141): «عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عيسى بن أبي منصور وَأبي أسامة الشحام وَيعقوب الأحمر، قالوا كنا جلوساً عند أبي عبد الله [الإمام الصادق] (عليه السلام) فدخل عليه زرارة فقال إن الحكم بن عتيبة حدَّث عن أبيك أنه قال: صلِّ المغرب دون المزدلفة؟ فقال له أبو عبد الله (ع): أنا تأملته، ما قال أبي هذا قط، كذب الحكم على أبي، قال، فخرج زرارة وَهو يقول: ما أرى الحَكَمَ كذَبَ على أبيه

أقول: من الواضح من هذه الرواية أن زرارة علاوة على عدم اعتقاده بعلم الإمام الصادق بالغيب كان ينفي -تلويحاً- علم الإمام العادي ببعض الأمور!.

7- وفي رجال الكشّي أيضاً (ص 120) أن زرارة اطلع على رسالة كتبها الإمام الصادق (ع) إلى أحد شيعته الذي اختفى خوفاً من الملاحقة، فلم يقتنع بما كتبه الصادق في الرسالة وقال: «إني‏ كنت أرى جعفراً أعلم مما هو...»(96).

8- جاء في كتاب «تنقيح المقال» (ج1/ص166) بالإسناد عن عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ القَصِيرِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): «ائْتِ زُرَارَةَ وَبُرَيْداً وَقُلْ لَهُمَا مَا هَذِهِ البِدْعَةُ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»؟؟(97) فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ مِنْهُمَا فَأَرْسَلَ مَعِي لَيْثَ المُرَادِيِّ. فَأَتَيْنَا زُرَارَةَ فَقُلْنَا لَهُ مَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِيَ الِاسْتِطَاعَةَ ومَا شَعَرَ!».

وقد روى الكشّي أيضاً هذه الرواية (ص 208) وَفي آخرها زيادة: «وَ أَمَّا بُرَيْدٌ فَقَالَ وَاللهِ لَا أَرْجِعُ عَنْهَا أَبَداً!!»(98).

9- وفي رجال الكشّي أيضاً (ص 133) جاء: «عن زياد بن أبي الحلال، قال قلت لأبي عبد الله (ع): إن زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئاً فقبلنا منه وَصدَّقناه وَقد أحببتُ أن أعرضه عليك. فقال: هاته. قلت: فزعم أنه سألك عن قول الله عز وَجل: ﴿وَ لِـلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران/97]؟ فقلتَ: من ملك زاداً وَراحلة، فقال: كل من ملك زادا وَراحلة فهو مستطيع للحج وَإن لم يحج؟ فقلت: نعم. فقال: ليس هكذا سألني وَلا هكذا قلتُ، كذب عليَّ وَالله، كذب عليَّ وَالله، لعن الله زرارة لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، إنما قال لي: من كان له زاد وَراحلة فهو مستطيع للحج؟. قلت: وَقد وجب عليه، قال: فمستطيع هو؟ فقلت: لا حتى يؤذن له، قلتُ: فأُخْبرُ زرارةَ بذلك؟ قال: نعم. قال زيادٌ: فقدمت الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله (عليه السلام) وَسكتُّ عن لعنه، فقال: أما إنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، وَصاحبكم هذا ليس له بصيرة بكلام الرجال!.».

تلك كانت عقيدة زرارة في علم الإمام.

وزرارة هذا - الذي عرفنا رأيه واعتقاده في علم الإمام - هو نفسه رُوِيَ عن الإمام الصادق - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنه قال عنه: «رَحِمَ اللهُ زُرَارَةَ بْنَ أَعْيَنَ لَوْلَا زُرَارَةُ لَانْدَرَسَتْ أَحَادِيثُ أَبِي»(99).

و رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (الصادق) (ع) يَقُولُ: «مَا أَحَدٌ أَحْيَا ذِكْرَنَا وَأَحَادِيثَ أَبِي إِلَّا زُرَارَةُ وَأَبُو بَصِيرٍ المُرَادِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَبُرَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَلَوْلَا هَؤُلَاءِ مَا كَانَ أَحَدٌ يَسْتَنْبِطُ هُدًى. هَؤُلَاءِ حُفَّاظُ الدِّينِ وَأُمَنَاءُ أَبِي عَلَى حَلَالِ اللهِ وَحَرَامِهِ وَهُمُ السَّابِقُونَ إِلَيْنَا فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة.»(100).

10 - وَفي رجال الكشّي أيضاً (ص 153 وَ154) عَنْ شُعَيْبٍ العَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ وَلَهَا زَوْجٌ فَظَهَرَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: تُرْجَمُ المَرْأَةُ وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ مِائَةَ سَوْطٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ. قَالَ شُعَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي الحَسَنِ [أي الإمام الكاظم(ع)] فَقُلْتُ لَهُ: امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ وَلَهَا زَوْجٌ؟ قَالَ: تُرْجَمُ المَرْأَةُ وَلَا شَيْ‏ءَ عَلَى الرَّجُلِ. فَلَقِيتُ أَبَا بَصِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ (ع) عَنِ المَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ وَلَهَا زَوْجٌ؟ قَالَ: تُرْجَمُ المَرْأَةُ وَلَا شَيْ‏ءَ عَلَى الرَّجُلِ، فَمَسَحَ صَدْرَهُ وَقَالَ: مَا أَظُنُّ صَاحِبَنَا تَنَاهَى حُكْمُهُ بَعْدُ!.»(101).

وقد روى الكشِّيّ في رجاله الرواية ذاتها بسند آخر عن شُعَيْبٍ العَقَرْقُوفِيِّ وفي آخرها أن أبا بصير: «ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ يَحُكُّهَا [وقال]: أَظُنُّ صَاحِبَنَا مَا تَكَامَلَ عِلْمُه(102).‏

تلك كانت عقيدة «أبي بصير» في علم الإمام. والعجيب أن أبا بصير هذا هو الشخص ذاته الذي يروي الغلاةُ أن الإمام الصادق - عَلَيْهِ السَّلامُ - قال له: «إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ وَعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ!!»(103) كما مر معنا فيما سبق.

تشهد هذه الأمثلة العشرة من مواقف وأقوال بعض أصحاب الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- الخاصين أنهم فضلاً عن عدم اعتقادهم بعلم أئمتهم الغيب،كانوا يعترضون أحياناً على رأي الأئمة في بعض الأمور العادية، فهل يمكننا أن نصدق أن الأئمة كانوا يقولون لمثل هؤلاء الأصحاب إنهم يعلمون الغيب ويعلمون ما كان وما يكون؟!

هذا بمعزل عن أن كل من كان يؤمن بالله والقرآن واليوم الآخر لا يمكنه أن يقول بمثل ذلك القول في حق الأئمة، وأن تلك الادعاءات ليست في الواقع إلا من اختراع الغلاة وتلفيقات أعداء الإسلام وأعداء الأئمة -عَليهِمُ السَّلام-.

لو دقَّقتم النظر في جميع الأخبار التي تتحدث عن علم الأئمة بالغيب والموجودة في كتب الشيعة مثل «الكافي» و«بصائر الدرجات» و«مدينة المعاجز» وغيرها لرأيتم أنه علاوة على مخالفة متون تلك الروايات للقرآن الكريم، فإن أسانيدها ضعيفة ورواتها غلاة، رغم أنه حتى لو كانت أسانيدها صحيحة لوجب طرح متونها وعدم الاعتناء بها أصلاً طبقاً للأمر المؤكد للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- أنفسهم الذين أمروا أن يضرب بعرض الحائط كل ما يُنقل عنهم مما يخالف كتاب الله.

لقد عقد الكُلَيْنِيّ في كتاب «الكافي» الذي يُعتَبَر من أفضل وأهم كتب الحديث لدينا معشر الشيعة بعد القرآن، أبواباً بخصوص علم الأئمة -تصلح مستنداً لأمثال صاحبنا آية الله العظمى(!) أبي الفضل النبوي على دعواه علم الأئمة بالغيب- فذكر باباً بعنوان: «بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ -عَليهِمُ السَّلام- إِذَا شَاءُوا أَنْ يَعْلَمُوا عُلِّمُوا»، أورد فيه ثلاثة أحاديث، وقد اعتبر العلامة المجلسـي في كتابه «مرآة العقول» الحديث الأول منها ضعيفاً والحديثين الثاني والثالث مجهولين فالنتيجة صفر!! هذا بمعزل عن أن متون هذه الروايات الثلاثة تخالف العقل والقرآن كما سبقت الإشارة إليه.

ثم عقد باباً بعنوان: «بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ -عَليهِمُ السَّلام- يَعْلَمُونَ مَتَى يَمُوتُونَ وَأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ إِلَّا بِاخْتِيَارٍ مِنْهُم»‏، وذكر فيه ثمانية أحاديث، الحديث الأول والثالث والرابع والسابع منها ضعيفة والحديث الثاني مجهول والحديث الخامس مرسل والحديثان السادس والثامن حسنان فليس في هذا الباب إذن حديث صحيح واحد، هذا بمعزل عن مخالفة هذه الأحاديث لنص القرآن.

ثم عقد باباً بعنوان: «بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ -عَليهِمُ السَّلام- يَعْلَمُونَ عِلْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمُ الشّيءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم‏»(104)، وأورد فيه ستة أحاديث الأول والثاني والثالث منها ضعيفة والحديثان الخامس والسادس منها مجهولان والحديث الرابع فقط اعتبره العلامة المجلسي صحيحاً(105)، إلا أنه لا يتضمن ما يفيد علم الأئمة بما كان وما يكون وكل ما فيه أن الإمام الباقر - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاتب تلاميذه لأنهم كانوا يساوون بين علم أئمتهم وعلم أئمة مخالفيهم. وقال: «أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى افْتَرَضَ طَاعَةَ أَوْلِيَائِهِ عَلَى عِبَادِهِ ثُمَّ يُخْفِي عَنْهُمْ أَخْبَارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏ وَيَقْطَعُ عَنْهُمْ مَوَادَّ العِلْمِ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ قِوَامُ دِينِهِم‏؟؟»(106).

ومن الواضح تماماً أن المراد من أخبار السموات والأرض التي فيها قوام الدين ليس علم ما كان وما يكون بالمعنى الذي يذهب إليه الغلاة، بل هو العلم المتعلق بأحكام الدِّين والذي لا شكّ أنّ الأئمّة الأطهار كانوا كاملي المعرفة به. ولهذا السبب بالذات قال السيد المرتضـى علم الهدى(107) في كتابه «الشافي في الإمامة» (ص 188 وَ189):

«معاذ الله أن نوجب له [إي للإمام] من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته، ويوجبه ما وليه، وأسند إليه من الأحكام الشرعية، وعلم الغيب خارج عن هذا.» ثم قال: «فأين هذا من العلم بالحِرَف والمهن والقيم والأروش، وكل ذلك مما لا تعلق له بالشريعة ولا كلف أحد من الأمة إماماً كان أو مأموماً العلم به لا على سبيل الندب ولا الإيجاب؟ وإنما تكليفهم المتعلّق بالشـريعة في ذلك أن يرجعوا إلى أهل القيم والمعرفة بالصناعات، لا أن يقوموا ذلك بأنفسهم.».

وقال الشيخ الطوسي في كتابه «تلخيص الشافي» (ص 321) أيضاً:

«فأما قولهم إنه يجب أن يكون عالماً بسائر المعلومات وبالغيب، فلا شبهة في بطلانه، لأن من المعلوم أن جميع ذلك لا تعلق له بباب الدين، ولا الإمام حاكمٌ في شيء من ذلك..»(108).

أجل، تلك هي الأحاديث التي جاءت في كتاب «الكافي» في هذا الموضوع ورأينا أنه لا يوجد منها حديث صحيح واحد، رغم أنه حتى لو فرضنا أن بعضها صحيح السند وحتى لو بلغ عدد هذه الأحاديث الصحيحة المئات لما غير ذلك من الأمر شيئاً لأنه طبقاً لأمر الأئمة أنفسهم -سلام الله عليهم أجمعين- لا بدأن نضرب بها عرض الحائط لأن متونها تخالف مخالفة صريحة آيات القرآن الكريم، كما رأينا في استعراضنا للآيات التي تؤكد بكل وضوح وصراحة اختصاص علم الغيب بالله وحده وتنفيه عن أي أحد من البشر.

وأما ما جاء في كتاب «بصائر الدرجات» المنسوب لـ«محمد بن الحسن الصفّار»(109) فقد ذكرنا فيما سبق عدم وثاقة هذا الكتاب حسب ما قاله الشيخ الجليل «محمد بن الحسن بن الوليد» أستاذ الشيخ الصدوق الذي كان يُعْرِضُ عن ذلك الكتاب وربما لم يكن يعتبره من تأليف الصفار أساساً، وقد ذهب بعض علماء الرجال مثل «ابن داوود» و«الشيخ البهائي» إلى وجود شخصين باسم الصفار أحدهما ثقة والآخر غير ثقة وهو مؤلف «بصائر الدرجات». فإذا كان الأمر كذلك فهل يمكننا أن نحارب القرآنَ كتابَ ربِّنَا وندع عقلنا ووجداننا لأجل أحاديث مذكورة في كتاب مثل كتاب «بصائر الدرجات» هذا؟!

ماذا تقول سيرة الأئمة (ع) بشأن علمهم بالغيب!:

سنذكر في هذا الباب نماذج لوقائع وأحداث وقعت لبعض الأئمة، تشهد بكل وضوح، ويفهم منها كل إنسان ذي لبٍّ ووجدان استحالة أن يكون من وقعت لهم عالمين بالغيب أو مطِّلعين على ما وراء حجب المستقبل، فوقوع هذه الحوادث للنبي وبعض الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- كاف وحده لليقين بانتفاء علمهم بالغيب حتى لو لم تأتِ آيات القرآن الكريم التي نفت بشدة علم الغيب عن أحد سوى الله.

1- كان النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو زبدة الخليقة وأفضل عباد الله ورسول رب العالمين إلى الخلق أجمعين ينتظر في كثير من الموارد نزول الوحي عليه للحكم في بعض القضايا، بحيث أنه قبل نزول الوحي بشأنها ما كان له علم بها!

وللاطلاع على نماذج لهذه الوقائع لا بد من الرجوع إلى كتب السيرة حيث نجد فيها نماذج كثيرة لهذا الأمر، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى أوضح ما جاء في ذلك.

إن قضية الإفك وتخلُّف عائشة عن القافلة ومبيتها وحدها في البيداء ثم عودتها في اليوم التالي برفقة «صفوان بن المعطل» وانتشار أقاويل سيئة وبشعة بشأنها تعد من أوضح وقائع تاريخ الإسلام، إلى درجة نزول عدة آيات من القرآن في سورة النور بشأن تلك الحادثة.

وكلُّنا يعلم أيَّ حال وانزعاج عانى منه النبيُّ من هذه القصَّة حيث اتُّهمت أصغر نسائه بالزنا برجل أجنبي، وقد تناهى إلى سمعه مكرراً كنايةً أو صراحةً هذا الاتهام لأهله ولم يكن يملك حلاً لردّ تلك التهمة! وطبقاً لما جاء في كتب السيرة وللحديث الذي روته عائشة نفسها بقيَ رسول الله قرابة شهر يعاني من القلق بشأن هذه القضية ولم ينزل عليه فيها وحي بعد. إلى درجة أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى عائشة يوماً وقال لها: «يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ.»(110).

وقد ذكرت بعض المصادر أن القضية كانت محيِّرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى درجة أنه دَعَا أميرَ المؤمنين عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ (ع)، وَزيد بن حارثة - ابنه المُـتَبَنَّى - يَسْتَأْمِرُهُمَا فِى فِرَاقِ عائشةَ، فَأَمَّا زَيْدٌ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بعدم تطليقها وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلَكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا أميرُ المؤمنين عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ - سلام الله عليه - فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ»، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَرِيرَةَ فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ عَلَيْهَا مِنْ شَيءٍ يَرِيبُكِ؟؟» فشهدت بَرِيرَةُ بطهارة عائشة(111).

إلى درجة أنه روي أن أمير المؤمنين (ع) ضرب بَرِيرَةَ كي لا تكتم أمراً حول هذا الموضوع، ومع ذلك قالت بَرِيرَةُ: «لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا. ما عَلِمْتُ عَلَىها إِلاَّ خَيْرًا». حتى نزل الوحي بعد شهر أو أكثر [من بدء الحادثة] وَنزلت الآيات التي مطلعها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ...الآيات﴾ [النور/11]، التي أعلنت طهارة عائشة وبراءتها.

وذهب بعضهم إلى أن الآيات المذكورة في سورة النور إنما نزلت بشأن «مارية القبطية» إذ إنها أيضاً اتُهمت بما يشبه هذه التهمة، فإن صح هذا فإنه لا يغير من الأمر شيئاً وتبقى صورة الحادثة كما هي!

فإذا كان الأمر كذلك فأي شخص يستطيع أن يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عالماً بالغيب، وكيف يتَّسق ذلك مع القلق الذي عانى منه بعد سماعه لاتهام بعضهم لأهله؟ فأي علم بالغيب هذا الذي لم يمكّن نبي الله من معرفة حقيقة الأمر منذ بداية وقوعه بل تركه في شك وتساؤل هل ارتكبت أهله الزنا أم لا؟! وحسناً ما قاله الشاعر الشيخ سعدي [الشيرازي]:

تو بر اوج فلک چه دانى چيست         چون ندانى كه در سراىِ تو كيست؟!

أي: كيف لك أن تعلم بما يجري في أعلى الفلك إن كنت تجهل ما يجري في منزلك؟!

نكتفي بما ذكرناه بشأن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونشير إلى حادثة الرجيع وحادثة بئر معونة التي وقعت في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة، والتي تشهد بكل وضوح بعدم علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب، ومن أراد التفصيل فنحيله إلى كتب السيرة النبوية على صاحبها أزكى صلوات الله وسلامه.

2- أما بالنسبة إلى سيرة وأحوال أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ - فينبغي أن نعلم أن الغلو في حقه كان أشد من الغلو في سائر الأئمة، وقد لُفقت خطب مشحونة بالغلو ونُسبت إليه وذلك مثل: «خطبة البيان» و«الخطبة التَّطْنَجِيَّة»(112) التي أوردها آية الله العظمى صاحبنا هذا! في الصفحة 452 من كتابه نقلاً عن الكتاب الموثوق جداً!!! لأبي بكر الشيرازي، لذا لا بد من الانتباه أكثر إلى سيرة أمير المؤمنين. ففي هذه الخطبة المختلقة الأخيرة نُسب إلى حضرة أمير المؤمنين ادعاؤه بصراحة الإلهية-والعياذ بالله- وأنه وصف نفسه بصفات الباري تعالى التي وصف الله بها نفسه في القرآن فقال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد/3]، فنسبت الخطبة إلى أمير المؤمنين أنه وقف في منبر البصرة خطيباً ونسب إلى نفسه تلك الصفات وما هو أعلى منها من ذلك قوله:

«أَنَا دَحَوْتُ أَرْضَهَا وَأَنْشَأْتُ جِبَالَهَا وَفَجَّرْتُ عُيُونَهَا وَشَقَقْتُ أَنْهَارَهَا وَغَرَسْتُ أَشْجَارَهَا وَأَطْعَمْتُ ثِمَارَهَا وَأَنْشَأْتُ سَحَابَهَا وَأَسْمَعْتُ رَعْدَهَا وَنَوَّرْتُ بَرْقَهَا وَأَضْحَيْتُ شَمْسَهَا وَأَطْلَعْتُ قَمَرَهَا وَأَنْزَلْتُ قَطْرَهَا وَنَصَبْتُ نُجُومَهَا... وَأَنَا... وأنا... [حتى يصل إلى قوله]: وَأَنَا الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَبِكُلِّ شَيءٍ عَلِيْم‏»(113).

ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى من وضع مثل كلمات الكفر هذه على لسان أمير المؤمنين، ولَعْنَةُ الله على من يروّجها وينشرها أبد الآبدين ودهر الداهرين.

إن أكبر دليل وأفضل برهان على وضع مثل هذه الخطبة، بعد دلالة صريح القرآن وشهادة العقل والوجدان، هو تاريخ الإمام وسيرته، ولنعم ما قاله «الشهيد الثاني»: إن أكذب الحديث ما كذبه التاريخ.

إن كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام يعلم أنه بعد مبايعة الناس في المدينة لأمير المؤمنين (ع) بالخلافة ويأس طلحة والزبير من الحصول على المناصب التي كانوا يأملونها، اتفقا مع أم المؤمنين عائشة التي كان لها سابق عداء لأمير المؤمنين وانطلقوا إلى البصرة معادين لأمير المؤمنين وناصرين لعثمان [مطالبين بالقصاص من قتلته] ولقد اختاروا البصرة لأن أهلها لم يقبلوا خلافة أمير المؤمنين وليس هذا فحسب بل كانوا، على إثر دعايات مثيري الفتنة، يعتبرون علياً (ع) قاتل عثمان ويرَوْنَ وجوب قتال علي، وقد زاد من عدائهم لأمير المؤمنين الدعايات التي كان أنصار عثمان ومحبوه -الذين استَوْلَوْا منذ مدّة على البصرة- يبثّونها بينهم ليل نهار حتى صوّروا لهم وكأن أمير المؤمنين أعدى أعداء الإسلام!! إلى حد أن أمير المؤمنين لم يستطع إخماد الفتنة ودخول البصرة إلى بعد معركة راح ضحيتها آلاف الأنفس.

فهل هناك من مجنون فضلاً عن عاقل يمكنه أن يصدق أن أمير المؤمنين الذي بمعزل عن مقام صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته في حجره، كان من أعقل العقلاء على الأرض، يأتي إلى مثل تلك المدينة التي يعتبره أكثر أهلها معتدياً وقاتلاً فيصعد المنبر ويخطب في أهلها قائلاً: «أَنَا دَحَوْتُ أَرْضَهَا وَأَنْشَأْتُ جِبَالَهَا وَفَجَّرْتُ عُيُونَهَا وَشَقَقْتُ أَنْهَارَهَا وَأَنَا... وأنا... [حتى يصل إلى قوله]: وَأَنَا الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَبِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيْم)؟!!

هل يعقل أن يقوم أمير المؤمنين، الذي كان يسعى جاهداً ليثبت براءته من دم عثمان، لأولئك المخدوعين الممتلئة صدورهم ببغضه، بإلقاء خطبة عليهم يقول لهم فيها: أنا كذا.. وأنا كذا... يعني باختصار: أنا الله؟!! ثم لا يعترض عليه أحد من أهل تلك المدينة التي تمردت عليه ويقول له ما هذا الكلام الذي يصدر عنك؟! ثم كيف لم يذكر أي أحد من المؤرخين والمحدثين من الصديق والعدو مثل هذه القضية المهمة في كتب التاريخ والحديث، سوى أبي بكر الشيرازي الذي لا يعلم أحد أي حيوان كان؟! يا رب أي جنون مطبق وأي حماقة مدقعة حلّا بهؤلاء الذين يستجيزون إعادة نشر مثل كلمات الكفر هذه بين الناس؟!

وليت شعري! إن لم يكن هذا هو ذلك الغلو الذي كان أئمة الإسلام يحذِّرُون الناس منه مراراً وتكراراً ويلعنون أصحابه ويظهرون البراءة منهم، فما هو الغلو إذن؟!

والعجيب أنه في الوقت الذي كان علماء الشيعة القدامى يعتبرون مجرّد نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غُلُوَّاً(114)، أصبح في شيعة اليوم مَنْ لا يعتبر حتى مثل تلك العبارات المتضمِّنة لادعاء الألوهية غلوَّاً، بل يعتبرها من معارف الدين!! ويعتبر أن من يشكّك في هذه الخرافات، ناقص الولاية بل ربما قال بتكفيره!!

يشهد الله أننا لا نقصد أبداً ببياننا لبعض وقائع تاريخ وسير الأئمة أن ننتقص من مقامهم العالي وأن نقلّل من درجتهم، كل ما في الأمر أن غلوّ هؤلاء الغلاة الذي يُعَدُّ انتهاكاً للتوحيد وللأصول المسلّم بها لدين خاتم النبيين هو الذي يدفعنا إلى ذكر هذه الوقائع التاريخية من كتب الشيعة الموثوقة، لكي نوقظَ الناس إلى خطر الغلوِّ في الدين وننقذهم من أن يبتلوا بما نهى عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء/171] وَ[المائدة/77].

3- نقلت جميع كتب التاريخ المفصّلة والموثوقة قصّة تولية «قيس بن سعد بن عبادة» من قبل أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ - على مصر ثم قيام أمير المؤمنين بعزله بناء على أخبار مغلوطة وكاذبة مما أدى في الواقع إلى خروج مصر من يد أمير المؤمنين إلى الأبد ووقوع مصائب وخسائر كبيرة له لهذا السبب. وسننقل فيما يلي طرفاً من هذه القصة من الكتاب القيم الموسوم بـ«الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة» (ص 336 فما بعد) تأليف «السيد علي خان بن معصوم الشوشتري»(115) الذي كان من أعلام علماء الشيعة، فقد جاء في كتابه ما نصه:

«وقال إبراهيم بن سعد بن هلال الثقفي: لما ولى أمير المؤمنين (ع) الخلافة قال لـ«قيس بن سعد بن عبادة»: سر إلى مصر فقد وليتكها.......

فخرج «قيس بن سعد» في سبعة نفر من أهل بيته حتى دخل مصر فصعد المنبر وأمر بكتاب معه فقرأ على الناس فيه: «من عبد الله أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد،.....

وقد بعثت إليكم قيس بن سعد الأنصاري أميراً فوازروه وأعينوه على الحق وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم وهو ممن أرضى هديه وأرجوا صلاحه ونصحه. اسأل الله لنا ولكم عملا زاكياً وثواباً جميلاً ورحمةً واسعةً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(116).

ثم قال: «قال لما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس بن سعد خطيبا فحمد الله وَأثنى عليه وَقال الحمد لله الذي أمات الباطل وأحيا الحق وَكبت الظالمين. أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فقوموا فبايعوا على كتاب الله وَسنة نبيه فإن نحن لم نعمل فيكم‏ بكتاب الله وَسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم.

فقام الناس فبايعوا وَاستقامت له مصر وَأعمالها فبعث عليها عماله إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث فبعث إلى «قيس بن سعد» ألا إنا لا نأتيك فابعث عمالك وَالأرض أرضك وَلكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس! قال وَوثب «مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري» فنعى عثمان وَدعا إلى الطلب بدمه فأرسل إليه قيس ويحك أعليّ تثب؟! وَالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وَأني قتلتك فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة أني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر.

قال: وَكان لـ«قيس» حزم وَرأي فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكْرِهُكُم على البيعة وَلكني أدعُكُم وَأكفُّ عنكم. فهادنهم وَهادن «مسلمة بن مخلّد» وجبى الخراج وَليس أحد ينازعه.

قال وَخرج أمير المؤمنين عليّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الجمل وَهو [أي قيس] على مصر وَرجع إلى الكوفة من البصرة وَهو بمكانه، فكان [قيس] أثقل خلق الله على‏ معاوية لقربه من الشام وَمخافة أن يقبل إليه عليّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بأهل العراق وَيقبل إليه «قيسٌ» بأهل مصر فيقع بينهما. فكتب معاوية إلى «قيس بن سعد» وَعليٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يومئذٍ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين:

«بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى «قيس بن سعد»، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها أو في ضربة سوط رأيتموه ضربها أو في شتمة رجل أو تعييره واحداً أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل بذلك فقد ركبتم عظيماً من الأمر وَجئتم شيئاً إدّاً. فتب إلى ربك يا «قيس» إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً. وَأما صاحبك فإنا قد استيقنا أنه أغرى الناس به وَحملهم على قتله حتى قتلوه وَأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا «قيس» أن تكون ممن‏ يطلب بدم عثمان فافعل وَبايعنا على أمرنا هذا وَلك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت وَلمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وَسلني من غير هذا ما تحب، فإنك لا تسألني من شي‏ء إلا أوتيته، وَاكتب إلي برأيك فيما كتبت إليك وَالسلام».

فلما جاء قيساً كتاب معاوية أحب أن يدافعه وَلا يبدي له أمره وَلا يعجل له حربه فكتب إليه:

«أما بعد فقد وصل إلي كتابك وَفهمت ما ذكرت من قتل عثمان وَذلك أمر لم أقاربه وَذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان وَدسهم إليه حتى قتلوه! وَهذا أمر لم أطلع عليه وَذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري أن أولى الناس كان في أمره عشيرتي! وَأما ما سألتني من متابعتك على الطلب بدمه وَعرضت عليّ ما عرضت فقد فهمته وَهذا أمر لي فيه نظر وَفكر وَليس هذا مما يعجل إليه وَأنا كاف عنك وَليس يأتيك من قبلي شي‏ء تكرهه حتى ترى وَنرى وَالسلام عليك وَرحمة الله وَبركاته».

 قال: فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقارباً مباعداً وَلم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعاً مكايداً فكتب إليه معاوية أيضاً:

«بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلماً وَلم أرك تتباعد فأعدك حرباً، أنت هاهنا كجمل جرور وَليس مثلي من يصانع بالخدائع وَلا يختدع بالمكايد وَمعه عدد الرجال وَأعنة الخيل، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك، وَإن أنت لم تفعل ملأت عليك مصر خيلاً وَرجلاً وَالسلام».

قال: فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية وَعلم أنه لا يقبل منه المدافعة وَالمطاولة أظهر له ما في قلبه فكتب إليه:

«بسم الله الرحمن الرحيم من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي وَاغترارك بي وَطمعك في أن تسومني لا أبا لغيرك الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر وَأقولهم بالحق وَأهداهم سبيلاً وَأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة وَتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر وَأقولهم بالزور وَأضلّهم سبيلاً وَأبعدهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيلةً. وَلديك قوم ضالون مضلون من طواغيت إبليس. وَأما قولك إنك تملأ علي مصـر خيلاً وَرجلاً فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك أنك لذو جد وَالسلام».

فلما أتى معاوية كتاب «قيس بن سعد» أَيِسَ منه وَثقُل مكانُه عليه وَكان أن يكون بالمكان الذي هو به غيره أعجب إليه، وَاشتدَّ على معاوية لما يعرف من بأسه وَنجدته فأظهر للناس أن قيساً قد بايعكم فادعوا الله له وَقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه وَقاربه وَاختلق معاوية كتاباً فقرأه على أهل الشام:

«بسم الله الرحمن الرحيم إلى الأمير معاوية بن أبي سفيان من «قيس بن سعد» أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثاً في الإسلام عظيماً وَقد نظرت لنفسـي وَديني لم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً براً تقياً وَنستغفر الله لذنوبنا وَنسأله العصمة لديننا. ألا وَإني قد ألقيت إليك بالسلم وَأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فعوِّلْ عليّ فيما أحببت من الأموال وَالرجال أعجله إليك إن شاء الله تعالى، وَالسلام عليك».

قال: فشاع في أهل الشام أن قيساً صالح معاوية فـسرحت عيون علي‏ بن أبي طالب (ع) إليه بذلك فلما أتاه ذلك أعظمه وَأكبره وَتعجب له وَدعا ابنيه الحسن وَالحسين وَابنه محمداً وَدعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك وَقال ما رأيكم فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل «قيس بن سعد» عن مصر.

فقال [عليٌّ] لهم: إني وَالله ما أصدِّق بهذا على «قيس». فقال له عبد الله بن جعفر: اعزله يا أمير المؤمنين فو الله إن كان ما قد قيل حقاً لا يعتزلك إن عزلته.....

قال فبعث عليُّ بن أبي طالب (ع) محمدَ بن أبي بكر إلى مصر وَعزل قيساً وَكتب معه إلى أهل مصر كتاباً فلما قدم على قيس قال له (قيس): فما بال أمير المؤمنين ما غيَّره؟ أدخل أحدٌ بيني وَبينه؟! قال: لا وَهذا السلطان سلطانك وَكان بينهما نسب وَكانت تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق فكان قيس زوج عمته فقال قيس: لا وَالله لا أقيم معك ساعة واحدة وَغضب حين عزله عليّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عنها فخرج منها مقبلاً إلى المدينة وَلم يمض إلى عليٍّ (ع) بالكوفة.»(117).

تُعَدُّ هذه القصة من حوادث التاريخ المسلَّم بها والتي وقعت زمن أمير المؤمنين (ع). وكما نعلم لم يستطع «محمد بن أبي بكر» أن يحكم سيطرته على مصـر لأنه كان شاباً عديم التجربة وانتهى الأمر بمقتله بأفجع صورة وخروج مصـر من يد أمير المؤمنين ولم تعد إليه بعد ذلك أبداً.

وقد أعرب أمير المؤمنين (ع) نفسه عن ندمه على ما وقع منه، ونجد هذا المعنى في الرسالة التي كتبها أمير المؤمنين عندما أرسل مالك بن اشتر والياً على مصر، وقد روى هذه الرسالة الشيخ المفيد في أماليه (ص48، المجلس 9) حيث جاء فيها الفقرة التالية: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الأَثِيمِ وَأَسُدُّ بِهِ الثَّغْرَ المَخُوفَ وَقَدْ كُنْتُ وَلَّيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللهُ مِصْرَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ وَكَانَ حَدَثاً لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحُرُوبِ فَاسْتُشْهِدَ رَحِمَهُ اللهُ...»(118).

أقول ولا يخفى على أهل العلم والفهم أن «قيس بن سعد بن عبادة» كان من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن خواص شيعة أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع) ومن الأقوياء في دين الحق ومن شجعان زمانه، وقد جاء في كتاب الرجال للشيخ الطوسي وصفه الملخص بالعبارات التالية: «قيس بن سعد بن عبادة، من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وَهو مشكور، لم يبايع أبا بكر.»(119).

كما أن الشهيد الثاني -عليه الرحمة- قال في تعليقه على تلك العبارة ما نصه: «وقال أنس: وكان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير».

وقد أشار الإمام الرضا (ع) إلى إخلاص «قيس بن سعد» وتقواه وذكر أن أفعى (ثعبان) أحاطت بعنقه أثناء سجوده فلما رفع رأسه من السجود غابت في لباسه ولم تصبه بأذى!

كما أن ابن أبي الحديد قال عنه في كتابه شرح نهج البلاغة: «و قيس هو من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، كان شجاعاً جواداً من كبار شيعة عليٍّ عليه السّلام والمتحقِّقين بمحبته، شهد حروبه كلّها.»(120).

إذن فعزله عن ولاية مصر لم يكن لجهة نقصان ولائه ومحبته وإخلاصه لأمير المؤمنين، بل كانت حنكته وفطنته في غاية الشهرة حتى عدُّوْه من أذكياء العرب. [وإنما عزله أمير المؤمنين تأثراً بتلك الشائعة الكاذبة التي نقلها إليه جواسيسه عن أهل الشام].

فهل ينسجم عزل «قيس» مع القول بعلم الإمام بالغيب؟! خاصةً أنكم تدعون أنه الإمام بعلم عين الغيب الذي وصفه تعالى بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ؟!!

إذا قلتم إنهم قاموا بتلك الأعمال مع علمهم بالغيب، قلنا: هل من الممكن عقلاً أن يقوم من يعلم الغيب بالإضرار بنفسه على هذا النحو؟ وكيف يتّسق هذا مع القرآن الكريم الذي يصف الله تعالى فيه أحد خصائص العلم بالغيب فيقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ [الأعراف/188]؟! فكيف يمكن تفسير صدور تلك الأعمال عن عالمٍ بالغيب خلافاً لحكم العقل والنقل؟!

4- من أوضح الأمور التي تدلّ على عدم علم حضرة الإمام علي (ع) بالغيب قضية تنصيبه «زياد بن أبيه» والياً على البصـرة والأهواز وفارس وكرمان. فقد كان «زياد بن أبيه» كاتباً لابن عباس عندما كان ابن عباس والياً على البصـرة مِنْ قِبَل عَلِيٍّ (ع) فاكتسب «زياد» من خلال عمله ذاك معرفةً وخبرةً في أمر حكم البصـرة، لذا لما قام أمير المؤمنين (ع) بعزل ابن عباس عيَّن مكانه كاتبه «زياد بن أبيه» والياً على البصـرة، وكما نعلم أدَّت ولاية زياد في بداية الأمر إلى تعرف الشيعة على عليٍّ بشكل جيِّد، ولما ولي الإمام الحسن (ع) الإمامة بعد أمير المؤمنين أبقى «زياداً» على ولاية البصـرة، فكان هذا الأمر في الواقع أحد أسباب وقوع مصائب وكوارث كبيرة بحق شيعة علي (ع) فيما بعد، حيث أن معاوية ألحق «زياداً» به كأخ له من أبيه أبي سفيان وأغراه بمنحه حكومة العراقين [عراق العرب وعراق العجم] وكان لابنه «عبيد الله بن زياد» أفاعيل مدمرة بحق شيعة علي (ع) يحتاج شرحها إلى كتاب مفصّل!.

ومثل ذلك في دلالته على انتفاء علم الإمام عَلِيٍّ (ع) بالغيب تعيينه لـ «المنذر بن جارود» لجمع الصدقات فقام الأخير بأخذ الأموال لنفسه والتحق بمعاوية! فكتب له الإمام بعد اطلاعه على خيانته: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ وظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وتَسْلُكُ سَبِيلَهُ فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً ولا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ أَوْ يُشْـرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ‏»(121).

من الواضح أنه لا يمكن لشخص يعلم الغيب أن يفعل ذلك بنفسه وبأموال بيت المال ومصالح المسلمين! فعلى الذين يدَّعون علم الإمام علي وسائر الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- بالغيب أن يرونا عملاً واحداً قاموا به يدل على علمهم بالغيب!

لقد صنع الغلاة وأعداء الإسلام من شخصية عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شخصيةً رسموها بخيالهم ورفعوها إلى ما فوق الحدود البشـرية، وعرَّفوه بوصفه كائناً أسطورياً يقوم أحياناً بأعمال إلهية ويحضـر في آنٍ واحدٍ في جميع الأمكنة ويعلم جميع الغيوب، ويقوم أحياناً بالعروج إلى السموات والجلوس على بساط الريح والصعود إلى الفضاء وقتل ثلاثين ألفاً من قوم يأجوج ومأجوج -كما ورد في حديث البساط- ويحضر في وليمة أكثر من أربعين بيتاً، ويصعد إلى المعراج قبل وصول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستقبله، ويظهر في إحدى السموات بصورة أسد مفترس، ويقضـي بين الملائكة الذين تنازعوا فيما بينهم ولم يرضوا إلا بعليٍّ حكماً وقاضياً فاضطر إلى الصعود إلى السماء ليفصل بينهم! وكان حاضراً في أزمنة الأنبياء الماضين بصور مختلفة فكان يساعد الأنبياء، من ذلك أنه حضر زمان موسى (ع) بصورة شخص مرتدياً لباساً من ذهب وراكباً فرساً سرجه من أوراق الذهب وذهب إلى قصـر فرعون لتخويفه من مخالفة موس