بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

تحقيقٌ علميّ
في أحاديث المهديّ

 

 

ألفه بالفارسية

آية الله العلامة السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي

(1908 - 1992م)

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وهذَّبه وعلَّق حواشيه

سعد محمود رستم

 

 

 

 

 

 

 

P

 

بررسي علمى

 

مقدمة المترجم

بسم الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد،

ففكرة خروج مصلح في آخر الزمن يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً لا مشكلة فيها إذا اقتصرت على هذا المفهوم البسيط، لا سيما أن أكثر علماء الحديث يرون أن هناك أحاديث عديدة تثبت أصل هذه الفكرة. لكن المشكلة تنشأ عندما تتحول هذه العقيدة إلى وسيلة لتثبيط همم كل من يسعى إلى إصلاح الأوضاع الفاسدة ومحاربة الجور والطغيان ويجاهد لتحقيق العدل والمساواة...الخ، بالقول له بأن هذا ليس ممكنا وليس من مهمتك ولا سبيل إليه إلا بقدوم المهدي، فلا إصلاح ولا تحرير إلا علي يدي المهدي! عندئذٍ تتحول تلك العقيدة إلى عقيدة سلبية هادمة لكل أمل في التقدم والإصلاح. وكذا الأمر إذا تحولت فكرة المهدي المنتظر إلى عقيدة مغالية تجعل هذا المهدي مولوداً حياً لا يموت حاضراً ناظراً في كل مكان يغيث المستغيثين ويحفظ المؤمنين ويهدي الفقهاء والمتشرّعين،..الخ، عندئذٍ تصبح وسيلة للانحراف عن التوحيد الناصع والوقوع في أودية الشرك والخرافات.

هذا ولقد أحاط الموروث الشيعي الإثنا عشري الذي يعتبر أن المهدي وُلِدَ للإمام الحسن بن علي العسكري (الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الإمامية) حوالي سنة 255ه- وبعد خمس سنوات غاب غيبة صغرى مدة سبعين عاماً بقي خلالها على اتصال بأتباعه عبر أربعة سفراء متتالين، ثم غاب غيبته الكبرى التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، أحاط شخصية المهدي المنتظر هذا وموضوع ظهوره وما سيقوم به في آخر الزمن بكمٍّ هائل من الروايات والأخبار والأقوال والأحاديث الغريبة العجيبة معظمها من وضع الغلاة الكذابين والوضّاعين المفترين أو المجهولين أو المجروحين الذين رووا في هذا الصدد أخباراً تخالف القرآن وسنّة خير الأنام أو تجافي العقل والمنطق والوجدان وتناقض قواعد الإسلام أو تفسِّر آيات القرآن بمعان ما أنزل الله بها من سلطان أو تحكي أقاصيص عجيبة تثير السخرية والهزء بأهل الإيمان..

لذا قام آية الله البرقعي في كتابه هذا، الذي كتبه في آخر أيام حياته وكان من آخر ما ألفه من كتب -كما تدل على ذلك إحالاته فيه إلى سائر كتبه الأخرى وتصريحه في آخره بأنه كتبه في سن الشيخوخة والضعف – بدراسة فاحصة وناقدة لجميع الروايات المتعلقة بموضوع المهدي المنتظر، كما جاءت في الكتاب الروائي الموسوعي الجامع «بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي (1037- 1110 ه-) الذي خصص ثلاثة أجزاء منه لجمع كل ما تفرق في كتب حديث الشيعة الإمامية حول موضوع المهدي أو القائم المنتظر.

بيد أنه مما هو معروف أن كتاب «بحار الأنوار» بإجماع قاطبة الشيعة الإمامية بما في ذلك أشد الأخباريين تعصباً كتاب يجمع الغث والسمين والأصيل والدخيل والمقبول والمردود بل فيه الكثير مما يخالف عقائد الإمامية أنفسهم ومن الأساطير التي لا وزن علمي لها، حيث لم يكن هدف جامعه سوى حفظ ما تفرق من كتب الرواية والأخبار الإمامية في عصره من الضياع، بغض النظر عن صحتها وسقمها، فهو يشبه من لَمْلَمَ كُلَّ ما وجده في مكتبة قديمة من كتب جيدة وأخرى لا بأس بها مع كتب لا يعرف مصدرها وأوراق بالية وصحف مهترئة فجمعها كلها في خزانة واحدة كي لا تضيع تاركاً لمن بعده مهمة فحصها ودراستها وتمحيصها.

وعلى كل حال فقد قام البرقعي بدراسة وتمحيص متون روايات المهدي القائم التي وقعت في 3 أجزاء من «بحار الأنوار» ووَزَنَهَا بميزان القرآن الكريم ثم السنة النبوية والعقل والمنطق الصريح، ورأى أن جميع ما رُوِيَ في القائم المنتظر لا يوجد منه حديثٌ صحيحٌ واحدٌ! وأنها جميعاً مما وضعه الغلاة والوضاّعون في العصور اللاحقة على زمن الأئمة عليهم السلام.

هذا ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن المؤلف كتب كتابه هذا في آخر عمره بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة من بعض المتعصبين، ثم تعرض بعد مدة إلى فترة من السجن ثم النفي، وقد تركت مرارة تلك المضايقات والإيذاء من جهة وسن الشيخوخة وما اعترى المؤلف فيه من ضعف من الجهة الأخرى، بصماتها وأثرها على كتابه هذا أولاً في أسلوبه الذي لم يَخْلُ من توتر وهجوميَّة، أو لحن أقرب في بعض المواضع إلى المهاترة وأبعد عن البحث العلمي الهادئ الرصين، وثانياً في شيء من الخلط والتشويش وضعف الاستدلال والأخطاء في بعض المواضع والتكرار للأفكار. ولمّا لم يكن الهدف من الترجمة إثارة الخلاف وبث الفرقة والتهجُّم على العقائد أو السخرية منها، بل تقديم اجتهاد عالم مجتهد وتحقيق باحث ناقد في هذا الموضوع الهام ليطَّلع عليه الباحثون ويستفيد منه الدارسون، فقد اضطُرِرْتُ إلى تصرُّف يسيرٍ في ترجمة بعض المواضع مع الحفاظ على المعاني والأفكار والنقد العلميّ، ويمكن إجمال هذا التصرُّف اليسير بالنقاط التالية:

أولاً: خففت في بعض المواضع من حدّة اللهجة باستبعاد الأسلوب الاتهامي أو الجارح أو التهكمي، مع المحافظة على المعنى والفكرة التي يريد إيصالها أو النقد الذي يريد إبداءه سواء للأفكار أم للأعمال أم للأشخاص.

ثانياً: اختصرتُ في مواضع قليلة عندما رأيت تكراراً مملاً لنفس الأفكار التي قيلت من قبل واتضحت تماماً.

ثالثاً: بالنسبة إلى بعض الاقتباسات والشواهد التي يوردها المؤلف مجتزأة، أوردتها أحياناً بصورة أكمل - خاصة إذا كانت آية قرآنية - لما في ذلك من فائدة تعين على فهم مراده أكثر.

رابعاً: ذكرتُ بين كلام المؤلف في بعض المواضع بعض الجمل التوضيحية من عندي يقتضيها السياق وتعين على فهم المراد، ووضعت ذلك بين معقوفتين [] لتمييزها عن كلام المؤلف.

يُضاف إلى ذلك أن المؤلف اعتمد في هذا الكتاب في عملية نقده لأسانيد الروايات على حفظه وذهنه ومعلوماته المتراكمة خلال مسيرته العلمية الطويلة إلى درجة أنه استغنى في نقده الرجال عن ذكر نص عبارات الرجاليين اعتماداً على ما ذكره مراراً في كتبه السابقة، بيد أن اعتماده على ذاكرته أوقعه أحياناً في بعض الأخطاء؛ لذلك استدركتُ ذلك ببعض التعليقات في الحاشية التي أوردتُ فيها نص عبارة الرجاليين الشيعة في نقد بعض الرواة الذين أشار المؤلف إلى سوء حالهم في المتن، أو في التعليق على ما قد اشتبه المؤلف به.

وبالمناسبة فالمؤلف لم يكتب أية حواشي سفلية لكتابه هذا، لذلك كل ما في هذه الترجمة من حواشي هو للمترجِم حيث ترجمتُ لبعض الشخصيات المهمة المذكورة في المتن وبيَّنْتُ هوية بعض الكتب وخرّجتُ بعض الأحاديث وشرحتُ باختصار عقيدة بعض الفرق الذين كَثُرَتْ الإشارة إليهم في المتن كالفطحية والواقفة والخطابية...، علاوةً على بيان نص ما ذكره علماء الرجال بشأن بعض الرواة كما ذكرتُ وتصحيح بعض أخطاء المؤلف في هذا الصدد.

ومما يجدر ذكره أيضاً في هذا المقام أن منهج البرقعي في تقويم النصوص الحديثيّة اعتمد بشكل أساسي على نقد المتن، وأن معياره في معرفة الصحيح من السقيم كان القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم العقل ثم الواقع والتاريخ، فكل نص فيه ما يخالف أحد تلكم الأمور ويتنافى معها كان ذلك دليلاً واضحاً على أنه نص موضوع مكذوب، وعندما يثبت بطلان المتن لا تبقى حاجة في نظره للبحث في السند فصحّته وبطلانه سيّان، إذ ليس من الضروري أن يصح متن كل حديث صحيح السند بل قد يكون السند مقبولاً ويكون المتن مرفوضاً في نظره رفضاً تاماً للأسباب المذكورة.

ولكن ليس معنى هذا أن المؤلف أصاب في كل جزئية ذكرها، فقد يكون جانبه الصواب في بعض المواضع وأصاب في مواضع أخرى، ولكن لا ينبغي أن تكون بعض الأخطاء في النهج أو المعلومات سبباً لعدم الاستفادة من كثير مما ورد في الكتاب من تحقيقات عميقة ومطالب مفيدة ونكات هامة، قلَّ من نبَّه إليها، خاصة أنها واردة على لسان أحد من وصل إلى أعلى المراتب العلمية بين الشيعة الإمامية هي مرتبة الاجتهاد ولقب آية الله ومرجعية التقليد، وفي النهاية نذكِّر بالقواعد الذهبية التي يجب أن نجعلها نصب أعيننا في مطالعة أي كتاب وهي أنَّ كلَّ عالم وكلَّ كتاب وكلَّ إنسان يُؤخذ منه ويُردّ عليه إلا صاحب القبر الشريف، وأن الله أبى العصمة إلا لكتابه، وأن لِكُلِّ صارم نبوة وَلِكُلِّ جواد كبوة وَلِكُلِّ عالم هفوة.

كما أُذكِّر بأن المترجم وظيفته النقل بأمانة، فليس معنى ترجمة كتاب أن المترجم يتبنى مضمونه وجميع أفكاره من الألف إلى الياء، بل الترجمة ليست سوى نقل للأفكار والمعاني من لغة إلى لغة أما النقد والتمحيص ومعرفة الخطأ من الصواب فهو من وظيفة القارئ اللبيب.

بهذا أختتم هذه المقدمة سائلاً المولى أن يتقبل منا ويعفو عنا إنه أهل التقوى وأهل المغفرة والحمد لله رب العالمين.

المترجم

 

 

+            +             +

 

 

 

1rst p Tahqiq

صورة للصفحة الأولى من الكتاب

Last p Tahqiq

صورة للصفحة الأخيرة من الكتاب

 

تمهيد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ،

وبعد، فلا بد أن يستند الدين الإلهي الحقيقي إلى الدليل والحجة من نقلٍ أو عقلٍ. ولا بد من تمحيص النقل للوصول إلى نقل صحيح يُرضِي الله وإلى أدلَّةٍ صالحةٍ للاحتجاج بها. فلا يصح الاستناد إلى نقل أخبار مجهولة وإلى أحاديث تظهر فيها علامات الوضع والغرض بكل وضوح، ولا إلى أحاديث وضعها أشخاص لمصالح خاصة بهم.

إنَّ دين الله الذي كان في أساسه ديناً واحداً وطريقاً واحداً بلا ريب، تبدَّل في زماننا هذا إلى مئات المذاهب التي يستند أصحاب كلٍّ منها إلى آلاف الأحاديث والفلسفات والأدلة والمستندات التي تعجبهم هم فقط، واختلق كل فريقٍ مئات المستندات والأخبار الموضوعة لتأييد عقيدته، وتحولت تلك الأخبار الموضوعة التي كانت في أصلها أخبار آحاد فردية إلى أخبار مستفيضة ومتواترة صارت حانوتاً لكل مدّعٍ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ!

ورغم أن كتاب دين الإسلام الإلهي أي القرآن الكريم أمر المسلمين بنصٍّ صريحٍ بعدم التفرّق والتحزّب، كما جاء في سورة الروم: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (الروم/31 و32) إلا أن المسلمين تفرقوا رغم ذلك إلى فرق عديدة وأطلقت كل فرقة على نفسها اسماً مذهبياً معيَّناً فرحوا به واطمأنوا إليه. واعتبر كل واحد من تلك الفرق نفسه محقاً وحده وأتى على ذلك بآلاف الأدلة ولم يُبْدِ أحد منهم أي استعداد لدراسة دلائل الآخرين والتعامل معها بإنصاف بل لم يكونوا مستعدين حتى لمجرد التفكير بها.

ولذلك رأيتُ أنه لا بد من تحقيقٍ علميٍّ في مسألة المهدي لنتبيَّن هل تستند هذه العقيدة بوجود الإمام الثاني عشر إلى دليل عقلي أو نقلي موثوق من كتاب الله أم لا؟ أم أن هذه العقيدة تضاد العقل والكتاب السماوي؟

في الواقع إن في القرآن الكريم آيات صريحة تدل على بطلان انحصار الإمامة بعدد اثني عشر، كما توجد آيات تدل على كذب ادعاء المهدوية بالشكل الذي يدعيه بعض الناس. وسنضع أمام أنظار القراء هذه الآيات القرآنية الكريمة كما أننا سنبين للقراء الأعزاء الدلائل التي يستند إليها القائلون بالمهدوية وبانحصار الإمامة في العدد 12 ونترك الحكم النهائي لفهم القراء.

أما الذين جعلوا من المذهب حانوتاً يتكسَّبون منه ويستأكلون به، وكذلك الذين يقلِّدونهم تقليداً مبنياً على التعصب الأعمى، فلا نظن أن هناك إمكانية لاهتدائهم؛ كيف ولو أراد أحدٌ أن يغلق دكان بائع خضرواتٍ مثلاً أو أراد صاحب المحل الأصلي أن يُخرج ذلك البائع منه فإن الأخير يبذل كل ما في وسعه للاحتفاظ بدكانه وعدم تسليمه، إلى درجة استعداده لاقتلاع عيني صاحب المحل كي لا يأخذه منه! فما بالك بدكانٍ يدرُّ على صاحبه كل سنة ملايين الدنانير دون تعب بل بتبرع من الناس عن طيب خاطر وقربةً إلى الله!.

أساساً ينبغي أن نعلم أن كل بدعة وكل مذهبٍ، مهما كان باطلاً، طالما درَّ أموالاً على رؤسائه فإنه من الصعب جداً أن يزول في وقت سريع، وكلما ازدادت الأموال التي تدرّ عليهم ازداد رؤساؤه نشاطاً وعملوا على نشره أكثر، ولا يمكن زوال ذلك الباطل إلا إذا توقفت تلك العائدات المالية.

فمثلاً رغم أن الإسلام نهى عن التردُّد إلى زيارة المشاهد والقبور إلا أنه لمّا وُجدت النذور والأوقاف التي يأخذ عليها سدنة القبور مبالغ خلو رجل باهظة ولمّا وُجد التبرع بالأموال إلى الأضرحة وأُوقفت الأشياء الثمينة والأثريَّة كالسجاد واللوحات والثريات عليه وأُهديت الجواهر النفيسة وغيرها إلى القبور، راجت بدعة زيارة المشاهد هذه وزاد الاهتمام بها يوماً بعد يوم ووُضعت آلاف الروايات الكاذبة حول أهمية زيارة المشاهد ووُجد آلاف المستخدمين والسدنة والشيوخ الذين يدافعون عن عمارة تلك المشاهد وزيارتها حتى أصبح السفر لزيارة المشاهد من أهم العبادات وأصبح عدد زوّار القبور أكثر من عدد روّاد المساجد وحفّاظ القرآن، وقد اخترع أصحاب هذا الدكان -دكان المشاهد- أنواعاً عجيبة من الأجر والثواب لزوّار المشاهد لا يوجد مثله لأي عبادة أخرى رغم أنه لا توجد حتى آية واحدة في القرآن الكريم تحث على تلك الزيارات، ومن أراد أن يتأكد من كلامنا هذا فليراجع ما كتبناه في كتابنا: «خرافات وفور در زيارات قبور» (أي: الخرافات الوافرة في زيارات القبور).

إذن، لم نكتب كتابنا هذا لأصحاب الدكاكين والمتعصبين هؤلاء ولا نأمل كثيراً باهتدائهم. وإنما كتبنا هذا الكتاب لأهل الإنصاف ولطالبي الهداية والحق.

بدايةً ينبغي أن نرى هل الإمامة - طبقاً لقواعد العقل والشرع – منحصرة بعدد محدَّد لاسيما عدد قليل أم لا؟ هل في وجود المهدي أي نفع للناس أم لا؟ بالطبع هناك منافع جمة تعود على القائلين بوجوده من رؤساء المذاهب وأصحاب الدكاكين المذهبية، لكن لا نفع فيه لعامة الناس بل فيه ضرر كبير كما يدل عليه بياننا المختصر التالي:

 

هل الإمامة محصورة بعدد محدَّد؟

إن كتاب الله والعقل يشهدان بأن القول بالإمامة المنحصرة بعدد محدَّد قول باطل:

أما بالنسبة إلى الشرع فنحن نرى أن الزيدية مثلاً الذين يُعَدُّون من فرق الشيعة ولديهم علماء كبار وكتب عديدة، يدَّعون انحصار الإمامة في أربعة أشخاص أي الإمام علي وحتى الإمام زين العابدين (رغم أن الزيدية يطلقون على سائر أئمتهم الذين جاؤوا بعد أولئك الأئمة الأربعة لقب إمام أيضاً) ولا يعتبرون بقية أئمة الشيعة الإمامية أئمةً منصوصاً عليهم مِنْ قِبَل الله ويستدلون على قولهم بآلاف الأدلة والأحاديث الواردة في كتبهم. كما أن الإسماعيلية يعتقدون بأول ستة أئمة من أئمة الإمامية فقط [أي من الإمام عليّ حتى الإمام جعفر الصادق] وينكرون إمامة البقية [ويدينون بإمامة غيرهم]، ويقيمون دلائل كثيرة على قولهم، وكذلك المذاهب الأخرى التي تشعبت عن الشيعة وكلها تدعي التشيع الصحيح وربما يتجاوز عددُها السبعين. ولمن أراد الوقوف على ذلك عليه أن يرجع إلى كتاب «فرق الشيعة» للنوبختي، وكتاب «المقالات والفرق» للعالم الشيعي الكبير سعد بن عبد الله الأشعري القمي الذي كان من أصحاب حضرة الإمام الحسن العسكري. وهكذا يعتقد كثير من تلك المذاهب بأن الإمامة وعدد الأئمة منحصران بعدد معين من الأئمة الذين يرون إمامتهم. لكن القرآن الكريم لا يعتبر الإمامة، سواء كانت إمامة هداية وإرشاد أم إمامة كفر وضلال منحصرة بأفراد محدَّدين. وفيما يلي نأتي بعدد من الآيات التي تدل على هذا الأمر ثم نذكر الأدلة العقلية التي تدل عليه أيضاً:

 

بعض الآيات الكريمة التي تنفي الإمامة المنحصرة بعدد مُحدَّد!

الدليل الأول: في الآية 74 من سورة الفرقان يصف الله تعالى عباد الرحمن بأوصاف عديدة فيقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان/74). وكلُّ ذي شعورٍ يفهم أن عباد الرحمن الذين يدعون الله تعالى أن يعينهم على حيازة مقام إمامة المتقين بسعيهم وعلمهم وعملهم ليسوا منحصرين بشخص واحد أو عشرة أو مئة شخص.

والعجب، كيف لا يرى كبار علماء الشيعة مثل هذه الآيات، ثم رغم قولهم أنْ لا أحد يمكنه أن يفهم القرآن على وجهه الصحيح، إلا أنهم يستدلون –خلافاً لقولهم ذلك- بآيات من القرآن ليثبتوا بها الإمامة المنحصرة بعدد محدد أو يثبتوا إمامة المهدي رغم أن ما يستدلون به من آيات لا يدل على ما يذهبون إليه من قريب ولا من بعيد. وينبغي أن يُقال لهم: إذا كنتم تدَّعون أن لا أحد يمكنه فهم القرآن فكيف فهمتم الآيات التي تستدلون بها على إمامة شخص معين أو أشخاص محددين؟!!

الدليل الثاني: قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ (التوبة/12). ومن الواضح أنه أياً كان معنى أئمة الكفر فإنهم لن ينحصروا بستة أشخاص أو اثني عشر شخصاً. فكيف يجوز أن يكون عدد أئمة الكفر غير منحصر في حين يكون عدد أئمة الهداية منحصر في عدد قليل؟! والحال أنه لا بد أن يكون أئمة الهداية أكثر من أئمة الضلالة، فحصر عدد الأئمة في 12 أو 6 أو أكثر أو أقل ليس إلا نوعاً من الاحتكار الذي يمارسه مخترعو المذاهب.

الدليل الثالث: قول الحق تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ (الإسراء/71). ومن المسلَّم به أن الناس في هذه الدنيا غير محصورين باثني عشر مجموعة حتى يكون لهم اثنا عشر إمام فقط وتُنادى كل مجموعة من الناس بإمامها! بل كلُّ فرد يمكنه أن يكون مأموماً بإمامٍ وكلُّ فرد يُدعى بصحيفة أعماله وصحيفة أعماله هي إمامه وبالتالي فحصر الإمامة باثني عشر شخص أو اثني عشر صحيفة أعمال باطل.

الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً (الأحقاف/12، وهود/17). وقد قال الإمام علي (ع) في الخطبة 145 من نهج البلاغة: «فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ... (حتى يصل إلى قوله): كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ ولَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ» إلى آخر الخطبة. كما يقول الإمام علي (ع) أيضاً في الصحيفة العلوية في دعائه بعد التسليم في الصلاة: «إن رسولك محمداً نبيي وإن الدين الذي شرعت له ديني وإن الكتاب الذي أُنزل إليه إمامي».

وقد جعل الإمام الصادق (ع) أيضاً القرآن الكريم إماماً كما جاء ذلك في رواية وردت في «وسائل الشيعة» الباب الثالث من أبواب القرآن(1). والأوضح من كل ذلك ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - طبقاً لما أورده المجلسيّ في بحار الأنوار ج92، ص17- من قوله: «القرآن إمام كل مسلم».

فمخترعو الفرق والمذاهب الذين اخترعوا عدداً محدوداً للأئمة (12 أو 7 أو غير ذلك) خالفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلام أمير المؤمنين والإمام الصادق عليهما السلام، لذا يجب أن يدركوا أنهم غير متبعين للقرآن في هذا الأمر وأنهم قد غضوا الطرف عن مفهوم الإمام والإمامة [غير الانحصاري] كما يطرحها القرآن – [كما مر] -وأنهم يتحمسون كل هذا الحماس لأجل مفهوم مخترع للإمامة، وحتى أنهم لا يقبلون بكلام أئمتهم أنفسهم، وليت شعري كيف يعتبرون أنفسهم شيعة وأن علياً إمامهم، مع أن عليّاً اعتبر القرآنَ إمامَه أما هم فيعتبرون إمامهم أشخاصاً آخرين(2).

الدليل الخامس: بعد أن ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء قصص عدد من الأنبياء قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (الأنبياء/73). فالأنبياء إذن أئمة بجعل الله لهم في هذا المقام فالإمامة ليست منحصرة باثني عشر شخصاً.

الدليل السادس: قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص/5). أي جعلنا المستضعفين من بني إسرائيل أئمةً للناس وأورثناهم أرض مصر، ومن المعلوم والمسلم به أن عدد بني إسرائيل ليس منحصراً باثني عشر شخص، فحصر الأئمة بعدد محدد باطل، وكما أن المتقين والمؤمنين والصادقين الذين ذكرهم القرآن غير منحصرين بعدد فكذلك أئمة المتقين، لا ينحصرون بعدد.

الدليل السابع: قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (القصص/41). فهل كان أئمة الظلم الذين يدعون إلى النار 12 شخصاً؟ والمقصود أن أئمة أهل النار وأئمة أهل الجنة غير منحصرين في عدد محدد. وهذا أيضاً تدل عليه الآية 24 من سورة السجدة كما تدل عليه جميع الآيات التي تفيد عدم انحصار الإمام والإمامة بعدد معين.

 

بعض الدلائل العقلية على نفي الإمامة الحصريَّة

الدليل الأول: إذا كان المقصود من الإمام رئيس المسلمين الذي بيده زمام السلطة وتدبير الأمور، فمن الواضح أن المسلمين يحتاجون منذ رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم القيامة إلى أكثر من اثني عشر رئيساً. إن مثل هذا العدد [12] يمكنه أن يؤمِّنَ أئمَّةً يقودون المسلمين لمدة مئتين وخمسين عاماً أو ثلاثمئة عام، أي فترة حياتهم، أما إمامة الأموات للأحياء فلا معنى لها، فكيف يمكن لإمام ميت أن يقود شؤون الأحياء؟ هل الأئمة من آل الرسول عليهم السلام الذين يقول الشيعة بإمامتهم يمكنهم أن يقوموا اليوم بتعبيد شارع للمسلمين أو اكتشاف دواء نافع لدفع الأمراض أو اختراع شيء لراحة الإنسان أم أنهم رحلوا عن الدنيا منذ قرون؟ وكذلك هل قام الإمام الموهوم الغائب بهداية أحد أو اختراع شيء أو صدِّ عدوان أعداء الإسلام؟!! الإجابة هي النفي طبعاً. أجل لقد قام صانعوا الفرق والمذاهب بتلفيق فلسفات مخترعة وأفكار متخيَّلة لا يقرُّها عقلٌ ولا نقلٌ. أما إذا كان معنى الإمام هو المرشد الديني فلا شك أنه لا ينحصر بعدد 6 أو 12 بل هذه الوظيفة هي وظيفة كل عالم متدين.

الدليل الثاني: كيف يمكن أن يكون للدِّيْن الذي يجب أن يهتدي به البشر مئات آلاف الأعوام اثنا عشر إماماً فقط وكيف يكون للأمة الإسلامية التي تحتاج إلى قائد ومنفذ لأحكام الله طيلة تلك المدة أيضاً اثنا عشر رئيساً وقائداً فقط، فهل يمكن أن يقول رسولٌ لأمته –خلافاً للحس وخلافاً للعقل - إن أئمتكم [أي حكامكم حتى يوم القيامة] اثنا عشر فقط؟! كلا بلا شك.

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى/38). وأي أمر من أمور المسلمين أهم من مسألة الرئاسة والقيادة؟ وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يتشاورون في أمورهم، وهذا يشمل بالطبع تشاورهم في أهم الأمور أي أمر القيادة. ويؤيد ذلك ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في الرسالة السادسة من نهج البلاغة حين قال: «وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا» فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول إن جميع هذه الآيات والأخبار خطأ وقول صنّاع المذاهب هو الصحيح فقط؟! لقد أثبتنا في كتابنا «بت شكن» (أي: كسر الصنم) أو «نقد كتاب أصول الكافي» في باب «ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم» أن جميع الأخبار التي تحصر الإمامة باثني عشر شخصاً فقط أخبارٌ موضوعةٌ ومكذوبةٌ وعلامات الوضع فيها أوضح من الشمس فعلى من كان يبحث عن الهداية والتحقيق أن يرجع إلى ذلك الكتاب.

الدليل الرابع: عدم معرفة أولئك الأئمة الاثني عشر أنفسهم بأخبار انحصار الإمامة! فالإمام الصادق (ع) نصب ابنه إسماعيل إماماً من بعده، والإمام الهادي (ع) عيّن ابنه السيد محمداً إماماً من بعده لكن المنية أدركت كل واحد من هذين المنصوبين في حياة والده مما يكشف أن الإمام الصادق والإمام الهادي ما كان لهما علم بهوية الإمام التالي لكل منهما. وكذلك أصحاب الأئمة الخاصين مثل «زرارة» و«هشام بن سالم» و«هشام بن الحكم» و«المفضل» و«أبي بصير» وأمثالهم لم يكونوا يعلمون من هو الإمام بعد إمامهم الحالي، ولا كان لهم أي اطلاع على تلك الروايات التي تذكر أسماء الأئمة الاثني عشر واحداً واحداً. ولقد أوردنا في كتابنا المذكور أسماء مئة وأربعين شخصاً من أصحاب الأئمة الخاصين بأسمائهم وأوصافهم مع ذكر المصادر ممن لم يكن لهم أي خبر عن تلك الروايات الموجودة في كتب الإمامية والتي تحصر الإمامة في اثني عشر شخصاً وبيَّنَّا أنهم لم يكونوا يعتقدون بإمامة جميع هؤلاء الأئمة الاثني عشر، مما يكشف أن تلك الأخبار وُضعت بعد زمن الأئمة عليهم السلام وانتشرت واشتهرت، ومن أراد معرفة هذا الأمر بالتفصيل فليرجع إلى كتابنا «بت شكن» (أي: كسر الصنم) أو «نقد كتاب أصول الكافي» فقد أوضحنا الموضوع هنالك بشكل كافٍ.

الدليل الخامس: عدم معرفة سادات أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلمائهم الكرام شيئاً عن مثل تلك الأخبار التي تحصر الإمامة بأشخاص محددين. ولذلك نجد أن سادات أهل البيت وعلماءهم مثل زيد بن علي بن الحسين والحسين بن علي شهيد الفخ وغيرهما قاموا ونهضوا وادعوا الإمامة مما يعني أنهم لم يكن لهم علم بهذه الإمامة المنحصرة باثني عشر شخصاً والتي اشتهرت في زماننا، بل كانوا –كما تدل عليه كلماتهم بوضوح- يعتبرون الإمامة حقَّاً لمن ينهض بسيفه لاستلام زمام أمور المسلمين والعمل بوظائف الإمامة وليست حق من يجلسون في بيوتهم وراء الستار ويدعون الإمامة ويلتف حولهم عدد من الخرافيين ويكونون تحت حكم وسلطة أئمة آخرين، كما قال «زيد بن علي بن الحسين» (ع) أننا لا نعرف إماماً كذلك.

فإذا تبيَّن أن حصر عدد الأئمة باثني عشر ليس له سند موثوق صحيح بل يتعارض مع كتاب الله كما يخالف العقل والتاريخ فكيف يمكننا أن نقبل بوجود هذا العدد ونعتقد به رغم أن الله تعالى بين لنا بنص القرآن (الآية 165 من سورة النساء) أن لا حجة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورغم أن أمير المؤمنين قال في إحدى خطبه (الخطبة 90 في نهج البلاغة): «..تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) حُجَّتُهُ» وقال كذلك: «..فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ». فالقرآن الكريم وهذه النصوص تنفي أن يوجد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجَّةٌ لِلَّهِ باسم المهدي بتلك المواصفات التي يقول بها صانعو المذاهب.

ذكر الله تعالى في أوائل سورة الأنفال وأوائل سورة المؤمنون وفي مواضع أخرى من القرآن الكريم صفات المؤمنين والأخلاق التي يجب أن يتحلَّى بها كلّ مؤمن ومسلم من إيمانيات وعقائد وأفعال ولم يُذكر فيها أي إشارة إلى الإيمان بإمام معين. قال تعالى في أوائل سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا...﴾ (الأنفال/2و3).

لقد بينت هذه الآيات صفات المؤمن الحقيقي ولم تُشِرْ أدنى إشارة إلى الإيمان بإمام معيَّن، فكيف يجعل صناع المذاهب الإمام والإمامة من أصول المذهب ومن مقوِّمات الإيمان. كما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (الحجرات/15). وجاء نحو ذلك في الآيات 61 و136 و177 و285 من سورة البقرة حيث عدَّد الله مقوَّمات الإيمان وصفات المؤمنين ولم يأتِ بذكرٍ على الاعتقاد بإمام معين.

إضافةً إلى ذلك فإن ما يدعيه صناع المذاهب هو ضرورة الإيمان بإمام منصوب مِنْ قِبَل الله سيقوم بإصلاح الناس بقوة السيف ويجعل جميع أهل الأرض مسلمين إلى حد أن الذئب والشاة سيعيشان بسلام مع بعضهما وستمتلئ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً، وسيقتل من الناس قتلاً عظيماً حتى يصل الدم إلى أعلى ركب خيله وغير ذلك من الأوصاف التي نجدها في «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي و«إكمال الدين» للشيخ الصدوق، ويقولون إن كل من لم يؤمن بهذا المهدي بهذه الأوصاف فإيمانه غير صحيح. هذا في حين أننا نرى أن آيات القرآن تقول خلاف ذلك، وسنذكر فيما يلي وباختصار بعض الآيات التي تنفي مثل هذا المهدي بتلك الأوصاف المذكورة:

 

الآيات النافية لوجود مهدي بتلك الأوصاف

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد/11). تؤكد هذه الآية أن الله تعالى لا يغير أحوال الناس كرهاً أو قهراً ولا من خلال إرسال شخص يصنع ذلك التغيير بقوة السيف، بل عندما يقوم الناس بتغيير أنفسهم بذاتهم وإصلاح أحوالهم عندئذ يغير الله حالهم.

الآية الثانية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الأنفال/53). إن الله تعالى منذ أن خلق البشر وحتى هذا اليوم لم يغير حال قوم بالجبر والإكراه، سواء للأسوأ أم للأفضل، كيف والجبر مخالف للتكليف الاختياري للبشر.

الآية الثالثة: قال تعالى واصفاً اليهود والنصارى ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/14). وقال في السورة ذاتها ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64). بناء على ذلك فإن فرق اليهود والنصارى ستبقى إلى يوم القيامة وستبقى العداوة والبغضاء فيما بينها وهذا إخبار بالمغيَّبات مِنْ قِبَل القرآن. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتفق هذا مع القول بأن الله سيرسل إماماً في آخر الزمن ينهي به العداوة والبغضاء بين جميع البشر ويصبح الجميع مسلمين متحابّين؟!

الآية الرابعة: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا (الممتحنة/4). هذه الآية تتكلم عن المسلمين واليهود(3) وتبيِّن أن العداوة والبغضاء باقية بينهم أبداً، فكيف يتَّفق هذا مع الأخبار والروايات التي تقول أنه عندما سيأتي المهدي في هذا الزمن سيعم السلام والمحبة بين جميع الناس.

الآية الخامسة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس/99). الاستفهام في هذه الآية استنكاري أي لا يحق لك أن تكره الناس على الإيمان لأن الله تعالى لو أراد الإيمان من الناس بالإكراه لكان بوسعه أن يجبرهم جميعاً عليه.

الآية السادسة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة/256). فإذا كان الإكراه منفياً تماماً فكيف يقولون إن الله سيرسل شخصاً يجلب الناس إلى الدين بقوة السيف؟! فمن اليقين إذن أن مثل تلك الأخبار كاذبة ومخالفة لآيات الله وسنته.

الآية السابعة: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (الشعراء/3 و4). سنة الله إذن تقتضي أن يمنع رسوله أن يبخع نفسه من شدَّة الحرص على إيمان الناس لأن الله إذا أراد إيمانهم قهراً أمكنه أن يأتيهم بآية واضحة قاهرة تجبرهم على الإيمان لكنه لم يرد ذلك، فكيف يمكن لأي شخص بعد ذلك أن يجبر الناس بالقوة على الإيمان اللهم إلا أن يكون مثل الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يجبر الناس على الإيمان بالخرافات!.

الآية الثامنة: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (آل عمران/55). في هذه الآية عدة نقاط: الأولى تدل هذه الآية كما تدلُّ الآية 34 من سورة الأنبياء على أن عيسى (ع) تُوفي، فالأخبار التي تقول بأنه هو المهدي أو أنه سيصلي خلف المهدي إنما وضعها أناس جاهلون لأنها تخالف هذه الآيات القرآنية. والنقطة الثانية هي أن أتباع عيسى –بنص هذه الآية الصريح- ستكون لهم الغلبة والظهور على أعدائهم ومخالفيهم فكيف يُقال بأنه سيأتي إمام يقهرهم أو يجبرهم على الإسلام أو أنه لن يبقي هناك مخالفٌ ولا موافقٌ؟ وقد بين التاريخ أيضاً أن لانصارى كانوا متفوقين دائماً على اليهود كما نجد اليوم أن دعم الدول المسيحية هو الذي مكّن اليهود من السيطرة على فلسطين وهو الذي يوفر لإسرائيل أسباب البقاء. والحاصل إن هذه الآية تفيد بقاء يهود ونصارى حتى يوم القيامة وأن الله تعالى سيحكم بينهم يوم القيامة بحكمه النهائي.

الآية التاسعة: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (يس/68). فإذا وضعنا هذه الآية إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب/62) وصلنا إلى نتيجة تقول إن الله لا يبدِّل سنته في خلق الإنسان فلا يمكن لإنسان أن يعمر آلاف السنين دون أن ينتكس خلقه كما يدّعي من لا علم لهم بآيات القرآن.

الآية العاشرة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (هود/ 118و 119). طبقاً لهذه الآية سيكون هناك دائماً اختلاف بين الناس وبالتالي فلا إمكانية لإمامٍ يقوم بتوحيد الناس كلهم على الإسلام وإزالة الكفر من الأرض.

وبالطبع هناك آيات أخرى في هذا الموضوع ونكتفي بهذه الآيات العشر التي ذكرناها، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ.

 

دعوى صنّاع المذهب مخالفة للعقل

هناك أدلة وبراهين كثيرة على بطلان ادعائهم، من ذلك أن قوانين الله تعالى وتشريعاته الدينية إنما نزلت لإصلاح البشر وجلب المنافع لهم ودفع المفاسد عنهم، فلا يمكن لِلَّهِ عز وجل أن يفتح أبواب فسادٍ للناس ولا أن يخبرهم بما فيه ضررهم، فهل فكَّر القائلون بوجود مهدي سيظهر آخر الزمن بالضرر والفساد الذي يترتب على ذلك؟ فأولاً: قولهم للناس إن رجلاً سيأتي من عند الله باسم المهدي لأجل إصلاح الدنيا – بالقوة- جعل الناس يتَّكلون على ظهوره ولا يقومون بالإصلاح بأنفسهم بل ينتظرون مجيئه ليقوم هو بالمهمة، ومن الجهة الأخرى ظهر مئات الناس من مدعي المهدوية وحرضوا الناس على الاقتتال الأمر الذي أوقع أضراراً فادحة في الناس وفتناً ومفاسد كثيرة، ثم إننا نجد اليوم أن مئات آلاف الأشخاص باسم رجال الدين يأخذون من عامة الناس أموالاً شرعيّةً بوصفهم النوّاب العامِّين لذلك الإمام الغائب دون أن يخطوَ هؤلاء العلماء خطوةً واحدةً نحو الإصلاح بل هم يصدون الناس عن اليقظة والإصلاح. وهكذا تُؤخذ كل سنة مليارات الأموال باسم سهم الإمام الغائب وتُصرف على نشر الخرافات بدلاً من صرفها على الاختراعات واكتشاف الأدوية أو بناء المصانع والمعامل ذات النفع العام! وإذا قام عالم واعٍ وأراد أن يخرج الناس من فخِّ الخرافات كفّروه وحرّموا الاستماع إليه أو قراءة كتبه.

لقد ظهر حتى يومنا هذا أكثر من سبعين شخص ادعوا المهدوية وسفكوا الدماء دون أن يوجد من يسألهم ما هو برهانك ودليلك على أنك نائب إمام الزمان بحق؟! وكثيرٌ من أولئك المدَّعين للنيابة العامة للمهدي المنتظر ليسوا فقهاء أصلاً ولا مستند لهم يؤيد دعواهم. إنهم يعمِّقون الخرافات بين الناس أكثر ويوسِّعونها يوماً بعد يوم مُبعدين الناس بذلك عن القرآن والسنة، وأبدلوا دين الإسلام الذي كان دين تعلُّم وتعليم إلى تقليد أعمى.

 

أخبار المهدي سببٌ للفتنة والفساد:

ألّف أحد العلماء المصلحين الواعين في هذا العصر وهو الشيخ «عبد الله بن زيد آل محمود» رئيس المحاكم الشرعية في إمارة قَطَر كتاباً بعنوان «لا مهدي يُنتظر بعد سيد البشر»، واعتبر أن الشيعة هم مصدر خرافة المهدي الموهوم وقال إنه في كل زمن وعصر يخرج شخص باسم المهدي ويثير الشغب ويقوم أشخاص فاسدون بحجة اتباع المهدي الموعود بإثارة القلاقل وجمع البسطاء والجهال حولهم ويقع من جراء ذلك كثير من سفك الدماء حيث يوقعون الفتنة والاقتتال بين الناس دون أن يصلوا في نهاية الأمر إلى أي نتيجة مفيدة من نصر دين أو إحقاق حق.

والحاصل أن اسم المهدي أصبح سبباً للفتنة والفساد وأضل كثيراً من الناس وعلى العالم الذي يريد الخير والإصلاح أن يفكر كيف يمكنه دفع هذا الفساد وتوعية الناس وإبعادهم عن الفتن، فعليه أن يبين للناس أن اسم المهدي وقيامه لنشر العدل لا وجود له في كتاب الله بل في كتاب الله ما يخالف ذلك، كما لا ذكر له في نصوص الإسلام الأولى.

وأقول: كل إمام هو في الأساس تابعٌ للدين وليس أساساً للدين، فما هي فائدة الدعوة إلى إمام ليس أصلاً من أصول الدين ولا فرعاً من فروعه ولا ذكر له في القرآن ولماذا يتم دعوة عامة الناس إليه ونشر المفاسد تحت هذا الاسم في كل عصر؟! قد يقول قائل إن هذه الفكرة مفيدة لأصحاب الدكاكين المذهبية الذين يدعون الناس ليل نهار لانتظار إمام العصر والزمان ويأتون بآلاف الفلسفات والأدلة غير المنطقية على وجوده، ويأخذون مليارات الأموال باسم سهم الإمام، ولذلك فهم يؤكدون جداً على هذا الموضوع أكثر من تأكيدهم على أي موضوع آخر، ويدعون الناس كل سنة في النصف من شعبان إلى الاحتفال وصرف ملايين الدراهم والدنانير بمناسبة ولادته –حسب قولهم- ويحتفلون احتفالاً لا يحتفلون مثله بمناسبة ولادة الأنبياء ولا حتى في ذكرى ولادة نبي آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم. هذا في حين أنه ليس لدينا في دين الإسلام أمر بالاحتفال بولادة عظماء الدين ولا بإحياء ذكرى وفاتهم فلم يؤثر عن علي بن أبي طالب (ع) ولا عن سائر الخلفاء أنهم أقاموا احتفالاً سنوياً بمناسبة ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أحيوا كل سنة ذكرى وفاته واعتبروها أيام عطل.

نعم، هناك أشخاص يعتبرون أنفسهم نواباً للإمام الغائب دون أن يكون لهم برهان على دعواهم هذه ويأخذون الأموال باسم سهم الإمام وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ (التوبة/ 34). فإذا كانت فكرة المهدية مفيدة لهؤلاء فإنها مضرة بعامة الناس. وقد قال ذلك العالم (القَطَري) المشار إليه أعلاه أن الشيعة كانوا مصدر تلك الفتن والمفاسد إذْ يحثُّون الناس على الاحتفال كل سنة بهذا الأمر ويضيئون المصابيح وينشدون الأشعار ويصرفون الأموال بالباطل انتظاراً لهذا الإمام فيشغلون الناس بأعمال لا طائل تحتها ويفرغون جيوبهم.

ثم يقول الشيخ «عبد الله بن زيد آل محمود» في (ص 7) من كتابه المذكور(4) :

«الأحاديث التي رواها أهل السنة إما لم تذكر اسم المهدي صراحة، أو ذكر فيها اسمه ولكنها ضعيفة السند، ولم ترو كتب الحديث الهامة مثل صحيحي البخاري مسلم أحاديث المهدي لِضَعْفها. وبعض أحاديث المهدي تقول «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»».

أقول: كما نصت على ذلك بعض أخبار الشيعة أيضاً، هذا في حين أن القرآن الكريم يدل على وفات عيسى وسائر الأنبياء، ولكنهم للأسف أبعدوا الناس عن القرآن.

ثم يقول [الشيخ آل محمود] في (ص9): «تقول بعض الأخبار إن ذلك المهدي هو المهدي بن أبي جعفر المنصور الدوانيقي، الذي مضى زمنه، ولا فائدة من ذكر مثل هذه الأخبار في الكتب، فمن الحماقة بمكان انتظار المهدي بن أبي جعفر المنصور الدوانيقي! (البرقعي: من المعلوم إذن أن بني العباس كانت لهم يَدٌ في وضع أحاديث المهدي، وكان من سياستهم وضع ونشر مثل هذه الأخبار).

وبعض هذه الأحاديث يذكر أن المهدي من أولاد الحسن بن علي. وأكثر الأحاديث كذلك. وقد ثار كثير من أولاد الحسن بن علي في قرون الإسلام الأولى بهذا الاسم وتحت هذه الذريعة، وكم جمعوا من الناس حولهم تحت هذا الشعار فأزهقوا أرواحهم , وأتلفوا أموالهم وأولادهم، هذا رغم أن الناس في قرون الإسلام الأولى كانوا عالمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا قادرين على تمييز الإمام الحق من الإمام الباطل، ورغم ذلك انخدعوا. فكيف يمكن للناس في زماننا هذا الذين لا علم لهم بكتاب الله أن يميزوا بين الإمام الصادق والإمام الكاذب؟».

ويقول في هذه الصفحة أيضاً:

«تقول أخبار الإمامية إن المهدي هو ابن الحسن العسكري، الذي اتفق المؤرخون على أنه مات ولم ينجب ولداً. واختلاف روايات المهدي أكبر دليل على أن المهدي لم يكن أمراً متفقاً عليه بل هو فكرة موضوعة ومختلفة فقد قامت كل جماعة بوضع أحاديث لنصرة مذهبها وتقوية مرامها. والعلماء الذين اعتبروا أحاديث المهدي موضوعة ومُخْتَلفة كثيرون منهم: أبو الأعلى المودودي الذي لم يعتبر هذه العقيدة [أي العقيدة بالمهدي] من عقائد كتاب الله اللازمة، ومنهم العلامة ابن خلدون والأستاذ محمد فريد وجدي في الجزء التاسع /ص 480 من دائرة معارفه(5)، والدار قطني، والحافظ الخبير الذهبي والسيد محمد رشيد رضا والعلامة البلاغي وآخرون.

ولكن ما العمل إذا كان تعصب الناس وجهلهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يمنعان الناس من إدراك حقائق الدين.

 

الدين الكامل لا يحتاج إلى مهدي ليكمله

ثم يقول في ص 14 من كتابه المذكور: «لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدينٍ كامل اسمه الإسلام وقال تعالى في الآية 3 من سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، ولم يذكر في كتابه المهدي ولم يشر إليه أدنى إشارة. فهل سيأتي المهدي بدين أفضل أم أنه والعياذ بالله أعلى مرتبةً وأهم من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم! إننا بامتلاكنا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في غنى عن المهدي ولا حاجة لنا به وليس لدينا نقص كي بأتي المهدي فيكمِّله أو يتمِّمه».

ثم يقول في ص 17: «جاء آلاف من العلماء الكبار وذهبوا وبذلوا جهودا كبيرة في سبيل نشر الدين وأوضحوا أصول الدين وفروعه دون أن يروا المهدي أو يكون لهم أي علم به وكان جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعون مسلمين دون أن يكون لأحدٍ منهم أي معرفة بالمهدي ودون أن يكون أحدهم قد سمع باسمه».

يقول الكاتب [البرقعي]: بل حتى أئمة الشيعة وأصحابهم لم يكن لهم معرفة بالأئمة الاثني عشر والإمام الغائب، وإذا وجدنا أخباراً قد انتشرت بين الشيعة في هذا الصدد في القرن الهجري الثالث فإنها كلها أخبار موضوعة ومختلفة كما أوضحنا ذلك في كتابنا «كسر الصنم».

ثم يقول [الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود] في الصفحة 20 من كتابه:

«لم يكن من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبداً أن يَعِدَ الناس بشخصٍ مجهولٍ غائبٍ وأن يفتح بذلك مجالاً لكل شخص ليدّعي أنه المهدي ويثور ويدفع الناس إلى القتل ويخلق الفتنة والفساد، فهذا بعيدٌ جداً عن نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم ».

ويقول في ص 21: «طبقاً لأخبار الشيعة إذا جاء الإمام الموهوم فإنه سيملك سبع سنوات وسيُقتَل بيد امرأة عجوز ذات لحية. فهل يجوز أن ينتظر الناس آلاف الأعوام لأجل ملك يدوم 7 سنوات فقط، وتقع بسبب هذا الانتظار كل هذه الفتن والفساد، ويتم إيقاع الناس في كل عصر في الفتن باسم المهدي».

ويقول في ص 22: «لما كان مُدَّعو المهدية كثيرين فقد رآهم علماء الشرق والغرب واتفقوا على أنه لابد من قتال مدعي المهدية للحيلولة دون هدم الإسلام كي لا يتمكنوا من العمل على تخريب الإسلام وإحداث بدعٍ بحجة المهدوية».

ويقول في ص 24: «إن مؤيدي فكرة المهدي من المبتدعة ومن الواجب دفع أصحاب هذه الفكرة وقتالهم».

وينقل في ص 25 عن كثير من متأخري العلماء ردّهم لأحاديث بدعة المهدي ويقول إن أحاديث المهدي فضلاً عن معارضة بعضها لبعض تتضمن متونها أموراً متناقضة علاوةً على أن رواة تلك الأحاديث ضعفاء ومجهولو الحال.

 

المهدي في كتب أهل السنة

وفي ص 28 إلى 40 يقول: «جميع أحاديث المهدي في كتب أهل السنة 11 حديثاً فقط ليس أكثر، ورغم أنها تكررت ذاتها في كتب عديدة إلا أن رواتها من الضعفاء علاوة على أن كل حديث يذكر للمهدي اسماً وأوصافاً غير ما يذكره الحديث الآخر، وكل منها يسمي المهدي باسم غير ما يسميه به الحديث الآخر. فأحد الأخبار يذكر بشكل مبهم أن الخلفاء عشرة، في حين يقول الخبر الثاني: إن الخلفاء إثنا عشر خليفةً كلهم من قريش بشكلٍ مبهم، وخبرٌ ثالث يقول: رجلاً وخبر رابع يقول: أجلى الجبهة أقنى الأنف والخبر الخامس: يقول من عترتي والخبر السادس يقول: رجل من أهل المدينة، والخبر السابع يقول: اسمه الحارث بن حرّان والخبر الثامن: رجل من قريش أخواله كلب والخبر التاسع: أن اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، والخبر العاشر يقول: اسمه محمد بن الحسن.

ويقول: أولاً هذه الأسماء لا تتطابق مع بعضها، وثانياً تُحيل إلى مجهول. ولا يمكننا بمثل هذه المتناقصات أن نثبت شيئاً ولا يجوز أن نضيِّع الناس ونخرب دنياهم وآخرتهم خلافاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

بعض الذين ادعوا المهدوية

ويشير ذلك العالم في ص 52 من كتابه المذكور إلى أسماء بعض مدعي المهدوية وأن من جملتهم: أبو طاهر الجنابي رئيس القرامطة الذي ظهر في أواخر القرن الثالث الهجري ودخل الحجاز وقتل كثيراً من الناس في مكة واستولى على الحجر الأسود ونهبه وخلع باب الكعبة وأخذه معه وكم من النفائس استولى عليها وذهب بها.

ومن جملتهم: محمد بن تومرت الذي كان رجلاً كذاباً وأزهق أرواحاً كثيرةً واستباح حرمات المسلمين وكم انتهك من أعراض.

ومنهم المهدي الملحد المدعو عبيد الله بن ميمون الذي كان جده يهودياً وقال أنا المهدي الموعود وجمع عوام الناس حوله واستولى على بلاد المغرب وحكم خلفاؤه باسم العبيديين دول المغرب مدةً وكم من بدعٍ ابتدعوها وكم من فسادٍ أحدثوه في الإسلام.

ومن جملتهم الشيخ أحمد الإحسائي الذي جاء باسم النائب الخاص للمهدي وأوجد مذهباً جديداً في إيران باسم مذهب الشيخية والكريم خانية والبالاسرية وكم سبَّب من قتل النفوس ونهب الأموال مما لا يعمله إلا الله.

ومن جملتهم سيد علي محمد الباب [الشيرازي] الذي أحدث مذهب البابية والبهائية واعتبر نفسه في بداية الأمر باباً للمهدي ثم ادعى المهدوية وكم أحدث من القلاقل في إيران وكم أدى إلى إزهاق النفوس ونهب الأموال والفساد والفتن التي لا تزال قائمة ومستمرة حتى اليوم.

وقد قام وثار أشخاص آخرون تحت هذه الأسماء أو باسم نواب المهدي ولم ينتج عن ذلك سوى الحروب والنزاعات.

يقول كاتب هذه السطور [البرقعي]: والآن حان الوقت لدراسة وتمحيص الأخبار التي وردت في كتب حديث الشيعة الإمامية عن المهدي، وأكبر كتاب جمع كل ما ورد في كتب الشيعة حول موضوع المهدي المنتظر هو كتاب «بحار الأنوار» للمجلسي حيث ذكر تلك الأخبار في المجلدات 51 و52 و53 [من طبعته الجديدة]. وسنقوم باستعراض ودراسة جميع أبواب ذلك الموضوع باختصار ونضع نتيجة التحقيق أمام القراء ونترك لهم الحكم بشأن قيمة الأخبار والروايات المذكورة في تلك المجلدات الثلاث، إذْ سيرون أنها روايات لا تتفق مع عقل ولا قرآن، بل إن الإنسان ليتعجب كيف أمكن للعلماء العقلاء أن يجمعوا مثل تلك الأخبار؟! فقليلٌ من التفكير يظهر للإنسان عدم صحة تلك الأخبار وأنها تلفيقات خرافية ولكننا مضطرون لأجل إظهار الحقيقة وتوضيحها أن نذكر طرفاً من تلك الأخبار الموضوعة التي يمكننا من الآن أن نقول إنه لا يوجد منها حتى حديث واحد صحيح السند.

سنقوم في هذا الكتاب بالتعريف برواة أخبار المهدي طبقاً لما ذكره علماء رجال الشيعة أنفسهم. فإذا قلنا إن الراوي الفلاني «مجهول الحال» فهذا معناه أن علماء الرجال الشيعة أنفسهم حكموا بأن حاله مجهول، والمجهول هو من لا يعلم أحدٌ شيئاً عنه ولا عن إسلامه ولا عن إيمانه ولا عن عدالته أو إنصافه. وإذا قلنا إن فلاناً «مهمل» فهذا أيضاً معناه أن علماء الرجال الشيعة الإمامية أنفسهم لم يذكروا اسمه أصلاً فأهملوا ذكره (أي لا وجود له أصلاً في كتب الرجال). وإذا قلنا عن راوٍ إنه «ضعيف» فمعنى ذلك أن علماء الرجال الشيعة مثل الشيخ الطوسي والمامقاني والعلامة الحلي والنجاشي «رحمهم الله» وأمثالهم اعتبروه ضعيفاً. والضعيف هو من كانت عقائده فاسدة أو كان فاسقاً في أعماله معروفاً بالفجور، أو هو من كان كذَّاباً وضاعاً وعدواً للدين. ولما كان كتاب «بحار الأنوار» قد جمع أكثر من أي كتاب روائي شيعي آخر جميع ما ورد من أخبار وما تفرق في الكتب من أحاديث وروايات حول موضوع المهدي لذا سنقوم بدراسة وتمحيص الأخبار التي وردت في المجلدات الثلاث منه [أي المجلدات 51 و52 و53] التي خصصت لهذا الموضوع.

المجلد 51 من بحار الأنوار:

يقول المجلسي في ص1: الإمام الثاني عشر «نور الأنوار». فأقولُ: هذه الصفة كلام باطل فالفلاسفة والشيخية اعتبروا بعقلهم الناقص أن الله خلق العقل الأول أو نور الأنوار فقط في حين أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ (الإنسان/2) فجميع الناس حتى الأنبياء خلقوا من نطفة وليس من نور.

وفي الصفحة 1 أيضاً يقول «خليفة الرحمن الحجة بن الحسن» معتبراً ذلك الشخص الغائب خليفةً لِلَّهِ، هذا في حين أن الله تعالى لم يغب ولم يمت ولم يذهب إلى أي مكان حتى يصحّ أن يكون له خليفة يخلفه! بل ليس لِلَّهِ تعالى مكانٌ محدود حتى يحل أحدهم مكانه كما لم يعطِ اللهُ مقامه لأي مخلوق حتى يأتي فيخلفه في مكانه ومقامه. وعندما قال الله تعالى لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة/30) فَهِمَ الملائكة المخاطبون أن اللهَ أراد أن يخلق كائناً يخلف الكائنات التي كانت من قبل تفسد في الأرض وتسفك الدماء فقالت متسائلةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟! (البقرة/30). وإلا فإن خليفة الله لا يُتوقَّع منه أن يفسد فيها ويسفك الدماء!

فلاحظ أيها القارئ العزيز كيف أن الخرافات بدأت منذ بداية الكتاب وفي خطبة مقدمته!

بالطبع يجب أن نعلم أن جميع الناس سواء المصلح منهم أم المفسد، وسواء المؤمن أم الكافر كلهم خلفاء ولكن ليس لِلَّهِ بل لمن سبقهم من البشر، فالناس في كل قرن وزمن خلفاء لمن كان قبلهم ووارثون للأجيال السابقة يرثون أرضهم وحضارتهم وما كانوا عليه لهم من قوة. بناء على ذلك كلنا على هذا المعنى خلفاء ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ...﴾ (فاطر/39) ولو كان الإنسان خليفةَ الله لما أمكن أن يكون كافراً. إذن لقد سمَّى الله تعالى الناس خلائف باعتبار أن كل جيل من الخلق يخلف الجيل الذي سبقه، وكل أمة تخلف سابقتها، تماماً كما سمَّى الليل والنهار بهذا الاعتبار خلفةً فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً (الفرقان/62).

 

المجلد 51 من بحار الأنوار

ص2 باب ولادته وأحوال أمه:

هنا نجد عدداً من الأقوال التي يناقض بعضها بعضاً:

فبالنسبة إلى سنة ولادته، يدل ما ذكره المجلسيُّ على أنه تاريخ مجهول لأنه يقول في ص4 وص15: إن ولادته كانت في سنة 256ه- ولكنه في ص2 يروي أن سنة ولادته كانت 255ه-!. وفي ص23 يقول إن سنة ولادته كانت 258ه-. في حين يذكر في ص25 إن سنة والدته كانت 257ه-. وفي ص16 يروي إن سنة ولادته كانت 254ه-. فمن مجموع هذه الروايات يتضح أن سنة ولادته مجهولة.

وأما يوم الولادة: فرُوي في ص2 أنه 15 شعبان وفي ص23 أنه 23 رمضان وفي ص24 أنه 9 ربيع الأول وفي ص19 روى عن حكيمة عمته أنه ولد في النصف من شهر رمضان!. وفي ص25 روى أن ولادته كانت 3 شعبان. وفي ص15 نقل أن ولادته كانت 8 شعبان. وفي ص16 روى أنه وُلد ليلة الجمعة من شهر رمضان. وفي ص19 نقل عن عمته حكيمة أنه لما ولد تكلم ونطق بالشهادتين وقرأ عدة آيات من القرآن الكريم، وهذا مخالف لقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً (النحل/78). إضافة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته ما كان يعلم شيئاً من آيات القرآن حتى سن الأربعين من عمره فكيف أمكن لهذا الطفل الذي هو أحد أفراد أمته (هذا إن كان له وجود) أن يعلم القرآن منذ ولادته؟!

والرواية رقم 14 نقلت عن حكيمة هذه ذاتها رواية بشكل مختلف، هذا في حين أن كتاب البحار ذاته ينص في موضع آخر على أن حكيمة لم ترَ الطفل أصلاً. وراوي الرواية 14 المشار إليها شخص مجهول يدعى «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيّ». فلاحظوا أي أخبار مكذوبة اختلقوا باسم الإسلام.

ليس من المعلوم من كانت أمه؟!

في ص2 روى عن أبي الحسن أن اسم أم المهدي «نرجس».

وفي ص5 روى أن اسمها «صيقل» أو «صقيل» وأنها ماتت في زمن حياة زوجها الإمام العسكري.

وفي ص7 روى أن اسم أمه «مليكة بنت يشوعا». وفي ص15 أورد حديثاً جاء فيه أن اسم أمه كان «ريحانة»، ورواية أخرى أن اسمها كان «سوسن»، وفي ص23 أن اسمها كان «حكيمة»، وفي ص24 أن اسمها كان «خمط»، وفي ص28 أنه كان «مريم بنت زيد العلوية».

وأما رواة هذا الباب وتلك الأحاديث فإليكم أحوالهم من وجهة نظر علماء الرجال الشيعة:

الرواية الأولى لا سند لها ولا مستند. والرواية الثانية تقول «أخبرني بعض أصحابنا» دون أن تبيِّن من هم هؤلاء الأصحاب ومن أي بلد هم؟ وهل كانوا عدولاً أم فسّاقاً؟ فهم مجهولون كلياً.

الرواية الثالثة رواها «الْحُسَيْنِ بْنِ رِزْقِ اللهِ» وهو مهمل لا ذكر له في كتب الرجل فلا ندري هل كان له وجود حقيقي أم لا، وهل كان مسلماً أم كافراً؟ فاسقاً أم عادلاً؟ صادقاً أم كاذباً؟! وقد روى عن «مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ» وهو أيضاً -طبقاً لكتب رجال الشيعة- مجهول. إذن لقد أتانا مجهول عن مجهول بإمام وحجة!! هذا بالنسبة إلى الرواة. وأما بالنسبة إلى متن تلك الروايات، فإن حكيمة بنت الإمام الجواد تقول: لقد حضرتُ ساعة ولادته وكنت قابلته ورأيته، ولكن المجلسيُّ يروي في ص364 من «بحار الأنوار» عن حكيمة هذه ذاتها أنها سُئلت هل رأيتِ ذلك الوليد للحسن العسكري؟ فأجابت: لم أره ولكنِّي سمعت به!.

أما الرواية الرابعة فراويها «الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ» وهو أيضاً مجهول ومذهبه غير معلوم.

والرواية الخامسة في سندها «عَلِيُّ بْنُِ مُحَمَّدٍ» مجهول الحال ومشترك بين عدة أشخاص.

الرواية السادسة رواها «الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ» الذي يقول عنه أهل الرجال «لا وجود لمثل هذا الشخص» أي أنه لم يُخْلَق أصلاً!. ونقل هو عن «نَسِيمٍ ومَارِيَةَ» وكلاهما مجهولان أيضاً. وهذان المجهولان قالا إن الطفل عندما وُلد عطس واعتبر نفسه حجَّةَ الله!! ولم يوجد يسأل هذين الراويين المجهولين أليس الله هو الذي يعلن حجية شخص؟ أم أن كل طفل صغير يمكنه أن يعلن أنه حجةُ الله؟. يؤكد القرآن أن لا حجة بعد الرسل، وهذا يعمّ كل إنسان طفلاً كان أم غير طفل وإماماً أم مأموماً.

الرواية السابعة: رواها عن «إِبْرَاهِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ» وهو مجهول مشترك بين عدة أشخاص، عن «نَسِيمٍ خَادِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع)» الذي لا يدري أحد من هو وما صفته؟ وهل كان عادلاً أم فاسقاً؟!

الرواية الثامنة: في سندها «نَسِيمٍ خَادِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع)» المجهول ذاته.

الرواية التاسعة: في سندها «إِسْحَاقُ بْنُ رِيَاحٍ الْبَصْرِيِّ» المهمل ومجهول الحال كما في كتب علم الرجال.

الرواية العاشرة: مروية عن «مَاجِيلَوَيْهِ» عن «أَبِي عَلِيٍّ الْخَيْزَرَانِيِّ» مجهول الحال والمذهب، عن أَمَةٍ لا نعلم شيئاً عن اسمها ولا عن صفتها.

حقاً إن الإنسان ليتعجب، ويتساءل أي حجة وأي أصل أو فرع للدين يمكن إثباته بتجميع مثل هذه الروايات المجهولة التي يرويها مجاهيل عن مجاهيل؟!

الرواية الحادية عشرة: رواها «ابْنُ المُتَوَكِّلِ» وهو اسم مجهول الهوية عن«أَبِي غَانِمٍ الْخَادِمِ» مجهول الحال ومجهول الاسم!

والرواية الثانية عشرة: مروية عن «أَبِي المُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيِّ» المجهول عن«مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ الشَّيْبَانِيِّ»(6) الذي كان من الغلاة القائلين بالتفويض وهي عقيدة تفضي إلى الكفر. عن «بِشْر بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاس» المجهول والمهمل في كتب الرجال.

إلا أن المامقاني أراد أن يوثق هذه الراوي الأخير بواسطة هذه الرواية التي تبين محاورته لأمَّ إمام الزمان وشرائه لها. ولكنه مشتبه في ذلك لأنه لا يمكن معرفة حاله من هذه الرواية ذاتها بل لا بد أن يكون حاله معروفاً من قبل وأن يكون ثقة كي تقبل روايته [ثم تصبح مستنداً لرفع جهالته]، وإلا فقد تكون الرواية موضوعة من أساسها. هذا فضلاً عن أن الرواية ذاتها تتضمن ذمه لأنه كان نخّاساً أي بائعاً للعبيد وقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النخّاس من أسوأ الناس وقال: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ النَّاسَ»(7) فانظروا كيف يريد أسوأ الناس أن يعرّفنا بأمّ الحجة!

الرواية الثالثة عشرة: رُويت عن هذا النخاس المجهول أيضاً فهي ضعيفة كسابقتها.

الرواية الرابعة عشرة: عن «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيل» مجهول لدى علماء الرجال عن مجهول آخر باسم «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ».

الرواية الخامسة عشرة: عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا» الذي اعتبره جميع علماء الرجال ضعيفاً من ناحية دينه.

الرواية 16، في سندها رجل مجهول الحال والاسم أي جاء بعبارة «عن رجل»!! فبالله عليكم هل يسمى مثل هذا حديثاً؟!

الرواية 17: عن «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ» أحد رواة الحديث رقم 14 المجهول ذاته.

الرواية 18: عن «مَاجِيلَوَيْهِ» عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ» مجهول الحال كما يقول علماء الرجال الشيعة، عن مجهول آخر باسم «الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ» عن «حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ» الذي لا ندري ما إذا كان له وجود حقيقي أم لا. وهو يقول لقد بُشّرتُ أن أبا محمد رُزق ولداً. ولا أحد يعلم من هو الذي بشره بهذا ولماذا بشره وماذا كان عمله؟! اليوم سكان إيران الذين يربو عددهم على الأربعين مليون نسمة يسمعون كل سنة من قراء المراثي والمدائح البشارة بولادة المهدي فهل يا ترى هذه البشارة لحفظ الدكان أم أن المبشرين رؤوا المهدي فعلاً ويقومون بهذا التبشير قربةً إلى الله!! ثم إن هذا الراوي المجهول يقول إن ذلك الطفل يُكَنَّى بأبي جعفر وهذا يخالف ما جاء في روايات أخرى من أن كنيته هي كنية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاتها، ونحن نعلم أن كنية رسول الله لم تكن أبا جعفر، كما أن ذلك الراوي لم ير ذلك الطفل بعينه، وهذا هو حال رواة جميع الروايات الثماني عشر التي ذكرناها حيث لم ير معظمهم أو كلهم ذلك الطفل.

الرواية 19: عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا» الذي أجمع علماء الرجال على تضعيفه كما مرّ في الحديث رقم 15، عن «مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلَانَ » مجهول الحال، عن أبيه عن جده مجهولي الحال عن «غِيَاثِ بْنِ أَسَدٍ» مجهول الحال أيضاً.

فانظروا إلى هذه الروايات المروية عن مجاهيل، هل يسوى مئة ألفٍ منها فلساً واحداً؟!

حسناً فماذا قال «غِيَاثُ بْنُ أَسَدٍ» المجهول هذا؟ لقد قال فيما قاله: «لَمَّا وُلِدَ الْخَلَفُ المَهْدِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ سَطَعَ نُورٌ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ثُمَّ سَقَطَ لِوَجْهِهِ سَاجِداً لِرَبِّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وهُوَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ..»!! فحتى لو لم يكن ذلك الراوي مجهولاً لما أمكن قبول كلامه الخرافي هذا.

الرواية 20: رواتها رواة الرواية 19 ذاتهم ولكننا نجد هنا فكرة خرافية أخرى وهي قول الرواية أن أمهات الأئمة لا يصيبهم نفاس ولا يرون دمه! أي أنهم ليسوا كسائر البشر، وهذا يخالف آيات الله التي يقول تعالى لنبيه فيها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (الكهف/110).

والعجيب أنه يذكر في ص19 حديثاً عن حكيمة فيه أنها لما ذهبت في اليوم الثالث رأتها في حالة النفاس!! فكيف يمكننا أن نقبل بهذه الروايات المتعارضة والمتناقضة.

الرواية 21: عن «أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْقُمِّيِّ» مجهول الحال.

الرواية 22: عن «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ» مجهول الحال الذي قال: إنني هنأت الإمام العسكري بولادة ابنه، حسناً فهل رأى ذلك الولد أم لا؟ الرواية ساكتة. فما فائدة التهنئة وحدها؟ لا شيء.

الحديث23: عن «عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابٍ» مجهول الحال. فهل يثبت شيء برواية المجاهيل؟

الحديث 24: عن «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ» المجهول الذي روى الحديث 22.

الحديث 25: يروي عن حكيمة أنها رأت الطفل وولدته في حين أنه في ص364 رواية عنها بأنها لم تر ولم تسمع وكذَّبت هذا الحديث!.

الحديث 26: روى عن «علي بن سميع بن بنان» مجهول الحال ومهمل. قال أنه رأى حكيمة أم المهدي في حال النفاس وهذا مناقض للرواية 20.

الحديث 27: عن «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ» عن «حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا» وكلاهما مجهول الحال في كتب رجال الشيعة. فالحديث كالأحاديث السابقة لكنه يتضمن خرافة لا توجد فيها وهي قوله أن المهدي كان ينمو كل يوم بمقدار سنة بما معناه أن الطفل الذي وُلد منذ خمسة عشر يوماً يصبح عمره خمسة عشرة عاماً يعني أنه ليس بشراً مثلكم بل بشرٌ غيرُكُم!

الحديث 28: عن «حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا» مجهول الحال ذاته. وقد نصَّ جميع علماء الشيعة على أن حديث الراوي المجهول لا يصح ولا يُعتمد عليه فكيف جمع المجلسيُّ روايات المجاهيل هذه لاسيما في موضوع حساس هو في نظرهم أصلٌ من أصول الدين والعقائد؟

الحديث 29: ذُكر دون بيان راويه بل جاء بصيغة «رُويَ» فلا يعلم أحدٌ اسم راويه ولا حاله ولا مذهبه بل لا نعلم هل له وجود فعلي أم لا؟ وقد روى عن بعض أخوات أبي الحسن لكنه لم يبين من هنّ؟؟ فهي إذن رواية شخص مجهول الاسم والصفة عن آخرين مجهولي الاسم والصفة!.

الحديث 30: رَوَى عَلَّانٌ بِإِسْنَادِهِ، ولا نعلم من هو علان وما هو إسناده؟! وقد روى أموراً لا بد أن يوضح التاريخ صدقها من كذبها مع أننا لا نجد أي إشارة في التاريخ إليها، وهي أنه السيد (أي المهدي) ولد بعد سنتين من وفاة أبي الحسن. ولا بد أن نسأل هنا: أيُّ سيد؟ وأيُّ أبي الحسن؟. فنحن لم نكن وقت الرواية حتى نسأل، وعلان الراوي لم يسأل أيضاً فإذا كان مقصوده من أبي الحسن الإمام العسكري وأن ابنه ولد بعد سنتين من وفاته فهذا دليل على أن الرواية كذب لأنه لا يوجد طفل يبقى في رحم أمه سنتين. فلا أدري لماذا يقوم علماء الشيعة هؤلاء بجمع مثل هذه الروايات التي كَذِبُها مسلَّمٌ وأوضحُ من الشمس؟!!

الحديث 31: يرويه «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ» عديم الدين الذي يروي المجلسي ذاته أنه ادعى النيابة فصدرت توقيعات عن الإمام في لعنه، وأراد أن يشارك «الحسين بن رَوْح»(8) في أخذ الأموال الشرعية فلعنه «الحسين بن رَوْح». هذا الشَّلْمَغَانِيُّ كان [يتظاهر بأنه] من العلماء والمؤلفين لكتب الشيعة ولكنهم لما لم يعطوه وكالة ولا رئاسة أظهر كفره. فإذا عرفنا ذلك فقد رُويت هذه الرواية والرواية التالية رقم 32 عن هذا الشخص عن شخص مجهول آخر عن الإمام العسكري أن الإمام أرسل له شاتين عقيقة وأمره بأن يأكل منهما ويطعم الآخرين، ولا ندري ما هو المقصود من ذكر هذا الحديث وماذا يريد المجلسي أن يثبت بهذه الرواية الضعيفة المبهمة؟

الحديث 33: من رجال سنده «الْخَشَّاب» وهو مهملٌ ومجهولٌ. وأما متن حديثه فيقول: «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ حَتَّى إِذَا مَدَدْتُمْ إِلَيْهِ حَوَاجِبَكُمْ وأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَذَهَبَ بِهِ ثُمَّ بَقِيتُمْ سَبْتاً مِنْ دَهْرِكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيّاً مِنْ أَيٍّ واسْتَوَى فِي ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَيْنَمَا أَنْتُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَطْلَعَ اللهُ نَجْمَكُمْ فَاحْمَدُوهُ واقْبَلُوهُ».

وعلينا أن نسأل ما هي علاقة هذا الحديث بالمهدي؟!

الحديث 34: مرويٌّ عن «مُنَجِّمٍ يَهُودِيٍّ بِقُمَّ» وكلنا يعلم أن اليهود أعداء الإسلام فأي فائدة نرجوها من رواية يهودي؟! إضافة إلى ذلك فقد روى الشيعة أنفسهم نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تصديق العرافين والمنجمين وأن من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر(9). فهل يمكن اعتبار مثل هذه الروايات سنداً وحجة؟!!

الحديث 35: رواه صاحب «كشف الغمَّة»(10) قائلاً إن شخصاً (مجهولاً) روى عن الإمام العسكري... - هذا رغم أنه هناك عدة قرون تفصل بين صاحب «كشف الغمَّة» والإمام العسكري!! - أن الحجة بن الحسن (المهدي) ولد في «سرّ من رأى» سنة 258ه-. ولكن قراء مراثي العزاء في إيران يروون ما يخالف ذلك بعد مضي سنوات عديدة على ذلك النقل فما فائدة هذه الرواية إذن؟! ومثلها الرواية 36 المنقولة عن كتاب «الإرشاد» للشيخ المفيد مع أنه كتاب تاريخي ومع أن الشيخ المفيد متأخر عن الإمام العسكري بقرنين من الزمن!.

كذلك الحديث 37: منقول عن كتاب «كشف الغمة». فهل تقوم الحجة بالنقل عن مثل تلك الكتب؟! لا بالطبع، إلا أن نقول إن كل ما ذُكر في كتب التاريخ فهو حجة دينية. وهنا ينقل المجلسي عن كذاب يدعى «سهل بن زياد» أموراً تخالف العقل والقرآن من جملتها أنه عندما يولد الإمام يظهر عامود من نور يستطيع من خلاله أن ينظر إلى الخلائق وإلى أعمال الناس وأن يرى أفعالهم!!.

يقول كاتب هذه السطور: لماذا لم يظهر عامود النور هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولماذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي علم بأعمال الناس بل لم يكن يعلم حتى بأعمال جيرانه، ثم أليس اللهُ ستاراً للعيوب؟!! هنا ينقل المجلسي أنه لما أرادت «حكيمة» أن تلد في الليل لم يكن يُشاهَد في بطنها أي علامات للحمل فتعجب الإمام فقالت له: لا تعجب نحن الأوصياء لا نحمل الجنين في بطوننا بل في جنوبنا، ولا نخرج من الأرحام بل من نخرج من فخذ أمنا اليمنى!!. وينبغي أن نقول هل تثبت حجة بكتابة مثل هذه الخرافات.

إذن الخلاصة أننا لم نصل بعد إلى أي شيء في هذا الباب فكل رواياته ضعيفة ورواته مجهولون أو فاسدو العقيدة. فلنبدأ بدراسة الباب التالي.

باب أسمائه وألقابه وكناه وعللها:

الحديث 1: مروي عن أكذب الخلق «مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ»(11) وهو يرويه بواسطة واحدة «عمّن ذكره» دون أن يبين اسم هذا الذي ذكره ولا هويته! وينسب إلى الإمام الباقر قوله: «لَمَّا قُتِلَ جَدِّيَ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ضَجَّتِ المَلَائِكَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِالْبُكَاءِ والنَّحِيبِ وقَالُوا إِلَهَنَا وسَيِّدَنَا أَتَغْفَلُ‏ عَمَّنْ قَتَلَ صَفْوَتَكَ وابْنَ صَفْوَتِكَ وخِيَرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَيْهِمْ قَرُّوا مَلَائِكَتِي فَوَ عِزَّتِي وجَلَالِي لَأَنْتَقِمَنَّ مِنْهُمْ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ ثُمَّ كَشَفَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ (ع) لِلْمَلَائِكَةِ فَسَرَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ فَإِذَا أَحَدُهُمْ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الْقَائِمِ أَنْتَقِمُ مِنْهُمْ!». لنا أن نسأل إن هذا الكلام – ضجيج الملائكة وخطابهم لِلَّهِ وما قاله الله لهم..الخ -كله من الأمور المغيبة ولا يمكن لأحد أن يعلمها إلا من طريق الوحي، فهل كان يوحى إلى الإمام الباقر (ع)؟؟ كيف ذلك وقد قال الإمام عليٌّ (ع) [عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم] في نهج البلاغة «ختم به الوحي»، أي أن الوحي اختُتم بنبيّ الإسلام، فكيف علم الإمام الباقر ببكاء الملائكة. هل هناك قول باطل أكثر من هذا.

الحديث 2: عن «الحسن بن علي الكوفي» مجهول الحال عن مجهول آخر وهو عن مجهول ثالث عن «عمرو بن شمر». لاحظوا بالله عليكم: مجهولٌ عن مجهولٍ عن مجهولٍ، ألم يكن لمُدَوِّني تلك الروايات عمل وشغل؟ وأما متن الرواية فجاء فيه: «وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الدُّنْيَا كُلُّهَا مَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِهَا فَيَقُولُ لِلنَّاسِ تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدِّمَاءَ ورَكِبْتُمْ فِيهِ مَحَارِمَ الله فَيُعْطِي شَيْئاً لَمْ يُعْطِ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ..» فأقول : أجل يمكن للرواة أن يخترعوا ما يريدونه ومن الواضح أن هذه الروايات كُتِبَت لتطميع الناس.

الحديث 3: لا سند له أصلاً. ومتنه يقول: «سُمِّيَ الْقَائِمُ (ع) قَائِماً لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَوْتِ‏ ذِكْرِهِ». فيجب أن نسأل ما الفائدة من هذا الكلام وما الذي يثبته ومن هو قائله أساساً؟؟

الحديث 4: عن «ابْنِ عُبْدُوسٍ» مجهول الحال وهو عن مجهول آخر عن مجهول ثالث عن مجهول رابع عن الإمام الرضا أنه سُئِلَ: «فَمَنِ الْإِمَامُ بَعْدَ الْحَسَنِ؟ فَبَكَى (ع) بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْ بَعْدِ الْحَسَنِ ابْنَهُ الْقَائِمَ بِالْحَقِّ المُنْتَظَرَ..»، ولا ندري الذي أبكاه؟ ليس في الرواية ما يوضح ذلك!

الحديث 5: مرفوع دون ذكر راويه!

الحديث 6: رواه عن «عَبْدِ اللهِ بْنِ الْقَاسِمِ الحَضْرَمِيِّ» المجهول أو الضعيف ولا يحتوي متنه على أي فائدة.

الحديث 7: كالحديث السابق.

الحديث 8: رواه راوٍ مجهول دون بيان الرواة قبله عن الإمام الباقر أنه قال إن آية ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا... ﴾ (الإسراء/33) نزلت في الإمام الحسين عليه السلام! أفلم يوجد من يقول لأولئك الرواة الكذبة: إن «قُتِل» فعل ماضٍ وحين نزلت هذه الآية لم يكن الإمام الحسين مظلوماً ولم يُقتَل بعد، والآيات التشريعية في القرآن لا تختصُّ بأشخاص معينين.

الحديث 9: نقله عن «كشف الغمة» الذي كُتب في القرن السابع(12) حيث روى عن أناس مجهولين أن كنية المهدي هي «أبو القاسم» وأن له اسمان، ولا نعلم ما هو مستنده في ذلك.

تلك هي أحاديث هذا الباب وهي كما لاحظنا لا تفيدنا شيئاً ولا تبين لنا مجهولاً.

باب النهي عن التسمية:

الحديث 1: بسنده عن «أبي خالد الكابلي» أنه سأل الإمام الباقر فقال: «جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ وَصَفَ لِي أَبُوكَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ بِصِفَةٍ لَوْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لَأَخَذْتُ بِيَدِهِ. قَالَ: فَتُرِيدُ مَاذَا يَا أبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُسَمِّيَهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ بِاسْمِهِ! فَقَالَ: سَأَلْتَنِي وَالله يَا أبَا خَالِدٍ عَنْ سُؤَالٍ مُجْهِدٍ...»

أولاً: من الواضح أن أغلب رواة أمثال هذه الروايات كانوا أشخاصاً بسطاء وأميين ومجهولين، فما معنى السؤال عن اسم وصفة صاحب الأمر؟ إذا كان يقصد بصاحب الأمر المهدي فإنه لم يكن له وجود زمن الإمام الباقر، فما الفائدة من السؤال عن صفته؟ هل يريد السائل أن يعرفه حتى إذا صادفه في الطريق يأخذ بيده؟!

ثانياً: الرواية تذكر أن الإمام أجب السائل قائلاً: سَأَلْتَنِي وَالله يَا أبَا خَالِدٍ عَنْ سُؤَالٍ مُجْهِدٍ!...، أفلم يقل له السائل: بل إنه أمر بسيط جداً وسؤال في غاية السهولة، فأين صعوبته، هل هو معادلات هندسية؟! لاحظوا متن الرواية، لا السؤال فيها معقول ولا الجواب.

حديث 2: عن رجل مجهول عن «أبي هاشم الجعفري». وأبو هاشم هذا رجل مضطرب الحديث نجد في رواياته تناقضات كثيرة. ففي الكافي يروي عن الإمام الجواد أنه دله على اسم الإمام الثاني عشر وصفته وهويته. ولكنه هنا وبعد مدة روى عن الإمام الهادي أنه لم يعرِّفْه «بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الخَلَفِ»، واكتفى ببيان أنه لا يحل ذكر اسمه. ولا ندري ما السر في تحريم اسمه؟! إذا كان هو الخوف عليه فهو لم يكن موجوداً بعد في زمن أبي هاشم. هنا يقول المجلسي أنه قد صُرِّح باسمه في خبر اللوح. فينبغي أن نقول إن خبر اللوح كذب من أساسه، وقد بيّنا كذبه في كتابنا «كسر الصنم» حيث ذكرنا هناك 28 دليلاً على كذبه فلْيُراجَعْ ثَمَّةَ. وباختصار، لقد أتى المجلسي في هذا الباب بثلاث عشرة رواية كلُّها تنصُّ على أن ذكر اسم المهدي ممنوع ومحرَّم، فنسأل لماذا كان محرماً؟ هل هذا التحريم من الله وما الدليل عليه؟!

ثانياً: هل هكذا تكون حجَّةُ الله، لا يستطيع أحد أن يذكر اسمه ولا يرى شخصه؟! ينبغي أن نقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام/144).

ثم إذا كان ذكر الاسم حراماً أمام الأعداء خوفاً من أذاهم فما وجه حرمته أمام الأصدقاء؟! وإذا كان ذكر اسمه حراماً فلماذا ذكر الأئمة السابقون اسمه في رواياتهم – الموضوعة على ألسنتهم بالطبع –؟ ومن العجيب ما جاء في الخبر 13 من أن عُمَرُ سَأَلَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ‏ (ع) عَنِ المَهْدِيِّ فقَالَ: «يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَهْدِيِّ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: أَمَّا اسْمُهُ فَلَا! إِنَّ حَبِيبِي وَخَلِيلِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُحَدِّثَ بِاسْمِهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ!...». فينبغي أن نقول: أولاً: إن الله لا يبعث إماماً فالبعثة مختصة بالرسل، وثانياً: ليس في دين الإسلام أمورٌ سرِّيَّةٌ يقولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه ويكتمها عن بعضهم الآخر، بل لقد أبلغهم جميعاً على حدٍّ سواء كما جاء في قول الله لِنِبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (الأنبياء/ 109) وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ المُبِينُ (العنكبوت/18).

باب صفاته وعلاماته ونسبه:

الخبر 1: رواه «مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ» مجهول الحال عن «أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ» الفاسق عن «بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَصْرِيِّ» مجهول الحال أيضاً، هؤلاء المجاهيل روى بعضهم عن بعض عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «لَا يَكُونُ الْقَائِمُ إِلَّا إِمَامَ بْنَ إِمَامٍ..».

قلتُ: حسناً، فأي إمام يقصدون؟ إذا كان المقصود إمام هداية فهم آلاف مؤلفة وإذا كان المقصود الرئيس والحاكم، قلنا إن كل رئيس وحاكم يعتبر نفسه إماماً فالإمام في اللغة يأتي بمعنى الحاكم والممسك بزمام السلطة. فهذا الخبر مثله مثل من يقول إن اللبن أبيض!

الخبر 2: رواه «الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ» المجهول عن «مُوسَى بْنِ هِلَالٍ الضَّبِّيِّ» عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) إِنَّ شِيعَتَكَ بِالْعِرَاقِ كَثِيرٌ ووَاللهِ مَا فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلُكَ كَيْفَ لَا تَخْرُجُ؟ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَطَاءٍ! قَدْ أَمْكَنْتَ الْحِشْوَةَ مِنْ أُذُنَيْكَ واللهِ مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ! قُلْتُ: فَمَنْ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: انْظُرُوا مَنْ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ فَهُوَ صَاحِبُكُمْ».

قلتُ: ولكن الشيعة تدّعي أنها تعرف ولادته وقد أوردوا أخباراً في كتبهم حول ولادته؛ إذن كل تلك الأخبار كاذبة بناء على قول الإمام الباقر (ع) [في هذه الرواية].

الخبر2: رغم أن هذا الخبر هو الخبر الثالث إلا أن المجلسي سَهى فاعتبره الخبر الثاني! والخبر رواه «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ» - وهو من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين - عن مجهول يُدعي «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ المُقْرِي» عن فاسق يدعى «عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ» عن مجهول ثانٍ باسم «بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ» عن مجهول ثالث باسم «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ» عن مجهول رابع باسم «سُفْيَانَ الْجَرِيرِيِّ» أنه قال: قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى – وهو ضعيف في رأي المامقاني – يَقُولُ: واللهِ‏ لَا يَكُونُ المَهْدِيُّ أَبَداً إِلَّا مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ (ع).

قلتُ: إن ابن أبي جعفر المنصور الدوانيقي [الخليفة العباسي] كان اسمه المهدي، مما يظهر أن الراوي أقسم كذباً. وأي حديث هذا الذي يخالف الواقع فلدينا في زمننا هذا مئات آلاف السادة وقراء المراثى اسمهم «المهديّ» مع أنهم ليسوا من أولاد الحسين (ع)(13)!

الخبر 3: بالإسناد ذاته عن مجهول عن مجهول آخر عن مجهول ثالث (حسب قول المامقاني) عن «زيد بن علي» أنه قال: «المُنْتَظَرُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ».

فأقولُ: نعم، ولكن «زيد بن علي بن الحسين» كان يعتبر نفسه إماماً وكان يقول: «ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى عليه ستره وثبط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه»(14)، ولم يكن يعتقد بإمامة أخيه الإمام الباقر (ع)، فمن المضحك حقاً أن يستدل الشيخ الطوسي والعلامة المجلسيُّ بكلام منسوب إليه على مهديهما الموهوم.

الخبر 4: رواه «الأسدي» - وهو من الغلاة - عن «البرمكي» المغالي أيضاً بل الكذاب والملعون، عن عليٍّ عليه السلام خبراً موضوعاً يقيناً يقول فيه الإمام: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً مُبْدَحُ الْبَطْنِ عَرِيضُ الْفَخِذَيْنِ عَظِيمٌ مُشَاشُ المَنْكِبَيْنِ.... الخ».

قلتُ: وهذه الأوصاف يمكن أن تنطبق على آلاف الأشخاص. ثم ما هي فائدة هذا النقل وأي أصل للدين أو فرع يثبت به؟ لا شيء بالطبع. وفي هذا الخبر، وبعد أن يذكر أوصاف الخارج وأن يفعل كذا وكذا يقول: «فَإِذَا هَزَّ رَايَتَهُ أَضَاءَ لَهَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا صَارَ قَلْبُهُ أَشَدَّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ وأَعْطَاهُ اللهُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً ولَا يَبْقَى مَيِّتٌ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَرْحَةُ فِي قَلْبِهِ وفِي قَبْرِهِ وهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي قُبُورِهِمْ ويَتَبَاشَرُونَ بِقِيَامِ الْقَائِمِ (ع)!».

الخبر 5: مهملٌ أكثر من جميع الأخبار التي سبقته لأن رواته المجاهيل جميعاً نقلوا عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «إِنَّ الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَنْبُتُ فِي قَلْبِ مَهْدِيِّنَا كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ عَنْ أَحْسَنِ نَبَاتِهِ فَمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ حَتَّى يَلْقَاهُ فَلْيَقُلْ حِينَ يَرَاهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ والنُّبُوَّةِ ومَعْدِنَ الْعِلْمِ ومَوْضِعَ الرِّسَالَةِ. ورُوِيَ أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى الْقَائِمِ (ع) أَنْ يُقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللهِ فِي أَرْضِهِ.».

أقول: العلم علمان: إما وهبي عن طريق الوحي أو اكتسابي عن طريق التعلُّم، فيا تُرى أي نوع من العلم هذا الذي يَنْبُتُ فِي قَلْبِ مَهْدِيِّنَا كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ؟!! وثانياً: هل كان أصحاب الباقر يتوقعون لقاء المهدي الذي لم يكن قد ولد وبعد؟ وثالثاً: ما معنى «بقية الله»؟ وهل لِلَّهِ تعالى أجزاء وبقايا؟؟ لقد نسبوا إلى الإمام كُلَّما هوته أنفسهم، ولما كان معظمهم أميين فلا تعجب من أن يأتوا بمثل هذه الكلمات غير المعقولة.

الخبر 6: تكرارٌ للخبر 13 الذي جاء في الباب السابق، فما هو المقصود من تكرار هذه الأخبار سوى تضييع الوقت!!

الخبر 7: هو الخبر الثاني من هذا الباب ذاته والذي بيَّنَّا أنه لا اعتبار له، حيث ينسب إلى الإمام الباقر أنه بعد قوله: «لَا واللهِ مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ » قال: «ولَا يُشَارُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا بِالْأَصَابِعِ ويُمَطُّ إِلَيْهِ بِالْحَوَاجِبِ إِلَّا مَاتَ قَتِيلًا أَوْ حَتْفَ أَنْفِهِ...».

قلتُ: فهل هذا يُعَدُّ حديثاً؟! لا أدري كيف يكرِّرُ المجلسيُّ مثل هذه الخرافات؟!

الخبر 8: هذا الخبر مخالفٌ لمذهب الشيعة الإمامية الذين يحصرون «أولي الأمر» بأئمتهم الاثني عشر ويعتبرون كل واحد منهم «صاحب الأمر» ولكن هنا يقول الراوي للإمام الرضا «إِنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ» فينفي الإمام الرضا ذلك عن نفسه ويقول: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَ الْكُتُبُ إِلَيْهِ وأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ وسُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ وحُمِلَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ لِهَذَا الْأَمْرِ غُلَاماً مِنَّا خَفِيَّ الْمَوْلِدِ».

قلتُ: قول الرضا (ع): «إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» مخالفٌ للمشهور لدى الشيعة الذين يروون أن الأئمة قالوا: «ما منا إلا مسموم أو مقتول» فكيف لم ينتبه المجلسيُّ إلى هذا الأمر وأتى بهذا التناقض؟

الخبر 9: رواه «عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى» مجهول الحال والمذهب عن مجهول آخر باسم «عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ» عن أبيه المجهول أيضاً قال: «لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (ع) فَقُلْتُ لَهُ :.... مَتَى الْفَرَجُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّرِيدَ الطَّرِيدَ الْفَرِيدَ الْوَحِيدَ الْفَرْدَ مِنْ أَهْلِهِ المَوْتُورَ بِوَالِدِهِ المُكَنَّى بِعَمِّهِ هُوَ صَاحِبُ الرَّايَاتِ واسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ».

قلتُ: فلينظر القارئ: هل يفيد هذا الخبر علماً أو يحل لنا مشكلة؟ كلا والله.

الخبر 10: مجهول عن مجهول عن مجهول آخر روى الخبر السابق المهمل ذاته.

الخبر 11: عدد من المجاهيل روى أحدهم عن الآخر الخبر المهمل رقم 9 عينه.

الخبر 12: يروي [عن عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاصِلَةَ] أنه قال: «إن مطلوبكم يخرج من مكة

قلتُ: هذه الرواية لا تفيد شيئاً فكم من الأشخاص خرجوا من مكة؟! فليس في هذه الصفة أي خصوصية أو تميز، لاسيما أن الرواية لم يتبين اسم الخارج ولا وصفه بل تركته مبهماً. فمثلاً محمد بن الإمام جعفر الصادق (ع) خرج من مكة مدعياً الإمامة فقُتل.

الخبر 13: من رواته «أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ» الخبيث الملعون. ومتنه: «إِذَا تَوَالَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ وعَلِيٌّ والْحَسَنُ كَانَ رَابِعُهُمُ الْقَائِمَ (ع)».

قلتُ: هل يمكننا قبول خبر مثل ذلك الراوي الذي لعنه الإمام؟

الخبر 14: رواه «مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ المَدِينِي» مجهول الحال عن «دَاوُدَ الرَّقِّيِّ» من الغلاة، أن الإمام الصادق (ع) قال له: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ آيَسُ مَا يَكُونُ وأَشَدُّ غَمّاً يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِ الْقَائِمِ واسْمِ أَبِيهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا اسْمُهُ قَالَ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ واسْمِ أَبِيهِ اسْمُ وَصِيٍّ».

قلتُ: هذه الرواية إضافة إلى إحالتها إلى شخص مجهول، تخالف ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله عن المهدي: «اسم أبيه اسم أبي».

الخبر 15: روى «عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ» مجهول الحال أن الإمام الباقر (ع) حدثه بأسلوب الألغاز والأحاجي فقال: «صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ أَصْغَرُنَا سِنّاً وأَخْمَلُنَا شَخْصاً! قُلْتُ: مَتَى يَكُونُ؟؟ قَالَ: إِذَا سَارَتِ الرُّكْبَانُ بِبَيْعَةِ الْغُلَامِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْفَعُ كُلُّ ذِي صِيصِيَةٍ لِوَاءً!». وقد علَّق المجلسيُّ على الحديث فقال:

«بيانٌ: أصغرنا سنَّاً أي عند الإمامة. قوله: سارت الركبان أي انتشر الخبر في الآفاق بأن بويع الغلام أي القائم (ع). والصيصية: شوكة الديك وقرن البقر والضباء والحصن وكل ما امتنع به وهنا كناية عن القوة والصولة». يعني أنه فكّ اللغز الذي ذكره الإمام، فإذا تساءلنا فما الفائدة من التحديث بذلك الشكل الملغز؟ ربما أجابوا: وماذا يخصك أنتَ من هذا؟!

الخبر 16: رواه عدة من مجهولي الحال ومتنه: «يَقُومُ الْقَائِمُ ولَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِأَحَدٍ».

قلت: أكثر الناس تنطبق عليهم هذه الصفة فما هو التميُّز إذن؟! ومثله الخبر التالي رقم17.

الخبر 18: سأل: «شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ» - المجهول الذي لم يكن مؤمناً بإمام - الإمام الصادق «أََنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ؟ فقال: لَا! قُلْتُ فَوَلَدُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا! قُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا!. قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: الَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً لَعَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَأْتِي كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بُعِثَ عَلَى فَتْرَة».

قلتُ: فهل يجرؤ أحدنا أن يسأل: نحن منذ أكثر من ألف عام في فترة من الأئمة فأين الإمام الموعود ولماذا لم يأتِ إلى الآن؟

الخبر 19: رواه «عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى» عَنْ «بَعْضِ رِجَالِهِ» (من هم هؤلاء الرجال؟ وما حالهم وصفتهم؟ لا أحد يدري) عَنْ «إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ظُهَيْرٍ» مجهول الحال عن مجهول آخر يدعى «إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ». فبالله عليكم هل هذا يُعَدُّ سنداً؟؟

وأما متنه ففيه: «نَظَرَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ إِلَى الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَيِّداً وسَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلًا بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ والْخُلُقِ يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وإِمَاتَةٍ لِلْحَقِّ وإِظْهَارٍ لِلْجَوْرِ واللهِ لَو لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ... الحديث».

قلتُ: ما معنى لَو لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ؟ ولماذا تضرب عنقه؟ ومن الذي سيضرب عنقه؟ ولماذا أقسم الإمام على ذلك؟ أسئلة لعل إجابتها في بطن الراوي الوضَّاع.

الخبر 20: شخص مجهول باسم «أحمد بن هوذة» يروي أن شخصاً يُدْعى «حمران» قال للإمام الباقر: «سَأَلْتُكَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ والْقَائِمُ بِهِ؟؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي؟ فَقَالَ: ذَاكَ المُشْرَبُ حُمْرَةً الْغَائِرُ الْعَيْنَيْنِ الْمُشَرَّفُ الْحَاجِبَيْنِ عَرِيضٌ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ... الحديث».

قلت: فينبغي أن نقول للمجلسيِّ وغيره مِمَّن روى هذا الخبر: أولاً هذا الخبر مناقض لعقيدتكم حيث تعتبرون كل واحد من الأئمة الاثني عشر ولي الأمر وصاحب الأمر. وثانياً: الصفات المذكورة فيه للمهدي يوجد نظيرها لدى كثير من الناس فيا ترى هل كل من توفرت فيه هذه الأوصاف يكون صاحب الأمر؟!!

الخبر 21: كسابقه يرويه مجهول عن مجهول آخر ومتنه مبهمٌ لا فائدة فيه.

الخبر 22: يرويه مجهولٌ باسم «الحسين بن أيوب» عن مجهول آخر حتى يصل السند «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) أَوْ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) الشَّكُّ مِنِ ابْنِ عِصَامٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! بِالْقَائِمِ عَلَامَتَانِ شَامَةٌ فِي رَأْسِهِ ودَاءُ الْحَزَازِ بِرَأْسِهِ وشَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ تَحْتَ كَتِفَيْهِ وَرَقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةِ الْآسِ ابْنُ سِتَّةٍ وابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ».

ثم قال المجلسيُّ في شرحه: «بيانٌ: لعلَّ المعنى ابن ستة أعوام عند الإمامة أو ابن ستة بحسب الأسماء فإن أسماء آبائه (ع) محمد وعلي وحسين وجعفر وموسى وحسن ولم يحصل ذلك في أحد من الأئمة (ع) قبله». ثم أضاف يقول: «مع أن بعض رواة تلك الأخبار من الواقفية ولا تقبل رواياتهم فيما يوافق مذهبهم».

ولا ينقضي العجب من المجلسيُّ الذي يروي هذه الأخبار عن الواقفة أي عمَّن لا يؤمنون بإحدى عشر إمام فضلاً عن إيمانهم بالإمام [الثاني عشر] القائم الغائب، ليثبت به الإمام الثاني عشر!.

الخبر 23: يرويه «مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ قَيْسٍ» مجهول الحال الذي لا نعلم شيئاً عن شغله وديانته، ومجهول آخر مثله باسم «أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ» ومجهول ثالثٌ أيضاً باسم «مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَوَانِيِّ» الثلاثة بسندهم عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ مِنْ أَمَةٍ سَوْدَاءَ يَصْلُحُ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ».

قلت: ليت شعري! هل كان فاسداً حتى يصلحه الله في ليلة؟! فانظروا كيف يريد عدد من الناس أن يفتحوا للناس بمثل هذه المبهمات والكلمات المجملة أبواب الفتن ليقوم في كل فترة رجل باسم القائم فيضرب الناس بعضهم ببعض!

الخبر 24: رواه مجهول باسم «عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ» عن مجهول آخر باسم «أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبَاحٍ» عن مجهول ثالث باسم «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِمْيَرِيِّ» عن مجهول رابع باسم «الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ» أنه قال للإمام الباقر «قَوْلُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ أَهِيَ فَاطِمَةُ؟! قَالَ فَاطِمَةُ خَيْرُ الْحَرَائِرِ قَالَ المبدح [المُدَبِّحُ‏] بَطْنُهُ المُشْرَبُ حُمْرَةً رَحِمَ اللهُ فُلَاناً».

قلت: هذا الكلام لا يشبه كلام أمير المؤمنين فهو ليس من كلامه قطعاً. ثم إنه لا يوجد مسلم لا يعلم أن فاطمة بنت محمد (عليها السلام) كانت حرة ولم تكن أمة، اللهم إذا كان في غاية الحماقة. ثم إنه لا ينبغي للإنسان أي يفدي نفسه إلا لِلَّهِ، فانظروا هل تفيدنا هذه الرواية شيئاً؟!

الخبر 25: رواها القاسم بن محمد مجهول الحال عن مجهول آخر باسم أبي الصباح أنه قال: دخلت على الإمام الصادق (ع) فقال: «مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ سُرُورٌ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُ سِتَّةٍ وأَنَّهُ قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وأَنَّهُ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ فَقَالَ كَذَبَ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ إِنْ خَرَجَ قُتِلَ».

قلتُ: انظروا إلى أي حدٍّ كان أولئك الرواة يسيئون الكلام والظن بحق رجلٍ مجاهد جليل القدر كالإمام زيد بن علي بن الحسين (ع) وينسبون إليه قوله: «أنا ابْنُ سِتَّةٍ» أي حفيد ستة آباء وأجداد من الأئمة الذين سبقوه [مع أن آباءه من الأئمة ثلاثة وليسوا ستة وهم أبوه علي بن الحسين (زين العابدين) ثم جده الحسين بن علي ثم أبو جده علي بن أبي طالب فمن أين جاء عدد الستة؟]. وقد أراد المجلسي أن يحل هذا الإشكال فزاده تعقيداً حيث قال:

«بيانٌ: لعل زيداً أدخل الحسن (ع) في عداد الآباء مجازاً فإن العم قد يُسمَّى أباً، فمع فاطمة (ع) ستة من المعصومين»

هذا مع أن مفهوم العصمة من الأمور التي وضعتها الشيعة لاحقاً ولم يكن أي إمام يعتبر آباءه معصومين أو ينسب نفسه إلى أنه ابن عدد من المعصومين. وثانياً: ما علاقة هذه الرواية بالمهدي ابن الحسن العسكري؟ وليت شعري! هل كان المجلسي- يريد أن يكبِّر حجم كتابه حتى أتى بمثل هذه الروايات التي لا ربط لها بموضوع الباب!.

الخبر 26: رواه مجهول باسم عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عن مجهول آخر باسم مُحَمَّدٍ أو أَحْمَدَ ابْنَا الْحَسَنِ عن أبيه الذي هو مجهول الحال أيضاً عن مجهول آخر باسم ثَعْلَبَةَ بْنِ مِهْرَانَ عن مجهول آخر باسم يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ. هذا سند الرواية أما متنها فليس في صالح مخترعي الإمام ومسببي الفتن حيث يقول الراوي يزيد «خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي هَلْ صَاحَبَكَ أَحَدٌ فَقُلْتُ نَعَمْ صَحِبَنِي رَجُلٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قَالَ فِيمَا كَانَ يَقُولُ قُلْتُ كَانَ يَزْعُمُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ يُرْجَى هُوَ الْقَائِمُ والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ اسْمُ النَّبِيِّ واسْمَ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي النَّبِيِّ. فَقُلْتُ لَهُ فِي الْجَوَابِ: إِنْ كُنْتَ تَأْخُذُ بِالْأَسْمَاءِ فَهُوَ ذَا فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ. فَقَالَ لِي: إِنَّ هَذَا ابْنُ أَمَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ وهَذَا ابْنُ مَهِيرَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) فَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهِ قُلْتُ مَا كَانَ عِنْدِي شَيْ‏ءٌ أَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ ابْنُ سِتَّةٍ يَعْنِي الْقَائِمَ (ع)».

قلت: لاحظوا كيف أن أخبار المهدي هذه أصبحت سبباً للفتنة في كل عصر، وقد نقلوا أخباراً صادقة أو كاذبة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بما في ذلك عدد من محدثي الإمامية أن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله أي أن اسمه «محمد بن عبد الله». وكانت هذه الأخبار حجَّةً للنفس الزكية من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (ع) الذي كان اسمه «محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب» فثار في المدينة ضد سلطان وقته أبي جعفر المنصور الدوانيقي، وبايعه المئات بل آلاف الناس بما في ذلك أولاد الإمام جعفر الصادق (ع)، فأدت ثورته لمقتل المئات ومقتله هو أيضاً، وكم من الأموال سلبت وكم من الأنفس أزهقت، ولم تحصل أي فائدة من تلك الثورة سوى الفتنة واشتداد الفساد. ثم إن المجلسي وغيره من مشايخ الإمامية يروون رواية تنصُّ على أن اسم المهدي هو محمد بن عبد الله - كما يرويه أهل السنة - هذا في حين أن الإمامية تنتظر قيام شخص آخر! [باسم محمد بن الحسن].

الخبر 27: رواه مجهول باسم علي بن أحمد عن مجهول آخر باسم عبد الله بن موسى عن كذاب عن ملعون يدعى أبي الجارود أنه قال: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع) أَنَّهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْأَمْرُ فِي أَصْغَرِنَا سِنّاً وأَخْمَلِنَا ذِكْراً».

قلت: أي فائدةٍ نفيدها من هذا الإجمال، والحال أن آلاف الأشخاص يمكن أن تنطبق عليهم هذه الصفات؟! وما فائدة هذه الأخبار سوى فتح باب الفتن؟!

الخبر 28: رواه مجهول باسم «أَحْمَدَ بْنِ مَابُنْدَادَ» عن مجهول الحال آخر باسم «أَحْمَدَ بْنِ هُلَيْلٍ» عن مجهول ثالث! فهل هذا سندٌ؟؟.

والواقع إن أكثر الروايات التي تتحدث عن المهدي في تلك المجلدات الثلاثة التي أشرنا إليها من بحار الأنوار يرويها رواةٌ مجهولو الحال. أما متن الرواية ففيه قول أبي بصير الراوي: «قُلْتُ لِأَحَدِهِمَا لِأَبِي عَبْدِ اللهِ أَوْ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَيَكُونُ أَنْ يُفْضَى هَذَا الْأَمْرُ إِلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ؟ قَالَ سَيَكُونُ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَمَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُوَرِّثُهُ عِلْماً وكُتُباً ولَا يَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ!».

قلتُ: ما علاقة ذلك بإثبات مهدية إمام معين، وهل يتوقع أولئك الرواة أن يستطيع كل غير بالغ أن يثور باسم المهدي؟

الخبر 29: يرويه عدد من المجاهيل عن بعضهم بعضاً عن كذاب ملعون، ومتنه كمتن الحديث رقم 27.

الخبر 30: رواه مجهول باسم «أَحْمَدَ بْنِ مَابُنْدَادَ» عن مهمل باسم «أَحْمَدَ بْنِ هُلَيْلٍ» عن مجهول آخر باسم «إِسْحَاقَ بْنِ صَبَّاحٍ» عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا سَيُفْضَى إِلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ الْحَمْلُ.». قلت: علامة الوضع في المتن واضحة فهذا الكلام لا يناسب كلام الإمام الرضا (ع).

الخبر 31: يرويه صاحب «كشف الغمة» مرفوعاً إلى الإمام الرضا (ع) أنه قال: «الْخَلَفُ الصَّالِحُ مِنْ وُلْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وهُوَ صَاحِبُ الزَّمَانِ وهُوَ المَهْدِيُّ».

قلتُ: في متن الحديث عدّة إشكالات منها:

1) أنه مرفوع [دون ذكر الوسائط].

2) ما معنى تخصيصه ذلك الولد بعبارة «الْخَلَفُ الصَّالِحُ»؟ مع أن كل من سبقه أيضا كانوا خلفاً صالحين؟! هل يريد القول إنه كان وحده خلفاً صالحاً والبقية كانوا خلفاً طالحين؟!

3) قوله الخلف الصالح «مِنْ وُلْدِ»أبي محمد الحسن بن علي فذكر الوُلْد بصيغة الجمع مع أن من المتفق عليه أن الإمام العسكري لم يكن له عدة أولاد، بل لم يُذكر عنه إلا ولد واحد فقط وهو مختلف فيه أيضاً [إذْ يرى كثيرون أنه لم يخلِّف أصلاً].

الخبر 32: في سنده «المُنَخَّلِ» وهو شخصٌ مهمل ومجهول.

الخبر 33: ينقل عن كتاب «الفصول المهمة»(15) قوله: «صِفَتُهُ (ع) شَابٌّ مَرْبُوعُ الْقَامَةِ حَسَنُ الْوَجْهِ والشَّعْرُ يَسِيلُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ أَقْنَى الْأَنْفِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ قِيلَ إِنَّهُ غَابَ فِي السِّرْدَابِ والْحَرَسُ عَلَيْهِ وكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ».

قلتُ: هذا الحديث يعطينا صفات يمكن أن تنطبق على كثيرين. وثانياً: من أعطى صاحب «الفصول المهمة» الحق بتعيين مهديٍّ للأمة؟! وثالثاً: هذا الخبر يناقض تلك الأخبار التي تقول إن المهدي غاب منذ ولادته. فيبدو أن أولئك المؤلفين ما كانوا يعبئون كثيراً بالتناقضات والتعارضات فيما يروونه. فروايةٌ تقول إنه غاب في السرداب سنة 255 ه- وأخرى تقول إنه غاب سنة 260 ه-! وكان غيابه منذ لحظة ولادته، في حين تقول هذه الرواية إنه غاب سنة 276 ه-! وأنه لما أرادوا أن يصلوا صلاة الجنازة على جثمان أبيه الحسن العسكري (ع) ظهر المهدي ثم غاب من جديد!.

باب الآيات المؤوَّلة بقيام القائم:

 اعلم أنه لا توجد في القرآن الكريم حتى آية واحدة تشير بصراحة إلى وجود المهدي المنتظر وقيامه آخر الزمن، لكن المفسرين استخرجوا بقوة التأويل المتعسِّف آياتٍ زعموا أنها تشير إلى المهدي، مع أنها لا تفيد ذلك.

هذا وقد أوضحنا في كُتُبِنا أن التأويل خاصٌّ بالله وحده كما قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران/7) حيث أن جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ في العِلْمِ...﴾ (آل عمران/7) استئناف لجملة جديدة. وعلى كل حال هناك في القرآن الكريم آياتٌ تُبْطِلُ صراحةً أو كنايةً فكرة الإمام الثائر الذي يريد أن يصنع التغيير بالإكراه وقوة السلاح، وقد ذكرنا بعضاً منها فيما سبق، وسنذكر هنا الآيات التي يتمسّك بها القائلون بالإمام المهدي المنتظر ويطبّقونها عليه، ونبين عدم دلالتها على ما يذهبون إليه:

الآية الأولى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (هود/8).

قال «عليُّ بن إبراهيم القُمِّيّ»(16) في تفسيره (المعروف بتفسير القميّ): «ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ قَالَ: إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى خُرُوجِ الْقَائِمِ (ع). وروى عَنْ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ قَالَ: «الْأُمَّةُ المَعْدُودَةُ: أَصْحَابُ الْقَائِمِ الثَّلَاثُمِائَةِ والْبِضْعَةَ عَشَرَ.».

أقول: إن «الأمَّة» هنا معناها الفترة الزمنية، وليست بمعنى الجماعة من الناس أو الأصحاب. وعلى كل حال نقول:

أولاً: سورة هود نزلت في مكة في الوقت الذي كان غالب أهلها من المشركين الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن أن يؤمنوا بالإمامة فما بالك بأن يؤمنوا بالإمام الثاني عشر وثورته! في ذلك الوقت لم يكن هناك أساساً أي كلام عن مثل هذه الموضوعات حتى ينكرها أحد، ومن السخرية بمكان تهديد المشركين بعذاب سيحل بعد آلاف السنين عند ظهور القائم المنتظر وثورته.

ثانياً: تبيِّن الآيةُ التي تسبق الآية المذكورة أنها تتعلق بعذاب يوم القيامة أي العذاب بعد الموت حيث يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (هود/7). إذن الآية الثامنة من سورة هود أيضاً تواصل الحديث عن عذاب يوم القيامة. وحتى «علي بن إبراهيم» ذاته أقرّ هناك بأن «أمة معدودة» تعني الوقت المعين وليس أشخاصاً معينين.

ثالثاً: إن «علي بن إبراهيم» من القائلين بتحريف القرآن ومثل هذا الشخص مشكوك في إسلامه فضلاً عن الثقة بأقواله فما بالك باعتماد تأويلاته! هذا إضافة إلى أن تأويل الآيات خاصٌّ بالله تعالى ولا يجوز أن يقوم به غيره. فانظر أيها القارئ المحترم كيف يلعبون بمعاني آيات القرآن؟!

الآية الثانية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ.... (إبراهيم/5).

قال «عَلِيُّ بن إبراهيم» في تفسيره: «أَيَّامُ اللهِ ثَلَاثَةٌ يَوْمُ الْقَائِمِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ويَوْمُ الْمَوْتِ ويَوْمُ الْقِيَامَةِ».

قلتُ: وهل كان أصحاب حضرة موسى (ع) مؤمنين بقيام القائم؟! وعلى كل حال نقول في الإجابة:

أولاً: هذه سورة مكية ولم يكن في الفترة المكية أي كلام عن قيام المهدي الموعود حتى تنزل آية بهذا الخصوص.

ثانياً: لقد بيَّن القرآن الكريم ماهية أيام الله -أي الأيام العظيمة- زمن موسى، فلا حاجة لعَلِيِّ بن إبراهيم أن يبينها. لاحظوا الآيات التي جاءت بعد تلك الآية في السورة ذاتها وفي سورة البقرة حيث يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ (البقرة/49) و﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (البقرة/49) و﴿إِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (البقرة/51) و﴿إِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ (البقرة/53).

فهذه الآيات هي أيام الله التي ذكّر موسى بها قومه وكلُّها مبينة في القرآن الكريم. إلا أن «عَلِيَّ بنَ إبراهيم» محدود العلم وسطحي المعرفة لم يكن قادراً على الانتباه إلى ذلك وأخذ يلعب بآيات القرآن ويؤوِّلها حسب هواه. وفي الواقع لم يكن «عليُّ بنُ إبراهيم» ذلك الشخص الذي يستأهل أن يُستدل بكلامه.

الآية الثالثة: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (الإسراء/4 - 8).

يروي «عَلِيُّ بن إبراهيم» مفسِّراً الآيات حسب هواه فيقول: «وقَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أَيْ: أَعْلَمْنَاهُمْ. ثُمَّ انْقَطَعَتْ مُخَاطَبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وخَاطَبَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي: فُلَاناً وفُلَاناً [أي الشيخين] وأَصْحَابَهُمَا ونَقْضَهُمُ الْعَهْدَ. و﴿لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ يَعْنِي: مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْخِلَافَةِ. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما يَعْنِي: يَوْمَ الْجَمَلِ. بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يَعْنِي: أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وأَصْحَابَهُ. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ أَيْ: طَلَبُوكُمْ وقَتَلُوكُمْ. ﴿وكانَ وَعْداً مَفْعُولًا﴾ يَعْنِي: يَتِمُّ ويَكُونُ. ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: لِبَنِي أُمَيَّةَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) وأَصْحَابِهِ وسَبَوْا نِسَاءَ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وإِن‏ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: الْقَائِمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وأَصْحَابَهُ.....» إلى آخر هذه الترَّهات والأباطيل.

أقول:

أولاً: سورة الإسراء مكية ولم يكن في مكة حينئذ أي حديث عن خلافة الشيخين ومعركة الجمل ولا كان لأحد خبرٌ عن القائم سلباً ولا إيجاباً حتى تنزل آيات بشأنه.

ثانياً: كان المخاطب في هذه الآيات اليهودَ وبني إسرائيل ولا علاقة لأمة محمد في ذلك وكلام الله ليس كلاماً متقطعاً غير مترابط. فالآيات تبتدئ بقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (الإسراء/4). فكيف يبتدئ الله كلامه بهذا ثم يقطع سلسلة الكلام فجأة ويقفز إلى خطاب الأمة المحمدية. حقاً إن المرء ليحتار من صنيع هؤلاء المؤولين والمحرِّفين لمعاني القرآن كيف يلوون عنق الآيات ليلصقوها بالقوة بقيام القائم. ولا أعتقد أن أمة لعبت بكتابها السماوي كما يفعل هؤلاء. ولا ينقضي العجب أيضاً من محاولة المجلسي إيجاد محمل مقبول لكلام «علي بن إبراهيم» هذا.

الآية الرابعة: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (طه/113).

قال «عليُّ بن إبراهيم»: «﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا يَعْنِي: مِنْ أَمْرِ الْقَائِمِ والسُّفْيَانِيِّ».

أقول:

أولاً: سورة طه مكية وفي تلك المرحلة المكية كان الكلام والوعد والوعيد يتعلق بيوم القيامة ولو قرأنا الآيات التي وردت قبل تلك الآية أي من الآية 109 التي تقول:﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ (طه/109)، وإلى أن تصل الآيات إلى الآية 113 لوجدنا أن جميع الآيات إنما تتحدث عن القيامة ولا علاقة لها بأمر القائم والسفياني لا من قريب ولا من بعيد! فاتقوا الله أيها الرواة ولا تلعبوا بآيات الله.

ثانياً: لقد تكرَّرت كلمة «الذكر» في القرآن الكريم ولم تأتِ في أيِّ موضع بمعنى القائم والسفياني. فمن ذلك قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر/17). إذن آيات القرآن واضحة ولا تحتاج إلى بيانات «علي بن إبراهيم»!

الآية الخامسة: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (الأنبياء/12).

قال «عليُّ بن إبراهيم» في تفسيره: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ إِذَا أَحَسُّوا بِالْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ...الخ».

أقول:

أولاً: هذه السورة نزلت في مكة ولم يكن موضوع القائم مطروحاً في ذلك الوقت حتى يتم تخويف بني أمية منه، بل إن بني أمية في ذلك الوقت لم يكونوا يخافون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته فضلاً عن خوفهم من الحفيد الثاني عشر لعليّ!. هل حقاً لم يطلع «علي بن إبراهيم» على الآيات التي سبقت الآية المذكورة والآيات التي تلتها؟ أَوَلَمْ يَرَ أنها تتعلق بجميع القرى والبلاد ولا تختص ببني أمية؟ فالآية قبل الآية المذكورة تقول: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (الأنبياء/11). وكلمات «قصمنا» و«كانت» و«أنشأنا» و«أحسوا» كلها أفعال ماضية كما أن مكة لم ينزل بها عقاب وخراب عند نزول تلك الآيات حتى يصح القول بأنها تتحدث عن بني أمية.

ثانياً: لا يوجد في زماننا أثر لبني أمية حتى يخافوا ويفروا من القائم الخيالي.

الآية السادسة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء/105).

قال «علي بن إبراهيم» في تفسيره: «عِبادِيَ الصَّالِحُونَ: الْقَائِمُ (ع) وأَصْحَابُهُ».

أقول:

أولاً: ألم يكن حضرة داود وسليمان عليهما السلام عبدين صالحين أورثهما الله تعالى الأرض؟ ألم يكن حضرة موسى (ع) عبداً صالحاً؟ ألم يكن حضرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه صالحين أورثهم الله السلطان والقدرة في الأرض؟ أم أن القائم الخيالي هو وأصحابه وحدهم الصالحون فقط؟! أليس في هذا إهانة للأنبياء وسائر الصالحين فكيف تجرأ هؤلاء الرواة والناقلين على إهانة جميع الصالحين بحجة إثبات مهديهم المفترض؟!.

ثانياً: إذا لاحظنا سياق الآيات وما جاء قبلها وبعدها رأينا أن الآيات تتحدث عن القيامة كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء/104). وكلمة «صالحون» في الآية قيد البحث (أي الآية السادسة) عُرِّفت بالألف واللام لتكون جنساً يشمل جميع الصالحين لا مجموعة خاصة منهم ممن سيأتون في المستقبل!. وقد وعد الله تعالى في تلك الآية جميع عباده الصالحين بأنهم سيرثون الأرض وبيَّن تعالى في سورة الزمر أنه عندما سيدخل الصالحون الجنة سيقولون: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (الزمر/74) فعبر عن دخول الجنة بوراثة الأرض أي أن الأرض ستتبدل يوم القيامة إلى جنة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ (إبراهيم/48).

ثالثاً: من الآية التالية للآية مورد البحث أي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (الأنبياء/ 106) يتَّضِحُ أن الآية لا تختص بمجموعة خاصة من الناس بل تشمل جميع العابدين الذين يعدهم الله تعالى بوراثة الأرض أي الجنة، وهذا يشمل بعمومه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين سمعوا هذه الرسالة والبشارة ولا يمكن لأحد أن يزعم أن الآية لا تشملهم.

الآية السابعة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج/39).

قال علي بن إبراهيم في تفسيره: «إِنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَ نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا أَخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ، وإِنَّمَا هُوَ الْقَائِمُ (ع) إِذَا خَرَجَ يَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ (ع) وهُوَ قَوْلُهُ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وطُلَّابُ التِّرَةِ!».

أقول:

أولاً: الآية تتعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بدليل ما جاء بعدها من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج/40). فكلمة «أُخرجوا» فعل ماض ولا يمكن أن يقصد بها خروج القائم الذي سيحصل في المستقبل. وأما قوله إن العامة فقط –أي أهل السنة- يقولون إن الآية نزلت في محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فإنه جهل من قائله لأن الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي وغيرهما من علماء الشيعة يقولون إن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. بل قد روى الطبرسي عن حضرة الإمام الباقر (ع) أن الآية تتعلق بمحمد وأصحابه.

ثانياً: لم يُخْرِجْ أحدٌ القائمَ وأصحابَه من بيوتهم حتى تنزل الآية بشأنهم.

ثالثاً: الآية تتعلق بالموجودين حين نزولها وليس بأشخاص لم يكن لهم وجود في ذلك الزمن أصلاً.

رابعاً: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة لم يؤذن لهم بالجهاد بعد، لكنهم بعد أن هاجروا إلى المدينة بمدة أذن الله لهم بالجهاد وبقي هذا الإذن ساري المفعول لجميع المسلمين إلى يوم القيامة، فلا حاجة أن يُعطى إذن من جديد للقائم وأصحابه. لاحظوا كيف أن شخصاً كتب كل ما خطر على ذهنه في تفسير الآية دون أن يتفكر في حقيقة معانيها أبداً ثم بعد ألف سنة أصبحت أقواله حجة للبعض للتفرقة والفساد!.

الآية الثامنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (الحج/60).

ذكر الشيخ الطبرسي وسائر المفسرين من العامّة والخاصّة أن الآيات المذكورة تتحدث عن المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وهاجروا، واستولى المشركون على بيوتهم وأموالهم ثم تمكن المسلمون من استرجاع شيء مما أُخذ منهم وتعرضوا إلى المشركين لأجل هذا الغرض. وكان المشركون هم الذين بدؤوا بمحاربة المؤمنين فكان المؤمنون في حالة دفاع فتمكنوا من التغلب على المشركين وقتلهم ومعاقبتهم بالمثل. ولما حدثت هذه الحادثة في شهر محرم الحرام تأثر المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية تبين أن من عاقب بمثل ما عُوقب به لا حرج عليه. والآيات التي جاءت قبلها وبعدها كلها تتعلق بالمهاجرين ولا تتناسب أبداً مع «القائم». فالآية التي قبلها تقول بصراحة: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ (الحج/58). وفعل «هاجروا» فعل ماض ولا علاقة له بالقائم في المستقبل. إلا أن «عَلِي بن إبراهيم» يصرّ على القول بأن الآية تتحدث عن القائم! فلا ندري من أين استخرج دلالتها عليه؟!

الآية التاسعة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ... (الحج/41).

كلمة «الذين» صفة لمن ذُكروا في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج/40) في إشارة إلى المهاجرين الذين أُخرجوا بغير حق من ديارهم، فهؤلاء إذا تمكنوا في الأرض طبقُّوا أوامر الله عز وجل فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف...الخ، فلا علاقة للآية بالمهدي. لكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول: «فَهَذِهِ لآِلِ مُحَمَّدِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِ الْأَئِمَّةِ والمَهْدِيِّ وأَصْحَابِهِ يَمْلِكُهُمُ اللهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ ومَغَارِبَهَا ويُظْهِرُ بِهِ الدِّينَ...الخ». ولعمري ليس هذا سوى تفسيرٌ بالرأي والهوى.

الآية العاشرة: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (الشعراء/4). والآية التي قبلها: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (الشعراء/3). ومعنى الآية واضح خاصة بقرينة الآية ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس/99). وهذه الآية كما ذكرنا سابقاً ترُدُّ فكرة قيام قائم يريد أن يصنع التغيير بالإجبار وقوة السيف، لأن الله لا يريد إيمان الناس بالجبر والإكراه فمثل هذا الإيمان الذي يأتي نتيجة الجبر والإكراه لا قيمة له عند الله، وما إرسال الأنبياء ولا إنزال الكتب إلا دليل على أن الله تعالى لم يرد إجبار الناس بالقوة على الإيمان. فلا ينقضي العجب ممن لم يدركوا مثل هذا الأمر الواضح مثل «عليَّ بن إبراهيم» الذي يقول: «عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: تَخْضَعُ رِقَابُهُمْ يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ وهِيَ الصَّيْحَةُ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِ صَاحِبِ الْأَمْرِ (ع)! ».

 حقاً إن الإنسان ليحتار كيف يجعل هؤلاء من ذات الآية التي تبين بطلان دعواهم دليلاً على هذا المدعى ويروون عن حضرة الصادق أن المقصود من الآية خضوع رقاب بني أمية للقائم!. وكأنهم لا يعلمون أن بني أمية ودولتهم انقرضوا منذ أكثر من ألف عام. ولعل صدور أمثال تلك الأخبار عن الأئمة كان لأجل تسلية أتباعهم وشيعتهم والتنفيس عنهم بسبب ما كانوا يعانونه من ضغط وآلام بسبب اضطهاد بني أمية لهم، فكانوا يقولون لهم سيأتي يوم تصلون فيه إلى النصر والتمكين وسيأتي قائم بالسيف ينتقم من حكومة أعدائكم. وواضح أن تلك الأخبار كانت مجرد آمال لأن بني أمية دالت دولتهم دون أن يأتي أي قائم بعد!

الآية الحادية عشرة: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (النمل/62). هذه الآيات تتعلق ببيان قدرة الله تعالى ودعوة المشركين إلى إخلاص العبودية له وإفراده بالعبادة كما يتضح ذلك من الآيات التي جاءت قبلها حيث يقول تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟... (النمل/60). ويقول: ﴿أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً؟... (النمل/61)، إلى أن يصل إلى الآية مورد البحث وما بعدها والتي تتضمن استفهاماً إنكارياً وتقريراً لوحدانية الله. فالعجب من «علي بن إبراهيم» الذي يروي في تفسيره عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ الواقفي الذي يؤمن بسبعة أئمة فقط ويعتبر إمامة الإمام الثامن وحتى الثاني عشر باطلة وغير صحيحة، يروى عن مثل هذا الشخص أن الآية نزلت بحق القائم المهدي!! ويقول: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ (ع) هُوَ واللهِ المُضْطَرُّ إِذَا صَلَّى فِي المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ودَعَا اللهَ فَأَجَابَهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ».

فيجب أن نقول: إذا كانت هذه الآية تدل على وجود القائم لما بقيت هناك حاجة إلى الحديث لاسيما حديث شخص واقفي منكر للمهدي القائم. وأعتقد أنه لولا الحياء لدفع تعصب أولئك الرواة إلى جعل جميع آيات القرآن قاطبةً تتكلم عن المهدي القائم!. ولا ينقضي العجب ممن يقول إنه لا يمكن لأحد أن يفهم القرآن ثم يأتي ويفسّر بعض الآيات بأن المقصود منها هو المهدي القائم فكيف استطاع أن يفهم هذه الآيات ويفسرها إذن؟ نسأل الله لهم الهداية. أضف إلى كل ذلك إن هذه السورة مكيّة ولم يكن أحد يدّعي المهدوية أو ينكرها في مكة كي تنزل آيات في ذلك الشأن.

الآية الثانية عشرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا باللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (العنكبوت/10).

قال الشيخ الطبرسي وسائر المفسّرين أن هذه الآية تتكلم عن المنافقين أو [عن «عياش بن أبي ربيعة المخزومي» وذلك أنه أسلم فخاف أهلَ بيته، فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحلفت أمُّهُ أسماء بنت مخرمة بن أبي جندل التميمي، أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كَنَّا حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام، وهما أخوا عياش لأمه، جزعها ركبا في طلبه، حتى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة، فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما، وقد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت.

فلما خرجوا من المدينة أخذاه وأوثقاه كتافا- وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، حتى برى‏ء من دين محمد جزعا من الضرب، وقال ما لا ينبغي، فنزلت الآية] (17).

فلا علاقة للآيات إذن بالمهدي القائم ولم يذكر أحد احتمال دلالتها عليه لكن رغم ذلك فإن «علي بن إبراهيم» الذي يميل إلى تفسير كل آية بالمهدي القائم اعتبر الآية متعلقة بالقائم! وأتعجب من المجلسيّ الذي قام بتجميع أقواله الغريبة هذه في كتابه «البحار».

الآية الثالثة عشرة: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ...﴾ (الشورى/41).

تدبّروا هذه الآيات ولاحظوا، هل لها أي علاقة بالمهدي القائم؟! لكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول – حسب ما ينقل المجلسيّ عنه في البحار: «ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يَعْنِي الْقَائِمَ وأَصْحَابَهُ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ والْقَائِمُ إِذَا قَامَ انْتَصَرَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ومِنَ المُكَذِّبِينَ والنُّصَّابِ هُوَ وأَصْحَابُهُ... الخ»! هذا مع أن الآية مكيّة وفي مكة لم يكن أحد يدعي أو ينكر المهدي حتى تنزل الآيات بشأنه.

الآية الرابعة عشرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (القمر/1).

هذه الآية تتعلَّق بالقيامة وفعْلَيْ «اقتربت» و«انشق» كلاهما في الماضي لأن المستقبل عندما يكون متحقق الوقوع يمكن للمتكلم أن يتكلم عنه بصيغة الماضي كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (الكهف/99). ويمكن أن تكون كلمة «انشق» ماضياً حقيقيّاً في إشارة إلى معجزة انشقاق القمر التي روت تفاسير الشيعة والسنة حدوثها زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة. وعلى كل حال فالآية لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بالمهدي القائم. ولاحظوا جميع تفاسير الشيعة كي تتحققوا من ذلك. ولكن «علي بن إبراهيم» يقول «رُوِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يَعْنِي خُرُوجَ الْقَائِمِ (ع)!».

فنقول: إن كلمة «الساعة» جاءت في القرآن على نحو متكرر وفي كل مكان بمعنى القيامة ولم تأت ولا في موضع واحد بمعنى الخروج. ثانياً: كيف يمكن أن يدعوَ الله تعالى أهلَ مكة - الذين لم يكونوا يؤمنون في ذلك الحين بالقرآن ولا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الإيمان بخليفة النبي الثاني عشر؟! وهل يجوز أن يتكلم الله ورسوله بما لا طائل تحته أم أنّ هذا اللغو هو من اختراع الراوي «علي بن إبراهيم»؟! فضلاً عن أن السورة مكية أيضاً ويقال فيها ما قيل فيما قبلها، ولو لاحظتم الآيات التي تلت تلك الآية لوجدتم أن لا علاقة لها من قريب ولا من قريب بالقائم.

الآية الخامسة عشرة: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (الرحمن/64).

كلمة «مدهامتان» صفة لِ- «جنَّتَان» التي وردت في الآية التي قبلها، ولكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول: «مُدْهامَّتانِ: يَتَّصِلُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ نَخْلًا»! حقاً، هل يمكننا أن نقول إن «علي بن إبراهيم» لم يكن يفهم الآية أم أنه كان صاحب غرض خاص يسعى لتحقيقه بأي طريقة ولو بتأليف أي كلام باطل؟! فأين نجد في الآية كلاماً عن أشجار نخيل تمتد بين مكة والمدينة؟! وكلنا يعلم أنه لم يكن بين المدينتين سوى صحراء رملية قاحلة ومحرقة. ثمّ نسأل ما علاقة هذه الآية بالمهدي الموعود؟!!

الآية السادسة عشرة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (الصف/8). يقول «علي بن إبراهيم» في تفسيره: «واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ قَالَ بِالْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ إِذَا خَرَجَ لَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ».

ينبغي أن يُقال: كيف كان الكافرون يكرهون اسم القائم الذي لم يكونوا قد سمعوا به بعد؟! ثم أين نجد في الآية كلمة «بالقائم»؟ أم أن الله تعالى كان يمارس التقية – والعياذ بالله – فكتم اسم القائم؟! ينبغي أن نقول: إن الله تعالى لن يُنجِح مسعى الذين ينسبون للإسلام ما ليس فيه ويأتون بأمور مخترَعَة ومعوجَّة باسم الإسلام لكي يطفئوا نوره بأفواههم كما فعل من اخترع مهدياً مصطنعاً قبل ألف سنة فأبطل الله تعالى مسعاهم.

الآية السابعة عشرة: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (الصف/13). معنى الآية واضح ولكنّ «عليَّ بن إبراهيم» يقول خلافاً لجميع المفسرين: «وفَتْحٌ قَرِيبٌ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا بِفَتْحِ الْقَائِمِ (ع)!»

حقاً إن الإنسان لا يدري ما يقول بشأن هذه التلفيقات؟ وهل يُعقَل أن يقول الله تعالى لأصحاب رسوله يا أيها الذين آمنوا إذا جاهدتم فإن النصر بفتح القائم سيكون نصيبكم؟! ألن يسأل الصحابة عندئذ من هو هذا القائم وأين ومتى سيكون فتحه؟! وهل سيجيبهم الله عندئذٍ بأن هذا الفتح قريب أي بعد آلاف السنين من موتكم؟!

الآية الثامنة عشرة: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (الجن/24). الآية التي قبلها تقول: ﴿... وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (الجن/23) إذن فالآية مورد البحث تتكلم عن كفار مكة الذين كانوا يقولون للمؤمنين أنتم أضعف أنصاراً وأقل عدداً، حيث أن هذه السورة مكية. لكن عليَّ بن إبراهيم يقول - خلافاً لجميع أهل القرآن وخلافاً لجميع المفسرين -: «حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ: قَالَ: الْقَائِمُ وأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع). فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وأَقَلُّ عَدَداً!!» فهل كان على أهل مكة أن يصبروا حتى يوم القائم حتى يعلموا من أقل عدداً؟! هل يمكن أن يقول عاقل مثل هذا الكلام فضلاً عن الله ورسوله وآياته؟ والمفارقة أن معظم الآيات التي يستدل بها هؤلاء الخرافيون على القائم المهدي آيات مكية لا يمكن أن تنطبق عليه.

الآية التاسعة عشرة: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (الطارق/15 و16و 17). هذه السورة مكية والله تعالى يتوعد فيها الكفار الذين كانوا يمكرون بالرسول ويكيدون له. لكن «علي بن إبراهيم» يقول في تفسيره: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ يَا مُحَمَّدُ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً لَوْ بُعِثَ الْقَائِمُ (ع) فَيَنْتَقِمُ لِي مِنَ الْجَبَّارِينَ والطَّوَاغِيتِ مِنْ قُرَيْشٍ وبَنِي أُمَيَّةَ وسَائِرِ النَّاسِ»! فليت شعري ألم يكن الله قادراً على الانتقام بنفسه من أولئك الكافرين؟ وهل كان على طواغيت قريش أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة أن يبقوا حتى يخرج المهدي القائم فينتقم منهم؟! أي عاقل يمكنه أن يتفوه بهذا الكلام؟! ونحن نسأل المجلسيّ وسائر علماء الشيعة الذين يستدلون بتأويلات «علي بن إبراهيم» هذه ويعتبرونها دليلاً على وجود المهدي: من هو علي بن إبراهيم قليل العلم هذا ومن أعطاه الحق في تأويل آيات الله حسب هواه؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران/7)؟؟. وهل علي بن إبراهيم حجَّةُ الله أم نبيٌّ يوحى إليه حتى نعتبر كل ما يقول حجة؟!

الآية العشرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (الليل/1و2).

روى عليّ بن إبراهيم بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ واللَّيْلِ إِذا يَغْشى؟‏ قَالَ: «اللَّيْلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ "الثَّانِي" – [أي الخليفة الراشد الثاني!] - غَشَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) فِي دَوْلَتِهِ الَّتِي جَرَتْ لَهُ عَلَيْهِ وأُمِرَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) أَنْ يَصْبِرَ فِي دَوْلَتِهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ قَالَ والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى قَالَ النَّهَارُ هُوَ الْقَائِمُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ (ع) إِذَا قَامَ غَلَبَ دَوْلَةَ الْبَاطِلِ».

أقول: هذه الرواية تكشف مدى ضحالة علم «علي بن إبراهيم» لأن «يغشى» من مادة « غشيَ» معتل اللام، في حين أن «غشَّ» التي بمعنى الخداع والخيانة مضاعفة الشين، ومن اليقين أن الإمام الباقر(ع) - عربي اللسان - كان يميز تماماً بين «غَشِيَ» و«غشَّ» في حين أن «علي بن إبراهيم» كان عجمياً ولم يستطع أن يميز بينهما! أضف إلى ذلك أن الليل والنهار آيتان من آيات الله وقد أقسم الله بهما، ولو أراد أن يقسم بالخليفة الثاني عمر لذكر اسمه بصراحة لأنه لا يخاف من أحد فيمارس التقية!!

الآية الحادية والعشرون: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (الملك/30). هذه الآية مكية، والله تعالى يُذَكِّر من خلالها أهل مكة بقدرته لعلهم يؤمنون. لكنَّ عليَّ بن إبراهيم يروي بسنده عن الإمام الرضا (ع) : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ إِمَامُكُمْ غَائِباً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ مِثْلِهِ!!» ولابد أن أهل مكة كانوا سيجيبون: ليس لدينا إمامٌ أصلاً حتى يغيب فنطلبه!! وأقول: إنه من المقطوع به أن الإمام رضا (ع) لا يمكن أن ينطق بمثل هذا الكلام المهمل بل هو من مفتريات الرواة الكذبة الذين نسبوه إلى الإمام كذباً وزوراً.

الآية الثانية والعشرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ (التوبة/33). الآية واضحة المعنى ولكن عليَّ بن إبراهيم يقول: «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) وهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يُظْهِرُهُ اللهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ… الخ» فينبغي أن نقول جواباً عن ذلك:

أولاً: قال تعالى: «أرسل رسوله» ولم يقل«أرسل إمامه».

ثانياً: أنتم معشر الإمامية تقولون إن الإمام القائم سيزيل جميع الأديان ويجعل الكل مسلمين فعلى قولكم هذا كان ينبغي أن يقول الله: «ليمحوا الأديان كلها»، ولكن الله قال «ليظهره على الدين كله» وهذا معناه بقاء بقية الأديان وظهور الإسلام عليها بحجته، وقد تحقق هذا في صدر الإسلام حيث هُزِمَت جميعُ الأديان أمام الإسلام وظهر الإسلام عليها، فكلمت «يُظْهِره» معناها ظهور الإسلام وتغلُّبه كما ذكر هذا المعنى أيضاً في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (الصف/14)، أي غالبين. والقرآن ذاته قد أخبر أن الكفر والشرك وفرق اليهود والنصارى سوف تبقى إلي يوم القيامة ولن تمحى من الأرض فإذا قلنا أنه سيأتي يوم تزول فيه جميع الأديان من الأرض نكون قد خالفنا القرآن.وعلى كل حال نحن لا نتعجب من «علي بن إبراهيم» ضئيل العلم أن يلفق مثل هذه الأقاويل العامية لكن عجبنا لا ينقضي من المجلسي وغيره من علماء الإمامية الذين يجعلون من كلام «علي بن إبراهيم» مستنداً يتمسكون به.

الآية الثالثة وعشرون: كرَّر الله تعالى عبارة ﴿أَيَّامَ اللهِ في أكثر من موضع من القرآن من جملة ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم/5) فهذه الآية تبيِّن أنه كانت هناك أيامٌ عظيمةٌ معروفةٌ لدى قوم موسى أمر الله حضرة موسى أن يذكرهم بها. وكانت تلك الأيام – كما يقول جميع المفسرين- الأيام التي أنعم الله بها عليهم بنعم عظيمة أو أزال عنهم فيها العذاب أو هي يوم القيامة. مثلاً من جملة أيام الله اليوم الذي أغرق الله تعالى فيه فرعون وآله ونَجَّى قوم موسى، أو اليوم الذي قبل الله فيه توبة قوم موسى بعد أن عبدوا العجل، أو اليوم الذي أنزل فيه عليهم المن والسلوى أو اليوم الذي أنزل فيه التوراة على موسى.

ولكن عليَّ بن إبراهيم يقول خلافاً لجميع المفسرين: «أَيَّامُ اللهِ ثَلَاثَةٌ يَوْمُ يَقُومُ الْقَائِمُ ويَوْمُ الْكَرَّةِ ويَوْمُ الْقِيَامَةِ»!! ولم يفكر بأنه في زمن حضرة موسى (ع) لم يكن قومه يعلمون شيئاً عن قيام القائم ولا عن الرجعة حتى يأمر الله موسى أن يذكرهم بهذه الأمور! لكن ماذا نفعل إذا كان مريدو «علي بن إبراهيم» يتعاملون مع أقاويله كأنها وحيٌ منزل.

الآية الرابعة والعشرون: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (الغاشية/1و2). معنى الآية واضح وهي تتحدث عن يوم القيامة، ولكن «علي بن إبراهيم القمي» يتجاهل هنا جميع الآيات التي شرح الله تعالى فيها الغاشية وما يكون فيها وقال: «ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟ قَالَ: يَغْشَاهُمُ الْقَائِمُ بِالسَّيْفِ قَالَ قُلْتُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ؟ قَالَ: يَقُولُ خَاضِعَةٌ لَا تُطِيقُ الِامْتِنَاع...الخ»!!.

فنسأل الله أن يمنح مريدي «علي بن إبراهيم» العقل. أضف إلي ذلك أن الإمام الذي سيغشى بسيفه جميع الناس سيكون إمام عذاب لا إمام هداية!.

الآية الخامسة والعشرون: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ (الأنعام/158). تشير هذه الآية إلى تحجج المشركين وطلبات اليهود التي كانوا يتحججون بها لرفض الإيمان ويقولون مثلاً: لن نؤمن حتى تنزل علينا الملائكة أو يأتينا الله بذاته أو تأتي بعض آياته، كما مرَّ في سورة البقرة الآية 210.

فتدبر أيها القارئ العزيز وانظر هل هناك أي علاقة بين هذه الآيات والأئمة حتى يروي عليّ بن إبراهيم القمي روايةً ينسبها بسنده إلى الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق (ع) أنه قال: «الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ والْآيَةُ المُنْتَظَرُ هُوَ الْقَائِمُ (ع)..»؟! يبدو أن هؤلاء القوم يرون أن الآيات منحصرة بالأئمة فقط حتى آيات العذاب!!

الآية السادسة والعشرون: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوَارِ الْكُنَّسِ (التكوير/14). ذكر جميع المفسرين استناداً إلى اللغة أن معنى الآيات قَسَمُهُ تعالى بالنجوم السيارة التي ترجع في مدارها وتختفي وراء ضوء الشمس.

لكن الشيخ الصدوق الذي كان بائعاً وكاسباً في قم روى روايةً أسندها إلى الإمام الباقر (ع) أنه قال: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ فَقَالَ إِمَامٌ يَخْنِسُ فِي زَمَانِهِ عِنْدَ انْقِضَاءٍ مِنْ عِلْمِهِ سَنَةَ سِتِّينَ ومِائَتَيْنِ ثُمَّ يَبْدُو كَالشِّهَابِ الْوَقَّادِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَلِكَ قَرَّتْ عَيْنَاكَ». فهل من الممكن أن يقسم الله تعالى لأهل مكة الذين لم يكونوا حينذاك مؤمنين بنبيه بعد وكانوا يعتبرون القرآن سحراً، بخليفة نبيه الثاني عشر الذي لم يره أحد ولم يسمع به؟! هذا إضافة إلى أن «الجوار» جمع في حين أن الإمام غائب مفرد!

الآية السابعة والعشرون: هي الآية الحادية والعشرين ذاتها التي ذكرها من قبل. وهنا يروي المجلسي رواية عن «علي بن أبي حمزة البطائني» بأن المقصود في الآية هو «الإمام الغائب»، هذا في حين أن «علي بن أبي حمزة البطائني» كان واقفياً ينكر الإمام الغائب من الأساس، فكيف يمكن أن يروي مثل هذه الرواية؟!

الآية الثامنة والعشرون: ﴿..هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة/2).

ينقل المجلسيُّ عن كتاب إكمال الدين للشيخ الصدوق روايةً عن الإمام الصادق في تفسير «الغيب» في الآية بأنه: «الحُجَّةُ الْغَائِبُ»! وأن المتقين هم الذين يؤمنون بقيام القائم المهدي! مع أنه لا يوجد مفسِّرٌ واحدٌ فسَّر «الغيب» ب- «الإمام»! لأن الغيب هو الغائب عن الأنظار دائماً كالذات الأحديّة مثلاً، وقد جاء «الغيب» بهذا المعنى في مواضع عديدة من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ... (الحديد/25) وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (يس/11).

بالإضافة إلى ذلك إذا كان «الغيب» هو الإمام الغائب، فمعنى ذلك أنه عندما سيظهر هذا الإمام لن يبقى «غيباً» فكيف سيؤمن المتقون عندئذ بالغيب؟! ألن تصبح الآية حينئذ لغواً لا معنى لها؟!!

الآية التاسعة والعشرون: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ (يونس/20). تدل هذه الآية على أن الآيات أي المعجزات ليست من صنع الرسول وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس له علم بوقت مجيئها. إذا كان الأمر كذلك فما هي علاقة هذه الآية بالمهدي؟ هل قال الله في إجابته عن مطالبة المشركين بمعجزة: انتظروا قيام المهدي؟! هل هذا الكلام منطقي؟! لكن ما العمل إذا أصبحت رواية «علي بن أبي حمزة البطائني» الواقفي الذي لا يؤمن أصلاً بالإمام الثاني عشر حجَّةً ومستنداً للشيخ الصدوق ومقلديه!!!

الآية الثلاثون: تكرار للآية الحادية والعشرين ذاتها!

الآية الحادية والثلاثون: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات/22). معنى الآية واضح، ولكن الشيخ الطوسي يروي في كتابه «الغيبة» عن عدد من الرواة مجهولي الحال والضعفاء عن ابن عباس أنه قال: «وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ قَالَ: هُوَ خُرُوجُ المَهْدِيِّ»!. ونقول هل كان ابن عباس جاهلاً إلى هذا الحد بمعاني وعود القرآن وهل كان جاهلا  باللغة العربية؟! أم أن هذا الخبر من افتراء الرواة الكذبة؟ لا شك أنه خبر موضوع من أساسه.

الآية الثانية والثلاثون: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الحديد/17).

يروي الشيخ الطوسي في كتابه «الغيبة» عن عدد من الرواة مجهولي الحال والضعفاء «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يَعْنِي يُصْلِحُ الْأَرْضَ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا»!. قلتُ: فمعنى هذا أنه تعالى لم يحيِ الأرض بعد، فمن يحييها كل ربيع الآن؟! وهل هذا تفسير يقبله عقل، أوليست علامات الوضع والافتراء فيه واضحة؟!

الآية الثالثة والثلاثون: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً (البقرة/148). هنا يكرر الشيخ الطوسي الرواية المنسوبة لابن عباس في الآية الحادية والثلاثين فهل تقوى الرواية الضعيفة بالتكرار؟! الله أعلم! إضافة إلى ذلك، يروي الطوسي في كتابه «الغيبة» أيضاً عن رواة مجهولي الحال عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية /148/ من سورة البقرة: ﴿... أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا...: «أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً قَالَ: أَصْحَابُ الْقَائِمِ يَجْمَعُهُمُ اللهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ»!. وهنا نسأل من يؤمن بهذه الروايات: هل كان للمخاطبين بقوله تعالى «تكونوا» و«بكم» في الآية وجود خارجي حين نزول الآية أم لا؟ حقاً لا ندري كيف أمكن لهؤلاء القوم أن يؤمنوا بمثل هذه الروايات؟!

الآية الرابعة والثلاثون: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور/55).

هذا الوعد الإلهي بالتمكين في الأرض والاستخلاف فيها هو للحاضرين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل وجود كلمة «مِنْكُمْ» في الآية. وقد أوفى الله بوعده هذا فأخلف المشركين بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين حقاً والذين عملوا الصالحات واستخلفهم على الأرض ومكّنهم من إظهار دينهم.

وقد أشار حضرة أمير المؤمنين إلى هذه الآية عندما استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص إلى قتال الفرس بنفسه، فأشار عليه بعدم فعل ذلك وقال له فيما قال: «... ونَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ الله واللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ونَاصِرٌ جُنْدَهُ ومَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الخَرَزِ يَجْمَعُهُ ويَضُمُّهُ... فَكُنْ قُطْباً واسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ وأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ... الخ»(18).

إلا أن المجلسي والشيخ الطوسي أوردا رواية مخالفة لكل ما ذُكِر تقول إن الآية لا علاقة لها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مسلمي صدر الإسلام! بل تتحدث عن المهدي الذي سيأتي آخر الزمان!!

الآية الخامسة والثلاثون: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص/5). هذه الآية تتحدث عن فرعون وبني إسرائيل بدليل الآية التي جاءت قبلها التي تقول: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا (القصص/3). ونلاحظ أن كلمة «استُضعِفوا» فعل ماض يتعلّق بأمر حدث في الماضي كما أن كلمة «نُرِيدُ» مثلها مثل كلمات «نُمَكِّن» و«نُرِي فِرْعَوْنَ»... التي جاءت في الآية التالية للآية مورد البحث كلها تتحدث عن قوم فرعون، وكلمة «الأرض» جاءت معرّفة بِ- (ال-) العهد في إشارة إلى الأرض المذكورة والمعروفة وليس المقصود منها مطلق الأرض، وذلك مثل قوله تعالى لرسوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (الإسراء/76) حيث من الواضح أنه ليس المقصود من الأرض فيها الكرة الأرضية وإلا لأصبح معنى الآية أن المشركين كادوا أن يخرجوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم من كوكب الأرض! كما أنه ليس المقصود من «الأئمة» في قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً القادة السياسيين لأن الخطاب هو لجميع بني إسرائيل فالأئمة هنا مثل الأئمة في قوله تعالى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان/74). كما أن المهاجرين والأنصار كلهم أئمة حيث أمر من جاء بعدهم أن يتَّبعوهم بإحسان فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ (التوبة/100).

بناء على هذه الأدلة الواضحة فإن الآية 5 المذكورة من سورة القصص تتعلق بقصة موسى وفرعون وبني إسرائيل. وقد بيّن الله تعالى مقصوده من «وَنُرِيْدُ» بأمور مثل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى...﴾ (القصص/7)، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ (القصص/7) إلى آخر الآيات.

وهذا الأمر يفهمه كل من يقرأ هذه الآيات. لكن رغم ذلك نجد الشيخ الطوسي والمجلسيّ يريدان بقوة الروايات المضادة للقرآن أن يغيّروا معنى الآية التي تتحدث عن أمر ماض ليجعلوها تتحدث عن المهدي المنتظر؟!!

الآية السادسة والثلاثون: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد/16).

رغم عدم علاقة الآية الكريمة من قريب أو من بعيد بالمهدي المنتظر، يأتينا الشيخ الصدوق والمجلسي ويلوون عنق الآية بالقوة ويقولون: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَائِمِ!». من هذا يظهر أن الحق كان مع المرحوم ابن تيميَّة عندما قال: لَا يُوجَدُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ مِنَ الكَذِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي الشِّيعَة.

الآية السابعة والثلاثون: هي الآية الثانية والثلاثون (الآية 17 من سورة الحديد) ذاتها التي أوردنا رواية الصدوق بشأنها وأجبنا عنها.

الآية الثامنة والثلاثون: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (آل عمران/140). أي أن الله تعالى يريد من خلال المواجهات التي تحصل بين الحق والباطل أن يميّز المؤمنين الحقيقيين من مدّعي الإيمان. ولكن الشيخ الصدوق يروي رواية تقول «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَائِمِ»!، مع أنه من الواضح أن الآية، بقرينة الآيات السابقة واللاحقة، خاصة بمجروحي أحد.

الآية التاسعة والثلاثون: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ (المائدة/3). المراد تقوية المؤمنين وطمأنتهم بأن أعداءهم لن يستطيعوا القضاء على دينهم.

لكن العياشي(19) – الذي كان رجلاً خرافيَّا- يروي في تفسير الآية روايةً في سندها «عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ»، وهو رجلٌ ضعَّفَهُ علماء الرجال، ومضمون الرواية أن المقصود من كلمة «اليوم» في بداية الآية هو: «يَوْمَ يَقُومُ الْقَائِمُ (ع) يَئِسَ بَنُو أُمَيَّةَ فَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَئِسُوا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع)!»، أفلم يوجد من يقول لهؤلاء الرواة الجهلة [إذا قام القائم] يكون بنو أمية قد انقرضوا منذ آلاف السنين فكيف ييأسون ذلك اليوم من وجود المهدي؟! أضف إلى ذلك أن كلمة «اليوم» تكرَّرت في الآية ثلاث مرات ولا يتناسب أيٌّ واحدٍ منها مع موضوع المهدي بل هو ضده.

 

الآية الأربعون: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (التوبة/3). هذه الآية نزلت في السنة التاسعة للهجرة حيث أُمِر أبو بكر وعليّ بإبلاغها أيام الحج. ولكن «العيَّاشي» يذكر رواية منسوبة كذباً وزوراً إلى الإمامين الباقر والصادق مفادها أن الآية تتعلق بيوم قيام المهدي!!

الآية الحادية والأربعون: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (التوبة/36). هنا أيضاً يروي «العياشيُّ» روايةً منسوبةً إلى الإمام الصادق (ع) يقول فيها: «قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ولَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا سَيَرَى مَنْ يُدْرِكُهُ مَا يَكُونُ مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ولَيَبْلُغَنَّ دَيْنُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم مَا بَلَغَ اللَّيْلُ حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ اللهُ!».

كأني بهؤلاء القوم لم يكن لهم أدنى علم بتاريخ صدر الإسلام ولا بأسباب نزول الآيات، هذا فضلاً عن أن القرآن يقرر - كما ذكرنا سابقاً – بقاء الشرك والإيمان والكفر والإسلام إلى يوم القيامة, فالقول بيوم يأتي فيه مهدي ويمحى به الشرك من على وجه الأرض قول كاذب.

الآيات من الثانية والأربعين حتى الثامنة والأربعين مكررة كلها وذكر المجلسيّ بشأنها روايات باطلة تم تفنيدها فيما سبق.

الآية التاسعة والأربعون: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (المدثر/8و9). تتكلم هذه الآية باتفاق جميع المفسّرين عن يوم القيامة. لكن النعماني(20) يروي في كتابه «الغيبة» روايةً عن شخص مجهول باسم «مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ» عن شخص من الغلاة عن الإمام الصادق (ع): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ‏ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ؟ قَالَ: إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً فَإِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ!». ولم يوجد من يقول لهؤلاء الرواة إن سورة المدّثر من أوائل ما نَزَل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة التي كان أهلها مشركون ومنكرون للقيامة، فهل يُعْقَل أن ينزل الله آيات لإقناع مثل أولئك الناس بيوم قيامة المهدي؟

الآيات من الخمسين إلى الثالثة والخمسين كلها تكرار لآيات ذُكِرَت من قبل.

الآية الرابعة والخمسون: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (الرحمن/41). إذا لاحظنا سياق هذه الآية الكريمة وما جاء قبلها من قوله تعالى ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (الرحمن/37) وما جاء بعدها من قوله سبحانه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ (الرحمن/43)، تبيَّن لنا أن الآيات كلها تتعلق بيوم القيامة وهذا أمر واضح يفهمه كل شخص.

ولكن النعماني يروي في كتابه «الغيبة» عن رواةٍ شاكِّين في الدين أو مجهولي الحال بالسند عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِهِ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ قَالَ: «... لَكِنْ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فَيَخْبِطُهُمْ بِالسَّيْفِ هُوَ وأَصْحَابُهُ خَبْطاً!». أليس هذا لعباً بآيات الكتاب؟ بماذا سيجيب هؤلاء الرواةُ اللهَ تعالى يوم القيامة؟

الآية الخامسة والخمسون: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ (السجدة/21). هذه الآية تتحدث عن الكفار والفسّاق وذلك بقرينة الآية السابقة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ (السجدة/20). ولكنّ الكراجكيّ(21) روى [في كتابه كنز الفوائد] عن مجهول باسم «جَعْفَرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَالِمٍ» عن مجهول آخر باسم «مُحَمَّدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَجْلَانَ» عن سائل من الغلاة سأل الإمام الصادق عن هذه الآية فأجابه قائلاً: «ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قَالَ الْأَدْنَى غَلَاءُ السِّعْرِ والْأَكْبَرُ المَهْدِيُّ بِالسَّيْفِ»!!

فأقول: أولاً: هذه الآيات نزلت في مكة حيث كان أهلها لا يؤمنون بالرسول ذاته فكيف يدعوهم الله للإيمان بسيف مهدي مفتَرَض؟! ثانياً: هل المهدي إمام عذاب أم إمام رحمة. ثالثاً: لقد بيّن تعالى في أكثر من موضع من كتابه معنى العذاب الأكبر كقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ (الزمر/26), أو قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ (القلم/33)، أو قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (الغاشية/23 و24)، حيث تبيّن جميعها أن العذاب الأكبر هو عذاب الآخرة.

الآية السادسة والخمسون: تكرار للآية الحادية عشر (الآية 62 من سورة النمل) التي بيّنّا فيما سبق أن لا علاقة لها بالمهدي إطلاقاً.

الآية السابعة والخمسون: هي الآية السادسة عشرة ذاتها (الآية 8 من سورة الصف) التي سبق وأجبنا عن الاستدلال بها. علاوة على ذلك، ذكر المجلسيّ هنا رواية عن أبي الجارود الملعون تقول: «لَوْ تَرَكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مَا تَرَكَهُ اللهُ» وليس في هذه الرواية أي كلام عن المهدي ولا ندري ما وجه ذكرها هنا!

في هذا الفصل لا يوجد أي كلام عن المهدي، لكن هناك كلام غير معقول وهو تفسير الآية: ﴿فَآَمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا (التغابن/8) بأن المقصود من النور فيها «الْإِمَام»! مع أن «أنزلنا» فعل ماضٍ. وقد وصف الله تعالى هذا النور في مواضع عديدة من كتابه كقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ (الشورى/52)، وقوله كذلك: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة/4).

الآية الثامنة والخمسون: هي الآية الثانية والعشرون (الآية 33 من سورة التوبة) ذاتها التي أجبنا عن الاستدلال بها سابقاً، بيد أن المجلسيّ أضاف هنا الرواية الخرافية التالية: «فَإِذَا خَرَجَ الْقَائِمُ لَمْ يَبْقَ كَافِرٌ ولَا مُشْرِكٌ إِلَّا كَرِهَ خُرُوجَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ لَقَالَتِ الصَّخْرَةُ يَا مُؤْمِنُ فِي بَطْنِي كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فَاقْتُلْهُ قَالَ فَيُنَحِّيهِ اللهُ فَيَقْتُلُهُ». قلت: وهذا هو الدين الجبريّ [الذي يتعارض مع قوله تعالى «لا إكراه في الدين»]. فضلاً عن أن القضاء على كل يهودي أو نصراني أو مشرك يتناقض مع ما جاء في القرآن من آيات تشعر ببقائهم حتى يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/14) و﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64).

الآية التاسعة والخمسون: هي الآية السابقة ذاتها (أي الآية 33 من سورة التوبة)، إضافة إلى أن المجلسي يذكر هنا رواية منسوبة إلى ابن عباس جاء فيها: «في قَوْلِهِ تَعَالَى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ ولَا نَصْرَانِيٌّ ولَا صَاحِبُ مِلَّةٍ إِلَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَأْمَنَ الشَّاةُ والذِّئْبُ والْبَقَرَةُ والْأَسَدُ والْإِنْسَانُ والْحَيَّةُ وحَتَّى لَا تَقْرِضَ فَأْرَةٌ جِرَاباً...الخ». نسأل الله تعالى الهداية لأصحاب هذه الخرافات.

الآية الستون: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ (القلم/15و16). ينقل المجلسيّ عن كتاب [كنز الفوائد] للكراجكيّ رواية منسوبة للإمام الصادق (ع) يقول فيها: «فِي قَوْلِهِ: إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. يَعْنِي: تَكْذِيبَهُ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) إِذْ يَقُولُ لَهُ لَسْنَا نَعْرِفُكَ ولَسْتَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ! كَمَا قَالَ المُشْرِكُونَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ».

ينبغي أن نسأل الراوي أين وجدتَ موضوع «القائم» في تلك الآيات؟ ثم إن كلمة «آيات» جمع في حين أن «القائم» مفرد. لكن ماذا نفعل إذا كانوا يلفِّقون كل ما خطر على بالهم.

الآية الحادية والستون: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (المدثر/38-39). معنى الآية واضح، ولكنّ «فرات بن إبراهيم» الكوفي(22) الذي كان شخصاً ضئيل العلم كتب تفسيراً وذكر هنا رواية عن الإمام الباقر (ع) يقول فيها:

«فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى : «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ»: قَالَ نَحْنُ وشِيعَتُنَا. وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ثُمَّ شِيعَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا «لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ»: يَعْنِي لَمْ يَكُونُوا مِنْ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. «ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ»: فَذَاكَ يَوْمُ الْقَائِمِ (ع) وهُوَ يَوْمُ الدِّينِ «وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ»: أَيَّامُ الْقَائِمِ »!!

ونحن نقطع بأن الإمام الباقر (ع) الذي كان عربياً يعرف مواقع الكلام لم يقل مثل هذا الكلام، وأن معاصريه المتشيعين له كانوا أسوأ من المتشيعين لعلي (ع) ونسبوا إليه كل ما أمكنهم من أقاويل. نسأل الله أن يوقظ مقلديهم. أضف إلى ذلك أن الإمام الباقر (ع) لم يكن من عادته أن يفسر كل آية بأن المقصود منها نحن الأئمة، إنه كان متواضعاً ولم يكن معجباً بنفسه. فدعك إذن مما ينسبه فرات الكوفي إلى الإمام الصادق (ع) هنا من قوله أن المقصود من قوله تعالى ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ (الواقعة/10و11) نحن الأئمة.

الآية الثانية والستون: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (سورة ص/86 -88). من الواضح أن هذه الآية المكية تخاطب مشركي مكة، لكن المجلسي ينقل لنا هنا عن كتاب الكافي [للكليني] رواية ضعيفة تقول: «قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قَالَ: عِنْدَ خُرُوجِ الْقَائِمِ»! أفلم يفكر واضع هذه الرواية كيف سيبقى المشركون أمثال أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما أحياء إلى حين قيام القائم حتى يعلموا نبأه بعد حين؟!! لكن يبدو أن الإنسان عندما يسقط في وادي الخرافات يفقد العقل والقدرة على التفكير. وقد روى الكليني ذلك الخبر الموضوع عن رجل ضعيف باسم «عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ» عن ضعيف آخر مثله ونسب كلامه لحضرة الإمام أبي جعفر الباقر (ع).

الآية الثالثة والستون: هنا أيضاً يروي المجلسي نقلاً عن الكافي للكليني رواية في سندها «عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ البطائنيّ» الواقفي الذي لا يؤمن بأي إمام بعد الإمام السابع، بأن الراوي سأل الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) عن قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ (فصلت/53) فقال له: «يُرِيهِمْ فِي أَنْفُسِهِمُ المَسْخَ..... (إلى قوله)... حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ قَالَ خُرُوجُ الْقَائِمِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَرَاهُ الْخَلْقُ لَا بُدَّ مِنْهُ»!.

لاحظ أيها القارئ اللبيب كيف لعب أولئك الرواة بآيات القرآن باسم الإمام وبالتستر تحت لوائه، فرغم أن الآية مكية إلا أن الرواة الجهلة جعلوا مفادها مخاطبة الله لأهل مكة (الذين لم يكونوا قد آمنوا بعد برسوله وكانوا يتهمونه بالجنون والكذب) بأنه سيريهم آياته ليعلموا أن خروج القائم حق!! فهل هناك أي تناسب في هذا الكلام؟؟ كلا والله.

الآية الرابعة والستون: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (مريم/75). هذه الآيات مكيّة وهي إذا لاحظنا سياقها وما جاء قبلها، أي قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (مريم/73) موجَّهةٌ لمشركي مكة الذين كانوا يتبجّحون على المؤمنين بأنهم (أي الكفار) خير من المؤمنين مقاماً وأقوى وأكثر عدداً، لذا أجابهم الله أنهم سيعلمون يوم القيامة من القوي ومن الضعيف. لكنّ المجلسيّ نقل عن كتاب الكافي رواية في سندها «علي بن أبي حمزة البطائني» الخبيث جاء فيها: «قَالَ أَمَّا قَوْلُهُ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَهُوَ خُرُوجُ الْقَائِمِ وهُوَ السَّاعَةُ فَسَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللهِ عَلَى يَدَيْ قَائِمِهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يَعْنِي عِنْدَ الْقَائِمِ وأَضْعَفُ جُنْداً».

أقول: مؤدَّى هذه الرواية أنّ كفّار قريش سيعيشون عمراً مديداً إلى وقت خروج القائم، عندئذ سيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون!! فهل يصُحّ مثل هذا التفسير؟! هل يمكن لِلَّهِ أن يتكلم بمثل هذا الكلام الذي لا معنى له؟! لقد افترى الوضّاعون كل ما عنّ على بالهم، فأبي حمزة هذا نسب إلى الإمام الباقر رواية يفسّر فيها قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (المعارج/26) أن المقصود هو التصديق بخروج القائم!!

الآية الخامسة والستون: هي الآية الخامسة والثلاثون ذاتها (الآية 5 من سورة القصص) التي ناقشنا الاستدلال بها فيما سبق، فليراجع القارئ التوضيحات التي ذكرناها ذيل تلك الآية(23).

هنا ذكر المجلسيّ نقلاً عن بعض الكتب الخرافيّة مزيداً من الآيات المكرّرة، أي أنه كرر الآيات الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين والرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين. ثم بعد ذلك بدأ بذكر أبواب النصوص وجمع فيها ما أمكنه من الروايات التي افتراها الوضّاعون والكذابون والمجهولون والغلاة والمليئة بالتعارض والتناقض والأمور التي لا تُعقَل والتي علامات الكذب فيها واضحة. لذا سنبدأ باستعراض هذه الروايات ونقدها بحول الله وقوته.

إشكال والإجابة عنه:

قد يقول قائل: هل يمكننا أن نقول إن جميع هذه الأخبار الواردة في هذا الأمر – رغم كثرتها - موضوعة ومفتراة بأجمعها؟! فأقول في الجواب عن ذلك: حتى لو بلغ عدد أخبار مجهولي الحال الآلاف لما كانت تسوى فلساً واحداً، ثم أقول: «رُبّ شهرة لا أصل لها» وهذه قاعدةٌ متَّفقٌ عليها لدى جميع العلماء.

رُبَّ شُهْرَةٍ لا أصلَ لها:

لقد وجدنا في هذا الزمن بأم أعيننا كيف يخبر آلاف الأشخاص بأخبار ثم يتبيّن فيما بعد أنّها لا أصل لها وأنها من أكاذيب وتلفيق العوام، فمثلاً، عندما رحل الشاه عن إيران وجاء آية الله الذي كان في نظر الناس مثالاً للعدالة والتقوى، انتشر على ألسن كثير من الناس خبرٌ يقول إنهم رأوا صورة آية الله الفلانيّ في القمر، وتناقل ملايين الناس هذا الأمر على أنه حقيقة واقعة، ثم تبيّن أن الأمر كان كذبة أشاعها بعض الناس لأغراض سياسية. أو مثلاً، وردت أخبار كثيرة عن مجيء الدجال في كتب صحاح أهل السنة وسائر كتب الحديث لديهم وكذلك في كتب الشيعة، وكلها منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربما يزيد عددها على عدة مئات من الأحاديث، في حين أن تلك الأحاديث تتضمن أموراً مستحيلة وغير معقولة، ورغم ذلك فإن علماء فريقي المسلمين يتقبّلونها مع أن وجود دجّال بمثل تلك الأوصاف أمر غير معقول وكذب يقيناً. وكذلك رغم أنه شائع بين الناس في بلدنا بل يجزم الكثيرون أننا وهّابيون وأعداءٌ لعليّ بين أبي طالب وأننا نتلقّى أموالاً من السعودية، إلا أننا نعلم من أنفسنا أن الحقيقة خلاف ذلك وأن الأمور الثلاثة كلُّها كذب محض، فلا نحن وهابيون، ولسنا أعداء لعليّ، بل نعتبر أنفسنا من أول المحبين لعليّ عليه السلام، ولم يأتنا دينار واحد من السعودية أو من أي مصدر آخر، بل لَعَلِّي أكون أفقر شيخ في كل إيران.

أو مثلاً، وردت أخبار في كتب الفريقين عن «الخضر», وكم من الناس يدعون أنهم رأوا الخضر وسألوه، أو أن حضرة أمير المؤمنين (ع) روى دعاء كميل عن «الخضر». وكم من مرشدي الصوفية ادّعوا أنهم رأوا «الخضر» وأنهم أخذوا خرقتهم عنه، وينتسبون إليه! وكم من مدَّعي القداسة أو أئمة الدين يزعمون رؤيتهم الخضر ويروون عنه بعض الأمور. في حين أن كل ذلك كذب محض ومخالف للقرآن الكريم, وكل مسلم معتقد بالقرآن لا يمكنه أن يقبل بأخبار «الخضر»، لأن القرآن يقول لخاتم الأنبياء حضرة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ؟؟﴾ (الأنبياء/34)، وكذلك يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ (آل عمران/85).

 

ما يُرى بالعين مقدَّم على ما تسمعه الأذن!

سأنقل لكم قصة حدثت معي بالذات وادّعى فيها خمسمئة شخص عاقل ومسلم في ليلة وفي خلال جلسة أنهم رأَوا إمام الزمان المهدي القائم!. والقصة هي أن هذا العبد الفقير كنتُ ساكناً في قم وكان عمري حينها 35 عاماً، وكنت أرتدي القباء والعباءة والعمامة كسائر علماء الدين وأردت السفر إلى ميناء «بوشهر» للإبحار منه إلى الهند، وركبت في الحافلة متّجهاً إلى «بوشهر» وتوقّفت الحافلة في قرية تُدعى «آباده» بين أصفهان وشيراز, وكانت الشمس قد غربت لتوّها وكان البرد شديداً، فهرع الركّاب إلى المقهى لتناول الشاي والطعام الساخن، ولكني أردت أن أصلي المغرب أولاً، فدخلت المسجد ورأيت داخله جماعة كبيرة ربما يزيد عددهم على خمسمئة شخص قد فرغوا من الصلاة وجلسوا ينتظرون قدوم واعظ كان على موعد معهم ليلقي عليهم درساً دينياً، وكانوا قد أضاؤوا أنوار المسجد لأجل ذلك وحضروا السماور الكبير لتقديم الشاي للحاضرين. فأديت صلاتي بسرعة ثم سألت ماذا ينتظر هؤلاء الجالسون؟ فقيل لي إنهم ينتظرون الواعظ الذي ذهب إلى «إقليد» ولا ندري متى سيرجع. ففكرت في نفسي أن أصعد المنبر وألقي بضع كلمات حول التوحيد قُربةً إلى الله عسى أن تتنوّر بها بصائر هؤلاء الناس. ففعلت ذلك وألقيت عليهم كلمة طالت حوالي نصف ساعة وتضمّنت أفكاراً عالية وقيّمة جداً وذكرت لهم عدداً من آيات القرآن الكريم، ولكن لما كان من الممكن للحافلة أن تتحرك فإني أنهيت الكلمة بشكل مفاجئ ونزلت مستعجلاً من على المنبر وخرجت من المسجد لأجد الحافلة مستعدة للانطلاق فلحقت بها وتحركنا على الفور.

[وحسبما تبين فيما بعد] يبدو أن الناس في المسجد استمتعوا بخطبتي كثيراً ولما نزلت من على المنبر قال بعضهم لبعض، إن هذا السيد أجاد جداً في الكلام وهو أفضل من واعظنا بمئة مرة، فما أحرانا أن ندعوه للبقاء عشرة أيام ليفيض علينا وعلى أهل بلدتنا من علمه. فأرسلوا بضعة أشخاص عقب خروجي ليعرضوا عليّ هذا الاقتراح فلم يجدوني كوني كنت قد انطلقت على الفور بالحافلة. فبحثوا يميناً وشمالاً ولم يجدوني، ودخلوا المقهى المجاور للمسجد وبحثوا فيه فلم يجدوا لي أثراً، فقالوا في أنفسهم يبدو أن ذلك السيد ذهب إلى السماء أو ذهب في الأرض شرقاً أو غرباً!! ورجعوا إلى المسجد وأخبروا أهله بأن ذلك السيد كان إمام الزمان الذي أمضينا عمرنا شوقاً لرؤيته، وغاب بمجرد خروجه من المسجد، وبدأ الناس يظهرون تأسّفهم وينوحون ويلطمون صدورهم ويبكون ويقولون، أيها السيد! يا إمام الزمان! فداك أرواحنا! جئت إلى مسجدنا ولم نعرفك!. وبقوا على هذه الحال حتى الصباح، وأبرقوا برقيةً إلى بعض علماء شيراز وأخبروهم بأن إمام الزمان ظهر لهم في مسجدهم وألقى عليهم كلمة رائعة ثم غاب من جديد!. واشتهر الخبر في شيراز وبدأ أصحاب المنابر في المساجد على الفور ينقلون هذه القصة بكل اهتمام وحماس عن خمسمئة شخص من أهالي قرية «آباده» أجمعوا على أنهم رأَوا إمام الزمان. ولما دخلتُ [في اليوم التالي] إلى أحد مساجد شيراز سمعت هذا الخبر من شيخ منبره فعرفت حقيقة الأمر لكنني لم أجرؤ على بيان حقيقة القصَّة!.

إذا عرفنا ذلك أدركنا أن ملء المجلسي كتابه بأقوال مجهولي الحال المتفرقين ليس بأقوى من النقل عن خمسمئة شخص مجتمعين كانوا في مكان واحد وادّعوا جميعاً أنهم رأوا المهدي بأم أعينهم وسمعوه بأذنهم. وانظروا إلى أبواب «النصوص من الله تعالى ومن آبائه» فلن تجدوا فيها حديثاً واحداً جميع رواة سنده موثوقون وغير مجهولي الحال.

 

 

+            +             +

 

أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه

باب 1- ما ورد من إخبار الله وإخبار النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالقائم (ع) من طرق الخاصة والعامة

الخبر الأول: يرويه النعماني [في كتابه الغيبة] عن رجل مجهول مهمل باسم أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عن مجهول آخر باسم إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحُلْوَانِيِّ عَنْ مجهول باسم أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ مجهول آخر باسم هُدْبَةَ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ عَنْ مجهول آخر باسم سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ مجهول آخر باسم عَبْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ اليَمَانِيِّ عَنْ مجهول آخر باسم عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مجهول آخر باسم إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الذي يعتبره علماء الشيعة ضعيفاً وكذّاباً، وجهالة من ذكرتُ جهالَتَه منصوصٌ عليها لدى علماء الرجال الشيعة أنفسهم.

وأما متن الحديث فهو أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نَحْنُ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ سَادَةُ أَهْلِ الجَنَّةِ رَسُولُ اللهِ وحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وجَعْفَرٌ ذُو الجَنَاحَيْنِ وعَلِيٌّ وفَاطِمَةُ والْحَسَنُ والْحُسَيْنُ والمَهْدِيُّ.».

وأقول: ما الفائدة من ذكر مئات من هذه الروايات؟ ألا يؤدي الإكثار والتكرار لأمثال هذه الروايات إلى جعل الناس يتوجهون إلى المخلوق أكثر من توجههم إلى الخالق ويقعون في الشرك؟ ثم هل يمكن الاحتجاج برواية مثل أولئك الرواة المجاهيل؟ ثم كيف لا يكون كل الرجال من الأنبياء والنساء العظيمات مثل مريم بنت عمران سادة أهل الجنة ويقتصر سادة الجنة على حمزة وجعفر عليهما السلام؟

الخبر الثاني: إضافة إلى ضعف سنده فإن متنه خرافي، إذ ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقُومَ القَائِمُ الحَقُّ مِنَّا وذَلِكَ حِينَ يَأْذَنَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ ومَنْ تَبِعَهُ نَجَا ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ هَلَكَ اللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ فَأْتُوهُ ولَوْ عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وخَلِيفَتِي», وقد سبق أن بيّنّا أنه ليس لِلَّهِ خليفةٌ، فليراجع ثمة.

الخبر الثالث: هو حديث خرافي ومخالف للقرآن وفي الوقت ذاته رواته من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين، فمثلاً جاء فيه:

«.... يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ عَبْدِي وأَنَا رَبُّكَ فَلِي فَاخْضَعْ وإِيَّايَ فَاعْبُدْ وعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ وبِي فَثِقْ فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُ بِكَ عَبْداً وحَبِيباً ورَسُولًا ونَبِيّاً وبِأَخِيكَ عَلِيٍّ خَلِيفَةً وبَاباً فَهُوَ حُجَّتِي عَلَى عِبَادِي....»، هذا في حين أنّ القرآن الكريم ونهج البلاغة ينصّان على أنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل، إضافة إلى أن الله تعالى لا يقتصر رضاؤه على نبيه أو على عليّ بل قبل ذلك رضي عن الأنبياء الذين أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بهم حيث قال تعالى: ﴿بِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ (الأنعام/90)، أوليس الله هو القائل: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (النساء/125), وأساساً فإن جمل هذا الحديث ليست معقولة، لكن يبدو أن الرواة الذين كانوا من عوام الناس لم يحسنوا تأليف جمل أفضل منها!.

الحديث الرابع: إضافة إلى وجود رواة مجهولين في سنده مثل «عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغِ» و«الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ» وغيرهما، فإن سنده ينتهي إلى «كَعْبِ الأَحْبَارِ» اليهودي. وأما متنه فكلامٌ لا يفيد شيئاً إذْ يقول: «قَالَ فِي الخُلَفَاءِ هُمُ اثْنَيْ عَشَرَ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَائِهِمْ وأَتَى طَبَقَةٌ صَالِحَةٌ مَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي العُمُرِ...»، قلت: ما معنى قوله "وأتى طبقة صالحة" وهل كان الخلفاء الاثني عشر غير صالحين؟!

الحديث الخامس: مرويٌ عن التَّمِيمِيِّ بسنده. و«التميميّ» كنية مشتركة بين عدة رواة لا ندري من هو المقصود منهم هنا. وأما متن الحديث فيقول: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَقُومَ بِأَمْرِ أُمَّتِي رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً». فأقول: ليس في الحديث دليل على مهديٍّ يولد ويعيش آلاف الأعوام بيننا حتى يظهر!

الحديث السادس: في سنده رواةٌ مجهولون مثل: «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصواري» و«الحُسَيْنِ الأَشْقَرِ» و«قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ». وأما متنه ففيه: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِفَاطِمَةَ فِي مَرَضِهِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ مَهْدِيٍّ وهُوَ واللهِ مِنْ وُلْدِكِ». أقول: هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة لأن يقسم لابنته فاطمة عليها السلام، ألم تكن فاطمة مصدقة بكل ما يقوله أبوها دون حاجة لأي قسم؟

الحديث السابع: يرويه مجاهيل مثل الحَفَّارُ المجهول عَنْ مجهول آخر باسم عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مجهول ثالث باسم أَبِي قِلَابَةَ... حتى يصل في السند إلى: «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ أَبِي: دَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصْبَهُ (ع) يَوْمَ الغَدِيرِ وبَعْضَ مَا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ فَضَائِلِهِ (ع) إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ بَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقِيلَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع) أَنَّهُمْ يَظْلِمُونَهُ ويَمْنَعُونَهُ حَقَّهُ ويُقَاتِلُونَهُ ويَقْتُلُونَ وُلْدَهُ ويَظْلِمُونَهُمْ بَعْدَهُ وأَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع) عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ إِذَا قَامَ قَائِمُهُمْ وعَلَتْ كَلِمَتُهُمْ وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وكَانَ الشَّانِئُ لَهُمْ قَلِيلًا والكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلًا وكَثُرَ المَادِحُ لَهُمْ.. الخ».

أقول: ولكن القائم لم يأت في زماننا رغم كثرة المداحين له المشغولين بمدحه والثناء عليه ليل نهار!. هذا وينبغي أن نعلم أن الإسلام نهى عن كثرة المديح والثناء واعتبر ذلك من أعمال الجاهلية كما تدل على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوضوح.

الحديث الثامن: إضافة إلى ضعف عدد من رجال سنده فإن متنه ظاهر الوضع إذ فيه: «قَالَ‏ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) مَا كَانَ ضَجَّتِ المَلَائِكَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وقَالَتْ يَا رَبِّ يُفْعَلُ هَذَا بِالْحُسَيْنِ صَفِيِّكَ وابْنِ نَبِيِّكَ؟! قَالَ: فَأَقَامَ اللهُ لَهُمْ ظِلَّ القَائِمِ (ع) وقَالَ: بِهَذَا أَنْتَقِمُ لَهُ مِنْ ظَالِمِيه».

أقول: يجب أن نسأل أولئك الرواة: هل كان الوحي يتنزّل على حضرة الإمام الصادق حتى عرف بضجيج الملائكة وما قالوه لربّهم؟! ألا يعلم أولئك الرواة أن الوحي انقطع بعد رسول الله؟. وثانياً: وهل يكون قاتلو الحسين أحياء عند قيام القائم حتى ينتقم الله منهم بواسطة القائم؟! لذلك أقول إن أولئك الرواة لما كانوا من العوام ما كانوا يحسنون تلفيق أفضل من تلك الجمل.

الخبر التاسع: في سنده: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، والثلاثة مجاهيل لا نعلم عنهم شيئاً، فهل يَثْبُتُ بمثل هذه الروايات التي يرويها مجهولٌ عن مثله شيءٌ؟؟

الخبر العاشر: إضافة إلى ضَعْف رواته فإن متنه مهملٌ إذ يقول: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : والَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً لَيَغِيبَنَّ القَائِمُ مِنْ وُلْدِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى يَقُولَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا لِلَّهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ ويَشُكُّ آخَرُونَ فِي وِلَادَتِهِ... إلخ». وليت شعري: وهل كان لِلَّهِ تعالى حاجةٌ في أحد؟ هل هناك أبطل من هذا الكلام؟

الخبر الحادي عشر: في سنده مجهول باسم «المُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ» يروي عَنْ قصَّاصٍ يُدعَى «وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ» يَرْفَعُهُ مباشرةً إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مع أن هناك سنوات تفصل بينهما «عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ أَتَانِي النِّدَاءُ يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ‏ رَبَّ العَظَمَةِ لَبَّيْكَ! فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَيَّ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الأَعْلَى قُلْتُ إِلَهِي لَا عِلْمَ لِي.... إلى آخر الحديث الطويل».

قلتُ: إضافة إلى فساد السند يتضمن المتن أمراً مخالفا للواقع وهو أنه يجعل خروج صاحب الزنج من علامات خروج المهدي، مع أن صاحب الزنج قام سنة 255ه- واليوم مضى على ثورته أكثر من ألف سنة ولم يأتنا المهدي بعد! فمن الواضح أن هذا الخبر تم وضعه في تلك الفترة.

الخبران الثاني عشر والثالث عشر: إضافة إلى أن في سندهما رواة مجاهيل، فإن متنهما يتضمن أموراً تخالف القرآن.

الخبران الرابع عشر والخامس عشر: في سند الأول «مُحَمَّدُ بْنُ جُمْهُورٍ» وفي سند الثاني «سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ» وكلاهما من الكذّابين المشهورين بالكذب وانعدام الدين، وأما متنهما فمتشابه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ قَائِمَ أَهْلِ بَيْتِي وهُوَ مُقْتَدٍ بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ يَأْتَمُّ بِهِ وبِأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ قَبْلِهِ ويَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ أُولَئِكَ رُفَقَائِي وأَكْرَمُ أُمَّتِي عَلَيَّ».

ينبغي أن نقول لأولئك الرواة: أولاً: كيف سيتم الاقتداء به قبل أن يخرج؟ ثانياً: كيف يكون أكرم الأمة من يقتدي به وهو لم يره ولا علم له بسلوكه؟ وهل هناك هذيان أكثر من هذين الخبرين؟!! ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ (الفرقان/4)، ثم إن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب/21).

الخبران السادس عشر والسابع عشر: إضافة إلى ضعف رواتهما فإن متنهما لا يصحُّ لأنه يقول: «المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي.... تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وحَيْرَةٌ حَتَّى يَضِلَّ الخَلْقُ عَنْ أَدْيَانِهِمْ» فينبغي أن نقول: هل المهدي من أصول الدين أم من فروعه حتى يضل الخلق بفقدانه؟ إن هذا يبيّن أن جميع تلك الأخبار موضوعة ومكررة.

الأحاديث من الثامن عشر وحتى الثاني والعشرين: إضافة إلى ضعف بعض رواة سندها وجهالة بعضهم الآخر، فإن متونها تتضمن أقوالاً غير صحيحة بل قولُ زورٍ، إذ جاء فيها «الشَّكّ فِي أَمْرِ المهدي كُفْرٌ» أو «مَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي» أي أنكر رسول الله!!

أفلم يوجد من يسأل أولئك الرواة: لماذا يكفر من ينكر المهدي؟! وهل هو من أصول الدين أو أركانه؟ إذا كان المهدي حقيقةً فهل يكون تابعاً لدين الإسلام أم يكون هو الإسلام ذاته؟ إذا كان تابعاً للإسلام فحكمه حكم سائر أتباع الإسلام, فإذا أنكر شخص أحد العلماء أو المصلحين الإسلاميين هل يكفر بذلك؟ وبأي دليل يحكم بكفره وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء/136). لقد حدَّد الحقّ تعالى أصول الدين التي يكفر من أنكرها ولم يذكر من ضمنها الإمام فلم يقل مثلاً: «و من يكفر بالأئمة» وقال تعالى أيضاً ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (البقرة/177), ولم يأت على الأئمة بذكر, ولذا فإن جميع أهل السنة الذين لا يؤمنون بإمامة أئمة الشيعة [على النحو الذي يؤمن به الشيعة] مسلمون. إذا كان الأمر كذلك فلنا أن نسأل: هل يملك أولئك الرواة العوام الجاهلون بالقرآن الحقَّ بإضافة أمور جديدة إلى معيار الإيمان والكفر؟! يظهر أن أولئك الرواة لم يكن لهم اهتمام بالقرآن وأضافوا إلى دين الله كلَّما أملته عليهم أهواؤهم. فيجب أن نقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ (الأنعام/21).

الأحاديث من الثالث والعشرين إلى السادس والعشرين: في سندها عين الرواة المجهولين الموجودين في أسانيد الروايات السابقة بل أسوأ منهم مثل «مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ القَيْسِيِّ» عَنْ «سَهْلِ بْنِ تَمَامٍ البَصْرِيِّ» عَنْ «عِمْرَانَ القَطَّانِ» وأمثالهم ممن لا ندري هل لهم وجود حقيقي أم أنها مجرد أسماء ملفقة لا وجود لأصحابها أصلاً؟!! وأما متن الخبر فهو تكرار لمتون الأخبار التي سبقت مع إضافة أمر جديد حيث يقول متن هذه الروايات: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وزِلْزَالٍ يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وسَاكِنُ الأَرْضِ» أو «يَمْلَأُ قُلُوبَ عِبَادِهِ عِبَادَةً» أو «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تُنْزِلُ لَهُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وتُخْرِجُ لَهُ الأَرْضُ بَذْرَهَا». هنا يجب أن نسأل أولئك الرواة كيف يرضى عنه عند خروجه ساكن السماء وسكان الأرض أليسوا الآن راضين عنه؟! وما معنى قوله «يَمْلَأُ قُلُوبَ عِبَادِهِ عِبَادَةً»؟ وما المقصود من نزول قطر السماء عند خروجه, فلماذا تُنزلُ السماءُ قطرَها الآن مع أنه لم يأت بعد؟ إنها أسئلة على أولئك الرواة أن يجيبوا عنها.

الخبر السابع والعشرون: إضافة إلى ضعف رواة سنده وجهالتهم مثل «عَلِيِّ بْنِ قَادِمٍ»، فإن متنه يخالف مذهب الإمامية ويخالف روايات الاثني عشرية لأنه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ رَجُلًا مِنِّي يُوَاطِئُ اسْمُهُ‏ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي.... الحديث». إذن طبقاً لهذا الحديث سيكون اسم المهدي محمد بن عبد الله وليس محمد بن حسن العسكري. وقد أورد المجلسي في بحار الأنوار عديداً من الأخبار بهذا المضمون أي أن اسم المهدي محمد بن عبد الله. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا أورد مشايخ الشيعة أخباراً تخالف مذهبهم؟!! ينبغي أن نقول: «الغريقُ يتشبَّثُ بالقشَّة».

الأحاديث من الثامن والعشرين إلى الثلاثين: إضافة إلى وجود مجاهيل في أسانيدها فإن متنها لا يصح. ففي متن الخبرين 28 و30: «المَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ». نقول: إذن كلُّ سيد (أي منسوب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ) يمكنه أن يثور بوصفه مهدياً استناداً إلى مثل هذه الأحاديث. وفي متن الخبر 29: «يُخْرِجُ ذُلَّ الرِّقِّ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ» وهذا الكلام غير مترابط لأنه إذا قصد العبودية لِلَّهِ فهذه ليست ذلاً, وإن كان المقصود غير ذلك فإن الناس ليسوا أرقاء لأحد حتى يحررهم المهدي. وواضح أن أولئك الرواة يريدون أن يمجِّدُوا المهديَّ ويبالغوا في مديحه بأيِّ وسيلة كانت.

الخبر الحادي والثلاثون: راويه شخصٌ مجهول عن مجهول آخر عن «وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ» القصَّاص عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا وَهْبُ ثُمَّ يَخْرُجُ المَهْدِيُّ. قُلْتُ: مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: لَا واللهِ مَا هُوَ مِنْ وُلْدِي ولَكِنْ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ (ع).. ». فينبغي أن نسأل: هل في دين الإسلام خفايا وأسرار لا تنكشف إلا بقسم ابن عباس؟

الخبر الثالث والثلاثون(24): خبر مبهم المتن يقول: «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ نُجُومِ السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ حَتَّى إِذَا نَجْمٌ مِنْهَا طَلَعَ فَرَمَقُوهُ بِالْأَعْيُنِ وأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ فَذَهَبَتْ بِهِ...». فنسأل ما علاقة هذا الحديث بالمهدي؟ نعم الفائدة الوحيدة لهذه الحديث وأمثاله تضخيم الكتاب وخداع العوام.

الخبر الرابع والثلاثون: يتضمن أموراً سيئةً إضافةً إلى ضعف رواته، وهي أنه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله لجعفر بن أبي طالب: «..أَلَا أُبَشّرُكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: كَانَ جَبْرَئِيلُ عِنْدِي آنِفاً فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الَّذِي يَدْفَعُهَا إِلَى القَائِمِ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، أَتَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي وَجْهُهُ كَالدِّينَارِ وأَسْنَانُهُ كَالْمِنْشَارِ وسَيْفُهُ كَحَرِيقِ النَّارِ يَدْخُلُ الجَبَلَ ذَلِيلًا ويَخْرُجُ مِنْهُ عَزِيزاً يَكْتَنِفُهُ جَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ». فما هذه الألفاظ الغريبة؟ وليت شعري هل كان الراوي الوضاع نفسه يعقل معاني ما يؤلف من كلام؟ ثم ألا يعلم أن جبريل لا ينزل على أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

الخبر الخامس والثلاثون: يرويه رواةٌ مجاهيل عن الإمام الباقر كلاما في إهانة لحضرة موسى عليه السلام إذ يقول: «نَظَرَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (ع) فِي السِّفْرِ الأَوَّلِ بِمَا يُعْطَى قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ قَالَ مُوسَى رَبِّ اجْعَلْنِي قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ ذَاكَ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَحْمَدَ ثُمَّ نَظَرَ فِي السِّفْرِ الثَّانِي فَوَجَدَ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَهُ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ نَظَرَ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ فَرَأَى مِثْلَهُ فَقَالَ مِثْلَهُ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُهُ». أقول: لو قيل مثل هذا الكلام بحق شخص جاهل عسير الفهم بأنه رغم طلبه لأمر غير معقول عدة مرات وسماعه الجواب يكرر السؤال ثانية وثالثة ورابعة, ألا يعتبر إهانة له؟ لا أدري ما هو غرض أولئك الرواة من إهانة رسل الله؟ هذا عدا عن أنه لو كان القائم حقيقةً لوجب عليه أن يؤمن بموسى وإلا لكان كافراً.

الخبر السادس والثلاثون: هو كالخبر الثاني والثلاثين، وكلاهما يخالف القرآن، أي أن هذا الخبر والخبر الثاني والثلاثين – الذي سقط عن قلمي سهواً فنسيت أن أعلق عليه – يذكران أن عيسى سيهبط إلى الأرض ويصلي خلف القائم، وهذا مخالف للقرآن، فضلاً عن ضعف رواة سند الحديث.

الخبر السابع والثلاثون: يتضمن نقلاً للروايات التي أوردها صاحب كتاب «كشف الغمة» نقلاً عن «أبي نعيم الأصفهاني» الذي أورد في كتابه أربعين حديثاً هي ذات الأحاديث المذكورة سابقاً بعينها. هذا رغم أن أبا نعيم الأصفهاني من أهل السنة وبالتالي فهو لا يؤمن بالمهدي القائم المنتظر ولا يرى انحصار الإمامة باثني عشر إمام, إنما كان قصده جمع كل ما توفر له من أحاديث في هذا الباب سواء كانت ضعيفةً أم مقبولة أم مردودة.

وعلى كل حال فأبو نعيم مثله مثل بعض جامعي الحديث من أهل السنة الذين يجمعون كثيراً من الأحاديث الموضوعة المروية عن أشخاص مجاهيل. ومن العجيب أن بعض علماء أهل السنة ينقلون كثيراً من الأخبار عن رواة الشيعة ثم يأتي الشيعة فينقلون تلك الأحاديث عنهم ويعتبرونها أدلة على صحة معتقداتهم؟ إن في الأربعين حديثاً هذه التي أوردها أبو نعيم أخباراً تبيِّن بوضوح خرافة المهدي الخيالي.

فمثلاً الأخبار 1و2و3 التي أوردها أبو نعيم تذكر أن المهدي عندما يقوم يملك سَبْعاً (أي سبع سنين) أَوْ تِسْعاً. فأقول: إذن كل تلك الكتب التي ملؤوها وكل ذلك الجدل والنقاش والوعود والانتظار آلاف السنين، لأجل شخص سيحكم سبع سنوات فقط, أي أن الدنيا ستمتلئ ظلماً وجوراً آلاف السنين باستثناء تلك السنوات السبع؟ هل هناك من عاقل يفرح بمثل هذا الوعد؟ فضلاً عن رسول الله الحكيم.

وفي الأخبار 4 و5 و6 أن المَهْدِيَّ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَة، والخبر 5 يقول: إن «فَاطِمَة كانت عِنْدَ رَأْسِ النبيِّ - وهُوَ فِي الحَالَةِ الَّتِي‏ قُبِضَ فِيهَا -ِ فَبَكَتْ حَتَّى ارْتَفَعَ صَوْتُهَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَيْهَا رَأْسَهُ فَقَالَ: حَبِيبَتِي فَاطِمَةُ مَا الَّذِي يُبْكِيكِ فَقَالَتْ أَخْشَى الضَّيْعَةَ مِنْ بَعْدِكَ...». فأقول: هل يمكن لامرأة عاقلة متوكلة على الله وتؤمن أن مصيرها بيد الله أن تقول مثل ذلك الكلام غير المتوازن على فراش احتضار أبيها؟ ألا تسبب بمثل هذا الكلام انزعاج أبيها وحزنه؟! هل يمكن أن يصدر مثل هذا عن فاطمة الزهراء زوجة رجل عالم وشجاع مثل حضرة علي؟! ألم تكن فاطمة عليها السلام تعتبر الله أرحم وأكثر شفقة من أي مخلوق بما في ذلك رسوله الكريم؟!

والخبر 7 يقول: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا كرعَةُ» وهذا يخالف الأخبار الأخرى التي تقول إنه يخرج من مكة أو يقوم في مكة. ثم تبين الأخبار 8 و9و10 و11 صفات المهدي الجسمية كقولها «عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» أو قولها «أَجْلَى الجَبِينِ أَقْنَى الأَنْفِ». فأقول: إذن كل من يتّصف بهذه الصفات يمكنه أن يدّعي أنه المهدي! وعلى كل حال فقد اهتمت هذه الأخبار بطول وقامة وشكل المهدي وأتت بأمور لا تتناسب مع أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن المقطوع به أنها لا يمكن أن تكون من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الخبر 13 يقول: «لَيَبْعَثَنَّ اللهُ مِنْ عِتْرَتِي رَجُلًا أَفْرَقَ الثَّنَايَا أَجْلَى الجَبْهَةِ يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا...». وفي الخبر 12: «بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الرُّومِ أَرْبَعُ هُدَنٍ يَوْمُ الرَّابِعَةِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ آلِ هِرَقْلَ يَدُومُ سَبْعَ سِنِينَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ يُقَالُ لَهُ المُسْتَوْرِدُ بْنُ غَيْلَانَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ إِمَامُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ قَالَ المَهْدِيُّ (ع) مِنْ وُلْدِي». أقول: أفلم يوجد من يقول لهذا الراوي الجاهل أن سلاطين الروم وهرقل انقرضوا منذ مئات السنين ولم يظهر المهدي بعد!

لقد نقل المجلسي هذه الروايات عن الحافظ أبي نعيم الذي كان من أهل السنة بغرض إثبات وجود المهدي في حين أنه عندما تنقل أمور ضعيفة عن أي شخص فإن هذا لا يزيدها إلا ضعفاً.

وفي الخبر 15: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ فِي أُمَّتِي يَبْعَثُهُ اللهُ عِيَاناً لِلنَّاسِ يَتَنَعَّمُ الأُمَّةُ وتَعِيشُ المَاشِيَةُ وتُخْرِجُ الأَرْضُ نَبَاتَهَا...». لنا أن نسأل ألا تُخرِج الأرض نباتها الآن؟ ثم في الخبر 16 أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ فِيهَا مُنَادٍ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ خَلِيفَةُ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ». وقد سبق أن بينا أن الله تعالى لا خليفة له، فلا هو يغيب ولا يتوفّى ولا يسافر ولا يتحيّز بمكان حتى يحلّ محله خليفة له، بل جاءت كلمة الخليفة في القرآن الكريم بشكل متكرر بمعنى خليفة السابقين لا خليفة الله.

وفي الخبر 17: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ فَاتَّبِعُوهُ» وفي الخبر 18 : «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنِ النَّاسِ وزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وسَاكِنُ الأَرْضِ يَقْسِمُ المَالَ صِحَاحاً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ومَا صِحَاحاً قَالَ السَّوِيَّةُ بَيْنَ النَّاسِ» وفي الخبر 19: «لَا يَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً»وفي الخبر 20: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَبَعَثَ اللهُ فِيهِ رَجُلًا اسْمُهُ اسْمِي وخُلُقُهُ خُلُقِي، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع)‏ ». وهذه الأخبار كلها تتعارض مع أخبار أخرى تقول إن كنية المهدي: أبو القاسم أو غير ذلك. فهذا يبيّن حال هذه الروايات المتعارضة التي يناقض بعضها الآخر.

وفي الخبر 21: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي...» إذن يتبيَّن أن هذا المهدي ليس هو مهدي الشيعة محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر. والأخبار 22 و23 و24 تقول: «المهديّ يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وعَدْلًا. ويَكُونُ عَطَاؤُهُ هَنِيئاً»، وفي الخبر 25: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي... [إلى قوله:] ويَعْمَلُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَبْعَ سِنِينَ ويَنْزِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ». وهنا نقول: أولاً: هل كل تلك الوعود لأجل سبع سنوات فقط؟ وثانياً: هذا الخبر يعارض الأخبار التي تقول إن المهدي يسكن الكوفة.

وفي الخبر 26 يقول: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ خُرَاسَانَ فَائْتُوهَا ولَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللهِ المَهْدِيَّ». إذن، لعلهم يعتبرون أن جيش أبي مسلم الخراساني الذي جاء من الشرق براياته السود هو جيش المهدي وأبو مسلم هو المهدي! من الواضح أن هذا الخبر وضعه أنصار بني العبّاس ولا أدري ما فائدة وجوده في كتب الشيعة؟!

وفي الأخبار 27 و32 و33 تم تكرار هذا الأمر بعينه، أي الذي مؤداه أن أبا مسلم [الخراساني] هو المهدي. وفي الأخبار 28 و29 و30 و31، تكرار لتلك الأمور السابقة ذاتها وأن المهديَّ: «يُصْلِحَ أُمَّةً بَعْدَ فَسَادِهَا» وأنه «يَتَنَعَّمُ أُمَّتِي فِي زَمَنِ المَهْدِيِّ (ع) نِعْمَةً لَمْ يَتَنَعَّمُوا قَبْلَهَا قَطُّ يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ولَا تَدَعُ الأَرْضُ شَيْئاً مِنْ نَبَاتِهَا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ» وأن «المَهْدِيِّ هُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الجَنَّةِ» وفي الخبر 34 أن «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)سأل رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَمِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ المَهْدِيُّ أَمْ مِنْ غَيْرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : لَا بَلْ مِنَّا» وفي الخبر 35 أن المهديَّ «يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً، ولَا خَيْرَ فِي العَيْشِ بَعْدَ المَهْدِيِّ»، وهنا ينبغي أن نقول لأولئك الرواة والكتاب: أكُلُّ ذلك الكلام والاهتمام ولطم الصدور والاحتفالات السنوية الطويلة والعريضة لأجل مُلْك يدوم سبع سنوات فقط ولا خير في العيش بعده؟! هل هذا أمر عقلاني؟ وكذلك ذُكِر في ذلك الخبر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المهدي: «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» ومعنى ذلك أن هذا المهدي ليس محمد بن الحسن الذي يتكلمون عنه.

الخبر 37 مخالف لمذهب الشيعة، والخبران 38 و39 مخالفان للقرآن لأنهما يذكران أن المسيح يهبط إلى الأرض ويصلي خلف المهدي. فينبغي أن نقول هنا إن القرآن الكريم يصرّح بأنّ اللهَ توفَّى عيسى كما جاء في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (آل عمران/55)، وأن عيسى (ع) يقول لِلَّهِ تعالى يوم القيامة: ﴿كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (المائدة/117). وثانياً: في القرآن الكريم آيات تثبت أن أهل الجنة ذاقوا في الحياة الدنيا موتةً واحدةً فقط: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الْأُولَى (الدخان/56). وثالثاً: يقول تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ (الأنبياء/34)، فهذا يدل على أن عدم موت عيسى وبقاءه حياً مخالفٌ لآيات القرآن، كما أنه لو قيل إن الإنسان يحيى في الدنيا مرة ثانية بعد موته ثم يموت موتةً أخرى لكان ذلك مخالفاً لآيات القرآن لأن القرآن ذكر أن أهل الجنة لم يذوقوا في الدنيا إلى موتةً واحدة.

وفي الخبر 40 يُرْوى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَنْ تَهْلِكَ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي آخِرِهَا والمَهْدِيُّ فِي وَسَطِهَا» وهذا مخالف للقرآن الكريم الذي قال: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (الإسراء/58)، فينبغي أن نسأل: لماذا قمتم بتجميع هذه الروايات المخالفة للقرآن؟

الخبر الثامن والثلاثين: هنا ينقل المجلسيّ مجدداً عن كتاب «كشف الغمّة» الذي أُلِّف في القرن السادس الهجري، ما نقله صاحب كشف الغمة بدوره عن كتاب «كفاية الطالب» لصاحبه محمد بن يوسف الشافعي الكنجيّ الذي جمع في كتابه أخباراً في 25 باباً هي عين الأخبار التي ذُكِرَت سابقاً، كل ما في الأمر أنها مروية هنا عن رواة مجهولين من أهل السنة. وينبغي أن نقول إن إعادة وتكرار الأخبار ذاتها عن مجهولين لا يثبت شيئاً. بيد أن في أخبار كتاب «كفاية الطالب» خرافات أخرى أيضاً لا توجد في الأخبار السابقة. من جملة ذلك أنه روى في الباب الرابع أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يُقْتَلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئاً لَا أَحْفَظُهُ». أفلم يوجد من يسأل ذلك الراوي الوضّاع أي كنز هذا هو كنزنا وأي خليفة تقصد، وما هي الفائدة من تلفيق هذه المبهمات؟! ثم ينقل في الأبواب 1 و2 و4 و5 عين الأحاديث التي مرّت سابقاً، وفي الباب السادس يقول عن المهدي إن «أَخْوَالُهُ‏ كَلْبٌ» أي من قبيلة بني كلب، وأنه «فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفَّى ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ»، ونكرر القول: ما هي جدوى أن ينتظر الناس آلاف السنين وأن تُختَرَع آلاف الأحاديث وتُملأ آلاف الصفحات بأن المهدي قادم، لكي يأتي هذا المهدي في آخر الزمن ويعيش مدة خمس سنوات، ثم يُحرَم الناس منه بقية عمر الدنيا؟! ماذا يقول مؤيدو المهدي في مثل هذا الأمر؟! ثم ما معنى أن يشكّ رسول الله بين خمس أو سبع أو تسع سنوات؟!

ويذكر في الباب السابع أن المهديَّ «يُصَلِّي بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (ع») وأن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» مما يفيد أن مقام المهدي أعلى من مقام حضرة عيسى، هذا في حين أن المهدي وكل إمام يجب عليه أن يؤمن بعيسى، فإذا لم يؤمن به كان كافراً، فالقرآن صريح بوجوب الإيمان به وبجميع الأنبياء. أضف إلى ذلك أن هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم نزلت بشأن عيسى (ع) في حين لم نشاهد آية واحدة نزلت بشأن المهدي، بل إن القرآن لا يؤيد وجود مثل هذا المهدي بالأوصاف التي يذكرونها، إذ يبين أن الكفر والشرك باقيان إلى يوم القيامة.

وفي الأبواب التالية وحتى الباب الثالث عشر يكرر الأحاديث السابقة ذاتها, ثم في الباب الرابع عشر يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المهدي يخرج من قرية «كرعة». وهذه الرواية تبيّن أن محلّ خروج المهدي لم يكن معلوماً لأنه روى في الباب السادس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المهدي يخرج من المدينة ومكّة. وفي أخبار أخرى أنه يخرج في الكوفة.

وفي الباب الثاني عشر يقول إنه لن يكون هناك عيسى بعد المهدي لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا خير في العيش بعد المهدي. وفي الباب الثالث عشر أورد أن كنية المهدي هي أبو عبد الله، وهذا كما ذكرنا يناقض الأخبار التي تقول أن كنيته أبو القاسم.

وفي الباب الخامس عشر يكرر ما ذُكِر سابقاً وفي الباب السادس عشر يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ فِيهَا مُنَادٍ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ خَلِيفَةُ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ»، وفي الباب السَّابِعِ عَشَرَ يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ فَاتَّبِعُوهُ»، وهنا نسأل: كيف تكلّم الملائكة الناس؟ إذا قلتم إن ذلك وحي قلنا إن الوحي انقطع بعد رسول الله.

وتتكرر الأحاديث السابقة ذاتها التي تبيّن أوصاف المهدي الجسمية في الأبواب 17 و18 و19، وفي الباب العشرين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَفْتَحُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ وجَبَلَ الدَّيْلَمِ»، وفي الأبواب 21 إلى 23 تكرار للروايات السابقة وفي الباب 24 رواية تعتبر المهدي خليفة الله وتستند إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (المائدة/67) لإثبات المهدي مع أنها لا تدل على ذلك من قريب ولا من بعيد. وفي الباب 25 إيراد دليل على حياة المهدي وقياسها على بقاء عيسى وعلى عمر الخضر وإلياس في حين أن القرآن يقول إن جميع هؤلاء قد تُوُفّوا، فضلاً عن أن قياس غير الأنبياء على الأنبياء غير صحيح. ثم استُدِلَّ أيضاً ببقاء الدجال وإبليس، أي قيس المؤمن على الكافر، هذا في حين أن وجود الدجال ممنوع ولا يصحّ وأخباره من الموضوعات.

هنا استدل على بقاء عيسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (النساء/159), في حين أن هذه الآية لا علاقة لها أصلاً ببقاء عيسى بل هي تبين أن كل كتابيّ سيؤمن بعيسى الحقيقي قبل وفاته، ولا شك أن المحتضر عند وفاته وانتقاله إلى العالم الآخر يصبح بصره حديداً ويرى الحقائق كما هي رغم أن هذا الإيمان والتوبة الاضطرارية لن ينفعانه. كما أورد آيتين لإثبات وجود المهدي لا علاقة لهما بالموضوع، وقد أجبنا عنهما في باب الآيات المؤولة بقيام القائم.

الخبر التاسع والثلاثون: مرة أخرى ينقل عن كتاب «كشف الغمَّة» ما نقله عن محمد بن طلحة عن كتب حديث أهل السنة من تكرار للروايات السابقة عينها والتي تُكرِّر أن المهدي يملك سبع سنوات وأن عيسى بن مريم يهبط إلى الأرض وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» أي أن اسم المهدي سيكون محمد بن عبد الله مما يعني أنه ليس محمد بن الحسن العسكري.

الخبر الأربعون: يقول: ذكر الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ حم عسق بِإِسْنَادِهِ قَالَ السِّينُ سَنَاءُ المَهْدِيِّ (ع) والقَافُ قُوَّةُ عِيسَى (ع) حِينَ يَنْزِلُ فَيَقْتُلُ النَّصَارَى ويُخَرِّبُ البِيَعَ! (25)

الخبر الحادي والأربعين: ينقله عن كتاب «الطرائف» عن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «المَهْدِيُّ طَاوُسُ أَهْلِ الجَنَّةِ»!!.

بعد انتهائه من ذكر كل تلك المكررات بدأ المجلسيّ هنا بإيراد روايات منسوبة إلى أمير المؤمنين والحسنين والأئمة التالين، بعضها مبهم وغامض وبعضها مكرر وكل رواتها مجهولو الحال وتتضمن متونُ بعضها خرافات لا يمكن أن تصدر عن الأئمة بل هي من وضع الرواة. فمثلاً، في الخبر السادس يروي عن الإمام الحسين قوله: إن صاحب هذا الأمر هو: «الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ المَوْتُورُ بِأَبِيهِ المُكَنَّى بِعَمِّهِ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ»، وفي الخبر السابع يقول: « مَرَّ الحُسَيْنُ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وهُمْ جُلُوسٌ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ أَمَا واللهِ لَا يَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ مِنِّي رَجُلًا يَقْتُلُ مِنْكُمْ أَلْفاً ومَعَ الأَلْفِ أَلْفاً ومَعَ الأَلْفِ أَلْفاً..»!!

ثم في الخبر الأول من الأخبار المنسوبة إلى علي بن الحسين عليهما السلام ينقل عنه قوله: «وإِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الأُخْرَى أَمَّا الأُولَى فَسِتَّةُ أَيَّامٍ وسِتَّةُ أَشْهُرٍ وسِتُّ سِنِينَ..» هذا في حين أن كتب الشيعة تقول: إن غيبته الصغرى سبعون عاماً ونيف! ثم ينقل هنا رواية عن الكافي عن أمير المؤمنين قوله عن الحيرة وغيبة المهدي أنها تطول «سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّ سِنِينَ..» شك أمير المؤمنين، أي أنه عليه السلام ما كان له علم بحقيقة الأمر.

وينبغي أن نقول: إن كل تلك الروايات من وضع الرواة الجهلة. وفي الخبر السابع يروي عن حضرة العسكري قوله «ثُمَّ يَخْرُجُ [أي القائم المهدي] فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الكُوفَةِ». أقول: هذا في حين أن الأخبار الأخرى تقول إنه يخرج من المشرق وإن راياته سوداء!.

وعلى كل حال فليس في هذه الأخبار أي شيء مهم أو جديد سوى إتلاف الوقت.

باب نادر فيما أخبر به الكهنة وأضرابهم:

بعد أن فرغ المجلسي من نقل أخبار الرواة المجهولين عن الأئمة بدأ في هذا الباب بنقل الأخبار عن الكهنة والملفّقين وملأ أربع صفحات من كتابه بأقوالهم مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طبقاً لنقل كتاب «سفينة البحار» (الجزء الثاني) يقول: «مَنْ مَشَى إِلَى سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ كَذَّابٍ يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ»(26). فانظر كيف أن يستشهد المجلسيّ لأجل إثبات هدفه الوهمي بأقوال الكهنة الذين [يروي هو نفسه] أن التصديق بأقوالهم يؤدي إلى الكفر!!

باب ذكر الأدلة التي ذكرها شيخ الطائفة رحمه الله على إثبات الغيبة:

ذكر المجلسيّ في هذا الباب عدة براهين واستدلالات لإثبات غيبة المهدي وهي استدلالات أوهن من بيت العنكبوت. أحد أدلته مثلاً أن الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أن يخلو أمرهم من رئيس في وقت من الأوقات وأن من شرط الرئيس أن يكون مقطوعاً على عصمته، ثم لا يخلو ذلك الرئيس من أن يكون ظاهراً معلوماً أو غائباً مستوراً، فإذا علمنا أن كل من تُدَّعى له الإمامة ظاهراً ليس بمقطوع على عصمته بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة علمنا أن من يُقطَع على عصمته غائب مستور!!

والجواب: إننا نقول: كلا، لا يحتاج الخلقُ إلى رئيس معصوم، لأنه إذا كانت الحاجة له لأجل حفظ الدين فإن حفظ الدين واجبُ جميع المسلمين والأمة محفوظة عن أن تجتمع على الخطأ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تجتمع أمتي على خطأ»(27). أضف إلى ذلك أن من تدّعون عصمتهم هم أنفسهم يعتبرون أنفسهم قابلين للخطأ ومذنبين. ثم إنّ رئيساً وحاكماً غير معصوم يكون حياً بين الناس ويخدم الناس ويمنع الظلم والتعديات ويصلح أمورهم ويواجه أعداءهم ويبني لهم المصانع ويعبّد لهم الطرق أفضل من معصوم غائب مخفيّ لا يُرجى منه نفع ولم يعبّد للرعية طريقاً خلال ألف عام! ولكن المجلسي ملأ صفحة كاملة بتكرار وشرح ذلك الدليل لعلّه يريد بذلك أن يجعله أكثر قوةً. إن المعصوم المستور الغائب الذي لا ينجز أي عمل كالمعدوم وبالتالي فالموجود الناقص أفضل من المعدوم الكامل. هذا إذا افترضنا فعلاً أن هناك معصوماً غائباً والحال أنه لا يوجد أي دليل قويم على وجود مثل هذا الغائب.

ودليله الثاني: أن الله قادر على أن يحفظ عبداً من عباده حياً ويعمّره آلاف السنين.

والجواب إن إمكانية الشيء أعمّ من وقوعه، فالقدرة وحدها لا تكفي دليلاً على وقوع المقدور. فالله تعالى كان قادراً على أن يعمّر نبيّ الإسلام ألف عام لكنه لم يفعل، وكان قادراً على أن يجعل لأبي ذر أجنحة يطير بها ولكنه لم يفعل، فمقدورات الله لا نهاية لها ولكنه لا يفعل كل مقدور. فعلى المدّعي أن يأتي بدليل على الوقوع ويثبت أن المقدور الفلاني وقع فعلاً، أما الاستدلال بإمكانية الوقوع فقط فلا يفيد شيئاً.

ودليله الآخر: الأخبار المتواترة عن الأئمة ورسول الله الدالة على إمامة المهدي وغيبته وظهوره و....

والجواب: إن هذه الأخبار وضعت وانتشرت في القرنين الثاني والثالث. أما قبل ذلك أي منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى زمن حضرة العسكري فلم تكن هناك مثل هذه الأخبار حتى أخبار آحاد فضلاً عن أخبار متواترة. وأما قولنا إنها أخبار موضوعة فلأن قرائن الوضع فيها ظاهرة من قبيل التناقض والتعارض والاختلاف فيما بينها وجهالة رواتها ومخالفة متن كثير منها لكتاب الله والعقل. وثانياً يدعي علماء الشيعة أن هذه الأخبار يرويها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الأئمة عن أئمتهم. لكننا نشاهد أن جميع أصحاب الأئمة الذين هم رواة هذه الأخبار كانوا آخر من يعلم بمضمون هذه الأخبار! فقد رأينا أخباراً واردة عن 140 شخصاً من أصحاب الأئمَّة الراوين عنهم سواء من خاصة أصحابهم أم من أصحابهم غير الخاصين تُبيِّنُ أنهم أنفسَهم لم يكونوا يعلمون بالإمام التالي لإمام وقتهم، وكانوا يأتون على نحو متكرر إلى إمام وقتهم ويسألونه: إذا وقعت حادثة بعدكم فإلى من نرجع، أو من هو الإمام بعدكم؟؟ وكلما توفى إمام وقع أصحابه في حيرة من أمرهم إلى من يرجعون ومن هو الإمام الآن، واختلفوا في ذلك فكانت وفاة كل إمام تؤدي إلى وقوع انشعاب وافتراق بين الشيعة. فمثلاً عندما توفي الصادق عليه السلام اختلف اتباعه ومريدوه إلى سبعة فرق أحدها فرقة الفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح ورجعوا إليه والأخرى فرقة الإسماعيلية الذين دانوا بإمامة محمد بن إسماعيل ورجعوا إليه، ثم فرقة الناووسية وفرقة المحمدية الذين بايعوا محمد بن جعفر بالإمامة و... و...وهذا بحدّ ذاته دليل على أن الأخبار الواردة في انحصار الأئمَّة باثني شر شخصاً أو الأخبار الواردة بحق المهدي وأنه الإمام الثاني عشر وأنه سيغيب ويظهر ويكون كذا وكذا، كلها وضعت بعد مضي زمن الإمامين العسكريين. راجعوا أحوال «زرارة» و«هشام بن الحكم» و«هشام بن سالم» ولاحظوا تحيُّرهم. علاوة على ذلك كان رواة غيبة المهدي أشخاصاً منحرفين وغلاة ينسبون للأئمة أقاويل حول التوحيد والوحي وسائر العقائد الإسلامية المليئة بالكفر والشرك ومخالفة القرآن. وقد أوردنا بعضاً من رواياتهم المضادة للقرآن المنسوبة إلى الأئمَّة عليهم السلام في كتابنا «كسر الصنم»، فبناءً على ذلك لا يمكن الاحتجاج بروايات مثل هؤلاء الوضاعين فنقلهم إذن ساقط من الاعتبار.

ثالثا أفضل خبر لدى الإمامية يتمسك به جميع علمائهم في هذا الأمر هو خبر لوح جابر الذي رواه الكليني في الكافي ورواه غيره أيضاً، وقد محصنا هذا الخبر سنداً ومتنا فوجدنا فيه 28 قرينة ودليل على عدم صحته وأنه خبر موضوع. وقد ذكرنا القرائن الدالة على وضعه في كتابنا «نقد أصول الكافي» وكتابنا «الخرافات الوافرة في زيارات القبور»، فإذا كان هذا هو حال أفضل أخبارهم فماذا نتوقع من بقية أخبارهم في هذا الأمر. لقد وصلنا بعد تمحيصنا لجميع الأحاديث المتعلقة بالنص على الأئمَّة أنها موضوعة كلها. ويمكنكم مراجعة كتاب «بررسي نصوص إمامت» (أي تمحيص روايات النص على الأئمة) [للأستاذ حيدر علي قلمداران رحمه الله].

رابعاً: لقد فحصنا أحوال رجال هذه الأخبار فوجدنا أكثرهم مجهولين أو كذابين مشهورين بالكذب أو وضاعين أعداء الإسلام. لقد أرادوا إضعاف الإسلام فرأوا أن أفضل وسيلة لذلك هي بثّ الفرقة بين المسلمين وإنشاء الفرق والمذاهب وأفضل وسيلة لإنشاء الفرق والمذاهب وضع الأحاديث التي توقع العداوة والبغضاء بين المسلمين وتدفع بعضهم لقتال بعض. وكان أتباع كل مذهب، كالشيعة، أشخاصاً بسطاء لا علم لهم بتلك الخفايا، فلم يقم علماؤهم بفحص وتمحيص تلك الأخبار ليطلعوا على حقيقتها بأنفسهم ربما لأنهم كانوا يريدون أن يواصلوا استغلال العوام والاستفادة منهم كما لم يَدَعُوا أتباعهم يقومون بهذا البحث والتحقيق. لذ انقسم دين الإسلام إلى مئات المذاهب والفرق ووقعت بينهم عداوة شديدة إلى درجة جعلت أياً منهم لا يبدي أي استعداد لمراجعة كتب المذهب الآخر والنظر فيها, وإذا وجد رجل مصلح وكتب أموراً لإيقاظ الناس سارع أصحاب الدكاكين المذهبية إلى تكفيره وتفسيقه واتهموه بأباطيل كثيرة إلى درجة لا تُبقي لأحد الجرأة على مطالعة مؤلفاته وقراءة كتاباته.

خامساً: لقد ذكرنا في كتابنا «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول» أدلة كثيرة تثبت أن أئمَّة أهل البيت ذاتهم والسادات الكرام من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لهم علم بأخبار المهدي هذه ولا بأخبار حصر الأئمَّة باثني عشر إمام. فراجعوا ذلك الكتاب وأنصفوا.

باب ما فيه من سنن الأنبياء والاستدلال بغيباتهم على غيبته:

ذكر المجلسيّ وسائر المحدثين هنا باباً يهدف لإثبات ما في المهدي من سنن الأنبياء وأوصافهم. ولم ينتبهوا إلى أن كل مسلم متّبع للأنبياء لا بد أن يكون فيه بعض أوصافهم، وأساساً طريقة المسلمين يجب أن تكون طريقة الأنبياء تماماً وعلى المؤمنين أن يستنّوا بسنن الأنبياء ويقتدوا بهم.

أورد المجلسي وأمثاله روايات عن أشخاص هم أنفسهم منكرون لإمامة المهدي ولإمامة الأئمة الاثني عشر، فكيف يمكن الاحتجاج بأقوالهم؟!

مثلاً، الرواية الثانية في هذا الباب مروية عن «محمد بن جمهور» الكذاب و«ابن عمير» الوضاع، والرواية الرابعة مروية عن «أحمد بن هلال» الذي لعنه الأئمة وكان مرائياً منافقاً وعن «عثمان بن عيسى» الذي اختلس أموال الإمام موسى بن جعفر، رغم أنه كان قائماً ومؤتمناً عليها لكنه خانه وسرق جميع الأموال التي كان مسؤولاً عنها وأسس مذهب الوقف(28)، أي كان ينكر الأئمة بعد الإمام موسى بن جعفر ويعتبرهم كاذبين!! فكيف يستند علماء الشيعة إلى روايته ويستدلون بها على أوصاف المهدي هذا فضلاً عن أن كثيرين يمتلكون مثل تلك الأوصاف.

ومثلاً، الرواية السابعة منقولة عن شخص من الغلاة عن «علي بن أبي حمزة البطائني»(29) رئيس مذهب الواقفية. وروى أن في المهدي  «سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى وسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى وسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ وأَمَّا مِنْ عِيسَى فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عِيسَى وأَمَّا مِنْ يُوسُفَ فَالسِّجْنُ والتَّقِيَّةُ وأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَالْقِيَامُ بِسِيرَتِهِ وتَبْيِينُ آثَارِهِ ثُمَّ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ولَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ قُلْتُ وكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ رَضِيَ قَالَ يُلْقِي اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ»!!

وأقول:

أولاً: كثير من عباد الله يمتلكون هذه الأوصاف فمثلاً يخافون من سلطان زمانهم ويفرون من بطشه وكثير من الناس أيضاً يُتَّهَمون باطلاً، فمثلاً كاتب هذه السطور تعرض بسبب ما يقوم به من بيان الحقائق للناس إلى آلاف التهم مِنْ قِبَلِ أصحاب الدكاكين المذهبية، وكثير من عباد الله مثل حضرة يوسف أودعوا في السجن ظلماً، كما أن كثيراً من السادات والكبار قاموا بالسيف.

وثانياً: ليس في الإسلام قتل للكفار لمجرد كفرهم إذ لا إكراه في الدين. وثالثاً: ما هي فائدة هذه الروايات حول المهدي سوى فتح أبواب الفتنة لمدّعي المهدوية.