بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

نقـــد و تمحيـــص

روايات المهدي (الشيعية)

 

 

 

ألفه بالفارسية الأستاذ الفاضل:

م. عبد اللهي

 

 

 

ترجمه إلى العربية وعلَّق حواشيه

سـعد رسـتم

 

 

 

 

 

 

P

 

فهرس محتويات الكتاب

 

مقدِّمة الترجمة 4

مقدِّمة المؤلِّف.. 8

الفصل الأول نظرة إلى الروايات حول «المهدي». 13

«أم الإمام»: 13

كيفية ولادة القائم! 17

تاريخ ولادته: 25

كيفية نموّه: 25

مسألة الرجعة: 27

نقد خبر المفضَّل بن عُمَر. 33

[الأدلة على بطلان الرجعة]: 34

[ردّ الطعن بأبي بكر وعمر وبيان ثناء القرآن و الصحابه و التابعين عليهما]: 35

المهدي يجعل جميع الناس مسلمين!: 41

الفصل الثاني الآيات التي يستدلّون بها على المهدي  مع أنه ليس فيها أي دلالة عليه 43

الفصل الثالث حديث لوح جابر. 54

لم يكن هناك و لدن للامام الحسن العسكري................................................ 58

خلفاء المهدي ............................................................................ 62

 

 

+                      +                    +

 

مقدِّمة الترجمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لِـلَّهِ، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وآله أهل الله، وصحبه أنصار الله، ومن سار على نهجهم إلى يوم لقاء الله، وبعد،

من العقائد التي وجدت منذ القديم بين المسلمين وشغلت حيزاً من تاريخهم، الإيمان بقيام مصلح باسم المهدي يظهر في آخر الزمن، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تمتلئ ظلماً وجوراً، وقد ظهر كثيرون في قرون الإسلام الأولى وما بعدها ادعى هذا المنصب، وقد رويت أحاديث وأخبار في كتب الفريقين حول ظهور مهديٍّ في آخر الزمن.

إلا أن هذه العقيدة البسيطة أخذت لدى الفكر الإمامي الإثني عشـري منحى آخر إذ اعتبروا أن هذا المهدي قد ولد فعلاً منذ أكثر من ألف ومائتي عام، وأنه ابن الإمام الحسن العسكري، وأنه غاب بعد ولادته بخمسة أعوام واستتر عن الأنظار، وهو لا يزال حياً غائباً وسيظهر في آخر الزمن عندما يأذن له الله بالظهور. وازدادت أهمية هذه العقيدة لدى الإمامية يوماً بعد يوم، وأحيطت بهالة من التصورات المغالية والمبالغات والقصص العجيبة ونشأ حولها كمٌّ كبير من الأخبار والقصص والآثار.

وقد قام مؤلف هذه الرسالة الأستاذ «م. عبد اللهي» - [وهو أستاذ فاضل معاصر من أهالي طهران قد التقيتُ به قبل عقدين وهو الآن في الخامسة والخمسين من عمره ويعمل حالياً موظفاً في إحدى الدوائر] وهو من الشيعة المستبصرين للحق المنادين بتصحيح العقائد الذين يطلق عليهم البعض اسم «القرآنيين الشيعة» ومن رفقاء الأستاذ قلمداران وآية الله البرقعي والسيد الطباطبائي، المنتمين إلى مدرستهم الإصلاحية الداعية إلى إعادة النظر في بعض العقائد الشيعية الإمامية الموروثة - قام بدراسة مركَّزة لمستندات ووثائق ولادة هذا المهدي المنتظر في كتب الشيعة الإمامية، فوجد أن هذه العقيدة الهامة جداً في الفكر الإمامي والتي كان من المفترض أن تكون أدلتها قوية وقاطعة بما يتناسب مع حجم أهميتها، لا تستند إلا إلى أخبار وقصص متناقضة ومتضاربة يكذِّبُ بعضها بعضهاً، وإلى تأويلات لبعض الآيات القرآنية بادعاء أنها تتكلم عن المهدي المنتظر رغم أنه ليس في ألفاظها أي دلالة صريحة على ذلك. ولاحظ المؤلِّف أن فكرة المهدي الغائب المنتظر كانت قديمة لدى فرق الشيعة، ثم بعد وفاة الإمام الحادي عشر أي الإمام الحسن العسكري، انقسم شيعته إلى فرق عديدة معظمها كان يؤكد أنه لم يخلف أي ولد. وبالتالي رأى المؤلف أن هذه العقيدة الشيعية رغم شهرتها البالغة لا تستند إلى أساس محكم ودليل موثوق، بل هي عقيدة مصطنعة.

وقد نقد المؤلف خلال بحثه أيضاً بعض العقائد الشيعية المغالية الأخرى مثل عقيدة الرجعة، والطعن بالشيخين والخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، ففندها وبين بطلانها بأدلة محكمة من القرآن الكريم ومن أحاديث العترة الطاهرة.

ويمكن تلخيص الأدلة التي اعتمدها المؤلف في تفنيد فكرة المهدي الغائب بالنقاط الثلاث التالية:

الأولى: استعراض الروايات التي تتحدث عن ولادته ونموه وغيبته وبيان تضاربها وتناقضها.

الثانية: تفنيد الاستدلال على المهدي المنتظر بآياتٍ من القرآن، ببيان المعنى الصحيح الواضح لهذه الآيات وأنها لا تتضمن أي دلالة على المهدي.

الثالثة: النقد التاريخي حيث استدل بتشعب وتفرق شيعة الإمام الحادي عشـر بعد وفاته إلى فرق عديدة أغلبها ينكر وجود خلف له.

وهذا من الجدير بالذكر أن للمؤلف المحترم كتابٌ قيِّمٌ ممتاز آخر باسم «اسلام ناب» [أي الإسلام النقيّ الأصيل] نشره عام 1425 هـ. ق. (أي قبل خمس سنوات من الآن) يقع في 244 صفحة، نقد فيه جملة من الأمور والممارسات والعقائد الخاطئة لعوام الشيعة والصوفية الغلاة، المخلّة بالتوحيد، وكتب فيه مباحث نقدية جيدة حول المفاهيم الخاطئة المنتشرة لدى قومه حول التوسل والشفاعة ونظرية الإمامة (الاثني عشرية) وطقوس العزاء الحسيني والغلو، وقد ضمن قسماً من كتابه الحالي الذي ترجمناه هنا في آخر كتابه «اسلام ناب» هذا خلال معالجته لموضوع «إمام الزمان» أي المهدي الغائب المنتظر.

هذا ما وددت ذكره في هذه المقدمة وفي الختام أذكِّر بأن الحواشي في هذا الكتاب الذي نقدمه بين يدي القراء هي للمترجم (راقم هذه السطور) سوى حاشيتين للمؤلف ميزتهما بكلمة (المؤلف).. والحمد لِـلَّهِ أولاً وآخراً وهو وليُّ التوفيق والقادر عليه.

المتـرجم

صورة لصفحة الغلاف من الأصل الفارسي للكتاب

 

P1
 

 

 

 


صورة للصفحة الأولى والأخيرة من الأصل الفارسي للكتاب

P2

 

 

 

 

 

 

 

P72

 

 

مقدِّمة المؤلِّف

بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت فِرَقٌ عديدةٌ بين المسلمين. وما يهمُّنا هنا هو الفِرَق التي عدَّت نفسها من محبِّي عليِّ بن أبي طالب عليه السلام وشيعته. ولا شك أننا لو أردنا أن نذكر جميع الاختلافات التي وقعت بين هذه الفرق لاحتجنا إلى كتاب بأسره. لذا نحيل من يريد التفصيل من القراء الأعزاء إلى الكتب المختلفة التي ألفت في هذا الصدد ومن ذلك كتاب: «فرق الشيعة» للنوبختي(1)، و«مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» للأشعري(2) و«الملل والنحل» للشهرستاني(3)، و«المقالات والفرق» للأشعري(4).

اختلف المسلمون بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن خلافته بين سعد بن عبادة وأبي بكر بن أبي قحافة، وانتهى الأمر بأن أصبح أبو بكر خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد أبي بكر انتقلت الخلافة إلى عمر وبعده إلى عثمان وبعده آلت الخلافة إلى علي بن أبي طالب. وعارض جماعة، ومنهم معاوية، خلافة علي وسُمُّوا بأصحاب صفين. وكذلك خالف جماعةٌ آخرون علياً وقادهم في ذلك عائشة وطلحة والزبير وعُرفوا بأصحاب الجمل. وامتنع فريق ثالث مثل أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص عن نصرة أو مخالفة علي وأظهروا الحياد وعرفوا بالمعتزلة. ثم لما رضي علي بعد ذلك بالحكمين انشقت عنه فرقة اعتبرت علياً مشـركاً وعرفوا بالمارقين. ولما قتل عليٌّ قال فريقٌ: لم يمت بل غاب وسيعود ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً. وكان رأس هذا الفريق يهوديٌّ اعتنق الإسلام يُدعى «عبد الله بن سبأ» وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان وتبرَّأ منهم، وغلا في عليٍّ، وسُمِّيَت هذه الفرقة بالسبئيَّة.

وكان لعليٍّ عدَّةُ أولاد منهم: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفيّة، فذهبت فرقةٌ بعد مقتل عليّ إلى القول بإمامة ابنه محمد بن الحنفية وسُمِّيَت بالكيسانية، في حين بايع آخرون الحسن بن علي بالإمامة. ولم يوصِ عليٌّ بالخلافة لابنه الحسن، كما نص على ذلك كتاب «مروج الذهب» للمسعودي والذي يُعدُّ من كتب الشيعة، وكتاب «تاريخ الطبري» وغيرها، التي ذكرت أنه لما أدركت علياً الوفاةُ سُئل: «يا أمير المؤمنين! أرأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ فأجاب: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر(5).

وبعد «الحسن بن علي» بايع جماعة من أنصاره «الحسين بن علي» فلما قُتِل الحسين حارت فرقةٌ من أصحابه وقالوا: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين، فالحسن، رغم كثرة أنصاره وقوته، وادع معاوية وتنازل له عن الخلافة وكان يأخذ معاشاً مالياً منه، في حين أن الحسين رغم قلَّة أنصاره حارب يزيد بن معاوية حتى قُتل وقُتل أصحابه جميعاً، فشكُّوا لذلك في إمامتهما وذهبوا إلى إمامة محمد بن عليّ بن أبي طالب بن الحنفية. وبعد موت «محمد بن الحنفية» قالت فرقة بل هو حي لم يمت ولن يموت أبداً بل غاب عن الأنظار وهو مختبئٌ في جبل رضوى حيث تأتيه الغزلان كل صباح فيشرب من ألبانها، وعن يمينه أسد وعن يساره نمر! وقال فريق آخر إن «محمد بن الحنفية» مات وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه «أبي هاشم عبد الله بن محمد»، وقالت فرقة إن عبد الله بن محمد مات وعهد بالإمامة إلى أخيه «علي بن محمد»، وقال جماعة آخرون بل إن «أبي هاشم عبد الله بن محمد» أوصى من بعده إلى «محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب». و قال فريق آخر اِنّ «ابوهاشم عبدالله بن محمد بن حنفيه اوصي من بعده الي عبدالله بن معاوية بن جعفر ابي‌طالب ولما قُتِل «عبد الله بن معاوية» [بن جعفر بن أبي طالب] على يد أبي مسلم، افترق أصحابه ثلاث فرق، ففرقة قالت إن «عبد الله بن معاوية» لم يمت بل هو حي وهو في جبال أصفهان. وفرقة قالت: بل مات ولم يوص لأحد من بعده. وذهبت فرقة ثالثة إلى القول بتناسخ الأرواح في حقه.

وذهبت فرقة إلى إمامة «أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين» (الإمام الباقر)، ولكن لما أجاب الإمام الباقر عن سؤال سأله إياه «عمرو بن رياح» بإجابة، ثم في سنة أخرى أجاب عن السؤال ذاته بإجابة مختلفة مناقضة لإجابته السابقة، اعتزله «عمرو بن رياح» وآخرون قائلين: كيف يجيب الإمام بإجابتين متضادتين؟.

وقالت فرقة أخرى: كانت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومحمد بن الحنفية كلها باطلة لأن الخلافة حقٌّ لعمِّ النبيِّ ووارثه «العباس بن عبد المطلب»، فقد كان أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد وفاة العباس انتقلت الإمامة إلى ابنه عبد الله بن عباس وبعده إلى ابنه «علي بن عبد الله»، ثم قالوا بعده بإمامة «إبراهيم بن محمد»، ثم اعتبروا أخاه «عبد الله بن العباس» المعروف بالسفاح إماماً ثم قالوا بإمامة أخيه من بعده «عبد الله بن جعفر المنصور». وأوصى أبو العباس السفاح بالخلافة من بعده إلى أبي جعفر المنصور وإلى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وقام عبد الله بن علي بن عبد الله بمنازعة المنصور على الخلافة، وادعى الإمامة وأنه خليفة أبي العباس السفاح، فقاتله أبو مسلم وهزمه..الخ

وقالت فرقة إن الإمام هو من قام بالسيف، فقالوا بإمامة علي بن أبي طالب والحسـين بن علي، ثم من بعده قالوا بإمامة «زيد بن علي بن الحسين» ثم بإمامة ابنه «يحيى بن زيد» وبعده بإمامة «عيسى» وبعده بإمامة «محمد بن عبد الله» المعروف بالنفس الزكية. وبعد مقتل محمد بن عبد الله النفس الزكية قال جماعة لم يمت بل غاب واختفى وسيظهر ويقوم قريباً. وقالت فرقة بإمامة «جعفر بن محمد» (الإمام جعفر الصادق). وأوصى الإمام جعفر أثناء حياته بالإمامة من بعده إلى ابنه إسماعيل، لكن إسماعيل توفي في حياة أبيه، فأنكرت جماعة موت إسماعيل في حياة أبيه لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لا يقول إلا الحق، وهؤلاء هم فرقة الإسماعيلية.

وبعد موت جعفر الصادق أنكرت فرقةٌ موته وقالت إن «جعفر بن محمد» حيٌّ لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وهو القائم المهدي. في حين قالت فرقةٌ أخرى إن الإمام بعد جعفر، حفيده «محمد بن إسماعيل بن جعفر». وروت فرقةٌ أخرى حديثاً عن جعفر وعن أبيه أنهما قالا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا نصب، لذا ذهبوا إلى انتقال الإمامة بعد جعفر إلى ابنه «عبد الله بن جعفر» الملقب بالأفطح، الذي كان أكبر أولاد جعفر بن محمد سناً وسموا بالفطحية. وقالت فرقةٌ إن الإمام بعد جعفر بن محمد هو ابنه «موسى بن جعفر» [الإمام الكاظم]، فلما قتل موسى بن جعفر في حبس هارون الرشيد، افترق أتباعه إلى خمس فرق، فقالت فرقة إن موسى بن جعفر لم يمت، بل هرب من السجن نهاراً ولم يره أحد ولم يعلم به وأنه حي لا يموت وسيعود حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً. وقالت فرقةٌ إن الإمام بعد موسى بن جعفر ابنه «علي بن موسى الرضا». وقالت فرقةٌ أخرى: ليس هناك إمام بعد موسى بن جعفر، وانتهت الإمامة بموته، وهؤلاء عرفوا بالواقفة. وقالت فرقةٌ لا ندري أحيٌّ «موسى بن جعفر»أم ميت؟ لأنا قد روينا فيه أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهدي فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاته مثل الذي ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهو أيضاً مما لا يجوز رده وإنكاره.. فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعن الإقرار بحياته، ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها إلى غيره حتى يصح لنا أمره. وقالت فرقةٌ منهم إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وأنه غاب واستتر، وسيظهر ويقوم عن قريب وهو القائم المهدي، وهؤلاء هم أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد، لذلك سميت هذه الفرقة بالبشيرية.

ثم لما توفي «علي بن موسى الرضا» قالت فرقةٌ إن الإمام من بعده أخوه «أحمد بن موسى بن جعفر» الملقب بـ«شاهچراغ». ورجعت فرقةٌ أخرى عن إمامة علي بن موسى بعد موته إلى قومهم من الزيدية.وقالت فرقة أخرى إن الإمام الرضا أوصي من بعده لابنه «محمد بن علي» [الإمام الجواد]، بيد أنه لما كان محمد بن علي هذا لا يزال صغيراً عند وفاة أبيه لم يقبل بعضهم بإمامته. ولما توفي محمد بن علي ذهبت فرقة إلى إمامة ابنه «علي بن محمد» [الإمام الهادي]. وذهبت فرقة أخرى من أتباع «محمد بن علي» إلى إمامة رجل يُدعى «محمد بن نصير النميري» ومن بعده قالوا بإمامة رجل اسمه «أحمد».

هذا ولما كان الإمام الهادي أوصى بالإمامة لابنه «سيد محمد» لكن الأخير مات في حياة أبيه، وقع الناس في الحيرة والاختلاف، فقال بعضهم إنه أي سيد محمد لم يمت لأن أباه أوصى له بالإمامة من بعده، وقال آخرون بإمامة ابن آخر للإمام الهادي هو «الحسن بن علي العسكري». وقال آخرون بإمامة ابن ثالث آخر للإمام الهادي أي «جعفر بن علي».

ولما توفي الحسن العسكري، ولم يخلف أولاداً تفرق شيعته وانقسموا إلى أربعة عشر فرقة. فقال فرقة منهم إن «الحسن العسكري» لم يمت بل هو حي وقد غاب وسوف يظهر، وقال سبع فرق آخرين أنه لم ينجب ولداً أصلاً، ونحن مهما بحثنا وتفحصنا لم نجد له ابناً خلال حياته وبعد موته، وقالت فرقة واحدة من بين تلك الفرق الأربع عشرة إن «جعفرَ» أخ «الحسن العسكري» هو خليفته، وقالت فرقة أخرى من تلك الفرق الأربع عشرة: نحن لا ندري هل كان للحسن العسكري ولد أم لا؟ وقالت فرقة أخرى منهم بقول مشابه لقول «الفطحية» وأثبتوا أن جعفرَ أخا الحسن العسكري هو خليفته في الإمامة،وقالت فرقة واحدة من تلك الفرق فقط إنه كان للإمام الحسن العسكري ولدٌ اسمه «محمد» وقد غاب واستتر، وابتدع هؤلاء روايات بشأنه وسنقوم – بعون الله وفضله – بتمحيص هذه الروايات في رسالتنا هذه، ونأمل أن يوفقنا الله تعالى لكشف الأكاذيب التي حيكت في هذا المجال باسم الإسلام وأن يتنبَّه الناس للحقيقة ويتجهوا إلى الله بالعبادة ويصرفوا تفكيرهم وأوقاتهم وأموالهم في سبيل الدعوة إلى الحق أي القرآن، ويبتعدوا عن الأوهام وعبادة الأصنام والأكاذيب المضلِّلَة التي نُسِبَت إلى الإسلام، وأكبرها مسألة الإمامة بالمفهوم الشيعي الإمامي ومسألة المهدوية، وأن لا ينسوا هذا العبد الفقير من صالح دعائهم.

وفي ختام هذه المقدمة ينبغي أن أقول إن هذه الرسالة التي بين أيديكم هي نقد وتمحيص للروايات المتعلِّقة بالمهدي المنقولة في المجلد الثالث عشـر من كتاب «بحار الأنوار» للمجلسي، والذي جمع المجلسـي فيه جميع الروايات تقريباً المروية حول المهدي في سائر كتب الشيعة بما في ذلك كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق، وكتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي، وسائر الكتب الحديثية، ولم يترك أي مطلب حول هذا الأمر إلا ونقله، باستثناء بعض الروايات التي سننقلها أيضاً في هذه الرسالة تحت عنوان حديث «لوح جابر». أسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد، وأن يوفقنا ويوفقكم لنصـرة دينه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

م. عبد اللهي

 

+                      +                    +

 

 

 

 

الفصل الأول
نظرة إلى الروايات حول «المهدي»

«أم الإمام»:

1- روى المجلسيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن الشيخ الصدوق في كتابه [إكمال الدين‏] عن أستاذه ابْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رِزْقِ اللهِ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «حَدَّثَتْنِي السيِّدَةُ حَكِيمَةُ بِنْتُ الإمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ التقِيِّ قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ الإمَامُ الْحَسَنُ العسكريُّ فَقَالَ: يَا عَمَّةُ! اجْعَلِي إِفْطَارَكِ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى سَيُظْهِرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْحُجَّةَ وهُوَ حُجَّتُهُ فِي أَرْضِهِ. قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ: ومَنْ أُمُّهُ؟ قَالَ لِي نَرْجِسُ. قُلْتُ لَهُ: واللهِ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ مَا بِهَا أَثَرٌ [من آثار الحَمْل]. فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكِ...

فَلَمَّا أَنْ فَرَغْتُ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وأَفْطَرْتُ وأَخَذْتُ مَضْجَعِي فَرَقَدْتُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ فَفَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي وهِيَ [أي نرجس] نَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا حَادِثٌ [أي لا خبر عن وضعها لحمل!].. الحديث»(6).

2- ويروي المجلسيُّ في كتاب «بحار الأنوار» رواية مناقضة للرواية السابقة نقلاً عن الشيخ الصدوق في كتابه (اكمال‌الدين) عن السيدة حكيمة قَالَتْ: «بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ سَنَةَ خَمْسٍ وخَمْسِينَ ومِائَتَيْنِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وقَالَ يَا عَمَّةُ اجْعَلِي اللَّيْلَةَ إِفْطَارَكِ عِنْدِي فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ سَيَسُرُّكِ بِوَلِيِّهِ وحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي قَالَتْ حَكِيمَةُ فَتَدَاخَلَنِي لِذَلِكَ سُرُورٌ شَدِيدٌ وأَخَذْتُ ثِيَابِي عَلَيَّ وخَرَجْتُ مِنْ سَاعَتِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ وهُوَ جَالِسٌ فِي صَحْنِ دَارِهِ وجَوَارِيهِ حَوْلَهُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي الْخَلَفُ مِمَّنْ هُوَ قَالَ مِنْ سَوْسَنَ فَأَدَرْتُ طَرْفِي فِيهِنَّ فَلَمْ أَرَ جَارِيَةً عَلَيْهَا أَثَرٌ [أي للحمل] غَيْرَ سَوْسَنَ... الحديث»(7).

توضيح: كما لاحظنا الرواية السابقة تذكر أن اسم الجارية «نرجس» وأنه لم يكن عليها أي اثر من آثار الحَمْل، أما الرواية الأخيرة فتذكر أن اسم الجارية «سوسن» وأن أثر الحَمْل كان ظاهراً عليها!

3- ويروي المجلسيُّ في «بحار الأنوار» رواية أخرى مناقضة لكل من الروايتين السابقتين «عن بِشْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ قال: أَتَانِي كَافُورٌ خَادِمُ الإمام علي النقي فَقَالَ مَوْلَانَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ يَدْعُوكَ إِلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لِي: يَا بِشْرُ! إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْصَارِ وهَذِهِ المُوَالَاةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ وأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وإِنِّي مُزَكِّيكَ ومُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَةٍ تَسْبِقُ بِهَا الشِّيعَةَ فِي المُوَالَاةِ بِسِـرٍّ أَطَّلِعُكَ عَلَيْهِ وأُنْفِذُكَ فِي ابْتِيَاعِ أَمَةٍ فَكَتَبَ كِتَاباً لَطِيفاً بِخَطٍّ رُومِيٍّ ولُغَةٍ رُومِيَّةٍ وطَبَعَ عَلَيْهِ خَاتَمَهُ وأَخْرَجَ شُقَّةً صَفْرَاءَ فِيهَا مِائَتَانِ وعِشْرُونَ دِينَاراً فَقَالَ خُذْهَا وتَوَجَّهْ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ واحْضُرْ مَعْبَرَ الْفُرَاتِ ضَحْوَةً يَوْمَ كَذَا فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى جَانِبِكَ زَوَارِيقُ السَّبَايَا وتَرَى الْجَوَارِيَ فِيهَا سَتَجِدُ طَوَائِفَ المُبْتَاعِينَ مِنْ وُكَلَاءِ قُوَّادِ بَنِي الْعَبَّاسِ وشِرْذِمَةً مِنْ فِتْيَانِ الْعَرَبِ فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَأَشْرِفْ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الْمُسَمَّى عُمَرَ بْنَ يَزِيدٍ النَّخَّاسَ عَامَّةَ نَهَارِكَ إِلَى أَنْ تَبْرُزَ لِلْمُبْتَاعِينَ جَارِيَةٌ صِفَتُهَا كَذَا وكَذَا لَابِسَةٌ حَرِيرَيْنِ صَفِيقَيْنِ تَمْتَنِعُ مِنَ الْعَرْضِ ولمْسِ المُعْتَرِضِ والِانْقِيَادِ لِمَنْ يُحَاوِلُ لَمسَهَا وتَسْمَعُ صَرْخَةً رُومِيَّةً مِنْ وَرَاءِ سَتْرٍ رَقِيقٍ فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ وَا هَتْكَ سَتْرَاهْ فَيَقُولُ بَعْضُ المُبْتَاعِينَ عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ زَادَنِي الْعَفَافُ فِيهَا رَغْبَةً فَتَقُولُ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَوْ بَرَزْتَ فِي زِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وعَلَى شِبْهِ مُلْكِهِ مَا بَدَتْ لِي فِيكَ رَغْبَةٌ فَاشْفَقْ عَلَى مَالِكَ! فَيَقُولُ النَّخَّاسُ: فَمَا الْحِيلَةُ ولا بُدَّ مِنْ بَيْعِكِ؟ فَتَقُولُ الْجَارِيَةُ: ومَا الْعَجَلَةُ؟ ولا بُدَّ مِنِ اخْتِيَارِ مُبْتَاعٍ يَسْكُنُ قَلْبِي إِلَيْهِ وإِلَى وَفَائِهِ وأَمَانَتِهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قُمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ وقُلْ لَهُ إِنَّ مَعَكَ كِتَاباً مُلَطَّفَةً لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وخَطٍّ رُومِيٍّ ووَصَفَ فِيهِ كَرَمَهُ ووَفَاءَهُ ونُبْلَهُ وسَخَاءَهُ تُنَاوِلُهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ ورَضِيَتْهُ فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو الْحَسَنِ فِي‏ أَمْرِ الْجَارِيَةِ فَلَمَّا نَظَرَتْ فِي الْكِتَابِ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً وقَالَتْ لِعُمَرَ بْنِ يَزِيدَ بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْكِتَابِ وحَلَفَتْ بِالْمُحَرِّجَةِ والْمُغَلَّظَةِ أَنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا فَمَا زِلْتُ أُشَاحُّهُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ أَصْحَبَنِيهِ مَوْلَايَ مِنَ الدَّنَانِيرِ فَاسْتَوْفَاهُ وتَسَلَّمْتُ الْجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً وانْصَرَفْتُ بِهَا إِلَى الْحُجَيْرَةِ الَّتِي كُنْتُ آوَى إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ فَمَا أَخَذَهَا الْقَرَارُ حَتَّى أَخْرَجَتْ كِتَابَ مَوْلَانَا مِنْ جَيْبِهَا وهِيَ تَلْثِمُهُ وتُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وتَضَعُهُ عَلَى خَدِّهَا وتَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا فَقُلْتُ تَعَجُّباً مِنْهَا تَلْثِمِينَ كِتَاباً لا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ فَقَالَتْ أَيُّهَا الْعَاجِزُ الضَّعِيفُ الْمَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ أَعِرْنِي سَمْعَكَ وفَرِّغْ لِي قَلْبَكَ أَنَا مَلِيكَةُ بِنْتُ يَشُوعَا بْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ.......

[وتحكي قصتها ثم يواصل «بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ» حديثه فيقول]:

قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا انْكَفَأْتُ بِهَا إِلَى سامراء دَخَلَتْ عَلَى مَوْلَايَ الإمَامِ عَليٍّ النَّقِيِّ فَقَالَ: كَيْفَ أَرَاكِ اللهُ عِزَّ الإسْلامِ وذُلَّ النَّصْـرَانِيَّةِ وشَرَفَ مُحَمَّدٍ وأَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَيْفَ أَصِفُ لَكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي؟ قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكْرِمَكِ فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ أَمْ بُشْرَى ‏لَكِ بِشَرَفِ الْأَبَدِ قَالَتْ بُشْـرَى بِوَلَدٍ لِي قَالَ لَهَا أَبْشِرِي بِوَلَدٍ يَمْلِكُ الدُّنْيَا شَرْقاً وغَرْباً ويَمْلا الْأَرْضَ قِسْطاً وعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً قَالَتْ مِمَّنْ قَالَ مِمَّنْ خَطَبَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُ لَيْلَةَ كَذَا فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا بِالرُّومِيَّةِ قَالَ لَهَا مِمَّنْ زَوَّجَكِ المَسِيحُ ووَصِيُّهُ قَالَتْ مِنِ ابْنِكَ أَبِي مُحَمَّدٍ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفِينَهُ قَالَتْ وهَلْ خَلَتْ لَيْلَةٌ لَمْ يَزُرْنِي فِيهَا مُنْذُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَسْلَمْتُ عَلَى يَدِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ قَالَ فَقَالَ مَوْلَانَا يَا كَافُورُ ادْعُ أُخْتِي حَكِيمَةَ فَلَمَّا دَخَلَتْ قَالَ لَهَا هَا هِيَهْ فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وسَرَّتْ بِهَا كَثِيراً. فَقَالَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ! خُذِيهَا إِلَى مَنْزِلِكِ وعَلِّمِيهَا الْفَرَائِضَ والسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وأُمُّ الْقَائِمِ  (8).

توضيح: أولاً: ذكر في هذه الرواية أن اسم الجارية هو «مليكة» مما يتناقض مع ما ذكر في الروايتين السابقتين. ثانياً: في الروايتين السابقتين تسأل السيدة «حكيمة» الإمام الحسن العسكري: من هي أم القائم؟ فيجيب: «نرجس». ولكن في هذه الرواية يظهر أنه قبل أن يتزوج الإمام الحسن العسكري من «نرجس» كانت حكيمة تعلم من هي أم القائم، لأن الإمام العاشر عرفها بها وقال لها: هذه أم القائم. فهذا تناقض واضح آخر.

4- الرواية الرابعة التي تناقض كل ما سبق، يرويها المجلسـيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن كتاب «إكمال الدين» للصدوق بسنده عن «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُطَهَّرِيِّ قَالَ قَصَدْتُ حَكِيمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ بَعْدَ مُضِـيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ أَسْأَلُهَا عَنِ الحُجَّةِ ومَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي فِيهَا فَقَالَتْ لِي اجْلِسْ فَجَلَسْتُ ثُمَّ قَالَتْ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لا يُخَلِّي الأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ نَاطِقَةٍ أَوْ صَامِتَةٍ ولَمْ يَجْعَلْهَا فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ والْحُسَيْنِ تَفْضِيلاً لِلْحَسَنِ والْحُسَيْنِ وتَمْيِيزاً لَهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي الأَرْضِ عَدِيلُهُمَا إِلا أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى خَصَّ وُلْدَ الحُسَيْنِ بِالْفَضْلِ عَلَى وُلْدِ الحَسَنِ كَمَا خَصَّ وُلْدَ هَارُونَ عَلَى وُلْدِ مُوسَى وإِنْ كَانَ‏ مُوسَى حُجَّةً عَلَى هَارُونَ والْفَضْلُ لِوُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ولا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنْ حَيْرَةٍ يَرْتَابُ فِيهَا المُبْطِلُونَ ويَخْلُصُ فِيهَا المُحِقُّونَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وإِنَّ الحَيْرَةَ لا بُدَّ وَاقِعَةٌ بَعْدَ مُضِـيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ فَقُلْتُ يَا مَوْلَاتِي هَلْ كَانَ لِلْحَسَنِ وَلَدٌ فَتَبَسَّمَتْ ثُمَّ قَالَتْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَسَنِ عَقِبٌ فَمَنِ الحِجَّةُ مِنْ بَعْدِهِ وقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الإِمَامَةَ لا تَكُونُ لِأَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ والْحُسَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدَتِي حَدِّثِينِي بِوِلَادَةِ مَوْلَايَ وغَيْبَتِهِ؟ قال [قَالَتْ‏]: نَعَمْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا نَرْجِسُ فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي وأَقْبَلَ يُحِدُّ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي! لَعَلَّكَ هَوِيتَهَا فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: لا يَا عَمَّةُ لَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْهَا. فَقُلْتُ: ومَا أَعْجَبَكَ؟؟ فَقَالَ: سَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَدٌ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي يَمْلا اللهُ بِهِ الأَرْضَ عَدْلاً وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً. فَقُلْتُ: فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: اسْتَأْذِنِي فِي ذَلِكَ أَبِي. قَالَتْ فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وأَتَيْتُ مَنْزِلَ أَبِي الحَسَنِ فَسَلَّمْتُ وجَلَسْتُ فَبَدَأَنِي وقَالَ يَا حَكِيمَةُ ابْعَثِي بِنَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي عَلَى هَذَا قَصَدْتُكَ أَنْ أَسْتَأْذِنَكَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا مُبَارَكَةُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَكِ فِي الأَجْرِ ويَجْعَلَ لَكِ فِي الخَيْرِ نَصِيباً. قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وزَيَّنْتُهَا ووَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ وجَمَعْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا فِي مَنْزِلِي فَأَقَامَ عِنْدِي أَيَّاماً ثُمَّ مَضـَى إِلَى وَالِدِهِ، ووَجَّهْتُ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَمَضَى أَبُو الحَسَنِ وجَلَسَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكَانَ وَالِدِهِ وكُنْتُ أَزُورُهُ كَمَا كُنْتُ أَزُورُ وَالِدَهُ فَجَاءَتْنِي نَرْجِسُ يَوْماً تَخْلَعُ خُفِّي وقَالَتْ يَا مَوْلَاتِي نَاوِلْنِي خُفَّكِ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتِ سَيِّدَتِي ومَوْلَاتِي واللهِ لا دَفَعْتُ إِلَيْكِ خُفِّي لِتَخْلَعِيهِ ولا خَدَمْتِينِي بَلْ أَخْدُمُكِ عَلَى بَصَرِي فَسَمِعَ أَبُو مُحَمَّدٍ ذَلِكَ فَقَالَ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً يَا عَمَّةُ! فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ إِلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصِحْتُ بِالْجَارِيَةِ وقُلْتُ: نَاوِلِينِي ثِيَابِي لِأَنْصَـرِفَ.... الحديث»(9).

توضيح: يتبـيَّن من هذه الرواية أن «حكيمة» كانت تعلم بالأمر قبل أن يتزوج الإمام الحسن العسكري من تلك الجارية، بل هي التي هيئتها له للزفاف، ولكن الروايتين الأوليين ذكرتا أنه عندما حملت الجارية بالمهدي لم تكن «حكيمة» تعلم بالقضية أصلاً! وهذا تناقض واضح.

وثانياً: جاء في هذه الرواية: «..قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَمَضَـى أَبُو الحَسَنِ [الإمام علي النقي] وجَلَسَ أَبُو مُحَمَّدٍ [الإمام الحسن العسكري] مَكَانَ وَالِدِهِ وكُنْتُ أَزُورُهُ كَمَا كُنْتُ أَزُورُ وَالِدَهُ، فَجَاءَتْنِي نَرْجِسُ يَوْماً تَخْلَعُ خُفِّي..». أي أن حكيمة ذهبت صدفةً إلى منزل الإمام الحسن العسكري، في حين أن الروايتين الأوليين ذكرتا أن الإمام العسكري هو الذي نادى حكيمة وطلبها إليه وقال لها: «يَا عَمَّةُ! اجْعَلِي إِفْطَارَكِ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ..»، فهذا أيضاً تناقضٌ جليٌّ آخر.

ثالثاً: هذه الرواية تبين أن «نرجس» كانت جارية «حكيمة»، وأنه قبل أن يتزوجها الإمام الحسن العسكري لم تكن «حكيمة» تعلم أنها ستكون أم الإمام القائم، في حين أن الرواية الثالثة ذكرت أن الإمام علي النقي هو الذي عرَّف حكيمة بنرجس وقال لها: «هذه أم القائم!» فهذا تناقض واضح آخر أيضاً.

5- الرواية الخامسة التي تناقض كل ما سبق: يرويها المجلسـيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن كتاب «إكمال الدين» بسنده «عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الخَيْزَرَانِيِّ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ... قَالَ أَبُو عَلِيٍّ [الخَيْزَرَانِيُّ] فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهَا حَضَرَتْ وِلَادَةَ السَّيِّدِ وأَنَّ اسْمَ أُمِّ السَّيِّدِ صَقِيلُ وأَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ حَدَّثَهَا بِمَا جَرَى عَلَى عِيَالِهِ فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهَا بِأَنْ يَجْعَلَ مَنِيَّتَهَا قَبْلَهُ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ فِي حَيَاةِ أَبِي مُحَمَّدٍ.»(10).

كيفية ولادة القائم!

توضيح: الروايات التي نذكرها هنا هي بقية الروايات التي ذكرناها بشأن أم الإمام القائم، حيث اقتصرنا هناك على ما يتعلق باسم أم القائم وأوصافها فيها، لكي نرى مدى التناقض في ذلك بينها. وهنا نكمل متون تلك الروايات لنرى تناقضاتها فيما تذكره بشأن كيفية ولادة القائم:

1- بقية الحديث الأول الذي أوردناه في الفقرة السابقة: «ثُمَّ جَلَسْتُ مُعَقِّبَةً ثُمَّ اضْطَجَعْتُ ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَزِعَةً وهِيَ رَاقِدَةٌ ثُمَّ قَامَتْ فَصَلَّتْ‏ قَالَتْ حَكِيمَةُ فَدَخَلَتْنِي الشُّكُوكُ فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنَ المَجْلِسِ فَقَالَ لا تَعْجَلِي يَا عَمَّةُ فَإِنَّ الأَمْرَ قَدْ قَرُبَ قَالَتْ فَقَرَأْتُ الم السَّجْدَةَ ويس فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكِ إِذَا انْتَبَهَتْ فَزِعَةً فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ اسْمُ اللهِ عَلَيْكَ ثُمَّ قُلْتُ لَهَا تَحِسِّينَ شَيْئاً قَالَتْ نَعَمْ يَا عَمَّةُ فَقُلْتُ لَهَا اجْمَعِي نَفْسَكِ واجْمَعِي قَلْبَكِ فَهُوَ مَا قُلْتُ لَكِ قَالَتْ حَكِيمَةُ ثُمَّ أَخَذَتْنِي فَتْرَةٌ وأَخَذَتْهَا فِطْرَةٌ فَانْتَبَهْتُ بِحِسِّ سَيِّدِي فَكَشَفْتُ الثَّوْبَ عَنْهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ سَاجِداً يَتَلَقَّى الأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَإِذَا أَنَا بِهِ نَظِيفٌ مُنَظَّفٌ فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي يَا عَمَّةُ فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ تَحْتَ أَلْيَتَيْهِ وظَهْرِهِ ووَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ وأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وسَمْعِهِ ومَفَاصِلِهِ ثُمَّ قَالَ تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وعَلَى الأَئِمَّةِ إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ... الحديث»(11).

توضيح: يظهر من هذه الرواية أن «حكيمة» لم تر ما حلَّ بالطفل الوليد، إلى أن جاءت الإمام العسكري بالوليد في اليوم السابع لولادته. فلنقارن هذا بما ذكرته بقية الرواية الرابعة التي أوردناها في الفقرة الماضية:

«فَقَالَ: يَا عَمَّتَاهُ! بِيتِيَ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ سَيُولَدُ اللَّيْلَةَ المَوْلُودُ الكَرِيمُ عَلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي يُحْيِي اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قُلْتُ مِمَّنْ يَا سَيِّدِي ولَسْتُ أَرَى بِنَرْجِسَ شَيْئاً مِنْ أَثَرِ الحَمْلِ. فَقَالَ: مِنْ نَرْجِسَ لا مِنْ غَيْرِهَا. قَالَتْ: فَوَثَبْتُ إِلَى نَرْجِسَ فَقَلَبْتُهَا ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَرَ بِهَا أَثَراً مِنْ حَبَلٍ فَعُدْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَعَلْتُ، فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ لِي: إِذَا كَانَ وَقْتُ الفَجْرِ يَظْهَرُ لَكِ بِهَا الحَبَلُ لِأَنَّ مَثَلَهَا مَثَلُ أُمِّ مُوسَى لَمْ يَظْهَرْ بِهَا الحَبَلُ ولَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ(12) إِلَى وَقْتِ وِلَادَتِهَا لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَشُقُّ بُطُونَ الحَبَالَى فِي طَلَبِ مُوسَى وهَذَا نَظِيرُ مُوسَى قَالَتْ حَكِيمَةُ فَلَمْ أَزَلْ أَرْقُبُهَا إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ وهِيَ نَائِمَةٌ بَيْنَ يَدَيَّ لا تَقْلِبُ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقْتَ طُلُوعِ الفَجْرِ وَثَبَتْ فَزِعَةً فَضَمَمْتُهَا إِلَى صَدْرِي وسَمَّيْتُ عَلَيْهَا فَصَاحَ أَبُو مُحَمَّدٍ وقَالَ: اقْرَئِي عَلَيْهَا إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ. فَأَقْبَلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهَا وقُلْتُ لَهَا: مَا حَالُكِ؟ قَالَتْ: ظَهَرَ الأَمْرُ الَّذِي أَخْبَرَكِ بِهِ مَوْلَايَ. فَأَقْبَلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهَا كَمَا أَمَرَنِي فَأَجَابَنِي الجَنِينُ مِنْ بَطْنِهَا يَقْرَأُ كَمَا أَقْرَأُ وسَلَّمَ عَلَيَّ. قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَفَزِعْتُ لِمَا سَمِعْتُ فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى يُنْطِقُنَا بِالْحِكْمَةِ صِغَاراً ويَجْعَلُنَا حُجَّةً فِي أَرْضِهِ كِبَاراً فَلَمْ يَسْتَتِمَّ الكَلَامَ حَتَّى غِيبَتْ عَنِّي نَرْجِسُ فَلَمْ أَرَهَا كَأَنَّهُ ضُرِبَ بَيْنِي وبَيْنَهَا حِجَابٌ فَعَدَوْتُ نَحْوَ أَبِي مُحَمَّدٍ وأَنَا صَارِخَةٌ فَقَالَ لِي: ارْجِعِي يَا عَمَّةُ فَإِنَّكِ سَتَجِدِيهَا فِي مَكَانِهَا. قَالَتْ: فَرَجَعْتُ فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ كُشِفَ الحِجَابُ بَيْنِي وبَيْنَهَا وإِذَا أَنَا بِهَا وعَلَيْهَا مِنْ أَثَرِ النُّورِ مَا غَشِـيَ بَصَرِي وإِذَا أَنَا بِالصَّبِيِّ سَاجِداً عَلَى وَجْهِهِ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وهُوَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَنَّ جَدِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَّ أَبِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ عَدَّ إِمَاماً إِمَاماً إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي وَعْدِي وأَتْمِمْ لِي أَمْرِي وثَبِّتْ وَطْأَتِي وامْلا الأَرْضَ بِي عَدْلاً وقِسْطاً. فَصَاحَ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ فَقَالَ: يَا عَمَّةُ! تَنَاوَلِيهِ فَهَاتِيهِ فَتَنَاوَلْتُهُ وأَتَيْتُ بِهِ نَحْوَهُ فَلَمَّا مَثَلْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ وهُوَ عَلَى يَدَيَّ سَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ فَتَنَاوَلَهُ الحَسَنُ والطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ فَصَاحَ بِطَيْرٍ مِنْهَا فَقَالَ: لَهُ احْمِلْهُ واحْفَظْهُ ورُدَّهُ إِلَيْنَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَتَنَاوَلَهُ الطَّائِرُ وطَارَ بِهِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ وأَتْبَعَهُ سَائِرُ الطَّيْرِ فَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: أَسْتَوْدِعُكَ الَّذِي اسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى فَبَكَتْ نَرْجِسُ فَقَالَ لَهَا اسْكُتِي فَإِنَّ الرَّضَاعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ إِلا مِنْ ثَدْيِكِ وسَيُعَادُ إِلَيْكِ كَمَا رُدَّ مُوسَى إِلَى أُمِّهِ(13) وذَلِكِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ قَالَتْ: حَكِيمَةُ فَقُلْتُ مَا هَذَا الطَّائِرُ؟ قَالَ: هَذَا رُوحُ القُدُسِ المُوَكَّلُ بِالْأَئِمَّةِ يُوَفِّقُهُمْ ويُسَدِّدُهُمْ ويُرَبِّيهِمْ بِالْعِلْمِ. قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً رُدَّ الغُلَامُ ووَجَّهَ إِلَيَّ ابْنُ أَخِي. فَدَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِصَبِيٍّ مُتَحَرِّكٌ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ: سَيِّدِي هَذَا ابْنُ سَنَتَيْنِ!! فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَوْلَادَ الأَنْبِيَاءِ والْأَوْصِيَاءِ إِذَا كَانُوا أَئِمَّةً يَنْشَئُونَ بِخِلَافِ مَا يَنْشَأُ غَيْرُهُمْ، وإِنَّ الصَّبِيَّ مِنَّا إِذَا أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ كَانَ كَمَنْ يَأْتِي عَلَيْهِ سَنَةٌ، وإِنَّ الصَّبِيَّ مِنَّا لَيَتَكَلَّمُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْبُدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعِنْدَ الرَّضَاعِ تُطِيعُهُ المَلَائِكَةُ وتَنْزِلُ عَلَيْهِ كُلَّ صَبَاحٍ ومَسَاءٍ..... الحديث»(14).

توضيح: من هذه الرواية يظهر أن الولد أُعطي لطائر وأن الطائر أخذه أربعين يوماً وأن هذا الأمر تم منذ ابتداء ولادته في حين أن الرواية السابقة قالت إن «حكيمة» ذهبت في اليوم السابع ورأت الطفل! فهذا تناقض واضح وصارخ بين الروايتين!

والآن لنر ما جاء في بقية الرواية الثانية التي نقلها المجلسـيُّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي:

تقول «حكيمة»: «بَعَثَ إِلَيَّ الإمام الحسن العسكري سَنَةَ 255هـ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وقَالَ: يَا عَمَّةُ! اجْعَلِي اللَّيْلَةَ إِفْطَارَكِ عِنْدِي فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ سَيَسُـرُّكِ بِوَلِيِّهِ وحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي. قَالَتْ: حَكِيمَةُ فَتَدَاخَلَنِي لِذَلِكَ سُرُورٌ شَدِيدٌ وأَخَذْتُ ثِيَابِي عَلَيَّ وخَرَجْتُ مِنْ سَاعَتِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ وهُوَ جَالِسٌ فِي صَحْنِ دَارِهِ وجَوَارِيهِ حَوْلَهُ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي الخَلَفُ مِمَّنْ هُوَ قَالَ مِنْ سَوْسَنَ فَأَدَرْتُ طَرْفِي فِيهِنَّ فَلَمْ أَرَ جَارِيَةً عَلَيْهَا أَثَرٌ غَيْرَ «سَوْسَنَ»! قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أَنْ صَلَّيْتُ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ الآخِرَةَ أَتَيْتُ بِالْمَائِدَةِ فَأَفْطَرْتُ أَنَا وسَوْسَنُ وبَايَتُّهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَغَفَوْتُ غَفْوَةً ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَزَلْ مُفَكِّرَةً فِيمَا وَعَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَمْرِ وَلِيِّ اللهِ فَقُمْتُ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي كُنْتُ أَقُومُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ اللَّيْلِ حَتَّى بَلَغْتُ إِلَى الوَتْرِ فَوَثَبَتْ «سَوْسَنَ» فَزِعَةً وخَرَجَتْ وأَسْبَغَتِ الوُضُوءَ ثُمَّ عَادَتْ فَصَلَّتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ وبَلَغَتْ إِلَى الوَتْرِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّ الفَجْرَ قَدْ قَرُبَ فَقُمْتُ لِأَنْظُرَ فَإِذَا بِالْفَجْرِ الأَوَّلِ قَدْ طَلَعَ فَتَدَاخَلَ قَلْبِيَ الشَّكُّ مِنْ وَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَنَادَانِي مِنْ حُجْرَتِهِ: لا تَشُكِّي وكَأَنَّكِ بِالْأَمْرِ السَّاعَةَ قَدْ رَأَيْتِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ‏. قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ومِمَّا وَقَعَ فِي قَلْبِي ورَجَعْتُ إِلَى البَيْتِ وأَنَا خَجِلَةٌ فَإِذَا هِيَ قَدْ قَطَعَتِ الصَّلَاةَ وخَرَجَتْ فَزِعَةً فَلَقِيتُهَا عَلَى بَابِ البَيْتِ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتِ وأُمِّي هَلْ تَحِسِّينَ شَيْئاً. قَالَتْ: نَعَمْ يَا عَمَّةُ إِنِّي لَأَجِدُ أَمْراً شَدِيداً، قُلْتُ: لا خَوْفَ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ وأَخَذْتُ وِسَادَةً فَأَلْقَيْتُهَا فِي وَسَطِ البَيْتِ وأَجْلَسْتُهَا عَلَيْهَا وجَلَسْتُ مِنْهَا حَيْثُ تَقْعُدُ المَرْأَةُ مِنَ المَرْأَةِ لِلْوِلَادَةِ فَقَبَضَتْ عَلَى كَفِّي وغَمَزَتْ غَمْزَةً شَدِيدَةً ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً وتَشَهَّدَتْ ونَظَرْتُ تَحْتَهَا فَإِذَا أَنَا بِوَلِيِّ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مُتَلَقِّياً الأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ فَأَخَذْتُ بِكَتِفَيْهِ فَأَجْلَسْتُهُ فِي حَجْرِي وإِذَا هُوَ نَظِيفٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ فَنَادَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ: يَا عَمَّةُ هَلُمِّي فَأْتِينِي بِابْنِي فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَتَنَاوَلَهُ وأَخْرَجَ لِسَانَهُ فَمَسَحَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَفَتَحَهَا ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي فِيهِ فَحَنَّكَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي أُذُنَيْهِ وأَجْلَسَهُ فِي رَاحَتِهِ اليُسْرَى فَاسْتَوَى وَلِيُّ اللهِ جَالِساً فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ انْطِقْ بِقُدْرَةِ اللهِ فَاسْتَعَاذَ وَلِيُّ اللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ واسْتَفْتَحَ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَـهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (القصص/5-6). وصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ وعَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ والْأَئِمَّةِ وَاحِداً وَاحِداً حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَبِيهِ فَنَاوَلَنِيهِ أَبُو مُحَمَّدٍ وقَالَ: يَا عَمَّةُ! رُدِّيهِ إِلَى أُمِّهِ حَتَّى تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَرَدَدْتُهُ إِلَى أُمِّهِ وقَدِ انْفَجَرَ الفَجْرُ الثَّانِي فَصَلَّيْتُ الفَرِيضَةَ وعَقَّبْتُ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ وَدَّعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ وانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ اشْتَقْتُ إِلَى وَلِيِّ اللهِ فَصِرْتُ إِلَيْهِمْ فَبَدَأْتُ بِالْحُجْرَةِ الَّتِي كَانَتْ «سَوْسَنَ» فِيهَا فَلَمْ أَرَ أَثَراً ولا سَمِعْتُ ذِكْراً فَكَرِهْتُ أَنْ أَسْأَلَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَبْدَأَهُ بِالسُّؤَالِ فَبَدَأَنِي فَقَالَ: يَا عَمَّةُ! فِي كَنَفِ اللهِ وحِرْزِهِ وسَتْرِهِ وعَيْنِهِ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ... الحديث»(15).

توضيح: في هذه الرواية أم الأمام هي «سَوْسَنَ» وكان عليها أثر الحمل، أما في الروايات الأخرى فأم الإمام «نرجس» ولم يكن عليها أثر الحمل! فهذا تناقض واضح أول. وأما التناقض الواضح الثاني بين هذه الرواية والرواية السابقة فهو أن هذه الرواية تذكر أن الإمام غاب منذ اليوم الثالث أما الرواية السابقة فتذكر أن الإمام أُعطِيَ إلى طائر منذ أول يوم لولادته فغاب معه أربعين يوماً، وفي الرواية الأخرى ذُكر أن «حكيمة» ورأت الطفل في اليوم السابع لولادته!

أما الرواية الأخرى التي رواها المجلسـيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي عن «محمد بن إبراهيم» أن السيدة «حكيمة» قالت: «بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وخَمْسِينَ ومِائَتَيْنِ قَالَتْ وقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ مَنْ أُمُّهُ قَالَ نَرْجِسُ قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ اشْتَدَّ شَوْقِي إِلَى وَلِيِّ اللهِ فَأَتَيْتُهُمْ عَائِدَةً فَبَدَأْتُ بِالْحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا الجَارِيَةُ فَإِذَا أَنَا بِهَا جَالِسَةً فِي مَجْلِسِ المَرْأَةِ النُّفَسَاءِ وعَلَيْهَا أَثْوَابٌ صُفْرٌ وهِيَ مُعَصَّبَةُ الرَّأْسِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا والْتَفَتُّ إِلَى جَانِبِ البَيْتِ وإِذَا بِمَهْدٍ عَلَيْهِ أَثْوَابٌ خُضْرٌ فَعَدَلْتُ إِلَى المَهْدِ ورَفَعْتُ عَنْهُ الأَثْوَابَ فَإِذَا أَنَا بِوَلِيِّ اللهِ نَائِمٌ عَلَى قَفَاهُ غَيْرَ مَحْزُومٍ ولا مَقْمُوطٍ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وجَعَلَ يَضْحَكُ ويُنَاجِينِي بِإِصْبَعِهِ فَتَنَاوَلْتُهُ وأَدْنَيْتُهُ إِلَى فَمِي لِأُقَبِّلَهُ فَشَمَمْتُ مِنْهُ رَائِحَةً مَا شَمَمْتُ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا ونَادَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَا عَمَّتِي هَلُمِّي فَتَايَ إِلَيَّ فَتَنَاوَلَهُ وقَالَ يَا بُنَيَّ انْطِقْ.... الحديث»(16).

توضيح: كما رأينا جاء في هذه الرواية أن «حكيمة» ذهبت في اليوم الثالث لرؤية الطفل حديث الولادة وأنها دخلت غرفة «نرجس» ووجدت الطفل في المهد، في حين أن الرواية السابقة ذكرت أن «حكيمة» ذهبت إلى غرفة نرجس في اليوم الثالث لولادتها فلم تر الطفل فلمّا استفسرتُ من الإمام العسكري قال لها: «يَا عَمَّةُ! فِي كَنَفِ اللهِ وحِرْزِهِ وسَتْرِهِ وعَيْنِهِ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ». فهذا تناقض واضح.

إلى هنا ذكرنا بعض الروايات المذكورة في «بحار الأنوار» بشأن أم إمام الزمان وكيفية ولادته. وقبل أن ننهي هذا المبحث نودُّ أن نلاحظ بعض الأمور التي وردت في متون تلك الروايات، التي يعتقد الشيعة بصحتها، ونعلّق عليها:

يظهر من الرواية الثالثة أن الإمام علي النقي يعلم الغيب وما سيقع في المستقبل، حيث قال لخادمه «كافور» اذهب وافعل كذا وكذا وستجد تلك الأمة في السفينة فقل كذا وافعل كذا.. الخ، هذا في حين أن مثل هذا الأمر لا يصح لأن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿... وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ... (لقمان/34).

وإذا رأينا في القرآن أن الله تعالى يخبرنا بأنه في بضع سنين – أي بعد 3 إلى 9 سنوات – ستقع حرب بين إيران والروم وسينتصر فيها الروم على الفرس فهذا لأن الله خالق المستقبل ويعلم به، وقد أطلع نبيه الكريم على ذلك. أو قال تعالى مثلاً في سورة الجن: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا؟﴾ (الجن/25)، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (الجن/26-27).

فهذه الآيات الكريمة تدل على أن الله تعالى يطلع من يشاء من أنبيائه ورسله على الغيب، ولكن بما أن الإمام علي النقي لم يكن لا نبياً ولا رسولاً فلا تشمله هذه الآية، بل يشمله قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا... (لقمان/34)، فنسبة علم الغيب إلى الإمام دليل آخر -يُضاف إلى ما ذكرناه من أدلة - على كذب تلك الروايات.

والأمر الثاني أن تلك الروايات ذكرت أن الإمام المهدي «حجة الله على عباده» والشيعة تؤمن فعلاً بهذا الأمر، هذا في حين أن الله تعالى يبين لنا في القرآن أنه أتم الحجة على الناس برسله وأنه باختتام الرسل تمَّت حجة الله وانتهت: قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النساء/165). وإذا تدبرنا الآية التي جاءت قبل هذه الآية مباشرةً وجدناها تقول:

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء/163- 165].

فهذه الآيات تبيِّن بوضوح أن الله تعالى أتم الحجة على عباده برسله وبواسطة كتبهم وتعاليمهم، وقد جاء نحو ذلك في الخطبة رقم 90 المعروفة باسم «خطبة الأشباح» في «نهج البلاغة» ونصه:

«فَأَهْبَطَهُ [أي آدم عليه السلام] بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ ولِيُقِيمَ الحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ ولَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ ويَصِلُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ومُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) حُجَّتُهُ وبَلَغَ المَقْطَعَ عُذْرُهُ ونُذُرُهُ».

أما عقلاً: فإذا قلنا إن حجة الله بين المسلمين اليوم هي كتاب الله (القرآن) نكون قد قلنا صواباً، لا سيما أن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...... (الحديد/25).

فإن قيل: إن إمام الزمان «حجة الله»، قلنا: إن الآيات والأحاديث تقول خلاف ذلك، ونقول عقلاً أيضاً: لماذا يخفي الله تعالى حجته عن الأنظار؟ أليست سنة الله في عباده – كما تبينها آيات القرآن الكريم – أن يتم حجته على الناس بكل وضوح وجلاء؟ وأنه قد بدأ بإتمام حجته بإرسال الأنبياء وانتهت حجته بخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ ثم إنه كيف يعذب الله تعالى الناس إن لم يؤمنوا بهذه الحجة (أي الإمام القائم)؟ أفلا يحق لهم أن يقولوا يوم القيامة: يا رب! لقد كانت حجتك غائبة فمن أين لنا أن نعلم أنها كانت موجودة فعلاً؟؟.

ثم إننا لاحظنا أن جميع الروايات السابقة مروية عن السيدة «حكيمة» عمة الإمام الحسن العسكري ورأينا أنها متناقضة يكذِّب بعضها بعضاً وتتضمن أموراً تخالف القرآن الكريم، فليت شعري كيف يؤاخذ الله من لم يؤمن بمثل هذه الحجة المستندة إلى مثل هذه الروايات المتناقضة المخالفة للكتاب؟!

هذا في حين أننا نعلم - طبقاً لما ذكره «النوبختي» المتوفى سنة 301 هـ والذي أدرك ثلاثة من الأئمة - أن الشيعة انقسمت بعد وفاة الإمام الحسن العسكري إلى أربع عشرة فرقة:

1- ففرقةٌ قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب وهو القائم ولا يجوز أن يموت الإمام ولا ولد له ولا خلف معروف ظاهر...

2- وفرقةٌ قالت: إن الحسن بن علي قد صحَّت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا خلف له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت أن لا إمام بعد الحسن بن علي وأن الإمامة انقطعت، وذلك جائز في المعقول والقياس، فكما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد فلا يكون بعده شيء، كذلك جاز أن تنقطع الإمامة.

3- وفرقةٌ أخرى قالت: أن الحسن بن علي قد مات. وصح موته ولا خلف له وانقطعت الإمامة إلى وقت يبعث الله فيه قائماً من آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي وإن شاء بعث غيره من آبائه.

4- وقالت فرقةٌ: إن الحسن بن علي توفي ولا عقب له والإمام بعده جعفر بن علي أخوه، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الفطحية في عبد الله وموسى ابني جعفر.

5- وقالت فرقةٌ بمثل مقالة الفطحية أن الحسن بن علي توفي وهو إمام بوصية أبيه إليه، وأن الإمامة لا تكون إلا في الأكبر من ولد الإمام، ممن بقي منهم بعد أبيه فالإمام بعد الحسن بن علي: جعفر أخوه، لا يجوز غيره إذ لا ولد للحسن معروف ولا أخ إلا جعفر في وصية أبيه، كما أوصى جعفر بن محمد (أي الصادق) إلى عبد الله لمكان الأكبر ثم جعلها من بعد عبد الله لموسى أخيه.

6- وقالت فرقةٌ: لا ولد للحسن بن علي أصلاً لأنا تبحرنا ذلك بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية، وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده، ولو جاز أن يقال في مثل الحسن بن علي وقد توفي ولا ولد له ظاهر معروف، أن له ولداً مستوراً، لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف ولجاز مثل ذلك في النبي صلوات الله عليه أن يقال خلف ابنا رسولاً نبياً، ولجاز أن تدَّعي الفطحية أن لعبد الله بن جعفر ولداً ذكراً إماماً!

7- وقالت فرقةٌ: نحن لا ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الأمر فلسنا نعلم أن للحسن بن علي ولدا أم لا؟ أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد؟ وقد كثر الاختلاف. إلا أننا نقول أن الحسن بن علي كان إماماً مفترض الطاعة ثابت الإمامة، وقد توفي وصحت وفاته، والأرض لا تخلو من حجة، فنحن نتوقف ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده، ولا ننكر إمامة أبي محمد ولا موته، ولا نقول أنه رجع بعد موته ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره، ولا ننتميه حتى يظهر الله الأمر إذا شاء ويكشف ويبينه لنا(17).

وعلي أي حال كان هذا حال شيعة الإمام الحسن العسكري في زمنه، وتلك كانت عقيدتهم بشأن ابن الإمام الحسن العسكري، رغم أنهم كانوا معاصرين له، فما بالك بحال من جاء بعدهم إذن؟؟ فهل هكذا تكون حجة الله على عباده؟؟

ثم نسأل: ما هي فائدة مثل هذه الحجة؟؟ ما الهداية والإرشاد المرتجى من مثل هذه الحجة؟؟ ثم لماذا لا نجد أي ذكر في القرآن الكريم لهذا الإمام المحجوب الغائب؟؟ فهل الإيمان بالمهدي الذي يجب – حسب قولهم – أن يعيش المؤمنون في كل لحظة في انتظار خروجه، أقل أهمية من الإيمان برجال عاشوا في الماضي ومضت على وفاتهم قرون متمادية مثل لقمان وذي القرنين، حتى يذكرهم الله في القرآن ولا يأت على إمام الشيعة بذكر؟!! هل طريقة الكتاب في هداية الناس أن يوضح بالتفصيل الأمور ذات الأهمية الأقل، ويكتم الأمور ذات الأهمية الأكثر والأخطر؟!

تاريخ ولادته:

يروي الشيخ الصدوق في كتاب «إكمال الدين» عن «عَقِيدٍ الخَادِمِ» أن ابن الإمام الحسن العسكري ولد في ليلة الجمعة من شهر رمضان سنة 254هـ، ولكنه يروي في الكتاب ذاته عن السيدة «حكيمة» أن ولادته كانت في النصف من شعبان سنة 255هـ. وهناك رواية أخرى في الكتاب ذاته تقول إن إمام الزمان ولد في الثامن شهر شعبان سنة 256هـ. أما بهاء الدين علي بن عيسى الإربلي الموصلي (693هـ) فقال في كتابه «كشف الغمة» إن ولادة الإمام كانت في الثالث والعشـرين من شهر رمضان المبارك سنة 258هـ!

كيفية نموّه:

أورد المجلسيُّ في «بحار الأنوار» عدة روايات حول النمو الخارق للعادة لهذا الإمام المختَرَع، فأولاً: هي روايات متناقضة يكذِّبُ بعضها بعضاً. وثانياً: هي روايات تخالف القرآن والكتب السماوية وتخالف العقل. مثلاً تنقل إحدى تلك الروايات عن السيدة «حكيمة» قولها: «فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً رُدَّ الغُلَامُ ووَجَّهَ إِلَيَّ ابْنُ أَخِي [أي الإمام الحسن العسكري]. فَدَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِصَبِيٍّ مُتَحَرِّكٌ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ! فَقُلْتُ: سَيِّدِي هَذَا ابْنُ سَنَتَيْنِ!! فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَوْلَادَ الأَنْبِيَاءِ والْأَوْصِيَاءِ إِذَا كَانُوا أَئِمَّةً يَنْشَئُونَ بِخِلَافِ مَا يَنْشَأُ غَيْرُهُمْ، وإِنَّ الصَّبِيَّ مِنَّا إِذَا أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ كَانَ كَمَنْ يَأْتِي عَلَيْهِ سَنَةٌ...».

ويروي المجلسيُّ في «بحار الأنوار» رواية أخرى جاء فيها: «فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ فَإِذَا مَوْلَانَا الصَّاحِبُ يَمْشـِي فِي الدَّارِ فَلَمْ أَرَ وَجْهاً أَحْسَنَ مِنْ وَجْهِهِ ولا لُغَةً أَفْصَحَ مِنْ لُغَتِهِ. فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا المَوْلُودُ الكَرِيمُ عَلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ. فَقُلْتُ: سَيِّدِي أَرَى مِنْ أَمْرِهِ مَا أَرَى ولَهُ أَرْبَعُونَ يَوْماً!! فَتَبَسَّمَ وقَالَ: يَا عَمَّتِي! أَمَا عَلِمْتِ أَنَّا مَعَاشِرَ الأَئِمَّةِ نَنْشَأُ فِي اليَوْمِ مَا يَنْشَأُ غَيْرُنَا فِي السَّنَةِ..»(18).

وقد وردت روايات عديدة من هذا القبيل نضـرب صفحاً عن ذكرها كي لا نكرِّر المكرَّرات.

ونقول في الإجابة عنها: إذا نظرنا إلى التوراة رأينا أنه ذُكر في سفر الخروج/ الإصحاح الثاني، الآية 1: «1وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي 2فَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَتِ ابْناً. وَلَمَّا رَأَتْهُ أَنَّهُ حَسَنٌ خَبَّأَتْهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ. 3وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُخَبِّئَهُ بَعْدُ أَخَذَتْ لَهُ سَفَطاً مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ.».

فهذا يبين أن موسى بقي لدى أمه ثلاثة أشهر قبل أن تضعه في صندوق وتلقيه في اليمّ. أما لو قبلنا بالروايتين المذكورتين فمعنى ذلك أنه طبقاً للرواية الأولى ينبغي أن يكون موسى قد أصبح ابن ثلاث سنين عندما وضعته أمه في الصندوق! وطبقاً للرواية الثانية ينبغي أن يكون قد أصبح ابن أربعين عاماً عند ذاك!! ودعنا نأخذ بالرواية ذات الزمن الأقل ونقول لما وصل موسى إلى بلاط فرعون كان ابن ثلاث سنين وبضعة أيام، ففي مثل هذه السن لم يكن بحاجة إلى حليب الأم مع أننا نعلم أن الله تعالى صنع له تدبيراً ردَّه من خلاله إلى أمّه لتقوم بإرضاعه، بعد أن التقطه آل فرعون، فمعنى هذا أن موسى كان ينمو مثل نمو سائر الأطفال العاديين، مما يثبت خطأ تلك الروايات، وعدم صحتها.

ونأتي بدليل آخر: نعلم أن الإمام الحسن ولد في السنة الثالثة للهجرة، والإمام الحسين ولد في السنة الرابعة للهجرة، ووقعت حادثة المباهلة – كما يرويها الشيعة – في السنة العاشرة للهجرة، أي عندما كان للإمام الحسن سبع سنوات من العمر، وللإمام الحسين ست سنوات. فلْنرَ الآن كيف كان نموهما؟ هل كانا – حسب ما تذكره تلك الروايات ابني ثلاثين أو أربعين عاماً؟؟ أم كانا لا يزالان طفلين؟ إذا رجعنا إلى كتاب «منتهى الآمال» للشيخ عباس القمي الشيعي رأيناه يروي لنا قصة المباهلة كما يلي: «فقدم حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت حضـرة أمير المؤمنين فجراً وأخذ بيد الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وكان أمير المؤمنين يتقدمه وحضرة فاطمة عليها السلام خلفه».

ويوجد الكثير من مثل هذه الشواهد وقد استشهدنا بقصة المباهلة لأنها مقبولة ومشهورة لدى الشيعة، فاستدللنا عليهم بما يقبلون به.

فمن هذه الروايات يتبيَّن أن الحسن والحسين كانا طفلين وكان نموهما مثل نمو سائر البشر، وبالتالي فجميع الروايات التي تقول إن نمو المهدي كان نمواً غير عادي روايات موضوعة من أساسها.

مسألة الرجعة:

إحدى المسائل التي تعتقد بها الشيعة الإمامية مسألة «الرجعة»، والتي تعني أن هناك جماعة من الأموات سوف يعودون إلى الحياة في هذه الحياة الدنيا وقبل يوم القيامة، وذلك في زمن ظهور الإمام المهدي. وسنذكر فيما يلي بعض الأحاديث التي رواها المجلسيُّ في «بحار الأنوار» في هذا الصدد ثم نعلق عليها وننقدها:

أورد المجلسيُّ في «بحار الأنوار»، في الباب الثالث والثلاثين من المجلد الثالث عشر رواية طويلة ومفصلة حول هذا الموضوع، وسنذكر هذه الرواية بطولها كما وردت ترجمتها في كتاب «مهدي موعود» [بالفارسية]، وذلك لكي يدرك القارئ الكريم - بعد معرفته كذب هذه الرواية عندما يقرأ نقدنا لها - كيف يقوم الكذبة بتطويل ما يروونه من أخبار وكيف يلفقون الأكاذيب حتى يتوهم الناس أن ما يروونه حقائق واقعية!

قال المجلسيُّ:

«رُوِيَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ(19) عَنْ عَمْرِو بْنِ الفُرَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُفَضَّلِ عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ(20) قَالَ: سَأَلْتُ سَيِّدِيَ الصَّادِقَ هَلْ لِلْمَأْمُورِ المُنْتَظَرِ المَهْدِيِّ مِنْ وَقْتٍ مُوَقَّتٍ يَعْلَمُهُ النَّاسُ؟ فَقَالَ: حَاشَ لِـلَّهِ أَنْ يُوَقِّتَ ظُهُورَهُ بِوَقْتٍ يَعْلَمُهُ شِيعَتُنَا. قُلْتُ: يَا سَيِّدِي! وَلِمَ ذَاكَ؟! قَالَ: لِأَنَّهُ هُوَ السَّاعَةُ الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِها إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... الآيَةَ»(21).

«وَهُوَ [أي المنتظر المهدي] السَّاعَةُ الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [الأعراف/187] وَقَالَ: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان/34] وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا عِنْدَ أَحَدٍ وَقَالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها... الآيَةَ ﴾ [محمد/18] وَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ [القمر/1] وَقَالَ: ﴿... و ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [الشورى/17-18].».

«قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى يُمَارُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ مَتَى وُلِدَ وَمَنْ رَأَى وَأَيْنَ يَكُونُ وَمَتَى يَظْهَرُ وَكُلُّ ذَلِكَ اسْتِعْجَالاً لِأَمْرِ اللهِ وَشَكّاً فِي قَضَائِهِ وَدُخُولاً فِي قُدْرَتِهِ‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَإِنَّ لِلْكَافِرِينَ لَشَرَّ مَآبٍ».

«قُلْتُ: أَفَلا يُوَقَّتُ لَهُ وَقْتٌ؟ فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ! لا أُوَقِّتُ لَهُ وَقْتاً وَلا يُوَقَّتُ لَهُ وَقْتٌ إِنَّ مَنْ وَقَّتَ لِمَهْدِيِّنَا وَقْتاً فَقَدْ شَارَكَ اللهَ تَعَالَى فِي عِلْمِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى سِرِّهِ وَمَا لِـلَّهِ مِنْ سِرٍّ إِلا وَقَدْ وَقَعَ إِلَى هَذَا الخَلْقِ المَعْكُوسِ الضَّالِّ عَنِ اللهِ الرَّاغِبِ عَنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ، وَمَا لِـلَّهِ مِنْ خَبَرٍ إِلا وَهُمْ أَخَصُّ بِهِ لِسِرِّهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا أَلْقَى اللهُ إِلَيْهِمْ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا مَوْلَايَ! فَكَيْفَ بَدْءُ ظُهُورِ المَهْدِيِّ وَإِلَيْهِ التَّسْلِيمُ؟

قَالَ: يَا مُفَضَّلُ! يَظْهَرُ فِي شُبْهَةٍ لِيَسْتَبِينَ فَيَعْلُو ذِكْرُهُ وَيَظْهَرُ أَمْرُهُ وَيُنَادَى بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ وَنَسَبِهِ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَى أَفْوَاهِ المُحِقِّينَ وَالمُبْطِلِينَ وَالمُوَافِقِينَ وَالمُخَالِفِينَ‏ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ بِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قَصَصْنَا وَدَلَلْنَا عَلَيْهِ وَنَسَبْنَاهُ وَسَمَّيْنَاهُ وَكَنَيْنَاهُ وَقُلْنَا سَمِيُّ جَدِّهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَنِيُّهُ لِئَلا يَقُولَ النَّاسُ مَا عَرَفْنَا لَهُ اسْماً وَلا كُنْيَةً وَلا نَسَباً، وَاللهِ لَيَتَحَقَّقُ الإِيضَاحُ بِهِ وَبِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَكُنْيَتِهِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ حَتَّى لَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ لِلُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللهُ كَمَا وَعَدَ بِهِ جَدُّهُ صلى الله عليه وآله وسلم فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْـرِكُونَ (التوبة/33).

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا مَوْلايَ! فَمَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْـرِكُونَ؟؟

قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِـلَّهِ (الأنفال/39) فَوَاللهِ يَا مُفَضَّلُ لَيُرْفَعُ عَنِ المِلَلِ وَالأَدْيَانِ الاخْتِلافُ وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ وَاحِداً كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ (آل عمران/19). وَقَالَ اللهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ (آل عمران/85).».

توضيح: لقد تكلَّمنا على استدلالهم بآية ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (التوبة/33) أثناء مناقشتنا للآيات التي يستدلُّون بها على المهدي، أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فنقول ليس المقصود من «الإسلام» دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، كما أنه ليس المقصود أن جميع الأديان دينٌ واحدٌ، بل المقصود من الإسلام هنا معناه اللغوي وهو التسليم لحكم الله تعالى (وإسلام الوجه لِـلَّهِ والانقياد لأمره)، وبهذا النحو كان أتباع عيسى الذي أسلموا وجههم لِـلَّهِ مسلمين، وأتباع موسى كذلك، وفي الواقع إن بقية الرواية تؤيد هذا الأمر:

«قَالَ المُفَضَّلُ: قُلْتُ: يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ! وَالدِّينُ الَّذِي فِي آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ الإِسْلَامُ؟

قَالَ: نَعَمْ يَا مُفَضَّلُ هُوَ الإِسْلَامُ لا غَيْرُ.

قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ! أَتَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللهِ؟

قَالَ: نَعَمْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَمِنْهُ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ (آل عمران/19) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ (الحج/78). وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: ﴿ربنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (البقرة/128). وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ (يونس/90). وَفِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ وَبِلْقِيسَ: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (النمل/38). وَقَوْلِهَا: ﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِـلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (النمل/44).

وَ قَوْلِ عِيسَى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ؟ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا إِلَى قَوْلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِلَى قَوْلِهِ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

قُلْتُ: يَا سَيِّدِي! كَمِ المِلَلُ؟

قَالَ: أَرْبَعَةٌ وَهِيَ شَرَائِعُ.

قَالَ المُفَضَّلُ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي! المَجُوسُ لِمَ سُمُّوا المَجُوسَ؟

قَالَ: لأَنَّهُمْ تَمَجَّسُوا فِي السُّرْيَانِيَّةِ وَادَّعَوْا عَلَى آدَمَ وَعَلَى شَيْثٍ وَهُوَ هِبَةُ اللهِ أَنَّهُمَا أَطْلَقَا لَهُمْ نِكَاحَ الأُمَّهَاتِ وَالأَخَوَاتِ وَالبَنَاتِ وَالخَالَاتِ وَالعَمَّاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّهُمَا أَمَرَاهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ وَقَفَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَجْعَلا لِصَلَاتِهِمْ وَقْتاً وَإِنَّمَا هُوَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَعَلَى آدَمَ وَشَيْثٍ.».

توضيح: هذا الذي ذكره ادعاء وافتراء على الله وكذب على آدم وشيث.

وهكذا تستمر القصة والرواية الطويلة المليئة بالأكاذيب العجيبة حتى يصل الراوي إلى قوله: «... قَالَ المُفَضَّلُ: يَا سَيِّدِي فَفِي أَيِّ بُقْعَةٍ يَظْهَرُ المَهْدِيُّ؟

قَالَ لا تَرَاهُ عَيْنٌ فِي وَقْتِ ظُهُورِهِ إِلا رَأَتْهُ كُلُّ عَيْنٍ فَمَنْ قَالَ لَكُمْ غَيْرَ هَذَا فَكَذِّبُوهُ.

 قَالَ المُفَضَّلُ: يَا سَيِّدِي! وَلا يُرَى وَقْتَ وِلَادَتِهِ؟

قَالَ: بَلَى وَاللهِ لَيُرَى مِنْ سَاعَةِ وِلَادَتِهِ إِلَى سَاعَةِ وَفَاةِ أَبِيهِ سَنَتَيْنِ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوَّلُ وِلَادَتِهِ وَقْتُ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ 257 إِلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ 260 وَهُوَ يَوْمُ وَفَاةِ أَبِيهِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي بِشَاطِئِ دِجْلَةَ، يَبْنِيهَا المُتَكَبِّرُ الجَبَّارُ المُسَمَّى بِاسْمِ جَعْفَرٍ الضَّالُّ المُلَقَّبُ بِالْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ المُتَأَكِّلُ لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى وَهِيَ مَدِينَةٌ تُدْعَى بِسُـرَّ مَنْ رَأَى وَهِيَ سَاءَ مَنْ رَأَى يَرَى شَخْصَهُ المُؤْمِنُ المُحِقُّ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَلا يَرَاهُ المُشَكِّكُ المُرْتَابُ وَيَنْفُذُ فِيهَا أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَيَغِيبُ عَنْهَا فَيَظْهَرُ فِي القَصْرِ بِصَابِرٍ بِجَانِبِ المَدِينَةِ فِي حَرَمِ جَدِّهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَيَلْقَاهُ هُنَاكَ مَنْ يُسْعِدُهُ اللهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ثُمَّ يَغِيبُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ 266 فَلا تَرَاهُ عَيْنُ أَحَدٍ حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ وَكُلُّ عَيْنٍ.

قَالَ المُفَضَّلُ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي! فَمَنْ يُخَاطِبُهُ وَلِمَنْ يُخَاطِبُ.

قَالَ الصَّادِقُ: تُخَاطِبُهُ المَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ مِنَ الجِنِّ وَيَخْرُجُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ إِلَى ثِقَاتِهِ وَوُلَاتِهِ وَوُكَلَائِهِ وَيَقْعُدُ بِبَابِهِ مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ فِي يَوْمِ غَيْبَتِهِ بِصَابِرٍ ثُمَّ يَظْهَرُ بِمَكَّةَ وَوَ اللهِ يَا مُفَضَّلُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ بُرْدَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم المَخْصُوفَةُ وَفِي يَدِهِ هِرَاوَتُهُ يَسُوقُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنَازاً عِجَافاً حَتَّى يَصِلَ بِهَا نَحْوَ البَيْتِ لَيْسَ ثَمَّ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ وَيَظْهَرُ وَهُوَ شَابٌّ قَالَ المُفَضَّلُ يَا سَيِّدِي يَعُودُ شَابّاً أَوْ يَظْهَرُ فِي شَيْبَةٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَهَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ يَظْهَرُ كَيْفَ شَاءَ وَبِأَيِّ صُورَةٍ شَاءَ إِذَا جَاءَهُ الأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى مَجْدُهُ وَجَلَّ ذِكْرُهُ.

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا سَيِّدِي! فَمِنْ أَيْنَ يَظْهَرُ وَكَيْفَ يَظْهَرُ؟

قَالَ: يَا مُفَضَّلُ! يَظْهَرُ وَحْدَهُ وَيَأْتِي البَيْتَ وَحْدَهُ وَيَلِجُ الكَعْبَةَ وَحْدَهُ وَيَجُنُّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَحْدَهُ فَإِذَا نَامَتِ العُيُونُ وَغَسَقَ اللَّيْلُ نَزَلَ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَالمَلَائِكَةُ صُفُوفاً فَيَقُولُ لَهُ جَبْرَئِيلُ يَا سَيِّدِي قَوْلُكَ مَقْبُولٌ وَأَمْرُكَ جَائِزٌ فَيَمْسَحُ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العامِلِينَ وَيَقِفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ فَيَصْرُخُ صَرْخَةً فَيَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ نُقَبَائِي وَأَهْلَ خَاصَّتِي وَمَنْ ذَخَرَهُمُ اللهُ لِنُصْـرَتِي قَبْلَ ظُهُورِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ائْتُونِي طَائِعِينَ، فَتَرِدُ صَيْحَتُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى مَحَارِيبِهِمْ وَعَلَى فُرُشِهِمْ فِي شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِهَا فَيَسْمَعُونَهُ فِي صَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أُذُنِ كُلِّ رَجُلٍ فَيَجِيئُونَ نَحْوَهَا وَلا يَمْضِي لَهُمْ إِلا كَلَمْحَةِ بَصَرٍ حَتَّى يَكُونَ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ فَيَأْمُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النُّورَ فَيَصِيرُ عَمُوداً مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَضِي‏ءُ بِهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ نُورٌ مِنْ جَوْفِ بَيْتِهِ فَتَفْرَحُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ النُّورِ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بِظُهُورِ قَائِمِنَا أَهْلَ البَيْتِ ثُمَّ يُصْبِحُونَ وُقُوفاً بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً بِعِدَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ بَدْرٍ.

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا مَوْلَايَ يَا سَيِّدِي! فَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ رَجُلاً الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يَظْهَرُونَ مَعَهُمْ؟

قَالَ: يَظْهَرُ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً مُؤْمِنِينَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا سَيِّدِي! فَبِغَيْرِ سُنَّةِ القَائِمِ بَايَعُوا لَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ وَقَبْلَ قِيَامِهِ؟

فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ! كُلُّ بَيْعَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ القَائِمِ فَبَيْعَتُهُ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَخَدِيعَةٌ لَعَنَ اللهُ المُبَايِعَ لَهَا وَالمُبَايَعَ لَهُ، بَلْ يَا مُفَضَّلُ! يُسْنِدُ القَائِمُ ظَهْرَهُ إِلَى الحَرَمِ وَيَمُدُّ يَدَهُ فَتُرَى بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَيَقُولُ: هَذِهِ يَدُ اللهِ وَعَنِ اللهِ وَبِأَمْرِ اللهِ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ الآيَةَ﴾ (الفتح/10)، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَنْ يُقَبِّلُ يَدَهُ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ يُبَايِعُهُ وَتُبَايِعُهُ المَلَائِكَةُ وَنُجَبَاءُ الجِنِّ ثُمَّ النُّقَبَاءُ وَيُصْبِحُ النَّاسُ بِمَكَّةَ...»

[ويواصل الراوي قصته وخياله الفياض! إلى أن يصل إلى القول]:

«وَسَيِّدُنَا القَائِمُ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الخَلَائِقِ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَشَيْثٍ فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَشَيْثٌ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى نُوحٍ وَوَلَدِهِ سَامٍ فَهَا أَنَا ذَا نُوحٌ وَسَامٌ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فَهَا أَنَا ذَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُوسَى وَيُوشَعَ فَهَا أَنَا ذَا مُوسَى وَيُوشَعُ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيسَى وَشَمْعُونَ فَهَا أَنَا ذَا عِيسَى وَشَمْعُونُ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا فَهَا أَنَا ذَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ فَهَا أَنَا ذَا الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ أَلا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ فَهَا أَنَا ذَا الأَئِمَّةُ أَجِيبُوا إِلَى مَسْأَلَتِي فَإِنِّي أُنَبِّئُكُمْ بِمَا نُبِّئْتُمْ بِهِ وَمَا لَمْ تُنَبَّئُوا بِهِ وَمَنْ كَانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ وَالصُّحُفَ فَلْيَسْمَعْ مِنِّي ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالصُّحُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى آدَمَ وَشَيْثٍ وَيَقُولُ أُمَّةُ آدَمَ وَشَيْثٍ هِبَةِ اللهِ هَذِهِ وَاللهِ هِيَ الصُّحُفُ حَقّاً وَلَقَدْ أَرَانَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُهُ فِيهَا وَمَا كَانَ خَفِيَ عَلَيْنَا وَمَا كَانَ أُسْقِطَ مِنْهَا وَبُدِّلَ وَحُرِّفَ ثُمَّ يَقْرَأُ صُحُفَ نُوحٍ وَصُحُفَ إِبْرَاهِيمَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ فَيَقُولُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ هَذِهِ وَاللهِ صُحُفُ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ حَقّاً وَمَا أُسْقِطَ مِنْهَا وَبُدِّلَ وَحُرِّفَ مِنْهَا هَذِهِ وَاللهِ التَّوْرَاةُ الجَامِعَةُ وَالزَّبُورُ التَّامُّ وَالإِنْجِيلُ الكَامِلُ وَإِنَّهَا أَضْعَافُ مَا قَرَأْنَا مِنْهَا ثُمَّ يَتْلُو القُرْآنَ فَيَقُولُ المُسْلِمُونَ هَذَا وَاللهِ القُرْآنُ حَقّاً الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ‏ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَمَا أُسْقِطَ مِنْهُ وَحُرِّفَ وَبُدِّلَ. ثُمَّ تَظْهَرُ الدَّابَّةُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ فَتَكْتُبُ فِي وَجْهِ المُؤْمِنِ مُؤْمِنٌ وَفِي وَجْهِ الكَافِرِ كَافِرٌ......»

[وتتواصل الرواية الخيالية العجائبية صفحات أخرى حتى يصل الراوي إلى قوله]:

«ثُمَّ تَنَفَّسَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ! إِنَّ بِقَاعَ الأَرْضِ تَفَاخَرَتْ فَفَخَرَتْ كَعْبَةُ البَيْتِ الحَرَامِ عَلَى بُقْعَةِ كَرْبَلَاءَ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهَا أَنِ اسْكُتِي كَعْبَةَ البَيْتِ الحَرَامِ وَلا تَفْتَخِرِي عَلَى كَرْبَلَاءَ فَإِنَّهَا البُقْعَةُ المُبَارَكَةُ الَّتِي نُودِيَ مُوسَى مِنْهَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَإِنَّهَا الرَّبْوَةُ الَّتِي أَوَتْ إِلَيْهَا مَرْيَمُ وَالمَسِيحُ وَإِنَّهَا الدَّالِيَةُ الَّتِي غُسِلَ فِيهَا رَأْسُ الحُسَيْنِ وَفِيهَا غَسَلَتْ مَرْيَمُ عِيسَى وَاغْتَسَلَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا وَإِنَّهَا خَيْرُ بُقْعَةٍ عَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهَا وَقْتَ غَيْبَتِهِ وَلَيَكُونَنَّ لِشِيعَتِنَا فِيهَا خِيَرَةٌ إِلَى ظُهُورِ قَائِمِنَا.

قَالَ المُفَضَّلُ: يَا سَيِّدِي! ثُمَّ يَسِيرُ المَهْدِيُّ إِلَى أَيْنَ؟

قَالَ: إِلَى مَدِينَةِ جَدِّي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَإِذَا وَرَدَهَا كَانَ لَهُ فِيهَا مَقَامٌ عَجِيبٌ يَظْهَرُ فِيهِ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ وَخِزْيُ الكَافِرِينَ قَالَ المُفَضَّلُ يَا سَيِّدِي مَا هُوَ ذَاكَ قَالَ يَرِدُ إِلَى قَبْرِ جَدِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَيَقُولُ يَا مَعَاشِرَ الخَلَائِقِ هَذَا قَبْرُ جَدِّي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا مَهْدِيَّ آلِ مُحَمَّدٍ فَيَقُولُ وَمَنْ مَعَهُ فِي القَبْرِ فَيَقُولُونَ صَاحِبَاهُ وَضَجِيعَاهُ......... [إلى قوله]:

 ثُمَّ يَأْمُرُ بِإِنْزَالِهِمَا فَيُنْزَلَانِ إِلَيْهِ فَيُحْيِيهِمَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَيَأْمُرُ الخَلَائِقَ بِالِاجْتِمَاعِ ثُمَّ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ قَصَصَ فِعَالِهِمَا فِي كُلِّ كُورٍ وَدُورٍ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْهِمْ‏ قَتْلَ هَابِيلَ بْنِ آدَمَ وَجَمْعَ النَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ وَطَرْحَ يُوسُفَ فِي الجُبِّ وَحَبْسَ يُونُسَ فِي الحُوتِ وَقَتْلَ يَحْيَى وَصَلْبَ عِيسَى وَعَذَابَ جِرْجِيسَ وَدَانِيَالَ وَضَرْبَ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ وَإِشْعَالَ النَّارِ عَلَى بَابِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ لِإِحْرَاقِهِمْ بِهَا وَضَرْبَ يَدِ الصِّدِّيقَةِ الكُبْرَى فَاطِمَةَ بِالسَّوْطِ وَرَفْسَ بَطْنِهَا وَإِسْقَاطَهَا مُحسناً وَسَمَّ الحَسَنِ وَقَتْلَ الحُسَيْنِ وَذَبْحَ أَطْفَالِهِ وَبَنِي عَمِّهِ وَأَنْصَارِهِ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَإِرَاقَةَ دِمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَكُلِّ دَمٍ سُفِكَ وَكُلَّ فَرْجٍ نُكِحَ حَرَاماً وَكُلَّ رَيْنٍ وَخُبْثٍ وَفَاحِشَةٍ وَإِثْمٍ وَظُلْمٍ وَجَوْرٍ وَغَشْمٍ مُنْذُ عَهْدِ آدَمَ إِلَى وَقْتِ قِيَامِ قَائِمِنَا كُلُّ ذَلِكَ يُعَدِّدُهُ عَلَيْهِمَا وَيُلْزِمُهُمَا إِيَّاهُ فَيَعْتَرِفَانِ بِهِ!!... [أي يجعل جميع معاصي ومظالم البشر منذ آدم وإلى يوم القيامة برقبة أبي بكر وعمر!!!]».

نكتفي بهذه الاقتبسات من تلك القصة الطويلة لنشرع بنقدها:

نقد خبر المفضَّل بن عُمَر

انتقدنا في بداية هذه الرواية أو القصة، بعض المواضع منها، والآن نكمل انتقاد بقيتها.

أولاً: من الواضح أن المعلومات الدينية لهذا الراوي الذي قام بتلفيق كل هذه الأكاذيب والترّهات معلومات ضحلة للغاية، فقد وقع في أخطاء عجيبة، ففي آخر قصته الخرافية هذه يقول: «..وَقَتْلَ يَحْيَى وَصَلْبَ عِيسَى وَعَذَابَ جِرْجِيسَ وَدَانِيَالَ..» مع أن جميع المسلمين يعلمون أن عيسى – طبقاً لنص القرآن – لم يُقتل ولم يُصلب، يقول الله عز وجل: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَـهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَـهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النساء/157و158).

وثانياً: من الواضح أن هذا الراوي لم يكن يعلم أن العلم سيتقدم وسيتم اختراع السيارات والطائرات، لذا كان يظن أن الناس زمن ظهور القائم لا يزالون يستخدمون البغال في أسفارهم فيقول عن الأشرار في ذلك الزمن: «...وَخَرَّبْنَا الدُّنْيَا مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الزَّوْرَاءِ وَتَرَكْنَاهَا جَمَّاءَ وَخَرَّبْنَا الكُوفَةَ وَخَرَّبْنَا المَدِينَةَ وَكَسَرْنَا المِنْبَرَ وَرَاثَتْ بِغَالُنَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم...».

ومن الأخطاء الفاضحة لواضع هذه الرواية قوله: «فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ! كُلُّ بَيْعَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ القَائِمِ فَبَيْعَتُهُ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَخَدِيعَةٌ لَعَنَ اللهُ المُبَايِعَ لَهَا وَالمُبَايَعَ لَهُ...». فنسأل: ألا يجب مبايعة من ينهضون لتشكيل حكومةٍ إسلامية؟؟ هل يجب على المسلمين البقاء تحت سلطة الجبابرة الطغاة؟؟

إن كل هذه القصة من أولها لآخرها تستحق النقد، ولكننا خشية الإطالة سنكتفي بنقد بعض المواضع منها.

وجاء في القصة: «.. قَالَ المُفَضَّلُ: قُلْتُ يَا سَيِّدِي! وَرَسُولُ اللهِ وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَكُونَانِ مَعَهُ؟ فَقَالَ: لا بُدَّ أَنْ يَطَئَا الأَرْضَ إِي وَاللهِ...» ثم قال: «ثُمَّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ يَا مُفَضَّلُ إِلَيْنَا مَعَاشِرَ الأَئِمَّةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَشْكُو إِلَيْهِ مَا نَزَلَ بِنَا مِنَ الأُمَّةِ بَعْدَهُ وَمَا نَالَنَا مِنَ التَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ عَلَيْنَا وَسَبْيِنَا وَلَعْنِنَا وَتَخْوِيفِنَا بِالْقَتْلِ... الخ» ثم يذكر أن عيسى المسيح يرجع إلى الدنيا أيضاً.

والجواب: سنجيب عن هذه الأباطيل باختصار مستدلين بآيات من القرآن الكريم ونصوص من نهج البلاغة الذي بين أيدي جميع الناس.

[الأدلة على بطلان الرجعة]:

لا توجد في القرآن الكريم أي آية تشير إلى رجوع الأموات إلى عالم الدنيا قبل يوم القيامة بل يوجد ما ينفي ذلك بصراحة:

يقول تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (الزمر/30 و31).

فهذه الآية تبين أنه بعد الموت سيكون الخصام يوم القيامة فقط، أي سيخاصم النبي الكفار في يوم القيامة.

ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّاً (مريم/33). فهذه الآية تبين أن عيسى وُلد مرةً واحدةً، ومات واحدةً وبعث واحدةً وهو البعث يوم القيامة.

وروى المجلسيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن الشيخ حسن بن سليمان في كتابه: «منتخب البصائر» عن الإمام موسى الكاظم قال: «لَتَرْجِعَنَّ نُفُوسٌ ذَهَبَتْ وَلَيُقْتَصَّنَّ يَوْمَ يَقُومُ ومَنْ عُذِّبَ يَقْتَصُّ بِعَذَابِهِ وَمَنْ أُغِيظَ أَغَاظَ بِغَيْظِهِ وَمَنْ قُتِلَ اقْتَصَّ بِقَتْلِهِ ويُرَدُّ لَهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ مَعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ ثُمَّ يَعْمُرُونَ بَعْدَهُمْ ثَلَاثِينَ شَهْراً ثُمَّ يَمُوتُونَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَدْرَكُوا ثَارَهُمْ وشَفَوْا أَنْفُسَهُمْ ويَصِيرُ عَدُوُّهُمْ إِلَى أَشَدِّ النَّارِ عَذَاباً ثُمَّ يُوقَفُونَ بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ عَزَّ وجَلَّ فَيُؤْخَذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ».

والجواب: يقول تعالى في سورة «المؤمنون»: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (المؤمنون/99-102).

فهذه الآية تنفي الرجعة بكل وضوح. وفي القرآن آيات أخرى أيضا تنفي الرجعة كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (غافر/46).

أما في «نهج البلاغة» فقد جاء في الرسالة رقم 31 من رسائل الإمام علي وصيته إلى ابنه الحسن يقول فيها: «واعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً المُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ المُثْقِلِ والمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ المُسْرِعِ وأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لا مَحَالَةَ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ ووَطِّئِ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ فَلَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ ولا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ.». فعليٌّ يؤكِّد في هذه الآية أن لا عودة إلى الدنيا لأحد بعد الموت.

[ردّ الطعن بأبي بكر وعمر وبيان ثناء القرآن والصحابة والتابعين عليهما]:

هذا ولما كان آخر قصة «المفضّل بن عُمر» قد تضمن طعناً بأبي بكر وعمر وإساءة لهما، نرى من اللازم أن نذكر هاهنا ما يدل عليه القرآن الكريم والحديث الصحيح بشأنهما. هذا رغم أننا لن نستطيع في هذه العجالة أن نبسط البحث في هذا الموضوع، وندعو القراء الكرام إلى مراجعة كتابنا «اسلام ناب» (اي الإسلام النقي الأصيل)، حيث بحثتُ فيه مسألة الإمامة، لكنني أذكر هنا بعض الأمور في هذا الموضوع كما جاءت في كتاب الله السماوي وفي الكتب الأخرى:

يقول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَـهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة/100).

والسنة والشيعة يعلمون أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا من السابقين الأولين من المهاجرين.

ويقول الله تعالى كذلك: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (الحشر/ 8-10).

وتجمع كتب السيرة والتاريخ على أن أبا بكر وعمر رغم أنهما كانا ذا وضع مالي جيد في مكة، إلا أنهما تركاها وغادراها إلى المدينة طلباً لرضا الله ونصـرةً لِـلَّهِ ورسوله، وهاجر أبو بكر برفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماشياً على الأقدام معه من مكة إلى المدينة. فهذا يدل على أننا يجب – طبقاً لآيات القرآن الكريم – أن نطلب من الله الغفران لنا ولأبي بكر ولعمر ولجميع المهاجرين، ونعلم أنهم جميعاً إخوانُنا في الدين ونسأل الله تعالى أن لا يجعل في قلوبنا غلاً لهم.

ونظائر هذه الآيات كثير في القرآن الكريم، ونكتفي بما ذكرناه، أما بالنسبة إلى الأحاديث فهي كثيرة أيضاً في هذا الأمر وسنكتفي هنا بذكر بعضها:

روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) في كتابه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» بسنده عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين قال: «أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبرونني أنتم المهاجرون الأولون ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ؟؟ قالوا: لا! قال: فأنتم ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ؟؟ قالوا: لا! قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ اخرجوا فعل الله بكم»(22).

هذا هو قول إمام الشيعة الرابع الإمام علي بن الحسين السجَّاد بشأن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. والموقف ذاته نجده عند ابنه «زيد بن علي بن الحسين» عليهم السلام الذي كان من أكابر أهل البيت ومن زهَّاد العترة وفقهائها، وكُتُب الرجال لدى الإمامية، مثل كتب العلامة الحلِّي والشوشتري والممقاني وغيرهم، مشحونة بذكر مناقبه وفضائله، ونقلت بالأسانيد المعتبرة عن كل من الإمام جعفر بن محمد الصادق والإمام علي بن موسى الرضا مدحهما له وثنائهما الكبير عليه.

    من ذلك ما جاء في كتاب «عيون أخبار الرضا» من قول الإمام علي بن موسى الرضا بشأن «زيد بن علي»: «فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لِـلَّهِ فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيل الله» (23).

ومن المعروف والمشهور أنه عندما سُئل الإمام زيد بن علي عن الشيخين وقيل له: «رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعُمَر؟؟ فأجاب: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً»(24).

ويقول الإمام علي في رسالته التي بعث بها إلى أهالي مصـر مع «قيس بن سعد بن عبادة» واليه على مصر، كما أوردها إبـراهيم بن هلال الثقفي الشيعي فـي كتـابـه: «الغارات» (ص 210)، والسيد علي خان الشوشتري في كتابه «الدرجات الرفيعة» (ج1/ص 336)، والطبري في تاريخه (ج3/ص550):

«.. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز وجل صلى الله عليه ورحمته وبركاته ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنـَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز وجل رضي الله عنهما».

وأثنى الإمام علي على عمر رضي الله عنه كما في «نهج البلاغة» ترجمة فيض الإسلام، في الخطبة رقم 219، فقال: «لِـلَّهِ بِلادُ فُلَانٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ الأَوَدَ وَدَاوَى الْعَمَدَ وَأَقَامَ السُّنَّةَ وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِيُّ الثَّوْبِ قَلِيلَ الْعَيْبِ أَصَابَ خَيْرَهَا وَسَبَقَ شَرَّهَا. أَدَّى إِلَى اللهِ طَاعَتَهُ وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقِ مُتَشَعِّبَةٍ لا يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّ وَلا يَسْتَيْقِنُ المُهْتَدِي» (25).

ويدلُّ على ذلك أيضاً الرواية التي نقلت عن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى أنه قال: «لو كان النبيُّ أراد خلافته لقال: أيها الناس! هذا وليُّ أمري والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، (ثم أضاف): أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليّاً لأجل هذا الأمر ولم يُقْـدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً»(26).

وهذه الرواية تدلُّ أيضاً على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على عليٍّ بالخلافة.

ومما يدلُّ على ذلك أيضاً نصُّ الرسالة التي كتبها الإمام علي إلى معاوية، كما أوردها عنه الشريف الرضي في «نهج البلاغة»، الرسالة السادسة(27)، حيث يقول: «إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ ولا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِـلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْـهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ووَلاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى.».

هذه الرسالة ذات قيمة كبيرة لأنها ليست خطبةً حتى يُقال إن من سمعها زاد فيها أو أنقص منها عندما دونها من حفظه، كما أنها ليست حديثاً مر عبر عدد من الرواة، بل هي رسالة مكتوبة وصلت إلينا كما هي مباشرة.

وكما ذكرنا هناك روايات عديدة في هذا المجال ذكرنا بعضها فيما مرّ، ونذكر أيضا بعض الشواهد التاريخية:

ثمة روايات تؤكد أن حضرة عليٍّ زوَّج ابنته أم كلثوم من عُمر بن الخطاب، وهذا دليل واضح عَلَى أن عُمر كان مؤمناً تقياً وأن عليَّاً كان يحبُّه. وهذا التزويج يُقرُّ به الشيعة وأنه تمّ في الوقت الذي كان فيه عمر خليفة المسلمين.

لو كان الله تعالى قد نصب علياً ونصَّ عليه فعلاً لمنصب خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمر قد غصبه هذا الحق، لكان عمر قد ارتكب مخالفةً صريحةً وواضحةً لأمر الله تعالى، وعندئذٍ فإن علياً – بحكم الدين – لم يكن له الحق في إعطاء ابنته لمن خان الله ورسوله وتنكر للحق الواضح. ولا ننسَ أن علياً كان شخصاً مبدئياً إلى أقصى حد، فهو لم يكن مستعداً للصلح مع معاوية وقبوله أميراً على الشام ليوم واحد، فكيف قبل بمبايعة عمر خليفة على جميع المسلمين وليس هذا فحسب بل قبل أن يعطيه ابنته زوجةً له؟! ليس من إجابة إلا أن نقر بأن عليَّاً إذن كان صديقاً لعمر ومحبَّا له، وأن عمر كان مؤمناً ولم يغصب حق عليٍّ، أما ما يذكرونه من نصوص تفيد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نص على عليٍّ خليفةً له من بعده فهي روايات مكذوبة وضعوها لبث الفرقة بين المسلمين، وكان لليهود يد في ذلك فلم يقصِّـروا في هذا المجال، فالتاريخ يظهر أن عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل وضع روايات عديدة في حق علي وأوجد فرقة السبئية. أضف إلى ذلك أن رواة أحاديث التفرقة بين المسلمين كلهم من الكذابين والغلاة حسب كتب الرجال.

ومن الشواهد الأخرى علَى محبَّة عليٍّ لعُمرَ أن عليَّاً بعد رحيل فاطمة – التي لم يتزوج عليها أثناء حياتها- تزوج من عدة نساء وأنجب عدة أولاد فسمى أحدهم أبا بكر، وسمى آخر عمر وسمى ثالثاً عثمان. وهذا الأمر يذكره المؤرخون ومنهم الشيخ عباس القمّي من الشيعة الإمامية في كتابه «منتهى الآمال»، في ترجمته لأمير المؤمنين حيث يذكر أن من أولاده: أبو بكر بن علي عليه السلام وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد، والإمام الحسن والإمام الحسين ومحمد بن الحنفية وعباس وعمر الأكبر، ويذكر في الكتاب ذاته أيضاً اسم «عثمان بن علي».

حقاً إنه لمن العجيب القول إن أبا بكر وعمر وعثمان خالفوا أمر الله وغصبوا حق علي، ثم نقول إن علياً سمَّي أولاده بأسمائهم!! هل خلت الدنيا من الأسماء! ألا يدل تسمية عليٍّ لثلاثة من أولاده بأسماء الخلفاء من قبله: أبو بكر وعمر وعثمان على أن علياً كان في الواقع يحب أولئك الخلفاء ويتولاهم، وأنه احتمل أن يقوم الغلاة فيه من بعده بوضع أحاديث مفرّقة للمسلمين فقام بهذه التسميات ليرد على تلك الأحاديث ويبين زيفها، ويثبت للجميع موالاته للخلفاء الذين سبقوه، وأن رأيه فيهم كان حسناً.

وقد روى العالم الشيعي السيد ابن طاوس في كتابه «كشف المحجة في ثمرة المهجة»، وكذلك روى محمد بن يعقوب الكليني في كتابه «الرسائل»(28)، رسالةً كتبها أمير المؤمنين عليٌّ قال فيها عن عمل أبي بكر: «.. فوليَ أبو بكر فقارب(29) واقتصد..». ونقل المجلسـي في «بحار الأنوار»، عن كتاب «الرسائل» للكليني، وكتاب «كشف المحجة» للسيد ابن طاوس، قول عليٍّ عن عمر: «وكان عمر مرضي السيرة من الناس عند الناس(30)..»(31).

والرواية الأخرى التي يستند إليها الشيعة لإثبات إمام الزمان (المهدي الغائب) هي ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ مَاتَ ولَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّة»(32).

والجواب: لا ندري إلى أي حد تصح هذه الرواية، ولكن على أي حال، من الواضح أن المقصود من إمام الزمان فيها هو الإمام والحاكم الفعلي الذي يدير زمام أمور المسلمين في كل عصر، سواء كان براً أم فاجراً، فإذا كان مؤمناً كان على المسلمين أن يؤدوا دورهم المطلوب منهم في الأمور السياسية فينصروه ويدعموه، وإن كان فاجراً فعلي المسلمين أن يرفضوا طاعته، فالمقصود من هذه الرواية أن على المسلم أن يكون مهتما بأمور بلده ومجتمعه وعلى اطلاع عليها، وهناك روايات أخرى تؤيد هذا الكلام.

روى الشيخ المفيد في كتابه «الاختصاص» عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ – أي حضرة الإمام موسى الكاظم عليه السلام - قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

«مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ إِمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً إِمَامٍ حَيٍّ يَعْرِفُهُ. قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ أَبَاكَ يَذْكُرُ هَذَا يَعْنِي إِمَاماً حَيّاً! فَقَالَ: قَدْ وَاللهِ قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَهُ إِمَامٌ يَسْمَعُ لَهُ ويُطِيعُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(33).

فهذه الرواية تبين أن المقصود من الإمام هو الإمام الحي الذي ينبغي أن يراه الناس ويسمعوا كلامه لا الإمام الغائب الذي اصطنعه خيال الشيعة الإمامية.

وقال بعضهم المقصود من معرفة إمام الزمان معرفة تعاليم القرآن وآياته، وأن المقصود من الإمام هو القرآن(34)، لأن من مصاديق الإمام الكتب السماوية والقرآن. وقد كان القرآن الكريم إمام النبي وإمام الأئمة، إذْ كانوا أتباع القرآن المؤتمُّون به.

المهدي يجعل جميع الناس مسلمين!:

يروي المجلسيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن كتاب الاحتجاج للطبرسي عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الجُهَنِيِّ «عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا قَالَ: يَبْعَثُ اللهُ رَجُلاً فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَلَبٍ(35) مِنَ الدَّهْرِ وَجَهْلٍ مِنَ النَّاسِ يُؤَيِّدُهُ اللهُ بِمَلَائِكَتِهِ وَيَعْصِمُ أَنْصَارَهُ وَيَنْصُرُهُ بِآيَاتِهِ وَيُظْهِرُهُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى يَدِينُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يَمْلا الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً وَنُوراً وَبُرْهَاناً يَدِينُ لَهُ عَرْضُ البِلَادِ وَطُولُهَا لا يَبْقَى كَافِرٌ إِلا آمَنَ وَلا طَالِحٌ إِلا صَلَحَ وَتَصْطَلِحُ فِي مُلْكِهِ السِّبَاعُ...»(36).

لنرَ الآن هل تنطبق هذه الرواية مع القرآن الكريم؟

يقول تعالى في سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64).

إذن من هذه الآية يتبـيَّن أنه حتى يوم القيامة سيبقى هناك يهود على وجه الأرض وستبقى بينهم العداوة والبغضاء، وكذلك سيبقى النصارى أيضاً على هذه الصورة حتى يوم القيامة، كما تصرح به الآية 14 من سورة المائدة.

 

+                      +                    +

 

الفصل الثاني
الآيات التي يستدلّون بها على المهدي

مع أنه ليس فيها أي دلالة عليه

قبل أن نذكر الآيات نطلب منك أيها القارئ الكريم، إذا لم تكن تحفظ القرآن أو لم يكن لك معرفة باللغة العربية، أن تضع أمامك ترجمة للقرآن الكريم وتتدبر معاني الآيات التي سنذكرها فيما يلي:

الآية الأولى: إحدى الآيات التي يستدلّون بها على ظهور المهدي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء/105).

والجواب: من العجيب كيف يتم تحريف معنى مثل هذه الآية الواضحة التي لا لبس في معناها، ويتم تفسيرها بمعنى ما أنزل الله به من سلطان، فقاتل الله الذين أدخلوا في الإسلام روايات كاذبة شوهت الإسلام الذي أنزله الله وحرفت معاني آياته.

الآن لننظر ما المقصود الحقيقي من هذه الآية؟ يجب أن نذهب إلى المصدر الذي أشارت إليه الآية، أي الزبور، فنجد أنه في سفر المزامير لداود (المزمور37/الآية29) جاء النص التالي: «الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ.».

إذن يتبين أن المقصود من الأرض التي سيرثها الصالحون أرض الجنة، إذْ لو كان المقصود أرض الدنيا لما صح قوله أنهم سيسكنونها إلى الأبد، لأنه من المعلوم أن أرض الدنيا لن تبقى إلى الأبد ولا الصالحون سيعيشون في الأرض إلى لأبد، بل سيموت الجميع وتقوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (الزلزلة/1-2). ويقول تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ (الرحمن/26و27).

ولقد جاءت كلمة «الأرض» في عدد من الآيات القرآنية الأخرى بمعنى: «أرض الجنَّة»، كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (الزمر/74).

أضف إلى ذلك أن كلمة «الصَّالِحُونَ» في الآية موضع الاستشهاد محلاة بالألف واللام [ألف ولام الجنس] فهي تشمل جميع الصالحين ولا تختص بصالحي آخر الزمان فقط.

الآية الثانية: من الآيات الأخرى التي يستدلون بها على ظهور المهدي في آخر الزمن قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص/5).

ونقول في الإجابة: إنه لفهم أي آية من القرآن فهماً صحيحاً لا بد أن نلاحظ سياقها الذي جاءت فيه، أي ما قبلها وما بعدها من آيات، كما علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مكية الآيات أو مدنيتها فذلك كله يساعد على استبيان المعنى الحقيقي للآيات:

فلننظر الآن لما قبل الآية المستشهد بها، فقد جاء قبلها مباشرةً قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ (القصص/4)، ثم قال تعالى بعدها: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ أي نريد أن نمن على هؤلاء الذين استضعفهم فرعون فكان يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ أي نجعل المستضعفين من بني إسرائيل أئمة ووارثين. وهذا التفسير البيِّن تتَّفق عليه تفاسير السنة والشيعة.

فإذا استشكل بعضهم وقال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا استخدم الله تعالى صيغة المضارع بقوله ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ؟

قلنا في الإجابة: إنما استخدم الله تعالى المضارع ليبين أن المنّ على موسى والمستضعفين من بني إسرائيل بالتمكين في الأرض إنما سيكون بعد استضعاف فرعون لهم كما جاء في نص الآية التالية مباشرةً حيث قال سبحانه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَـهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (القصص/6)، فهنا ﴿نُمَكِّنَ و﴿ نُرِيَ أيضاً بصيغة المضارع مع أن فرعون وهامان كانا قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقرون طويلة. إذن أتى الله تعالى بصيغة المضارع في قوله تعالى ﴿ نُرِيَ ولم يقل «أرينا» لأجل أن يبين أن ما سيريه لفرعون وهامان وجنودهما من العذاب الذي يستحقونه سيكون بعد استضعاف بني إسرائيل.

الآية الثالثة: التي يستدلون بها على المهدي ويصنعون منها ملصقات جدارية وعارضات من الأقمشة يكتبون عليها هذه الآية بالخط العريض ويصـرفون مبالغ طائلة على هذا الأمر كان ينبغي أن تصرف على الدعوة إلى الإسلام الأصيل لا على ما يضلل الناس، أقول الآية هي قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... (هود/86). حيث يقول الشيعة إن المقصود من ﴿بَقِيَّتُ اللهِ في الآية: إمام الزمان!!!

ولكننا إذا انتبهنا إلى سياق الآية وما جاء قبلها وبعدها تبين لنا بوضوح أنها تتكلم عن قوم شعيب الذين كان نبيهم يعظهم ويقول لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (هود/85) ثم قال: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... أي اكتفوا بما يبقى لكم من الربح الحلال، فبقية الله هي المقدار الذي أحله الله لكم من الكسب الحلال. والكلام هو عن قوم شعيب. وهذا الذي ذكرناه هو الذي يذكره جميع المفسـرين من أهل السنة، وبالنسبة إلى تفاسير الشيعة فسنذكر ما قاله أحد أهم وأكبر المفسـرين منهم ألا وهو الشيخ الطبرسي، حيث قال مفسِّراً الآية في تفسيره «مجمع البيان»:

««بَقِيّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»: «البقية» بمعنى الباقي، أي ما أبقى الله تعالى لكم من الحلال بعد إتمام الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف. وشرط الإيمان في كونه خيراً لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة هذا القول».

وذهب آخرون من أعلام مفسري الشيعة أيضاً إلى مثل هذا التفسير(37)، فإذا رأينا بعد ذلك أن بعض المفسرين الشيعة فسَّـر الآية بغير ذلك استناداً إلى أخبار ضعيفة علمنا استناداً إلى القرآن الكريم وإلى روايات متعددة في هذا المجال وإلى تفاسير السنة والشيعة أن قوله غير صحيح. أضف إلى ذلك أن الله تعالى ليس له أبعاض وأجزاء حتى يكون له بقية منها في الأرض!.

الآية الرابعة: من الآيات الأخرى التي يستدلون بها هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة/3). حيث يقولون إن المقصود من «الإيمان بالغيب» الإيمان بالمهدي الغائب.

والجواب: إذا لاحظنا سياق هذه الآيات وما جاء قبلها وبعدها علمنا أن المقصود بالغيب هنا هو ذات الباري تعالى. وقال بعضهم المقصود من الغيب هو «يوم القيامة» التي هي خافية عن الأنظار اليوم، وهؤلاء أيضاً مخطئون في تفسير الآية، لما سنذكره بعد قليل، وأما الدليل على أن «الغيب» في الآية معناه «ذات الباري تبارك وتعالى» ولا علاقة لها بالمهدي فهو ما يلي:

(1) إذا لاحظنا سياق الآية وجدناها تقول: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ فالمتقون هم الذي يؤمنون بالغيب فيقيمون الصلاة، وبناء عليه فقبل إقام الصلاة لا بدّ أولاً من وجود الإيمان بالله تعالى الذي نصلي له، إذن «الغيب» هنا الله تعالى.

(2) مما يؤكد أن المقصود بالإيمان بالغيب هنا هو الإيمان بـ«الله تعالى» أن الله ذكر في سياق الآية عدداً من صفات المتقين كما يلي: الإيمان بالغيب - إقام الصلاة وإيتاء الزكاة - الإيمان بما أُنزل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي بالقرآن - الإيمان بما أنزل قبله، أي بالكتب السماوية السابقة - اليقين بالآخرة أي بالقيامة. فهل يمكن لأحد أن يدعي أن الإيمان بالله تعالى لم يُطرح في هذه القائمة التي بيَّنت أهم أركان الإيمان؟ بالطبع لا، لأننا نعلم أن الإيمان بالله هو على رأس قائمة أركان الإيمان وأوجبها(38) فلا يمكن أن يكون المقصودُ من الغيب هنا شيئاً سوى الله تعالى.

(3) ذكر الله تعالى ذاته في كل سورة من سورة القرآن وتكلم عن ذاته وصفاته في آلاف المواضع من كتابه، فعلى المؤمنين أن يؤمنوا بالله سبحانه قبل أي شيء، أما المهدي فليس له أي ذكر في القرآن الكريم، فكيف يطلب الله تعالى من الناس أن يؤمنوا بشيء لم يذكره لنا في كتابه؟!! فهل «الغيب» الذي أمر الله تعالى بالإيمان به هو ذات الله الذي دعانا في كل القرآن للإيمان به أم هو المهدي الذي لا ذكر له ولا اسم له في القرآن؟؟

أضف إلى كل ذلك أن الذي أمر الله بالإيمان به هو «الغيب» أي الذي لا يمكن مشاهدته بالحواس والغائب عن الأنظار، فإذا كان المقصود من «الغيب هنا» إمام زمان الشيعة، لأصبحت هذه الآية لغواً عند ظهوره لأنه سيكون قد ظهر للعيان ولم يعد غيباً فبأي غيب يومئذٍ سيؤمن المتقون؟؟

(4) قال الله تعالى في سورة الملك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَـهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (الملك/12)، وقال عزَّ من قائل في سورة يس: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ (يس/11)، وقال سبحانه في سورة ق: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (ق/31-33). فكل هذه الآيات تبين أن الغيب الذي يجب أن يؤمن به المؤمنون ويخشوه هو الله.

(5) وإنما قلنا ليس المقصود من الغيب في الآية موضع الاستشهاد «يوم القيامة» لأن الله ذكر في آخر تلك الآية ذاتها وجوب الإيمان بيوم القيامة حين قال: ﴿وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة/4)، والأصل عدم تكرار المعنى ذاته ضمن الآية الواحدة، كما أنه من البعيد جداً أن لا يذكر الله تعالى الإيمان به كجزء من صفات المتقين في حين يذكر مرتين الإيمان بالآخرة كصفة من صفات المتقين.

الآية الخامسة: من الآيات الأخرى التي يستشهدون بها على المهدي أيضاً قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ (التوبة/33).

أورد المجلسيُّ في «بحار الأنوار» هذه الآية كما أورد الآيات السابقة معتبراً أنها تتعلق بقائم آل محمد وأنه الإمام الذي سيظهر الله دينه على الدين كله.

والجواب: بالنسبة إلى الآية الأخيرة فقد اعتبر بعض علماء الشيعة أن مضمونها قد تحقق فعلاً في صدر الإسلام حيث ظهر النبي وأصحابه على جميع الدنيا وأصبح الإسلام غالباً في كل مكان. ومن هؤلاء العلماء نذكر المرجع آية الله أبو القاسم الخوئي الذي ذكر في بحث إعجاز القرآن من تفسيره «البيان» أن معنى هذه الآية قد تحقق في صدر الإسلام(39).

وقال آخرون إن هذه الآية تحققت بغلبة الإسلام في ميادين الحرب على اليهود والنصارى والزردشتيين والكفار. وسنوضح المقصود بهذه الآية فيما يلي:

(1) جاء في صدر الآية عبارة ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ فهذا يبين أن إظهار دين الحق على الدين كله إنما تم من خلال رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا المعنى قال بعض المفسرين إن هذا إشارة إلى غلبة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانتصاره على الكفار وأهل الكتاب في ميادين القتال. بيد أننا نرى أن الأصح هو القول بأن هذا الظهور إنما تم بواسطة البراهين والدلائل التي جاء بها القرآن الكريم وتغلب بها على المناهج الخاطئة والأديان الباطلة، ومن هذا قوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (الصف/14)، فمن الواضح أن ظهور الطائفة من بني إسرائيل على عدوهم لم يكن بالحرب والقتال بل بالحجة والبرهان، وقد ذهب «زيد بن علي» إلى هذا القول أي أن أتباع المسيح إنما ظهروا على عدوهم بالحجة، وذكر صاحب تفسير الكشاف [الزمخشري] هذا القول كذلك.

(2) لقد صرح القرآن نفسه وأخبر في عدة مواضع بما يفيد أن اليهود والنصارى سيبقون إلى يوم القيامة ولن يزولوا تماماً من على الأرض أبداً، فإذا قلنا إن هذه الآية معناها زوال اليهودية والنصرانية من على وجه البسيطة وأن جميع البشـر سيصبحون مسلمين، كان قولنا غير متطابق مع الآيات الكريمة التي أوردناها فيما سبق من سورة المائدة، ومناقضاً لها. أضف إلى ذلك أنه في الآية موضع الاستشهاد لم يقل الله تعالى: هو الذي أرسل رسوله ليمحو الأديان كلها ويزيلها من الوجود بل قال ليظهر دين الحق على الدين كله.

ومما يدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي(المجادلة/21)، مع أننا نعلم أن بعض الأنبياء قُتلوا، فإذن المقصود من الغلبة والظهور الغلبة والظهور المعنويين.

الآية السادسة: من الآيات الأخرى التي يستشهدون بها على المهدي أيضاً قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَـهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضـَى لَـهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْـرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور/55).

يقولون هذه الآية نزلت بشأن المهدي.

وأقول في الإجابة عن هذا الاستدلال:

(1) جاء في صدر الآية قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ على نحو المخاطبة، مما يبين أن المقصود هم الذين سمعوا هذه الآية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزولها.

(2) جاء في هذه الآية قيد: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.....﴾ وإذا نظرنا إلى آيات القرآن التي تتكلم عن الأمم السابقة لم نجد أن الله استخلف أي أمة على جميع الكرة الأرضية، مثلاً يقول تعالى في سورة ص: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ...﴾ (ص/26)، فقوله تعالى «خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» ليس معناه في كل الكرة الأرضية لأنه من المعلوم أن داود لم يكن حاكماً إلا على جزء بسيط من الأرض.

فإن قيل: ما الدليل على أن داود لم يكن حاكماً فعلاً على كل الأرض؟ قلنا: الدليل هو أن ابنه سليمان الذي حكم من بعده لم يكن له علم بحال أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس حتى أخبره الهدهد بذلك، إذن لم يكن جميع أهل الأرض مستسلمين لِـلَّهِ وخاضعين لدين داود في زمنه، فكان هناك في زمن داود عُبَّاد للشمس لا يعلمون شيئاً عن داود، ولم يكن داود يعلم عنهم شيئاً، ثم علم سليمان في عهده بأمرهم، كما تدل على ذلك الآيات 23 إلى 28 من سورة النمل، وربما كان هناك أقوامٌ كُثُر آخرون لم يكن سليمان مطلعاً عليهم أيضاً.

إذن يتبين أن المقصود من قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أن يخلف المؤمنون الكفار ويتغلبوا عليهم في مكة وما حولها، وهو ما وقع في صدر الإسلام، وفي دعاء الوحدة الذي نادى به المؤمنون عند فتح مكة: «لا إلـه إلا الله وحده وحده وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» فالمقصود من قولهم: «أنجز وعده» استخلاف الله للمسلمين على مكة طبقاً للآية موضع الاستشهاد أي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ...﴾ علاوة على أن كلمة «الأرض» في الآية جاءت معرفة بالألف واللام، ويمكننا القول إنها ألف ولام العهد التي تشير إلى أرض معهودة وهي أرض مكة، وهذا كالآية التي قال الله تعالى فيها لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (الإسراء/76) والتي لا يُقصد منها بالطبع إخراج الرسول من الكرة الأرضية! بل كلمة الأرض هنا المعرفة بألف ولام العهد يقصد بها تلك الأرض المعهودة، أي أرض مكة وما حولها.

(3) جاء في نهج البلاغة أن الإمام علي – ضمن مشورته لعمر بن الخطاب عندما استشاره للشخوص لقتال الفرس – استند إلى هذه الآية موضع الاستشهاد بقوله: «ونَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ وَاللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ». إذن كان عليٌّ يفهم من الآية أن الله تعالى وعد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي جزء من الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وليمكنَّن لهم دينه الذي ارتضى لهم.

الآية السابعة: من الآيات الأخرى التي يستشهدون بها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَـهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشـُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) (النمل/82-83).

يقولون: المقصود من «دابّة من الأرض» الإمام المهدي! والمقصود من الفوج الذين يحشرون من كل أمة، «الرجعة».

والجواب: ولكن ثمة روايات تقول إن المقصود من «دابة الأرض» هو الإمام علي ورُوِيَ عن وهب عنه قال ووجهها وجه رجل و سائر خلقها خلق الطير، و هذا تناقض واضح وصارخ بين الروايات. (مجمع‌البيان، الجزء السابع، ص 366)

وثانياً: لا بد من ملاحظة سياق الآية وما جاء قبلها. في الآية 66 من سورة النمل تكلم الله عن الكفار الذي هم في شكٍ من الآخرة، وفي الآية 67 وما بعدها نقل لنا تعالى قول الكفار ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ؟؟ ثم بين تعالى في الآية 71 تشكك الكفار بالآخرة بقولهم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، ثم في الآية 80 و81 قال سبحانه: ﴿ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)، وهنا وصل الكلام إلى الآية التي نبحث فيها فقال تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ [أي على الكفار المتشكِّكين بالآخرة] أَخْرَجْنَا لَـهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ.

إذن هذا تعقيب على الكلام الذي ذكره تعالى في الآية 66 فما بعدها من أن الكفار كانوا في شك وريب من الآخرة. إذن بملاحظة الآيات السابقة يتبين أن الكلام جارٍ عن أحداث القيامة الكبرى التي كان الكفار يشكون فيها.

ثم إنه لم يأت في القرآن أي كلام عن المهدي حتى يمكن الحديث عنه وعن ظهوره، وعن شك بعض الناس بظهوره وريبتهم فيه. وهناك روايات كثيرة تبين أن الآية موضع البحث تتكلم عن علامات الساعة الكبرى المصاحبة ليوم القيامة. ثم إن المقصود من الأرض في هذه الآية هي أرض الآخرة.

وأما الآية 83 من سورة النمل فإذا لاحظنا كل الآيات التي سبقتها والتي تتعلق بها أمكننا أن نفهم أن هذه الآية تتعلق أيضاً بيوم القيامة. ولكن ما معنى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشـُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83)؟ وكيف لا يحشر الله تعالى جميع الناس بل يحشر من كل أمة فوجاً فقط؟؟

الجواب: إذا رجعنا للآيات 101 إلى 102 من سورة طه رأينا أن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَـهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُـرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (طه/100-102). ومعنى قوله تعالى: «وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا» أي نحشرهم عُمياً، بيض العيون من العمى، قد ذهب السواد منها. فمن هذه الآيات التي تتحدث عن يوم القيامة، نعلم أنه رغم أن جميع الكائنات ستحشر إلى الله يوم القيامة، إلا أن الله تعالى سيحشر المجرمين عمياً فالكلام هنا عن حشر المجرمين فقط، وليس هذا معناه عدم حشر المؤمنين بل هم سيحشرون أيضاً، إذْ من الواضح أن كلام الله تعالى عن حشـر المجرمين هنا فقط لا يفيد أن الصالحين لن يحشـروا أيضاً، لأن ذكر الشـيء لا يعني نفي ما عداه.

ثم إنه إذا لاحظنا الآية التي جاءت بعد الآية موضع البحث من سورة النمل رأينا أن الله تعالى يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي (النمل/84). إذن يتبـيَّن أن المقصود من هذا المجيء مجيئهم إلى أرض المحشـر يوم القيامة الكبرى، حيث سيكلمهم الله تعالى، إذ إن مثل هذا الخطاب من الله للناس سيكون يوم القيامة.

ثم إن الآيتين 82 و83 من سورة النمل تدلان على أن الكفار عليهم أن يقطعوا مسافة حتى يصلوا إلى المكان الذي سيرمون به في النار، فإذا كان الأمر كذلك فما هو وضع الآخرين؟ أعني المؤمنين والضالين؟ لقد أشارت الآيات الأخرى إلى هذا الأمر، وأما الآيتان 82 و83 من سورة النمل فهما في مقام وصف حال المكذبين بالأنبياء يوم القيامة.

الآية الثامنة: من الآيات التي يستدلّون بها ما رواه المجلسيُّ في «بحار الأنوار» نقلاً عن [تفسير فرات بن إبراهيم‏](40) بسنده «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (الشمس/3)، قَالَ: يَعْنِي الْأَئِمَّةَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ يَمْلِكُونَ الْأَرْضَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْلَئُونَهَا عَدْلاً وقِسْطاً»(41).

والجواب: لقد أقسم الله تعالى في القرآن بالعصـر والنهار والليل والقمر والشمس وأقسم بالتين والزيتون وغيرها، وهي كلها مخلوقاته، فالنهار الذي أقسم الله به في هذه الآية هو هذا النهار الذي نعرفه، حيث تظهر الشمس فيه في الأفق. أما لو اعتبرنا أن المقصود من النهار وضيائه: الإمام، فماذا سنعتبر المقصود من الليل وظلامه الذي أقسم الله به بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس/4]؟ إنهم يروون أن المقصود من الليل «عُمَر» والمقصود من الشمس «عليّ»!! فنجيب: إن الله لا يقسم إلا بما هو مهم وممتاز، فإذا اعتبرتم أن المقصود من الليل هو «عمر» فكيف أقسم الله به مع أنه يجب أن يقسم بالأشخاص الجيدين الممتازين!!!

تذكير: نحن نعتبر «عمر»رضي الله عنه مسلماً صالحاً نقياً، وإنما ذكرنا الاستدلال السابق من باب الجدل والاحتجاج على الشيعة بما يقولونه أي من باب إلزام الخصم، ولكي نرد عليهم من كلامهم أنفسهم.

الآية التاسعة: من الآيات التي يستشهدون بها قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ؟ (غافر/11).

يقولون: إن المقصود من الإماتة مرتين: الإماتة الأولى في هذه الدنيا، ثم الإماتة الثانية بعد الرجعة.

والجواب: ليس في هذه الآية أي دليل على «الرجعة» والآية لا يقصد منها مثل هذا المعنى، لأنه لو كان القصد منها «الرجعة»، ولو فرضنا جدلاً أن هناك رجعة قبل القيامة، ففي هذه الحالة سيكون للذين سيرجعون إلى الدنيا ثم يموتون ثانية ثلاث حيوات وموتتان: وهي الحياة الأولى في هذه الدنيا، ثم بعدها موت، ثم بعدها حياة أخرى في الرجعة، ثم بعدها موت، ثم بعدها الحياة يوم القيامة. وهذا لا يتفق مع الآية، التي ذكرت أن الكفار سيقولون: «أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ». أما لو فرضنا أن الكفار لن يموتوا في الرجعة وسيأتون للقيامة مباشرة، ففي هذه الحالة سيكون لهم حياتان وموت واحد وهذا أيضاً لا ينسجم مع الآية!! إذن الآية لا تنطبق على عقيدة الرجعة. فما معناها إذن؟

إذا دقَّقنا في الآية رأينا أن أهل النار يقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ؟ ومقصودهم من هذا الكلام هو ما يعانونه من عذاب في النار حيث أنهم غابوا عن الوعي مرتين وعادوا إلى الوعي مرتين، ويقولون هل هناك سبيل لخروجنا من هذا العذاب في جهنم؟ وذلك لشدة ما يعانونه فيها من عذاب. أما لو اعتبرنا أن كلامهم هو عن حياتهم وموتهم في الدنيا لكان إقرارهم بالموت والحياة في الدنيا في هذا المقام والموقف لا محل له بل لغو لا معنى له، إذ ما هي العلاقة بين التماسهم الخلاص والخروج من العذاب وبين الإقرار بأن الله أحياهم مرة في الدنيا ومرة أخرى في الرجعة؟! فإن قيل: الكفار لا يموتون في جهنم، طبقا لقوله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (طه/74)، قلنا: إن الكفار يتكلمون حسب فهمهم، فهم يتصورون أن حالة الغشي وفقدان الوعي التي يعانون منها في النار هي «موت» وهذا المعنى تؤيده الآية التالية من سورة إبراهيم حيث يقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (إبراهيم/16و17). فهذه الآية تبين أن الموت يأتيهم من كل طرف، ولكنهم لا يموتون، لأن الله لا يميتهم حتى لا يرتاحون من العذاب. وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى معناها أنهم لا يموتون بشكل دائم ولا يحيون بشكل دائم، بل يعانون من حالة بين الحياة والموت.

أضف إلى ذلك أن الله تعالى يقول في القرآن، حكايةً عن أهل الجنة، إنهم يقولون: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى (الصافات/58و59)، مما يبين أنهم لم يذوقوا إلا موتة واحدة وهي الموت الذي يذوقه جميع بني آدم في هذه الحياة الدنيا.

 

+                      +                    +

 

الفصل الثالث
حديث لوح جابر

ذكرنا في الفصول السابقة بعض الروايات المهمة التي أوردها المجلسي في بحار الأنوار لإثبات المهدي المنتظر ونقدناها. ونرى من الضـروري أن نذكر هنا بعض الأحاديث المهمة الأخرى التي يستدل بها الشيعة على إثبات الإمامة بما في ذلك إمامة إمام الزمان [أي المهدي الغائب المنتظر] والتي لم يذكرها المجلسـي في «بحار الأنوار» في باب الروايات المتعلقة بالمهدي. ولما كانت هذه الأحاديث يشبه بعضها بعضاً سنكتفي بنقد أحدها الذي يحظى لدى الشيعة بأهمية كبيرة، وسيظهر من نقدنا وبياننا لأدلة بطلان هذا الحديث حال الأحاديث الأخرى المشابهة له. وبالطبع من أراد التفصيل في أدلة بطلان سائر الأحاديث فعليه الرجوع إلى كتاب «دراسة وتمحيص روايات النص على الأئمة» للأستاذ قلمداران.

فلنذكر الآن هنا الحديث الشهير المعروف بحديث «لوح جابر»:

روى الشيخ الصدوق هذا الحديث في كل من «إكمال الدين» و«عيون أخبار الرضا عليه السلام» بالسند والمتن التالي:

«حّدَّثنا محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ اسحقَ الطَّالَقَانِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ:

لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ عِنْدَ الْوَفَاةِ دَعَا بِابْنِهِ الصَّادِقِ لِيَعْهَدَ إِلَيْهِ عَهْداً فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوِ امْتَثَلْتَ فِيَّ بِمِثَالِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ لَرَجَوْتُ أَنْ لا تَكُونَ أَتَيْتَ مُنْكَراً. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ! إِنَّ الأَمَانَاتِ لَيْسَتْ بِالْمِثَالِ وَلا الْعُهُودُ بِالرُّسُومِ وإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ سَابِقَةٌ عَنْ حُجَجِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ دَعَا بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ! حَدِّثْنَا بِمَا عَايَنْتَ مِنَ الصَّحِيفَةِ. فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ: نَعَمْ يَا بَا جَعْفَرٍ! دَخَلْتُ إِلَى مَوْلَاتِي‏ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِأُهَنِّئَهَا بِمَوْلِدِ الْحَسَنِ فَإِذَا بِيَدِهَا صَحِيفَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ دُرَّةٍ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدَةَ النِّسْوَانِ! مَا هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَرَاهَا مَعَكَ؟ قَالَتْ: فِيهَا أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِي. قُلْتُ: لَهَا نَاوِلِينِي لِأَنْظُرَ فِيهَا؟ قَالَتْ: يَا جَابِرُ لَوْ لا النَّهْيُ لَكُنْتُ أَفْعَلُ لَكِنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يَمَسَّهَا إِلا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ أَوْ أَهْلُ بَيْتِ نَبِيٍّ ولَكِنَّهُ مَأْذُونٌ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى بَاطِنِهَا مِنْ ظَاهِرِهَا! قَالَ جَابِرٌ: فَقَرَأْتُ فَإِذَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُصْطَفَى أُمُّهُ آمِنَةُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمُرْتَضَى أُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّقِيُّ أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَدْلُ أُمُّهُ شَهْرَبَانُوَيْهِ بِنْتُ يَزْدَجَرْدَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ أُمُّهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ أُمُّهُ أُمُّ فَرْوَةَ بِنْتُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَبُو إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا حَمِيدَةُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا أُمُّهُ جَارِيَةٌ واسْمُهَا نَجْمَةُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّكِيُّ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا خَيْزُرَانُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَمِينُ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا سَوْسَنُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّقِيقُ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا سَمَانَةُ وتُكَنَّى أُمَّ الْحَسَنِ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هُوَ حُجَّةُ اللهِ الْقَائِمُ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا نَرْجِسُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ»(42).

والجواب: أولاً: جاء في هذا الحديث أن «زيد بن علي بن الحسين» طلب من أخيه الإمام محمد الباقر أن يوصي له بالإمامة، هذا مع أن زيد بن علي كان - كما قلنا فيما سبق – من المؤمنين الصالحين وممن مدحه أئمة الشيعة وأثنوا عليه، وكان زيد أخا الإمام محمد الباقر، فإذا كان هناك وجود فعلاً لهذا اللوح الذي ذكرت فيه أسماء الأئمة الاثني عشر جميعاً فكيف يطلب زيدٌ من أخيه أن يعهد إليه بالإمامة إذن؟؟

وثانياً: لماذا لم يكن هذا اللوح الهام بيد الإمام محمد الباقر، وكيف لم يكن للإمام زيد بن علي أي خبر عنه أو اطلاع عليه؟! ولماذا كان جابر هو الوحيد المطلع عليه!

وثالثاً: هناك أخطاء في أسماء أمهات الأئمة التي ذكرت في الحديث، فمثلاً في حديث لوح جابر الذي جاء في كتاب «إثبات الوصية» ذُكر أن اسم والدة حضـرة علي بن الحسين هو «جهانشاه» أما في هذا الحديث فذُكر أن اسمها«شهربانو». كذلك جاء في رواية «إثبات الوصية» للوح جابر أن اسم والدة الإمام الرضا «تكتُّم»، في ذُكر في هذا الحديث أن اسمها «نجمة». وهكذا بالنسبة إلى سائر الأسماء.

ورابعاً: جاء في متن هذا الحديث أن فاطمة عليها السلام قالت عن هذه الصحيفة: «فِيهَا أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِي» ثم ذكرت النبيّ وعلي بن أبي طالب، مع أنهما ليسا من أولاد فاطمة!

وخامساً: ليس لأحد من رواة هذا الحديث بدءاً من «سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْـرٍ الْقَطَّانِ» وانتهاءً بـ «أَبِي نَضْرَةَ»، أي ذكر في كتب الرجال، فكلهم من المجاهيل، ولا ندري من أين أتى بهم الشيخ الصدوق، ومن أين أخذ هذه الرواية؟! ولكن في حاشية كتاب «كمال الدين» ذكر محقق الكتاب أن «أبا نضرة» قد يكون هو «محمد بن قيس الأسدي» وهو شخص اعتبره الشهيد الثاني في كتابه الدراية «ضعيفاً» وقال: «كلما كان فيه محمد بن قيس عن أبي جعفر فهو مردود»، ولكننا نقول إنه ليس محمد بن قيس يقيناً، وحتى لو كان هو فهذا من أكاذيبه. وقال المحقق في الحاشية أيضا أنه إذا كان «أبونضرة» «حُميل» فهو مجهول. وعلى كل حال فإن الحديث ظاهر البطلان – كما سيأتي - إلى درجة تغنينا عن البحث في رجاله أو صحة وسُقم سنده.

سادساً: وهو الأهم، أن وفاة الإمام محمد الباقر وقعت، طبقاً لكل التواريخ، فيما بين السنة 114 إلى 118هـ. يُراجَع للتأكد من ذلك الكتب التالية: 1- المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري: ص72. 2- فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي: ص 82، حيث يذكر الكتابان أن سنة وفاته هي 117 هـ. 3- وفيات الأعيان لابن خلِّكان: ج4/ص170. 4- بحار الأنوار للمجلسـيّ: ج 14/ ص 44 (من طبعة تبريز القديمة). 5- تاريخ اليعقوبي: ص 52 (طبعة بيروت لعام 1375هـ). 6- منتهى الآمال (في مصائب النبي والآل) لعباس القميّ، (بالفارسية): ص 122 (طبع العلمي) 7- الإصابة في تمييز الصحابة: ج1/ص215.

أما وفاة «جابر بن عبد الله الأنصاري» فذكرتها التواريخ بين 73 إلى 77ﻫ. انظر: 1- التهذيب ج9/ص 77 (طبع النجف) 2- الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ج1/ص213. 3- أسد الغابة لابن الأثير: ج1/ص258. 4- تتمة المنتهى: ص 69.

إذن هناك فاصل زمني بين وفاة الإمام الباقر ووفاة جابر يقدر في الحد المتوسط بأربعين سنة!!! أفلم يوجد من يقول لهذا الوضاع الذي اخترع هذا الحديث: كيف أتيت بجابر بن عبد الله إلى محضر الإمام أبي جعفر الباقر عندما كان يحتضر لتنقل على لسانه قصة اللوح ولتثبت به النص على إمامة الأئمة الاثني عشر، مع أن جابر بن عبد الله كان حينئذٍ قد شبع موتاً في قبره منذ أربعين سنة على الأقل؟!! فكيف أتيت به لكي يقنع زيد بن علي بإمامة جعفر الصادق؟.

أما الدليل الأكثر وضوحاً الذي يبين اختلاق وكذب هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث الأخرى – التي لا يزيد عددها على أصابع اليد - التي فيها ذكر أسماء جميع الأئمة الاثني عشر واحداً واحداً، هو أن جميع المؤرخين من الشيعة الإمامية ومن أهل السنة متفقون على أن الإمام جعفر الصادق أوصى بالإمامة من بعده إلى ابنه «إسماعيل»، وقد سمع كثير من الشيعة نص الصادق الصـريح على إسماعيل وآمنوا أنه خليفة والده في الإمامة. لكن الذي حدث هو أن إسماعيل توفي قبل وفاة أبيه الصادق! إذن لو كان هناك لوح فعلاً وفيه ذكر أسماء الأئمة الاثني عشـر جميعاً لما نصَّ الإمام الصادق على إمامة إسماعيل من بعده في بادئ الأمر. ومثل هذه الواقعة تكررت مرةً ثانيةً أيضاً عندما توفي «محمد بن علي بن محمد الجواد» المعروف بـ «السيد محمد»، في حياة والده حضرة الإمام علي بن محمد النقي [أي الإمام الهادي]، بعد أن كان والده قد عيَّنه للإمامة من بعده، فهنا أيضاً لو كان للوح وجود وكانت أسماء جميع الأئمة الاثني عشر مذكورة فيه بصراحة، لما نصب الإمام علي النقي ابنه «السيد محمد» خليفة له في الإمامة في بادئ الأمر.

والدليل الآخر على بطلان أحاديث النص السابق على أسماء الأئمة الاثني عشـر جميعاً هو ثورات السادة العلويين. فمن ذلك مبايعة أهل الكوفة للإمام زيد بن علي بن الحسين بالإمامة وخروجه بهذا الاسم وتحت هذا العنوان، وهو من الوقائع التاريخية المُسلَّم بها، وقد كانت عقيدة الإمام زيد بن علي أن الإمام هو من قام من أولاد علي وفاطمة مجاهداً بسيفه، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الديـن وردّ الظالمين. وهذا من أوضح الحجج على أن الإمام زيد كان منكراً لوجود نص يعين أشخاصاً محددين للإمامة والخلافة في أهل بيت النبوة.

ويدل على ذلك أيضاً الواقعة التي هي من القضايا المسلمة في التاريخ وهي قيام محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى المعروف بـ «النفس الزكية» الذي كان من أكابر أهل بيت النبوة وأجلتهم فضلاً وعلما ًوتقوىً، وتصدِّيه للإمامة، وبيعة الناس - لا سيما عترة الرسول وبنو هاشم - له بالإمامة، إلى حد أن حضـرة جعفر الصادق نفسه - الذي تنسب إليه أكثر أحاديث النص هذه - دُعي إلى بيعته.

ويدل على ذلك أيضاً أنه لو كان هناك حديث فعلاً يبين نص الله تعالى على اثني عشر إماماً لكان الإمام علي بن أبي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين استدلوا به واستندوا إليه لإثبات إمامتهم، أو لكان لأصحابهم أو على الأقل لعدد ضئيل ولو خمسة أشخاص من أصحابهم علم بهذه الأحاديث، في حين أن لا أحد من أصحاب أولئك الأئمة كان له أدنى علم بها! لذلك رأينا أن الإمام جعفر بن محمد نصب ابنه إسماعيل في بادئ الأمر إماماً من بعده، فتوفي قبله، وكذلك نص الإمام علي النقي على ابنه «السيد محمد» إماماً من بعده وإذا به يُتوفي قبله أيضاً.

لم يكن هناك ولدٌ للإمام الحسن العسكري

 وردت في كتاب «فرق الشيعة» الذي يُعد أحد الكتب الموثوقة المعتبرة التي ألفت في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، حيث ألَّفه: «أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي» الذي عدَّهُ علماء الرجال الشيعة مثل الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي من علماء الشيعة الموثوقين، أقوالٌ عن قضية ابن الإمام الحسن العسكري نورد أغلبها فيما يلي:

1- «بعد وفاة الإمام الحسن بن علي العسكري افترق أصحابه أربع عشـرة فرقة:

فقالت فرقة منهم إن «الحسن بن علي» [العسكري] حيٌّ لم يمت وإنما غاب وهو القائم ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر لأن الأرض لا تخلو من إمام...»(43).

أقول: إذن كما نلاحظ كان أصحاب الحسن العسكري يقرون أنه لم يكن له ولد ولا خلف.

2- «وقالت الفرقة الثانية إن الحسن بن علي [العسكري] مات، وعاش بعد موته! وهو القائم المهدي، لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع، لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحد فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات ولا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى إذ لا وصية له ولا وصيّ...»(44).

أقول: إذن فهذه الفرقة أيضاً تقر بأنه لم يكن للحسن العسكري ولد.

3- «وقالت الفرقة الثالثة إن «الحسن بن علي» توفي [ولا عقب له] والإمام بعده أخوه «جعفر» وإليه أوصى الحسن ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه..»(45).

توضيح: فهذه الفرقة أيضاً كانت ترى أن الحسن العسكري لم يخلف ولداً.

4- «وقالت الفرقة الثامنة إنه لا ولد للحسن بن علي أصلاً لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه [وفتشنا عنه سراً وعلانيةً، وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب](46) فلم نجده. ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن، وقد توفي ولا ولد له، أن له ولداً خفياً لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يُقال خلف ابنا نبياً رسولاً!»(47).

فهؤلاء أيضاً ينفون الولد عن الحسن العسكري.

5- «وقالت الفرقة التاسعة أن الحسن بن علي قد صحَّت وفاته كما صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه عليهم السلام، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله فكذلك صح أنه لا إمام بعد «الحسن» وذلك جائز في العقول والتعارف، كما جاز أن تنقطع النبوة فلا يكون بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي فكذلك جاز أن تنقطع الإمامة.»(48).

6- «وقالت الفرقة العاشرة إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه ولا يجوز أن يشير إمام قد ثبتت إمامته وصحت على غير إمام، فلما حضـرت وفاة محمد لم يجز أن لا يوصي ولا يقيم إماماً، ولا يجوز له أن يوصي إلى أبيه، إذ إمامة أبيه ثابتة عن جده، ولا يجوز أيضاً أن يأمر مع أبيه وينهى، ويقيم من يأمر معه ويشاركه، وإنما ثبتت له الإمامة بعد مضي أبيه، فما لم يجز إلا أن يوصي أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يُقال له «نفيس»، وكان ثقةً أميناً عنده ودفع إليه الكتب والعلوم والسلاح وما تحتاج إليه الأمة، وأوصاه إذا حدث بأبيه حدث الموت يؤدي ذلك كله إلى أخيه جعفر ولم يُطْلِع على ذلك أحداً غير أبيه، وإنما فعل ذلك لتقل التهمة ولا يعلم به وقبض أبو جعفر، فلما علم أهل داره والمائلون إلى أبي محمد الحسن بن علي قصته وأحسوا بأمره حسدوه، ونصبوا له وبغوه الغوائل فلما أحس بذلك منهم وخاف على نفسه وخشي أن تبطل الإمامة وتذهب الوصية دعا جعفراً وأوصى إليه ودفع إليه جميع ما استودعه أبو جعفر محمد بن علي أخوه، الميت في حياة أبيه، ودفع إليه الوصية على نحو ما أمره، وكذلك فعل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام لما خرج إلى الكوفة دفع كتبه والوصية وما كان عنده من السلاح وغيره إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستودعها ذلك كله وأمرها أن تدفعه إلى علي بن الحسين الأصغر إذا رجع إلى المدينة. فلما انصرف علي بن الحسين من الشام إليها دفعت إليه جميع ذلك وسلَّمَتْه له، فهذا بتلك المنزلة في الإمامة لجعفر بوصية «نفيس» إليه عن محمد أخيه، وأنكروا إمامة الحسن [العسكري] عليه السلام فقالوا: لم يوص أبوه إليه ولا غَيَّر وصيته إلى محمد ابنه هذا عندهم صحيح، فقالوا بإمامة جعفر من هذا الوجه وناظروا عليها، وهذه الفرقة تتقوَّل على أبي محمد الحسن بن علي [العسكري] عليه السلام تقوُّلاً شديداً، تكفّرُهُ وتكفَّرُ من قال بإمامته، وتغلو في القول في جعفر وتدَّعي أنه القائم وتفضِّلُهُ على عليِّ بن أبي طالب عليه السلام وتعتقد في ذلك أن القائم أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...»(49).

7- «وقالت الفرقة الثالثة عشرة مثل مقالة الفطحية الفقهاء منهم وأهل الورع والعبادة مثل «عبد الله بن بكير بان أعين» ونظرائه، فزعموا أن «الحسن بن علي العسكري» توفي وأنه كان الإمام بعد أبيه وأن أخاه «جعفر بن علي» هو الإمام من بعده، كما كان موسى بن جعفر الإمام بعد أخيه عبد الله بن جعفر للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى وأن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام صحيح لا يجوز غيره وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، أما إذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورةً لأن هذا معنى الحديث عندهم...بيهذأ»(50).

8- «وقالت الفرقة الحادية عشرة منهم لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم: ما تقولون في الإمام أهو جعفر أم غيره؟ قالوا: لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من أخوته فقد اشتبه علينا الأمر....»(51).

توضيح: فهذه الفرقة أيضاً لو كانوا يعلمون أنه كان للحسن العسكري ولد هو القائم لما وقعوا في الحيرة والشك.

وقد نقل المجلسيُّ في «بحار الأنوار» أقوالاً بأن «الحسن العسكري» لم يكن له ولد، وروى الطبري في تاريخه – والذي هو من التواريخ المعتمدة – أنه بعد خمس وعشرين سنة من وفاة الحسن العسكري ظهر رجل زعم أنه ابنٌ للحسن العسكري، وقال: لماذا قسمتم أموال أبي بين أخيه جعفر بن علي وجدتي السيدة سوسن ولم تعطوني حقي من الإرث؟ فقامت حكومة الوقت بجمع جميع أفراد الأسرة وأظهرت عليهم هذا الذي ادعى بنوّته للحسن بن علي العسكري، فأنكره الجميع وقالوا إنه يكذب وقال نقيب الأسرة ورئيسها: إننا راقبنا نساء الحسن العسكري في عدة وفاة زوجهنّ فلم نر من إحداهن إنجاباً لولد، لذلك قسَّمنا تَرِكَته على النحو المذكور، فقام الوالي بحبس الشخص المدَّعي.

وقد جاءت في الكتب دلائل كثيرة وروايات كثيرة تثبت هذا الأمر أعرضنا عن ذكرها طلباً للاختصار اللائق بهذا الكتاب.

 

 

خلفاء المهدي

 

1- روي المجلسي في «بحار الأنوار» نقلاً عن الشيخ الصدوق في كتابه (إكمال ‌الدين) عن الدقّاق، عن الأسدي (عن النخعي، عن النوفلي) عن علي ابن أبي حمزه، عن أبي بصير قال: قلت للصادق جعفر بن محمد: يا ابن رسول‌الله (ص) سمعت من أبيك أنّه قال: يكون بعد القائم اثني عشر مهديا فقال: إنما قال: اثني عشر مهدياً، لم يقل اثنا عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا و معرفة حقنا.

2- روي المجلسي في «بحار الأنوار» نقلاً عن الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبدالحميد، و محمد بن عيسي عن محمد بن الفضيل، عن ابي حمزه عن أبي عبدالله في حديث طويل أنّه قال: يا أبا حمزه إن منّا بعد القائم احد عشر مهديّا من ولد الحسين.

توضيح: و أما التناقض الواضح بين هذه الرواية و الرواية السابقة فهو أن هذه الرواية تذكر أنه يكون بعد القائم احد عشر مهديا، أما الرواية السابقة فتذكر أنه يكون بعد القائم اثني عشر مهديا.

3- روي مجلسي في «بحار الأنوار» ‌نقلاً عن الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد): ليس بعد دوله القائم لأحد دوله إلا ما جاءِت به الرواية من قيام ولده إن شاء الله ذلك، و لم يرد علي القطع والثبات وأكثر الروايات أنّه لن يمضي مهدي الأمة إلا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج و علامة خروج الأموات، و قيام الساعة للحساب والجزاء. والله اعلم

توضيح: هذه الرواية مناقضة لكل من الروايتين السابقتين.

4- روي مجلسي في «بحار الأنوار» نقلاً عن العياشي في تفسيره: عن جابر بن يزيد جعفي قال: سمعت أبا جعفر يقول: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنه، ويزداد تسعا قال قلت: فمتى ذلك؟ قال بعد موت القائم، قال: قلت و كم يقوم القائم في عالمه حتى يموت قال: تسع عشره سنه من يوم قيامه إلى موته...

توضيح: التناقض الواضح بين هذه الرواية و الرواية السابقة فهو أن هذه الرواية تذكر: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنه و يزداد تسعا، أما الرواية السابقة فتذكر أنه لن يمضي مهدي الأمة إلا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج و علامة خروج الأموات و قيام الساعة للحساب والجزاء.

و في ختام هذا الكتاب ينبغي أن اسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد و أن يوفقنا لنصرة دينه.

 

                                          إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي

                                                             إلا بالله

 

 

 

 

 

(1) واسمه الكامل: أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، وتوفي بين سنة 300 و310هـ.

(2) هو: الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى 324 أو 330هـ.

(3) هو: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن أحمد الشهرستاني المتوفى 548هـ.

(4) هو: سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي المتوفى سنة 301هـ.

(5) مروج الذهب: للمسعودي: ج2/ ص 425، وتاريخ الأمم والملوك: للطبري: ج5/ص 146- 147، والبداية والنهاية: لابن كثير: ج7/ ص 327.

(6) بحار الأنوار، ج 51/ ص2، حديث رقم 3.

(7) بحار الأنوار، ج 51/ ص 17، حديث رقم 25.

(8) بحار الأنوار، ج 51/ ص 6 - 10، حديث رقم 12.

(9) بحار الأنوار، ج 51/ ص 11 - 12، حديث رقم 14.

(10) بحار الأنوار، ج 51/ ص 5، حديث رقم 10.

(11) بحار الأنوار، ج 51/ ص 2-3، حديث رقم 3.

(12) قوله إن أم موسى لم تظهر عليها آثار الحبل من الشواهد على كذب هذه الرواية، لأننا إذا رجعنا إلى «التوراة»، وإلى سفر الخروج (الآية 16 فما بعد) منها رأينا أن سبب بقاء «موسى» حياً كان خوف القابلة (المولدة) من الله، وفيما يلي نص ذلك: «15وَكَلَّمَ مَلِكُ مِصْـرَ قَابِلَتَيِ الْعِبْرَانِيَّاتِ اللَّتَيْنِ اسْمُ إِحْدَاهُمَا شِفْرَةُ وَاسْمُ الأُخْرَى فُوعَةُ 16وَقَالَ: «حِينَمَا تُوَلِّدَانِ الْعِبْرَانِيَّاتِ وَتَنْظُرَانِهِنَّ عَلَى الْكَرَاسِـيِّ إِنْ كَانَ ابْناً فَاقْتُلاَهُ وَإِنْ كَانَ بِنْتاً فَتَحْيَا». 17وَلَكِنَّ الْقَابِلَتَيْنِ خَافَتَا اللهَ وَلَمْ تَفْعَلاَ كَمَا كَلَّمَهُمَا مَلِكُ مِصْـرَ بَلِ اسْتَحْيَتَا الأَوْلاَدَ.». (المؤلف)

(13) ينبغي أن نعلم أنه طبقاً لما جاء في القرآن الكريم وكذلك في نص التوراة، وضعت أم موسى ابنها في صندوق ووضعته في نهر النيل فالتقطه آل فرعون وأتوا به منزل فرعون، ثم حرم الله عليه المراضع فجاءت أم موسى فأرضعته، وردَّه الله تعالى إليها بهذه الطريقة، وليس في واقع القصة أن أم موسى عهدت بوليدها إلى طائر، ولا ذكرٌ لطائر أصلاً في ذلك الموضوع. (المؤلف)

(14) بحار الأنوار، ج 51/ ص 13 - 14، حديث رقم 14.

(15) بحار الأنوار، ج 51/ ص 17 - 18، حديث رقم 25.

(16) بحار الأنوار ج 51/ ص 19، حديث رقم 26.

(17) انظر النوبختي، فرق الشيعة، وسعد بن عبد الله الأشعري، المقالات والفرق.

(18) بحار الأنوار ج 51/ ص 20، ح 27.

(19) «محمد بن نُصَيْر» ملعون على لسان الإمام علي بن محمد النقي [الإمام الهادي]، ووصفه علماء رجال الشيعة بأنه «غال» وأنه «بصري ضعيف»، وقال عنه العلامة الحلي في رجاله (ص 273- 274): «كان من أصحاب أبي محمد العسكري عليه السلام فلما مات ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنه صاحب الزمان وادَّعى النيابة ففضحه الله تعالى‏. قال سعد بن عبد الله: كان محمد بن نصير النميري يدَّعي أنه رسول نبيٍّ وأن عليَّ بن محمد [الهادي] أرسله، وكان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية.».

(20) قال النجاشي (450هـ)، في رجاله [طبع قم، 1407هـ، ص416]: «المُفَضَّل بن عُمَر أبو عبد الله وقيل أبو محمد، الجُعْفِيّ، كوفيٌّ، فاسدُ المذهب، مضطربُ الرواية، لا يُعبأ به. وقيل إنه كان خطَّابياً. وقد ذُكِرت له مصنفات لا يُعَوَّل عليها.». وذكر العلامة الحلي والممقاني وآخرون أنه كان يحدث بمنكرات وأحاديث كذبٍ موضوعة وكان خطابياً. ووصفه أحمد بن الحسين بن الغضائرى (قبل 450 هـ) في رجاله [ط2، قم، مؤسسه اسماعيليان، 1364 هـ. شمسي، ج6/ص 131] بقوله: «المُفَضَّلُ بْنُ عُمَر الجُعْفِيُّ أبو عبد الله، ضعيفٌ متهافتٌ مرتفعُ القول خطابيٌّ وقد زيد عليه شي‏ء كثيرٌ وحمل الغلاةُ في حديثه حملاً عظيماً، ولا يجوز أن يُكتَب حديثُهُ وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام.»

(21) حديث المفضل بن عمرو الطويل هذا أورده المجلسي في «بحار الأنوار»، الطبعة الجديدة ذات ال 110 أجزاء، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1404 هـ.، ج 53/ ص 1 إلى 14.

(22) أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط 4، بيروت، دار الكتاب العربي، ج3/ ص 136.

(23) الشيخ الصدوق، «عيون أخبار الرضا»، ط. طهران، 1378هـ، ج 1/ ص 249.

(24) انظر هذا في كتاب «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» لأبي الحسن الأشعري، طبع القاهرة، ج 1/ص 130، وكتاب «الملل والنحل»، لأبي الفتح الشهرستاني، طبع القاهرة، ج 1/ ص 155.  قلت (المترجم): وقد روى الإمام الطبري، في تاريخه المعروف بتاريخ الأمم والملوك، [طبع القاهرة، 1358هـ/ 1939م، ذكر أحداث سنة 122، ج 5/ص 498] هذا الخبر بنحو مفصل، وفيما يلي نصه، قال: «فلما رأى أصحاب زيد بن علي الذين بايعوه أن يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأنه يدس إليه ويستبحث عن أمره اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا رحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً. قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم؟ فقال لهم زيد: إن أشد ما أقول فيما ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الناس أجمعين وإن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا وقد وُلُّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة..».

(25) نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام يريد به بعض أصحابه، تحقيق صبحي الصالح، ص 350، أو نهج البلاغة الطبعة التي حققها الشيخ محمد عبده، ج2/ ص 322. قلت: وقد ذكر كلُّ من شرح «نهج البلاغة»من علماء الشيعة الإمامية - مثل ابن ميثم البحراني (679هـ) في شرحه على نهج البلاغة (ج4/ ص 96-97)، والدنبلي كذلك، وعلي النقي في الدرة النجفية (ص 257)، وعلي نقي فيض الإسلام شارح نهج البلاغة باللغة الفارسية - أن المقصود بفلان هو «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه.

(26) انظر عبد القادر بدران، «تهذيب تاريخ دمشق»، ط 2، بيروت، دار المسيرة 1399هـ/1979م، ج4/ص 169. أو تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، دار الفكر، ج13/ص70 -71

(27) ورواها أيضاً نصر بن مزاحم المنقري في كتابه "وقعة صفين" ص 29.

(28) كتاب «الرسائل» للكليني، ذكره ابن طاوس في «كشف المحجة» وقال: وإني أروي كل ما رواه الشيخ الكبير محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه وأرضاه) بطرق كثيرة واضحة ذكرتُ بعضها في أو ل كتاب «المهمات والتتمات».

(29) قارب في الأمر: ترك الغلو وقصد السداد والصدق، كما جاء في الحديث النبوي: سددوا وقاربوا.

(30) في كتاب «الغارات» للثقفي، في نقله لنفس الرسالة، جاءت هذه العبارة بلفظ: «و تولى عمر الأمر وكان مرضي السيرة ميمون النقيبة». (الغارات، 1/ 207).

(31) أوردهما المجلسي في بحار الأنوار: تتمة كتاب الفتن والمحن، [16] باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحاً وتلويحاً، ج 30/ص 12 - 13، نقلاً عن كتاب الرسائل للكليني وكشف المحجة لابن طاوس.

(32) الحرّ العاملي، «وسائل الشيعة»، ج16/ص 246.

(33) بحار الأنوار، ج 23/ ص 92. والنوري الطبرسي في «مستدرك ‏الوسائل»، ج18/ ص 177.

(34) ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، قال مجاهد وقتادة: بنبيِّهم، وقال أبو صالح والضحاك: بكتابهم الذي أنزل عليهم. روي هذا عن مجاهد ويحيى بن زيد أيضاً. انظر تفاسير التبيان للطوسي ومجمع البيان للطبرسي، وتفسير الطبري، ذيل تفاسيرهم للآية المذكورة من سورة الإسراء.

(35) الكَلَب: شبيه بالجنون.

(36) المجلسي، بحار الأنوار، ج 52/ ص 280.

(37) كشيخ الطائفة الطوسي في تفسيره «التبيان»، وفخر الدين الطريحي في كتابه تفسير غريب القرآن، والعلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره «الميزان».

(38) يؤكد ذلك أن الله تعالى عندما ذكر أركان الإيمان في بعض المواضع من القرآن ذكر الإيمان بالله على رأسها كقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.. ﴾ [البقرة/177] وقوله تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...﴾ [البقرة/285] غيرها من الآيات.

(39) السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، «البيان في تفسير القرآن»، ط 4، بيروت، دار الزهراء للطباعة والنشر، 1395هـ/1975م، ص 69.

(40) ذكر المؤلف هنا سهواً عبارة «علي بن إبراهيم» بدلاً من فرات بن إبراهيم فصححناها في المتن.

(41) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 53/ ص 118.

(42) الصدوق، «كمال الدين وتمام النعمة»، تحقيق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشـر الإسلامي، 1405هـ، ص 305- 307.

(43) الحسن بن موسى النوبختي، «فرق الشيعة»، تحقيق محمد صادق آل بحر العلوم، بيروت، دار الأضواء، ط2، 1404هـ/1984م، ص 96.

(44) المصدر السابق، ص 97، وقد أورد المؤلف مقولة هذه الفرقة مختصرةً فأوردناها من مصدره بلفظ أكمل قليلاً بغية التوضيح.

(45) المصدر السابق، ص 98.

(46) هذه الجملة بين المعقوفتين من كتاب المقالات والفرق للأشعري.

(47) الحسن بن موسى النوبختي، «فرق الشيعة»،، ص 103 – 104.

(48) المصدر السابق، ص 105.

(49) المصدر السابق، ص 106 – 108.

(50) المصدر السابق، ص 112.

(51) المصدر السابق، ص 108.