بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

نظريـــة الإمـامـة

فـي ميزان النقــد

 

 

 

ألَّفَهُ (بالفارسيّة) الأستاذ الفاضل:

حُجَّتُ الله نِيـكُـوئـي

 

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعد محمود رستم

 

 

 

 

 

 

P

 

المؤلف في سطور وقصة تأليفه لهذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد،

مؤلف هذا الكتاب هو الأستاذ الباحث «حجت الله نيكوئي» أستاذ فاضل معاصر من أهل مدينة «قم» في وسط إيران، ولد ونشأ فيها وبعد إكماله الثانوية العامة التحق بكلية اللغة الإنجليزية- قسم الترجمة في جامعة «پيام نور» (رسالة النور) وتخرج منها – على ما يبدو - في أواخر التسعينيات (من القرن الماضي) وعمل موظفاً في قسم الترجمة في «سازمان تبليغات اسلامي» (منظمة التبليغ الإسلامية) وهي منظمة حكومية تابعة لوزارة الإرشاد الإسلامية في إيران تعمل على نشر الإسلام – طبقاً لمذهب الشيعة الإمامية – في مختلف أنحاء العالم.

كان للأستاذ «نيكوئي» اهتمام كبير بمطالعة الكتب الدينية والبحث عن حقائق الدين في بطون الكتب القديمة والحديثة، وكان ميالا للنقد والتمحيص وأن لا يقبل إلا ما ثبت له بالبرهان القاطع والدليل الساطع، وقد أفاده وجوده في مدينة «قم» التي تضم ما يُعْرَف بـ "الحوزة العلمية" التي تعد مركز الدراسات الدينية الأهم والأكبر في كل إيران بل في العالَم الشيعي بأسره، والزاخرة بعشرات المكتبات الإسلامية الغنية التي تحوي كتب جميع المذاهب الإسلامية، والعامرة أيضاً بكبار العلماء والمجتهدين، كما أفاده عمله مترجماً في (منظمة التبليغ الإسلامية)، في الاطلاع على مختلف العقائد والأفكار والجدل الكلامي الشيعي وما يسوقه كبار المتكلمين والفلاسفة والعلماء الشيعة المعاصرين من أدلة على صحة عقائد الإمامية، ودفاع عن المذهب، وكان كثير التردد على آية الله الشيخ نعمت الله صالحي نجف آبادي (صاحب الكتاب المعروف والمثير للجدل "شهيد جاويد" أي "الشهيد الخالد")، ويبدو أنه أخذ عنه حرية الفكر ومنحى التحقيق والنقد للأفكار الدينية الشائعة والمشهورة التي يتبين عند التمحيص أنها رغم شهرتها طارئة وغير أصيلة ولا أساس لها من الصحة. كما يظهر من كتابه أنه اطلع فيما اطلع على كتاب الدكتور الإيراني المعاصر «عبد الكريم سروش» المسمى: «قبض وبسط تئوريك شريعت، نظريه‌ي تكامل معرفت ديني» (أي القبض والبسط النظريان للشريعة، نظرية تكامل المعرفة الدينية) وتأثر به، كما اطلع أيضاً على كتب الأستاذ «حيدر علي قلمداران» رحمه الله التي نقد فيها عدداً من الممارسات والعقائد الرائجة بين الشيعة الإمامية لا سيما كتابه الشهير «طريق الاتحاد أو دراسة وتمحيص روايات النص على الأئمة».

في الثلاثينيات من عمره ألف الأستاذ «حجت الله نيكوئي» بالفارسية كتابه الحالي «تئوري امامت در ترازوي نقد» أي «نظرية الإمامة في ميزان النقد» الذي أحدث ضجَّة كبيرة لما تمتع به من جرأة وقوة حجة ونصاعة برهان وصراحة لهجة في نقد نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية داعياً إلى إعادة نظر جذرية فيها، مما أقام عليه علماء «قم» ولم يقعدهم حيث رد عليه عدد من آيات قم الكبار، لكن المؤلف أدرج ردودهم وأجاب عليها مبيِّناً ضعفها وتـناقضها وعدم استقامتها.

بعد نشره لهذا الكتاب تعرض الأستاذ «نيكوئي» لضغوطات عديدة، أشار إليها إشارة مقتضبة في مقدمته، حيث تم طرده من وظيفته في «منظمة التبليغ الإسلامية»، ودُعِيَ - أو دعا هو- إلى المناظرة بشأن كتابه وما طرحه فيه من أفكار، فعُقِدت عدة مناظرات حضورية بينه وبين الأستاذ الشيخ «علي شيرواني» الذي يُعد من خواص تلاميذ آية الله «محمد تقي مصباح يزيدي» (أحد أكبر علماء ومتكلمي الحوزة العلمية الدينية في قم، وصاحب عشرات الكتب في الدفاع عن الإسلام والتشيع). وقد وعد «علي شيرواني» أن يجيب على كتاب «نيكوئي» هذا لكنه لم يفعل حتى اليوم!

كما وقعت بينه وبين الأستاذ الشيخ: «حسن رحيم پور اصغري» مباحثات ومناظرات غير مباشرة، لم تفضِ إلى نتيجة. وفي النهاية أجبر بعد التوقيف وتحت الضغط أن يكتب تعهداً يعلن فيه تراجعه عما كتبه في كتابه وأنه لن يعود إلى نشره من جديد، بحجة أنه لم يكن مطلعاً بشكل كاف على كتب الشيعة ودلائلهم!!

ومما يؤسف له أنه بسبب هذه الظروف الضاغطة فإن الأستاذ «حجة الله نيكوئي» اضطر إلى العزلة والابتعاد عن الأضواء، مما حال دون معرفة الكثير عنه. ولولا هذا الكتاب الذي نشره ربما لم يدر أحد باسمه.

بيد أن كتابه هذا انتشر في الأوساط الثقافية الإيرانية انتشار النار في الهشيم وتلقفه كثير من أحرار الفكر في إيران وأعادوا نشره بصور مختلفة ونشروا أجزاء منه على صفحات الإنترنت ويمكن لكل من تصفح الإنترنت بالفارسية أن يلاحظ حجم الاهتمام والردود والنقاشات التي لا تزال دائرة حول الكتاب بين المتنورين به المؤيدين لفكرته المدافعين عنه وبين التقليديين المهاجمين له الرادين عليه.

ويبدو أن هذا الكتاب سيوجد فتحاً واختراقاً هاماً – ولو بالتدريج- في عالم العقائد الشيعية الإمامية المغالية بشأن الأئمة، ويكرِّسُ الخط التجديدي والإصلاحي الجذري الذي بدأ بين الشيعة الإمامية منذ عقود وهو مرشح للاستمرار والتوسع بقوة في العقود القادمة إن شاء الله.

ملاحظة: حواشي الكتاب كلها للمؤلف نفسه، وما كان مني - أي المترجم - فقد ذيلته بكلمة (المترجم) تمييزا له عن حواشي المؤلف.

 

المترجم

28/ يوليو (تموز)/ 2008

 

+                +             +

 

066
 


   

مقدمة المؤلف

إن التشكُّك في الأفكار الدينية الشائعة وتمحيص المعتقدات الجازمة والتصورات والقوالب العتيقة التي تشكل الميراث الفكري التقليدي المأخوذ عن الآباء والأجداد في أي مجتمع ديني، هو أول خطوة وأهمها نحو التدين الواعي المبتـني على العلم والتحقيق. ولا ريب أن مثل هذا التشكيك أمر مخيف ومرعب ويتطلَّب حرية فكرية وعقلانية كبيرة، إلا أن ثمرته عظيمة وهي: الإيمان الواعي والحرّ. أجل إن الإيمان الذي يناله الإنسان عبر الحرية الفكرية والتحقيق الواعي تفوق قيمته آلاف المرات إيمان العوام الوراثي والتقليدي. والكتاب الحاضر يمثل جهد مؤلفه وسعيه للوصول إلى مثل ذلك الإيمان الواعي والحرّ.

عندما خطوتُ أوَّلَ خطوة في هذا الطريق، لم أكن أعلم أبداً أن «التحقيق في أصول الدين وضرورة أن يبتنيَ الإيمان بها على العلم والدليل» و«عدم جواز التقليد في أصول الدين» ليست سوى شعارات كاذبة وخيالية في مجتمعنا الديني وأنه في الجمهورية الإسلامية لا بد على الفرد أن يكون مقلَّداً حتى في أصول الدين.

ولما توصَّلت فيما بعد -من خلال بحثي وتحقيقي في باب الإمامة - إلى نتيجة مخالفة لما تنتـظره المؤسسة الرسمية لعلماء الدين الشيعة وجدت أنني أدفع ثمن ذلك غالياً، وهو أمر لا يتّسع المجال لشرحه هنا؛ لذا أحذّر القارئ العزيز بأنه لو لم تكن لديه القدرة على تحمل مشقة هذا الطريق والأذى والمرارة التي سيتعرَّض لها فيه، فليرح نفسه من الآن ولينصرف عن قراءة هذا الكتاب!.

 

+                +             +

 

القسم الأول
نظرية الإمامة في ميزان النقد

سأحاول في هذا الكتاب أن أوضِّح للقارئ أنَّ نظرية الإمامة – كما هي شائعة ورائجة بين الشيعة الإمامية – لا وزن لها في ميزان النقد وأنها تحتاج إلى إعادة نظر وصياغة نظرية جديدة.

لكن قبل البدء في البحث لا بد من ذكر بعض النقاط كمقدمة:

1)بدايةً لا بد من التفرقة بين «الدين» و«المعرفة الدينية». الدين عبارة عن الأركان والأصول والفروع التي نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت في الكتاب السماوي؛ إضافة إلى سنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أما المعرفة الدينية فهي التي تندرج بشكل أساسي تحت الفروع الخمسة للعلوم الشرعية: الفقه وعلم الكلام والتفسير والأخلاق وتحليل السيرة العملية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين. «الدين» ثابتٌ وكاملٌ ونقيٌّ ومصونٌ من الخطأ. أما «فهمنا للدين» فلا يتمتّع بأي واحدة من تلك الأوصاف ولهذا السبب قلنا إنه لا بد أن نفرِّق بين الدين والمعرفة الدينية(1).

2)«المعرفة الدينية» شأنها شأن سائر المعارف الأخرى معرفةٌ بشريَّةٌ، فهي حصيلة سعي العلماء وجهدهم في فهم الدين، وبما أن العلماء بشر فإن أوصافهم البشرية (مثل قوة العقل المحدودة، نقص العلم والفهم، إمكانية الخطأ، الرؤية أحادية الجانب و...) تـنعكس على فهمهم للدين وتؤثر عليه وبالتالي فإن نتيجة سعيهم هذا، ستكون معرفةً بشريةً (أي معرفة ناقصة، غير خالصة، مشوبة بالخطأ، مليئة بالرؤى أحادية الجانب، وتحتاج على الدوام إلى إعادة بناء وإصلاح). فما يُعرَف اليوم بالمعارف الدينية التي يقدمها العلماء والفقهاء إلى المجتمع (أي الآراء الفقهية والكلامية والتفسيرية و...) إنما هو حصيلة رجوعهم إلى النصوص الدينية وتفكيرهم وتأملهم العميق فيها، فلا يجوز اعتبارها معادلة للدين ذاته، ومساوية له. إن تلك الآراء هي في الواقع «فهم الدين» وليست «الدين» ذاته(2).

3)على ضوء النقطتين السابقتين (فصل وتمييز «الدين» عن «المعرفة الدينية»، وكون فهم العلماء للدين فهم بشري) يمكن الوصول إلى النتائج التالية:

أ- إن مخالفة أيَّ رأي فقهيٍّ أو كلاميٍّ أو تفسيريٍّ لا تُعَدُّ مخالفةً للدين بل هي مخالفةٌ لفهم الدين. يتوصل كل عالم من العلماء، من خلال مراجعته للنصوص الدينية، إلى فهمٍ معين لها ثم يبين هذا الفهم بقالب آراء فقهية وكلامية و.... فلا ينبغي أن نجعل أيَّاً من آرائه ونظرياته تلك معادلة للدين ذاته ولا أن نتصور أن معارضة أي من هذه النظريات بمثابة مخالفة الدين ذاته. مخالفة الدين إنما تكون عندما ينكر الإنسان نصوصه المقدسة (أي القرآن والسنة) لا عندما يختلف مع هذا الفهم أو تلك القراءة لتلك النصوص. وبعبارة أخرى إذا أنكر شخص حقية آية من القرآن واعتبرها خرافة فإنه بذلك ينفي الدين وينكره، أما إذا كان له فهم معين لتلك الآية يختلف فيه مع فهم آخرين لها فإن هذا لا يُعَدُّ بأي وجهٍ من الوجوه مخالفة للدين ذاته.

ب- لا يوجد أي فهم للدين فوق النقد، ولا ينبغي تعدية قداسة الدين والنصوص الدينية إلى الآراء والنظريات الدينية للعلماء والفقهاء. إن «الدين» حقيقة سماوية مقدسة، أما «المعرفة الدينية» فمنشؤها الفهم البشري الأرضي الذي لا يخلو من نقص وقابلية للخطأ ونظرة من طرف واحد، لذا لا يمكنها أن تكون مقدسة وفوق النقد. إن «المعرفة الدينية» تحتاج على الدوام – بسبب كونها معرفة بشرية- إلى الإصلاح وإعادة البناء واكتشاف ما يعتورها من خطأ وجبر ما فيها من نقص، وهذا لا يتم إلا من خلال الانتقادات والتساؤلات والتشكيكات التي يطرحها المخالفون والمنتقدون، ومن خلال الأبحاث والمحاورات العلمية والحرة، لذا لا بد أن نرحب بمثل هذه الانتقادات كونًها تساعدُنا على إصلاح الأفكار الدينية وإعادة بنائها، الأمرُ الذي يقرِّبنا من حقيقة الدين أكثر فأكثر.

ج- إن التشيُّع والتسنُّن فهمان وقراءتان للدين، وليس أيٌّ منهما عينَ الإسلام النقي الخالص وذاته. كلٌّ منهما مزيج من حقٍ وباطل. كلٌّ منهما معرفة بشرية وبالتالي مشوبة بالنقص وعدم الكمال وقابلة للخطأ(3)، وكلاهما يحتاج إلى حد ما إلى الإصلاح والتكميل وإعادة البناء. والإمامة – التي تشكل العمود الأساسي لبناء التشيع – نظرية كلامية لا أكثر ولا أقل، لذا لا يمكن اعتبارها فوق النقد والبحث والسؤال.

4)ليس قصدنا من هذا الكتاب الدفاع عن التسنُّن ولا الهجوم على التشيُّع. بل ما نرمي إليه هو توضيح هذه الحقيقة وهي أن نظرية الإمامة (كما هي رائجة في كتب الشيعة الإمامية وكما تطرح على المنابر ووسائل الإعلام ومن خلف المنصات الخطابية الرسمية ويتم تعليمها وتدريسها في المدارس والجامعات والحوزات العلمية) لا يمكن الدفاع عنها عقلياً. وبالطبع نحن لا ننفي إمكانية وجود قراءات صحيحة ومنطقية وقابلة للدفاع عنها للإمامة وننتظر طرح مثل هذه القراءات من قبل علماء الشيعة المجدِّدين ذوي الفكر الحرّ.

5)لما كان علماء الشيعة يعتقدون في مبحث النبوَّة أولاً بضرورة بعث الأنبياء، وثانياً بأن الإمامة استمرار للنبوة وثالثاً بأن الدلائل العقلية التي تدل على ضرورة بعث الأنبياء وإرسال الرسل والتي تثبت عصمة مختاري الله عزَّ وجلَّ تدُلُّ ذاتها على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذا فإننا سنضطر للبدء بالبحث في فلسفة النبوَّة.

الدليل العقلي على ضرورة بَعْث الأنبياء:

يرتكز هذا الدليل على مبدأ نقص العلم والمعرفة البشرية وعدم كفاية عقل الإنسان لمعرفة طريق الكمال والسعادة:

«ألف- خَلَقَ اللهُ الإنسان ليسير باختياره نحو الكمال.

ب- السير الاختياري نحو الكمال رهين بالمعرفة الصحيحة بطريق السعادة والشقاء في الدنيا والآخرة.

ج- لا يكفي عقل الإنسان للوصول إلى مثل هذه المعرفة.»

نتيجة هذه المقدمات هي أن حكمة الله تعالى تقتضي أن يضع في متناول الإنسان طريقاً آخر (الوحي) كي يدرك سعادته الدنيوية والأخروية ويتمكن من أن يصل إلى الكمال الاختياري، وبهذا لا يُنقض الغرض من خلق اللهِ تعالى للإنسان.(4)

وقد جاء ما يشبه هذا الاستدلال ذاته في موضع آخر وبعبارات متفاوتة كما يلي:

«1- الهدف من خلق الإنسان هو الحركة نحو الله أي نحو الكمال المطلق والتكامل المعنوي في جميع أبعاده.

2- لا شك أن الإنسان لا يمكنه طي ذلك الطريق دون إرشاد هاد معصوم ومعلِّمٍ سماويٍّ.

والنتيجة هي أن بعث الأنبياء ونصب الأئمة المعصومين بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة حتمية وإلا للزم عن ذلك نقض الغرض مِنْ قِبَلِ الله» (5).

تحليل الدليل ونقده:

كما هو معلوم بوضوح، الأدلة التي ذكرناها هي ذات مدلول عام وتسعى إلى إثبات ضرورة وجود هداة مرشدين (سواءً النبيّ أم الإمام) بين الناس. ولكن من الجيد أن نقوم بتحليل ودراسة مقدمات تلك الأدلة:

1. صحيح أن الله تعالى – بدليل كونه حكيماً - لا يقوم بعمل عبثي، ولكن كيف يمكننا أن نكتشف غرضه من خلق الإنسان بطريقة عقلية، ثم نعممه على جميع البشر مدعين أنه لا بد أن يكون الناس جميعاً قد خلقوا لأجل هذا الغرض؟ لا ننسَ أن أدلة إثبات ضرورة بعث الأنبياء ونصب الأئمة المعصومين أدلة عقلية وأدلة مقدماتية أي سابقة، بمعنى أنه يجب أن تكون مقدماتها قد ثبتت عقلياً مسبقاً، وثانياً أن تستطيع أن توجد في ذهن الإنسان ضرورة وقوع حادثة قبل وقوعها. إن الأدلة التي ندرسها ونبحثها يجب أن تكون على نحو يمكن إقامته قبل بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والشرائع الإلهية. لو فرضنا أننا نعيش في زمان (أو مكان) لم يرسل الله تعالى فيه بعدُ أيَّ نبيٍّ إلى الناس، أو أننا لم نطَّلع بعد على بعثة أي نبيٍّ من الأنبياء، ففي مثل تلك البيئة نحن لا نعلم إلا أن خالقنا هو الله الأحد وأن الله حكيمٌ ولا يقوم بعمل عبثي. فالآن كيف يمكننا أن نفهم من خلال تحليل عقلي صرف ماهية غرض الله من خلق البشر، حتى نستطيع بعد ذلك أن نحكم أنه لأجل تحقيق ذلك الغرض لا بد من إرسال الأنبياء؟؟ إن قليلاً من التأمل في محتوى هذا الاستدلال يبين أنه يعتمد على افتراضين مسبقين كامنين وراء مقدماته، وهما أنه قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية ودون الاستفادة من تعاليم الأنبياء يمكننا من خلال التحليل العقلي المحض أن نصل إلى هذه النتيجة التي تقول: أولاً: الإنسان إنما خلق لأجل طيِّ طريقٍ خاصٍّ والوصول إلى هدف معيَّن. وثانياً: أن ذلك الطريق الخاص عبارة عن الإيمان بحقائق خاصة والإتيان بواجبات وآداب معيَّنة يعجز عقلنا البشري عن معرفتها. إن الافتراض المسبق الأول غير قابل للإثبات والافتراض المسبق الثاني هو عين الدعوى، مما يعني إن الاستدلال المذكور يشتمل على الدَّوْر ومصادرة المطلوب. قبل إرسال الأنبياء وبدون الاستفادة من تعاليمهم كيف يمكننا أن ندَّعي أن في عالم الخليقة ثمَّةَ حقائق خافية عنَّا وأنَّه لا بد أن نطلع عليها وأن نؤمن بها حتماً؟ كيف يمكننا أن نفهم أن هناك واجبات خاصة لا بد من القيام بها كي نكون سعداء وأننا غير مطلعين عليها وأنَّه لا بد أن نعرفها وأن نعمل بها؟ أولاً إن وجود حقائق غير معلومة لنا يجب الإيمان بها وكذلك وجود واجبات خاصة لا نعرفها ولكن يجب العمل بها هو عين إدعاء ضرورة النبوَّة، وثانياً لا يمكننا أبداً أن نقيم برهانا عقلياً لإثبات ذلك الأمر.

2. لو فرضنا الآن أننا أدركنا بالدليل العقلي المسبق غرض الله من خلق الإنسان ووصلنا أيضاً إلى النتيجة التي تقول إنه لا بد للإنسان من سلوك طريقٍ خاصٍّ والإيمان بحقائق معيَّنة والعمل بواجبات محدَّدة كي يصل إلى الكمال المعنوي، ولا يمكن لعقل الإنسان وحده أن يكتشف أيَّاً من تلك الحقائق والواجبات، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى: إن سعادة الإنسان وكماله المعنوي رهينان حصراً باكتشاف ذلك الطريق وسلوكه (أؤكِّد ثانيةً أن هذه الأمور نأخذها على أنها مفترضة مع أن أيَّاً منها لا يمكن إثباته)؛ فهل يمكننا – بافتراض هذه المقدمات – أن نستنتج ضرورة بعث الأنبياء؟ إن الإجابة هي النفي أيضاً، لأن ما يمكننا أن نستنتجه من هذه الفرضيات والمقدمات ليس سوى أن هداية الله للإنسان أمرٌ ضروريٌّ، أي أن الله تعالى بحكمته لا بد أن يساعد الإنسان في معرفة الطريق والهدف، لكن الهداية يمكنها أن تتم عبر طرق مختلفة وإرسال الأنبياء هو واحد فقط من تلك الطرق وليس هو الطريق الأوحد. اللهُ تعالى يمكن أن يوصل الناس إلى الكمال المطلوب من خلال طرق أخرى مثل الهداية الباطنية، كما هدى الأنبياء بهذه الطريقة (إذْ إنه لم يرسل أنبياء لهداية الأنبياء) وهذا يبين أن دعوى ضرورة النبوَّة لهداية الناس دعوة غير موزونة وعجولة. إن القائلين بضرورة النبوَّة إما أنهم لا يعرفون معنى الضرورة أو يعتبرون الله غير قادر على هداية الناس باطنياً.

3. إذا كان هذا الدليل صحيحاً وكان مقتضى حكمة الله تعالى ضرورة إرسال الأنبياء فإن اللازمة المنطقية لذلك أن يرسل الله تعالى في كل عصر مئات آلاف الأنبياء على نحو يكون فيه في كل منطقة من مناطق الكرة الأرضية نبيٌّ مرسل، لكي يستطيع جميع البشر في كل نقاط العالم أن يستفيدوا بشكل مباشر ومن غير واسطة من هداية الأنبياء وإرشاداتهم. هذا في حين أن مثل هذا الأمر لم يقع في أي عصر من العصور. أفلا يؤدي ذلك بنا – استناداً إلى مقدمات الدليل المذكور – إلى أن الله تعالى عمل في كثير من الحالات خلافاً للحكمة وارتكب نقضاً لغرضه من الخلق (والعياذ بالله)؟؟

 وقد أجاب بعض علماء الشيعة على هذا الإشكال على النحو التالي:

«أولاً: إن ما قيل بأن الأنبياء لم يبعثوا إلا في منطقة خاصَّةٍ..... ليس بصحيح، لأن القرآن الكريم ذاته يصرِّح بأنه مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ... ثانياً: تقتضي حكمة الله أن يكون بين الله والإنسان طريقٌ يمكن للبشر من خلاله أن يعرفوا الحقائق اللازمة لمعرفة سبيل الكمال. لكن حكمة الله لا تقتضي بالضرورة أن يستفيد جميع الناس حتماً من ذلك الطريق. بل ربما يوجد أناس لا يريدون الاستفادة من هذا الطريق وعدم استفادتهم هذه إنما ترجع إلى سوء اختيارهم هم، بل قد يوجد أشخاص علاوة على عدم رغبتهم بالاستفادة من هذا الطريق يمنعون الآخرين من الاستفادة منه... وفي مثل هذه الحالات يقع إثم الحرمان من طريق النبوَّة على عاتق هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله، ولا تقصير لِـلَّهِ في هذا المجال»(6).

لكن هذه الإجابة غير مقنعة. لنأخذ مثالاً على ذلك زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. في تلك الفترة التي كان مشغولاً فيها بهداية أهالي شبه الجزيرة العربية، مَنْ كان الهادي والمرشد لمليارات البشر الآخرين الذين كانوا يعيشون في ذلك الوقت في مئات الدول في قارّات أمريكا وأوروبا وأفريقيا وأستراليا، وحتى باقي دول قارة آسيا كالصين واليابان وكوريا وماليزيا وروسيا وعشرات بل مئات الجزر النائية في المحيطات والبحار البعيدة؟ أيُّ نبيٍّ كان يهديهم إلى الصراط المستقيم (أو طريق الكمال)؟ ربما كان هناك نبيٌّ قد بُعِث في الأزمنة الماضية في كل واحدة من تلك المناطق، والآية القرآنية المذكورة لا تشير إلى أكثر من ذلك، ولكن على الأقل في زمن بعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن هناك أيُّ نبيٍّ آخر في تلك المناطق، وتعاليم أنبيائهم السابقين كانت - حسب ادعاء الشيعة والسنة – قد حُرِّفَت، وبناء على ذلك وطبقاً لأدلة ضرورة النبوَّة كانت هناك ضرورة أكيدة لنبيٍّ جديد (في كل واحدة من تلك المناطق). ولكن لماذا لم يأت أي نبي إلى أيٍّ من تلك المناطق في ذلك الزمن؟ ولماذا بقي كثير من الأجيال في أكثر نقاط الكرة الأرضية - عملياً - محرومون من تعاليم الأنبياء؟ هل كان سوء اختيارهم هو السبب في حرمانهم هذا؟ لا يمكن القول بأن مبرِّر ذلك هو وجود مانع من قِبَل أشخاص آخرين (أعداء النبيّ)، لأن الله تعالى هو المسؤول [والقادر] على حل هذه المشكلة ومنع المخالفين والظالمين من أن يحولوا دون وصول الرسالة الإلهية لمسامع بقية البشر. صحيح أن الهداية الإلهية لا يجوز أن تكون جبرية، ولكن مقتضى البرهان المذكور أعلاه هو أن التعاليم الإلهية يجب أن تصل إلى مسامع جميع البشر بأي وسيلة ممكنة كانت – مثلاً أنبياء متعددين – وعندئذ يختار الناس الطريق الصحيح بانتخابهم الحرّ أو يسلكون طريق الضلالة. فإذا فرضنا أنه كان هناك في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أناسٌ يصدُّون عن سبيل الله ويحولون دون انتشار تعاليمه إلى سائر نقاط المعمورة، أفلم يكن الله قادراً على إرسال أنبياء آخرين في مناطق الكرة الأرضية الأخرى كي يُحبِط عرقلة وإعاقة أولئك المخالفين، ويهدي بذلك أهالي تلك المناطق الأخرى في الأرض، ألم يكن غرض الله تعالى من خلق أهالي تلك المناطق الأخرى من العالم هو إيصالهم إلى الكمال؟ أولم يكونوا بحاجة ماسة إلى الهداية وإلى إرشادات أنبياء الله كي يصلوا إلى الكمال؟ فلماذا حُرِموا من تعاليم الأنبياء وبالتالي من الوصول إلى الكمال؟ أليس هذا نقضٌ للغرض؟ هل تمكَّنَ عددٌ من المخالفين من منع تطبيق الخطة الإلهية وتحقيق الله لهدفه من الخلق؟ وهنا نحن لا نتكلَّم عمن يتحمَّل مسؤولية ووِزر حرمان مليارات البشر من الوصول إلى الكمال. كلامنا هو عن إمكانية قبول تمكُّن عدد من الكفار والمشركين من الحيلولة دون تحقيق الله لغرضه من خلق الإنسان، وبنحو غالب؟! ولأجل المزيد من التوضيح لهذه النقطة لنفرض أن القيامة قامت وأن الناس الذين كانوا يعيشون زمنَ نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في جزيرة نائية في المحيط الهندي مثلاً سألوا الله قائلين: إلهنا ألم تخلقنا للوصول إلى الكمال المعنوي؟ أولم تكن تعلم أنه من غير الاستفادة من تعاليم أنبياء الله وكتبه السماوية كان من المستحيل علينا أن نجتاز طريق الكمال؟ فلماذا لم ترسل إلينا نحن أيضاً (وإلى أمثالنا) نبياً وسبَّبت حرماننا من هذا الكمال المعنوي؟ عندئذ ينبغي أن يجيبهم الله: لكم الحق في ذلك. لقد خلقتكم لأوصلكم إلى الكمال المعنوي وكنت أحب جداً أن تصلوا إلى هذا الكمال، لكن للأسف لم يَدَعْني البعض أصل إلى هذا الهدف (الغرض) وهذا هو الذي أدى إلى حرمانكم من الوصول إلى الكمال. فلم يكن التقصير مني بل التقصير منهم!!؟ عندئذ إذا أجاب أولئك المحرومون من الوصول إلى الكمال بسؤالهم الله: فأين ذهبت إلهيتك؟ ألم تكن قادراً على أن ترسل لنا نحن أيضاً نبياً؟ عندئذٍ بماذا سيجيبهم الله تعالى؟ إذا كان حقيقةً أنه:

«تقتضي حكمة الله أن يكون بين الله والإنسان طريقٌ يمكن للبشر من خلاله أن يعرفوا الحقائق اللازمة لمعرفة سبيل الكمال»،

فلا ينبغي أن يُفتَح هذا الطريق لعدد من البشر في شبه الجزيرة العربية فقط بل لا بد من إتاحة هذا الطريق لشعوب جميع بقاع العالم الأخرى، في حين أنه لم يحصل مثل ذلك الأمر أبداً، بل كانت الغالبية العظمى من شعوب العالم على مدار التاريخ محرومة من وجود أنبياء الله وتعاليمهم. ولنغضَّ الطَّرف عن كلِّ ما ذكرناه ولنفرض أن المخالفين والظلمة لم يحولوا دون انتشار تعاليم الأنبياء، فيبقى السؤال: هل كانت هناك فعلاً، في ذلك الزمن، إمكانيةٌ عمليةٌ لنشر تلك التعاليم إلى سائر نقاط المعمورة على نحو يحصل فيه سكان جميع بلدان العالم وأهالي كل مدينة وقرية على تلك التعاليم عينها دون أدنى تحريف أو إضافة أو نقصان؟ هل كانت هناك قبل ألف وأربعمئة عام - حيث لم تكن وسائل السفر في ذلك الوقت سوى الخيول والجمال والسفن الشراعية والقوارب ذوات المجاديف – إمكانيةٌ لسفر النبيِّ إلى مئات البلدان النائية مثل كندا ونيوزيلندا واليابان والصين وألمانيا و...؟ هذا فضلاً عن أن السفر وحده لم يكن كافياً بل في الواقع لقد كان على النبيِّ أن يقيم في كل واحدة من تلك البلدان سنوات عدة كي تصل مجموعة تعاليم الإسلام لمسامع جميع أهاليه. وعندئذ يمكنكم أن تحسبوا كم قرن من العمر يحتاج النبيُّ كي يسافر إلى جميع مناطق الدنيا ويبلِّغ تعاليم الإسلام لجميع قاطنيها؟ وإذا وضعنا مسؤولية وواجب نشر تعاليم النبيِّ في جميع أنحاء الدنيا على عاتق أتباعه لما انحلّت المشكلة أيضاً، فأولاً: كان عدد أصحاب النبيِّ وأتباعه الذين فقهوا تعاليمه بشكل كامل وصحيح قليلٌ جداً (مثل سلمان وأبو ذر) في حين أن هذا الهدف كان يحتاج إلى عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الأشخاص العالمين، وهو أمر لم يكن من الممكن تحقّقه في زمن قصير، وأما في الزمن الطويل فستبقى مشكلة حرمان كثير من الناس من هداية الأنبياء قائمةً بلا حلّ. ثانياً: كيف كان بإمكان الصحابة الذين سافروا إلى نقاط المعمورة الأخرى بوصفهم تلاميذ النبيّ وممثّليه، أن يثبتوا لأهالي تلك البقاع أن نبياً قد بُعِث في منطقتهم المعيّنة وأننا نحن تلاميذه وممثِّلوه قد جئنا كي نهديكم من قِبَله إلى الطريق المستقيم؟ لو طلب أولئك الناس من ممثلي النبيِّ هؤلاء معجزةً وعجزوا عن الإتيان بها – وهو ما سيحصل بالطبع – فما هو التكليف عندئذ؟ أَوَّلاً يجب أن يَثْبُتَ لأولئك الناس أن تلك التعاليم وحيٌ إلهيٌّ كي تتمكن تلك التعاليم من جذب الناس نحوها وقطع طريق الاعتذار والتحجّج على المخالفين وإقامة الحجة عليهم؟ ثالثاً: لو تأملنا الأدلة العقلية التي سيقت لإثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة لرأينا أن التوسّل بممثلي النبيّ وتلاميذه أو تلاميذ الإمام المعصوم يتناقض مع تلك الأدلة، لأن هؤلاء التلاميذ والممثلين ليسوا معصومين ومن الممكن أن يقعوا في الخطأ والسهو (بل حتى الخيانة) في فهم وإدراك تعاليم النبيّ أو ضبطها وحفظها في ذاكرتهم ونقلها إلى الآخرين.

3 – وآخر إشكال يُطْرح في الذهن هو أنه إذا كان ذلك الدليل صحيحاً وكان بعث الأنبياء بمقتضى حكمة الله ضرورياً، فإن الأرض لن تخلو عندئذ في أي عصر من العصور من الأنبياء. لكن هذا خلاف الواقع لأن الأرض كانت خالية في كثير من العصور من الأنبياء المرسلين وذلك مثل الفترة التي طالت ستمئة عام بين رسالة السيد المسيح عليه السلام وبعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، والتي لم يكن فيها أي نبي مرسل من الله في أي نقطة من نقاط المعمورة. وهنا لا يمكننا الحديث عن سوء اختيار الناس ولا عن إعاقة المخالفين وحيلولتهم دون وصول الهداية إلى الناس.

إلى هنا درسنا وفحصنا أدلة إثبات ضرورة النبوَّة عقلاً، ولا نرى أننا في حاجة إلى طرح أدلة أخرى لأن جميع هذه الأدلة تعاني من المشكلات ذاتها التي أشرنا إليها. فعلى سبيل المثال درج متكلمو الشيعة القدماء على الاستدلال بقاعدة «اللطف»(7) لإثبات ضرورة إرسال الأنبياء على النحو التالي:

«أ- النبوَّة لطفٌ.

ب- اللطفُ واجبٌ على الله.

النتيجة: إرسال الأنبياء واجب على الله.»

لهذا البرهان المذكور افتراض مسبق لم يتم إثباته بل تم الاستدلال عليه على نحو مسبق بطريقة عقلية، وهو افتراضٌ يقول: إن غرض الله من خلق الإنسان هو أن يسلك مسيراً خاصّاً ويصل إلى نتيجة خاصة (مثلاً الكمال المعنوي)، وعندئذ وعلى أساس هذا الافتراض المسبق الذي لم يتم إثباته، ادُّعِيَ أن النبوَّة لطفٌ أي أنها تساعد الإنسان على الوصول إلى ذلك الهدف. ولكن إذا كان الغرض من خلق الإنسان غير معلوم، كيف يمكن اعتبار النبوَّة لطف؟ وبصرف النظر عن ذلك إذا تأملنا في قاعدة اللطف سنلاحظ أن النبوَّة (إرسال الأنبياء) هي واحدة فقط من مصاديق اللطف، وأن لطف الله يمكنه أن يشمل العباد بطرق أخرى. بناء عليه لا يمكننا أن نستنتج من وجوب اللطف على الله ضرورة النبوَّة. إن ما يُفترض أنه واجبٌ على الله هو اللطف (أي: إيجاد العوامل التي تمكّن الناس من الوصول إلى الغرض من خلقهم وتسهّل عليهم هذا الوصول) أما أي طريق يختاره الله لأجل هذا الأمر فهذا يتعلّق بإرادته سبحانه وإذا حدَّدنا له أو أوجبنا عليه طريقاً خاصاً (مثل بعث الأنبياء) نكون قد أملينا عليه واجباته وحدَّدنا له تكاليفه وهذا يتنافى مع مقام العبودية ولا ينسجم مع قواعد المنطق.

إلى هنا فحصنا مقدمات البرهان المذكور أعلاه ورأينا أننا لا يمكن أن نستنتج من تلك المقدمات ضرورة النبوَّة، بيد أننا في الواقع في غنى عن تحليل تلك المقدمات، إذ إننا نسأل: لو كان بعث الأنبياء لهداية الناس نحو السعادة والكمال ضرورياً حقاً وواجباً على الله - طبقاً للدليل والبرهان المذكور أعلاه واستناداً إلى قاعدة اللطف- فلماذا جعل الله هذا اللطف يشمل – في كل عصر – عدداً معدوداً من البشر في حين بقيت الأغلبية الساحقة لأهل الأرض محرومة من هذا اللطف؟ أليس اللطف واجباً على الله؟ فهل كان اللطف في زمن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم واجباً على الله تجاه أهالي شبه الجزيرة العربية فقط؟ ألم يكن واجباً على الله أن يلطف في ذلك الزمن ذاته بأهالي المكسيك أيضاً ويرسل إليهم نبيّاً؟ كما لنا أن نتساءل لماذا عُطِّلَت قاعدة اللطف كلياً مدة ستمئة عام على الأقل (الفترة الزمنية بين حضرة عيسى ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يرسل الله تعالى خلال كل تلك الفترة أيَّ نبيٍّ للناس؟ هل نسيَ الله تعالى – والعياذ بالله- أن يقوم بما يجب عليه؟!

الآن حان الوقت للدخول في بحثنا الأصلي أي موضوع الإمامة لنرى كيف أن هذه الإشكالات عينها تَرِدُ على أدلّة ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ.

يعتقد متكلمو الشيعة أن:

«الإمامةُ رئاسةٌ عامَّةٌ على المجتمع الإسلامي في أمور الدِّين والدنيا»(8).

بناء عليه:

«ليس الإمامُ دليلاً مرشداً في أمور الدِّين فقط بل هو أيضاً قائدٌ وزعيمٌ في أمور الدنيا، فلا تختصُّ رئاسته بأمور الدنيا وحدها أو بأمور الآخرة فقط بل تشملهما معاً وتشمل جميع الأمور، دينيةً كانت أم دنيويةً»(9).

ولكن ما هو شأن الإمام الأصلي؟

«الإمام حافظ للشريعة ومرجع الناس في معرفة الإسلام»(10).

«الإمام معناه العالم الخبير في أمر الدين، خبيرٌ حقيقيٌّ لا يقع في الظنِّ والاشتباه ولا يعرض له الخطأ»(11).

حتى شرط العصمة والنصّ عليهم من قِبَل الله إنما هو لكون الواجب الأساسي للأئمة المعصومين وسبب وجودهم هو هداية الناس وإرشادهم وبيان الأحكام الإلهية:

«يجب أن يعيِّن الله تعالى الإمام وخليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وينصبه إماماً على الناس، لأنه لا بد أن يكون الإمام معصوماً عن الخطأ والاشتباه تماماً كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يمتلك علماً خارقاً غيرَ عاديٍّ كي يتمكَّن من القيام بوظيفة قيادة الأمة مادياً ومعنوياً ويحفظ أساس الإسلام ويبيِّن مشكلات الأحكام ويشرح حقائق القرآن ويواصل مسيرة الإسلام»(12).

 وفي أحاديث أئمة الشيعة أيضاً عندما يُشارُ إلى ضرورة وجود الأئمة المعصومين يُذكرُ أن دليل هذه الضرورة هو هداية الناس وإرشادهم وبيان أحكام الله وإتمام الحجة على الناس من خلال بيان الصراط المستقيم وحقائق الدين.

 يقول الإمام الصادق (ع):

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله»(13)

ويقول الإمام محمد الباقر (ع) أيضاً:

«وَاللهِ مَا تَرَكَ اللهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ (ع) إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى الله وَهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَا تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِـلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ»(14)

وفي رواية أخرى يقول الإمام الصادق (ع) كذلك:

«الْأَوْصِيَاءُ هُمْ أَبْوَابُ الله عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا وَلَوْلَاهُمْ مَا عُرِفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِمُ احْتَجَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ»(15)

ولكن أين تقع نقطة الاختلاف الأساسية بين الشيعة والسنة في مسألة الإمامة؟

«يقول الشيعة: بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وباستثناء مقام تلقّي الوحي وإبلاغه، فإن جميع مقامات النبيِّ باقيةٌ ومستمرِّةٌ ويجب أن يقوم بها شخصٌ يعيِّنه الله»(16).

بعبارة أخرى إن الخلاف الأصلي بين الشيعة والسنة هو حول ما يلي:

«يقول الشيعة: يجب أن يعيِّنَ الله تعالى شخصاً بعد ختم النبوَّة لأجل تدبير أمور الدين والدنيا للمجتمع الإسلامي، أما أهل السنة فإنهم لا يقبلون بهذه العقيدة»(17)

فالشيعة إذن يعتقدون بضرورة نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فلننظر الآن كيف يستدلُّ علماء الشيعة على إثبات هذه النظرية.

·   الدليل العقلي على ضرورة نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

«نظراً إلى أن دين الإسلام آخرُ الأديان السماوية وأن نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم خاتمُ الأنبياء ونظراً أيضاً إلى أن الهدف الإلهي من إرسال الأنبياء أن يبقى الدين الحق بين الناس وتتم عليهم الحجة، فإن لم يتم نَصْب وتعيين إمام بعد نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبيِّن للناس حقائق الدِّين ويفسّر مجملاته ويفصّل كلياته، فإن الدِّين سيتعرَّض للتشويه والتحريف وفي النهاية إلى المحو والاندثار. ذلك أن حقائق الدين ليست موجودة في القرآن على ذلك النحو الذي يمكن لعامة الناس أن يستفيدوها منه، ونحن بحاجة إلى سنّة النبيِّ لأجل أكثر الأحكام والحقائق الدينية. ومن الجهة الأخرى لا يوجد ضمانة لبقاء روايات النبيِّ وأن لا تتعرض للنسيان والزوال. إضافة إلى ذلك لعبت يد السياسة في ذلك الزمن في الروايات ودسّت روايات كاذبة ومختلقة بين الروايات الصحيحة أو بدلاً منها كما أن القرآن ذاته قابل للتأويل والتفسيرات المتنوِّعة. فإذا لم يوجد شخص بعد النبيِّ يتمتَّع بجميع مزايا وخصائص مقاماته صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء النبوَّة والرسالة، أي أن يكون مثل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً ومصوناً عن الخطأ والاشتباه في العمل والقول، كي يكون كلامه في بيان حقائق الدِّين حجَّة فإنَّ ختم النبوَّة سيكون سبباً لنقض الغرض من البعثة ومخالفاً للحكمة الإلهية»(18).

دراسة الدليل ونقده:

طبقاً لهذا الدليل فإن النقطة الأساسية في الحاجة للإمام المعصوم هي التالية:

«لو كانت بيانات النبيِّ في تفصيل وبيان مراد الله مصونةً عن التحريف... وكان قد بيّن للناس بالتفصيل جميع ما يلزمهم إلى يوم القيامة، لما كانت هناك من هذه الناحية ضرورةٌ للإمامة (أي لنَصْب إمام معصوم بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم) ولكننا نعلم أن الأمر لم يكن كذلك، فلا النبيُّ بيَّنَ كل تفاصيل الأحكام التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة، ولا ضمن الله تعالى حفظ وصيانة أحاديث النبيِّ»(19).

لاحظوا أن هذا الدليل أقيم لأجل إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس إثبات الإمام بمعناه العام ودون قيد العصمة. وبعبارة أخرى لقد ادُّعي هنا، إضافة إلى ضرورة وجود أشخاص يحفظون تعاليم النبيّ ويفسّرون القرآن وسنَّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ادُّعيَ ضرورة عصمتهم أيضاً. أي أنه في هذا الاستدلال ادُّعي بشكل ضمني وتلويحاً بأن العلماء والفقهاء – الذين ليسوا بمعصومين – لا يمكنهم أن يحفظوا تعاليم النبيِّ ويواصلوا طريقه في تفسير القرآن وبيان الأحكام الإلهية وحقائق الدين، وقد ذكر كثيرٌ من علماء الشيعة هذه النقطة بصراحة، وفيما يلي نموذج لما ذكره أحدهم فقال:

«إن استنباط أحكام الحوادث التي لا حصر لها والتي ستقع حتى يوم القيامة من الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الأحكام أو من أحاديث الأحكام المحدودة جداً للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عملٌ صعبٌ للغاية ومعقّدٌ وخارجٌ عن إمكانية البشر العاديين... لا يمكن لأيِّ بشر عاديٍّ أبداً بعلمه المحدود أن يستخرج ويستنبط من هذه النصوص والمستندات المحدودة أحكام الموضوعات والحوادث المتزايدة للمجتمع الإسلامي، بل لا بد من فرد مؤهّل يملك استعداداً خاصاً كي يستخرج من خلال التعليم الإلهي والغيبيّ أحكام مثل هذه الحوادث من تلك الأدلة المحدودة ويضعها تحت تصرّف الأمة»(20).

حسناً. إذن بناء على هذا الاستدلال الأخير، لا بد من وجود أئمة معصومين يحفظون – بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم – التعاليم الباقية عنه وفي الوقت ذاته يبيِّنون للناس الأحكام الإلهية والحقائق التي لم تذكر لهم بعد، وليقدموا الإجابة الشرعية كذلك عن المسائل والموضوعات الجديدة في كل عصر. ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن هناك عدة أسئلة تحتاج إلى جواب:

1. كيف نعلل ونبرر إذن حصر عدد الأئمة المعصومين في اثني عشر إماماً فقط وكيف ينسجم ذلك مع المقدمات المستخدمة في الدليل المذكور؟ إذا تأملنا مقدمات الدليل المذكور أعلاه رأينا أن هناك ثلاثة أدلة (أو علل) على ضرورة نَصْب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

أ- بقاء كثير من الحقائق والتعاليم الإلهية وأحكام الدين دون تبيان.

ب- خطر تحريف تعاليم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ج- إمكانية وجود مسائل وموضوعات جديدة في العصور اللاحقة.

بيد أن هذه العوامل الثلاثة عوامل دائمة ومستمرة، ولا تختصُّ بعصر معين. إن خطر تحريف تعاليم النبيِّ وزوالها موجودٌ دائماً وفي كلِّ العصور، كما أن المسائل والموضوعات الحادثة والجديدة تقع في كل عصر وزمان ولا تنتهي، والأهم من كل ذلك أن حقائق الدين – بدليل كون القرآن حمّال أوجه وذي بطون- لا تنتهي ولا يمكن القول في أي عصر من العصور بأن جميع الحقائق والتعاليم الإلهية وأسرار الوحي ورموزه قد كُشفت وتم بيانها، وأنه لم يبق في القِدر شيء إذا صح التعبير. بناء عليه إذا كان الاستدلال المذكور أعلاه صحيحاً فإن اللازمة المنطقية له هي أنه بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من وجود إمام معصوم في كل عصر حتى يحفظ تعاليم النبيّ وتعاليم الأئمة قبله (ويحول دون تحريفها وزوالها) وفي الوقت ذاته يبيِّن للناس الحقائق التي لم تُبيَّن لهم بعد ويجيب كذلك عن المسائل والموضوعات الجديدة ويبين أحكام الحوادث المستجدَّة. وهذا الأمر يجب أن يستمر ويتواصل حتى يوم القيامة. هذا في حين أن الشيعة يعتقدون أن الله نصب لحقبة ما بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحتى يوم القيامة اثنا عشر إماماً معصوماً فقط. أليس في هذا تناقض واضح؟ إذا كانت العوامل المستلزمة لضرورة نصب الإمام المعصوم دائمة ومستمرة وأبدية فكيف يتّسق مع حكمة الله حصر عدد الأئمة المعصومين باثني عشر؟ إذا كان الدليل المذكور أعلاه صحيحاً حقاً، فيجب على الله أن ينصِّب في كل عصر حتى يوم القيامة إماماً معصوماً، فلماذا لم يفعل ذلك؟

2. إذا كان الاستدلال المذكور صحيحاً فإنه لا يثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم فقط بل يثبت إضافة إلى ذلك ضرورة «حضور» أئمة معصومين في جميع العصور وحتى يوم القيامة أيضاً، وبالتالي فإن غيبة الإمام الثاني عشر لن تكون مبرَّرةً على أي نحو من الأنحاء. إذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هي تلك الأمور التي جاءت في ذلك الدليل المذكور (أي بيان حقائق الدين وتعاليمه والأحكام الإلهية وتقديم الإجابة للناس حول المسائل والموضوعات المستجدة والحيلولة دون تحريف التعاليم الباقية عن النبيِّ وزوالها)، ففي هذه الحالة لن يكون كافياً وجود الأئمَّة فقط بل لابد من حضورهم المستمر في المجتمع وضرورة تواصل ذلك على مدى التاريخ. لكننا الآن نرى أن ألفاً ومئتي عام على الأقل مضت لم يوجد فيها أيُّ أثر لحضور إمام معصوم وتواجده بين الناس في المجتمع، والناس لا يملكون أي قدرة على الوصول إليه وهذا بحد ذاته نقضٌ واضحٌ لذلك الاستدلال. إذا أصررنا على صحَّة الاستدلال المذكور واستقامته فيجب أن نقول إنه مع مضي ألف ومئتي عام على غيبة الإمام المعصوم فإن دين الإسلام قد مُسخ واندثر! تأملوا مرَّةً ثانيةً في الكلام التالي:

«.. فإن لم يتم نَصْب وتعيين إمام بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبيِّن للناس حقائق الدين ويفسّر مجملاته ويفصّل كلياته، فإن الدين سيتعرض للتشويه والتحريف وفي الناهية إلى المحو والاندثار. ذلك أن حقائق الدين ليست موجودة في القرآن على ذلك النحو الذي يمكن لعامة الناس أن يستفيدوها منه، ونحن بحاجة إلى سنة النبيّ لأجل أكثر الأحكام والحقائق الدينية. ومن الجهة الأخرى لا يوجد ضمانة لبقاء روايات النبيِّ وأن لا تتعرض للنسيان والزوال. إضافة إلى ذلك لعبت يد السياسة في ذلك الزمن في الروايات ودسّت روايات كاذبة ومختلقة بين الروايات الصحيحة أو بدلاً منها كما أن القرآن ذاته قابل للتأويل والتفسيرات المتنوعة.»(21)

فما هو مصير الناس في عصر الغيبة إذن ومن الذي سيبيِّن الحقائق التي لم يتم بيانها وأحكام الحوادث والموضوعات المستجدَّة للناس ومن الذي سيمنع وقوع الدس والتحريف وانمحاق تعاليم النبيّ (وكذلك تعاليم الأئمة السابقين) ويحول دون انحراف الناس؟ ما هو مصير الإسلام في هذه الحالة ومن الذي سيمنع تحريفه وتغييره وزواله؟ إن أي إجابة تقدّم عن هذه الأسئلة، يمكن تَعْدِيَتُها منطقياً إلى الحقبة التالية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً أيضاً وبالتالي فإنها تنقض الدليل مورد البحث. إن الأمر العجيب والمحير هو أن علماء الشيعة يرون بأم أعينهم أن هناك دسّ وتحريف كثير وقعا في أحاديث النبيّ (والأئمة) وفُقدت كثير من هذه الأحاديث والروايات بمرور الزمن وعلى أثر وقوع الحوادث المختلفة، ومع ذلك يقولون إن وجود الأئمة المعصومين «ضروريٌ» لمنع التحريف والدسّ في تلك التعاليم وزوالها! وأساساً إحدى الحِكَمِ من نَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ هي هذا الأمر بالذات! إلا أنهم لم يسألوا أنفسهم أبداً: إذا كان حفظ هذه التعاليم ضرورياً حقاً وكان الهدف من نَصْب الإمام المعصوم منع تحريف الدين وفي الوقت ذاته الحيلولة دون زوال تلك التعاليم فلماذا لم تُحفظ تلك التعاليم؟ هل أن الأئمة لم يستطيعوا أن يؤدوا واجبهم؟! ثم من الذي تقع عليه مسؤولية حفظ هذه التعاليم بعد الإمام الحسن العسكري (ع)؟ إن قلتم إن هذه المسؤولية تقع على عاتق إمام الزمان (عج) فإننا نسأل:

أولاً- كيف يستطيع الإمام الغائب أن يحول دون الدسّ والتحريف ومحو هذه الأحاديث؟ عندما لا يكون لدى الناس قدرة على الوصول إليه كيف يمكنهم أن يدركوا أن هذه الرواية أو ذلك الخبر موضوع ومدسوس؟

ثانياً- نحن نرى بأمّ أعيننا أن هناك ألف نوع من الوضع والدسّ والتحريف قد حلّ بهذه الأحاديث، وهذه التحريفات بالذات – كونها لا يمكن اكتشافها على وجه القطع واليقين- فرّقت علماء الشيعة إلى آلاف الفرق. ألا يبيِّن هذا أنه لو كان هناك وجودٌ للإمام الغائب فمعنى هذا أنه بسبب غيابه لم يتمكَّن من القيام بمهمته وأداء وظيفته؟ نعم يمكننا أن نضع هذه المسؤولية وهذا الواجب على عاتق الفقهاء لكننا بذلك نكون قد هدمنا الاستدلال العقلي على إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أساسه. لأنه إذا كان علماء الأمة وفقهاؤها قادرين على حفظ هذه التعاليم وصيانتها من خطر الدس والتحريف والمحو، فأيُّ ضرورة تبقى عندئذ لنَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فبعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً يمكن القول إن الفقهاء قادرين على أن يقوموا بمسؤولية المرجعية الدينية للناس وأن يقدّموا الإجابة عن المسائل والموضوعات المستجدة بالاجتهاد من القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أفنسيتم أنكم عندما أثبتم ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كنتم تقولون:

«إن استنباط أحكام الحوادث التي لا حصر لها والتي ستقع حتى يوم القيامة من الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الأحكام أو من أحاديث الأحكام المحدودة جداً للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عملٌ صعبٌ للغاية ومعقّدٌ وخارجٌ عن إمكانية البشر العاديين... لا يمكن لأيِّ بشر عاديٍّ أبداً بعلمه المحدود أن يستخرج ويستنبط من هذه النصوص والمستندات المحدودة أحكام الموضوعات والحوادث المتزايدة للمجتمع الإسلامي. بل لا بد من فرد مؤهل يملك استعداداً خاصاً كي يستخرج من خلال التعليم الإلهي والغيبيّ أحكام مثل هذه الحوادث من تلك الأدلة المحدودة ويضعها تحت تصرّف الأمة»(22).

فكيف إذن تريدون أن تعهدوا بالعمل الذي أنتم تعترفون أنه خارج عن قدرة الفقهاء وأن الناس العاديين وغير المعصومين لا يمكنهم أبداً القيام به، لهؤلاء الفقهاء غير المعصومين الذين هم بشر عاديون؟ أفليس هذا تناقضٌ واضحٌ وصريحٌ؟ وخلاصة الكلام: من الممكن القول إنه لو صحَّ الاستدلال العقلي الذي نبحث فيه فإن غيبة الإمام الطويلة ستكون مستحيلة بأي دليل من الأدلة وأي حكمة من الحكم. وبعبارة أخرى إن غيبة الإمام الثاني عشر وعدم حضور أي إمام معصوم بين الناس (والذي مضى عليه حتى اليوم ألف ومئتي عام) ناقض لدعوى ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول عامة متكلمي الشيعة إجابةً عن هذا الإشكال إنَّ العامل الأصليّ المسبِّب لهذه الغيبة هو الناس أنفسهم. وهذا معناه أن عدم أهلية الناس من جهة وتهديدات الجهاز الحاكم في ذلك الزمن من جهة أخرى والذي أدى إلى الخوف من مقتل واستشهاد الإمام الثاني عشر هو العامل الأصلي لغيبته. وقبل أن ننقد هذه الإجابة من المفيد أن نبيِّن أرضية تشكّل معضلة إشكالية الغيبة من طريق أخرى كي يمكن فهم هذه النقطة على نحو أفضل.

 يستدل متكلمو الشيعة التقليديُّون، استناداً إلى قاعدة اللطف، على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل التالي:

«أ- نَصْبُ إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لطفٌ.

ب- اللطف واجبٌ على الله.

النتيجةُ: نَصْبُ إمام معصوم بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم واجبٌ على الله.»

وبعبارة أخرى:

«إذا لم يكن الإمام المعصوم بين الناس، لم يستطِع الناس أن يدركوا على نحو صحيح وكامل طريق السعادة وأن يجتازوه، ولمّا كان الله لطيفاً بعباده...فأن لطفه يقتضي أن يقوم بهذا الأمر (أي نَصْب الإمام المعصوم)»(23).

ولا يزال كثير من متكلمي الشيعة حتى اليوم يستدلون بهذا الشكل لإثبات ضرورة نَصْب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (24).

وعندما نسأل إذا كان نَصْب الإمام لطفاً واللطف واجب على الله فلماذا مُنِع الناس منذ ألف ومئة عام حتى اليوم من هذا اللطف، وكما يقول الفخر الرازي ألا تُعتَبَر غيبةُ الإمام الثاني عشر والتي نتيجتها عدم تمكن الناس من الوصول إليه نقضاً ومخالفة لقاعدة اللطف؟ فإننا نسمع الإجابة التالية:

«وجودُه لطفٌ وتصرّفُه لطفٌ آخر وغيبتُهُ منَّا. أي أن وجود الإمام لطف، سواء كان حاضراً بين الأمة أم غائباً، وسواء كان متصرِّفاً أم غير مـتصرِّف، أي سواء استلم زمام الحكم بيديه وترأَّس المجتمع أم لم يقم بذلك. مجرد وجود شخص معصوم في المجتمع لطفٌ. إن قاعدة اللطف تقتضي وجود مثل هذا الشخص فقط. وقد قام الله بهذا اللطف ولم يخلِ الأرض من إمام معصوم. كما أن تصرف الإمام وأخذه زمام إدارة أمور الناس بيديه لطف آخر وهذا أيضاً من مقتضيات قاعدة اللطف. ولكن هذا اللطف مشروط، وشرطه هو أن لا يحول الناس دونه، أي أن لا يقوموا بعمل يؤدي إلى حرمانهم من الإمام. إن الله المتعال نصَبَ أحد عشر إماماً وكان هؤلاء الأئمة يعيشون بين الناس والناس تستفيد منهم. لكن الناس لم يعرفوا قيمة هذه النعمة الكبيرة بل قتلوا كل واحد من الأئمة وأوصلوه إلى الشهادة... ففي مثل هذه الحالة لو بقي الإمام الأخير ظاهراً لاستُشهد كما استُشهد من قبله ولَـحُرِمَ الناس إلى الأبد من نعمة الإمام. لذا كانت غيبته لأجل أن لا يُحرم الناس إلى الأبد من نعمة الإمامة... لو لم يتصرف المسلمون على ذلك النحو مع الأحد عشر إمام لما حرمهم الله من حضور الإمام (الأخير)»(25).

إن عجز هذه الإجابة عن حل معضلة الغيبة واضح وغنيٌّ عن البيان. ولكن قد لا يخلو الانتباه إلى النقاط التالية من فائدة:

1-2 بأي دليل نقول إن وجود الإمام المعصوم وحده لطفٌ حتى ولو كان غائباً وكان الناس لا يملكون أي وسيلة للوصول إليه وكان هو أيضاً غير قادر على التصرف بالأمور؟ في مثل هذه الحالة كيف يمكنه أن يكون عاملاً مؤثراً في وصول الناس إلى الهدف من خلقهم؟ لاحظوا مرةً ثانيةً الجملة التالية:

«إذا لم يكن الإمام المعصوم بين الناس، لن يستطيع الناس أن يدركوا على نحو صحيح وكامل طريق السعادة وأن يجتازوه»(26).

 إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا أن نعتبر الإمام الغائب مصداقاً للُّطف؟ هذا في حين أن الناس لن يستطيعوا - بسبب عدم قدرتهم على الوصول إليه – أن يعرفوا طريق السعادة ويجتازوه؟ ما هو سبب وجود الإمام المعصوم؟ بأي دليل نقول إنه لا بد أن يكون هناك أئمة معصومون ينصبهم الله عز وجل بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ طبقاً لادّعاء الشيعة:

«تقتضي حكمة الله أن يكون هناك أئمةٌ معصومون بين الناس حتى لا يُشوَّهَ الدين أو يُمحى من الوجود»(27).

ولكن هل مجرد وجود الإمام وحده يمكنه أن يكون مانعاً من تحريف الدين وتشويهه أو محوه؟ كيف يقوم الإمام المعصوم بمنع تشويه الدين أو تحريفه؟ أليس ذلك من خلال هداية الناس وإرشادهم والبيان الصحيح لأحكام الله وفضح البدع ومحاربة الخرافات؟ فإذا كان الإمام غائباً فكيف يتسنَّى له أن يقوم بهذه الواجبات؟ إن اعتبار وجود الإمام المعصوم لطفاً إنما هو لأجل قيامه بتلك الوظائف بالذات أما إذا كان غير قادر على القيام بها بسبب غيبته فكيف يمكن اعتبار وجوده لطفاً مع أن وجوده وعدمه في هذه الحالة سِيَّان؟ والخلاصة إن وجود الإمام الغائب لا يمكنه أن يعدّ لطفاً لأن الإمام الغائب ليس له أي دور في هداية الناس نحو الكمال (الغرض من خلقهم)(28).

2-2. في جملة «غيبته منا» ما هو المقصود من «نا»؟ هل المقصود جميع الناس على مدار أكثر من ألف ومئة عام الذين حُرِمُوا من الهداية والإرشاد؟ هل يَعْتَبِرُ قائل هذه الجملة حقيقةً، رغم أنه لم يكن موجوداً زمن الإمام الحسن العسكري (ع) (قبل ألف ومئتي عام)، ذاتَه أيضاً من بين المسببين لغيبة الإمام الثاني عشـر؟ لنفرض أن هناك عدداً من الناس في الألف ومئة عام الماضية مارسوا الجفاء والظلم تجاه الأئمة المعصومين، فما هو ذنب عشرات المليارات من البشر الآخرين في العصور اللاحقة؟ لماذا يُعاقبون بذنب ارتكبه غيرهم من السابقين ممَّن لم يُقَدِّر النعمةَ أو من عديمي الأهلية قبل ألف ومئتي عام؟ إذا تأملنا في أدلة ضرورة الإمامة تأملاً سطحياً وسريعاً، سنرى أن هذه التبريرات غير قادرة على حلّ معضلة «الغَيبة». إذا كانت تلك الأدلة صحيحة وكان وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، طبقاً لقاعدة اللطف أو لمقتضى الحكمة الإلهية، ضرورياً فلا يمكن لأي عامل ولا لأي حكمة أن تبرِّرَ كل هذه الغيبة الطويلة للإمام المعصوم. وبعبارة أخرى ليس كلامنا هنا عن العامل الذي سبب غيبة الإمام، إنما الكلام عن أنه طبقاً لأدلة الضرورة العقلية للإمامة – التي اعتُبر في جميعها أن منشأ الضرورة هو حاجة الناس الأساسية إلى الهداية وإرشادات الأئمة المعصومين – فإنَّ «الغَيبة» أمر محال.

وكأني بمتكلمي الشيعة تصوروا أنهم لو ألقوا باللائمة على عاتق شخص آخر غير الله تعالى يكونون قد حلوا المشكلة، هذا في حين أنه إذا كان وجود الإمام المعصوم، طبقاً لقاعدة اللطف أو لما تقتضيه حكمة الله، ضرورياً عقلاً– خاصة بملاحظة المقدمات التي جاءت في دليل الشيعة العقليّ على هذا الأمر - كان يجب على الله أن يحفظ حياة ذلك الإمام بكل وسيلة ممكنة ولا يدع الذين لا ذنب لهم والمؤيدين للإمام والمشتاقين لهدايته وإرشاداته يبقون محرومين منه!. هل كان من المحال على الله تعالى فعلاً أن يحفظ حياة ذلك الإمام بطريقة غير غيبته التي تنقض فلسفة وجوده من أساسها وتُعتبر في الحقيقة نوعاً من نقض الغرض؟ نحن نريد من علماء الشيعة أن لا ينسوا أدلة ضرورة الإمامة عندما يقدمون المبررات لتبرير الغيبة الطويلة للإمام الثاني عشر، وأن يجيبوا بعد تأملهم تلك الأدلة من جديد عن هذا السؤال: هل يمكننا، إذا قلنا بضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً (بالأدلة التي ذُكرت) أن نعتبر عدم أهلية عدد من الناس قبل ألف ومئتي عام وكفرانهم النعمة، أو الخوف من استشهاد الإمام مبرراً موجهاً لغيبته، وبالتالي حرمان عشرات المليارات من الناس الذين لا ذنب لهم في المستقبل من هذا اللطف؟

وأساساً ألا يُعَدُّ بيان العوامل التي أدت إلى الغيبة قفزاً عن المرحلة التي حصلت فيها؟ ولتوضيح هذه النقطة نسأل ما هو تكليف الناس في زمن الغيبة؟ كيف سيعرفون طريق الكمال والسعادة ويجتازونه ليصلوا للهدف المنشود؟ في الإجابة عن هذا السؤال يوصي علماء الشيعة برجوع الناس إلى الفقهاء، غافلين عن أن هذا الكلام يهدم براهين إثبات ضرورة الإمامة من أساسها. سيقول أهل السنة في مواجهة مثل هذا الكلام: إذا كان العلماء والفقهاء يستطيعون أن يؤدوا وظائف الإمام المعصوم فما الضرورة العقلية الموجبة عندئذ لنَصْب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ ألا يمكن أن نقول هذا الكلام ذاته بالنسبة إلى الحقبة التي تلت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً؟ ألا يعلم علماء الشيعة أم نسوا أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص؟

3-2. قلنا فيما سبق إذا كانت فلسفة ودليل وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي حاجة الناس الضـرورية إلى هدايتهم وإرشاداتهم في الفهم الصحيح للدين ومعرفة الصراط المستقيم وطريق السعادة والكمال فإن حصـر عدد الأئمة في عدد «اثنا عشر» غير منطقي ولا معنى له. ذلك أن تلك الحاجة الضـرورية لا تتوقف أبداً وسيكون للناس إلى يوم القيامة مثل تلك الحاجة الضرورية للإمام المعصوم. هنا يظهر مرة ثانية، وبكل وضوح، عوار ووهن دعوى الخوف من استشهاد الإمام الثاني عشر بوصفها العامل الأساسي لغيبته. أفلم يكن الله قادراً على نصب إمام آخر بعده؟ ألم يستشهد الأئمة قبله؟ فلماذا لم يغيّبهم الله إذن حفاظاً على أرواحهم؟ هل أن عدد «اثنا عشر» يمثل ضرورة عقليةً أو شريعةً حتى يُجبرَ الله على حفظ الإمام الثاني عشـر بأي ثمن حتى لو كان ذلك بتغييبه عن الأنظار وحرمان عشرات ومئات المليارات من الناس الأبرياء في المستقبل منه؟ لنفرض أن الناس في ذلك الزمن لم يكونوا عديمي الأهلية وأن احتمال استشهاد الإمام انتفى فهل كان الإمام الثاني عشر سيعيش حتى عصرنا الحاضر وسيبقى حياً إلى يوم القيامة ليقوم بهداية الناس؟ ولقد أجاب علماء الشيعة عن إشكال عدم غيبة الأئمة السابقين بل تقدمهم حتى مرحلة الشهادة بما يلي:

«لو لم يكن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومين أو كانوا معصومين لكنهم غائبون عن أنظار الناس لأدَّى ذلك إلى تحريف دين الله أو محوه، وهذا مخالف لحكمة الله من إرسال النبيّ»(29).

«لقد أوصل أئمتنا على مدى مئتي وخمسين عاماً.... الإسلام إلى الآخرين وعملية نقل وإيصال الإسلام الحقيقي من جيل إلى جيل لاحق هذه هي التي أدت إلى عدم نسيان حقائق الدين وإلى تلقِّي عدد من الناس – ولو قلَّة ولو في زاوية من زوايا هذا العالم على الأقل - لحقائق الإسلام عن أئمة أهل البيت (ع)»(30).

«لو غاب الأئمة في تلك المدة لقام حكّام ذلك الزمن بسرعة بتحريف الإسلام وتشويه الدين وطرحه بصورة لا تشبه حقيقته الأصلية أبداً. والخلاصة لقد تحققت الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم طيلة هذه الفترة أي المئتين وخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدة، لأنه لو حضر الإمام الثاني عشر بين الناس، لابتُلِـيَ بمصير آبائه ولَـحُرِمَت الأجيال الآتية طيلة آلاف السنين من نعمة وجود الإمام. إن الله تعالى اختزن حضرة المهدي (عج) إلى آخر الزمان، أي الزمن الذي سيبحث فيه الناس تدريجياً عن الطريق الصحيح - بالاستفادة من التعاليم التي بقيت عن سائر الأئمة والتي انتشرت في العالم - ويهيِّئوا أنفسهم لمحاربة الكفر والظلم وعندئذ سيظهر إمام العصر»(31).

إن الوقوع في فخ التناقض يجعل الإنسان أحياناً مضطرباً إلى درجة ينسى معها جميع ادعاءاته السابقة حتى أنه في سعيه لحل تناقض معين يقع في تناقض آخر! ولنلاحظ هل يمكن لهذه التخبُّطات أن تنقذ شخصاً من الغرق:

1-3-2. عندما نقول: «لو لم يكن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومين أو كانوا معصومين لكنهم غائبون عن أنظار الناس لأدَّى ذلك إلى تحريف دين الله أو محوه»(32) فما هو مقصودنا من «دين الله»؟ إذا كان المقصود هو «القرآن» فإن الله تكفل بحفظه من التحريف والمحو ولا حاجة لأجل هذا الأمر إلى إمام معصوم، وقد اعتُرف بهذه النقطة صراحةً في ثنايا الأدلة التي تُساق على ضرورة الإمامة.(33) أما إذا كان مقصودنا هو أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته وتعاليمه في بيان حقائق القرآن وكليات دين الإسلام وأصوله الأساسية فإن خطر تحريفها ومحوها موجود باستمرار وفي كل زمن؛ وبناء عليه فلا يمكننا أن نقول إنه بعد الإمام الحادي عشـر لا حاجة لحضور الإمام المعصوم بين الناس. ومن المفارقات العجيبة أنهم يعتبرون خطر وقوع التحريف في تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً على ضرورة وجود (وحضور) الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (لأجل حفظ هذه التعاليم) من جهة، ومن الجهة الأخرى يقولون فراراً من التناقض:

«إن الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تحققت طيلة هذه الفترة أي المئتين والخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدة».

يا للعجب! إذا كانت الحكمة الإلهية من نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي تلك الأمور التي أوردوها في أدلتهم على الضـرورة العقلية لوجود الأئمة المعصومين فكيف يمكن أن تتحقق هذه الحكمة في فترة محددة (250 عاماً مثلاً) ولا تقتضي تلك الحكمة مدةً من الحضور أكثر من ذلك؟ هل زال خطر تحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومحوها بعد 250 عاماً؟ هل تم تبيان جميع حقائق الدين وأحكام الله تعالى التي يحتاجها الناس حتى يوم القيامة ولم يبقَ شيءٌ يُقال؟ ألم تكن هناك إمكانية لوجود مسائل مستجدة وموضوعات حادثة في الأزمنة التالية؟ بالله عليكم لاحظوا مرة ثانية نسيان المقدمات التي استُخدِمَت في ضرورة وجود الأئمة المعصومين:

«لقد أوصل أئمتنا على مدى مئتين وخمسين عاماً.... الإسلام إلى الآخرين وعملية نقل وإيصال الإسلام الحقيقي من جيل إلى جيل لاحق هذه هي التي أدت إلى عدم نسيان حقائق الدين وإلى تلقِّي عدد من الناس – ولو قلَّة ولو في زاوية من زوايا هذا العالم على الأقل - لحقائق الإسلام عن أئمة أهل البيت (ع).... لو غاب الأئمة في تلك المدة لقام حكّام ذلك الزمن بسرعة بتحريف الإسلام وتشويه الدين...... والخلاصة إن الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تحققت طيلة هذه الفترة أي المئتين والخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدَّة».(34)

أولاً: هل كان مقتضى الحكمة الإلهية من نَصْب الأئمة المعصومين أن يتربى في النهاية، بعد عدة أجيال، عددٌ من الناس – مهما كان قليلاً – ممن فهموا الإسلام عن طريق الأئمة المعصومين بشكل صحيح وكامل وبعد ذلك فليحدث ما يحدث؟ لنفرض أن عدداً قليلاً من الناس في ذلك الزمن نالوا تلك السعادة، فما حال البقية؟ وما هو مصير الآتين في المستقبل؟ وثانياً: أليست النتيجة المنطقية للتبريرات المذكورة أعلاه هي عدم ضرورة وجود الإمام الثاني عشر؟ بذلك التبرير الذي ذُكِر أعلاه ما هي الضرورة العقلية الباقية لوجود الإمام الثاني عشـر؟ أي معنى لأن يقوم الله بنَصْب شخص لا حاجة لوجوده في منصب الإمامة ثم يقوم – لأجل إنقاذه من الاستشهاد - بتغييبه عن الأنظار، ويحفظه حياً آلاف السنين إلى أن يحين موعد ظهوره كما يقول الشيعة؟ أفلم يكن قادراً أن يخلق في آخر الزمن شخصاً مؤهلاً وينصبه إماماً؟ إذا تحقق مقتضى حكمة الله من نصب الإمام المعصوم ولم يعد هناك حاجة أكثر إلى وجود الإمام بين الناس، ألا يكون وجود الإمام الثاني عشر واختفاؤه عن الأنظار وبلوغه من العمر آلاف السنين – في حين أنه لا توجد أي فائدة منه للناس ووجوده مثل عدمه – عملٌ عبثيٌّ ولغوٌ لا فائدة منه ومخالفٌ بالتالي لحكمة الله؟ أوليس مضحكاً أن نقول:

«إذا حضر الإمام الثاني عشر بين الناس، لابتُلِـيَ بمصير آبائه (أي استُشهد) ولَـحُرِمَت الأجيال الآتية طيلة آلاف السنين من نعمة وجود الإمام.».

فليت شعري! أيُّ نعمة سيُحرَم منها الناس القادمون في حال استشهاد الإمام الثاني عشر مما يتنعّمون به الآن أثناء غيبته ونجاته من الاستشهاد؟ كيف يمكن للإمام الغائب المحجوب عن الأنظار والذي لا يعرفه الناس وليس لديهم أي إمكانية للوصول إليه أن يُعتَبَر نعمة للناس؟ ما هي الفائدة من وجوده؟ يقول علماء الشيعة في الإجابة عن هذه الأسئلة: إن فائدة وجود الإمام المعصوم ليست مرجعيته الدينية والدنيوية فقط، بل هناك فوائد تكوينية مترتِّبة على وجود الإمام أيضاً ولأجل تحقق هذه الفوائد ليست هناك ضرورة لحضور الإمام فعلياً. فمثلاً الإمام المعصوم واسطةٌ للفيض الإلهي(35)، أي أن الفيوضات الإلهية إنما تصل إلى الناس عبر واسطة الإمام المعصوم. وأحياناً يقولون: إذا لم يوجد الإمام المعصوم لساخت الأرض بأهلها(36)، وإذا لم يوجد الإمام فسيحصل كذا ويقع كذا. وأحياناً ينسبون وقوع بعض الحوادث مثل واقعة «طبس»(37) إلى تدخل إمام الزمان (عج) وعنايته بشعب إيران(38). إن كلامنا الذي نقوله في مواجهة هذه الادعاءات هو: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. كيف لكم أن تثبتوا أن وجود الإمام هو واسطة الفيض الإلهي؟ كيف يمكنكم أن تثبتوا أن واقعة «طبس» معلولة للتصرفات التكوينية للإمام الثاني عشر وليست بسبب تدخل الاتحاد السوفييتي السابق (مثلاً)؟ لا يمكن إثبات أي واحد من هذه الادعاءات، ولا يجوز التشبث – لأجل الفرار من التناقض – بادعاءات لا يمكننا إثباتها. ثانياً: إن القول بأن الإمام الغائب له فوائد (مثل الذي ذُكِر أعلاه أو مثل شفائه لبعض المرضى وإغاثته لبعض الضائعين في الصحاري أو إحباط مؤامرات الأعداء و...) لا يحل مشكلة التناقض بين غيبة الإمام وأدلة ضرورة الإمامة عقلاً؛ فهل ضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنما تثبت بدليل أنه في المستقبل من الممكن أن يضيع بعض الناس في الصحارى ويتهددهم الموت أو أن بعضاً من الناس سيصابون بأمراض مستعصية لا علاج لها وسيحتاجون للحصول على الشفاء؟ هل تثبت ضرورة الإمامة بهذه الأدلة وأنه لأجل الحيلولة دون أن تسيخ الأرض بأهلها لا بد أن يوجد أئمة على الدوام كي لا يسمحوا للأرض أن تسيخ بأهلها!! وأين ذهب موضوع ضرورة بيان الإحكام الإلهية والإجابة عن أسئلة الناس بشأن المسائل المستجدة وحفظ تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من خطر التحريف والاندثار؟ وماذا حل بقضية هداية الناس نحو الكمال والسعادة؟ إذا كان حقيقةً:

«كما توجب حكمة الله أن يرسل أنبياء لهداية الناس فإن حكمته توجب أيضاً أن ينصب بعد الأنبياء في كل عصر وزمان إماماً وقائداً لهداية الناس ليحفظ شرائع الأنبياء والأديان الإلهية من خطر التحريف والتغيير، وليشخِّص حاجات الناس في كل زمن ويدعو الناس إلى الله وإلى العمل بشرائع الأنبياء، وإلا ففي غير تلك الصورة لن يتحقق الهدف من خلق الإنسان الذي هو تكامل البشر وسعادتهم وسيحال بين البشر وطريق الهداية وستضيع شرائع الأنبياء ويضل الناس ويقعون في الحيرة.»(39).

أجل إذا كان الأمر كذلك حقاً، فإن الغيبة الطويلة للإمام المعصوم ستكون أمراً محالاً، وستفقد مبرراتٌ مثل أن الناس أنفسهم هم الذين سبَّبوا غيبة الإمام الثاني عشر، وجاهتها، أولاً لأنه في حال صحة مثل هذه الأدلة واستحكامها ستكون حاجة الناس الضرورية للإمام المعصوم عامة لجميع الناس وفي جميع الأزمنة، فإذا كان بعض الناس لا يمتلكون أهلية هذه النعمة فيجب أن لا يعاقب بسببهم مليارات الآخرين الآتين في المستقبل بسبب عدم أهلية أولئك العدة ونكرانهم النعمة. إذا كانت هذه الأدلة صحيحة، كان يجب على الله أن يحفظ بذاته بأي وسيلة ممكنة سلامة روح الإمام ولا يدع الأبرياء وأتباع ذلك الإمام يعاقَبون بذنب عدم أهلية ثُلَّةٍ من البشر. ثانياً إذا كانت هذه الأدلَّة صحيحة فعلاً، فلن يصل أيُّ إنسان في عهد الغيبة، إذن، إلى السعادة والتكامل، وعندئذ يُطرَح السؤال: إذا كان الناس عاجزين عن معرفة طريق السعادة والكمال واجتيازه دون إرشادات الأئمة المعصومين فلماذا سمح الله لفريقٍ من الناس من فاقدي الأهلية وناكري المعروف أن يسبِّبوا حرمان عشـرات المليارات أو مئات المليارات من الأبرياء من هداية الأئمة المعصومين ويمنعوا وصول أولئك المساكين إلى الكمال والسعادة، حتى أصبح خلقهم بالنتيجة بلا فائدة؟ هل يمكن هنا أن نلقي باللائمة كلها على مسبِّبي الغيبة فقط مع أن هذه التبريرات تلقي بالتقصير في النهاية، بشكل غير مباشر، على الله أيضاً! (والعياذ بالله)، لأنه إذا كانت تلك الثلَّة فاقدة لأهلية الاستفادة من نعمة الإمام وأرادت أن تقتل الإمام، فأين ذهبت ربوبية الله وإلهيته؟! هنا نرى أن الشيعة، بسبب إصرارهم على دعوى باطلة، يضعون - دون أن يرغبوا بذلك- حتى التوحيد ذاته في قفص الاتهام! وأما تبريرات مثل أن فائدة وجود الإمام في زمن الغيبة كفائدة الشمس المحتجبة خلف الغيوم، فإنها لا تحلّ المشكلة وبدلاً من فكها للعقدة تجعل عُقَد نظرية الإمامة أكثر انغلاقاً، لأنها تبريرات ناشئة عن قياس مع الفارق. إن ضرورة وجود الشمس هي لعلة الحرارة والنور اللذان يصلان منها إلى طبيعة الكرة الأرضية، ولما كانت الغيوم غير قادرة على منع نور الشمس وحرارتها بشكل كامل من الوصول إلى الأرض فإن احتجاب الشمس وراء الغيوم – مدة قصيرة ومؤقّتة وليس آلاف السنين!- لا يتنافى مع فلسفة وسبب وجود الشمس، أما ضرورة وجود الإمام المعصوم فماذا كانت؟ طبقاً للأدلة التي ذكرت، فإن حاجة الناس الضرورية للهداية والإرشاد نحو السعادة والكمال هي التي أوجبت ضرورة نَصْب الأئمة المعصومين. فالآن نسأل هل يستطيع الإمام الغائب أن يكون مرشداً وهادياً للناس وأن يحول دون تحريف حقائق الدين؟ هل يمكنه أن يُشَخِّصَ حاجات الناس في كل زمان ويدعو الناس نحو الله ونحو شريعة الأنبياء؟ الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة. إذاً قياس الإمام الغائب عن الأنظار على الشمس المحتجبة عن الأنظار خلف الغيوم ليس له أيُّ وجه من الصحة، لأن الشمس عندما تكون خلف الغيوم تتمتع بكامل خواصها السابقة ذاتها -النور والحرارة- ولكن بمقدار أقل. وبعبارة أخرى عندما تذهب الشمس وراء الغيوم لا نقول إن نورها وحرارتها ذهبا ولكن بقيت لها فوائد أخرى يمكننا أن نستفيدها منها! فهل يملك الإمام الذي غاب عن الناس خواصه السابقة ذاتها (أي هداية الناس وإرشادهم، وبيان الأحكام الإلهية، وبكلمة جامعة المرجعية الدينية والدنيوية) ولو بشكل أقل أو محدود؟ لا شك أن الجواب هو النفي. فالاستفادة من تعبير الشمس خلف الغيوم مجرد تدبير ومحاولة غير ناجحة لا تفيد في الخلاص من هذه المخمصة الرهيبة.

باعتقادنا إن جميع أدلة ضرورة الإمامة تُنْتَقَضُ بغيبة الإمام الثاني عشر. ونشير في هذا الصدد إلى نموذجين آخرين:

«قال هشام بن الحكم في مناظرة مفصلة بينه وبين رجل عالم من أهل الشام حول مسألة الإمامة والقيادة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يلي:

... قَالَ هِشَامٌ لِلشَّامِيِّ: فَبَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم هَلْ أقامَ اللهُ للناسِ حُجَّةً ودَلِيلًا كَيْلَا يَتَشَتَّتُوا أَوْ يَخْتَلِفُوا؟

قَالَ [العالم الشامي]: أجل، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ [كافيان لرفع الاختلاف].

قَالَ هِشَامُ بن الحكم: فَهَلْ نَفَعَنَا الْيَوْمَ الْكِتَابُ والسُّنَّةُ فِي رَفْعِ الِاخْتِلَافِ عَنَّا؟

قَالَ الشَّامِيُّ: نَعَمْ!

قَالَ: فَلِمَ اخْتَلَفْنَا أَنَا وأَنْتَ وصِرْتَ إِلَيْنَا مِنَ الشَّامِ فِي مُخَالَفَتِنَا إِيَّاكَ؟»(40).

يبدو في هذه المناظرة القصيرة أن كلا المتناظرين يعتقدان أن الله لا بد أن يجعل حتماً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً وحجةً للناس ليمنع بروز أي خطأ واختلاف بين الأمة الإسلامية. هذا في أننا لا ندري من أين جاءت هذه الحتمية؟ بيد أن الرجل الشامي يعتبر أن القرآن وحديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هما المرجع لحل الاختلاف بين الأمة ويعتقد أنه لو رجع جميع المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجعلوهما قدوتهم ومثالهم المتبع في الحياة لما وقع أي اختلاف بينهم، غافلين عن أنه حتى لو رجع جميع الناس إلى القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فستظهر أيضاً بينهم بعض الاختلافات، إذْ إنه لن تكون لجميع الناس قراءة واحدة وفهم متطابق للقرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وقع هشام بن الحكم في هذا الخطأ ذاته وسقط في نفس الفخ، فهو يتصور أنه لو تم نَصْب أئمة معصومين من قِبَلِ الله بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليكونوا مفسرين للقرآن وحافظين لسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإن المشكلة ستحل ولن يقع أي اختلاف بين الناس، مع أنه حتى لو تم نَصْب مفسرين معصومين فإن الاختلاف سيبرز أيضاً، لأن الناس المختلفين سيستنبطون استنباطات مختلفة من كلام المعصوم الواحد ذاته والشاهد على كلامنا وقوع كثير من الاختلافات بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنفسهم أو أصحاب الأئمة المعصومين. لو كان بإمكاننا أن نُحْيِيَ «هشام بن الحكم» لعدة دقائق ونتكلم معه لكنا سألناه هل وضع الله بعد الإمام الحسن العسكري (ع) وفي زمن الغيبة دليلاً وحجةً للأمة الإسلامية لرفع كل نوع من الاختلاف بين أفرادها أم لا؟؟ من المسلم به أنه لن يستطيع أن يجيب بالنفي على هذا السؤال، لأن الجواب بالنفي معناه سحب ادعائه الذي كان يقول به حال حياته، بل سيقول نعم لقد وضع اللهُ لهم حجة. فإذا قال إن الحجة التي وضعها لنا هي القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديث الأئمة المعصومين فسنقول له إذا كان القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديث الأئمة كافية لرفع الاختلاف فلماذا اختلف علماء الشيعة الذين هم جميعاً فروع لجذع واحد وأعضاء من شجرة واحدة (أي أن مرجعهم جميعاً هو النصوص ذاتها) واختار كل فريق منهم خطاً سار عليه مخالفاً لخط الآخرين؟ إذا كان استدلالك قبل ألف ومئتي عام صحيحاً فلماذا لم يدبر الله لعصرنا أيضاً حلاً وحجةً تمنع الاختلاف؟

 وقد استدل «هشام بن الحكم» هذا بنحوٍ آخر على إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك خلال مناظرة له مع إمام معتزلة البصرة «عَمْرو بن عبيد»، لكن استدلاله هنا كان أضعف من استدلاله هناك إذْ قال:

«هشام: أَلَكَ عَيْنٌ؟

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا؟

عَمْرو: أَرَى بِهَا الْأَلْوَانَ والْأَشْخَاصَ

هشام: فَلَكَ أُذُنٌ

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا

عَمْرو: أَسْمَعُ بِهَا الصَّوْتَ

هشام: فَلَكَ أَنْفٌ؟

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟

عَمْرو: أَشَمُّ بِهِ الرَّائِحَةَ

ثم سأله عن سائر الحواس كالذوق واللمس وعن الأعضاء كاليد والرجل ودورها في كيان الإنسان وسمع منه إجابات صحيحة، ثم واصل مناظرته على النحو التالي:

هشام: أَلَكَ قَلْبٌ (أي: عقلٌ تدرك به؟)

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟

عَمْرو: أُمَيِّزُ بِهِ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الجَوَارِحِ والحَوَاسِّ.

هشام: أَ ولَيْسَ فِي هَذِهِ الجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْبِ؟

عَمْرو: لَا

هشام: وكَيْفَ ذَلِكَ وهِيَ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ؟

عَمْرو: يَا بُنَيَّ إِنَّ الجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْ‏ءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ أَوْ سَمِعَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ فَيَسْتَيْقِنُ الْيَقِينَ ويُبْطِلُ الشَّكَّ.....

هشام: يَا أَبَا مَرْوَانَ فَاللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ ويَتَيَقَّنُ بِهِ مَا شُكَّ فِيهِ ويَتْرُكُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَشَكِّهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَـهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وحَيْرَتَهُمْ ويُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وشَكَّك؟!‏»(41).

 في هذا الاستدلال افُترض أن مكانة العقل (القلب) في بدن الإنسان هي أنه عندما تخطئ إحدى الحواس أو تشك في إدراكها ترجع إلى العقل فيزيل العقلُ الخطأ أو الشك. فهل مكانة العقل هي حقيقةً كذلك؟ إذا كان الأمر كذلك فإن العقل بسبب أخطائه هو أيضاً لا يمكنه أن يؤدي هذا الدور المصون من الخطأ، ونحن نرى بوضوح أن حواسنا تخطئ أحياناً. إذن لم يجعل الله تعالى في جسمنا مرجعاً معصوماً عن الخطأ لترجع إليه الحواس الخمس ولا يمكن القول إن الله الذي وضع في جسمنا العقل لرفع شك الحواس وترددها فيما تدركه يستحيل أن لا ينصّب أئمة معصومين على المجتمع الإسلامي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لأن هذا سيكون قياساً مع الفارق. وبغض النظر عن ذلك فإن العلاقة بين العقل والحواس علاقة تكوينية ولا إرادية وعضوية. فحاسَّة اللمس لدى الإنسان ليست كائناً مختاراً عندما تصادف شيئاً حاراً ترجع إلى العقل وتجثو على ركبتيها أمامه وتسأله: يا حضرة العقل! هل هذا الشيء الذي ألمسه الآن حار حقيقة أم أنني أتخيله حاراً؟ فيجيبها العقل إجابةً حقيقيَّةً فتشكره حاسة اللمس على أنه أزال ترددها وتستأذنه بالذهاب حتى لقاء آخر! هذا بعكس الناس الذين لهم عقل وإرادة، فقياس الناس في المجتمع على الحواس في الجسم قياس مع الفارق. ثم لنفرض جدلاً أن جميع الإشكالات التي أوردناها على الاستدلال المذكور غير واردة، فهل يمكننا أن نسأل: إذا كان وجود الإمام المعصوم - طبقاً للاستدلال المذكور- ضرورياً لأجل حلّ الاختلافات وإزالة الشك والترديد فلماذا غاب الإمام الثاني عشر؟ لماذا وَكَل الله تعالى - الذي وضع العقل في الإنسان ليزيل بواسطته أخطاء الحواس وشكِّها - مجتمعَ المسلمين في عصر الغيبة إلى نفسه وتركه في حيرته وشكه وخطئه؟

ولا ينقضي عجبنا من طرح مثل هذه الأدلة الواهية الضعيفة تحت عنوان «أعمق بيان في إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم»(42). وقد افتُرِض مسبقاً في هذا الدليل أيضاً -شأنه شأن الأدلة الأخرى- أن الله «يَـجِبُ» أن يمنع بأي وسيلة كانت وقوع الناس في الخطأ في فهم الدين ويمنع وقوع الاختلافات الفكرية بين الناس. هذا في حين أنه لو كانت لِـلَّهِ تعالى مثل هذه الإرادة لخلق جميع الناس معصومين منذ البداية ولما كانت هناك حاجة أصلاً للأنبياء والكتب السماوية. وليت شعري! لماذا يجب أن نملي على الله تعالى، الذي هو خالقنا وموجدنا، تكاليفَ ونحدِّد له واجبات، وبالتالي نوقع أنفسنا، علمنا أم لم نعلم، في فخ تناقضات لا حصر لها؟

3. الإشكال الثالث الوارد على الأدلة العقلية التي تُساق لإثبات ضرورة الإمامة (كالدليل الذي نبحثه) هو أنه إذا كانت هذه الأدلة صحيحة، فإن مقتضـى ذلك أن ينصب اللهُ تعالى بعد كلِّ نبيٍّ تشريعيٍّ منذ أول نبي – أي حضـرة آدم- وحتى آخر الأنبياء، أنبياءَ تبليغيين أو أئمَّةً معصومين كي يحفظوا تعاليم النبيِّ التشـريعي السابق ويفسّروا كتابه السماوي. وبعبارة أخرى كان يجب أن لا تنقطع سلسلة الأنبياء أو الأئمة المعصومين في ذلك الزمن على الإطلاق. ولكن الشيعة والسنة كلاهما يعلم أن مثل هذا المخطط لم يتم تنفيذه، وعلى سبيل المثال لم يرسل الله تعالى في الفترة التي تلت حضرة عيسي (ع) وحتى زمن بعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم – والتي طالت أكثر من ستمئة عام وجاء فيها ورحل أجيال عديدة من الناس – أيَّ نبيٍّ تبليغيٍّ ولم ينصب أيَّ إمام معصوم وقد أصيب دين المسيح أيضاً بعد مدّة بالتحريف والتشويه. أفلم يكن ضرورياً أن يتم حفظ دين حضرة عيسى، على الأقل حتى زمن بعثة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، ويُصانَ من التحريف والاندثار، بواسطة أنبياء تبليغيين أو أئمة معصومين كي لا يُحرم الناس الذين عاشوا في تلك الفترة من الوصول إلى الكمال والسعادة من جهة، ومن الجهة الأخرى كي يؤمن المسيحيون الذين كانوا في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بدين الإسلام بكل سهولة وطمأنينة (أي يعلموا أن نبيهم السابق بشـّر فعلاً بالنبي اللاحق)؟ ولا ننسَ أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص.

إننا نريد من علماء الشيعة أن يراجعوا مرة أخرى أدلة ضرورة الإمامة عقلاً ويلاحظوا هل يمكنهم أن يقيموا تلك الأدلة لأجل الحقبة التالية لزمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وحدها فقط؟ هل استطاع حضرة عيسى (ع) أن يبلِّغ الناس جميع حقائق الدين والأحكام الإلهية المتعلقة بتلك الفترة؟ ألم يكن من الممكن أن تظهر بعد المسيح وفي الأزمنة الآتية مشكلات وموضوعات جديدة لم تكن مطروحة في زمنه وتحتاج إلى إجابة؟ وحتى لو قال حضرة عيسى (ع) كل شيء للناس ولم تكن هناك مسائل جديدة في المستقبل، فعلى الأقل لقد وقع التحريف والاندثار لتعاليم ذلك النبيّ، فلماذا لم يرسل الله أنبياء تبليغيين ولم ينصّب أئمة معصومين لحفظ الإنجيل وتعاليمه؟

هنا من الجيد أن نشير إلى الروايات المروية عن أئمة الشيعة حول ضرورة وجود أئمة معصومين وحجج إلهيين ونمحّص صحتها وسقمها بملاحظة عالم الواقع. فقد نقلنا فيما سبق الرواية المروية عن الإمام الصادق أنه قال:

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله»(43)

كما نقلنا ما رُوي عن الإمام محمد الباقر (ع) من قوله:

«وَاللهِ مَا تَرَكَ اللهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ (ع) إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى الله وَهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَا تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِـلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ»(44)

ولكننا نعلم أن هذه القاعدة منقوضة في الماضي- مثل الفترة الزمنية بين عيسى ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الزمن الذي نعيشه الآن.

فاليوم مثلاً، وبعد ألف ومئة عام، لا أثر لإمام معصوم مرشد للناس نحو الطريق المستقيم ومبيّن لأحكام الحلال والحرام وبالتالي مقيم للحجة على الناس. نحن هنا لا ننكر وجود الإمام الغائب ولكننا نقول إنه لا يمكن اعتباره حجةً لِـلَّهِ لأن الناس محرومون من إرشاداته وغير مطّلعين على هداياته. وبعبارة أخرى إن عبارة «الحجة الغائبة» عبارة متناقضة في حد ذاتها، إذ كيف يمكن أن يحتج الله على عباده بإمام غائب عنهم؟ عندما يحتجُّ الله فعلاً على عباده بواسطة شخص فإن هذا الشخص يكون نبياً أو إماماً معصوماً حياً وحاضراً حتى يقطع به عذرهم من خلال هدايته لهم إلى الطريق المستقيم وبيانه لأحكام الله وحقائق الدين، لا أن يكون إماماً غائباً عنهم ولا أحد يعلم أين يعيش؟ وماذا يأكل؟ وماذا يلبس؟ وما هو عمله وشغله؟ وما هي تعاليمه؟ وما هو فحوى كلامه؟ وما الذي يريده منا وما الذي لا يريده؟ بل ليس من المعلوم أن يكون له وجودُ خارجيٌّ حقيقةً ومن الأساس؟ مثل هذا الشخص لا يمكنه أبداً أن يُعتبر حجَّةً لِـلَّهِ على عباده. وبعبارة أخرى في هذا الزمن أي في عصـر الغيبة ليس هناك وجود خارجيٌّ لإمام يمكن اعتباره حجَّةَ الله. والإمام الثاني عشر، حتى لو كان له وجود فعليّ، ليس حجّةَ الله. إن الحجة الحاليَّة هي كتاب الله إضافة إلى عقل الإنسان وهذا بحد ذاته يبيِّن أن ادعاء ضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً بوصفهم حججاً إلهيين ادعاء غير مدروس وخيالي، وقد ظهر أن توقعات أئمة الشيعة – التي تكونت استناداً إلى هذه العقيدة- مخالفة للواقع(45).

4. نحن نعلم أن الأنبياء الإلهيين ينقسمون إلى نوعين: أنبياء تشـريعين مثل (حضرة إبراهيم وموسى و...) الذين يأتون بكتاب سماوي وشريعة جديدة، وأنبياء تبليغيين (مثل حضـرة يحيى وزكريا و...) الذين يدعون الناس إلى دين النبيِّ التشريعي الأخير وإلى شريعته ويعلِّمون الناس حقائق ذلك الدين وتعاليمه ويحاربون البدع والتحريفات التي تطرأ عليه. الأنبياءُ التبليغيون يحفظون الشريعة التي جاء بها نبيٌّ تشريعيٌّ قبلهم ويفسرونها ويقومون بالدعوة إليها وتبليغها. هنا يأتي السؤال الذي يُطرح دائماً على المتكلمين (الشيعة والسنة) وهو: «لنفرض أن الإسلام أنهى النبوَّة التشريعية بكماله وكليته وجامعيته، ولكن كيف يمكننا أن نبرر انتهاء النبوَّة التبليغية؟»(46).

بعبارة أخرى، صحيح أنه لم يعد هناك حاجة إلى نبي تشـريعي جديد وشريعة جديدة بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بأي دليل تُحرم أمة الإسلام من الأنبياء التبليغيين؟ إن إجابة علماء الشيعة على هذا السؤال تستحق القراءة، إنهم يقولون:

«يبقى الناس بحاجة إلى الوحي التبليغيّ طالما لم تصل درجة العقل والعلم والحضارة إلى مرتبة يتمكّنون فيها من تحمُّل مسؤولية القيام بأمر الدعوة وتعليم الدين وتبليغه وتفسيره والاجتهاد فيه. إن ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية إلى درجة البلوغ والرشد ينهي بشكل تلقائي الوحي التبليغيّ ويصبح العلماء خلفاء الأنبياء وورثتهم. لقد تكلم القرآن في أول ما نزل منه من آيات عن القراءة والقلم والعلم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (العلق/1-5)

هذه الآيات تعلن أن عهد القرآن هو عهد القراءة والكتابة والتعليم والتعلّم والعقل. إن هذه الآيات تفهمنا بشكل ضمني أنه في عهد القرآن انتقلت مهمة التعليم والتبليغ وحفظ الآيات السماوية إلى العلماء، ومن هذه الزاوية يكون العلماء هم خلفاء الأنبياء وورثتهم. هذه الآيات إعلان لبلوغ البشـرية واستقلالها من هذه الناحية. والقرآن الكريم يدعو الناس في جميع آياته إلى التعقّل والاستدلال وملاحظة الطبيعة بالعين والتجربة وقراءة التاريخ، ويدعوهم إلى التفقُّه والتدبُّر (في الدين(47).

«في العصر الإسلامي قام المسلمون أنفسهم بحفظ آثارهم وصيانتها ومنع اندراسها واندثارها، وفي الوقت ذاته حافظوا إلى حد ما على آثار الملل السابقة ونقلوها إلى الأجيال التالية. أي أن البشرية في عهدٍ متزامنٍ تقريباً مع عهد ختم النبوَّة أثبتت أهليتها لحفظ المواريث العلمية والدينية... إن بزوغ العلم وظهوره ووصول البشـرية إلى حد أصبحت فيه قادرة بذاتها على حفظ دينها السماوي وتبليغه والدعوة إليه، أنهى بشكل أو بآخر النبوَّة التبليغية»(48).

«إن البلوغ العقلي والعلمي للبشر وظهور عصر قدرة الإنسان على تلقي حقائق المعارف الكلية والقوانين الإلهية وعلى حفظ المواريث (العلمية و) الدينية ومحاربة التحريفات والبدع والدعوة والتبليغ وإشاعة الدين، هو الأرضية الأساسية لختم النبوَّة ونهايتها»(49).

«أول منصب ينتقل في عصر ختم النبوَّة من الأنبياء إلى العلماء هو منصب الدعوة والتبليغ والإرشاد ومحاربة التحريفات والبدع... والأمر الذي يجعل هذه المحاربة ممكنة وييسرها هو بقاء المعيار وحفظ المقياس الأصلي أي القرآن الكريم. ولقد أكّد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بشكل خاص على الاستفادة من القرآن لأجل (معرفة) صحة وسقم الأشياء التي تنقل عن لسانه»(50).

«إن حفظ النصوص الأصلية وصيانتها من نوائب الدهر، واستنباط الفروع من الأصول، وتطبيق الكليات على الجزئيات، وطرح المسائل المستجدة التي تبرز في كل عصر واكتشافها، ومنع التيارات والميول أحادية الجانب ومحاربة الجمود على القشور والشكل والمظاهر والعادات، والفصل بين الأحكام الأصلية الثابتة والمقررات والقواعد الفرعية، وتشخيص الأهم والمهم وترجيح الأهم، وتعيين حدود صلاحيات الحكومة في سنّ القوانين المؤقتة، وفي النهاية تنظيم البرامج المتناسبة مع حاجات العصر، كل ذلك من أهم واجبات علماء الأمة في عصر ختم النبوَّة»(51).

تلك كانت فلسفة ختم النبوَّة من وجهة نظر علماء الشيعة. هنا يأتي السؤال: إذا كانت فلسفة ختم النبوَّة هي ما ذُكر أعلاه فكيف يمكننا أن نقبل ادعاءكم بأن العقل يحكم بضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ إذا كان علماء الأمة وفقهاؤها بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يستطيعون أن يكونوا وارثي الأنبياء وأن يؤدوا مهمة الأنبياء التبليغيين (أي حفظ الدين وتبليغه وتفسيره ومحاربة البدع والتحريفات والخرافات ودعوة الناس إلى الدين) فأي ضرورة حتمية إذن للأئمة المعصومين؟

لقد وزنّا أدلة الشيعة العقلية على إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيِّ بميزان النقد ووضعنا نتيجة هذا الوزن أمام أنظار عامة الناس. ولكن قد يقول البعض: نحن لسنا بحاجة إلى إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين، لأن أدلة الشيعة النقلية هي التي تدل على أن الله – لأي حكمة أو سبب كان – نَصَبَ أشخاصاً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في منصب الإمامة وخلافة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وقام أولئك الأئمة واحداً تلو الآخر بهداية الناس ونشر المعارف الإلهية الحقة ومحاربة الظلم، ثم غاب الإمام الثاني عشر - لمصالح وعلل ما - عن الأنظار وسيظهر في آخر الزمان بأمر الله. إن مقام الإمامة والعصمة وعلم الأئمة اللدني والوهبي إنما تثبت بالأدلة النقلية (القرآن وأحاديث النبيّ) وبالوثائق والمستندات التاريخية. وبناء على ذلك فإن قول أولئك الأئمة وفعلهم وتقريرهم حجةٌ على جميع المسلمين. أما في عصـر الغيبة حيث لا يُتاح الوصول إلى الإمام المعصوم، فيجب على العلماء والفقهاء أن يرجعوا إلى التعاليم الباقية عن الأئمة ويجب على العوام أن يرجعوا إلى هؤلاء الفقهاء الذين هم رواة أحاديث الأئمة المعصومين والعالمون بتعاليمهم. ويمكن أن نلخص ما سبق بما يلي:

أ- عدم ضرورة وجود الأئمة المعصومين لا يتساوى مع عدم وجودهم.

ب- أدلة الشيعة النقلية تثبت بشكل قاطع وجود الأئمة المعصومين.

ج- يجب أن نرجع إلى التعاليم الباقية عن الأئمة لفهم الدين بشكل صحيح.

بالنسبة إلى النقطة (أ) رغم أنها تتضمن تساؤلات وإبهامات عديدة تتطلب دراسةً وبحثاً من الناحية الفلسفية إلا أننا لا نشعر بحاجة إلى خوض هذه المباحث وسنفترض جدلاً أنها نقطة صحيحة. أما بالنسبة إلى النقطة (ب) فيجب أن نمحّص أدلة الشيعة النقلية لنرى درجة صحتها وقوة منطقها، كما يجب أن ندرس الوثائق والمستندات التاريخية الموثوقة التي يقبلها الفريقان لنرى إلى أي حد تدعم ادعاءات الشيعة وتؤيدها. ولا يمكننا في هذه العجالة أن نبحث هذه الأدلة على نحو مفصّل، بيد أننا سنذكر عدة نقاطٍ فيما يلي، نعتقد أنها يمكن أن تكون دليلاً مرشداً لطلاب الحقيقة.

أولاً: لا ننسَ أن أهل السنة وجهوا انتقادات كثيرة إلى هذه الأدلة واستشكلوا عليها استشكالات عديدة ودحضوها بأدلَّة مفصَّلة لا ينبغي أن نتجاهلها. إذا كنا طلاب حقيقة فعلاً فينبغي علينا أن ندرس بكل دقة وإنصاف آراء طرفي الدعوى ونحكم بشأنها بكل تجرد وحيادية. وما يؤسف له أن أهل السنة في بلادنا محرومون من طرح آرائهم الناقدة للتشيُّع ومن حرية القلم والبيان ولا يملكون حق طباعة ونشر آرائهم في كتب ومنشورات، لذا إذا أراد شخص أن يحقق في هذه الموضوعات بالمعنى الواقعي للكلمة فإنه سيواجه فقدان المصادر المطلوبة لهذا التحقيق أو قلتها، وهذا الأمر بحد ذاته سيجعل البحث والتحقيق صعباً للغاية بل مستحيلاً أحياناً، ولهذا الدليل بالذات فإن الأكثرية الساحقة لشعبنا (حتى طلاب الشـريعة وطلاب الجامعات) مقلدون في الوقت الحاضر ليس في فروع الدين فقط، بل في أصول الدين أيضاً، فهم يقبلون التعاليم التي لُقّنوها منذ طفولتهم من قِبل الأسرة والمدرسة والمنابر والمجالس، وهم متأثرون عموماً بهذه التعاليم ذاتها التي يبلغها علماء الدين التقليديون، ومن النادر أن نجد شخصاً ينظر إلى هذه التعليمات بعين الشك والارتياب أو بنظرة ناقدة فاحصة. بناء على ذلك إذا كان ادعاء الحكومة للتدين والحرص على الدين صحيحاً وكانت مهتمةً فعلاً بنشر تعاليم الدين وترشيد الناس دينياً فإن عليها أن تسمح بجوٍّ حرّ ومفتوح لتضارب الآراء والأفكار المختلفة والمتضادة كي يكون من الممكن البحث والتحقيق في أصول الدين التي تشكل قاعدة الدين وأساسه بالمعنى الواقعي للكلمة. كيف يمكن للحكومة أن تدَّعي أنها حكومة دينية في حين أنها باستبدادها وديكتاتوريتها وجَوِّ خَنْق الحريات والأفكار الذي أوجدته قد سدَّتْ على الناس حتى طريق البحث والتحقيق في أصول الدين فأدت بهذا العمل إلى هزّ أساس التديُّن الحقيقي وتزلزله؟

ثانياً- عادةً ما يقول علماء الدين الشيعة أنه لا توجد حاجة لقراءة كتب أهل السنة لأن علماء الشيعة نقلوا في كتبهم انتقادات أهل السنة وشبهاتهم وأجابوا عنها؛ فالباحث المحقق يمكنه من خلال دراسته لكتب علماء الشيعة أن يضرب عصفورين بحجر: يتعرف على آراء أهل السنة وشبهاتهم وفي الوقت ذاته يطلع على أجوبة علماء الشيعة عن تلك الشبهات. لكن هذا لا يعدو كونه مجرَّد ادعاء، وينبغي أن لا يُخدع الباحث المحقق بمثل هذه الدعايات، فأولاً كيف يمكن أن ندرك – دون الرجوع إلى مصادر أهل السنة الأصلية ومطالعتها بشكل واسع وعميق- أن ادعاء علماء الشيعة ذاك صحيحٌ أم لا؟ بناء عليه إن الرجوع إلى الكتب الكلامية لأهل السنة ودراسة آرائهم شرطٌ لازمٌ للبحث والتحقيق العلميِّ والواقعيِّ. وثانياً: إنَّ الأجوبة التي أُعطيت لبعض انتقادات أهل السنة لم تكن مقنعة لهم وقد أجاب عنها علماؤهم، ولذا فلأجل الوصول إلى الحكم النهائي في المسألة لا بدّ من الرجوع إلى جميع تلك المناقشات والمباحثات ودراستها بإنصاف.

ثالثاً: يَعْتَبِرُ علماءُ الشيعةِ الإمامةَ استمراراً للنبوَّة وبالتالي فالإمامة في نظرهم من أصول الدين، ويعتقدون أن الإيمان يبقى ناقصاً غير مكتمل ما لم يتضمن الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب (ع) وأبنائه (حتى الإمام الثاني عشر) وبولايتهم وعصمتهم، وأنه يجب على كل إنسان أن يتلقَّي حقيقة الدين ويأخذ تعاليم الوحي وأحكام الله منهم فقط. بعبارة أخرى يعتقد علماء الشيعة أن سعادة الناس وتكاملهم المعنوي رهينان باتباع أولئك السادة الكرام. ولكننا عندما نرجع إلى القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته لا نجد أيَّةَ نصوص صريحة تؤيِّد ادعاءات الشيعة هذه، وهذا بحدِّ ذاته يضع علامة استفهام كبيرة على أدلة الشيعة النقلية بل يسقطها من الاعتبار.

وتقول نظرية الإمامة إن وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ضروريٌّ عقلاً وإن الله تعالى بمقتضى حكمته البالغة يجب أن يَنْصِبَ أئمَّةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قام بذلك فعلاً، وأنَّ أوَّلَ أولئك الأئمة المعصومين هو علي بن أبي طالب (ع) وآخرَهم حضرة المهدي (عج) الذي غاب عن الناس لأسباب ومصالح معينة، وسيظهر في آخر الزمن. وتضيف النظرية إن هؤلاء الأئمة، بدليل علمهم وعصمتهم التي منحهم إياها اللهُ تعالى، معصومون عن كل خطأ واشتباه مبرؤون من كل ذنب، وأنهم، بدليل ارتباطهم بعالم الغيب ومنبع الوحي، يعلمون جميع حقائق الوحي الإلهي وأسراره ورموزه، ولديهم علمٌّ لدنيٌّ معصومٌ عن الخطأ وأن الفيض الإلهي يصل إلى الناس عبر واسطتهم وأنه لو خلت الأرض من أحدهم لساخت بأهلها، والأهم من ذلك كله، أنهم، كما يقول الإمام الصادق (ع):

«الْأَوْصِيَاءُ هُمْ أَبْوَابُ الله عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا وَلَوْلَاهُمْ مَا عُرِفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِمُ احْتَجَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ»(52).

فاستناداً إلى الخصائص التي ذُكرت، الناسُ مأمورون مِنْ قِبَلِ اللهِ أن يتَّبعوا أولئك المعصومين اتباعاً تامَّاً ومطلقاً دون سؤال أو نقاش، فهم ميزان الحق والفضيلة وكلُّ من اقترب منهم بقدر استطاعته ونهل من تعاليمهم الإلهية وعمل بأوامرهم ووصاياهم وصل إلى السعادة والكمال. تلك كانت خلاصة نظرية الإمامة كما هي رائجة بين الشيعة. ولكن:

أ- لا نجد في أي موضع من القرآن الكريم أيَّ آيَةٍ تؤيِّد بصـراحة تلك الادعاءات. ففي القرآن آياتٌ كثيرةٌ حول التوحيد والنبوَّة والمعاد تبيِّن بكل صراحة الحقائق المتعلقة بهذه الأصول الثلاثة. وحتى بالنسبة إلى النبوَّة هناك آيات تتحدّث عن فلسفة النبوَّة وتذكر أسماء كثير من الأنبياء، وتبيِّن كذلك ختم نبوة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بصراحة. أمّا بالنسبة إلى الإمامة والعصمة فلم يتمّ بيانها بصـراحة في القرآن بالنحو الذي تقول به الشيعة كما لم تُذكر أسماء أي مصاديق لها (أي أسماء الأئمة المعصومين). وجميع الآيات التي يستند إليها الشيعة في هذا المجال تحتمل تفسيرات متعدّدة وليست صريحة أبداً في تأييد ادعاءاتهم. لو كانت ادعاءات الشيعة صحيحة، فإنه بناء على منطق الشيعة ذاته، كانت هناك ضرورة عقلية تحكم بأنه من الواجب على الله تعالى أن يبيِّن هذا الأمر بكلِّ صراحة في القرآن، لأن الله تعالى تكفَّل بحفظ كتابه من التحريف والاندثار فالقرآن وثيقة الإسلام الأبدية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، أما أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته فمن الممكن أن يعتريها التحريف والدسّ على إثر نوائب الزمن وحوادث التاريخ المأساوية أو بسبب دسّ واختلاق وضّاعي الحديث. فإذا كان الاعتقاد بالإمامة – بالشكل الذي تقول به الشيعة- من أصول الدين وضماناً لسعادة الناس وشرطاً لفلاحهم كان ذكر هذا الأمر بكل صراحة ودون أي غموض أمر تقتضيه الضرورة العقلية وهو حسب تعبير الشيعة الكلاميّ أمرٌ «واجبٌ على الله». وبالتالي فنحن بمجرد أن نلاحظ أنه لا يوجد شيءٌ من هذا في القرآن الكريم ندرك أن ادعاءات الشيعة في هذا المجال باطلة. وبعبارة أخرى حتى لو كانت إمامة أئمة الشيعة وعصمتهم أمراً صحيحاً في حدِّ ذاته فإن الاعتقاد بها ليس ضرورياً للوصول للسعادة والكمال وليس شرطاً لازماً للنجاة الأخروية.

ب- كما لا توجد في أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيُّ نصوص صريحة تؤيِّدُ ادعاءات الشيعة، وكلُّ الأحاديث والأخبار التي يستند إليها الشيعة في هذا المجال هي إما موضوعة (كالأحاديث التي ذُكِرَتْ فيها أسماء الأئمة واحداً واحداً والتي يعترف عديد من علماء الشيعة بأنها موضوعة ولا تصِحُّ) أو أنها تقبل تفسيرات متعددة (مثل حديث غدير خم أو حديث الثقلين). لو كان كلام الشيعة صحيحاً فلماذا لم يبيِّن نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحقائق بصراحة ووضوح كي يزيل بذلك أي شك أو شبهة أو غموض ويتمّ الحجّة بذلك على الناس؟ لماذا لم يقل حتى ولو مرة واحدة بشكل صريح وواضح: أيها الناس إن عليَّ ابن أبي طالب (ع) إمامٌ معصومٌ وخليفتي بحقٍّ وأميرٌ نصَبه الله تعالى حاكماً ورئيساً للأمة الإسلامية في جميع أمورها الدينية والدنيوية، ويجب على كل مسلم أن يسمع له ويطيعه ويطيع الأئمة التالين له من ولده طاعةً محضة دون سؤال أو نقاش؟ إذا كان حقاً أن الإمامة وخلافة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن تكون بنصٍّ من الله فلماذا لم يأت مثل هذا النص الصريح القاطع لا في القرآن ولا في كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟(53)

ج- وأيضاً يمكن لسائل أن يسأل إذا كانت ادعاءات الشيعة بشأن إمامة عليٍّ بن أبي طالب (ع) وأولاده وعصمتهم صحيحةً فلماذا لم يأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتدوين هذا الأمر الهامّ في وثيقةٍ مكتوبةٍ؟ ولماذا لم يتمَّ إبلاغ هذا الأمر – الذي يدَّعي الشيعة أنه أصل الدين وأساسه وأنه ضامن لسعادة الناس ونجاتهم في الدنيا والآخرة- بشكل مكتوب ومدوَّن ومختوم بخَتْم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى جميع رؤساء وملوك وأمراء العرب ولماذا لم يأمر النبيُّ بحفظ هذه الوثيقة وإبلاغها للأجيال اللاحقة؟؟ قد يُجاب بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد في آخر لحظات عمره المبارك أن يقوم بهذا الأمر لكنه مُنع من كتابة صحيفةٍ في هذا الصدد عندما اتُّهِم بأنه يهجُر وأن المرض قد غلب عليه، ولكن بغض النظر عن صحة سند هذه الواقعة أو سقمه، ينبغي أن نقول: لا أحد يعلم ما الذي أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتابته بالضبط، وبالتالي فالاستناد إلى هذه الحادثة – والتي سندها غير موثوق بالطبع – لا يحلُّ المشكلة. وثانياً: إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد فعلاً كتابة صحيفة ينصُّ فيها على موضوع الإمامة كما تدَّعيه الشيعة فلماذا لم يفكِّر بهذا الأمر إلا في آخر لحظات عمره عندما أصبح على فراش الموت وفي حال الاحتضار؟ ألم يكن في وسعه أن يكتب مثل هذه الصحيفة في جميع السنوات الماضية ويبلغها لرؤساء قبائل العرب وكبار الصحابة؟

دليل الشيعة القرآني في إثبات إمامة عليٍّ (ع):

يقول علماء الشيعة: «من الآيات التي يتَّفق أكثر المفسرين وأهل الحديث على أنها نزلت بشأن الإمام عليّ بن أبي طالب الآية التالية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة/55).

روَى كثيرٌ من المفسِّرين وأهل الحديث أن سبب نزول هذه الآية القصة التالية:

دخل سائل إلى المسجد وطلب صدقةً فلم يعطه أحدٌ شيئاً، فأشار الإمامُ عليٌّ (ع) وهو راكع إلى السائل بإصبعه الصغير الذي كان فيه خاتمه وأومأ له بأخذ الخاتم، فجاء الفقير وأخذ الخاتم من إصبع عليٍّ وذهب. وصل الخبر إلى النبيِّ فدعا اللهَ قائلاً: اللهم كما جعلت لموسى وزيراً من أهله فاجعل لي أيضاً وَزِيراً مِنْ أَهْلِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخِي‏ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي... عندئذ نزل ملاك الوحي وقرأ الآية المذكورة (إنما وليكم الله ورسوله..الآية) على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وسببُ النزول هذا رواه، حسب ما جاء في كتب الرواية، أشخاص أجلاء من أمثال: الإمام عليّ ذاته وابن عباس وعمَّار وجابر وأبو رافع وأنس بن مالك وعبد الله بن سلام. وطريقة الاستدلال بهذه الآية واضحة تماماً، لأن المقصود من «ولي» هنا المتصرّف وولي الأمر والأولى بالتصـرّف، إذْ لو كان المقصود بالولي الصديق المحب والمعين والناصر فإن هذه الولاية لا تختصُّ بفريق محدد بل الولاية بهذا المعنى ثابتة لجميع المؤمنين»(54).

بعبارة أخرى:

«إذا كان المقصود من (ولي) شيئاً غير الولاية والزعامة الدينية ومقام الرئاسة فإن حصر هذا المقام بثلاثة أشخاص لا وجه له ولا يمكن تبريره، لأنه - كما قلنا - جميع المؤمنين محبُّون وأصدقاء وأنصار لبعضهم البعض و[هذا الأمر] لا يختص بأولئك الثلاثة»(55).

نقد الدليل:

1. أساس الدليل المذكور هو قصة تصدُّق الإمام عليٍّ (ع) بخاتمه حال ركوعه أثناء الصلاة، ثم نزول «آية الولاية» بشأن الإمام. لكن هذه القصة ليس لها سند موثوق، بل علامات الوضع فيها ظاهرة. وفيما يلي توضيح الأمرَيْن:

1-1. عندما يثبت علماء الشيعة إمامة عليٍّ (ع) استناداً إلى «آية الولاية» هذه، فإنَّهم - كما رأينا في نصّ الاستدلال السابق - يَدَّعون في بداية استدلالهم أنَّ أكثرَ المفسرين وعلماء الحديث متفقون على أن هذه الآية نزلت في الإمام عليٍّ (ع) وأن سبب نزولها هو قصة التصدُّق بالخاتم أثناء الصلاة. لكننا لا ندري من أين جاؤوا بهذا الاتفاق؟ فالأكثرية العظمى لعلماء أهل السنة (سواء في الماضي أم في الحاضر) يعتبرون القصة موضوعة ومختلقة من أساسها. فالأجدى، بدلاً من ادِّعاء أن أكثر المفسرين وعلماء الحديث متفقون على نزول الآية في ذلك الشأن، أن نأتي بسند صحيح وموثوق لإثبات صحة ووثاقة رواية سبب النزول المذكور. وهو ما لم يقم به علماء الشيعة أبداً. وأحياناً يقولون إن هذه القصة جاءت في بعض كتب أهل السنة (مثل تفسير الثعالبي) ويظنون أنَّهم باستنادهم إلى كتابٍ من كتب أهل السنة قد عملوا بقاعدة الجدل (أي الاستفادة من مسلَّمات الخصم لإقناعه)، وأنهم يمكن أن يقولوا بكلّ اطمئنان إن أهل السنة أيضاً يقبلون هذه القصَّة. هذا في حين أن في ذلك مغالطةً كبيرةً لا تُغتَفَر. نعم، لقد روى بعض مفسِّري أهل السنة (كالثعالبي) هذه القصة في تفاسيرهم ولكنهم لم يذكروا لها سنداً موثوقاً أو صحيحاً، ولذلك فهي روايةٌ غير معتمدةٍ لدى أكثر علماء أهل السنة ومفسِّريهم. وإذا كان مجرَّد وجود رواية في بعض مصادر أهل السنة دليلاً على أن أهل السنة يؤمنون بمضمون هذه الرواية ويعتقدون بمفادها، فإنه من الممكن أن نقول - استناداً إلى هذه القاعدة ذاتها - إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن، لأنه كما هو معلوم هناك في بعض كتب الحديث لدى الشيعة -لا بل في أوثقها، أي أصول الكافي- رواياتٌ منقولةٌ عن الأئمة تدل بصراحة على أن القرآن قد حُرِّف. فهل وجود هذه الأحاديث في بعض كتب الشيعة دليلٌ على أن الشيعة يؤمنون فعلاً بتحريف القرآن؟ أبداً على الإطلاق! لأن الأكثرية الساحقة من علماء الشيعة يعتبرون هذه الروايات مخدوشةً ومطعوناً بها سنداً ومتناً. إذا درسنا تلك الروايات ووزنّاها بالمعايير المقبولة لدى الأكثرية الغالبة لعلماء الشيعة ومحدِّثيهم لرأينا بوضوح أن جميع هذه الروايات ضعيفةٌ سنداً ومتناً بل مطعونٌ بصحتها، وبالتالي لا ينبغي أن نحمِّل الشيعةَ الخطأ الكبير الذي وقع فيه الكُلَيْنيُّ وعددٌ محدودٌ من علمائهم. والأمر ذاته ينطبق على عشـرات آلاف الأحاديث والروايات الموضوعة والمتضمِّنَة لأفكار وتصورات خرافية وضد العقل والقرآن، والتي جاءت في كتب روايات الشيعة (مثل بحار الأنوار). فلا ينبغي أن نحمِّل جميع الشيعة الاعتقاد بمضمونها. فكذلك رغم ذكر قصة تصدُّق عليٍّ (ع) بالخاتم أثناء الصلاة في عدد محدود من مصادر أهل السنة، إلا أن معظم علمائهم وفقهائهم الكبار يعتقدون أن سنَدَها ضعيفٌ للغاية ومتنَها مخدوشٌ ومضطربٌ وعلامات الوضع فيها ظاهرة. لذا يتحتَّم على علماء الشيعة أن يبيِّنوا ابتداءً سند هذه القصَّة ويثبتوا أن سلسلة رواتها أشخاص موثوقون - من وجهة نظر أهل السنة – استناداً إلى المصادر الرجالية المعتَمَدة والموثوقة لدى أهل السنة (لا أن يأتوا باسم واحد أو أكثر من مفسّـِري أهل السنة ثم يقولون إنهم أوردوا القصة المذكورة في تفاسيرهم!)، وبعد إثباتهم لصحة سندها يصل الدور إلى دراسة متنها، وفي هذه المرحلة عليهم (أي على علماء الشيعة) أن يجيبوا عن الإشكالات والتشكيكات التي يوردها أهل السنة على متن هذه القصة وارتباطها بآية الولاية.

2-1. هناك إبهامات كثيرة في متن هذه القصة وفي رواية سبب نزول الآية، نشير فيما يلي إلى بعضها:

ألف- طبقاً لهذه القصة فإن عمل الإمام عليٍّ (ع) (أي التصدق بالخاتم أثناء الصلاة) نال مدح القرآن الكريم، ونحن نعلم أن العمل الذي يمتدحه القرآن الكريم لا يخلو أن يكون إما واجباً أو مستحبّاً، ولكن: أولا: لم يأت في أي آية من القرآن أو في أي رواية وجوب أو استحباب مثل هذا العمل (اللهم إلا أن نعتبر هذه الآية ذاتها دليلاً على وجوب أو استحباب هذا العمل، وهو ما لم يدَّعِهِ أيُّ مفسِّـر حتى الآن). ثانياً: هذا العمل – طبقاً لادِّعاء واضعي هذه القصة – لم يعمل به أحدٌ سوى الإمام عليٍّ (ع) في حين أنه لو كان واجباً أو مستحباً لعمل به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو بعض أصحابه الكبار قبل تلك الواقعة أو بعدها مرَّةً واحدةً على الأقل، في حين أنه لم يروَ عملهم بمثل هذا العمل أبداً. ثالثاً: لم يُفْتِ أيُّ فقيه (سواء من الشيعة أم من السنة) بوجوب هذا العمل أو استحبابه (ولذا لا يقوم أحد بهذا العمل) فكيف يمكن حل هذا التناقض؟

ب- يظهر من هذه القصة أن الإمام عليّاً (ع) بتصدُّقه بخاتمه أثناء الصلاة عمل عملاً عظيماً وإحساناً كبيراً قيمته وثوابه أكبر من جميع الأعمال الواجبة أو المستحبة التي قام بها الإمام حتى ذلك الوقت (مثل فدائه للنبي بمبيته في فراشه ليلة الهجرة أو مشاركته التطوعية في معارك مهمة مثل بدر وأحد والبسالة والتضحية التي أبرزها في تلك المعارك) إلى درجة جعلت الوحي يتنزل بعد ذلك العمل العظيم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (و يُخاطب به الناس) بأن وليكم هو حصراً الله تعالى ورسوله وذلك الشخص الذي قام بمثل ذلك العمل العظيم. ولكن هل للتصدُّق بخاتم أثناء الصلاة (سواء اعتبرناه عملاً واجباً أم مستحباً) كل تلك القيمة والأهمية التي تجعل الله تعالى ينصب فاعلَه، بآيات منزَّلة، في مقام الإمامة والولاية على الأمة؟! قد يقول قائل إن نَصْب الإمام عليٍّ (ع) في مقام الإمامة والولاية لم يكن بسبب قيامه بهذا العمل الخيِّر، بل أراد الله بإشارته إلى عمل الإمام في تلك الآية أن يشير إلى الإمام، بمعنى أن الإشارة إلى ذلك العمل إنما كانت للتعريف بالشخص المقصود فقط، فكأن الآية تريد أن تقول لنا إن ولي أمركم هو الله ورسوله وذلك الشخص الذي تصدق بخاتمه على سائل أثناء الصلاة. لكن هذا التوجيه أيضاً غير مقبول، لأنه إذا كان المقصود هو مجرد التعريف بالإمام فإن هناك معرفات أكثر أهمية وقيمةً (ومشهورة عن الإمام أكثر مثل واقعة مبيته في فراش النبيّ ليلة الهجرة أو بسالته وشجاعته في المعارك مثل منازلته البطولية لـ «عمرو بن عبد ود» في معركة الخندق) فلماذا لم يذكر الله تعالى مثل تلك المعرِّفات التي لها قيمة أكبر وشهرة أكثر بين المسلمين عن الإمام عليٍّ (ع)؟

ج – إن وقوع مثل تلك الحادثة بعيدٌ جداً وغريبٌ، فهل إجابة طلب السائل أثناء الصلاة كانت واجبة أو مستحبة إلى ذلك الحدّ الذي يجعل علياً (ع) غير قادرٍ أن ينتظر بضعة دقائق حتى ينتهي من صلاته ثم يتصدق على السائل بخاتمه؟

د – استُخدِم زمنُ المضارع في جميع الأفعال الواردة في نص الآية، ومعلومٌ أن صيغة المضارع تدلُّ على التكرار، هذا في حين أن هذا العمل بزعم واضعي تلك القصة لم يحصل إلا مرَّةً واحدةً، أفلا يدلُّ هذا على أن الآية المذكورة لا علاقة لها بتلك القصة (حتى ولو كانت واقعيَّةً)؟

2. جميع الأفعال والضمائر التي استخدمت في تلك الآية جاءت بصيغة الجمع، واستخدام صيغة الجمع للدلالة على المفرد نوع من المجاز، والمجاز يحتاج إلى قرينة، فأين القرينة هنا؟ وبعبارة أخرى: نحن لا ندَّعي أنه لا يمكن استخدام فعل بصيغة الجمع أو استخدام ضمير الجمع للدلالة على المفرد ولكننا نقول إذا ادَّعي شخصٌ أن في الآية الفلانية تم استخدام الفعل بصيغة الجمع أو ضمير الجمع للإشارة إلى شخص مفرد محدَّد فعليه أن يأتِ بقرينة وبيِّنة تؤيِّد مدَّعاه. فسؤالنا هنا: بأي قرينة عرفتم أن المقصودَ من ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ فردٌ خاصٌّ مثل الإمام عليٍّ (ع)؟

3. إذا أراد الله تعالى أن يعلن إمامة عليٍّ (ع) بهذه الآية فأولاً لماذا لم يفعل ذلك بذكره لاسم الإمام صراحةً، لكي يُسْكِتَ بذلك المخالفين ويقطع العُذر على المتحجِّجين؟ وثانياً: إذا لم تكن هناك مصلحة - لأي سبب أو علة – في ذكر اسم الإمام عليٍّ (ع) بصراحة في الآية، فلماذا لم يُحْتَرَز فيها – على الأقلّ - من استخدام ضمائر الجمع وصيغة المضارع (مع أن كلا الأمرين يطرحان إشكالاً قوياً وجدِّيَّاً في استنباط أن المقصود من الجملة هو الإمام عليّ)؟ فأي ضرورة تستدعي أن يُستَخْدَم ضمير الجمع أو صيغة الجمع في الحديث عن فرد واحدٍ معيَّنٍ، وأن يُستَخْدَم زمن المضارع في الحديث عن عمل حدث مرَّةً واحدةً، الأمر الذي يخلق إشكالات وصعوبةً في استنباط أن المقصود من الآية هو الإمام عليٌّ (ع) ويدفع عدداً كبيراً من المسلمين (أي أهل السنة) إلى الخطأ في فهم الآية والضلال؟!.

4. لكلمة «ولي» التي استُخدمت في الآية معان مختلفة، ولمعرفة المعنى الصحيح الذي أراده اللهُ عزَّ وجلَّ من هذه الكلمة في الآية المذكورة يجب أن ننظر إلى الآيات السابقة واللاحقة. لقد نهى الله تعالى المؤمنين في الآيات السابقة عن موالاة اليهود والنصارى (سعياً وراء بعض المصالح الدنيوية التي قد تجلبها لهم تلك المولاة) وهدَّدهم قائلا: ﴿... وَمَن يَتَوَلَّـهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ففي الآية مورد البحث أراد الله تعالى أن يقول إن وليَّكم وناصركم وحليفكم الحقيقي هو الله ورسوله وجماعة المؤمنين الصادقين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويؤدون تلك العبادات بكل خشوع وخضوع. وبعد هذه الآية (تماماً مثل ما جاء في الآيات التي قبلها التي بيَّنت العاقبة الوخيمة لموالاة الكفار) بيَّنَ الله تعالى العاقبة الحميدة لموالاة الله ورسوله والمؤمنين الصادقين ومحبتهم ونصرتهم قائلاً: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . بهذا نرى أننا إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الصديق والمحبّ والنصير» نكون قد حافظنا على ارتباط وتناسق الآية ضمن السياق الذي جاءت فيه. أما إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الرئيس» أو «الأَوْلى بالتصَرُّف» أو «الإمام المفترض الطاعة» فإن نظم الآيات واتساقها يختلُّ ويقع انقطاعٌ في تسلسلها. ويجيب علماء الشيعة على هذا الإشكال بأن الآية ابتدأت بأداة الحصر «إنَّما»، فإذا أخذنا كلمة «وليّ» على معنى الصديق والمحب والنصير، لما كان للحصر أي معنى لأننا جميعاً نعلم أن صديقنا الحقيقي لا يقتصر على الله ورسوله والإمام عليٍّ فقط لا غير. ولكن هذه الإجابة تعاني من ثلاثة إشكالات:

1-4. في هذه الإجابة اعتُبِرَت قصَّة تصدُّق الإمام عليٍّ (ع) بخاتمه ونزول القرآن في هذا الشأن من المسلَّمات، هذا في حين أن مثل تلك القصة ورواية سبب النزول المرتبطة بها مختلقَة من أساسها. فقبل أن يتم إثبات صحة تلك القصة وقطعيتها فإن مثل ذلك التبرير والتوجيه الذي ذكر في الإجابة لا يبدو منطقياً.

2-4. حتى لو كانت القصَّةُ المذكورةُ حقيقيَّةً ونزولُ الآية في الإمام عليٍّ (ع) صحيحاً، فإن هذا لا يمنع أن نفهم كلمة «وليّ» في الآية أيضاً على معنى «الصديق والمحب والنصير» وأن يكون مقصود الله تعالى من ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ليس الإمام وحده فقط، بل يكون الإمام أحد مصاديق المفهوم الكلي للآية، ويكون المقصود بها عامَّة المؤمنين الصادقين، بمعنى أن الآية تريد أن تقول إن أولياءكم الحقيقيين هم مثل هؤلاء المؤمنين (الذين أحد نماذجهم الإمام عليّ (ع».

3-4. إذا كانت أداةُ الحصر «إنما» التي ابتدأت بها الآية مانعةً من تفسير كلمة «الولي» بـ «الصديق والمحب والنصير»، فإن أداة الحصر تلك مانعةٌ من استخدام كلمة «الوليّ» بمعنى «الإمام والأَوْلى بالتصَرُّف» أيضاً. ولإيضاح هذه النقطة لنفرض أن الآية نزلت في الإمام عليٍّ (ع)و أن معنى «وليّ» فيها هو ما تقوله الشيعة أي «الأولى بالتصرُّف». حسناً، ولكن استناداً إلى هذا الاستدلال الشيعي ذاته يكون لدينا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إمامٌ واحدٌ فقط، أي عليُّ بن أبي طالب (ع)، وبعده فإن أداة الحصـر تنفي وجود أي شخص آخر مفترض الطاعة أو أولى بالتصـرف. وبهذا فرغم إثبات إمامة عليٍّ (ع) إلا أنه لم يبق مكان لإثبات إمامة أولاده (أو أي شخص آخر)، فهل تقبل الشيعة بهذا الحل؟ وقد أجيب عن هذا الإشكال حتى اليوم بإجابتين:

ألف- الآية تشير إلى إمامة وولاية عليٍّ (ع) فقط، وهي ساكتة عن موضوع ولاية بقيَّة الأئمَّة، ولكن ذلك السكوت لا يُعَدُّ نفياً من الله تعالى لإمامة أشخاص آخرين طبقاً للقاعدة المعروفة «ذكر الشيء لا يدلُّ على نفي ما عداه».

أقول: بَيْدَ أنَّ هذه الإجابة غير مقنعة، إذْ يمكننا أن نقول الكلامَ ذاته بشأن استعمال كلمة «ولي» بمعنى «الصديق والمحب والنصير» وندَّعي أن الله تعالى يريد بهذه الآية أن يشير إلى محبة الله ورسوله والإمام عليّ (ع)، ورغم سكوته في هذه الآية عن ولاية ومحبة بقية المؤمنين، ولكن استناداً إلى نفس القاعدة المذكورة، لا يعني هذا أن وجوب محبة سائر المؤمنين قد تم نفيها بالآية (بأداة الحصـر)، وذلك لأن هذا الحصر، يعود على أي حال إلى عبارة «وليّكم» ويقول: إن وليَّكم هو الله ورسوله و[حسب قول الشيعة] عليُّ بن أبي طالب فقط لا غير.

ب – إجابة (الشيعة) الثانية قولهم إننا عندما نقبل أن عليّاً (ع) إمامٌ ووليُّ المؤمنين وأنه «الأَوْلى بالتصَرُّف» منهم، نكون قد اعتبرناه في الحقيقة مفترض الطاعة وقبلنا أن كل ما يقوله حقٌّ فلمّا نصّ عَلَى ابنه الحسن خليفةً له في أمر الإمامة من بعده وجب علينا أن نعتبر الحسن بن علي (ع) إمامنا وولي أمرنا وكذلك بالنسبة إلى كل إمام لاحق حيث نصَّ الذي سبقه على إمامته فيجب علينا أن نعتبرهم جميعاً أئمتنا وأولياء أمورنا، ذلك لأننا قبلنا من قبل (وبدليل هذه الآية) أن الإمام عليّاً (ع) أولى بالتصرف.

وأقول إن هذه الإجابة أيضاً لا تفي بالغرض ولا تحل الإشكال. لأنه إذا كان هذا الاستدلال صحيحاً فلن تبقى عندئذٍ أي حاجة إلى بيان إمامة عليٍّ (ع) وولايته في الآية وسيكون بيانها لغواً وبلا جدوى. ذلك لأننا بقبولنا لإمامة وولاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نكون قد قبلنا فعلاً أنه إذا نصّ على عليٍّ (ع) خليفةً له وعيّنه إماماً وولياً على المسلمين، لوجب على الناس أن يقبلوه، ولا ضرورة لبيان إمامة فرد معيَّن بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وبصرف النظر عن ذلك ففي الإجابة المذكورة تم نسيان معنى الحصـر، إذْ لو كانت الإجابة المذكورة صحيحة فما الحاجة عندئذٍ إلى استخدام أداة الحصـر «إنما»؟ ألن يصبح استخدامها بلا جدوى؟

دراسة وتحليل واقعة غدير خم:

الاستدلال بآية التبليغ ومناقشته:

قبل الدخول في قصة غدير خم من الجيد أن نذكّر بعدة ملاحظات حول سبب نزول آية التبليغ (الآية 67 من سورة المائدة) ومفادها، والتي تُعدَّ أحد أعمدة استدلال الشيعة بغدير خم علَى نص الله علَى عليٍّ بالإمامة. تقول الآية المذكورة:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة/67)

يعتقد علماء الشيعة أن هذه الآية نزلت يومَ غدير خم وأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال هذه الآية أن يُبَلِّغَ الناسَ إمامةَ عليٍّ (ع) وولايته وأن ينصبه خليفةً للنبيّ على الناس وأكّد على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه لو لم يفعل ذلك ستبقى رسالته ناقصة لم يتم إبلاغها بالكامل، وأنه في الوقت ذاته لا ينبغي عليه أن يخاف من الناس لأن الله سيحفظه ويعصمه من شرهم.

 لدينا هنا ثلاث نقاط مهمّة يجب بحثها:

ألف- هل نزلت هذه الآية يوم غدير خم حقيقةً؟

ب- هل مفاد الآية المذكورة حقيقةً هو إبلاغ موضوع ولاية عليٍّ (ع) وإمامته؟

ج- ما حقيقة موضوع خوف النبيّ من الناس (التي جعلت الله يطمئنه أنه سيعصمه منهم)؟

بالنسبة إلى النقطة الأولى (ألف) نقول بكل جَزْمٍ إنه لا يوجد أي دليل أو مستند موثوق يثبت هذه الدعوى ولم يأت علماء الشيعة حتى هذا اليوم بسند واحد موثوق لإثبات أن هذه الآية نزلت يوم غدير خم وفي شأن عليٍّ (ع). وأحياناً يستندون إلى كتب بعض علماء أهل السنة ويقولون إن العالم الفلاني من أهل السنة ذكر هذا المدَّعى أو أيَّده. لكنَّ الحقيقة هي أن الأكثرية القاطعة لعلماء أهل السنة لا يقبلون بمثل هذا الادعاء وقد بيَّنوا في كتبهم أن شأن النزول المذكور موضوعٌ ومختلقٌ. وثانياً لم يقدِّم ذلك العددُ المحدودُ من الأفراد الذين اعتبروا شأن النزول المذكور أعلاه محتملاً أيَّ سندٍ موثوقٍ لإثبات كلامهم، وعليه فمن الجدير بعلماء الشيعة أن يقوموا، لأجل إثبات ادعائهم وتقويته، ولو مرَّةً واحدةً فقط، بدراسة سند رواة حديث شأن النزول هذا وتمحيصه استناداً إلى قواعد علم الرجال المقبولة لدى الفريقين ويبيِّنوا بشكل مستند ومدلَّل أن رجال سند تلك الرواية كلُّهم موثوقون من وجهة نظر علماء أهل السنة الكبار بدلاً من ذكر قائمةٍ لكتب أهل السنة التي ذكرت شأن النزول المذكور أو أيَّدته. هنا يصل علماء الشيعة إلى طريق مسدود ولا يبقى لديهم شيء يقولونه. وعلى سبيل المثال يقول سماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره «تفسير نمونه» (التفسير الأمثل):

«هناك في كتب علماء أهل السنة المختلفة، سواء كتب التفسير أم الحديث أم التاريخ، رواياتٌ عديدةٌ تنصُّ بصراحةٍ على أن الآية المذكورة أعلاه نزلت في عليٍّ (ع)»(56).

ثم بدلاً من دراسة وتمحيص جميع أسانيد ورواة حديث شأن النزول هذا (أو على الأقل رواية واحدة من رواياته)، يعمد إلى ذكر اسم مصادر الحديث فقط ويقول:

«ولقد روى هذه الروايات جماعة كثيرة من الصحابة من جملتهم: «زيد بن أرقم» و«أبو سعيد الخدري» و«عبد الله بن عباس» و«جابر بن عبد الله الأنصاري» و..»(57).

وبعد بيان أن هذه الأحاديث رُويت من طرق متعددة يذكر أسماء العلماء الذين أوردوها في كتبهم (مثل أبو نعيم الأصفهاني وابن عساكر والفخر الرازي و...) دون أي دراسة لطرقها، ولا حتى لطريقٍ واحدٍ، أو محاولة لإثبات أن وسائط الرواية (أي رجال السند) أشخاص موثوقون ومعتمدون، بل اكتفي بقوله: «وقد صرَّحوا بهذه الأحاديث في كتبهم»(58).

حتى الآن (إذا أردنا الالتزام بالطريقة العلمية التي يجب اتباعها في هذه الأبحاث) لم نصل إلى شيء سوى قائمة بأسماء عدد من العلماء الذين ذكروا سبب النزول هذا في كتبهم (دون أن نتبيَّن هل الذين وردت أسماؤهم في القائمة أبدوا قبولهم لرواية سبب النزول أم لا؟ وعلى الحالتين هل أتوا بما يثبت مدّعاهم أم لا؟) وعليه، فلا زال كلُّ شيءٍ ضبابياً مبهماً. لكن سماحة الشيخ مكارم الشيرازي أزال ذلك الإبهام باعتراف عجيب لا يُصدَّق حيث قال:

«علينا أن لا نخطئ. نحن لا نقصد أن العلماء والمفسرين الذين ذكرنا أسماءهم قبلوا بنزول الآية المذكورة في عليٍّ (ع)، بل مقصودنا أنهم أوردوا الروايات المتعلقة بهذا الأمر في كتبهم. هذا رغم أنهم بعد روايتهم لهذا الحديث المعروف امتنعوا عن القبول بمضمونه خوفاً من بيئتهم المحيطة أو بسبب أحكامهم المسبقة الخاطئة»(59).

يا للعجب! إذا لم يقبل العلماء المذكورون سبب النزول الذي يدعيه الشيعة بل رفضوه فما الفائدة إذن من ذكر أسمائهم على أنهم من العلماء الذين صرّحوا بسبب النزول هذا في كتبهم في معرض إثبات ادعاء الشيعة في هذا المجال أو تقويته؟ وهل أنكر أحدٌ أن بعض علماء أهل السنة الكبار أشاروا إلى سبب النزول هذا في بعض كتبهم؟ إن المهم ليس مجرد ذكر الرواية بل أن نعرف فيما إذا قبل أولئك الأجلّاء الرواية أم لا، وما هو دليلهم ومستندهم في حالة القبول أو الرفض؟ إن الأخلاق تقضي أن ننقد موقفَ أولئك العلماء بالدليل والمنطق وبذكر الحجة والمستند، بدلاً من اتهامهم بالتعصب المذهبي أو بخوفهم من بيئتهم الخاصة. والطريف هنا أن الشيخ مكارم الشيرازي يضيف قائلاً:

«ولكن جماعة آخرين (من علماء أهل السنة) اعتبروا أن نزول الآية بشأن عليٍّ (ع) أمراً مسلماً به»(60).

لكنه لم يذكر لنا أيَّ اسمٍ من أسمائهم. ونحن أيضاً لا ندري من هم هؤلاء «الجماعة الآخرين» الذين اعتبروا نزول الآية بشأن عليٍّ (ع) (وفي يوم غدير خم) أمراً قطعيّاً ومسلَّماً به، ولا نعلم ما هو مستندهم في هذا الأمر. ليت الشيخ مكارم الشيرازي ذكر لنا –لأجل إثبات مدعاه وتأييده - أسماء العلماء الذين اعتبروا نزولَ الآية في عليٍّ (ع) قطعيّاً ومسلَّماً به وأسانيدهم ومستنداتهم، بدلاً من بيانه لقائمة من أسماء علماء أهل السنة الذين أشاروا إلى سبب النزول المذكور في كتبهم. ففي تلك الصورة كان يمكننا أن نصل إلى نتيجة بشكل أفضل.

لننتقل الآن إلى النقطة التالية (ب) لنبحث في مفاد آية التبليغ. السؤال المهم المطروح هنا حول هذه الآية هو ما معنى جملة «ما أُنزل إليك» وما مصداقه الخارجي؟ بعبارة أخرى ما هو الشيء الذي أراد الله تعالى من رسوله أن يقوم بتبليغه للناس؟ في رأينا إن الله يريد أن يقول لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال هذه الآية «قم بتبليغ الآيات التي نزلت إليك أو التي تنزل عليك الآن للناس ولا تخش من أحد في هذا السبيل وقم بتنفيذ مهمتك في إبلاغ آيات الله للناس واطمئن لحفظ الله تعالى لك من شر الأعداء الذين يتربصون بك السوء (أي الكافرون والمنافقون الذين قد تضرُّ بهم تلك الآيات الإلهية، ويسعون لعرقلة أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين أو توجيه ضربة إليهم). وبعبارة أخرى إن لآية التبليغ مفهومٌ عامٌّ، فهي تقول للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «بلّغ الناسَ آيات الله التي نزلت أو تتنزَّل عليك الآن وإن لم تفعل ذلك فلم تؤدِّ رسالتك». أما علماء الشيعة فإنهم يقولون إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أُمر في هذه الآية بإبلاغ رسالة إلهية تتضمن ولاية عليٍّ وإمامته (ع). وبعبارة أخرى إن الله تعالى أوصل إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم رسالةَ إمامة عليٍّ (ع) وولايته عن طريق الوحي ثم طلب منه أن يبلّغ الناس تلك الرسالة التي أوحاها له. ولكن السؤال هو: إذا كان ما نُزّل إلى النبيّ ابتداء (أي قبل نزول آية التبليغ هذه) (أي الأمر الذي تشير إليه كلمة «ما» في جملة «ما أُنزل إليك») هو موضوع إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأين توجد تلك الآية الموحى بها في القرآن؟ ألم «يُنْزَل» هذا الموضوع من قَبْل عن طريق الوحي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فلماذا لم يأتِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم على تلك الآية بذكر؟ إن ما «أُنزل» على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من طريق «الوحي» وأُمر بـ«إبلاغه» للناس وحُذِّرَ بأنه لو لم يُبْلِغْهُ فإن «رسالته» لم يتم إبلاغها كاملاً لا بد أن يكون آيةً أو آياتٍ واضحةً من القرآن الكريم، ولكن أين هذه الآية [أو الآيات] التي جاء فيها كلامٌ عن إمامة عليٍّ (ع) وولايته وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ قد تقولون إن موضوع إمامة عليٍّ (ع) لم ينزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على شكل آية من القرآن لأن ذلك لم يكن فيه مصلحة إذ كان هناك احتمالٌ أن يقوم أعداء عليٍّ (ع) والناقمون عليه بالذهاب بعيداً إلى حد تحريفهم للقرآن توصلاً إلى أهدافهم. ولكننا نقول: إن هذا التبرير غير مقبول على الإطلاق للأسباب التالية:

1. إن الكلام المذكور أعلاه مخالف لظاهر الآية. لأن ظاهر آية التبليغ يدل على أن هناك أموراً «أُنْزِلَتْ» فعلاً من قَبل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو الآن مأمور بأن يقوم بـ«إبلاغها» للناس كي لا تبقى «رسالته» غير مكتملة. فلا بد أن يكون ذلك الأمر آية أو آيات في القرآن حتماً. لأنه في غير تلك الصورة لما استخدمت في آية التبليغ كلمة «أُنْزِلَ».

2. إذا كان من المقرر أن يكون القرآن الكريم آخر الكتب السماوية (ولجميع البشر حتى يوم القيامة) فإن الله ذاته يحفظه من شر الأعداء ويمنع تحريفه أو تبديله أو اندثاره، وعندئذ فلا خوف من المحرّفين. وهذا ما ذكره القرآن ذاته في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر/9)، فلماذا الخوف من ذكر إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صراحةً بشكل آيةٍ بيِّنةٍ في القرآن؟ ليت شعري! كيف لم يخف الله تعالى من كل أولئك اليهود والنصارى والوثنيين والمشـركين والملحدين والمنافقين و... (وفي الزمن الذي بدأت فيه رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للتوّ وكان لا يزال وحيداً بلا معين ولا نصير ولا حول ولا قوة وكان خطر الموت يهدّده في كل لحظة) فكان يُنَزِّل على نبيِّه آيات التوحيد ومحاربة الكفر والشـرك وعبادة الأصنام وكان يأمره بتحطيم الأصنام ومحاربة الكفار والمشركين وهداية الناس إلى التوحيد وعبادة الله وحده، أما الآن وبعد أن أسلمت كل الجزيرة العربية وآمنت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وامتلك حضرته القوة الكاملة وربّى خلال مدة رسالته مئات بل آلاف التلاميذ، أصبح يخاف أن تقوم مجموعة من الناس بتحريف آخر الكتب السماوية؟!

3. إذا كان هناك فعلاً خطر وقوع تحريف للقرآن، فهل إمامة عليٍّ (ع) وحدها معرَّضةٌ لهذا الخطر؟ ألا يهدِّد خطر التحريف الآيات المتعلّقة بالكفّار والمشـركين واليهود والنصارى وعبّاد النجوم و....؟ من البديهي أنه لو كان مثل هذا الخطر باعثاً على عدم إنزال الله تعالى موضوعاً مهماً مثل إمامة عليٍّ (ع) بصورة آية من آيات القرآن، لوجب أن لا تُذكر مئات الموضوعات الحساسة الأخرى (كالآيات المتعلقة بالتوحيد والنبوة والمعاد) في القرآن الكريم، وبعبارة أدق لما كان القرآن قد أُنزلَ من الأساس!.

4. إذا كان الأعداء والناقمون قادرون فعلاً على تحريف القرآن لحذفوا منه آية التبليغ هذه (والآيات الأخرى أيضاً مثل آية الولاية) التي يتمسك بها الشيعة لإثبات ادعاءاتهم. حقاً لو كانت تلك الآيات طبقاً لمستندات موثوقة وقوية نازلة فعلاً بشأن عليٍّ (ع) وتشير إلى إمامته وولايته بصراحة، ومن الجهة الأخرى كان أعداء عليٍّ والناقمون عليه قادرين على تحريف القرآن فلماذا لم يتم تحريف هذه الآيات؟

5. إذا كان الأعداء والناقمون قادرين على تحريف القرآن فسيكونون من باب أولى قادرين على تحريف أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (بشأن الإمام عليٍّ (ع»، ولما تركوا أيَّ حديثٍ من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشأن إمامة عليٍّ (ع) يبقى، هذا في حال أن الشيعة تعتقد أن هناك روايات متعددة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (مثل حديث غدير خم، وحديث الثقلين وحديث المنزلة و...) ظلت كما هي إلى يومنا هذا وهي تدل بكل صراحة –حسب قولهم- على إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. نحن الآن لا نبحث في الدلالة الصريحة لتلك «الأحاديث» على إمامة عليٍّ (ع) أو عدم دلالتها. إننا نسأل فقط: إذا كانت صريحة في إمامته فعلاً فكيف وصلت إلينا بعد ألف وأربعمئة عام ولم تحرّف من قبل الأعداء والناقمين ولم تُمحَ؟ إن الأعداء القادرين على تحريف القرآن والذين أخافوا الله –والعياذ بالله- من إنزال آية صريحة في شأن إمامة عليٍّ (ع)، كيف لم يستطيعوا أن يحرّفوا كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديثه، رغم أنه بشر، أو لم يؤدوا إلى محوها من ذاكرة التاريخ؟

لنفرض جدلاً أن ما أُنزل من قَبْل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان إمامة عليٍّ (ع)، وأن المصلحة اقتضت أن لا يتم بيان ذلك بصورة آية قرآنية صريحة. حسناً، إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يقل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (يوم غدير خم) بكل صراحة: «أيها الناس لقد أمرني الله تعالى من قَبْل أن أبلغكم أمر إمامة عليٍّ وولايته ولكن بسبب بعض المصالح لم أتمكن حتى الآن (أو لم أرغب) بإبلاغكم رسالة الله تلك بشكل علني، والآن نزل عليّ ملاك الوحي من عند الله بآيةٍ تأمرني أن أبلغكم ذلك الأمر، لذا فإنني الآن اتباعاً لأمر الله، أعلن علياً (ع) بشكل رسمي إماماً عليكم وخليفة لي من بعدي؟» لنفرض أن الله تعالى لم يرَ المصلحة في إنزال آية قرآنية صريحة في موضوع إمامة عليٍّ (ع)، أفلم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قادراً على بيان مثل هذا الأمر بكل صراحة وشفافية؟ فلماذا لم يقم بذلك؟

وأما النقطة الثالثة (ج) أي خوف النبيّ من مخالفة الناس وإعاقتهم لإبلاغه إمامة عليٍّ (ع) وخلافته فهي نقطة طريفة تستحق السماع، إذْ يدَّعي علماء الشيعة – من جهة- أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ بداية جهره بالدعوة وإعلانه لرسالته عرّف بالإمام عليٍّ (ع) خليفةً له ووصيَّه من بعده(61)، وكرَّر بيان هذا الأمر بشكل صريح مرات عدة وفي مناسبات مختلفة، ومن الجهة الأخرى يقولون إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يوجس في نفسه خيفةً من نَصْب عليٍّ (ع) إماماً وخليفةً له من بعده وأن الله طمأنه من خلال آية التبليغ (التي نزلت – حسب ادعاء الشيعة- يوم غدير خم) وقال له: لا تخف من الناس وأبلغهم رسالة ربك لأن الله يعصمك من شر الأعداء والناقمين أو المنحرفين في فكرهم وفهمهم! أليس هذا تناقضاً صارخاً؟ لاحظوا الكلام التالي لعالم شيعي:

«يُستفاد من روايات عديدة أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أُمر سابقاً بإعلان إمامة عليٍّ (ع) بشكل رسمي ولكنه كان يخشى أن يظن الناس أن هذا الأمر رأيٌ شخصيٌّ له فيمتنعوا عن قبوله. لذا كان يتحيَّن الفرصة المناسبة وينتظر تهيُّؤ الأرضية المناسبة لإعلان هذا الأمر حتى نزلت عليه الآية الكريمة التي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...﴾، وأكدت عليه ضرورة تبليغ هذه الرسالة الإلهية، وفي الوقت ذاته بشّرته بأن الله سيحميه من تبعات هذا التبليغ. فأدرك النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن الزمن المناسب قد حان وأنه لم يعد من الجائز تأخير الأمر أكثر من ذلك. لذا قام بواجبه في غدير خم. فالأمر الذي اختص به ذلك اليوم هو الإعلان الرسمي وأخذ البيعة من الناس، وإلا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكّر المسلمين طيلة فترة رسالته مرات عدة وبصور مختلفة بخلافة أمير المؤمنين عليٍّ (ع)، وحتى في أوائل أيام بعثته عندما نزلت عليه آية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء/214)، حين قال في محضـر جميع أقربائه وعشيرته: «أول من يقبل بدعوتي هذه سيكون وصيي وخليفتي، وكان أول من أجاب دعوته – باتفاق الفريقين – علي بن أبي طالب». وكذلك عندما نزلت عليه آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ...﴾ (النساء/59)، وأوجبت عليه طاعة أشخاص تحت عنوان «أولي الأمر» طاعة تامة... سأل جابر بن عبد الله الأنصاري رسولَ الله: من هم «أولي الأمر» هؤلاء؟ فقال: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم عليُّ بن أبي طالب...»(62).

هنا تُطرح أسئلةٌ عديدةٌ نشير إلى نماذجَ منها:

1. وفق أي رواية موثوقة أُمر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من قَبْل (ومن قِبَلِ الله) بأن يعلن رسمياً إمامة عليٍّ (ع)؟ رجاؤنا أن تذكروا لنا حديثاً موثوقاً واحداً فقط لإثبات هذا الادعاء.

2. إذا خشي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يظن الناس أن ذلك الأمر رأيه الشخصـي فيمتنعوا عن قبوله، فلماذا تقولون إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عرّف بعليٍّ، في أوائل أيام بعثته في الوليمة التي أقامها لأقربائه وعشيرته، بوصفه وزيره ووصيه وخليفته من بعده بصراحة تامة ثم أكّد هذا الأمر عشرات بل مئات المرات في مناسبات مختلفة؟ أليس هذا تناقضاً محضاً؟ قد تقولون لم يكن إعلان إمامة عليٍّ (ع) وخلافته في كل تلك المناسبات إعلاناً رسمياً، ولكن السؤال: أولاً: إذا كان المطروح هو خشية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أن يحمل الناس إعلانه ذاك على أنه رأيه الشخصي فلا يقبلونه منه، فما الفرق بين الإعلان الرسمي وغير الرسمي لهذا الموضوع؟؟ وثانياً: طبقاً لادعاء الشيعة (وكما ذكر أعلاه) أبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل دعوته - في الوليمة التي أقامها لعشيرته - الناسَ بإمامة عليٍّ (ع) رسمياً وبصراحةٍ تامّةٍ، فإذا لم يكن ما يقوله الشيعة بشأن حديث «يوم الإنذار» (بمعزل عن صحة الحديث أو سقمه) تعريفاً رسمياً بعليٍّ (ع) خليفةً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فما معنى «التعريف الرسمي» إذن؟

3. إذا كان ثمة خوف من سوء فهم الناس فإن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان بإمكانه أن يحول دون سوء الفهم هذا ببيانه الصريح والشفاف للموضوع وتأكيده على أن نَصْبه عليَّاً (ع) إماماً وخليفةً من بعده إنما هو أمرٌ من عند الله وأصلٌ من أصول الدين. فلماذا لم يقم حضرته بمثل هذا العمل؟ اللهم إلا أن نقول إنه حتى لو قام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ببيان الموضوع بصراحة وشفافية تامة، لحمل الناس كلامه أيضاً على أنه رأيه الشخصـي وامتنعوا عن قبوله، لكن هذا الكلام مجرد ادعاء فقط ولا يمكن إثباته وليس عليه أي دليل أو برهان بل يمكن الرد عليه بأدلة كثيرة. فلو أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في السنوات التي استلم فيها زمام الحكم في المدينة وكان عدد المسلمين يزداد يوماً بعد يوم ويزداد إيمان الناس بحضرته وثقتهم به ومحبتهم له، لو أعلن إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بشكل رسمي وصريح بوصفها أمراً إلهيَّاً، يا تُرى هل كان المسلمون سيعتبرون هذا أيضاً رأي النبيّ الشخصي وكأنّهم يتهمونه بذلك –والعياذ بالله- بالكذب واستغلال مقام رسالته لغرض شخصي؟ هل يعقل أن يقوم الناس الذين آمنوا بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتحملوا في سبيل نشر الإسلام أنواع العذاب والمصائب والتهجير من أوطانهم وفقدوا نساءَهم وأبناءَهم ووضعوا وجودهم كله على طبق من الإخلاص وقدموه في سبيل نصـرة رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بتضييع إيمانهم هكذا بكل بساطة؟ هل إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تضر بدنياهم أو بآخرتهم شيئاً؟ إذا كانت تضر بدنياهم (وهو أمر لا دليل عليه) فكيف يمكن لمثل هذا الضرر المحتمل أن يحول دون قبولهم لأمر الله بإمامة عليٍّ (ع) في حين أنهم أنفسهم، وعلى مدار ثلاثة وعشـرين عاماً من رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقدوا جميع دنياهم ولم يبق لهم دنيا أصلاً حتى تعرّضها إمامة عليٍّ (ع) للخطر؟ ليت شعري! هل يُعقل أن يقوم الصحابة الكرام، الذين أمضوا سنين شبابهم في المشقات وأنواع المصاعب والحرمان من نعم الدنيا في سبيل رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونصـرة دين الإسلام، بتجاهل حكم الله وخيانة أمره في فترة شيخوختهم وكهولتهم حباً في المقام والجاه والرئاسة، ويضيِّعُوا بذلك ثواب عمر أمضوه في المجاهدات في سبيل الله ويخسـروا آخرتهم؟ قد تقولون إن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا في النهاية بشراً وارتكاب مثل ذلك الخطأ مِنْ قِبِلهم ليس بالأمر المحال عقلاً لذا فإن خوف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان معقولاً ومبرراً. فنقول أولاً: إن هذا الكلام مجرد احتمال ولا دليل قاطع عليه. وثانياً: ليس من شرط إبلاغ رسالات الله للناس أن يستيقن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أولاً أن الناس لن تحمل تلك الرسالة المراد تبليغها على محمل الرأي الشخصـيّ للنبيّ لأن مثل هذا الاحتمال يوجد في مواضع كثيرة أخرى أيضاً، وإذا كان مجرد الاحتمال العقلي (بعدم قبول الناس) مانعاً من إبلاغ رسالات الله للناس فإن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لن يستطيع أن يبلغ الناسَ أيَّ آية من القرآن!. نحن لا ننكر أنه من الممكن أن يوجد دائماً عددٌ من معوجِّي الفهم وضعفاء الإيمان يقعون في مثل سوء الفهم هذا إلا أن أكثر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أشخاصاً ذوي إيمان صلب وما كانوا ليتَّهموا رسول الله أبداً بمثل هذه التهمة، كما أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليترك أبداً واجبه بسبب سوء فهم أقلية منحرفة التفكير وضعيفة الإيمان وعدم قبولها لكلامه. فخلاصة الكلام إن هناك أصلين لا ينبغي أن ننساهما: الأول أن الأصل هو البراءة إلا أن يثبت خلاف ذلك (وهنا لا دليل يُثْبِت خلاف ذلك)، والثاني أن القصاص قبل الجرم لا يجوز عقلاً ولا شرعاً (و ادِّعاء الشيعة بأنه لو صرّح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بموضوع إمامة عليٍّ (ع) وخلافته من بعده، لاعتبر الناس – خاصة صحابته الكرام- أن هذا الكلام رأيه الشخصـي، هو من قبيل القصاص قبل وقوع الجرم).

4. أما قولكم: «لقد أُمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من قَبْل أن يعلن إمامة عليٍّ (ع) بشكل رسمي» فما هو الزمن الذي تعنونه بكلمة «من قَبْل»؟ لا جرم أنكم ستقولون: منذ أول يوم جهر فيه برسالته (أي قبل عشرين سنة من واقعة غدير خم). فالسؤال الآن: لماذا لم يعصم الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم من شر الأعداء والناقمين، منذ أول يوم عهد إليه بالقيام بهذا الواجب والمهمة، أو يحميه من الظن المنحرف لسيئي الفهم ويطمئنه في هذا المجال؟ ثم أليس مخالفاً للحكمة أن يأمر الله تعالى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعلن بشكل رسمي أن علياً هو الإمام والخليفة من بعده ورغم رؤيته أن نبيه لم يعمل بذلك الأمر بعد -أي لم يبلِّغ الناسَ رسالة الله هذه- بسبب الخوف الذي كان يعتريه، يبقى صامتاً وبعد عشرين سنة (أي في الأشهر الأخيرة من عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له: لم يعد من الجائز تأخير هذا الأمر أكثر من ذلك وعليك أن تبلّغ الناسَ ما أُمِرتَ به؟! قد تقولون إن الظروف لم تكن تسمح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أثناء سنوات رسالته بنَصْب عليٍّ رسمياً إماماً وخليفةً من بعده وأن هذه الظروف سنحت يوم غدير خم. لكن هذا التفسير لا يصح بوجه من الوجوه. لأنه يطرح الإشكالات والأسئلة التالية:

أ- ألم يكن الله عالماً بحقيقة أن الظروف لم تكن مناسبة لهذا العمل خلال سنوات الرسالة فلماذا إذن عهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر؟

ب- كان يوم الغدير أثناء عودة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع إلى المدينة، برفقة جماعة قليلة من أصحابه (بعد أن تفرّق معظم المسلمين وعادوا إلى بلدانهم)، أي كان يوم الغدير بعد عدة أيام من حجه الأخير. أفلم تكن الظروف مناسبة قبل عدة أيام من غدير خم؟ (أي أثناء مناسك الحج حيث كان مئة ألف مسلم من جميع أنحاء الجزيرة العربية يحجُّون مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)؟ لماذا لم تنزل آية التبليغ أثناء حجة الوداع كي يعلن نبيُّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أمام جميع المشاركين في تلك المناسك – والذين كانوا جماً غفيراً من المسلمين- إمامة عليٍّ (ع) وخلافته من بعده بشكل رسمي؟ هل كانت الظروف غير مناسبة أيضاً أيام حجة الوداع؟ إذا أجبتم بالإيجاب فإننا نسأل: إذا كانت الظروف غير مواتية طيلة عشرين عاماً وبقيت كذلك حتى أيام حجة الوداع وكانت تمنع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أن يصدع بهذا الإعلان، فما الذي حصل حتى زالت كل تلك الظروف المعيقة فجأةً يوم غدير خم وحلت محلها الظروف المواتية والمناسبة لهذا الأمر؟!

5. لنلق نظرة مرة ثانية على الفكرة التي نقلناها عن الشيخ «مصباح يزدي». يدّعي الشيخ - شأنه في ذلك شأن أكثر علماء الشيعة - أنه:

«عندما نزلت آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ (النساء/59)، والتي أوجبت إطاعة «أولي الأمر» طاعة مطلقة.... سأل جابر بن عبد الله الأنصاري النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: من هم أولي الأمر هؤلاء؟ فأجابه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم عليُّ بن أبي طالب....»

هنا لا بد من حل الإشكالات التالية:

ألف- ألا يعلم علماء الشيعة حقيقةً (بما فيهم الشيخ مصباح يزدي) أن الحديث المذكور ليس له أي سند قوي أو مقبول على الإطلاق، وأن من رواة سنده أفرادٌ مثل «محمد بن همام» و«جعفر بن محمد بن مالك» و«حسن بن محمد بن سماعة» و....، وكلهم مجروحون ومطعونٌ بهم ومُتَّهمون بالفسق، ليس من وجهة نظر علماء أهل السنة فحسب بل حتى في نظر كبار علماء الشيعة أيضاً، وأن لا حجية لحديث بمثل هذا السند الواهي؟ صحيحٌ أن العلماء يجب أن يعلّموا الناس «العقائد»، ولكن أي «عقائد» هذه؟ هل العقائد التي اختلقها وافتراها عدد من وضاعي الحديث الفاسدين الفاسقين الذين لا يوثَقُ بكلامهم ولا يُعْتَدُّ بقولهم؟

ب- ألم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - طبقاً لادعاء الشيعة - مأموراً ليس بإبلاغ ما ينزل عليه من آيات الله فحسب بل بشرح تلك الآيات وتفسيرها للناس؟ أولم تكن آية «أولي الأمر» قد نزلت قبل سنوات (أو على الأقل قبل أشهر) من واقعة غدير خم، فماذا لم يفسرها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلا لجابر بن عبد الله فقط؟ هل ورد التساؤل عن هوية «أولي الأمر» إلى ذهن جابر بن عبد الله فقط؟ نحن نعلم أن عبارة «أولي الأمر» في لغة العرب تعني: «أصحاب أمر الحكم» أو بعبارة أخرى «مسؤولي الحكم». وعامة الناس تفهم من هذه الآية لزوم طاعة الحكام (لأجل حفظ النظام وانتظام أمور الناس). فإذا كان مقصود الله من «أولي الأمر» حقيقةً أشخاصٌ معينون (أي عليُّ بن أبي طالب وأبناؤه) أفلم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكلَّفاً ببيان هذا الأمر لجميع الناس صراحةً وعلى الملأ؟ وإذا قلتم إن الظروف لم تكن تسمح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر فإننا نسألكم فلماذا أنزل الله إذن آيةً تحتاج إلى تفسير وبيان رغم عدم وجود ظروف مناسبة لتفسيرها مِنْ قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ أليس إنزال آية تحتاج إلى تفسير وبيان لمصاديقها مِنْ قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت ذاته خوف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (بدليل ظروف خاصة معينة) من تفسيرها وبيان المقصود منها وبقاء ذلك الخوف وتلكم الظروف حتى عدة سنوات تالية يُعَدُّ عملاً عبثياً ولغواً بل نوعاً من إضلال الناس مِنْ قِبَل الله عز وجل؟

والآن لنبحث قصة غدير خم:

أول خطوة وأهمها في التحليل العلمي والدقيق لهذه الحادثة هو أن نصل إلى قدر مشترك جامع بين جميع النصوص التي نقلت حادثة غدير خم من خلال التحقيق والتفحص الواسع والعميق في ثنايا النصوص التاريخية والروائية الموثوقة وبعبارة أخرى أن نصل إلى القاسم المشترك بين جميع الروايات المختلفة في هذا الصدد والذي يقرّ به علماء الفريقين (الشيعة والسنة). والخطوة التالية هي أن نعلم ما هي الحوادث التي رافقت تلك الواقعة (أي ما هي خلفياتها وعللها وعوامل وقوعها). ولقد قمنا بتينك الخطوتين بقدر استطاعتنا وفيما يلي نقدم لكم أيها القراء الكرام خلاصة تلك الواقعة كما جاءت في التواريخ المعتبرة وكما يقبل بها طرفا الدعوى:

في السنة العاشرة للهجرة انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو آخر سفر للحج، وذلك بعد أن أرسل برسائل إلى رؤساء القبائل العربية وبلاد المسلمين ودعاهم إلى الحضور لأداء مناسك الحج في مكة. ومن جملة ذلك أنه أرسل إلى عليٍّ (ع) – الذي كان في حينها في اليمن يقوم بمهمة جباية أموال الزكاة من أهلها – برسالة دعاه فيها إلى الحضور معه في حجته تلك. عندما استلم عليٌّ (ع) رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكّر في نفسه أنه لو أراد أن يحمل معه أموال بيت المال وينطلق بها إلى مكة فإنه لن يصل في الموعد المحدد. لذا عهد بأمر تلك الأموال إلى عدد من الأفراد الذين كانوا معه – مثل بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد- وأمرهم بحملها تحت إشرافهم وإيصالها إلى مكة، وانطلق مسرعاً نحو مكة ليحضر مناسك الحج. بعد إنهائه للمناسك عاد ليلتقي بالقافلة القادمة من اليمن فلما وصل إليها رأى أن خالد بن الوليد وبريدة الأسلمي وآخرين قد تصرفوا في بعض أموال بيت المال. فغضب من ذلك ووبخهم على تصرفهم بتلك الأموال [إذْ هي أمانةٌ لا يجوز التصرف بها دون إذن] وواجههم بشدّة. فكبُر على أولئك المتخلفين ذلك التصـرف الذي كان في الحقيقة عين الصواب، فحملوا في قلوبهم على الإمام واستعدوا للانتقام لأنفسهم فأرسلوا أشخاصاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو جاؤوه بأنفسهم وشكوا إليه عنفَ عليٍّ وحِدَّته وتشدُّدَه معهم. فاستمع إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم نهاهم عن معاداة عليٍّ (ع) وبين لهم بعض فضائله ليهدِّئَ من غضبهم. لكن خالداً وبريدة وآخرين، بعد لقائهم رسول الله، واصلوا إساءة الكلام بحق عليٍّ (ع) بقدر ما استطاعوا، وكان من شأن تلك الإساءة أن تؤثر في كثير من الناس الذين لم يكونوا يعرفون عليَّاً (ع) بشكل صحيح بعد، وتجعلهم يسيئون الظن بحقه وتنفر قلوبهم منه. عندما شاهد رسول الله ذلك الوضع رأى لزاماً عليه –قبل أن يتفرّق الناس وقبل أن يصل صدى مثل هذه المشادّة إلى مكة أو المدينة ويشيع فيها ويؤثر في أهلها- أن يدافع عن شخصية عليٍّ (ع) البارزة والممتازة ويعرّفه للناس بفضائله ومناقبه ويضع بذلك حداً للقضية. لذا [في توقفه لصلاة الظهر والعصر قرب غدير يقال له غدير خم] ألقى خطبة عرّف فيها بالإمام عليٍّ وبيَّن وجوب محبته وموالاته على جميع المسلمين مبتدئاً بأخذ إقرار منهم بأنه «أولى بهم من أنفسهم» ثم قال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» ثم دعا اللهَ قائلاً: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»(63).

تلك كانت خلاصة حادثة غدير خم كما جاءت في الوثائق والمستندات التاريخية والحديثية المتفرقة الموثوقة والمعتمدة لدى الفريقين. وكما رأينا كانت علة خلفية وقوع تلك الحادثة قضيَّة المشاجرة التي وقعت بين بعض الصحابة في قافلة اليمن (خاصة خالد بن الوليد وبريدة الأسلمي) وبين عليٍّ (ع) ولا ينبغي أن نُغْفِلَ هذه النقطةَ الهامّةَ في تحليلنا لهذه الحادثة.

والآن يأتي الدور لسماع قصة غدير خم من لسان أحد مراجع الشيعة (سماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي):

«في السنة الأخيرة من حياة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أدّى المسلمون مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الوداع في عظمة وجلال.......، أصحاب النبيِّ المشاركون في تلك الحجّة – الذين كانوا جماً غفيراً – يكادون يطيرون فرحاً لهذه السعادة الكبرى التي شرّفهم الله بها.....

كانت الشمس ترسل أشعتها اللافحة المحرقة على الوديان والسهول...

اقترب وقت الظهيرة، واقترب الركب الكبير من أرض الجحفة، وظهرت من بعيد أرض «غدير خم» القاحلة الجافة المحرقة.

كانت المنطقة، في الحقيقة تقع على مفترق طرق أربع حيث كان على الحجيج أن يتفرّقوا إلى الوجهة التي يقصدونها..... فجأةً إذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصدر أمره للحجيج بالتوقُّف، فراح المسلمون ينادون الذين في مقدمة الركب أن يعودوا، وانتظروا حتى يلتحق بهم من كان في المؤخرة أيضاً..... وصعد مؤذن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي في الناس لصلاة الظهر،...

كانت الرياح لافحة محرقة، حتى اضطر بعضهم إلى أن يضع قسماً من عباءته تحت قدميه وقسماً منها فوق رأسه كي يتقي حرارة الحصى وأشعة الشمس.....

انتهت صلاة الظهر. وهرع الحجيج يريدون نصب خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم يلوذون بها من حر الهاجرة. إلّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم أنّ عليهم أن يستعدوا لسماع رسالة إلهية جديدة في خطبته، وكان الذين يقفون على مسافة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيعون رؤيته، لذلك‏ صنعوا له منبراً من أحداج الإبل ارتقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال مخاطباً الناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه:... «... فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين».

فنادى مناد: وما الثقلان، يا رسول الله؟

قال: الثقل الأكبر كتاب الله... والآخر الأصغر عترتي...

فجأةً رأى الناسُ النبيَّ ينظر حوله... وما أن وقعت عينيه عَلَى علِـيٍّ حتى انحنى وأخذ بيد علِـيٍّ نحوه فرفعها حتى رُئِيَ بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيّها النّاس: من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليّ مولاه،... ثمّ نظر إلى السماء ودعا اللهَ قائلاً: «اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصـر من نصـره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار...». انتهت خطبة النبيّ.... ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرّب برسالتي والولاية لعليٍّ من بعدي»»(64).

نلاحظ فيما نقلناه ملخَّصاً من كلام سماحة الشيخ مكارم الشيرازي أنه لم يأت في كلامه بأيِّ ذكر لآية التبليغ. لكنه -كما رأينا سابقاً- ادعى في تفسيره لآية التبليغ أن تلك الآية نزلت بشأن عليٍّ (ع) يوم غدير خم، وفي الاقتباس الذي ذكرناه أعلاه كان قصد الشيخ من قوله: «و هرع الحجيج يريدون نصب خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم يلوذون بها من حرّ الهاجرة. إلّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم أنّ عليهم أن يستعدوا لسماع رسالة إلهية، جديدة في خطبته..» هو الإشارة إلى نزول آية التبليغ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأن الله أمر نبيَّهُ بها أن يبلِّغ رسالته هذه (أي ولاية عليٍّ (ع) وإمامته). فلنأت الآن إلى بيان نقاط الضعف في استناد الشيعة إلى هذه القصَّة:

1. أوَّل إشكال هو أن قصة غدير خم تمّ تحريفها في النقل المذكور. فلم يُشِـرْ الشيخ ناصر مكارم أبداً إلى الحوادث المهمة التي شكلّت خلفيَّة بروز حادثة غدير خم (مثل الاختلاف والمشادة بين بعض أفراد قافلة اليمن وبين عليٍّ (ع) وشكوى بعضهم المتكررة – كخالد بن الوليد وبريدة الأسلمي- عليَّاً (ع) إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم) كما أُقْحِمَتْ حوادث أخرى (مثل نزول آية التبليغ وآية إكمال الدين في ذلك اليوم) دون أي سند أو مصدر موثوق ضمن القصة لكي تعطي النتيجة المطلوبة للشيعة. كما أن قضية المشادة بين رجال القافلة وبين عليٍّ (ع) وشكواهم علياً حُذفت كي لا يُعطى لكلمة «مولى» في جملة «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» معنى «الصديق المحب والنصير». كما أن آية التبليغ أُدرجت ضمن القصة كي يتم الإيحاء للقارئ بأن الله تعالى أمرَ نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ذلك الكلام بشأن عليٍّ (ع) حتى يأخذ نَصْبه لِعَليٍّ إماماً جانباً إلهياً. كما أن آية إكمال الدين أُقحمت في القصَّة كي يتم الإيحاء للقارئ بأن دين الله إنما اكتمل بنَصْب عليٍّ إماماً وأنه من دون الاعتقاد بإمامته (وإمامة أولاده) يبقى دين الإنسان وإيمانه ناقصين. وتمّت المبالغة في ثنايا القصة من خلال جمل مثل «كانت الشمس ترسل أشعتها اللافحة المحرقة على الوديان والسهول...» للإيحاء للسامع بأنه من البعيد أن يقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ذلك الحرّ الشديد ويجمع الناس تحت لهيب الشمس الحارقة ليوصيهم بمحبة عليٍّ (ع) فقط. بعبارة أخرى تمت المبالغة جداً في وصف شدة حرارة الجوّ لإظهار أن الموضوع كان أمراً أكثر أهمية من مجرد الوصية بمحبَّة عليٍّ (ع) وموالاته، ولكن مثل هذا الاختلاق والتحريفات لا تفيد إلا في إضعاف قيمة الاستدلال وزوال الثقة به.

2. قبل أن يحين موعد حج النبيِّ الأخير أرسل صلى الله عليه وآله وسلم رسائل إلى رؤساء قبائل العرب وسادتهم في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية وطلب منهم الحضور إلى مكة في موسم الحج. إلى هنا يتبادر إلى الذهن أنه كانت للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم حتماً غاية من هذا الأمر وأنه كان ينوي أن يبين للناس أموراً حساسةً ومهمةً خلال ذلك الحجّ ليتمّ الحُجَّة على الناس بذلك للمرَّة الأخيرة. ابتدأت مناسك حجة الوداع بعد اجتماع ما يزيد على مئة ألف حاج قدموا إلى مكة من سائر أنحاء الجزيرة العربية (من المدن والقرى المختلفة) لكي يدركوا مشاهدة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والسماع منه - خاصة أثناء مناسك الحج- للمرة الأخيرة. وقد ألقى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال شعائر الحج المعظَّمة خطبتين مهمتين وطويلتين. الأولى في عرفات والثانية في منى. في تينك الخطبتين (التي أصغى إليها بكل اهتمام أكثر من مئة ألف حاج من أهالي الجزيرة العربية) أبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الناس مرَّةً أخرى خلاصةً عن أهم تعاليم الإسلام وأكثرها حساسيةً – والتي كان أكثرها ذا جانب اجتماعي وسياسي- كما بيّن بعض الأمور الهامة المتعلقة بمنهج الحكم في الإسلام إلا أنه لم يشر أي إشارة إلى أن مقام خلافته مقام إلهي (أي يتم اختيار صاحبه وتعيينه مِنْ قِبَل الله) كما لم يأت على عليٍّ (ع) بأي ذكر بوصفه إماماً وخليفة له. بعبارة أخرى رغم أن النبيّ أشار إلى أمور تتعلق بماهية الحكومة الإسلامية وطريقة تعامل الحكام مع الناس وحقوق وواجبات كل من الحاكم والرعية تجاه الآخر، إلا أنه لم يقل إن صاحب الحكم ومالك زمام الأمور من بعده شخصٌ ينبغي أن يكون منصوصاً عليه مِنْ قِبَل الله معرّفاً مِنْ قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبالتالي لم يأتِ على اسم عليٍّ (ع) بذكر بوصفه إماماً أو خليفةً له في هذا المجال. فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد يوم غدير خم أن يعيِّن علياً (ع) وينصَّ عليه بوصفه إماماً وخليفةً من بعده لفعل ذلك في أثناء مناسك الحج (ولقال ذلك خلال تينك الخطبتين) كي يصل الأمر إلى مسامع جميع المسلمين (خاصة سادة القوم ورؤساء قبائل العرب) حتى تتم الحجة بذلك على الجميع. وثمَّة نقطة هامة يتم إغفالها دائماً في تحليل واقعة غدير خم وهي أنه في مناسك حجة الوداع الجليلة والعظيمة كان أكثر من مئة ألف شخص حاضراً من جميع أنحاء جزيرة العرب. ولكن عندما انتهت تلك المناسك وعاد الناس إلى بلدانهم وقراهم وقبائلهم المختلفة واتخذ كلٌّ منهم طريقاً في عودته إلى موطنه، تفرَّقت القوافل في طرق مختلفة وبقي أهل مكة فيها، ولم يبقَ إلا عددٌ محدودٌ من القوافل التي كان خط سيرها طريق المدينة برفقة قافلة النبيّ العائدة إلى المدينة. فلم يكن الأمر أن ذلك الجمع الغفير الذي حضر حجة الوداع-الذي ذُكر أن عدده كان يربو على المئة ألف - كان لا يزال باقياً مع النبيّ -بعد انتهاء مناسك الحج- ومرافقاً له حتى وصوله إلى غدير خم. فإذا كان النبيّ يريد فعلاً أن يعرّف عليَّاً (ع) للناس إماماً وخليفةً عليهم من بعده، ألم يكن من الأفضل والأكثر منطقياً أن يفعل ذلك خلال مناسك الحج وأثناء حضور مئة ألف مسلم بينهم كثير من سادة العرب ورؤساء قبائلهم الذين حضروا بناء على دعوة النبيّ نفسه؟ إلا أن نقول إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يريد أن يتخذ القرار بهذا الشأن من عند نفسه بل كان ينتظر الأمر من الله وقد أمره ربه بذلك يوم غدير خم عندما أنزل عليه آية التبليغ. لكن هذا التفسير أو التبرير لا يفيد شيئاً، أولاً: لأنه (كما مرّ فيما سبق) لا يوجد أي مستمسك ومستند موثوق ومقبول لدى الفريقين يثبت مثل هذا الادعاء. وثانياً: كل ما يفعله هذا التفسير أو التبرير هو أن ينقل الاستشكال من عمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستشكال من عمل الله تعالى (أي يلقي بالذنب على الله!). لأنه من الممكن طرح السؤال ذاته على هذا النحو: لو كان الله يريد فعلاً أن يأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بإعلان عليٍّ (ع) إماماً على الناس وخليفته من بعده فلماذا لم يأمره بذلك أثناء مناسك الحج حتى تتم الحجة على جميع الناس ويكون احتمال اختلاف الأمة (حول مسألة الإمامة والخلافة) أقل؟ دعْكَ من ذلك، لماذا لا نجد في آخر خطبةٍ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (التي ألقاها في أواخر أيام عمره المبارك) أيَّ خبر عن نَصْب عليٍّ (ع) إماماً وخليفةً له على الناس من بعده. هل يجوز أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أمراً عَلَى هذه الدرجة من الأهمية – يمثل حسب ادعاء الشيعة كمال الدين وبه يرتبط مصير الإسلام والمسلمين- لأصحابه مرَّةً واحدةً يومَ غدير خم وفي حضور عدد محدود من الناس؟ ألم يكن من اللازم أن يؤكِّد هذا الأمر في مواضع أخرى (وأهمها خلال خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأخيرة)؟

3. إذا كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد في ذلك اليوم أن يقدّم عليّاً (ع) بوصفه إماماً وخليفةً من بعده فلماذا لم يبيِّن هذا الأمر بصراحة تامة كي لا يتركَ مجالاً للاختلاف؟ لماذا لم يقل بصراحة إن الله أمرني أن أعلن لكم عليّاً إماماً وخليفة عليكم من بعدي، وهاأنذا أعلنه رسمياً وأَمَامَكم جميعاً إماماً وخليفةً عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، ومن لم يعترف به إماماً عليه وخالفه فإن دينه وإيمانه ناقصان وسيكون محروماً من الهداية والسعادة؟ ألم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قادراً على أن يقول بصراحة: أيها الناس إنّ مقام الإمامة مقامٌ إلهيٌّ لا يتحقق إلا بالنص والتعيين مِنْ قِبَل الله وأنا الآن قد نصبتُ بأمر الله تعالى علياً (ع) إماماً على هذه الأمة وعليكم أن تسمعوا له وتطيعوه- من بعدي - طاعة تامة؟

4. لم يفهم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنصاره - الذين كانوا عرباً وكانوا مؤمنين بالنبيِّ وحاضرين يوم غدير خم وسمعوا كلام النبيِّ مباشرةً - من كلامه (يوم غدير خم) أن علياً (ع) هو الأولى بالتصـرُّف في شؤونهم كما لم يستنبطوا إمامة عليٍّ (ع) وخلافته بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل فهموا من تلك الكلمة معنى وجوب المحبة والموالاة والنصرة لعلي، وهذا أكبر شاهد على أن الشيعة لم يفهموا كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشكل صحيح. لأنه كيف يمكن لمئة ألف من صحابة النبيّ الأجلاء - الذين كان كثير منهم علماء ومفسرين للقرآن وحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مئات المرات - أن لا يستنبطوا مثل ذلك الأمر من كلامه ثم بعد عشرات السنوات يأتي أناس لم يجالسوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا حضروا واقعة غدير خم بأنفسهم فيستنبطوا من كلامه مثل ذلك الأمر؟! لم يوجد حتى شخصٌ واحدٌ، من بين مئات وآلاف الأشخاص من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأجلاء وأنصاره، استنبط من كلمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم معنى نَصْب عليِّ إماماً وحاكماً وخليفةً على الناس بعد النبيّ. (ائتونا لو استطعتم بمستند محكم وموثوق على أن هناك شخصاً واحداً فقط من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استنبط مثل ذلك الأمر من كلمته يوم الغدير).

يجيب علماء الشيعة عن هذا الإشكال قائلين: إن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فهموا معنى حديث الغدير على النحو الذي نفهمه نحن ولكنهم بسبب عبادة الدنيا وحب الرئاسة وهوى النفس أغمضوا أعينهم عن الحقيقة ورغم معرفتهم بأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نصَب علياً (ع) خليفة على المسلمين من بعده، عاندوا ذلك الأمر عالمين عامدين رغم أن الحقيقة كانت واضحة لهم وضوح الشمس في رابعة النهار. وبعبارة أخرى إن الناس جميعاً ارتدوا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة أو أربعة أشخاص!.

لكن هذا الكلام يطرح عدداً من الأسئلة والإشكالات الكبيرة:

ألف- أيُّ أصل من أصول العقيدة والدين جحده أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتجاهلوه حتى نحكم بارتدادهم؟ إذا كنتم تقصدون «إمامة عليٍّ (ع)» فإنها لم تثبت بعد واتهام أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأجلاء بالردة بسبب إنكارهم إمامة عليٍّ (ع) قبل إثباتها هو دَوْرٌ باطل في علم المنطق ومصادرة على المطلوب(65).

ب- إن معنى ادعاء ارتداد الناس بعد النبيّ هو أن نبوة النبيّ التي دامت ثلاثة وعشرين عاماً، وكلّ التَّعب والعناء الذي تكبده صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة لم ينتج إلا تربية ثلاثة أو أربعة مسلمين حقيقيين فقط! فهل يمكن القبول بمثل هذا الكلام؟ وبمعزل عن ذلك هل هناك مصدر أو مستند موثوق واحد يثبت أن هؤلاء النفر الثلاثة، الذين ثبتوا على الإسلام الصحيح حسب قول الشيعة (مثل سلمان وأبو ذر)، كانوا يقولون بما يؤيد مدعى الشيعة (حول نَصْب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم علياً (ع) إماماً وخليفة من بعده)؟

ج- إن معنى الادعاء المذكور هو أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنصاره ظهروا في النهاية حفنة من المنافقين وعبّاد الدنيا وطالبي الرئاسة والسفلة و....، ففي مثل هذه الحالة كيف يمكننا الاطمئنان إلى القرآن الكريم الذي وصل إلى أيدينا عن طريقهم ونقلوه لنا؟ من أين لنا أن نعلم أن مثل هؤلاء الأشخاص عبيد الدنيا وطلاب الرئاسة والمنافقين لم يقوموا بتحريف القرآن وحتى أنهم أدرجوا فيه آية مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر/9)، لطمأنة الآتين من بعدهم وخداعهم؟

د- إذا كان ادعاء الشيعة بشأن معنى حديث غدير خم ومفاده صحيحاً فلماذا لم يستدل عليٌّ (ع) به فيما بعد أبداً لإثبات حقه الإلهي في إمامة المسلمين ورئاستهم؟ صحيح أن علياً استدل بهذا الحديث في بعض الموارد لإثبات فضيلته، ولكنه لم يقل قط إن الله تعالى وبواسطة رسوله نصَبني إماماً معصوماً وخليفةً بلا فصل بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة، بل ذكر حديث غدير خم بوصفه إحدى مناقبه فحسب. لا توجد لدينا أي رواية موثوقة عن عليٍّ (ع) تبيِّنُ أنه قال إني خليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحق وإن الله تعالى نصبني في هذا المقام وأبلغكم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عندما أعلن إمامتي يوم غدير خم. لا شك أن علياً كان يعتبر نفسه أحق من الآخرين بأمر خلافة المسلمين واستلام زمام أمورهم لكنه لم يعتبر في أي وقت من الأوقات أن دليل أحقيته هذا هو النَصْب الإلهي له في هذا المقام، (خاصة في يوم الغدير) بل كان يشير – في معرض إثباته لتقدّمه على سائر الصحابة- إلى خصائصه وما أكرمه الله به من مزايا مثل تربيته في حجر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسبقه في الإسلام وتضحياته في سبيل دين الله وعلمه الوافر وأحياناً كان يطرح كلمات ووصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحقه (مثل حديث غدير خم) ليثبت من خلال ذلك فضيلته وتقدمه على الآخرين. ولكنه لم يقل قط: إن الله تعالى نصَبني بأمره وبواسطة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم إماماً على الأمة وإذا لم يسمع لي الناس ويطيعوا أمري فقد خانوا أمر الله ورسوله.

والآن حان الوقت لدراسة وتحليل جملة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المشهورة بشأن عليٍّ (ع).

في خطبة يوم غدير خم ابتدأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بسؤاله الناس: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» فلما أجابه الناس بالإيجاب قال عندئذ: «مَنْ كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه» ثم دعا بذلك الدعاء المعروف بحق عليٍّ وأنصاره وأحبابه: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه....».

هنا يدَّعي علماء الشيعة أن مقصود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كلمة «مولى» في جملة «مَنْ كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه» هو «الأولى بالتصرُّف» والذي يمكن أن نسـتنبط منه مفهوم الإمامة. ودليل الشيعة الوحيد هو أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل بيانه لتلك الجملة طرح موضوع أولويته بالمؤمنين من أنفسهم وأخذ اعتراف الناس بذلك ثم قال: «مَنْ كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه»، وبالتالي فمقصود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من «مولى» هو «الأولى». ولكن هذا الدليل ليس دليلاً قويّاً لأنه يمكننا أن نقول إن السؤال الذي طرحه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الناس في صدر الحديث كان الهدف منه أن يأخذ منهم اعترافهم بأنه أولى بهم من أنفسهم وذلك للتأكيد على ضرورة طاعتهم لما يريد قوله بعد ذلك. بعبارة أخرى كان هدف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك السؤال أن يقول للناس: إذا كنتم تقبلون بي نبياً وكنتم تعتبرونني أولى بكم من أنفسكم فعلاً، فيجب عليكم أن تحبوا عليّاً وتوالوه كما تحبوني وتوالوني. وذلك مثل الأب الذي يقول لابنه أحياناً عندما يريد نصحه ألستُ أباك؟ ثم عندما يجيبه ابنه بالإيجاب يقول له الأب: إذا كنت فعلاً تعتبرني أباك وتقبل بأنني أدرى بمصلحتك منك وأنني أحبك أكثر مما تحب نفسك فقم مثلاً بمصادقة فلان ومحبته وكن معه لطيفاً كريماً ولا تعاديه. ولكي تتضح النقطة بشكل أفضل نسأل: إذا ذَكَر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، بعد تلك المقدمة، نصيحةً مختلفةً هل كان ذلك يخلق تناقضاً ومحظوراً عقلياً؟ هل كان بإمكاننا أن ندَّعي أن صدر كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وذيله لا يتفقان مع بعضهما؟ إطلاقاً بالطبع! لأن معنى إطلاق وعموم جملة «ألست أولى بكم من أنفسكم» يشمل تماماً أيُّ شيء يريده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أمته ولا يمكن جعله قرينة على المعنى المقصود من«مولى». بعبارة أوضح، كل وصية وأمر كان سيقوله النبيّ بعد تلك المقدمة كان سيشملها هذا الحكم ذاته.

ثم إن لكلمة «مولى» في العربية معان متنوعة ولا يمكن معرفة المعنى المقصود الذي يريده قائلها منها إلا بقرينة دالَّة. ولكن أحد أكثر معاني الكلمة رواجاً واستخداماً هو معنى «الصديق المحبّ» و«النصير». ونحن نقول إن القرائن التالية تبين أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد فعلاً هذا المعنى بالذات من جملة «مَن كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه»:

ألف- إن خلفيّة وقوع حادثة غدير خم والسبب المباشر والأساسي لورود الحديث الذي صدر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها هو قضية المشادة والمشاجرة التي وقعت بين عدد من رجال قافلة اليمن (مثل خالد بن الوليد وبريدة الأسلميّ) وبين عليٍّ (ع)، ومعاداة أولئك الأشخاص لعليٍّ وإساءتهم الكلام بحقِّه على نحو كان من الممكن لذلك الطعن والإساءة أن تشوِّه شخصية عليٍّ (ع) بين الناس. وقد أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إزالة تلك العداوة والبغضاء من الصدور وأن يعرّف في الوقت ذاته بشخصية عليٍّ (ع) البارزة مرَّةً ثانيةً ويزيل سوء الظن الذي ربما تسـرّب إلى بعض القلوب تجاهه ويذكِّرهم بوجوب محبته وموالاته، كي يمنع بهذا فتناً قد تقع في المستقبل.

ب- إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يطرح أمر «أولوية» عليٍّ (ع) لما استخدم كلمة «مولى» بدلاً من كلمة «أولى»، لأن «أولى» على وزن أفعل و«مولى» على وزن «مفعل» والعرب لا تستخدم «مفعل» في مكان «أفعل». إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يطرح أولوية عليٍّ (ع) لكان باستطاعته أن يقول: «من كنت أولى به من نفسه فهذا عليٌّ أولى به من نفسه»؟ ألم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلم – إذا افترضنا أنه قصد بيان «أولوية» و«إمامة» عليٍّ أنه باستخدامه لكلمة «مولى» (التي معناها العُرفي في اللغة العربية هو المحب والنصير) بدلاً من كلمة «أولى» قد يوقع كثيراً من الناس في الخطأ والاشتباه؟.

ج- إن دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد جملة «من كنت مولاه....» أقوى قرينة لإثبات هذه الحقيقة وهي أن كلمة «مولى» في الجملة المذكورة استُخدمت في المعنى العرفي الرائج (أي المحب والنصير). كان دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد تلك الجملة: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه». يظهر هذا الدعاء بوضوح أن مقصود النبيّ من «مولى» هو «المحب والنصير» وأن ليس للجملة مورد البحث (التي قيلت قبله) من مفهوم سوى الوصية بمحبة عليٍّ ونصرته وموالاته. إذا كان مقصود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من «مولى» هو «أولى» لوجب أن يدعو النبيُّ بعد تلك الجملة بالدعاء التالي: «اللهم وال من آمن بأولويته وعاد من لم يؤمن بأولويته». بعبارة أخرى إذا كان مقصود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من جملة «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» نَصْب عليٍّ إماماً وخليفة بعده لقال في دعائه: «اللهم وال من سمع له وأطاعه وعاد من لم يسمع له ولم يطعه».

د- كما ذكرنا من قبل، لقد استنبط صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الكبار من جملة «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» وجوب محبة عليٍّ وموالاته وهذا بحد ذاته قرينة محكمة وقاطعة على أن قصد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من استخدام كلمة «مولى» هو معنى «المحب والنصير».

هـ- مرَّةً ثانيةً نؤكِّد أنه إذا كان قصد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كلمة «مولى» معنى «الأولى بالتصرُّف» وأنه أراد بتلك الكلمة إعلان إمامة عليٍّ (ع)، فإنه كان يعلم أكثر من أي شخص آخر أنه لا يوجد هنا في (غدير خم) سوى عدد محدود من صحابته وأنصاره وأن مكان إعلان مثل هذا الأمر المهم والمصيري يجب أن يكون قبل عدة أيام خلال مناسك الحج أمام ما يزيد على مئة ألف مسلم قدموا من جميع أنحاء الجزيرة العربية، وليس الآن (في غدير خم) بعد أن تفرق أكثر المسلمين وزعماء عشائر العرب ورؤساء بلاد المسلمين وانطلق كل منهم نحو دياره وبلاده.

و- إذا كان قصد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حديث غدير خم نَصْب عليٍّ (ع) إماماً وخليفةً بعده لقام بعد حادثة غدير خم، بالإشارة مجدَّداً إلى ذلك الأمر في المدينة المنورة، إن لم يكن عدة مرات فعلى الأقل مرَّةً واحدةً، ليؤكِّد عليه. هذا في حين أننا نرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم حتى في آخر كلماته التي قالها قبل أسبوع من رحيله لم يُشِـر أدنى إشارة إلى هذا الموضوع، مما يبيّن أن قصد النبيّ من جملة «من كنتُ مولاه...» لم يكن طرح قضية «أولوية» عليٍّ (ع) ونَصْبه إماماً وخليفة بعده.

الآن يمكننا أن نفهم على نحو أفضل أن الذي أخطأ في واقعة غدير خم لم يكن الله تعالى ولا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الكبار، بل الذي أخطأ هنا هو علماء الشيعة ليس غير، لأنهم بتفسيرهم الخاطئ للجملة التي صدرت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (في تلك الحادثة) حكموا – دون أن يقصدوا ذلك أو يقولوه – على الله تعالى وعلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آلاف من أصحابه الكبار والمؤمنين والمخلصـين بالخطأ في التصرُّف!. أما الخطأ الذي نسبوه -دون أن يشعروا - إلى الله فلأن الله تعالى لم ينزِّل آية التبليغ في أثناء مناسك الحج (حيث كان أكثر من مئة ألف مسلم حاضراً)، بل بعد أن رجع أغلب هؤلاء المسلمين إلى ديارهم وأوطانهم وودَّعوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتفرّقوا عنه، عند ذلك تذكّر أنه يجب أن يأمر نبيه بنَصْب عليٍّ إماماً على المسلمين من بعده!. وأما الخطأ الذي نسبوه -دون أن يشعروا – إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأولاً لأنه لم يبيّن الأمر بشكل صريح وواضح، وثانياً لأنه استخدم كلمة «مولى» بدلاً من «أولى» مخالفاً بذلك قواعد اللغة العربية (وإن لم يكن كذلك فالكلام يكون استثناءً تماماً) وأدى بذلك إلى إيقاع عدد كبير من الناس الأبرياء في الخطأ والاشتباه. وثالثاً لأنه – كما يبدو- نسي بعد حادثة الغدير أنَّه لم يكن معه في ذلك اليوم إلا عدد محدود من الأصحاب، وأن كثيراً من أهالي الجزيرة العربية (حتى أهل المدينة) لم يكن لديهم بعد أي خبر عن هذه الحادثة وما أُعْلِنَ فيها، ولم ينتبه إلى أنه قد يقع بعده اختلاف بين الأمة حول موضوع الإمامة وقيادة المجتمع المسلم وأن ذلك قد يؤدي إلى نزاع واقتتال يضعف الإسلام، وهذا النسيان وعدم الانتباه جعلاه لا يرى ضرورةً لإطلاع بقية المسلمين ورؤساء العرب وزعماء القبائل على هذا الأمر المهم من خلال رسائل يوجهها إليهم أو شفهيّاً، ولا يشير أي إشارة إلى هذا الموضوع المهم في آخر كلماته التي أدلى بها قبل وفاته. وأما الخطأ والاشتباه الذي نسبوه إلى الآلاف من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فهو أنه لم يوجد منهم حتى شخص واحد فهم قصد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على النحو الذي يفهمه الشيعة!

والسؤال هو: هل كان الخطأ حقيقةً من الله أم من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أم من أصحاب الرسول؟ أم أن علماء الشيعة هم المخطئون؟ نترك الحكم النهائي في ذلك الأمر للقارئ اللبيب.

تعارض نظرية الإمامة مع مبدأ ختم النبوة:

إن الخصائص التي يقول بها الشيعة بحق أئمتهم (كاعتبارهم منصوبين من قِبَل الله والقول بعصمتهم المطلقة من كل خطأ أو اشتباه أو خطيئة أو ذنب، وعلمهم اللدني الوهبي المصون من أي خطأ والذي يشمل بسعته العلم بما كان وما يكون، وارتباطهم المستمرّ بالملائكة واستلام كل واحد منهم رسالةً غيبيَّةً من الله، يحدِّدُ اللهُ له فيها واجباته ومهامّه، وامتلاك القدرة على التصـرُّف في الكون ونظام العالم وصنع المعجزات وكونهم مفترضي الطاعة على العالمين وعرض أعمال البشر عليهم و.. و..)(66)، إن لم تجعلهم أعلى رتبة من الأنبياء فقد جعلتهم على الأقل برتبة الأنبياء، فكأن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن النبيّ الأخير بل جاء بعده اثنا عشر نبياً آخر! وهذا أمر يتنافى بصراحة مع آيات القرآن الكريم واعتقاد عامة المسلمين بخاتميّة نبيّ الإسلام.

في إجابتهم عن هذا الإشكال يؤكد علماء الشيعة أن الإمام المعصوم يتمتَّع بجميع أوصاف الأنبياء سوى أنه ليس بنبيٍّ ولا يوحى إليه، ويرون بالتالي أن الاعتقاد بوجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يتنافى مع قاعدة ختم النبوة.

لكن هذه الإجابة لا تحل الإشكال المذكور. فالمسألة هي أنه بالأوصاف التي تنسبونها للأئمة، أيُّ فَرْقٍ يبقىما هو الفرق بين الإمام المعصوم والنبيّ؟ فما معنى قولكم إن الإمام المعصوم ليس نبياً؟ أي خاصيَّةٍ من خصائص النبيّ لا تقولون بمثلها في الإمام المعصوم؟ إذا كان النبيّ يوحى إليه فإن الأئمة المعصومين أيضاً (طبقاً لادعاء الشيعة) يوحى إليهم. إذ إنه ما الفرق بين الارتباط المتواصل للأئمة مع الملائكة وتلقيهم رسالة غيبية من الله فيها بيان وظائفهم والمهام التي اختص الله بها كل إمام من الأئمة، وبين الوحي؟ أليس مثل ذلك الارتباط أرفع حتى من الوحي؟ وبصرف النظر عن كل ذلك، هل يُبْقِي العلمُ بما كان وما يكون مجالاً أو حاجةً إلى الوحي أصلاً؟؟ في الحقيقة إن هذا العلم يجعل الإمام في غنى حتى عن الوحي الإلهي ويعطيه مقاماً أعلى حتى من مقام الأنبياء. وبعبارة أخرى فإن الأوصاف التي يعتقدها الشيعة في أئمتهم تجعل الأئمة المعصومين أنبياء الله ذاتهم، ولكن في مستوى أعلى بكثير من الأنبياء. وبناء على ذلك فمجرد القول بأن الإمام المعصوم ليس نبياً لا يحل الإشكال، إنَّ "النبيّ" معنى ومفهوم معيَّن وليس مجرد اسم إذا غيّرناه إلى كلمة "إمام معصوم" انحل الإشكال وانتفى التعارض بين نظرية الإمامة وقاعدة ختم النبوة. إن النبوَّةَ منصبٌ إلهيٌّ ذو خصائص ثلاث: 1- الوحي 2 – المهمة الإلهية 3- المعجزة. والشيعة تقول بهذه الخصائص الثلاث كلها – بل بدرجات أعلى منها – بحق أئمتهم المعصومين. فالسؤال هنا هو أننا بقبولنا للأوصاف والخصائص المذكورة بحق أئمة الشيعة، إذا قلنا إن خاتم النبيين هو حضرة المهدي (عج) وليس سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما المحظور العقلي من ذلك؟ إن مجرَّد تغيير اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى إمام لا يمكنه أن يحل مثل هذا التناقض. إذا اعتبرنا أن الأئمة يمتلكون فعلاً مثل هذه الأوصاف نكون في الواقع قد اعتقدنا بمقام النبوة في حقّهم (على الأقل بحدِّ النبوة التبليغية) وهذا يتعارض تماماً مع قاعدة ختم النبوة.

انعـدام الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة في العصر الحاضر:

لنفرض أن الله تعالى نصَب حقيقةً أئمةً معصومين خلفاءَ للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وهداةً للأمة وأن الثاني عشر منهم غاب قبل ألف ومئتي عام وهو حيٌّ حتى الآن لكنه مختبئٌ ومحتجبٌ عن الأنظار وسيظهر في يوم من الأيام بأمر الله ويحقِّق الوعد الإلهي. إلا أن السؤال المهم هنا هو أنه حتى لو كانت هذه العقيدة صحيحة فما فائدتها اليوم للمسلمين وأي مشكلة تحلُّ لهم؟ ومن الجهة الأخرى، أيُّ نعمة سَتُحرم منها الأمة الإسلامية إن لم تعتقد بالإمامة المنصوص عليها لعليٍّ بن أبي طالب (ع) وأبنائه عليهم السلام وبعصمتهم، وأي مشاكل ستقع فيها بسبب عدم الاعتقاد بذلك وما النقص الذي ستعاني منه؟

ابتداءً، وقبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من التذكير بنقطة هامة وهي أن لا أحد يذهب إلى جهنم بسبب أخطائه الفكرية أو الاعتقادية إلا إذا كانت تلك الأخطاء مُتَعمَّدة، أي كانت أخطاؤه ناجمة عن المعاندة الواعية للحق. أمَّا إذا آمن الإنسان بعقيدة ما بعد تحقيقه ومطالعته واجتهاده واستند فيما آمن به إلى الدليل والبرهان، فحتى لو جانبه الصواب وأخطأ في اجتهاده، فإن ما توصل إليه بأنه الحقّ يكون حجة له ولا يقال له يوم القيامة لماذا اشتبه عليك الأمر؟ لأن اشتباهه لم يكن متعمَّداً ولا عن علم ولا بسبب لجاجه وعناده للحق. وفي مثل هذه الحالة لا يكون معذوراً فحسب بل مُثَاباً على اجتهاده أيضاً. بناء على ما ذُكر إذا توصل الإنسان نتيجة مطالعته وتحقيقه وتفكيره وتأمله في أدلة الإمامة والعصمة إلى أن هذه الاعتقادات باطلة ولا تستند إلى أساس محكم، فإنه لن يعاقب في الآخرة لإنكاره تلك العقائد حتى لو كان مشتبهاً في هذه النتيجة التي توصل إليها، لأن قصدَه لم يكن إنكارَ الحقِّ عن عمدٍ ولا سَتْر الحقيقة وإخفاءَها عن علمٍ وقصدٍ بل على العكس كان مخلصاً في بحثه عن الحق وإرادته للحقيقة – وهذا بالطبع هو أساس التديُّن الحقيقي والإسلام الصادق- إلا أنه وقع في اشتباه في تشخيصه للحقيقة. فعلى فرض أن عقيدة الشيعة بشأن الإمامة والعصمة صحيحة، فإنَّ منكري الإمامة والعصمة، إذا كانوا قد وجدوا أن أدلة الشيعة غير كافية ولم يكونوا معاندين للحق والحقيقة، معذورون لا بل مثابون. أما إذا أنكر الإنسان الحقيقة لأغراض دنيوية وأهواء نفسية كالغرور والتكبر والأنانية، ورغم إدراكه لحقية الشيعة أغمض عينيه عن الحقيقة وغطَّى الحقَّ وكتمه عناداً ولجاجاً وتعصباً أعمى فلا شك أنه لن يكون بينه وبين الكفر مسافة كبيرة. وكذلك الشيعي إذا فعل ذلك (أي إذا أوصله بحثه إلى أحقية عقيدة أهل السنة ولكنه رفضها عناداً ولجاجاً وكتماناً للحق) لما كان هناك فرق بينه وبين الكافر.

الآن لندخل في صلب الموضوع الأساسي أي الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة في العصر الحاضر. يدَّعي علماء الشيعة أن أقوال الأئمة الاثني عشر وأفعالهم وتقريراتهم حجَّة على كل مسلم، بدليل أن الله تعالى هو الذي نصَبهم في هذا المقام وبدليل عصمتهم من كل خطأ واشتباه وذنب، وكذلك بدليل ارتباطهم بعالم الغيب وعلمهم بحقائق الدين وأحكام الله علماً موهوباً غير اكتسابيّ، وبالتالي فإذا أراد المسلم أن يفهم دينه فهماً صحيحاً ويخطو على طريق الهداية فالشرط اللازم والضروري لذلك هو أن يتتلمذ على أيدي هؤلاء الأئمّة ويأخذ عنهم، وبوجود نجوم الهداية أولـئك لا يجوز أن يذهب إلى غيرهم. واليوم رغم أنه ليس بيننا أئمة معصومون، إلا أن تعاليم الأئمة الاثني عشر التي بقيت عنهم يمكنها أن تكون مشعل هداية للناس نحو السعادة والكمال، وبوجود هذه التعاليم يكون الرجوعُ إلى تعاليم الآخرين الذين لا يتمتَّعون بالعصمة – مثل مالك والشافعي و...- ابتعاداً عن طريق الهداية. فيجب أن يؤخذ الماء من النبع الزلال، والنبع الزلال هنا هو التعاليم التي بقيت عن الأئمة المعصومين. يجب أن نتعلم الإسلام الأصيل والصافي من مدرسة أهل البيت أي الأئمة الاثني عشر.

أقول: إن في هذا الكلام خليطاً من حقٍّ وباطلٍ. نعم، إذا اعتبرنا أن شخصاً ما معصومٌ ومنصوبٌ مِنْ قِبَل الله تعالى، فإن أقواله وأفعاله وتقرايرته ستكون حجةً علينا لكن بشرط حضوره في المجتمع وإمكانية وصولنا المباشر إليه. إذا كان هناك في زماننا إمام معصوم حاضر في المجتمع فلن تكون هناك حاجة إلى الشافعي ومالك و...، ولكن ما العمل عندما لا يكون بيننا إمام معصوم؟ إن رأس مالنا في أمر الدين اليوم هو ثلاثة أشياء: 1- القرآن، 2- العقل، 3- أحاديث وروايات المعصومين:

أما العقل والقرآن فلا يختلف في حجّيّتهما أحدٌ من المسلمين، وأما الأحاديث والروايات فهل يمكن أن تكون حجَّة علينا؟ وهل ادِّعاءُ الشيعة بأنهم بفضل رجوعهم إلى أحاديث الأئمة المعصومين فإنهم يصلون إلى الإسلام الأصيل الصافي ادِّعاءٌ يمكن الدفاع عنه؟ إن إجابتنا عن هذين السؤالين هي النفي، فنحن نعتقد أن ادعاء الشيعة أنهم متصلون بالنبع الزلال ليس سوى وهم وخيال، وأنه طالما جَعَلَ الشيعةُ وأهلُ السنَّة الأحاديثَ والأخبارَ مرجعَهم النهائي في فهم الدين فإن كليهما يشربان من ماء عكر. إن التعاليم التي بقيت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين لا يمكنها – للدلائل التي ستُذكر أدناه- لا عقلاً ولا منطقاً أن تتمتع بالحجية الشرعية اللازمة في عصرنا الحاضر الذي نعيش فيه:

الدليل الأول: وجود وسائط عديدة بيننا وبين من صدرت عنهم تلكم الأحاديث، ليس أيٌّ منها (أي من الوسائط) معصوماً، لذا فمن البديهي منطقياً أننا لا يمكن أن نعتمد عليها اعتماداً مطلقاً، وأن هناك علامات استفهام وشك تحوم حول صدور تلك الروايات عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين. فكيف يمكننا أن نعتبر الحديث – الذي صدوره عن المعصوم ليس قطعياً- حجَّةً شرعيةً؟

الدليل الثاني: كثيرٌ من أحاديث النبيّ والأئمة انمحت واندثرت مع مرور الزمن وهذا يمنعنا من الفهم الصحيح والاستنباط القاطع من الأحاديث التي تبقَّت بين أيدينا. فكما أن آيات القرآن تفسِّر بعضها بعضاً فكذلك الأحاديث والروايات تفسّـِر بعضها بعضاً. وكما أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً كذلك في الأحاديث يمكن أن يكون هناك ناسخٌ ومنسوخٌ، ولما كان كثيرٌ من أحاديث المعصومين مفقوداً الآن فإن كل استنباطاتنا من الأحاديث المتبقية استنباطاتٌ ظنيةٌ ومشكوكٌ بها لأننا نتعامل في الواقع مع نصٍّ ناقصٍ ومبتورٍ لا مع نصٍّ كاملٍ ومدون ومنسجم. لا ننسَ أننا في دراستنا لنصٍّ من النصوص، إذا رجعنا إلى قطع وأجزاء من هذا النصّ فقط، قد لا نصل إلى فهم صحيح لذلك النصّ.

الدليل الثالث: يجب أن ننتبه انتباهاً كاملاً للظروف الزمانية والمكانية و... لصدور الأحاديث، كي نتمكَّن من فهمها فهماً صحيحاً، وبعبارة أخرى لا بد من دراسة القرائن الحالية والمقالية للأحاديث دراسةً دقيقةً. لكن المشكلة هي أن تلكم الظروف الزمانية والمكانية وتلكم القرائن الحالية والمقالية لم تصل إلينا بشكل كامل ويقيني لأن المتكفل بهذه الأمور هو علم التاريخ والقيمة العلمية لهذا العلم ودرجة الثقة به وميزان قطعيته أصبحت اليوم واضحة للجميع. إن ظنية التاريخ أصبحت اليوم من البديهيات التي لا ينكرها أحد.

الدليل الرابع: إن المبدأ الأصيل لتقدُّم العقل والقرآن على الحديث يجعل حجية هذه الأحاديث أمراً مستحيلاً وهذا أهم دليل. فبناء على وصية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذاته وعلى حكم العقل، إذا وصل إلى مسامعنا حديثٌ مخالفٌ للعقل أو القرآن فيجب أن نضرب به عرض الحائط، حتى لو كان سنده صحيحاً خالياً من أي عيب. ومن جهة أخرى إذا كان لدينا كلام منسجم مع العقل والمنطق ويتفق مع القرآن ولا يخالفه، فإننا نقبله حتى لو كان صادراً عن شخص غير معصوم مثل سلمان أو أبي ذر. بعبارة أخرى إن عصمة صاحب الكلام أو عدم عصمته ليس لها تأثير في قبولنا لكلامه أو عدم قبولنا له. إذا كان لدينا كلامٌ معقولٌ ومنطقيٌّ وموافقٌ للقرآن فإننا نقبله حتى لو كان قائله معاوية، وإذا كان لدينا كلامٌ غيرُ معقول وغيرُ منطقي ومخالفٌ للقرآن فإننا لا نقبله حتى لو نُقل إلينا عن لسان الإمام عليٍّ (ع). ومعنى هذا أن اعتقاد الشيعة بإمامة عليٍّ (ع) وأولاده وعصمتهم اعتقادٌ لا فائدة منه ولا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأن الإيمان بالإمامة وعصمة أولئك الأجلاء الكرام ليس له عملياً أي تأثير في دراسة الروايات. إذا كنا لا نعتقد بإمامتهم وعصمتهم فإننا سنقبل رغم ذلك الكلام المعقول والموافق للقرآن الذي يُنقل إلينا عنهم، والآن ونحن نعتقد بعصمتهم لا نقبل أيَّ كلام غير معقول ومخالف للقرآن يُنقل لنا عنهم، إذن الاعتقاد بإمامتهم وعصمتهم وعدم الاعتقاد بذلك سِيَّان.

 الدليل الخامس: حتى لو وصل إلينا كلامٌ عن المعصوم بشكل قطعيٍّ ويقينيٍّ ولم يكن هناك أي شك أو شبهة في صدور هذا الكلام عن لسان المعصوم ولم يكن فيه من ناحية العقل والتوافق مع القرآن أي مشكلة، فإنه من الممكن أن نخطئ في فهمنا لكلام المعصوم وفي استنباطنا منه، وهذا بحدِّ ذاته يبيِّن أن وجود الأئمة المعصومين غير كافٍ لأجل التفسير المعصوم للدين ومنع انحراف الناس وبروز الاختلافات بين الأمة، وإذا كانت إرادة الله أن لا يقع بين الأمة أي اختلاف وأن يصل الناس إلى فهم صحيح تماماً وكاملٍ للدين لَـخَلَقَ جميع الناس معصومين من البداية لأن وجود المرجع المعصوم وحده لا يمكنه أن يمنع خطأ الناس ووقوع الاختلاف فيما بينهم. لقد كانت هناك اختلافاتٌ وتنوُّعٌ في الرأي حتى بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الأئمة المعصومين. واليوم أيضاً عندما يرجع علماء الشيعة إلى أحاديث الأئمة المعصومين ورواياتهم فإنهم لا يصلون إلى فهم واحد لهذه الروايات بل توجد بينهم آلاف الاختلافات والآراء المتنوعة. بعبارة أخرى إن الفلسفة الوجودية للائمة المعصومين غير متحققة عملياً ولا يمكن أن نعرف الكلام الحق ونشخِّص الباطل. وفي عالمنا الشيعي أيضاً كل عالِـمٍ يُغَنِّي على ليلاه وينسب كلامه إلى المعصوم!.

 

تحليل حديث الثقلين:

يتَّضح بجلاء من مجموع النقاط التي ذكرناها في نقد الأدلّة العقليّة على ضرورة الإمامة (خاصة في بحث مناقضة غيبة الإمام الثاني عشر لتلك الأدلة) وما ذكرناه أعلاه تحت عنوان «انعدام الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة اليوم»، ضعف ووهن تفسير متكلّمي الشيعة لحديث الثقلين. يقول الحديث المذكور المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا أبداً»

إذا رجعنا إلى الأدلّة العقلية على ضرورة الإمامة – والتي طُرِح فيها أن فلسفة وجود الإمام هي ضرورة وجود مفسِّر للقرآن ومبيّن لأحكام الله وحقائق الدين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم – ووضعنا تلك الأدلّة جنباً إلى جنب حديث الثقلين، نَصِلُ إلى تفسير الشيعة لهذا الحديث وهو أن القرآن الكريم لا يكفي وحده لهداية الناس وإرشادهم نحو السعادة والكمال بل لا بد معه من مفسّـِرين معصومين منصوبين مِنْ قِبَلِ الله تعالى، وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث أن يعرِّفَنا بهؤلاء المفسِّرين المعصومين فبيَّن لنا أنهم عترته وأهل بيته. بعبارة أخرى، على الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا التفسير الصحيح للقرآن عن لسان العترة، الذين هم، طبقاً لادعاء الشيعة، الأئمةُ الاثني عشر ذاتهم، وإلا فإنهم سيضلون وينحرفون. يقول علماء الشيعة في ذلك:

«إن جعل أهل البيت قرناء للقرآن الكريم في لزوم التمسّك بهما وأن الاثنين لا ينفصلان عن بعضهما، يوضِّح أن لا أحد من الاثنين يكفي وَحْدَهُ، وأن من قالوا: (حسبنا كتاب الله) وقعوا في خطأ كبير، وأضلُّوا كثيراً»(67).

أقول: لو كان هذا التفسير لحديث الثقلين صحيحاً لكانت نتيجته المنطقية ضلال جميع البشر في عصر الغيبة وحرمان مليارات الناس الأبرياء من الهداية والسعادة، لأن الإمكانية العملية للتمسك بعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فهم القرآن وتفسيره في عهد الغيبة قد انتفت، والناس في عهد الغيبة إما سيتدبرون القرآن بأنفسهم ويفهموه بالاعتماد على عقلهم فهماً بشـرياً (ولذا سيكون فهماً ناقصاً وغير خالص ومشوباً بالخطأ) أو سيقلدون في فهم القرآن العلماء والفقهاء ويرجعون إليهم في هذا الأمر (والعلماء أيضاً فهمهم للدين فهم بشري) فبهذا الحساب يكون جميع الناس ضالون ولا توجد طريق للهداية والسعادة إلى أن يظهر الإمام المعصوم. فهل يمكن القبول بمثل هذا الأمر؟! الطريق الوحيد الذي يبقى للشيعة هو أن يقولوا: رغم أن عترة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليست حاضرة الآن، لكن تعاليمهم قد وصلت إلينا في قالب الأحاديث والروايات المنقولة عنهم وهذه التعاليم تملأ هذا الفراغ. ولقد بيَّنّا في الفقرة السابقة تحت عنوان «انعدام الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة في العصر الحاضر» أننا إذا قلنا بضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم – خاصةً استناداً إلى الأدلة التي نقلناها عن متكلّمي الشيعة فيما سبق – لا يمكننا أبداً أن نعتبر أن باستطاعة الأحاديث والأخبار الباقية لدينا عن الأئمة أن تملأ الفراغ الناجم عن عدم وجود الإمام المعصوم حاليّاً بيننا. ونضيف هنا أنه إذا كان تفسير الشيعة لحديث الثقلين – والذي يستند إلى أدلة ضرورة الإمامة – صحيحاً للزم من ذلك منطقياً ضرورة وجود الأئمة المعصومين وحضورهم في جميع العصور، وبالتالي فإن غيبة الإمام المعصوم لا تنسجم مع هذا التفسير إطلاقاً كما أن التوسُّل بالتعاليم والأحاديث الباقية لدينا عن الأئمة المعصومين لا يحل المشكلة.

في رأينا إذا قبلنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الناس بلغتهم مراعياً العرف السائد في التخاطب فيما بينهم، فيجب أن نقبل أن قصده من حديث الثقلين هو أنه لما كان أهل بيتي وعترتي أقربَ الناس إليَّ وأكثَرَهم أخذاً عني فإنهم يعرفون تعاليم القرآن وأحكام الله أفضل من غيرهم. لذا فيجب على الناس أن يستفيدوا من علمهم قدر الإمكان ويأخذوا عنهم دروس الدين. ويتضح هذا أكثر إذا لاحظنا أن حديث الثقلين ورد بصورتين في إحداهما «كتاب الله وسنتي» وفي الثانية «كتاب الله وعترتي» وهذان النصان لا يتنافيان مع بعضهما بل يكمِّل أحدهما الآخر. توضيح ذلك أن حديث الثقلين كان يتضمّن في الأصل جملة: «كتاب الله وسنتي» بما معناه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرنا أن نرجع بعده إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وأن نتمسّك بهذين الحبلين ونعتصم بهما كي لا نضل. ولكن لما كانت عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أقرب إليه من الآخرين وكانت معرفتها بسنته أكثر من الآخرين لذا فإن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن الأمرَ ذاته في موارد أخرى بعبارة «كتاب الله وعترتي». فإذا قلنا: أولاً: إن قصد النبيِّ من كلمة «عترتي» أفرادٌ مخصوصون (كالأئمة الاثني عشر للشيعة) وثانياً: إن رجوعَ الناس إلى هؤلاء الأفراد لأجل فهم الدين بشكل صحيح والتمتُّع بنعمة الهداية والوصول إلى السعادة الأخروية ضروريٌ حتماً؛ عندئذٍ سنواجه الانتقادات ذاتها التي واجهناها من قبل لدى دراستنا وتحليلنا للأدلّة العقليّة على ضرورة الإمامة. أما في التفسير الذي عرضناه لحديث الثقلين فلا حديثَ عن الضرورة الحتمية للرجوع إلى عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا نفيٌ لعلم العلماء الآخرين. إن القول بضرورة الرجوع إلى الأئمة لا يمكن قبوله لما يترتب عليه من محظورات عقلية كما أن نفي إمكانية الأخذ عن علماء آخرين (غير الأئمة) مخالف لقواعد المنطق، لأن إثبات الشيء لا يعني نفي ما عداه. بعبارة أخرى لم يكن معنى كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا رجعتم إلى علماء آخرين فإنكم ستضلون حتماً ولن تصلوا إلى الهداية أو السعادة أبداً. في القياس الاستثنائي (في علم المنطق) لا ينتج نفيُ المقدَّم نفيَ التالي، بمعنى أن حديث الثقلين لا يدلُّ على أكثر من أن الناس لو رجعوا إلى عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتمسكوا بها فلن يضلُّوا أبداً. فهل يا ترى إذا نفينا المقدم (الرجوع إلى العترة) فإن النتيجة ستكون نفي التالي (أي أن الضلال سيكون قطعياً وحتمياً)؟ إن الإجابة على هذا السؤال طبقاً لقواعد المنطق هي: لا. إذا اعتبرنا كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارداً على حسب المعنى العرفي – كما هو الأصل - فسنرى أن استنتاج عصمة العترة من حديث الثقلين يفتقد الأساس المنطقيَّ المحكم.

أما الشيعة فيستدلُّون بحديث الثقلين على ثبوت عصمة العترة على النحو التالي:

«إن أمْرَ رسول الله بالتمسك بالقرآن والعترة بشكل متساوٍ جنباً إلى جنب يبيِّن أنه: كما أن القرآن الكريم مصونٌ عن الخطأ والاشتباه... فعترةُ رسول الله الطاهرة معصومةٌ أيضاً من باب أولى عن الخطأ والاشتباه»(68).

فأقول: لكن كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليس ظاهراً في إثبات المساواة بين القرآن والعترة. إن ما يفهم من ظاهر ذلك الحديث أن الناس لو رجعوا إلى كلا الاثنين (القرآن والعترة) فإنهم لن يضلوا أبداً. أما إذا أراد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث المذكور مساواة القرآن بالعترة واعتبارهما في رتبة واحدة فإن هذا يلزم عنه لازمان عقليان ومنطقيان:

1. في مثل هذا الفرض لن تكون هناك ضرورة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ارجعوا إلى كلا الاثنين (القرآن والعترة) تهتدوا، بل كان عليه أن يقول: إذا رجعتم إلى أيِّ واحدٍ منهما اهتديتم. وبالطبع لو أردنا أن نقبل بمرتكزات الشيعة فإنه في مثل هذا الفرض كان المفروض أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: بدلاً من الرجوع إلى القرآن ارجعوا إلى عترتي، وذلك لأننا -حسب رأي الشيعة - لا نعلم تفسير القرآن على النحو الصحيح والمطلوب، وعاجزون عن فهم كثير من آيات القرآن، لأننا غير معصومين، وبالتالي فنحن نحتاج بشكل ضروري لتفسير الأئمة المعصومين لهذا الكتاب السماوي. بعبارة أخرى إذا قبلنا بمرتكزات الشيعة، فإنه إذا كان هناك إمامٌ معصومٌ (المفسـّر الحقيقي للقرآن) حاضراً بيننا، فإن رجوع الناس المباشر إلى القرآن والتدبّر في آياته ليس غير ضروري فحسب بل عملاً عبثيّاً وغير مجد بل حتى ممنوع!. لا ننسَ أنه في نظر الشيعة يُعْتَبَر الأئمةُ المعصومون «قرآناً ناطقاً»، وعندما يكون لدينا «قرآنٌ ناطقٌ» أفلن يكون الرجوع إلى «القرآن الصامت» عملاً عبثياً وغيرَ مجد ولا فائدة منه (بدليل العجز المطلق لغير المعصوم عن فهم بعض الآيات فهماً صحيحاً واحتمال الخطأ في فهم الآيات أخرى)؟

2. إذا قَصَدَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من حديث الثقلين المساواة بين العترة والقرآن وبالنتيجة «عصمة العترة» لكان من اللازم أن يذكر لنا مصاديق «العترة» بصراحة وشفافية تامة أي يعرّف لنا الأئمة واحداً واحداً. فلماذا لم يقم بمثل ذلك؟ ألا يدَّعي الشيعة أن الناس لا يستطيعون أن يشخّصوا وجود ملكة «العصمة» لدى أي شخص؟ ألا يقولون إن المعصوم لا يمكن أن يعرِّفه للناس إلا معصومٌ مثله؟ فلماذا امتنع النبيُّ عن التعريف الصريح بالأئمة المعصومين (بذكر الاسم والكنية)! هنا أرى من الضروري التذكير بنقطة هامة وهي أنه ليس لدينا حتى حديث واحد موثوق ذكر فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أسماء أشخاص على أنهم «أئمة معصومون»، والأحاديث التي يستند إليها علماء الشيعة في هذا المجال كلها موضوعة لا تقوم بها حجَّة، لأن في أسانيدها رواةٌ مجروحون لا يُوثَقُ بنقلهم ليس من وجهة نظر أهل السنة فقط بل حتى من وجهة نظر علماء الشيعة الكبار.

و لنترك كل ما ذكرناه جانباً، ولنفرض أنه كان هناك، من بين عترة النبيِّ وآله، علماء ومفسرون كبار استفادوا من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً وفهموا القرآن أفضل من غيرهم، ورغم أنهم لم يكونوا معصومين إلا أنهم كانوا علماء أتقياء وفقهاء ورعين. فإذا قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم للناس: إضافةً إلى رجوعكم إلى القرآن وتدبّركم في آياته ارجعوا أيضاً إلى هؤلاء العلماء واستفيدوا من علمهم كي لا تضلوا أبداً، فأي محظور عقلي يكون في كلامه هذا؟

ستقولون: إن هؤلاء العلماء والفقهاء غير معصومين وقد يخطئون في فهم الدين فلا يمكن القول بأن الرجوعَ إليهم والأخذَ عنهم (حتى لو كان علمهم مأخوذاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم) يعصمنا من الضلال بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فنقول: أولاً: علينا أن نصحِّح فهمنا لموضوع الهداية والضلال. الهداية تعني أن يكون الإنسان على الطريق الصحيح في سعيه الصادق والمخلص للوصول إلى الحق والإذعان للحقيقة التي وجدها (حتى لو كان هناك احتمال لاشتباهه في تشخيص الحقيقة، ولكن طالما أنه اجتهد بكل صدق وإخلاص بقدر استطاعته البشـرية، فإن ذلك سيمنحه رضا الله والقرب منه سبحانه وتعالى، ونَيل الأجر والثواب الأخروي، وهذه هي الهداية بعينها فليست الهداية شيئاً سوى ذلك) وأي طريق أفضل من التعلم من مدرسة صحابيٍّ أدرك النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وتتلمذ على يديه مباشرةً وأخذ عنه حقائق الدين (خاصة إذا كان ذلك الصحابي فرداً من أفراد عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وكان قد نهل أكثر من غيره من فيض معارف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلومه)؟ بناء على ذلك، فإن المؤمن الذي يتدبّر القرآن ويتفكّر في آيات الله ويتعمّق في معانيها ويستفيد أيضاً في هذا المجال – لأجل مزيد من الفهم للقرآن- من أفكار واستنباطات كبار العلماء (لاسيما الخاصَّة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام) مع قصد خالص ونية صحيحة، لا يمكننا أن نطلق عليه كلمة «ضالّ»، رغم علمنا بأنه يمكن أن يقع في بعض الاشتباهات بسبب عدم عصمته والحدود التي تفرضها بشريته. إن ما يؤدي إلى انحراف الإنسان عن مسير الهداية ويوقعه في أودية الضلال هو معاندته العامدة للحق (بسبب هوى النفس وترجيح المصالح الدنيوية و....).

ثانياً: يعتقد علماء الشيعة أن الأئمة المعصومين أمروا الناس في أحاديث متعدِّدة بالرجوع في عصر الغيبة إلى الفقهاء العدول، وجعلوا أولئك الفقهاء حُجَّةً بينهم وبين الناس، وجعلوا هداية الناس مرهونة باتباع أولئك الفقهاء(69). نحن لن نبحث الآن في صحة هذه الدعوى أو عدم صحتها. إننا نريد أن نسأل: هل يمكن أن نستنتج من تلك الأحاديث أن الفقهاء معصومين؟ من البديهي أن الإجابة هي: كلا. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نستنتج من وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع «عترته» والتمسك بها، أن «عترته» لا بد أن تكون معصومة؟ هنا نلاحظ كيف أننا لو صحَّحنا فهمنا لمعنى الهداية والضلال فلن نجد في وصية النبيِّ المسلمينَ أن يتمسَّكوا بعترته (بمعنى العلماء والمفسرين والفقهاء من عترته وأهل بيته) وتأكيده أن التمسك بهم يعصمهم من الضلال (حتى لو وقعت أخطاء في هذا المجال) أيُّ محظور عقلي أو مشكلة، ولمَّا كان الأمر كذلك فلا يمكننا أن نقول إن حديث الثقلين دليل قاطع ومحكم على عصمة العترة (وعلى أنه من الضروريّ والحتميّ أن يُرادَ من هذا اللفظ -أي العترة - أفرادٌ مخصوصون). والحاصل إن الحديث المذكور لا يدل بالضرورة على مثل هذه النتيجة، لأنه حتى لو فرضنا عدم عصمة عترته فإن الحديث لن يتضمن أي تناقض أو إشكال (هذا بشرط أن نأخذ حديث النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على المعنى العرفي وأن نصحح فهمنا لمعنى الهداية والضلال).

ثالثاً: إذا اعتبرنا أن الضلال هو الخطأ في فهم الدين وفي تشخيص الحقيقة فسنكون مجبرين على الاعتراف بأننا ضالون على الدوام ولن نجد في حياتنا الهداية، حتى لو رجعنا إلى العترة التي تدّعي الشيعة عصمتها. ذلك لأننا حتى لو افترضنا أن عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم معصومة عن الخطأ فإن الناس العاديين الآخرين غير معصومين عن الخطأ لذا فقد يخطئون في فهم كلام المعصوم أو في حفظه أو في نقله من شخص إلى آخر، وبالتالي فإن كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين (الذي يؤكِّد أننا لو رجعنا إلى القرآن والعترة فلن نضل إذن أبداً) سيظهر أنه خلاف الواقع، هذا حتى لو افترضنا عصمة العترة. ونعوذ بالله من تحليلات تنتج في النهاية ظهور مخالفة حديث النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم للواقع!.

ثم نسأل: إذا كان الأئمة المعصومون قد جاؤوا لأجل بيان حقائق الدين وأحكام الله والتفسير الصحيح المعصوم عن الخطأ للقرآن الكريم، فلماذا لم يدوِّن أيٌّ منهم تفسيراً كاملاً للقرآن كي يصبح مرجعاً معتبراً وكاملاً ومدوَّناً للآتين، حتى لا يختلفَ علماء الشيعة في العصور التالية عند غياب الإمام المعصوم في فهم الدين وفي تفسيرهم الصحيح للقرآن ولا تـتشتَّتَ آراؤهم؟ لماذا لم يكتب الإمام علي (ع) خلال فترة الخمسة وعشرين عاماً التي اعتزل فيها السياسة وجلس في بيته مثل هذا التفسير؟ لماذا لم يقم الأئمة التالون (خاصة الإمام جعفر الصادق (ع) الذي أُتيحت له الحرية في نشر معارف الإسلام) بمثل هذا العمل؟ لماذا لم يستفد الإمام الحسين (ع) من السنوات العشر الأولى من إمامته (التي كان معاوية لا يزال فيها حياً وكان المجتمع هادئاً لأن الحسين (ع) بسبب الصلح الذي أمضاه أخوه الإمام الحسن (ع) مع معاوية، لم يتعرَّض إلى مجاهدة معاوية ومحاربته) في كتابة تفسير كامل للقرآن الكريم من أوله لآخره؟ والسؤال ذاته يمكن أن نطرحه حول تعليم أصول الدين وطرق الاجتهاد الصحيح وقواعد استنباط الأحكام من النصوص الدينية. ألم يكن الأئمة يعلمون أن عهد الغيبة سيحل قريباً وسيُحْرَمُ الناس فيه من حضور إمام معصوم؟ فلماذا لم يقم أيٌّ منهم بكتابة دورة كاملة في علم أصول الفقه والقواعد الصحيحة للتفقُّه في الدين كي يستفيد العلماء والفقهاء منها في المستقبل، وعلى الأقل عندما يريدون الاجتهاد من النصوص الدينية يستندون إلى منهج وقواعد واحدة ولا يقع بينهم كل ذلك الاختلاف والتشتت في الآراء؟ إن كل ما بقي لدينا عن الأئمة الكرام هو مجموعة من الأحكام الفقهية الخاصة بعصرهم وفترتهم الزمنية فقط لا غير، ولا نجد أي شيء في تعاليمهم يتعلق بالنظر إلى المستقبل وتعليم نهج الاجتهاد واستنباط الأحكام. فعلى سبيل المثال لم يقولوا لنا شيئاً عن موضوع ما إذا كانت ظروف الزمان والمكان دخيلة في الاجتهاد أم لا. مثلاً كانوا يقولون فقط: الاحتكار محرَّمٌ في ستة أشياء (الحنطة والشعير و...) ولكنهم لم يوضِّحوا أبداً هل هذا الحكم خاصٌّ بذلك العصـر فقط أم أن حكم الاحتكار هذا يمتد بذاته إلى الأبد؟ لهذا نرى اليوم فقيهاً مثل آية الله گلپايگاني (جلبايجاني) يقول إن حكم الاحتكار اليوم هو حكم الاحتكار ذاته الذي قاله المعصوم (قبل 13 قرن) وأنه إلى يوم القيامة لا يحرم الاحتكار إلا في الأشياء الست المذكورة في تلك الرواية. في حين أن هناك فقيهاً آخر مثل آية الله منتظري يقول إن تحريم احتكار القمح والشعير و... في عصر الأئمة سببه أن حاجة الناس الأساسية إلى المواد الغذائية كانت منحصرة في تلك المواد الغذائية المذكورة فقط، وكان احتكار تلك الأغذية يضـر إضراراً كبيراً بالمجتمع الإسلامي. واليوم وبعد أن تغيرت حاجات الناس فإن احتكار الأشياء التي يحتاجها الناس بالضـرورة (مثل الحديد والإسمنت والزيت و...) حرامٌ أيضاً، يعني أن الملاك الأصلي لحكم الاحتكار هو حاجات الناس وحاجات المجتمع الضرورية، وليس من البعيد أن يأتي يوم تخرج فيه تلك السلع التي وردت في الرواية وكان احتكارها محرماً في ذلك الزمن مثل القمح والشعير والزبيب والتمر و...عن كونها من ضروريات المجتمع وحاجات الأفراد الأساسية وبالتالي يصبح احتكارها غير محرم في حين يكون احتكار سلع مثل اللحم والدجاج والسمك و... أو الخشب والورق و... محرماً نظراً لكونها من السلع التي يحتاجها المجتمع بشكل أساسي. فسؤالنا هو لماذا كان الأئمة المعصومون يكتفون، عند بيانهم لأحكام الدين وإجاباتهم عن استفتاءات الناس، بذكر الأحكام فقط والإجابة على أسئلة الناس فحسب، ولا يُذَكِّرون الناس مثلاً أو ينبِّهونهم إلى أن حكم فرض دية المقتول على عاقلة القاتل مثلاً يختص بالمجتمعات القبلية القديمة فقط مثل أهالي الجزيرة العربية وعصور ما قبل العصور الحديثة أم لا يختص بها بل يعم جميع المجتمعات؟ وهل ينطبق الحكم ذاته على مجتمعات أخرى وأزمنة مستقبلية أم لا؟ ويمكن طرح هذه الأسئلة بشكل كُلِّيّ بالصورة التالية: لماذا لم يخلّف لنا الأئمة المعصومون آثاراً مكتوبة في مجال تفسير القرآن، وبيان أحكام الله، والرؤية الدينية للعالم والكون، والتاريخ الصحيح لحوادث صدر الإسلام، ومكانة العقل والعلم والفلسفة في الدين وكذلك حول أصول الأخلاق والعرفان (أو التصوف) الإسلامي و...، كي يحولوا إلى حد كبير دون تحريف تعاليمهم واندثارها، وكي تكون تلك المؤلفات مصباح هداية يستنير بها ويهتدي بهديها جميع من سيأتي بعدهم في المستقبل؟ صحيح أن بعض المستندات المكتوبة تتعرض أحياناً إلى الدس والاختلاق والتحريف، لكن احتمال الوضع والتحريف في الوثيقة المكتوبة أقلُّ بكثير منه في الكلام المنقول شفهياً والمتناقل عبر الأفواه بين الناس. لذا إذا كان أئمة الشيعة قد نصبهم الله حقاً، وكانوا مأمورين بتفسير القرآن تفسيراً معصوماً عن الخطأ وببيان أحكام الله وحقائق الدين، فإن تدوينهم لتعاليمهم وقيامهم بذلك بأنفسهم (للحيلولة دون الوضع والافتراء فيها أو تحريفها واندثارها، وكذلك لأجل استفادة الناس والأجيال اللاحقة بنحو أكثر) كان من أوجب الواجبات. فلماذا لم يقم أيٌّ منهم بمثل هذا الأمر؟ يكفي أن نفكِّر بهذه النقطة فقط كي ندرك حقيقة أن التفسير المعصوم عن الخطأ للدين لم يكن غرضاً مطلوباً لِـلَّهِ تعالى. بعبارة أخرى إن الله تعالى لم يجعل فهم الناس لدينهم بشكل كامل وصحيح مئة بالمئة ودون أي خطأ أو نقص وعلمهم بجميع أحكامه صغيرها وكبيرها وتطبيقهم لها بحذافيرها شرطاً للسعادة والكمال والقرب منه سبحانه وتعالى. لأنه لو كان يريد ذلك لخلق جميع الناس منذ البداية معصومين عن الخطأ. ودليلنا على ادعائنا هذا أن وضع مثل هذا الشـرط بالنسبة لأناس غير معصومين هو في الحقيقة تكليف بما لا يطاق وهو أمر - بمعزل عن قبحه - يؤدي إلى حرمان جميع الناس من السعادة والكمال. وثانياً: حتى لو كان هذا الشرط قابلاً للتحقُّق ولم يكن خارجاً عن طاقة البشر فإن لازمه الضروري على الأقل وجود مرجع معصوم وحضوره في جميع العصور إلى يوم القيامة. لكننا نرى اليوم أن مثل هذا اللازم أو الشرط غير متحقِّق، لذا استناداً إلى هذا الواقع يمكننا أن نستنتج أن الله تعالى لم يجعل الوصول إلى السعادة والقرب منه سبحانه مشـروطاً بالفهم والعمل المعصومان عن الخطأ، بل جعل شرط ذلك أن يبحث الإنسان بكل صدق وإخلاص عن الحقيقة ويعتمد في هذا السبيل على عقله وفطرته ووجدانه النقي الطاهر لتشخيص الحق من الباطل ويبذل طاقته وغاية جهده بصدق وإخلاص، وعندئذٍ حتى لو وقع في خطأ أو اشتباه أو تعثُّر فإنه يكون معذوراً بالتأكيد. القصة في فهم الدين أيضاً هي هذه وليست شيئاً آخر. لقد أراد الله من الإنسان أن يسعى ويبذل جهده لفهم دينه ومعرفة طريق الحق من خلال تدبره القرآن وإعماله عقله وفكره وتفكيره، ولما كان الله يعلم أنه خلق البشر غير كاملين وأن قدراتهم محدودة وناقصة وأنهم جائزو الخطأ، وأنهم بعد السعي الصادق لن يصلوا سوى إلى فهم بشري للدين، فإنه يقبل منهم هذا ويغفر لهم نواقصهم وأخطاءهم غير العمديَّة، ولا يرفض إلا المعاندة المتعمّدة وعن علم للحقّ. هنا نصل إلى أن الذين أطلقوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعار «حسبنا كتاب الله» لم يخطئوا، فالله تعالى ذاته جعل القرآن الكريم فقط وسيلةً لهداية الناس وإرشادهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن إرادته أن يمتلك الناس تفسيراً معصوماً عن الخطأ للقرآن الكريم. هذا عدا عن أنه لو كان شرط السعادة والكمال هو التفسير المعصوم عن الخطأ للدّين فإن مثل هذا الغرض لا يمكن تحصيله حتى مع نَصْب أئمة معصومين وحضورهم بين الناس في جميع العصور. لأنه حتى لو وُجد إمام معصوم في كل عصر كي يبين للناس حقائق الدين وأحكام الله بشكل صحيح مئة بالمئة، فإن الناس رغم ذلك قد يقعون في الخطأ والاشتباه في فهمهم لكلام المعصوم وفي ضبطهم له أو أثناء نقلهم كلامه إلى الآخرين مما سيعرِّض تعاليم المعصوم إلى التشويه والتحريف أو الدس والوضع. ألا يختلف علماء الشيعة ذاتهم في عصـرنا الحاضر في فهمهم لكلام المعصوم؟ ألا يقدِّم كل واحدٍ من هؤلاء الفقهاء فهمه إلى الناس على أنه كلام المعصوم ذاته وحقيقة الدين؟ أليس فهمهم للدين فهماً بشـريّاً (وبالتالي فهو فهم ناقص ومشوب بالخطأ)؟

عدة نقاط حول الإمام الثاني عشر وقصّة غيبته:

1. إن ولادة ابن للإمام الحسن العسكري (ع) باسم المهدي أمر مشكوك فيه من الناحية التاريخية، ولا تؤيد المصادر التاريخية الموثوقة والمقبولة لدى أهل السنة ولادة مثل ذلك الطفل. ولا يوجد أي مستند أو دليل تاريخي محكم، يتمتع بالموازين والمعايير التي يعتمدها أهل السنة لقبول الروايات التاريخية، يثبت هذا الأمر، ولذا فإن طريق إثبات هذا الأمر مغلق بالنسبة إلى أهل السنة. فإذا كان لدى المدّعين سند محكم في هذا المجال فليظهروه لنا.

2. حتى لو ثبتت ولادة ابن للإمام الحسن العسكري (ع) فإن هذا وحده لا يكفي لإثبات دعاوى الشيعة حول غيبته واحتجابه عن الأنظار وبقائه حياً إلى زمن الظهور. هنا يبقى أمام الشيعة منطقياً طريقان لإثبات ادعائهم:

الأول: أن يكون القرآن أو النبيُّ قد طرحا مثل هذا الموضوع بشكل صريح. لكننا لا نجد شيئاً من هذا لا في القرآن ولا في حديث النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم. نعم، رُويت عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في كتب الشيعة أحاديث وروايات بين فيها النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أسماء الأئمة المعصومين واحداً تلو الآخر وأشار فيها إلى الغيبة الطويلة للإمام الثاني عشـر منهم وظهوره بأمر الله في آخر الزمان. لكن جميع هذه الروايات موضوعة ومختلقة وكثير من علماء الشيعة أيضاً يقرّون بذلك ولا يعتمدونها. مرَّةً ثانيةً نقول لمدَّعِي وجود الإمام الثاني عشر وغيبته: إن كنتم تستطيعون نقض كلامنا فأتونا بحديث بهذا الصدد ليس فيه أي مطعن لا في متنه ولا في سنده.

الطريق الثاني: أن يتم إثبات نظرية إمامة عليِّ بن أبي طالب (ع) وأبنائه بأدلة عقليّة ونقليّة محكمة، ثم يأتي بعد ذلك كلامٌ عن هذا الأمر في أحاديث الأئمة المعصومين. لكن للأسف - وكما رأينا من قبل - لا يمكن الدفاع عن مثل هذه النظرية عقلاً بل هناك دلائل كثيرة تثبت بطلانها. ويمكن لطلاب الحقيقة أن يرجعوا إلى كتب كثيرة كُتبت في نقد نظرية الإمامة هذه(70).

3. إن وجود إمام معصوم مختف عن الأنظار ولا يصل منه أي نفع للمجتمع الإسلامي ويتجوّل بين الناس بشكل مخفيٍّ وسريٍّ فقط دون أن يستطيع فعل شيء لمصائب هذه الأمة عملٌ لَغْوٌ وغيرُ مجدٍ ولا فائدة منه، وهذا بحد ذاته يضع علامة شك كبيرة على وجود الإمام الثاني عشر وغيبته من الأساس. إذا لم يكن وجود إمام غائب لا يرتجى منه أي نفع للناس والإسلام لغواً فقولوا لنا ما هو اللغو؟

4. إذا فكّرنا بطريقة حياة الإمام الثاني عشر يتضح لنا بشكل أكبر أسباب كون هذه العقيدة مشكوكٌ فيها. فالسؤال هو أيُّ نوع من الكائنات هو هذا الإمام الثاني عشر؟ هل هو إنسان كسائر البشر، ويحتاج إلى جميع ما يحتاجه الإنسان العادي من لوازم البشرية (كالحاجة إلى زوجة وأطفال وبيت وعمل و...) أم أنه موجود غير طبيعي وكائنٌ فوق بشري؟ سنقوم هنا بتحليل كل من الفرضيتين:

4- 1. الفرضية الأولى أن يكون الإمامُ الثاني عشر مثلَ جميع أجداده ومثلَ جميع الناس الآخرين إنساناً طبيعيّاً تماماً لا فرق بينه وبين الآخرين سوى امتلاكه لروح عالية وضمير نقي وحيازته لمقام الإمامة والعصمة. وهي مقامات معنوية لا تتنافى مع بشريته من ناحية الطبيعة الإنسانية. في الحقيقة إنه إنسان طبيعي كسائر البشر غاية ما في الأمر أنه يمتلك مراتب معنوية عالية وكمالات روحية رفيعة وهو الآن محتجبٌ عن الأنظار لكنه يعيش حياةً إنسانيةً طبيعيةً مثل سائر البشر.

هذا الافتراض يخلق مشكلات عديدة لمن يعتقد بحياة الإمام على هذه الصورة. طبقاً لهذه الفرضية لا بد أن يكون للإمام الثاني عشر شأنه في ذلك شأن سائر الناس (ومثل جميع الأنبياء والأئمة قبله) ما يلي:

أ- وظيفة وعمل يكتسب معاشه منه.

ب- بيت يعيش فيه.

ج- زوجة وأولاد.

د- يمرض أحياناً أو يصاب بجروح.

هـ- يستخدم في أسفاره وسائل النقل الرائجة كالخيل والجمال أو في عصـرنا الحاضر الطائرات والقطارات والحافلات والسفن.

و- أحياناً يختلف مع الآخرين وتقع بينه وبينهم منازعات وقد يضطروا إلى الرجوع إلى مراكز خاصة كالمحاكم وغيرها لحل الخلاف.

ز- وبكلمة واحدة يعيش حياة مدنية أو قروية طبيعية (خاصة في عصـرنا الحاضر) ويكون مواطناً في أحد البلدان بكل معنى الكلمة.

وبالطبع فإنه مضطر إلى الأمور التالية حتى لا يُعرف وينكشف أمره:

ح- أن يعيش باسم مستعار.

ط- أن يتنقل بشكل متواصل من مكان إلى آخر كي لا تؤدي هيأته الثابتة (من ناحية الشباب) إلى شكّ الناس بأمره.

تأملوا الآن كل واحدة من اللوازم والتبعات المذكورة أعلاه لتروا إلى أين نصل:

هل الإمام الثاني عشر تزوج مرة واحدة فعاشت زوجته معه كل هذا العمر الطويل الذي يتجاوز حتى اليوم ألف عام أم أنه تزوج عشرات المرات وعاشت كل زوجة معه حياة طبيعية ثم هرمت وتوفيت فتزوج بأخرى وبدأ حياة زوجية من جديد (وأطفال جدد) وهلم جرّا؟ وكذلك ما هو حال أولاد الإمام من ناحية طول العمر؟ هل يعيشون مثل أبيهم آلاف الأعوام أم يهرمون ويموتون كسائر الناس (في حين يبقى أبوهم في هيئة شاب ذي ثلاثين عاماً)؟! هل تعرف زوجة الإمام وأولاده وأسرته وعائلة زوجته سرَّه وحقيقة هويته أم أن أبوي زوجته (مثلاً) لا يعلمان عن حقيقة صهرهم شيئاً؟ هل يسجل الإمام زواجه في وثيقة رسمية (في المحكمة مثلاً أو أي مكتب تابع لوزارة العدل) أم أن زواجه يكون دائماً غير رسمي وعرفياً؟ ما هو عمله الذي يتكسَّب منه وما مصدر رزقه؟ أين منزله والبلدة التي تعيش بها؟ هل يحتاج إلى وسائل المنزل كالثلاجة والتلفاز وغسالة الملابس والمكيف والمدفأة و...؟ هل يدفع للدولة فواتير الماء والكهرباء والغاز والهاتف الذي يستخدمه؟ هل تفرض عليه ضريبة الدخل فيدفعها أيضاً؟ ما هو اسمه المستعار الذي تصدر به فواتير الهاتف والكهرباء والغاز والماء و...؟ هل يجب عليه عندما يريد السفر إلى مدن أو دول أخرى أن يشتري بطاقة طائرة أو قطار أو... وأن يعد جواز سفر للخروج من بلده؟ هل يعيش أبناؤه أو بناته حياةً عادية كسائر الناس؟ في هذه الصورة وحيث أصبح للإمام الثاني عشر اليوم عديد من زوجات الأولاد (الكنات) والأصهار وأولاد وأحفاد وأولاد أحفاد و.... هل يمكنه أن يكتم سره ويخفي أمره عن كل هؤلاء العيال والأهل؟ وعندما يمرض أو يُجرح هل يعالج في إحدى المستشفيات أو يتعرَّض إلى عمل جراحي؟ هل يتعرَّضُ للأذى في جسمه أو ماله بسبب حوادث طبيعية كالزلازل والسيول والأعاصير؟ هل يعترف بالنظام الإداري الحاكم في بلده ويجري أموره ومعاملاته عن طريق ذلك النظام؟ فمثلاً هل يمتلك بطاقة شخصية وهوية ودفتر تأمين وجواز سفر ويضطر للقيام بالمعاملات الإدارية اللازمة إذا أرد أن يشتري منزلاً أو يبنيه؟ هل يشارك في الانتخابات وفي المظاهرات الشعبية؟ هل يكتب مقالات أو يؤلف كتباً (باسم مستعار) وينشرها(71)؟ هل سبق أن اعتقلته الشرطة بغير حق وسجنته ظلماً؟ وآخر سؤال هي يُحْتَمَل موته أم لا؟ للفرار من جميع هذه الأسئلة نحن مضطرون إلى أن نفترض فرضاً آخر هو التالي:

4-2. الفرضية الثانية هي أن لا يكون الإمام الثاني عشر إنساناً طبيعياً كسائر البشر بل يكون مختلفاً اختلافاً كاملاً عن سائر الناس من ناحية الجسم والروح. بعبارة أخرى في هذا الفرض يمارس الإمام حياةً غير طبيعية واستثنائيةً تماماً. فالله تعالى يحفظه مثلاً بطرق غيبية وفوق طبيعية من الأمراض الخطيرة والحوادث المميتة. ولا يحتاج في سفره إلى استخدام وسائل النقل بل يطوي الأرض بلمح البصر ويستطيع أن يتواجد بطرفة عين في أي مكان في الدنيا. جميع أمور العالم تحت نظره بفضل طرق غيبية وهو مطلع على ضمائر جميع البشر. يمكنه أن يتصرف في أمور العالم والحوادث طبقاً لرغبته. لا يحتاج في حياته إلى أي لوازم كالثلاجة وفرن الغاز والمكيف والمدفأة و... ولا يستخدم الغاز ولا الكهرباء لأنه عندئذ سيجبر على دفع فواتيرها. عندما يعطش يشرب من المياه الطبيعية أي من الينابيع والأنهار. إذا كان له بيت يعيش فيه فلا بد أنه في جزيرة لم تصل إليها حضارة البشر بعد (مثل الجزر النائية والمهجورة في أقاصي المحيطات). إذا احتاج إلى الطعام فإما أن يأتيه من الجنة أو يحصل عليه دائماً عن طريق صيد الحيوانات. إذا كانت لديه رغبة جنسية فإنه يشبعها بطريقة غير طبيعية وغير معروفة مثل أن يعيش مع حوريات الجنة ولذا فليس لديه أي مشاكل حياتية أو عائلية طبيعية مما هو رائج في المجتمعات البشرية. ولا تسألوا عن مرضه فإما أنه لا يمرض أصلاً أو أنه بمجرد أن يمرض فإنه بدعاء واحد يشفي نفسه على الفور. أساساً هل يُعْقَل أن يمرض من هو شاف للناس من أمراضهم؟! الإمام الثاني عشـر رغم أنه بين الناس ويمشي في الأزقة والشوارع ويشارك في مناسك الحج لكن أحداً لا يراه!.

قبل عدة أيام من شروعي في كتابة هذا البحث كنتُ حاضراً في إحدى المجالس وكنت أعرف جميع الحاضرين بما في ذلك شيخٌ معروفٌ كان يُديرُ المجلس. قال ذلك الشيخ المعروف عندما كنا نقيم مأتم الحسين (ع): أقسم بالله إن إمام الزمان (عج) حاضرٌ الآن في مجلسنا لأن مجلسنا مجلس عزاء الحسين (ع). نظرتُ حولي متعجباً فلم أجد سوى الحاضرين في تلك الجلسة والذين أعرفهم جميعاً!. بعد انتهاء الجلسة قلت لذلك الشيخ: هل رأيتم بأنفسكم إمام الزمان (عج) في مجلسنا حتى قلتم ما قلتم؟ فأجاب قائلاً إنني لم أره ولكنني على يقين أنه كان حاضراً في تلك الجلسة لأنه يحضـر في كل مكان تُذكر فيه مصيبة أهل البيت (ع)، خاصة مصيبة الإمام الحسين (ع)، ويشارك في مجالس العزاء كما يفعل الناس ويذرف الدموع. قلتُ أولاً: إذا كان حاضراً فعلاً في ذلك المجلس فلماذا لم يره أحدٌ منا؟ وثانياً: قولك أنه يحضـر في جميع مجالس العزاء يستلزم قدرته على الحضور في مئات بل آلاف الأمكنة في وقت واحد لأننا في الساعة ذاتها التي نقيم فيها المأتم هنا، فإن هناك أناس آخرون يقيمون مجالس العزاء الحسيني في آلاف الأمكنة الأخرى في إيران وفي غيرها من البلدان. فهل كان إمام الزمان (عج) حاضراً في مئات آلاف الأمكنة المختلفة في لحظة واحدة وعلى نحو لا يمكن لأحد أن يراه؟ هل يمكن ادعاء مثل ذلك بالنسبة إلى إنسان ذي وجود مادي طبيعي؟ أم أنَّ إمام الزمان (عج) كائنٌ غيرُ مادي وما وراء طبيعي؟

فقال الشيخ المسكين الذي لم يكن يملك أي إجابة عن كل هذه التساؤلات: إنها أمور لا يصل إليها عقلي وعقلك لأن عقلنا ناقص ولا يجوز أن نقيس كل شيء بالعقل!! لقد تعلَّقَتْ مشيئةُ الله أن يحول دون رؤية الناس له بطرق غيبية هو أعلم بها. كما أنه يحفظ روحه وجسمه، بنحوٍ إلـهيٍّ معجز وطرقٍ غيبيّةٍ ويمنحه بذلك عمراً طويلاً يمتدّ إلى زمن ظهوره.

فقلتُ: إذا كانت مشيئة الله لا تمانع من حفظ حياة الإمام بطرق خارقة غير طبيعة وغير عادية فلماذا لم يفعل الله تعالى الأمر ذاته قبل ألف ومئتي عام ليبعد عنه خطر الاستشهاد من خلال هذه الطرق الغيبية والتصرف في العلل الطبيعية، بل قام بإخفائه عن الأنظار ووهبه عمراً يطول آلاف السنين وحرم بذلك مليارات البشر من نعمة حضور إمام معصوم بينهم؟

هنا اغتاظ الشيخ قليلاً وقال بلحن غاضب: مرةً ثانيةً أقول لك إنها أمور لا يدركها عقلنا ولا يجوز أن نعالج هذه المسائل بالاعتماد على العقل والاستدلالات. أساس المستدلين بالعقل أساسٌ خشبيٌّ هشٌّ ضعيف. نقِّ قلبك وقوِّ إيمانك حتى لا تُطرح في ذهنك مثل هذه المسائل ولا تدع الشيطان يفتنك بهذه الشبهات!.

فقلت له ضاحكاً: لقد استخدمت سلاحاً جيداً جداً لكن لا تدع هذا السلاح يقع بيد اليهود أو أتباع الأديان الأخرى لأنهم أيضاً عندما يقعون في إشكالات في دينهم عند بحثهم العلمي والعقلي في عقائده ويصلون إلى طريق مسدود سيستفيدون من هذه الحربة ذاتها أيضاً!!

 

+                +             +

 

القسم الثاني
حوار نقدي حول نظرية الإمامة وانتقادات المخالفين

النص الكامل للحوار الذي أجراه المؤلف مع سماحة حجة الإسلام والمسلمين «محسن غرويان» حول نظرية الإمامة وانتقادات المخالفين لها:

تاريخ إجراء الحوار: 11/ 12/1379 هجري شمسي الموافق لـ 1/3/2001م.

نيكويي: اسمحوا لي أن أبدأ من المبادئ التصورية لكي يسير بحثنا سيراً منطقياً. سؤالي الأول: ما هو مفهوم الإمامة والعصمة عند المتكلمين الشيعة (الإمامية)؟

غرويان: بسم الله الرحمن الرحيم. للإمامة معنيان: معنى عام ومعنى خاص. الإمامة بمعناها العام تعني القيادة والرئاسة؛ وبهذا المعنى تشمل الأنبياء وفي الوقت ذاته تشمل الإمام بمعناها الخاص أي ذلك الإمام الذي نعتقد أنه يأخذ على عاتقه مهمة إرشاد الناس وقيادتهم وهدايتهم بعد نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. أما الإمامة بمعناها الخاص فهي قيادة الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أما معنى العصمة فهو أن الأئمة مصانون عن كل خطأ واشتباه يتنافى مع مقام إمامتهم فلا يقعون أبداً في أي خطأ أو اشتباه. بالطبع هناك أقوال ووجهات نظر أخرى يطرحها بعض علماء الشيعة في هذا المجال لكن القول المشهور هو ما ذكرته لكم.

نيكويي: تفضلتم بأن معنى الإمامة الخاصة – التي يقصدها الشيعة- هو قيادة الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. هل هذه القيادة والرئاسة مقتصرة على الأمور الدينية أم تشمل الأمور الدنيوية أيضاً؟

 غرويان: لا بل تشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية. وأساساً نحن لا نفصل بين الأمور الدينية والدنيوية. إن الأمور الدنيوية أيضاً تدخل ضمن الدين بكلِّيَّته. بشكل عام الإمامة رئاسة وقيادة لجميع الشؤون الإنسانية التي ينبغي على الدين أن يبدي رأيه فيها. الإمام المعصوم قائد للناس والمجتمع ومرشد في جميع الشؤون الإنسانية التي تحتاج للدين وقوله حجة في ذلك على جميع الناس.

نيكويي: لقد عرّفتم العصمة بأنها الصون عن كل خطأ يتنافى مع مقام الإمامة أو النبوّة فهل يشمل هذا الصون كلَّ ذنب صغيراً كان أم كبيراً، عمداً اُرْتُكِبَ أم سهواً؟

غرويان: أجل العصمة تشمل الذنوب الكبيرة والصغيرة. بالطبع لدينا ثلاثة أنواع من الذنب هي: الذنب الأخلاقي والذنب العرفاني والذنب القانوني. الإمام المعصوم لا يذنب ذنباً قانونياً أبداً أي لا ينتهك قانون الله، فهو يعمل بجميع الواجبات ويجتنب جميع المحرمات. ولكن الإمام قد يقع في ذنب أخلاقي مثل أن يمرَّ في زقاق فيلقي شخص عليه السلام فينسى الإمام أن يرد له التحية أو أن ينسى الإمام أن يسلم على شخص أكبر منه. هذا الذنب يعتبر ذنباً أخلاقياً ولكنه لا يعني أن الإمام ترك واجباً من الواجبات التي فرضها الله. كذلك يمكن أن يقع الإمام في ذنب عرفاني كأن تنشغل حواسه أثناء الصلاة ويغفل للحظة ما عن درجات المعرفة والعرفان التي كان فيها. هذا الذنب ذنب عرفاني وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين فهو نوع من الذنب لكنه ليس ذنباً شرعياً.

نيكويي: إذن يمكننا القول إن الإمام المعصوم - من وجهة نظر الشيعة - هو الشخص الذي نصَبَه الله تعالى في مقام رئاسة الناس وقيادتهم في جميع الأمور الدينية والدنيوية وهو معصوم عن كل ذنب يتنافى مع مقام إمامته أي مصون من أن يترك واجباً أو يرتكب حراماً. نصل الآن إلى سؤالنا الأصلي وهو: هل يعتبر وجود إمامٍ معصومٍ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ضرورياً عقلاً؟ بعبارة أخرى هل يجب حتماً وبالضـرورة أن ينصِبَ اللهُ أئمَّةً معصومين خلفاءَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

غرويان: مبدأ حاجة الناس إلى الرئاسة والقيادة يدل عليه العقل، فالدليل العقلي ذاته الذي يدل على ضرورة إرسال الأنبياء يبقى ساري المفعول بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. أي إذ قيل: لماذا يحتاج الناس إلى الأنبياء؟ فإننا نقول لأن طرق الناس للوصول إلى المعرفة محدودة والله الحكيم أراد تكليفنا، وبالتالي فلا بد أن يوضح لنا طرق تنفيذ ذلك التكليف الذي كلَّفَنَا به، وأن يبيِّن لنا طريق السعادة وطريق الشقاوة، لذا أرسل الأنبياء وأنزل الكتب لهداية البشر. هذا الدليل ذاته يبقى مستمراً بعد النبيّ. أي أنه بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من وجود حجج بين الناس يرجع إليهم الخلق. وهذا هو دليل بقاء الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

نيكويي: أتيتم سماحتكم هنا بدليلين عقليين لإثبات ضرورة بعث الأنبياء وضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. الدليل الأول هو أن سبل الناس للوصول إلى المعرفة محدودة وبالتالي فلا يمكنهم وحدهم أن يشخصوا الحقائق المتعلقة بالمبدأ والمعاد وطريقة العمل بالتكاليف الإلهية، وبشكل عام لا يمكنهم أن يعرفوا كيفية الوصول إلى الكمال والسعادة، لذا اقتضت حكمة الله أن يبعث أنبياء كي يهدوا الناس ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم. والدليل الثاني أنه لو لم يبعث الله أنبياء لهداية الناس إلى طريق الحق فإن الحجة لا تتم عليهم ويمكن للناس أن يحتجوا على الله يوم القيامة. وتفضلتم أن هذين الدليلين ثابتان وباقيان بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم مما يثبت ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ. وقبل أن أطرح الإشكالات التي ترد على هذه الأدلة ولكي أجعل النقطة تتضح أكثر أطرح سؤالاً هو: صحيح أن الناس يحتاجون بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبشكل دائم إلى إمام ومرشد وقائد، ولكن هل من الضروري حتماً أن يكون هؤلاء الأئمة الهداة والقادة معصومين؟ بعبارة أخرى هل هناك ضرورةٌ عقليةٌ على وجود صفة العصمة لدى أولئك الأئمة الهادين المرشدين؟ إذا كانت هناك ضرورةٌ عقليةٌ على عصمتهم فما هو الدليل عليها.

غرويان: هنا معنى الضرورة أن نرى ما هو مقتضـى العقل (أي بماذا يحكم العقل). إن العقل يقول لنا: كلما كان خطأ ذلك الإمام الهادي أقل كان ذلك أفضل أي كلما أخطأ أقل استطاع أن يكون حجة وإماماً هادياً ومرشداً للناس بشكل أفضل.

نيكويي: لا جدال في أفضلية العصمة. الكلام هو حول الضـرورة العقلية للعصمة، ضرورةً تعني استحالة عدمها. يمكننا أن نطرح السؤال على النحو التالي: إذا لم يكن الأئمةُ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم معصومين ولم يكونوا منصوبين مِنْ قِبَل الله تعالى، وبعبارة أخرى إذا كانت المرجعية الدينية والدنيوية للناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على عاتق العلماء والفقهاء فما المحظور في ذلك (أي ما المانع العقلي من ذلك)؟

غرويان: الأئمة (ع) هم أنفسهم، على معنى من المعاني، فقهاء، أي علماء دين. والفقيه هو الشخص الذي يمتلك علماً وفقهاً عميقاً بالإسلام. العلم العميق بالدين مسـألة والعصمة مسـألة أخرى. فنحن نقول: لو كان هذا الفقيه معصـوماً فهل يضرُّ ذلك بشيءٍ أو يحدث إشكالاً؟ أما سؤالكم: ما الدليل على ضرورة العصمة؟ فنحن نسأل ما الدليل على ضرورة عدم العصمة حتى نقبل به؟ فالأفضل أن نقول بعصمتهم خاصة أنه ليس لدينا أي دليل يمنع من ذلك. والضرورة هنا هي بمعنى الحسن العقلي، أي أننا عندما نقول إن العصمة ضرورية فقصدنا أن العقل يحكم بحسن العصمة ويرى أفضلية وجودها.

نيكويي: حسناً، فالآن يصل الدور لطرح إشكالين رئيسيين يردان على أدلة ثبوت ضرورة النبوة والإمامة: الإشكال الأول أنه لو كانت تلك الأدلة صحيحة فإن نتيجتها المنطقية لن تقتصر على ضرورة وجود أئمة معصومين في كل عصر وزمان بل على ضرورة تعددهم أيضاً. بمعنى أنه لو كانت تلك الأدلة ومقدماتها وافتراضاتها صحيحة فإن هذا يستتبع ضرورة أن يكون عدد الأنبياء أو الأئمة المعصومين في كل عصر عدداً كبيراً جداً يسمح بوجود نبيٍّ أو إمامٍ معصومٍ في كل بقعة من بقاع المعمورة وفي كل مدينة وقرية وحتى في أقصى بلدان العالم وفي كل جزيرة نائية في أقاصي البحار والمحيطات، في حين أننا لا نجد مثل هذا الأمر في أي عصر من العصور. فعلى سبيل المثال في زمن بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعندما كان مشغولاً بهداية أهالي الحجاز إلى صراط الله وطريق الهداية لم يكن هناك أيُّ نبيٍّ في أيِّ منطقة أخرى من الدنيا (مثل البلدان العديدة في قارات أورُبا وأمريكا وأفريقيا وأستراليا وسائر بلدان آسيا مثل الصين واليابان وكوريا وماليزيا وأفغانستان وإيران و...)، في حين أنه طبقاً للأدلة المستخدمة في إثبات ضرورة إرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان أهالي تلك المناطق بحاجة إلى قائدٍ ومرشدٍ وهادٍ معصوم. ألم تكن حكمة الله تقتضي أن يهتدي أهالي تلك المناطق بواسطة الأنبياء أو الأئمة المعصومين إلى الطريق الصحيح والمستقيم؟ فلماذا بقي أهالي تلك المناطق محرومين من الإرشاد والهداية وتعاليم الأنبياء والأئمة؟ أليس من الواجب أن تتمَّ الحُجَّة على جميع أهل الدنيا إلى يوم القيامة وأن لا يبقى للناس على الله حُجَّةٌ؟ فلماذا حُرم أهالي سائر مناطق الدنيا من وجود حُجج الله؟ إذا كان استدلالكم صحيحاً أفلن يكون أهالي تلك النقاط النائية معذورين يوم القيامة طبقاً لمقدمات استدلالكم؟

غرويان: نحن قلنا في أدلتنا تلك إنه لما كان الناس بحاجة ضرورية إلى مرشد وهاد وحجة فيجب بمقتضى حكمة الله أن يرسل الله إليهم حجة. أما حرمان عدد من الناس لأسباب طبيعية أو لأسباب تعود إلى تصرفهم أنفسهم فمسألة أخرى. نحن نقول إن الله الذي أراد من الإنسان أن يتحرك في خط الهداية لا بد أن يرسل له حجة ودليلاً وقد فعل ذلك. أما عدم وجود وسائل لنشر تعاليم الوحي في سائر نقاط العالم في ذلك الزمن أو وجود وسائل لكنها وسائل ضعيفة لا تفي بالغرض، فهذه مسألة أخرى. نحن نقول إنه كان من الواجب على المسلمين في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أن يجدوا وسيلة لنشر تلك المعارف والهداية ولكنهم لم يفعلوا ذلك وهذا لا علاقة له باستدلالنا. لقد أرسل الله رسوله وحجته. لكن الناس الذين حصلوا على تلك الهداية كان عليهم أن يسعوا في نشرها إلا أنهم تقاعسوا عن هذا الواجب ولم يؤدوا تلك الوظيفة. لقد كان على المسلمين زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أن يسافروا إلى سائر أصقاع الدنيا ليبلِّغوا ذلك الهَدْي والمعارف الإلهية لجميع البشر في كافَّة بقاع العالم، لكنهم لم يقوموا بهذا الواجب وهذا كسلٌ وتقاعسٌ من المسلمين، وليس من عمل الله حتى نقول إنه يتنافى مع حكمته. أما سؤالكم عن الناس الذين يعيشون في أقصى نقاط العالم ولم تصل إليهم رسالةُ الله أو لم يكن وصولها إليهم ممكناً، هل لهم عذر وحجة على الله يوم القيامة أم لا؟ هنا يجب أن ننتبه إلى أن اللهَ جعل لكل فرد حُجَّةً باطنةً وحُجَّةً ظاهرةً وخارجيةً. الحُجَّةُ الخارجية والظاهرة هي الأنبياء والكتب السماوية، والحُجَّةُ الباطنة هي العقل وفطرة الإنسان ووجدانه. الناس الذين لم يصل إليهم نداء الحُجَّة الخارجية – أي الأنبياء والأئمة المعصومون – عليهم أن يعملوا طبقاً لحجتهم الباطنة، أي أن يعملوا بالخير والصلاح ويجتنبوا الشـر والسوء الذي يشخِّصونه بعقلهم وفطرتهم. أما التكاليف التفصيلية التي كان يجب أن تصلَهم وتُـبَيَّنَ لهم عن طريق الحجة الخارجية ولم يتمّ بيانها لهم فلا شك أن الله لن يعاقبهم على عدم عملهم بها.

نيكويي: إذا كان الأمر كذلك فثمَّة سؤالان يمكن طرحهما: الأول لنفرض أنه في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم - مثلاً- تقاعس أصحاب النبيّ وأتباعه عن مهمة تبليغ رسالة الله إلى سائر نقاط الدنيا. حسناً، فلماذا لم يرسل الله أنبياء إلى مناطق الدنيا الأخرى تلك كي لا يؤدي تقاعس أتباع نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم إلى حرمان مليارات الناس في سائر نقاط العالم من الهداية الإلهية؟ ما ذنب أهالي سائر مناطق العالم حتى يعاقبوا بذنب ارتكبه غيرهم؟ ما الإشكال في أن يبعث الله أنبياء في مناطق العالم الأخرى؟ والسؤال الثاني: لنفرض أن المسلمين زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا كسالى ولا متقاعسين بل كانوا يريدون فعلاً نشر معارف الإسلام في سائر أنحاء الدنيا، فهل كان باستطاعتهم القيام بهذا الأمر؟ ألم يكن تحقيق هذا الأمر مستحيلاً بسبب إمكانات السفر المحدودة في ذلك العصر؟ إذا قبلنا بأن مثل ذلك العمل في ذلك العصـر، وبالنظر إلى الظروف التي كانت سائدة فيه كان خارجاً عن طاقة المسلمين أفلا يُطرح مجدَّداً السؤال: لماذا لم يرسل الله أنبياء إلى أهالي سائر مناطق العالم إذن؟

غرويان: نحن لم نكن في ذلك الزمن حتى نحكم أن القيام بتلك المهمة كان ممكناً أم غير ممكن. أيُّ دليل على أنه لم يكن في ذلك الزمن أية إمكانية عملية أو عقلية لأداء ذلك الواجب؟ لقد كانت هناك إمكانية عقلية وعملية ولكنها كانت صعبة. أما سؤالكم لماذا لم يرسل الله أنبياء إلى سائر مناطق العالم وإلى كل بلد ناءٍ؟ ففي رأيي إن علة ذلك هي أن الناس عندئذ سيصبحون كسالى. لقد أرسل الله نبياً كي يبلّغ وحيه للناس، وترك الباقي على عاتق المسلمين الذين كلفهم بواجب الدعوة والتبليغ وأن يتحملوا عناء السفر ويرحلوا إلى جميع أنحاء العالم ليبلِّغوا رسالة الله. أما لو بعث الله نبياً في كل حدب وصوب في العالم لانتفت هذه المشقة وعناء السفر لهداية الناس.

نيكويي: لكن الله تعالى كان يعلم أن أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سيتكاسلون – حسب قولكم- عن القيام بهذه المهمة وأنه، نتيجة لذلك، سيبقى مليارات الناس في سائر أنحاء الدنيا محرومين من هداية الله، فلماذا لم يرسل في نقاط العالم الأخرى وفي كل بلد ومنطقة نبيَّاً مستقلاً؟ أو لماذا لم يمنح بعض الناس مثل هذه الإرادة والهمّة العالية كي يحملوا تعاليم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى سائر نقاط العالم كفرنسا والسويد وفنلندا ودول الاتحاد السوفييتي السابق و....؟

غرويان: نحن لا نستطيع أن نحكم بشكل قاطع أيُّ مصلحة كانت الأفضل؟ هل كان الأفضل أن يرسل الله في بقعة ما من الأرض نبياً ثم تنتشر معارف الوحي من تلك البقعة إلى سائر أنحاء العالم أم أن يرسل نبياً في كل منطقة من العالم؟ إلا أننا نقول إن حكمة الله قضت بأن الأصلح إرسال نبيٍّ واحدٍ ولا يمكننا أن ندَّعي أنه كان هناك طريق آخر أكثر صلاحاً. أما قولكم إن الله كان يعلم أن هناك أعداداً من الناس سيبقون محرومين من الهداية فلماذا لم يرسل إليهم نبياً؟ فجوابه أن الله قد يفعل أموراً تبدو المصلحة فيها حسب الظاهر وحسب تقييمنا القاصر مرجوحةً أو ضعيفةً، ليحقق مصالح في المستقبل تخفى على الإنسان الآن ولا يكتشفها إلا فيما بعد. فعلى سبيل المثال نرى أن مكة والمسجد الحرام قاعدةٌ يتوجه نحوها جميع مسلمي العالم، فقد أوجد الله تعالى نقطة مركزية في العالم هي مكة المكرَّمة ولما جعلها قاعدة للوحي فقد أوجد بذلك نوعاً من الوحدة بين جميع المسلمين في العالم. أما لو أرسل الله في كل منطقة نبياً فإن هذه الوحدة بين المسلمين لم تكن لتوجد. فلعل الله راعى هذه المصلحة وهي أن يصبح هذا المكان نقطة وقاعدة مركزية تنتشر منها تعاليم الإسلام إلى سائر مناطق العالم الأخرى.

نيكويي: أليس الأنبياءُ رُسُلَ الله إلى البشر، ويتلقون الوحي من الله؟ إذن مِنَ الممكن أن يرسل الله تعالى أنبياء متعددين ويوحي بتعاليم الإسلام ذاتها إلى جميعهم ويأمرهم جميعاً أن يعطفوا قلوب الناس نحو ذلك المركز ذاته أي المسجد الحرام في مكة المكرمة وبهذا يتم الحفاظ على المركزية والوحدة، وفي الوقت ذاته لا يُحرَم أهالي سائر أصقاع الدنيا من المعارف الإلهية والتعاليم الإسلامية.

غرويان: أنا لا أنفي ذلك. هذا أيضاً فرض لا يمكننا نفيه. ولكن لا يمكننا أن نثبت أن هذا الافتراض هو الحل الأفضل والأصلح، وأن المصلحة فيه أقوى من المصلحة في غيره؛ إذ قد تكون هناك مفاسد في هذا الفرض جعلت الله تعالى لا يفعله. والنقطة الأخرى هي أن هدف الله من إرسال الأنبياء هو هداية الناس، حسناً، وقد رأى أن المصلحة الآن هي أن يرسل نبياً واحداً وأن يكون لهذا النبيّ صحابة وأن يؤمر هؤلاء الصحابة بالذهاب إلى أقاصي الدنيا ليدعوا الناس إلى الإسلام. هذا أفضل من التشتت وتعدد الأنبياء. أما قولكم لماذا لم يرسل الله نبياً في كل مجتمع من المجتمعات ليؤدي الأنبياء دور صحابة وأتباع النبيّ الأصلي؟ حسناً، إن هذا الدور يلعبه علماء الأمة أنفسهم. أي أن النبيَّ هدفه في كل مجتمع أن يربِّي أشخاصاً ليكونوا هم هداة الأمة نحو نبيِّها. فليست هناك ضرورةٌ لأن يرسل الله عديداً من الأنبياء. إن كل نبيٍّ يقوم بتربية أشخاص بارزين وهؤلاء الأشخاص يؤدون دور هداية الناس.

نيكويي: لكن سؤالي منطلقٌ من ادعاء أن العقل يحكم بضرورة إرسال الأنبياء. لو لم تقولوا بهذه الضرورة العقلية لإرسال الأنبياء – ولنَصْب أئمة معصومين بعد آخر نبيّ- لما طرحنا أبداً سؤال: لماذا لم يبعث الله تعالى في كل عصر أنبياء كُثُر؛ لأنه في مثل هذا الفرض – أي عدم الضرورة- يمكننا أن نقول إن الله تعالى أرسل أنبياء في فترات زمنية وفي بعض مناطق الكرة الأرضية لمصلحة رآها، كي يهدي أهالي تلك المناطق. أما إذا قلتم بالضرورة العقلية وذكرتم لإثبات هذه الضـرورة تلك الأدلة التي أشرتم إليها، فإن سؤالي سيبقى قائماً دون أن يجد إجابةً. هنا لا يمكننا أن نقول إن الله رأى أن المصلحة أن يرسل نبياً في منطقة من الدنيا ثم يقوم أصحابه وأتباعه بنشـر تعاليمه إلى سائر مناطق العالم، لأن مثل هذا العمل غير ممكن عملياً وحتى لو كان ممكناً فإننا نرى – على أي حال- أنه بسبب تقاعس وكسل أصحاب النبيّ – حسب قولكم- لم تتحقق مثل هذه الخطة عملياً أبداً وبقي مليارات الناس محرومين من تعاليم الأنبياء، وأيضاً وطبقاً لأدلتكم فإن هؤلاء الناس ستكون لهم حجة على الله يوم القيامة. إذا كان إرسال الأنبياء – بناء على الأدلة التي أوردتموها – ضرورياً (عقلاً)، كان يجب أن يجد الله حلاً لهؤلاء ولا يدع مليارات البشـر في مختلف أنحاء العالم يعاقبون بذنب ارتكبه عددٌ من أصحاب النبيّ. إن المصلحة التي أشرتم إليها تتناقض كليَّاً مع الضرورة العقلية التي تقولون بها. أما قولكم إن الله جعل في الإنسان حجتين: باطنة وظاهرة، وأن أهالي بقاع العالم الأخرى الذين حرموا من الحجة الظاهرة أي من الأنبياء والأئمة المعصومين، لديهم حجَّة باطنة – أي العقل والفطرة والوجدان البشري النقي-، وأنهم إذا عملوا بمقتضى أوامر العقل والفطرة وصلوا إلى النجاة والسعادة الأخروية؛ فإنه يطرح في الذهن السؤال: إذا كان العقل والفطرة والوجدان – وبعبارة أخرى الحجة الباطنة- كافية لوصول البشر إلى السعادة الأخروية ولإتمام الحجة عليهم، وأنه بوجود العقل والفطرة لا يمكن لأحد أن يكون له حجة على الله يوم القيامة، فأيُّ ضـرورة عقليةٍ حتميةٍ تبقى عندئذ لإرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين؟ ألا يناقض هذا الكلام تلك الأدلة التي تسوقونها لإثبات الضـرورة العقلية للنبوة والإمامة؟ ألم تكونوا تقولون هناك إنه لو لم يرسل الله أنبياء للناس – ليرشدوهم إلى طريق السعادة والشقاء- لكان للناسِ على الله حجةٌ يوم القيامة؟ إذا كان ذلك صحيحاً فإن جميع الذين حرموا من تلك الهداية ومن إرشادات الأنبياء (أو الأئمة المعصومين) سيكون لهم على الله حجة يوم القيامة، ولا يمكن للتقاعس والكسل المفترض لأصحاب النبيّ ولا لامتلاك العقل والفطرة والوجدان أن يمنعهم من أن يحتجُّوا على الله. إذا كنتم تذكرون جيداً، لقد قلتم في تلك الأدلة إن الطرق التي يمتلكها البشر للوصول إلى المعرفة محدودة ولا يمكن للناس أن يعرفوا بعقلهم ويدركوا بمجرد فطرتهم ووجدانهم طريق الكمال والصـراط المستقيم ويجتازوه، واستنتجتم من هذه المقدمة أن الله لو لم يرسل أنبياء للناس ولم يبيِّن لهم الطريق لكان قد عمل خلافاً لحكمته وهذا محالٌ عقلاً. إذا كان كلامكم ذاك صحيحاً فإن نتيجته المنطقية هي ضرورة تعدد الأنبياء والقادة المعصومين في كل عصر، في حين أننا لا نجد مثل هذا التعدد في أي عصر من العصور. فهل يمكن أن نقول إن الله قد عمل في كثير من الحالات خلافاً للحكمة (والعياذ بالله)؟ أما توسلكم - في حالات عدم وجود الأنبياء الذين اعتبرتموهم حجة الله الظاهرة-، بحجة الله الباطنة على الناس أي العقل والفطرة، فإنكم بهذا القول تنقضون دون أن تشعروا تلك المقدمات المنطقية للأدلة تلك التي أوردتموها. لو لم يرسل الله أي نبيٍّ أيضاً لكان بإمكاننا أن نستند إلى الحجة الباطنة ونقول إن الناس الذين أعطاهم الله العقل والفطرة لا يمكن أن يكون لهم حجة على الله يوم القيامة، وعندئذ فماذا يحل بقاعدة الضرورة العقلية لإرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين بعد آخر الأنبياء؟!.

غرويان: انظر، كما أشرتُ سابقاً، إن كل الذي تقوله تلك الأدلة هي أن أصل الوحي وإرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية – وكذلك نَصْب إمام معصوم بعد النبيّ الخاتم- ضروريٌّ عقلاً للبشر. لأن العقل والفطرة غير كافيين والناس يحتاجون إلى هداية رسل الله وإرشاد الأئمة المعصومين. لو لم يرد الله من البشر أكثر من الهداية العقلية لما كان هناك ضرورة لإرسال نبي أو نَصْب إمام معصوم. لكننا نعتقد أن الله أراد من الناس القيام بتكاليف أكثر من ذلك المقدار الذي يمكن لعقلنا أن يدركه، لذا لا بد أن يرسل مرشدين وهداة مساعدين وهم الأنبياء والأئمة المعصومون. أما سؤالكم لماذا أرسل في هذه البقعة ولم يرسل في تلك البقعة فهذا لا علاقة له ببحثنا العقلي. إن البحث العقلي يثبت فقط ضرورة أصل إرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين عقلاً، أما مسألة سبب إرسال نبي في بعض البقاع وعدم إرساله في بقاع أخرى فهذا لا يتعلق ببحثنا العقلي واستدلالنا يبقى قائماً وقوياً كما هو. إذْ يمكن أن تكون لتلك المسألة عوامل وعلل مختلفة وأن نقدم لتوجيهها مبررات متنوعة. كأنْ نقول مثلاً إن الله تعالى رأى أن الأصلح للبشـر أن يبذلوا جهدهم ويسعوا ويذهبوا ويبحثوا ويسألوا، فإذا رأوا أن الله قد بعث نبياً في تلك البقعة من الأرض فعليهم أن يهاجروا إليها ويسعوا إلى تحصيل معارف الوحي وإرشاداته. إنها مصالح لاحظها الله كي يتحرك الناس في بقاع العالم المختلفة عندما يسمعون بأن نبياً بُعث في مكان ما فيسعوا إلى التعرُّف على هذا النبيّ ومعرفة ما جاء به من تعاليم.

نيكويي: إن السؤال الآخر الذي يُطرح حول أدلة إثبات ضرورة النبوّة والإمامة هو: إذا كانت تلك الأدلة صحيحة فإن وجود الأنبياء أو الأئمة المعصومين وحضورهم المستمر بين الناس إلى يوم القيامة يصبح لازماً وضرورياً، ولذا فلا يجوز أن تخلو الأرض في أي زمن من القادة والهداة المعصومين وحجج الله. هذا في حين أنه في زمن الأنبياء وبعد آخر نبي وفي كثير من عصور حياة البشرية الطويلة لم يكن هناك نبي ولا إمام معصوم كي يقوم بإرشاد الناس وهدايتهم. فعلى سبيل المثال خلال الفترة الزمنية الممتدة بين حضرة عيسى (ع) ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم والتي طالت أكثر من ستمئة عام، جاءت أجيال عديدة من الناس ورحلت دون أن يكون هناك أي نبي لهدايتهم. واليوم ومنذ حوالي ألف ومئة عام غاب الإمام الثاني عشر (عج) – حسب عقيدة الشيعة- وأصبح الناس محرومون عملياً من إرشادات وهدايات قائد ومرشد معصوم، هذا في حين أنه لو كانت تلك الأدلة صحيحة لكان من المحال ألا يوجد نبيٌّ خلال تلك المدة الزمنية الطويلة وكذلك لكان من المحال أن تقع تلك الغيبة الطويلة للإمام المعصوم. أي أنه من المحال أن يمنع أي عامل من إرسال الأنبياء أو يؤدي إلى الغيبة الطويلة للأئمة المعصومين (لأن هذا سيتناقض مع الضرورة العقلية لإرسال الرسل ونَصْب الأئمة المعصومين) فكيف تحلون هذا الإشكال؟

غرويان: يظهر من أسئلتكم أنكم تتصورون وكأننا عندما نقول إن مسألة النبوة (أي إرسال الله لأنبياء) ضرورة عقلية (أي واجبة عقلاً) وأن مسألة الإمامة والقيادة والمرجعية (أي نَصْب الله لأئمة وهداة معصومين للناس) ضرورةٌ (عقلاً)، فمعنى ذلك أن تلك الأمور يجب أن تتحقق رغماً عن الناس. لكن الأمر ليس كذلك. لقد خُلقنا مختارين وعندما نقول إن أصل إرسال الأنبياء والوحي والنبوة والإمامة مِنْ قِبَل الله تعالى ضروريٌّ عقلاً فمعناه أن الله يجب أن يزيل هذه النقيصة من عالم الخليقة وقد فعل ذلك. أجل، يجب أن يكون هناك إمام ولدينا أدلة كثيرة على هذه الضـرورة (العقلية). ولكنه من الممكن أن يَحْرِمَ الناسُ أنفسَهم من الإمام بسبب تصرفات معينة. للناس إرادة واختيار حرّ وأحياناً يخلق الناسُ باختيارهم وعملهم الأرضيةَ والأسباب التي تجعلهم لا يستفيدون من حجج الله. لقد أرسل الله النبيَّ والإمامَ المعصومَ ولكن البشر أوجدوا - بما عملته أيديهم - أسباب حرمانهم من حجج الله، وهذا لا علاقة له بالأدلة التي ذكرناها، فدليل الضرورة العقلية قائم وثابت. وما حصل كان نتيجة عمل قام به الناس باختيارهم، ونحن نعتقد بمثل هذه العقيدة أيضاً بشأن إمام الزمان (عج). فالناس أرادوا باختيارهم وإرادتهم الحرَّة أن يقضوا على تلك الحجة الإلهية (يقتلوها) فرأى الله المصلحة أن تعيش تلك الحجة الإلهية خلف ستار الغيبة. فإذا قلتم فأين ذهبت إذن الضرورة العقلية على الإمامة؟؟ قلنا: إنها لا تزال قائمة وثابتة كما هي. إن حجة الله موجودة لكن الناس أنفسهم لا يريدون الاستفادة منها!

نيكويي: قد يكون قولكم: «إن الناس هم الذين لم يريدوا أو لا يريدون الآن»، صحيحاً على نحو «الموجبة الجزئية» ولكنه ليس صحيحاً على نحو «الموجبة الكلية». أي أنه لم يحصل أبداً أن اتفق أهل العالم جميعاً وباختيارهم على رفض الأنبياء أو الأئمة المعصومين أو معاداتهم. والآن وفي هذا الزمن أيضاً حيث نحن محرومون من هدايات الإمام المعصوم لا يمكن أن نجعل جميع الناس في بوتقة واحدة وننسب إليهم الذنب والتقصير في هذا المجال، وندَّعي أن لا أحد على وجه الأرض يريد اتباع هَدْي وإرشادات الإمام المعصوم!.

ثم لقد تم إغفال عدة نقاط مهمة هنا. فأولاً: لم يكن هناك في كثير من الأزمنة - وفي كثير من الأمكنة كذلك– نبيٌّ أصلاً حتى يعاديه الناس باختيارهم فيؤدوا إلى حرمان أنفسهم من هذه الحجج الإلـهية. مثلاً الأجيال العديدة من البشر التي جاءت ورحلت في الفترة الزمنية بين سيدنا عيسى (ع) ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرسَل إليها نبيٌّ، وبالتالي لا يمكن الادعاء بأنها حتماً لم تكن راغبة في أن يبعث إليها نبيّ، والأمر ذاته ينطبق على مئات ملايين البشر الذين كانوا يعيشون في أنحاء الأرض زمن سيدنا المسيح (ع) ولكن بسبب البعد المكاني لم يكن لهم أي علم بقصة المسيح وحتى لو سمعوا بخبره لم تكن لديهم إمكانية للسفر والهجرة إليه، فلا يمكن الادعاء بأنهم جميعاً وباختيارهم الحر رفضوا حتماً أن يرسَلَ إليهم نبيٌّ!. ومن الجهة الأخرى فإن القصاص قبل ارتكاب الجرم أمرٌ قبيحٌ عقلاً وشرعاً وأخلاقاً. وثانياً: لا يمكن اعتبار معاداة فريق من الناس لحجج الله علةً ودليلاً مُبرِّراً لحرمان مليارات الناس الآخرين من أولئك الحجج. لنفرض مثلاً أن أهالي العراق أو الجزيرة العربية أو... في زمن ولادة الإمام الثاني عشر (عج) كانوا غير جديرين وعديمي الأهلية أو أن جهاز الحكم في ذلك الوقت كان يهدد حياة الإمام؛ فلماذا لم يهاجر الإمام إلى أرض أخرى (كما فعل النبيٌّ صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة أو كما فعل عدد من أصحابه في هجرتهم من مكة إلى الحبشة)؟ وما ذنب الأقوام الآخرين الذين كانوا يعيشون في مناطق أخرى بعيدة من العالم حينذاك؟؟ ما الذي أوجب حرمانهم من الإمام المعصوم؟ وما ذنب الأجيال اللاحقة كذلك؟؟ هل يجوز أن يعاقب مليارات البشـر في العصور اللاحقة بذنب ارتكبه فريق من الناس ممن كانوا عديمي الأهلية وناكري الجميل قبل ألف ومئة عام. ألم تكن هناك أي طريقة أخرى للمحافظة على روح الإمام سوى غيبته الطويلة؟ هل يمكننا أن نقول إن الناس اليوم هم الذين يرفضون باختيارهم أن يكون لهم إمام معصوم، أو أن نقول إن جميع سكان العالم في الفترة بين سيدنا عيسى (ع) ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا يرغبون أن يكون لديهم نبيٌّ؟؟

غرويان: لا يمكننا أيضاً أن ننفي ذلك، لأننا لم نكن لا أنا ولا أنتم في ذلك الزمن. وربما كانت الحكمة من ذلك أن تعاليم المسيح (ع) كانت لا تزال باقية بين الناس ولم تكن هناك من حاجة لنبيٍّ جديدٍ.

نيكويي: على أي حال إذا أردتم أن تثبتوا أن عدم رغبة الناس هي التي حالت دون إرسال الأنبياء إليهم فعليكم أن تثبتوا ذلك بالدليل والبرهان، في حين أن مثل ذلك الأمر لا يمكن إثباته. وماذا يمكننا أن نقول في عصرنا الحاضر؟ هل يمكننا أن نقول إن الناس أنفسهم لا يرغبون أن يكون بينهم إمام معصوم؟

غرويان: أنا لا أنفي الاحتمالات التي تذكرونها. نعم ربما لا يكون لنا تقصيرٌ في هذا. ولكن لا يمكن أيضاً نفي الاحتمال المقابل لكلامكم. فمن يدري، لو ظهر إمام الزمان (عج) الآن لربما خالفه كثير منا وعادوه. والقرائن تظهر أن هوى النفس مستولٍ علينا بشدة وأن الشهوات والميل إلى الذنب والطغيان والمعاصي منتشـرةٌ بيننا إلى درجة أنه لو ظهر الإمام لسارعنا إلى مخالفته ومعاداته. لا يمكننا أن ننفي هذا أيضاً. أما ما تقوله فمبنيٌّ على حسن ظنكم. وأنا ليس عندي سوء ظن أيضاً، بل ما أقوله هو إن طرفي الاحتمال ممكنان على حد سواء، ولا يمكننا أن نثبت أحد الطرفين بشكل قاطع وجازم. فالبحث جدلي الطرفين وليس أمامنا من مندوحة سوى العودة إلى الأخبار والروايات الصحيحة. لقد جاء في الأخبار أن «غيبته منَّا» أي أننا نحن السبب في غيبة إمام الزمان (عج).

نيكويي: بالطبع يمكننا الجزم بأنه لو كان الإمام حاضراً الآن بيننا لخالفه فريق من الناس وعادوه. ولكن على كل حال لا يمكن أن يكون وجود مجموعة من المخالفين عاملاً مسبِّباً لغيبته؛ لأنه في زمن النبيِّ والأئمة السابقين وجد مخالفون وأعداء كثر ولكن جميع الأئمة السابقين أدوا وظيفتهم بقدر استطاعتهم ونالوا شرف الشهادة في آخر المطاف. لو كان الإمام المعصوم حاضراً الآن لخالفه فريق من الناس ولوافقه فريق آخر. أساساً هل المفترض أن يؤيده الجميع؟ يمكن للإمام أن يحضر بيننا فيهتدي به المؤمنون به، ويبقى الضالون على ضلالتهم. في تلك الحالة يمكن أن نقول إن الذين لم يهتدوا به، هم الذين رفضوا الهداية بأنفسهم. أما عندما يكون الإمام غائباً ولا يكون لأهالي العصور الأخرى – أو الأمكنة والبقاع الأخرى في العالم – أي ذنب ولا تقصير في غيبته، فكيف يمكننا أن نقول إن هؤلاء الناس هم الذين لم يريدوا الهداية؟ نعم إذا لم يغب الإمام لربما قُتِلَ واُسْتُشْهِد ولكن هذا لا يمكنه أن يكون مبرراً منطقياً لمثل هذه الغيبة الطويلة. ألم يستشهد الأئمة السابقون؟ أليس بالإمكان أن يأتي إمام معصوم آخر بعد استشهاده، وهكذا كلما رحل إمام جاء بعده آخر إلى يوم القيامة؟ بعبارة أخرى إذا كانت أدلة إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صحيحة، وإذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هداية الناس وإرشادهم وإتمام الحجة على الناس، فإن حصر عدد الأئمة المعصومين باثني عشـر إمام فقط لا يمكن أن يكون له أي تبرير واضح ومنطقي.

لنفرض أن الناس في ذلك الزمن لم يخالفوا الإمام (الثاني عشر) وكانوا جديرين به ومؤهلين لاتباعه وانتفى احتمال استشهاده هل كان الإمام الثاني عشر (عج) سيبقى حياً حتى العصر الحاضر وحتى يوم القيامة (يعني آلاف أو عشـرات آلاف السنين) ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم؟

غرويان: النقطة الهامة التي يجب أن أؤكد عليها هنا هي ضرورة الهداية (أي هداية الله للناس وإرشاده لهم) كأصل، وهو ما أكدنا عليه منذ بداية هذا الحوار. أما أنه هل من الضروري أن تكون هذه الهداية مباشرةً، حصـراً، فهذا أمرٌ أعمّ من المطلوب.

اليوم، هداية الإمام الثاني عشر موجودة ولكننا محرومون منها. إن هداية الإمام للبشر في عصر الغيبة هداية غير مباشرة، فالفقهاء هم الذين يقومون بمهمة هداية الناس بالاستمداد من إمام الزمان (عج). نحن نعتقد أن مرجعية الفقهاء الدينية ذاتها إنما تتمّ بفضل استمدادهم واستلهامهم من الإلهامات غير المباشرة وبفضل العناية والهداية الغيبيّة التي يمنحهم إياها إمام الزمان (عج). هذا هو رأينا، فإذا كان هناك من يقول بخلاف ذلك فليأتِ وليردّ علينا وليثبت بطلان كلامنا. إن الاستمداد من إرشادات ومساعدات وهدايات إمام الزمان (عج) والاستفادة منها في عصـر الغيبة أمرٌ متواترٌ لا يمكن لأحدٍ أن ينكره.

نيكويي: ولكن هناك إشكالان في كلامكم هذا: الأول: إنه كلام غير قابل للإثبات. بمعنى أنكم لا تستطيعون أن تثبتوا أو تُرُوا أن إمام الزمان (عج) يساعد الفقهاء على فهم الدين من خلال إلهاماته الغيبية لهم، وأنه يقوم بهدايتنا بهذه الطريقة بشكل غير مباشر. إن إثبات هذا الادعاء هنا يقع على عاتقكم لأن «البيِّنةُ على المُدَّعِي»(72)، وحتى لو لم يستطع مخالفوكم أن يأتوا بدليل على بطلان مدعاكم، فإن هذا وحده لا يثبت ادعاءكم، ولا تزالون بحاجة إلى الإتيان بدليل ومستند موثوق لإثبات ما تقولونه. وثانياً: إذا كان الأمر كذلك وكان إمام الزمان (عج) يلهم الفقهاء ويُفَهِّمُهُم المسائل الشرعية فلماذا توجد اليوم كل هذه الاختلافات في وجهات النظر والفتاوى والآراء الشرعية بين العلماء والفقهاء (من الشيعة الإمامية)؟ ألا يلهمهم إمام الزمان (عج) ويساعدهم، فلماذا توجد بين الفقهاء اختلافات شديدة حتى في أهم المسائل الحياتية والمصيرية مثل الحكومة والسياسة وولاية الفقيه و..؟

غرويان: بالنسبة إلى الاختلافات الجزئية فإن إمام الزمان (عج) لا يتدخل، لما في وجود هذه الاختلافات من رشد علميٍّ وفقهيٍّ. أما بالنسبة إلى الاختلافات الكبيرة التي تمسُّ مصير الأمة الإسلامية فإن إمام الزمان (عج) يتدخَّل ويساعد، ومساعدته هذه تكون واضحةً أحياناً وخفيّةً أحياناً أخرى، وهذا الأمر يُبْحَثُ في مبحث الإجماع في علم أصول الفقه، حيث نبحث هناك كيفيةَ كون الإجماع كاشفاً عن قول المعصوم، ولا يسعنا هنا أن نلجَ هذه المباحث الأصولية، لكننا نقول إن إمام الزمان (عج) يتمتَّع بطاقات وقدرات وعلم غيبيٍّ ويقوم – في الحالات الضرورية – بإلهام الفقيه ويلقي في روعه وفكره ما يشاء وبهذا يحرِّر المجتمع الإسلامي من العقد والمشاكل التي تعترضه. أما قولكم إن هذا لا يمكن إثباته، فأقول لا بل يمكن إثباته بالشكل التالي: إذا كان هناك فقيهٌ من أهل الزهد والتقوى والورع ممن لم يسمع منه كذبٌ قطّ، وقال إني توسلت بإمام الزمان (عج) ليدلّني على الحق في مسألة ما، فأرشدني إلى الصواب من خلال حُلُم أو مكاشفة أو على نحو الإلهام، فما الدليل على أننا يجب أن لا نصدق كلامه؟ فهذا طريقٌ لإثبات أن إمام الزمان (عج) يهدي بشكل غير مباشر. أما الطريق الآخر فهو الاستقراء، أي أن لدينا نماذج وموارد متعدِّدة لفقهاء استفادوا من إرشادات إمام الزمان – في الرؤيا أو المكاشفة أو بصورة الإلهام – وهذه الحالات عديدة إلى درجة أن الإنسان المنصف يستيقن أنها ليست كذباً.

نيكويي: تفضلتم إن إمام الزمان يتدخل في المسائل الكبيرة ويلقي في روع الفقيه الحقَّ في شأنها. أفليست مسألة «ولاية الفقيه» والعلاقة بين الدين والحكومة والسياسة من المسائل الكبيرة؟ إذا كانت كذلك فلماذا يوجد بين الفقهاء اختلاف كبير حول هذه المسائل وتشتُّتٌ في الآراء؟

غرويان: لمسألة «ولاية الفقيه» جوانب مختلفة. من إحدى الجوانب هي مسألة كبيرة، من جانب آخر هي مسألة جزئية. جانبها الكبير هو مبدأ رجوع الناس إلى الفقيه في عصر الغيبة، ولا خلاف بين الفقهاء حول هذه المسألة. الاختلاف حول فروع «ولاية الفقيه» وحدود صلاحياته. بعض الفقهاء يرون أن صلاحيات الفقيه تقتصر على الأمور الحسبية، في حين يعتبر آخرون أن صلاحيات الولي الفقيه أوسع من ذلك بكثير وأنها تشمل الحكم وتدبير أمور المجتمع وقيادة المسلمين، وأن للفقيه جميع صلاحيات الحاكم والرئيس التي كانت للإمام المعصوم. إذاً الاختلاف هو في الفروع وليس في الأصل.

نيكويي: لنفرض أن الفقهاء لا يختلفون في أصل لزوم رجوع الناس إلى الفقهاء في عصر الغيبة. ولكن في أي شيء يرجعون إلى الفقيه؟ هل «الحُكم» من شؤون الفقيه أم لا؟ وإذا كان من شؤونه فما هو مصدر مشروعية الفقيه الحاكِم، أي من أين يستمد سلطته، هل من رأي الشعب أم من مصدر آخر؟ وهل حكومة الفقيه من باب الولاية أم من باب الوكالة؟ وهل صلاحيات الفقيه مطلقة وفوق القانون أم أن صلاحياته ضمن إطار القانون و...؟ أليست هذه مسائل حساسة وحياتية ومصيرية وحسب تعبير سماحتكم «مسائل كبيرة»؟ هل يمكننا اعتبار مثل هذه المسائل مسائل جزئية وفرعية؟ إن القَدْر المشترك بين جميع الفقهاء هو «ولاية الفقيه» في الأمور الحسبية التي تُعَدُّ أموراً جزئية جداً وليست ذات أهمية، وهذا الاتحاد في وجهات النظر بين الفقهاء أمر غير ذي بال ولا يفيد المجتمع شيئاً. الشيء المهم هو ما يأتي بعد ذلك وهنا نجد اختلافاً كبيراً. أليست هذه المسائل مهمة وكبيرة؟

غرويان: المسألة الكبيرة هي أصل القضية (أي قضية ولاية الفقيه). في المقابل فإن قول المخالفين هو أنه لا لزوم للرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة. يقولون: اذهبوا وحلوا مسائل المجتمع بأنفسكم. إذن لا خلاف بين أحد من الفقهاء حول ضرورة الرجوع إلى الفقيه العالِـم بالإسلام، وإذا وُجِدَ اختلافٌ بين العلماء والفقهاء –وهو موجود فعلاً- فإنه اختلافٌ في الفروع والجزئيات فقط.

نيكويي: لقد أتيتم بدليلين لإثبات أن إمام الزمان (عج) يقوم الآن بهداية الناس بشكل غير مباشر. أولهما: أنه عندما يقول الفقيه التقيُّ الورع الذي لم يؤثر عنه كذبٌ قطّ: إن إمام الزمان (عج) ساعده في حل المسألة الفلانية الخاصة من خلال الرؤيا أو المكاشفة، فليس هناك أيُّ دليل يُلْزِمُنا أن لا نصدقه. ودليلكم الثاني أنه لما كانت مثل هذه الموارد والحالات كثيرة ومتكررة فيجب – بناء على دليل الاستقراء- أن نقبل أن إمام الزمان مشغول الآن بهداية الناس بشكل غير مباشر عن طريق الإلهام وإلقاء الأفكار الصحيحة في ذهن الفقهاء. ولكن أولاً: هذه الأدلة أدلة داخل الدين (أو بعبارة أدق ضمن المذهب) يعني أنه بالنسبة إلى الفرد الشيعي الذي يعتبر العالم أو الفقيه الشيعي الفلاني تقياً وزاهداً وصادقاً، ويثق تماماً بالأشخاص الذين هم واسطة نقل مثل تلك الأخبار عنه –والذين هم جميعاً من الشيعة- والأهم أنه يؤمن بأصل وجود إمام الزمان (عج)؛ قد تكون مثل تلك الموارد والحالات قابلة للتصديق. ولكن بالنسبة إلى شخص سني المذهب لا يعتقد بوجود إمام الزمان (عج) من الأساس فضلاً عن غيبته وقدراته الخاصة وعلمه الغيبي، فإن مثل هذه الإدعاءات التي يقولها بعض علماء الشيعة وفقهاؤهم قد لا تعدو مجرد ادعاءات وهمية وكاذبة يتم اختلاقها للهروب من مناقضة غيبة إمام الزمان لأدلة ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانياً: فقهاء الشيعة أنفسهم لا يرون للرؤيا والأحلام والمكاشفات والإلهامات ونحو هذه الأمور أي حجية شرعية ويعتقدون أنه لا بد من ذكر الدليل الشرعي لكل حكم أو فتوى. بعبارة أخرى فإن استدلالكم يخالف حتى مرتكزات فقهاء الشيعة أنفسهم، ولذلك فإن كثيراً من فقاء الشيعة ينظرون إلى مثل هذه الإدعاءات بعين الشك والريب. وبالنسبة إلى ولاية الفقيه وما ذكرتم من أن جانبها المهم والأساسي هو رجوع الناس إلى الفقهاء في عصر الغيبة، فلم يدَّعِ أي فقيه أن إمام الزمان هو الذي ألهمه هذه المسألة بل الفقهاء يثبتون هذا المبدأ استناداً إلى أدلة عقلية ونقلية.

وثالثاً: إذا كان هذا الطريق متاحاً حقيقة لسارع إمام الزمان (عج) لمساعدة الفقهاء في الأمور المهمة والحياتية ولَحَلَّ لهم عقد ومعضلات مجتمع المسلمين وكان هذا سيجعل وضع المجتمعات الإسلامية –أو على الأقل المجتمعات الشيعية- أفضل مما هي عليها الآن بكثير. أي على هذا القول كان المفترض أن تُحَلَّ جميع مشكلات المسلمين الهامة فلماذا لا نشاهد شيئاً من ذلك؟

غرويان: أما قولكم إن الاستدلال يجب أن لا يكون مذهبياً (أي ضمن المذهب) وأنه لا بد أن يكون خارج الإطار الديني الخاص، فإن دليل الاستقراء الذي تحدثنا عنه هو فعلاً خارج الإطار الديني الخاص وليس داخله. نحن نقول إنه قد وقعت نماذج وحالات عديدة للتشرف بلقاء إمام الزمان (عج)، وقد شوهدت آثار تلك اللقاءات، وهذا الاستقراء دليل على أن هذا الأمر حقيقة فعلية.

نيكويي: هناك شك في صغرى هذا الدليل. في الدليل الاستقرائي، يجب أن تكون موارد الاستقراء واضحة وبينة ومقبولةً. مثلاً عندما نرى أن عدداً كبيراً من الغربان سوداء اللون نحكم أن جميع الغربان سوداء اللون (لا نبحث هنا في صحة دليل الاستقراء بحد ذاته وهل هو برهان مقبول منطقياً أم لا). هنا سواد لون الغربان التي تم استقراؤها شيءٌ يمكن إثباته لأنه قابلٌ للمشاهدة بالعين، أما في دليلكم الاستقرائي فلا يمكن إثبات أي مورد من الموارد التي تم استقراؤها، بل يمكن لقائل أن يقول إن جميع حالات ادعاء التَشَرُّف بلقاء إمام الزمان (عج) كذب، وأؤكد ثانية أن العديد من علماء الشيعة وفقهائهم لا يثقون بمثل هذه الادعاءات بل قد جاءت في روايات الشيعة أنفسهم أنه لو ادَّعى أحد الناس الارتباط بإمام الزمان (عج) فكذبوه.

غرويان: أولاً: الروايات تتحدث عن تكذيب من يدعي أنه نائب خاصٌ لإمام الزمان، لا من ينقل عنه بوصفه نائباً. ثانياً: إن القرائن الدالَّة على صدق الفقيه العادل واضحة وبينة تماماً. ثالثاً: إن إثبات كل شيء يتناسب مع طبيعة ذلك الشيء، والإثبات لا يتطلَّب بالضرورة رؤية ذلك الشيء بالعين.

نيكويي: لقد ادعيتم الهداية غير المباشرة التي يقوم بها الإمام عن طريق الرؤيا والإلهام والإلقاء في روع الفقهاء وذهنهم. لكن كلامي لا يزال قائماً وهو أنكم لا تستطيعون أن تبينوا وتثبتوا أن إمام الزمان (عج) يعمل على هداية الناس الآن بشكل غير مباشر.

غرويان: وكذلك لا يمكنكم أن تنفوا هذا الأمر، أما إثباته فممكن عن طريق التواتر لمن هم أهلٌ لهذا المعنى. إن من يريد الدخول في مثل هذه الأبحاث عليه أن يدرس المقدمات اللازمة لها، وإلا فمن دون اجتياز المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتيجة.

نيكويي: لكن الدلائل التي ذكرتُها تنفي هذا الادعاء. وحتى إذا لم نستطع أن ننفيه فإن المسألة تبقى مجرد إدعاء غير قابل للإثبات وبالتالي لا يمكنه أن يقدم إجابة تحل لغز مناقضة الغيبة لنظرية الإمامة.

غرويان: أما بالنسبة إلى ما تتفضلون به من أن هذا الأمر غير قابل للإثبات، فأقول: إنه غير قابل للنفي كذلك. وثانياً: ينبغي أن نرى ما المراد من «الإثبات». إذا كان قصدكم أننا يجب أن نطرح كل مسألة على كل شخص بشكل يتوافق مع مرتكزاته فنحن لا نقبل بمثل هذا القول أبداً. نحن إنما نأتي بالدليل لأنفسنا، وإذا كان الطرف المقابل لا يؤمن بمرتكزاتنا فإننا نبحث معه حول المباني الفكرية والمرتكزات الأساسية. نحن نعتبر أن هذا الاستدلال تامٌّ وقائمٌ استناداً إلى مرتكزاتنا نحن، وغاية ما في الأمر أن هذا يعود في النهاية إلى التجربة الداخلية. إذا لم تكن لشخص ما مثل هذه التجربة الداخلية فليذهب وليكتسبها ولكن لا يمكنه أن ينفيها.

نيكويي: إذاً في رأيي، إذا أردنا أن نبحث في المرتكزات فعلينا أن نرجع إلى الآيات والروايات والمستندات والمُستَمْسَكات التاريخية التي يستند إليها علماء الشيعة لنرى هل نَصَب الله تعالى حقيقةً أئمةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ وهل أئمة الشيعة بما في ذلك الإمام الثاني عشـر (عج) معصومون فعلاً ومنصوبون مِنْ قِبَلِ الله تعالى ويمتلكون علوماً غيبية وقدرات استثنائية أم لا؟ وهل هناك للإمام الثاني عشر حضرة المهدي (عج) وجودٌ خارجيٌّ أم لا؟ وإذا كان له وجودٌ خارجيٌّ فهل هو حيٌّ الآن ومحتجبٌ عن الأنظار أم أن الحقيقةَ شيءٌ آخر؟ كلُّ هذه الأمور لا يمكن إثباتها بأدلَّةٍ عقليّةٍ، أي لا يمكن أن نثبت بالدليل العقلي المحض وجود إمام الزمان وامتلاكه لطاقات غيبية وقدرات خارقة.

غرويان: كما أنه لا يمكن نفي ذلك عقلاً. فالعقل يحتمل تلك الأمور ويعتبرها ممكنة، ومن الجهة الأخرى تدعم الأدلة النقلية هذه الأمور وتؤيدها فلماذا لا نقبلها؟!

نيكويي: نعم لا يمكننا نفيها عقلاً، ولهذا قلت إنه لا بد من الدخول إلى بحث الأدلة النقلية.

غرويان: بالطبع هنا نقطة أود التذكير بها وهي أنه هناك مسائل يعتمد البحث حولها على أن نرى هل هي ممكنة عقلاً أم محالة عقلاً. فإذا لم نجد أي دليل مخالف لها نقول فوراً إنها غير محالة بل ممكنة عقلاً، أي معقولة. مثلاً، ليس لدينا دليل على نفي وجود إمام الزمان وعمره الطويل، لذا نقول إن هذا الأمر غير ممتنع عقلاً بل هو أمرٌ ممكن ومعقول. وهذا وحده يكفينا. نحن نسعى في كثير من أبحاثنا العقائدية لإثبات أن الأمر الفلاني معقول وممكن وأنه لا يوجد أي دليل على أنه غير معقول.

نيكويي: ولكن معقولية ادعاء ما أعمّ من كونه صحيحاً فعلاً أو غير صحيح. إن معقولية أمر ما لا تعني بالضرورة أبداً أنه صحيح وواقعي وحق، بل كل ما تعنيه أنه أمر ممكن فقط [والإمكان أعمّ من الثبوت]، فمجرد إثبات أن أمراً ما معقول لا يكفي لإثبات أنه واقعٌ فعلاً، ولا يحلّ أي مشكلة. ولكي ننتقل من مرحلة المعقولية، أو بعبارة أدق من مرحلة الإمكان إلى مرحلة الثبوت الحقيقي لا بد من الرجوع إلى الأدلة النقلية، أي أن الأدلة العقلية هنا لا تقدِّم ولا تؤخر ولا تثبت شيئاً.

غرويان: طالماً أن البحث والمناقشة يدوران حول عدم الإمكانية أو عدم المعقولية فكيف تقولون إن إثبات المعقولية لا يحل أي مشكلة؟! أصل المشكلة هو هنا. نعم بالطبع نحن نأتي هنا أيضاً بأدلة نقلية أو بشواهد وقرائن تجريبية تؤكد مُدَّعانا.

نيكويي: بالنسبة إلى الأدلة النقلية سأقوم بطرح عدة إشكالات.

الإشكال الأول: أنه لم تُطرَح نظرية الإمامة - سواء بصورتها الكلية أم ببيان مصاديقها – بشكل صريح وواضح في أي آية من آيات القرآن ولا في أي حديث من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. يدَّعي الشيعة أن نَصْب الله لأئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضروريٌّ (عقلاً)، وقد فعل الله ذلك ونَصَب أئمةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء الأئمة، إضافةً إلى عصمتهم من كل خطأ أو اشتباه أو ذنب، يمتلكون علماً لدنياً غير اكتسابي ويعلمون الغيب ويمتلكون قدرات خارقة ويمكنهم أن يتصـرفوا في عالم التكوين بإذن الله. ولهؤلاء الأئمة رئاسة عامة وشاملة على الناس تشمل جميع أمورهم الدينية والدنيوية بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والناس مأمورون ومكلَّفون شرعاً بطاعتهم طاعةً مطلقةً دون سؤال أو نقاش (كطاعة الأنبياء). هذه هي نظرية الإمامة بشكل مجمل وكلِّيّ. بيد أن الشيعة تعتقد أيضاً أن أول إمام معصوم وخليفة بحق بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام على (ع) وآخر إمام معصوم هو حضرة المهدي (عج). وحضرة المهدي يعيش – لأسباب ومصالح مقتضية – مستتراً عن الأنظار منذ ألف ومئة عام وسيظهر يوماً ما بإذن الله ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً. لكن ادعاءات الشيعة هذه لا توجد بشكل صريح في أية آية قرآنية ولا في أي حديث نبوي. وجميع الآيات والروايات التي يستند إليها علماء الشيعة لإثبات ادعاءاتهم

 المذكورة تحتمل تفسيرات متعددة، فلا يوجد في أي منها نص صريح قاطع يثبت معتقدات الشيعة تلك. أفلا تضع عدم صراحة تلك النصوص علامة استفهام كبيرة على تلك الادعاءات من أساسها.

غرويان: أنا أعتقد أن الأدلة العقلية على الإمامة والولاية مقدَّمة على الأدلة النقلية، لأنه لا بد ابتداءً أن يتم إثبات المسألة بالدليل العقلي ثم يمكن للأدلة النقلية أن تأتي لتؤيد وتدعم ما أثبته العقل. إن أصل إمامة أهل البيت يمكن إثباته بالدليل العقلي، لأن التاريخ يقول إن الإمام علىّاً (ع) وأولاده كانوا – من جميع الجهات – أفضل الأمة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فالعقل يقول إن الإمامة إذن مقامهم وصفتهم، فهم وحدهم الجديرون بالإمامة، وهذا يمكن إثباته بالرجوع إلى الكتب التاريخية وإلى سِيَرِهم.

أما ما تفضلتم به من أن الآيات والأحاديث غير صريحة في هذا الصدد، فجوابه أنه لو كان من اللازم بيان جميع معارف الدين واحدة واحدة بشكل صريح في القرآن الكريم لصار حجم القرآن أضعاف حجمه الحالي. لكن لدينا آيات قال المفسّـِرون الشيعة والسنة أنها نزلت بشأن الإمام على (ع)، مثل آية الولاية، كما لدينا آية أولي الأمر وآية التطهير التي نزلت بحق الأئمة المعصومين. ولدينا روايات فيها ذكر أسماء الأئمة الاثني عشر.

نيكويي: هل هذه الروايات، مقبولة من ناحية معايير الصحة والقبول في علم الحديث مِنْ قِبَلِ علماء أهل السنة أيضاً؟

غرويان: نعم، لدينا روايات أخرجها الشيعة ورواها السنة أيضاً وفيها ذكر أسماء الاثني عشر إماماً بشكل صريح. طبعاً بعض رواياتنا فُقِد مع مرور الزمن، وربما كانت تلك المسائل قد ذُكِرَت في تلك الروايات المفقودة بشكل صريح.

نيكويي: تفضَّلتم أنكم بدايةً تثبتون الإمامة وعصمة الأئمة بالدليل العقلي، فالسؤال هو كيف يمكن للأدلة العقلية أن تثبت الإمامة والعصمة بنحو المصداق؟

غرويان: بمساعدة التاريخ، ثم نضم إليه الدليل العقلي. التاريخ يقول إن الإمام على (ع) أفضل إنسان بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيأتي العقل ويقول: إذن هذا الشخص ذاته ينبغي أن يكون إماماً.

نيكويي: يتوقَّف هذا الدليل على أن يتمَّ في البداية إثبات ضرورة نَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ، بالدليل العقليّ. وبعد إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ، عقلاً، ربما أمكن استنتاج أن الإمام على (ع)، طبقاً للمستندات التاريخية هو أول إمام معصوم بعد النبيّ. أما الأهلية والجدارة وحدها وكون الشخص أفضل الخلق بعد النبيّ فلا تثبت إمامته وعصمته وتعيين الله له.

غرويان: لقد بحثنا من قبل الأدلة العقلية على ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ.

نيكويي: صحيح. لكنكم فسـرتم هنالك «الضـرورة العقلية» بمعنى «الحُسْن العقليّ» لا بمعنى الضرورة العقلية التي يستحيل عدمها، أي أنكم قلتم إن العقل يستحسن أن يكون هناك أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وبعبارة أخرى اعتبرتم أن الإمامة والرئاسة العامة لازمة وضرورية، أما عصمة الإمام فلم تعتبروها ضرورة عقلية بل قلتم إذا كان ذلك الإمام معصوماً لكان ذلك أفضل وأحسن.

غرويان: من الجيد والحسن أن يوجد هذا الإنسان، والآن هو موجود فعلاً، هذا معنى الضرورة. الضرورة العقلية هنا تعني أن العقل يحكم بأنه من المحال عند وجود الشخص الأصلح أن يجعل الله رسالته في شخص آخر غيره.

نيكويي: إن حكم العقل بحُسْن شيء يختلف كثيراً عن الحكم بالضرورة العقلية لشيء. حكم العقل بحسن وجود إمام معصوم بعد النبيّ لا يثبت وحده الوجود الفعلي للإمام المعصوم. كيف يمكن إثبات موضوع «الوجود الفعلي» بالدليل العقلي؟

غرويان: وجود الإمام المعصوم واجب وليس لدينا دليل على نفيه وعدمه. ومن الجهة الأخرى هناك قرائن وشواهد تُظهِر بوضوح عصمة الإمام على (ع) مثلاً. فإذن هناك ضرورة لاعتبار الإمامة شأنه وحقه.

نيكويي: هل ذلك «الوجوب» وجوب عقلي؟

غرويان: نعم، عندما نقول «يجب» فمعناه أن مثل هذا الإنسان يجب أن ينال منصب الإمامة.

نيكويي: إن وجوب أن ينال مثل هذا الشخص كالإمام علي (ع)- منصب الإمامة فرع لثبوت الضرورة العقلية لوجود الإمام المعصوم من الأساس. فإذا لم تثبت هذه الضرورة بالدليل العقلي أو وجد دليل ضدها، عندئذ لن نستطيع أن نقول إن أفضل فرد في الأمة يجب أن يكون إماماً معصوماً منصوباً مِنْ قِبَلِ الله. بعبارة أخرى لا يمكن أن نستنتج من أفضلية شخص على الآخرين إمامته وعصمته ونَصْبِ الله تعالى له.

غرويان: يجب عقلاً أن يوجد إمام معصوم بعد النبيّ، والله تعالى عاقلٌ وحكيمٌ ولا يعمل ما يخالف الحكمة، لذا فإنه يختار ـ ضرورةً وعقلاً ـ أفضل الأفراد أي الإمام المعصوم (ع)، ويَنْصبه خليفةً للنبي.

نيكويي: لكنكم في بداية الحوار قلتم إن الضرورة هي بمعنى «الحُسْن».

غرويان: قصدتُ «الحُسْن العقليّ» أي «الوجوب العقلي».

نيكويي: حسناً، هناك ضرورة عقلية تحكم بوجوب وجود أئمة معصومين بعد النبيّ؛ فالسؤال: إذا لم يوجد أئمة معصومون بعد النبيّ فماذا يحصل؟ بعبارة أخرى: من أين نشأت هذه الضرورة العقلية؟

غرويان: إذا لم يوجد هؤلاء الأئمة المعصومون لكان للناس على الله حجّةٌ يوم القيامة. وقد سبق وأن أجبنا عن هذه المباحث في الأسئلة السابقة.

نيكويي: حسناً. إذا كان الأمر كذلك فللناس على الله تعالى حجَّةٌ اليوم، لأنه لا يوجد لديهم إمام معصوم يهديهم ويرشدهم.

غرويان: الإمام المعصوم موجود الآن وليس للناس على الله أي حجَّةٍ، وغيبة الإمام (عج) سببها الناس أنفسهم.

نيكويي: لنفرض أنه موجودٌ فعلاً. لكنه عندما لا يكون قادراً على هداية الناس وإرشادهم فإن الحجة لا تتم على الناس. وهداية الناس وإرشادهم اليوم أصبحت بيد العلماء والفقهاء.

غرويان: إن الإمام يهدي الناس ويرشدهم بشكل غير مباشر وهذا تكرار للأمور التي أوضحناها سابقاً.

نيكويي: وهذا أمر غير قابل للإثبات، وقد بحثنا هذه النقطة فيما سبق.

غرويان: إثبات كل أمر يتّم بمنهج يتناسب مع طبيعة هذا الأمر، فهذه المسألة يتم إثباتها بطريقة تتناسب معها، وليس صحيحاً أنها غير قابلة للإثبات.

نيكويي: في هذه الصورة، أولاً: دليلكم يبقى ناقصاً وغير تام، وثانياً: لا تتم هنا الحجة على الناس، فمن أين يعلم الناس أن كلام الفقيه هو عين كلام الإمام المعصوم حتى تتم عليهم الحجّة؟

غرويان: قد لا يفهم العوام شيئاً حول هذا الموضوع، لكن الخواص يفهمون. العوام لا يدركون البرهان والاستدلال في كثير من الأمور، فليكن كذلك. إذا شرحنا «علاقة فيثاغورس» لطفلٍ فإنه لن يفهم شيئاً، فهل يكون هذا دليلاً على أن تلك الصيغة الرياضية خطأ؟

نيكويي: دعنا نذهب نحو الآيات والروايات. إن أيَّاً من الآيات التي أشرتم إليها، مثل آية الولاية وآية التطهير وآية أولي الأمر، لا يؤيد نظرية الإمامة صراحةً، وكلها تحتمل تفسيراتٍ متعدّدة. فمثلاً حتى لو اعتبرنا أن آية الولاية نزلت بشأن الإمام على (ع)- وهو بالطبع ما لا يقرُّ به كثير من علماء أهل السنة - فإنها لا تزال غير دالّة بصراحة على نظرية الإمامة وعلماء أهل السنة يفهمون لفظة «وليّ» في الآية بمعنى «حبيب ونصير» وليس بمعنى «الأولى بالتصرُّف» فكيف تبرِّرُون عدم الصراحة هذا؟

غرويان: ما هو قصدكم من البيان الصريح؟

نيكويي: أن يقول الله تعالى بشكل واضح وصريح: عليُّ بن أبي طالب إمامٌ معصومٌ وخليفةُ النبيّ مِنْ قِبَل الله، وعلى الناس أن يسمعوا له ويطيعوا طاعة مطلقة.

غرويان: عندما يقر الجميع بأن هذه الآية نزلت بشأن علي (ع) فما الدافع إلى إنكار ذلك؟

نيكويي: حتى لو قبلنا أن الآية نزلت بشأن علي (ع)، فإن هذا لا يُثبِتُ الإمامةَ والعصمةَ والنَّصْبَ من قِبَل الله، يعني أن الآية ليست صريحة في هذا الموضوع. ربما تستطيع الأبحاث التفسيرية المعقّدة، التي لا يستطيع العوام أن يفهموا منها شيئاً، أن تستخرج من الآية المعنى الذي يرمي إليه الشيعة، وبالطبع نتائج مثل هذه الأبحاث التفسيرية المعقدة لا تكون قطعية ويقينّية أبداً وهي دائماً قابلة للنقد وعُرضه للنقاش، ولكنها على كل حال ليست صريحة، وإذا لم يستطع شخصٌ أن يستنبط منها هذا المعنى هذا على فرض أن معنى الآية هو فعلاً ما تقوله الشيعة - فإنه لا يكون مقصَـّراً في ذلك.

غرويان: لا تستدلوا بهذه الطريقة قائلين طالما أنه من الممكن للبعض أن لا يفهموا ذلك المعنى من الآية فهي غير صريحة فيه. حسناً، إن الذي لا يستطيع أن يفهم عليه أن يحل مشكلته بنفسه، فحتى لو طرحنا أشد آيات القرآن صراحةً لأمكن أن يأتينا من يقول: أنا لا أفهم هذا المعنى من الآية. نقول له إذا كنتَ لا تفهم، فهذه مشكلتك فلتذهب وتحلها ولا تقُل إن الآية ليست صريحة. أما موضوع عدم ذكر اسم علي بن أبي طالب (ع) في الآية فله ثمرتان: الأولى: أن الآية عرّفت علي بن أبي طالب (ع) بجملة «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (المائدة/55) والثانية أنها قالت: الذين يريدون أن يتحركوا في خط علي بن أبي طالب (ع) عليهم أن يكونوا مثل هؤلاء الأشخاص أصحاب تلك الصفات (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم راكعون). أما إذا ذَكَرت الآية اسمَ عليّ بن أبي طالب (ع) بدلاً من ذكر تلك الأوصاف لما كانت لتلك الآية هذه الخاصية والثمار.

نيكويي: حسناً. كان يمكن للآية أن تذكر اسم علي بن أبي طالب (ع) وتذكر معها تلك الصفات حتى لا تبقى أي شبهة أو شك في الأمر.

غرويان: أولاً: لم يكن هناك ضرورة لذلك. ثانياً: ذكر اسم خاص ومحدد يخرج الآية عن كليتها وعمومها.

نيكويي: هنا بالضبط تكمن النقطة الهامة. أليست إمامة الإمام علي (ع) وأولاده وعصمتهم ونَصْب الله تعالى لهم، من وجهة نظر الشيعة، من أصول الدين؟ ألا يقول الشيعة إن إيمان الناس من دون الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت (ع) وعصمتهم إيمان ناقص؟ ألا يعتبر علماء الشيعةِ الإمامةَ استمراراً للنبوّة وأساسَ الدين وقاعدته وركنه الأساسي؟ ألا يقولون إن الناس لو اتفقوا على الإمامة وولاية عليِّ بن أبي طالب (ع) وأبنائه لَعَمُرَت دنياهم وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولنالوا السعادة في الآخرة ولكانت أوضاع العالم غير ما هي عليه؟ فلماذا لم تُذْكر مسألةٌ بهذه الأهمية والخطورة والعظمة (إذا كان لها حقيقةٌ فعلاً) بشكل صريح وواضح في القرآن الكريم حتى لا يضل الناس؟ إذا كانت الإمامة من أصول الدين فلماذا لم تأتِ أي آية في القرآن في بيانها وتأييدها وشرحها وتوضيحها بشكل صريح؟ لقد جاءت في القرآن مئات الآيات الصريحة حول التوحيد والنبوّة والمعاد التي تُعَدُّ من أصول الدين وأسسه أما عن الإمامة فلم يكن الأمر كذلك، فما السبب في ذلك؟

غرويان: نحن نعتقد أن الآياتِ صريحةٌ. ويبدو أننا نختلف وإياكم في معنى الصراحة. نحن نعتقد أن جميع الآيات التي أوردناها صريحةً. أما لماذا لم يذكر اسم الإمام علي (ع) بصراحة في الآيات، ففي رأيي إن السـرَّ في ذلك هو أن ذكر اسمه صراحةً سيعمِّق الاختلاف بين المسلمين ويزيد من حدّته مما ستكون مفسدته أكبر من مصلحته. لو ذُكر اسم الإمام وخليفة النبيّ في القرآن بصراحة لما رضخ الناس لهذا الأمر ولقالوا إن الإمامة مسألة شخصية ووراثية وتعبّدية ولشككوا في صحة تلك الآيات القرآنية من الأساس وكانت ستقع مفسدة كبيرة. ولكن لدينا في آيات القرآن قول الله تعالى لنبيّه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...﴾ (النحل/ 44) وهنا نحن نعتقد أن آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (المائدة/55) والآيات الأخرى التي هي - حسب قولكم - مبهمة وغير صريحة إنما جاءت كذلك حتى يقوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدوره والإيفاء بمهمته في بيان ما نُزِّل إليه، أي أن يبين تلك الآيات للناس ويعرِّفَهم بمصاديقها وحقيقة المراد منها.

نيكويي: الإشكال الآخر الذي يَرِدُ على أدلة الشيعة النقلية هو أن هذه الأدلة جميعها ناقصة.

مثلاً عندما يريد علماء الشيعة أن يثبتوا عصمة أولي الأمر استناداً إلى آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... (النساء/59)، يقفون عند هذا المقدار من الآية ويقولون: لمَّا أوجب الله طاعة «أولى الأمر» جنباً إلى جنب وجوب طاعة الله وطاعة رسوله دَلَّ ذلك على ضرورة أن يكون أولوا الأمر معصومين. هذا في حين أننا لو أكملنا الآية إلى آخرها للاحظنا أن الله تعالى يقول بعد ذلك ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ....﴾ (النساء/59) مما يبيِّنُ أن استدلال الشيعة غير دقيق، لأن الله أمر المسلمينَ، في تتمَّة الآية، إذا اختلفوا مع أولي الأمر وتنازعوا معهم، أن يحلوا الاختلاف والنزاع بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. مما يبين أن طاعة أولي الأمر ليست مطلقةً بل هي في إطار كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وآله وسلم.

غرويان: لا ليس معنى الآية ما ذكرتم. إن معنى قوله: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ» (النساء/59) أي إذا تنازعتم أيها الناس مع بعضكم البعض فردوا نزاعكم إلى الله والرسول، ولم يقل إذا تنازعتم مع أولي الأمر!!

نيكويي: حسناً، فلماذا لم يقل إذن فردوا نزاعكم إلى أولي الأمر. أليس «أولوا الأمر» معصومين؟

غرويان: أنا أعتقد شخصياً أن «أولى الأمر» أعم من المعصوم، أي لا ينحصـر معناها في المعصومين فقط. إنها تشمل المعصومين ولكنها ليست منحصرة فيهم.

نيكويي: إذن لا يمكننا أن نثبت عصمة «أولى الأمر» بهذه الآية.

غرويان: لدينا روايات جاءت شرحاً للآية المذكورة وجاء فيها أن عبارة «أولي الأمر» تشير إلى المعصومين. لكننا نقول لا يوجد حصـر للعبارة بهذا المعنى. نعم المصداق الأتمّ والأكمل لـ «أولي الأمر» هم المعصومون (ع)، وفي حال عدم القدرة على الوصول إلى المعصومين، فإن «أولي الأمر» تشمل أيضاً من هم الأقرب إلى المعصومين والأشبه بهم.

نيكويي: هنا نقع في تناقض وهو أنه إذا قبلنا باستدلال الشيعة وقلنا لما كانت طاعة أولي الأمر واجبةً على نحو مرادف لطاعة الله ورسوله فلا بد أن يكون أولو الأمر معصومين، فلا يمكننا عندئذٍ أن نقول إن «أولي الأمر» تشمل أيضاً غير المعصومين!!

غرويان: كلا، أنا لا أعتبر هذا الاستدلال تاماً وكاملاً، في هذه الآية أُمر المؤمنون بطاعة أولى الأمر في طول طاعة الله ورسوله لا مرادفاً لطاعة الله ورسوله وعلى نفس الدرجة. فإذا جعلنا طاعة أولي الأمر ضمن ـ أي في طول ـ طاعة الله ورسوله، يمكننا أن نعتبرها شاملة لغير المعصوم أي للولي الفقيه أيضاً.

نيكويي: الإشكال الثالث الذي يرد على الأدلة النقلية هو أننا لأجل أن نفهم الآيات والروايات فهماً دقيقاً وصحيحاً، يجب أن نرجع إلى القرائن الحالية والمقالية، وبعبارة أفضل يجب أن نعلم سبب نزول الآية أو صدور الحديث. ولكن قد لا نستطيع أن نصل إلى معرفة كاملة لخلفيَّة نزول الآية أو صدور الحديث أي قد تخفى عنا الحوادث والظروف التي حَفَّت بنزول الآية وصدور الحديث ـ إذْ لابد أن نرجع في هذا الصدد إلى المستندات والمصادر التاريخية وقد تكون هذه المصادر ناقصة أحادية الجانب أو كاذبة ومختلقة ـ ولذا فلن نستطيع أن نصل إلى المعنى الدقيق للآيات أو الروايات بشكل يقيني وقاطع. ألا تضعف هذه الحقيقة الثقة بالأدلة النقلية وتجعلها مجرّد أدلة ظنيّة؟

غرويان: القطع واليقين هنا قطع ويقين نسبيّ، بمعنى أننا نقرأ في هذا المجال تواريخ وأقوال وآراء مختلفة ونصل في النهاية إلى قاسم مشترك ونتيجة كلية ونقول إن هذا أفضل استنتاج توصلنا إليه. نعم نحن لم نكن في ذلك الزمن ولم نحضر الظروف التي وردت فيها تلك الآيات أو الروايات. ولكننا نسعى أن نجعل أنفسنا في تلك الظروف استناداً إلى الأخبار المنقولة لنا، ثم نقوم بأفضل استنتاج من مجموع تلك الروايات والأخبار وليس في وسعنا أكثر من ذلك، إننا نعترف بذلك. بعبارة أخرى إن قطعنا ويقيننا نسبيان. أي أن ما توصلنا إليه هو أفضل تفسير يمكن الوصول إليه انطلاقاً من المستندات والمصادر التاريخية، نحن نذهب إلى مذهب «التخطئة» لا مذهب «التصويب»(73). إن قسماً من أحكامنا أحكامٌ ظاهرية وليست أحكاماً واقعية. وهذا البحث يُدرس بشكل مبسوط في علم أصول الفقه.

نيكويي: نشكركم على ما أكرمتمونا به من وقتكم الثمين. والسلام.

 

+                +             +

 

القسم الثالث
الرسائل والردود

رسالة آية الله جعفر السبحاني إلى المؤلف إجابةً عن سؤاله حول معضلة «غَيْبة» إمام الزمان (عج):

في أوائل سنة 1378 هجرية شمسية (1999م) كتبتُ رسالةً لآية الله الشيخ جعفر السبحاني (أحد المجتهدين وأساتذة الحوزة العلمية الكبار في قم) سألته فيها السؤال التالي:

«انطلاقاً من أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كيف تبرِّرون وتفسِّرون غيبة إمام الزمان (عج)؟؟».

فكانت إجابته هي الرسالة التالية:

[بعد التحية والسلام عليك أيها السائل العزيز، سأقوم – لأجل توضيح الفكرة – بتقسيم سؤالك إلى السؤالين التاليين ثم أجيب عن كلٍّ منهما على حِدَة:

السؤال الأول: ما هي علل وأسباب غيبة إمام الزمان (عج)؟

الجواب:

علَّةُ «غيبة» حضرة ولي العصر -عجَّل الله تعالى فرجه الشـريف - وفلسفتها الواقعيّة سرٌّ من أسرار الله وليس لأحدٍ معرفةٌ كاملةٌ بها، إلا الله والأئمة المعصومين. ورغم ذلك، وطبقاً لبيانات المعصومين، فإن من أسرار وعلل غيبته ما يلي:

1-1. عدم تهيُّؤ شروط الظهور لأجل تحقيق الغاية والهدف الكبير (بسط العدل والقسط في العالم وجعل عَلَم التوحيد يرفرف في جميع أنحاء الأرض). هذا الهدف الكبير يحتاج إلى مرور زمن حتى يكتمل عقل البشرية وتزدهر معرفتها واستعدادها الروحي، كي يستقبل الناس إمام العدل والحرية بكل صدر رحب. من الطبيعي أنه لو ظهر ذلك الإمام قبل تهيؤ مقدمات ظهوره بين الناس للقي المصير ذاته الذي لقيه من سبقه من الأئمة (أي القتل والاستشهاد) مما يعني رحيله عن الدنيا قبل تمكنه من تحقيق تلك الغاية العظيمة.

 

2-1. حفظه من شر الجبارين والظالمين.

3-1. جاء في بعض الروايات ذكرٌ لحكم أخرى من ذلك امتحان الناس واختبار مقدار التزامهم بالدين وثباتهم على الولاية. إن غيبة الإمام سبب في افتضاح النفاق المخفي لعدد من الناس، وتمييز الإيمان الحقيقي لمحبي الإمام (عج) وشيعته الحقيقيين من ضعف إيمان ضعفاء الإيمان وبكلمة واحدة تمييز المؤمنين من المنافقين.

السؤال الثاني: لماذا نَصَب الله أئمةً متسلسلين على الأمة الإسلامية بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ المجتمع الإسلامي وبيان التشـريعات اللازمة له وقيادته وإدارة أموره، ولكن في هذه الأزمنة المليئة بالأزمات والتي يحتاج فيها الناس أكثر من أي وقت مضى إلى الإمامة المعصومة، يعيش إمام الزمان (عج) مختفياً عن الأنظار؟ لماذا احتجب عن الأنظار وغاب عن الناس وكيف نستفيد من وجوده الشريف؟

الجواب:

أولاً: يجب أن ننتبه إلى أن «غَيْبة» الإمام ليس معناها أنه يعيش في عالم غير هذا العالم أو أن وجوده الجسمي تحول إلى وجود غير ظاهر مثل أمواج «الأثير»، بل معنى غيبة الإمام –عجل الله تعالى فرجه الشريف- أنه يعيش بين الناس والناس يرونه ولكنهم لا يعرفونه وأنه يتمتَّع بحياةٍ طبيعيةٍ.

ثانياً: طبقاً لبيان الإمام علي بن أبي طالب (ع) في «نهج البلاغة»: لِـلَّهِ تعالى حجتان حجة حاضرة ظاهرة وحجة غائبة باطنة، يقول الإمام في ذلك:

 «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِـلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وبَيِّنَاتُهُ..»(74).

يُبيِّن هذا الكلام أن القادة الذين ينصبهم الله يؤدُّون مهمتهم الخطيرة في هداية الناس وإرشادهم بشكلٍ علنيٍّ ظاهرٍ، وكذلك بشكل خفيٍّ سرِّيٍّ. فهم يبذلون جهدهم لإرشاد الناس في جميع الأحوال. وقد أرشدنا القرآن المجيد إلى مقام الولاية الرفيع وشأنها العالي وكيفية هداية أولياء الله للناس وبيَّن بوضوح أنه من الممكن لأحد رجال الله أن يكون مختفياً وغائباً عن الأنظار وفي الوقت ذاته يأخذ على عاتقه أمر هداية الناس وإرشادهم.

ثالثاً: رغم أن عدداً من أولياء الله كانوا غائبين عن الأنظار، إلا أنهم كانوا يقومون بإرشاد المجتمع وهدايته أو أنهم كانوا يقومون بمهمة تربية أفراد المجتمع وهم مستترون عن الأنظار بغطاء خاص، ورغم أنهم لم يكونوا أولياء ولا أنبياء إلا أنهم كانوا دائماً مستعدين ينتظرون تلقي الأمر من الله ليؤدوا ما يأمرهم به من أعمال. بعض أفراد هذا النمط من الأولياء هم:

أ) معلم سيدنا موسى (ع) الذي عرّفته بعض الأخبار باسم «الخضر». كان ولي الزمان هذا يعيش دون أن يعرفه أحد، وكان ذا علمٍ واسعٍ وصاحبَ روحٍ قويِّةٍ عاليةٍ. وقد صرح القرآن بأن موسى (ع) تعرّف عليه وكان يستفيد من علمه ولو لم يعرّفه الله عليه لما عرفه أحد. ورغم أنه كان محتجباً عن الأنظار إلا أنه لم يكن غافلاً عن حوادث زمنه وأوضاعه. وكان يتصرّف في أموال الناس وأنفسهم طبقاً لما يراه من المصالح وذلك استناداً إلى الولاية والصلاحيات التي منحَهَا اللهُ له. وقد أشارت الآيات من 65 إلى 82 من سورة الكهف في القرآن الكريم إلى هذه القصة وبينتها بشكل مفصل.

ب) غاب سيدنا موسى (ع) عن الأنظار واحتجب عن الناس أربعين يوماً. فلو كان من الضروري أن يكون الإمام الهادي والمرشد في وسط المجتمع دائماً وكانت غَيبته تتنافى مع مقام الهداية ومع الحكمة من وجوده، فماذا نقول بشأن سـيدنا موسى (ع) رغم أننا نعلم أن بني إسرائيل اتجهوا إلى عبادة العجل عندما غاب عنهم؟ هل كان هذا النبيُّ الذي ذكر القرآنُ صراحةً أنه غاب عن بني إسرائيل أربعين يوماً كاملةً إماماً أم لا؟ إذا قلنا إنه كان يمتلك مقام النبوّة والقيادة، سيُطْرَحَ السؤال: فما هي الفائدة من وجود مثل هذا الإمام؟ فإذا قلنا إن مقام الإمامة والقيادة قد سُلِبَ منه- في تلك الفترة الزمنية – كان كلامنا غير صحيح ولا أساس له، لأننا نعلم أنه بامتلاكه لواجب الإمامة والقيادة اختفى لأجل أخذ التوراة بعيداً عن الأنظار. وإذا كان ينبغي على الإمام أن يكون هادياً وملهماً للناس فإن طول المدة وقصرها سيان في نظر العقل ولا يُستثنى من مقدار الغيبة إلا ما تقتضيه ضرورات الحياة كالنوم ونحوه. ورغم أن حضرة موسى (ع) خلّف أخاه هارون (ع) وصياً له على الناس، لكننا لا نستطيع أن نفرق من هذه الناحية بين غيبة حضرة النبيّ والإمام موسى (ع) وغيبة الإمام حضـرة القائم – عجل الله تعالى فرجه الشريف- فأولاً هناك أيضاً لولي العصـر – عجل الله تعالى فرجه الشريف- نُوَّابٌ في الأمة يمكنهم أن يرشدوا الأمة في فترة غيبة الإمام وثانياً لا يمكن لوجود الوصي أن يبرِّرَ الغيبة.

ج) يصرّح القرآن الكريم بأن سيدنا يونس (ع) حُبس في بطن الحوت مدة احتجب فيها عن أمته (الأنبياء/87 والصافات/140 فما بعد)، فوليُّ الله هذا رغم امتلاكه لمقام الولاية كان بعيداً عن أمته؛ فإذا كان من الواجب أن يكون الإمام والمرشد الإلهي مفيضاً على الدوام وهادياً للخلق فكيف يمكن تبرير غيبته؟ من الواضح أنهم يغيبون لمصالح معينة ويحتفظون خلال مدة غيبتهم بمقام الولاية قائماً كما هو.

والحاصل يمكننا أن نستنبط من الأفكار المذكورة أعلاه ما يلي:

1- رغم أن بعض أولياء الله يختفون عن الأنظار إلا أنهم يبقون على اطلاع كامل بحوادث وأوضاع زمنهم، كما أنهم يتصرفون باستمرار في الأموال والأنفس استناداً إلى الولاية والصلاحيات التي أعطاها الله لهم، ويرشدون الأوضاع طبقاً للمصالح، وهذا كله رغم أن تصرفاتهم هذه مخفية عن أنظار الناس العاديين.

2- إن الهداية والقيادة والإمامة التي تُعدُّ من شؤون أولياء الله تتم أحياناً بصورة ظاهرة وأحياناً بصورة باطنة خفية، وليس من الضروريّ أبداً أن يكون الإمام معروفاً كي يقوم بالهداية والإرشاد بل يمكنه أن يقوم بهذه الوظيفة الهامَّة والخطيرة وهو مختفٍ، ويوصل من خلال ذلك نفعاً كثيراً للناس؛ فغيبة الإمام لا تتنافى مع مقام هدايته ونفعه للخلق.

3- تتخذ الهداية والإرشاد أحياناً صورة «بناء الفرد» وأحياناً صورة «بناء المجتمع». في صورة بناء الفرد وتربيته لا يلزم أبداً أن يعرف جميع الأفراد وليَّ الله ولا أن يقوم هو بشكل متواصل بهداية عامة الناس، بل عليه في الظروف الخاصة التي لا يتيسر فيها «بناء المجتمع» أن يقوم بتربية و«بناء الأفراد».

4- غيبة الولي لا تسلب منه مقام الولاية.

في المحصلة، وظيفة إمام الزمان – عجل الله تعالى فرجه الشـريف- في عهد الغيبة مثل وظيفة الأولياء والقادة في الماضي. يتصـرَّفُ الإمامُ في أمور حياة الناس الدينية والدنيوية في حال اختفائه، ويتصل بالأفراد المؤهلين والجديرين بهذا الاتصال، ويعمل على تربية الأفراد والشخصيات. فهل يبقى هناك مجال بعد قيام الإمام الغائب بكل هذه الوظائف لمن يقول: ما الفائدة من وجود ولي الزمان الغائب هذا؟

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا...﴾ (الأنبياء/73).

لا تدل هذه الآية على أن الهداية التي يمارسها الأئمة إنما هي بأمر الله فحسب، بل تدل أيضاً على أن طريقة الهداية تتم بأمر الله كذلك. فأحياناً تتعلق إرادة الله ومشيئته بأن يشتغل الأئمة بالهداية وهم مختفون عن الأنظار، وأحياناً توجب المصالح أن يظهروا للناس ويخرجوا من وراء ستار الغيبة، ويقوموا بممارسة طريقة هداية المجتمع ككل، وعلى كل حال جميع هداياتهم وطرقها وأساليبها تتم بأمر من الله.].

نقد المؤلف وتعليقه على إجابة آية الله الشيخ السبحاني:

باسمه تعالى

إلى سماحة آية الله الشيخ سبحاني

بعد السلام والتحية والاحترام، أحيطكم علماً أنني استلمت إجابة سماحتكم على سؤالي وقرأتها. لكنني لم أقتنع بما ذكرتموه لعدة أسباب:

أولاً: لا صلة لإجابتكم -كما ينبغي- بسؤالي.

ثانياً: تضمنت إجابتكم أفكاراً ونقاطاً، بعضها لا يمكن إثباته، وبعضها الآخر يفتقد من حيث المعنى والمفهوم إلى الوضوح الكافي. ولتوضيح الموضوع أرى لزاماً عليّ بداية أن أكرر سؤالي وأقدم توضيحاً مختصراً حوله. كان سؤالي هو التالي:

«انطلاقاً من أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كيف تبرِّرون وتفسِّرون غيبة إمام الزمان (عج)؟؟».

وأنا لم أنجح حتى هذه اللحظة، رغم كل ما بذلته من فكر وتأمل وشحذ للذهن، في التوفيق بين الأمرين التاليين:

1) أدلة إثبات الضرورة العقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

و 2) غيبة الإمام الثاني عشر واختفائه عن الأنظار وعدم قدرة الناس على الوصول إليه.

وأكاد أستنتج أن هذين الأمرين نقيضان لا يجتمعان. قد تبدو الإجابة على سؤالي سهلة في بداية الأمر، فيمكن أن نقول بنظرة بسيطة وابتدائية إن «ضرورة الوجود» تتناقض مع «عدم الوجود» لا مع «الغيبة»، والإمام الثاني عشـر موجودٌ و«غائبٌ» وليس «معدوماً». أدلة الضـرورة تثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم وهذا لا يناقضه إلا «عدم وجوده». في حين أن الإمام الثاني عشـر «موجودٌ»، غاية ما في الأمر أنه - لأسباب معينة - «مختفٍ وغائبٌ عن الأنظار»؛ فلا تناقض في الأمر.

فأقول: نعم لو كانت تلك الأدلة تثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم فقط، لما كانت متناقضة مع غيبة الإمام. ولكن، وألف لكن، إن المقدمات الافتراضات التي اعتمدت عليها أدلة ضرورة الإمام، إذا صحَّت، فإن نتيجتها المنطقية بلا ريب ثبوت ليس ضرورة «وجود» أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحسب بل ضرورة «حضورهم» أيضاً (ليس في عصر خاص فقط بل في جميع العصور والأزمنة)؛ لهذا السبب بالضبط أقول إن غيبة الإمام الثاني عشر تنقض تلك الأدلة. إذا كانت تلك الأدلة والمقدمات والافتراضات التي ارتكزت إليها صحيحة لكان من المحال أن تقع غيبة على هذا النحو، في حين أن الإمام الثاني عشر (حسب اعتقاد الشيعة) غائب عن الأنظار الآن ومختفٍ عن الناس ولا يعرفه أحد ولا يملك عامة الناس الوصول إليه، وحتى رؤيته في الحلم لا تحصل إلا في حالات نادرة(75)، مما يبين أن تلك الأدلة لا تستند إلى أساس محكم.

ولتوضيح هذه النقطة لا بد من الرجوع إلى الأدلة قيد البحث وتذكُّر المقدمات والافتراضات التي تم الاعتماد عليها في تلك الأدلة، لنرى هل يوجد تناقض بين تلك المقدمات وبين غيبة الإمام الثاني عشر أم لا؟ فلنلقِ سوية الآن نظرةً على تلك الأدلة ونتذكرها لعل ذلك يحل لنا عقدة المسألة.

أول دليل يُذْكَرُ على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أن النبيَّ، بسبب المشكلات العديدة وأذى الكفار والمشركين والمناوشات والحروب التي شُغِلَ بها، وبسبب حدود الفترة الزمنية لرسالته، لم يجد الفرصة الكافية ليبين للناس جميع أحكام الله وحقائق دين الإسلام وتعاليمه. ونتيجةً لذلك، كانت هناك ضرورة لأن ينصبَ اللهُ تعالى بعد النبيِّ أئمةً معصومين كي يبيِّنوا للناس بقية أحكام الدين والمعارف الإلهية.

والدليل الثاني أنه من الممكن أن تقع للمسلمين بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي المستقبل مشاكل وتُطرح أمامهم مسائل وموضوعات لم تكن مطروحة زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا بين حكمها عنها لأنه لم يُسأل عنها؛ وعندئذٍ فالضرورة تقتضـي أن يُوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أئمة معصومون كي يقدّموا الإجابة الدينية الصحيحة عن المسائل والموضوعات المستجدة.

الدليل الثالث هو وجود خطر تحريف الدين واندثار تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا بد أن يُوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أئمةٌ معصومون كي يحفظوا الدين ويحموا تعاليم الوحي ويحولوا دون تحريف القرآن وتحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

الدليل الرابع: أن عقاب المذنبين والعاصين يوم القيامة يقتضـي – انطلاقاً من حكمة الله وعدله - أن يرشدهم الله تعالى قبل ذلك، في هذا العالم، إلى الطريق الصحيح وأن يبين لهم الحق والباطل والحلال والحرام وحقائق دينه. بعبارة أخرى لا بد تتم عليهم الحجة في هذا العالم كي لا يبقى لهم عذر وحجة يوم القيامة، وإلا كان عقابهم في عالم الآخرة ظلماً، ومن المحال على الله أن يرتكب الظلم. إذن هناك ضرورة عقلية لوجود أئمة معصومين بشكل دائم كي تتم حجة الله على الناس من خلال إرشادات أولئك الأئمة وهداياتهم. بعبارة أخرى لا يجوز أبداً أن تخلو الأرض من حجج الله.

الدليل الخامس (ولعله أهم الأدلة كلها): هو أن الله تعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال المعنوي، ومن المستحيل على الإنسان أن يتمكن من اجتياز طريق التكامل المعنوي المليء بالمنعطفات والصعوبات والعقبات دون إرشاد المعلمين السماويين والهداة المعصومين. فإذا لم ينصب الله تعالى أئمةً وهداةً معصومين لإرشاد الناس وهدايتهم إلى اجتياز طريق الكمال، عَجَز الناسُ عن قطع هذا الطريق والوصول إلى التكامل المعنوي المطلوب، وكان هذا ناقضاً للغرض من خلقهم، ومن المحال على الله أن يُنْقَضَ غرضُه. والنتيجة النهائية إذن هي أنه لا يمكن أن تخلو الأرض أبداً من المرشدين والمعلمين السماويين والأئمة المعصومين.

تلك كانت بعض أهم أدلة إثبات الضرورة العقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرها شهرةً وشيوعاً في كتب الشيعة الكلامية الرائجة.

كما نلاحظ تمَّ الكلام في مقدمات جميع هذه الاستدلالات عن حاجة الناس الضرورية إلى هداية أئمة معصومين وإرشادهم، وتم التأكيد على ضرورة بيان أحكام الله وحقائق الدين للناس والإجابة عن أسئلتهم وإتمام الحجة على المذنبين والعاصين (بواسطة الإمام المعصوم)، وكل هذه الأمور لا تتيسَّـر إلا إذا كان هذا الإمام حاضراً يعيش بين الناس وكان بإمكان الناس الوصول إليه والارتباط به. بعبارة أخرى إذا كانت تلك الاستدلالات والمقدمات المستخدمة فيها صحيحة، لكان من المحال غيبة الإمام الطويلة، ولما كان بإمكان أي عامل ولا أي حكمة أن تسمح بمثل هذه الغيبة الطويلة، لأن الإمام الغائب لا يمكنه أن يقوم بأي من المهام والواجبات التي ذُكرت في تلك الاستدلالات كما لا يمكنه أن يلبي أياً من حاجات الناس الضـرورية التي طُرحت في مقدمات تلك الاستدلالات وبالتالي فوجوده وعدمه سِيَّان. وأصلاً لماذا كان وجود الإمام المعصوم ضرورياً عقلاً؟ الإجابة - طبقاً للأدلة المذكورة- هي لهداية الناس وإرشادهم وتعليمهم وتربيتهم والإجابة عن أسئلتهم وإتمام الحجة على المذنبين والعاصين؛ فإذا كان الإمام غائباً والناس لا يعرفونه فأيَّ وظيفةٍ من تلك الوظائف يمكنه أن يؤديها؟ من المسلَّم به أنه لن يتمكن من أداء أيّ واحدة منها. إذن ففي هذه الحالة ألا يكون وجوده وعدمه سِيَّان؟

بالطبع إن الغَيبة لفترات قصيرة (مثل غيبة سيدنا موسى (ع) أربعين يوماً أو غيبة سيدنا يونس (ع) عدة أيام في بطن الحوت وكذلك الغيبة القصيرة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم) ربما لا تتناقض مع تلك الأدلة والمقدمات والافتراضات التي جاءت فيها، ولكن الغَيبة الطويلة التي يُحرم فيها جيل كامل من حضور الإمام المعصوم وهداياته وإرشاداته وتعاليمه الإلهية تتناقض بكل وضوح مع تلك المقدمات والافتراضات، فما بالك بالغيبة التي زاد طولها حتى الآن على ألف ومئة عام، وجاء خلالها عشـرات الأجيال المتوالين (أي مليارات الأشخاص الذين لا يمكنهم -طبقاً للمقدمات والافتراضات أعلاه- أن يعرفوا طريق الكمال ويجتازوه) الذين حُرموا من هداية وإرشادات وتعاليم الأئمة المعصومين؟؟ وقد يستمر هذا الحرمان آلاف السنين الأخرى ويشمل مليارات البشر الآخرين ومئات بل آلاف الأجيال المتعاقبة التي ستأتي وتذهب في المستقبل؟!.

لا أعتقد أنني بحاجة إلى مزيد من الشرح والتوضيح للسؤال الذي كنت قد طرحته في بداية البحث. يكفي أن نتأمل بدقة قليلاً كي تتضح لنا خطورة وأهمية ذلك السؤال ويتبين أن إجابة سماحتكم لم تكن قادرة على حل التناقض المطروح لأنه لم يكن لها علاقة لها بذلك السؤال وأعتقد أن سبب ذلك هو أنكم عندما تفضلتم بالإجابة عليه، لم تتذكروا أدنى تذكر أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

في بداية إجابتكم على سؤالي، وبهدف حلِّ معضلة غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، ذكرتم بدايةً أن العلة والفلسفة الواقعية لغيبة الإمام هي سرٌّ من «الأسرار الإلهية» التي لا يعلمها بشكل كامل وعلى نحو كاف إلا الله والهداة المعصومين، ولكنكم انتقلتم بعدها مباشرة إلى بيان «السـرّ الأصلي» لغيبة ذلك الإمام، استناداً إلى روايات المعصومين (ع) فذكرتم ثلاثة أمور:

«1- عدم تهيُّؤ شروط الظهور لأجل تحقيق الغاية والهدف الكبير (بسط العدل والقسط في العالم وجعل علم التوحيد يرفرف في جميع أنحاء الأرض). هذا الهدف الكبير يحتاج إلى مرور زمن حتى يكتمل عقل البشرية وتزدهر معرفتها واستعدادها الروحي، كي يستقبل الناس إمام العدل والحرية بكل صدر رحب. من الطبيعي أنه لو ظهر ذلك الإمام قبل تهيؤ مقدمات ظهوره بين الناس للقي المصير ذاته الذي لقيه من سبقه من الأئمة (أي القتل والاستشهاد) مما يعني رحيله عن الدنيا قبل تمكنه من تحقيق تلك الغاية العظيمة.

2- حفظه من شرِّ الجبارين والظالمين.

3- جاء في بعض الروايات ذكرٌ لحِكَمٍ أخرى، من ذلك امتحان الناس واختبار مقدار التزامهم بالدين وثباتهم على الولاية. إن غيبة الإمام سببٌ في افتضاح النفاق المخفي لعدد من الناس، وتمييز الإيمان الحقيقي لمحبي الإمام (عج) وشيعته الحقيقيين من ضعف إيمان ضعفاء الإيمان وبكلمة واحدة تمييز المؤمنين من المنافقين».

بالنسبة إلى العامل الأول (عدم تهيؤ شروط الظهور...) والثاني (حفظ الإمام من شر الجبارين) هناك عدة أسئلة يمكن طرحها وهي:

1. ما الداعي إلى حصول الغيبة أساساً حتى يكون الظهور مناطاً بوجود شروط وظروف معينة؟ ليس السؤال هو لماذا لا يظهر إمام الزمان (عج)، السؤال هو أنه انطلاقاً من أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين (والتي يُعتبر حضور الإمام أيضاً أمراً ضرورياً في جميعها) كيف يمكن أن يغيب الإمام الثاني عشر (عج)؟ ألا تكون هذه الغَيبة ناقضة لتلك الأدلة؟

2. لماذا يعهد الله تعالى بمهمَّة تحقيق غاية وهدف عظيم يتمثل في «بسط العدل والقسط في العالم وأن يرفرف علم التوحيد في جميع الأرض» - وهو يعلم جيداً أن شروط تحقق هذا الهدف غير نهيأة يعد ولن تتهيَّأ حتى ألف سنة أخرى- إلى إمام وُلد قبل ألف أو آلاف السنين من زمن تحقق تلك الشروط والظروف،حتى يضطر هذا الإمام أن يبقى غائباً ومختفياً عن الأنظار كل هذه المدة إلى حين توفر تلك الظروف؟ هل لهذا الأمر ضرورة عقلية؟ هل لا بد أن يكون عدد الأئمة المعصومين اثنا عشـر حصراً حتى تجب مثل هذه الغيبة(76)؟ طبعاً يمكنكم أن تقولوا إن في عدد الاثني عشر للأئمة المعصومين حكمة إلهية وسر مجهول لا يمكن للبشـر أن يصلوا إليه، ولكن القضية هي أنه إذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هي تلك التي جاءت في أدلة ضرورة الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكن أن يكون لعدد الاثني عشر أي تبرير عقلي، بل يجب أن يكون هناك في كل عصر وزمان وحتى يوم القيامة إمام معصوم حاضر في المجتمع، ولما كان الأمر ليس كذلك وكان الإمام الثاني عشر غائباً (إذا سلَّمْنا بوجوده وغيبته بأمر الله) وكان عدد الأئمة المعصومين منحصراً باثني عشر شخص فقط؛ فلا بد عندئذٍ من الشك في استحكام أُسُس تلك الأدلة.

أما تعليل الانحصار بهذا العدد بأنه سرٌّ من أسرار الله وأن له حكمة لا نعلمها، هذا مع مناقضة التحديد بهذا العدد لأدلة ضرورة الإمامة، فليس سوى هروب من الإجابة عن الإشكال وامتناع عن مواصلة البحث العقلي، وليس هذا إلا نتيجة الوقوع في مأزق منطقي لا مخرج منه.

3. هل يستحيل على الله أن يحفظ روح الإمام بطريقة غير «الغيبة» (الناقضة لفلسفة وجوده)؟

أما بالنسبة إلى العامل الثالث (الحكمة من غيبة الإمام الثاني عشر وفوائدها) فهناك عدة أسئلة تُرح في هذا الصدد:

1- ألا يتحقق امتحان الناس ومعرفة مقدار التزامهم بالدين والولاية إلا بغيبة الإمام المعصوم؟ هل امتحان الناس في زمن حضور الإمام أمر مستحيل وغير قابل للتحقق؟

2- ما الذي يجب على الشيعة فعله في زمن الغيبة كي يعلموا أنهم شيعةٌ حقيقيون؟ ما هو تعريف المحبين وشيعة أهل البيت الحقيقيين حتى يكون هذا الأمر غير قابل للتشخيص زمن حضور الإمام ولا ينكشف إلا زمن غيبته؟

3- كيف يمكن لغيبة الإمام المعصوم أن توجب انكشاف النفاق المستور لعدد من الناس؟ إلى الحد الذي أفهمه بعقلي الناقص: الحضور والظهور هو الذي يوجب انكشاف النفاق المستور لبعض الناس وليس الغَيبة. لأن معنى النفاق في هذا البحث هو ادعاء اتباع الإمام والالتزام بولايته كذباً ونفاقاً، وهذا الأمر إنما يظهر عندما يكون الإمام حاضراً ويعطي أمراً من الأوامر فيتبين من هو الشيعي الحقيقي الذي يطيع أمر الإمام ومن هو المدعي فقط. صحيح أنه عندما يأتي الامتحان يتميز الأتباع الحقيقيون عن الأتباع المدعين الكاذبين وينكشف النفاق المستور لعدد من الناس لكن هذا الامتحان لا يكون له معنى ولا يتيسـر إلا إذا كان الإمام حاضراً يبين أحكام الله ويصدر التعليمات والتوصيات والأوامر. أما عندما يكون الإمام غائباً ولا يعلم الناس شيئاً عن كلماته وأوامره وتعليماته تجاه مواقف الحياة المختلفة، الفردية والاجتماعية والسياسية، ولا يعلم أحد ماذا يريد من شيعته وماذا ينتظر منهم، فكيف يمكن تمييز المؤمن عن المنافق (أي التابع الحقيقي عن المدعي الكاذب)؟ بأي ميزان يمكن تقييم مثل هذا الأمر في حال غيبة الإمام؟

4. إذا كانت غيبة الإمام هي وحدها التي تجعل من الممكن انكشاف نفاق «عددٍ» من الناس فلسائل أن يسأل ما فائدة هذا الانكشاف وماذا يعالج من مشاكل المجتمع؟ لنفرض أن النفاق المستور لعددٍ من الناس تمّ افتضاحه، فماذا إذن؟ أما إذا كان قصدكم أن غيبة الإمام سبب لانكشاف الوجه الحقيقي لجميع المنافقين (وبالطبع هذا ما يفيده قولكم: «وفي الجملة يتبين المؤمن من المنافق») فإن كلامكم يكون كلاماً مخالفاً للواقع بشكل صارخ لأن معناه استحالة وجود النفاق في عصر الغيبة!.

وبغض النظر عن كل ما ذُكر إن إجابتكم تنتهي في مجموعها إلى أن الله نقض الغرض من خلقه للناس لأجل حفظ الإمام الثاني عشر؟! لأنه غيّبه وحرم مليارات الناس من الوصول إلى التكامل المعنوي الذي هو الغرض من خلق الإنسان؟!(77) والمعنى الآخر لإجابتكم هو أن الله أُجبر – والعياذ بالله- لأجل حفظ روح الإمام، على أن يرفع عذاب الآخرة عن مليارات البشر الذين جاؤوا ورحلوا في عهد الغيبة وأن يدخلهم جميعاً الجنة لأن هؤلاء البشر كانوا محرومين من هدايات وإرشادات الإمام المعصوم ولذا فإن الحجة لم تتم عليهم؟! هل تلاحظون إلى أين تأخذنا إجابتكم؟ وأيضاً لنصرف النظر عن كل ما ذُكِر، ولنتأمَّل بإنصاف هل أن اختراع حكم وفوائد لغيبة الإمام الثاني عشر (مثل امتحان الشيعة وتمييز المؤمن من المنافق) يفيد في حل إشكالية التناقض التي شرحناها؟ ألا يضيف ذكر مثل هذه الفوائد تناقضاً جديداً إلى التناقض السابق؟ أنتم تقولون في البداية إنه لا يجوز أن يُترك الناس لحالهم بل لا بد أن يكون لهم مرشدون معصومون كي يحلوا لهم مشكلاتهم الفكرية ويجيبوا عن أسئلتهم ويمنعوا تحريف القرآن وتعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واندثارهما، ويحولوا دون انحراف الناس وضلالهم(78)، لكنكم عندما تواجهون معضلة الغيبة، بدلاً من تراجعكم عن تلك الأحكام حول ما يجب ضرورةً وما لا يجب؛ تقولون إن في عدم وجود إمام معصوم بين الناس وعدم إمكانية وصول الناس إليه فوائد منها امتحان الشيعة وتمييز المؤمن من المنافق؟! فهل تحلُّون بهذا الكلام الإشكالية؟ سؤالنا هو أنه انطلاقاً من أدلة ضرورة الإمام – التي تقولون بها- لماذا يجب أن تحدث الغيبة من الأساس؟ ألم يكن من المفترض – طبقاً لتلك الأدلة- أن يكون هناك حججٌ لِـلَّهِ بين الناس دائماً ليبيِّنُوا لهم أحكام الدين والحقائق الإلهية ويهدوهم إلى الصـراط المستقيم ويقيموا على الناس الحجة ويسدوا باب الاعتذار والاحتجاج أمام العصاة والمذنبين؟

الآن أخبروني من هو الإمام المعصوم وحجة الله في العصر الحاضرن الذي تتم به الحجة على الناس؟ لنفرض أن المؤمن تميَّز من المنافق، فماذا حلّ بموضوع إتمام الحجة على الناس؟ ألم تكن هناك ضرورة عقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ دائماً كي يجيبوا عن أسئلة الناس ويعالجوا مشكلاتهم؟ فأين الإمام الذي يجيب اليوم عن أسئلة الناس ويحل مشكلاتهم؟ ألم تقولوا إنه من دون إرشاد الهداة المعصومين فإن اجتياز طريق الكمال والوصول إلى التكامل المعنوي محال؟ إذن أليس الناس الذين حُرموا اليوم من إرشادات وهداية الإمام المعصوم حُرموا أيضاً من إمكانية اجتياز طريق الكمال والوصول إلى التكامل المعنوي؟ لنفرض أن المؤمن تميَّز من المنافق، حسناً لكن ماذا حل بقضية حرمان مليارات البشر من الوصول إلى التكامل المعنوي؟ أليس هذا نقض للغرض؟ لماذا تنسون كل شيء عندما تحاولون تبرير غيبة الإمام الثاني عشر (عج) وتغفلون عما قلتموه عندما أردتم إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟! إذا كانت فلسفة وجود الإمام المعصوم هي هداية الناس وإرشادهم والإجابة عن أسئلتهم؛ فإن حضور هذا الإمام بين الناس وإمكانية وصول الناس إليه تصبح ضرورة عقلية أيضاً؛ ولذا وبما أن هذا الشخص عملياً غائب الآن ولا يمكنه أن يقوم بهذه الأعمال ويؤمِّن للناس ما هم مضطرون إليه من الهداية والإرشاد فإن وجوده وعدمه أصبحا سِيَّان. ألم تفكروا في أنفسكم أن عبارة «الحجة الغائبة» عبارة متناقضة؟ إذْ كيف يمكن لشخص غائب (ومتوارٍ عن الأنظار) لا يعرفه الناس ولا يملكون الوصول إليه ولا يعلمون ماذا يقول وأي موقف يتخذ بشأن المجريات المختلفة والمسائل المتنوعة، أن يكون حجَّةً لِـلَّهِ على الناس يُقطع بها عذرهم يوم القيامة؟

أما قولكم:

«رغم أن عدداً من أولياء الله كانوا غائبين عن الأنظار، إلا أنهم كانوا يقومون بإرشاد المجتمع وهدايته»

فإن هذا يثير الكثير من التأمُّل، والواقع أن هضم هذا الكلام يحتاج إلى قوة هضم خارقة وفوق بشرية مما يفتقده هذا العبد الفقير. إني مهما فكرتُ في هذا الكلام لم أستطع أن أفهم كيف يمكن للشخص الغائب المحتجب عن الأنظار أن يهدي المجتمع ويقوده؟ اللهم إلا أن تتم هذه الهداية عبر طرق سرية غير عادية وما وراء طبيعية ومن خلال التصرفات التكوينية أو الاستعانة بالمعجزات وخوارق العادات وهذا يتنافى أولاً مع اختيار الناس وإرادتهم الحرة وتكليفهم، وثانياً مثل هذه الطريقة لا سابقة لها ولم نجد لها أي نموذج حتى اليوم، والحالات التي أوردتموها (حالة الخضر وموسى ويونس) ليس أي منها نموذج للغيبة التي نحن بصددها.

نعم لا ريب أن الهداية الفردية من خلال الارتباط ببعض أولياء الله (الذين يمكن أن يكونوا غائبين عن الأنظار) أمر ممكن وليس شيئاً محالاً عقلاً، لكن ينبغي أن ننظر هل تحقق مثل هذا الأمر في عالم الواقع فعلاً؟ (بالنسبة إلى ارتباط موسى بالشخص الذي سماه القرآن «عبداً من عبادنا»، لا ندري هل تم هذا الارتباط بشكل طبيعي ومن خلال المجاري العادية أم كان غير عادي وفوق طبيعي، وبعبارة أخرى لا ندري هل كان ذلك «العبد» إنساناً تقيَّاً ورعاً وعارفاً بالله واصلاً وشيخ طريقة، وكانت له حياة عادية وطبيعية وكان بمثابة مرشد وشيخ لموسى (ع) حيث قام بلفت نظره إلى حقائق من خلال طرق التعليم التي ذكرها لنا القرآن، أم أن ذلك الشخص كان غائباً عن الأنظار ومختفياً ويعيش حياة غير عادية ويرتبط بأفراد معينين ارتباطاً سرياً وغير عادي فقط ويعمل على هدايتهم؟. أما ادعاء وجود نبي باسم «الخضـر» ذي عمر خالد وأنه يعيش منذ آلاف السنين حتى الآن غائباً عن الأنظار ومختفياً، وفي بعض الحالات يرتبط ببعض الناس، وادعاء أن «العبد» في الآية (في سورة الكهف) هو «الخضر» ذاته، فإنه ادعاء لا يستند إلى دليل أو مصدر موثوق، ولا يجوز الاستناد - أثناء تقديم إجابة علمية – إلى مثل هذه الادعاءات التي لا يمكن إثباتها. وثانياً: حتى لو كانت مثل هذه الارتباطات والهدايات موجودة فعلاً فلا يمكنها أن تملأ فراغ غيبة الإمام بدليل أنها حالات استثنائية ومحدودة بعدد من الموارد الخاصة لأن ضرورة وجود الإمام المعصوم تستند إلى الضرورة الحتمية لجميع الناس إلى هدايته وإرشاداته. لنفرض أن الإمام الثاني عشر قام اليوم بالارتباط ببعض البشر وقدم إليهم نوعاً من الهداية والإرشاد (وطبعاً هذا مجرد ادعاء لا يمكن إثباته) فهل هذه هي فلسفة وجود الإمام المعصوم؟ إذا كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة من الأساس إلى نصب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فحضرة «الخضـر» (الذي تعتقدون بوجوده) كان بإمكانه أن يؤدي الواجب ويفي بالغرض ويقوم بمثل هذه الارتباطات والهدايات!.

وأما قصة الغيبات القصيرة للأنبياء (مثل موسى ويونس ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم) والاستفادة من هذه الموارد للإجابة عن معضلة غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، فإنها قصة طريفة تستحق السماع، وحقيقةً إن ذكر هذه الأمثلة بالذات جعلني أشك في كون متن الرسالة الجوابية من تحرير سماحتكم وليس من تدوين بعض الطلاب الناشئين الذين يعملون في قسم الإجابة عن الأسئلة الاعتقادية والكلامية في مؤسسة الإمام الصادق (ع)!. ذلك لأن الإشكال الوارد على ادعاء «ضرورة وجود أئمة معصومين» والذي يجب على القائلين بَـ «الضرورة» أن يجيبوا عنه، تمت إعادته إلى المنتقدين أنفسهم وهذا ما يثير أشد العجب!! إن المنتقدين لادِّعاء «ضرورة النبوة أو الإمامة» يستندون إلى مثل هذه الموارد ذاتها للاستدلال على عدم ضرورة النبوة أو الإمامة عقلاً ويقولون إن هذه الغيبات بحد ذاتها تبين أن أدلة ضرورة النبوة فاقدة للاعتبار. الآن بدلاً من أن يبيّن مُدَّعو «الضـرورة» عدم تناقض هذه الغيبات مع «الضرورة» إذا بهم يفترضون من البداية أن دعوى «الضـرورة» أمر مسلّم به ثم يقولون إن هذه الغيبات تظهر أن لا تناقض في الأمر وأن غيبة الإمام الثاني عشـر لا تتنافى مع أدلة «ضرورة الإمامة»!

الآن ربما أمكن أن نفهم أفضل لماذا كانت التوصية بِـ «العودة إلى الفقهاء في عصر الغيبة» أمراً غير مبرَّر وغير موجَّه أبداً إذا أخذنا أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بالحسبان، فالفقيه مهما علا شأنه يبقى فقيهاً غير معصوم وبالتالي فطبقاً لأدلة ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإن الحجة لا تتم على الناس برجوعهم إلى الفقيه. ثم إذا كان الفقهاء قادرين على أن يبيّنوا الأحكام التي لم تُبيَّن في زمن نبي الإسلام وأن يحولوا دون تحريف تعاليم القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واندثارها وأن يجيبوا عن أسئلة الناس حول المسائل المستجِدَّة بالاجتهاد من النصوص الدينية و... فأي ضرورة حتمية تبقى عندئذ لوجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن الزعم بأن الناس في عصر الغيبة عليهم أن يرجعوا إلى الفقهاء ليس سوى اعتراف بوهن وضعف ادعاء ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. إنني أتعجب كيف تنسون كل تلك الأدلة التي تستخدمونها لإثبات ضرورة الإمامة بكلِّ يُسْـرٍ وبساطة. إن المشكلة في إجابة سماحتكم هي أننا لو سألنا كيف يمكن للرجوع إلى الفقيه غير المعصوم أن يُتِمَّ الحجَّةَ على الإنسان مع أن احتمال الخطأ والخيانة لا يمكن نفيه عن الفقيه أبداً، فأي إجابة تعطونها عن هذا السؤال ستكون قابلة للتطبيق أيضاً وصادقة بشأن الفترة التي تعقب مباشرةً رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واستثناء هذه الفترة منها لا دليل عليه.

سألت أحد علماء الحوزة الكبار السؤال التالي:

«هل يمكن أن يوصلنا العمل بفتاوى الفقهاء إلى السعادة الأخروية رغم أننا نعلم أنه من الممكن أن يخطئوا في استنباطهم لأحكام الدين»؟

فأجاب سماحته بكل بساطة ويُسْر:

«نعم، صحيح أنهم غير معصومون إلا أن الفقيه إذا بذل خالص جهده واستنبط الحكم من الكتاب والسنة كان هذا حجة له ولمقلديه يمكنهم بالاتكال على الله أن يعملوا بها. وإذا أخطأ الفقيه في اجتهاده فهو معذور عند الله طالما أنه سعى وبذل جهده للوصول إلى الحق وكانت نيته صادقةً نَقِيَّةً، كما أن نأن أن أن مقلِّديه أيضاً معذورون لأن نيَّتهم كانت العمل بأحكام الله، وإذا حصل خطأ في هذا المجال فهم ليسوا مقصِّرين».

فتعجبتُ وسألتُه:

«إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تقولون هذا الكلام ذاته بشأن ما بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً؟ بعبارة أخرى أي ضرورة محتِّمة إذن لنصب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كي يكونوا مرجعاً دينياً للناس؟ ألا يمكن للفقهاء أن يؤدوا هذه الوظيفة؟ لماذا تنسَون بكل سهولة ويُسْر أدلة إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأدلة عصمة الأئمة؟».

وبدلاً من أن يجيبني عن سؤالي هذا أوصاني بمزيد من المطالعة حول الإمامة؟!

إلى هنا اتضح أن الغيبةَ الطويلةَ للإمام الثاني عشر (عج) ناقضةٌ لأدلة إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن المسألة لا تنتهي هنا. إن الأدلة المذكورة تعاني أيضاً من مشكلة أساسية أخرى من ناحية واقعيتها الخارجية وهذه المشكلة تتمثل في «عدم تعدد الأئمة المعصومين في كل عصر وحرمان مليارات البشـر في أنحاء العالم من هدايات الأئمة المعصومين وإرشاداتهم». إذا كانت تلك الاستدلالات صحيحة، فإن نتيجتها المنطقية ستكون ضرورة وجود أئمة متعددين في كل عصر، وتوزّعهم في سائر أنحاء الأرض بنحو يكون فيه إمام معصوم واحد على الأقل في كل مدينة وقرية كي يتيسَّر للناس الارتباط المباشر به من دون وسائط ويكون هذا متاحاً لجميع أهالي الدنيا، في حين أن مثل هذا الأمر لم يوجد في أي عصر، وهذه الحقيقة الواقعية شاهدٌ قويٌّ على عدم صحة تلك الأدلة.

قد تقولون إن وجود إمام معصوم واحد في كل عصر كافٍ، ويمكن لأهالي سائر بقاع الأرض أن يراجعوا تلاميذ وممثلي ذلك الإمام. لكن هذه الإجابة غير مقبولة، لأنه في جميع تلك الاستدلالات (التي استُخدِمَت لإثبات ضرورة وجود إمام معصوم) ادُّعِيَت «ضرورة عصمة الأئمة» (الذين يُفتَرَض أن يبيِّنوا أحكام الله للناس ويجيبوا عن أسئلتهم حول المستجدات في كل عصـر ويرشدوا الناس نحو طريق الكمال ويتمّوا الحجة على المذنبين والعاصين)، ومعنى ضرورة العصمة هذه في تلك الأدلة هو أن غير المعصوم لا يمكنه أن يؤدي وظائف الإمام المعصوم ولا أن يلبّي حاجة الناس وضرورتهم للهداية والإرشاد. بعبارة أخرى، طبقاً للأدلة المذكورة لا يتم إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم فحسب، بل إضافة إلى ذلك يتم إثبات ضرورة ارتباط الناس المباشر ومن غير واسطة بهذا الإمام المعصوم، لأن الارتباط غير المباشر به لا يمكنه أن يفي بالمقصود حتى لو كانت الواسطة تلميذ الإمام أو ممثِّله الخاص (لأن التتلمذ على يد إمام معصوم أو تمثيله لا يجعل الشخص معصوماً) وبالتالي سيصبح من الضروري منطقياً إذا قبلنا تلك الأدلة أن ينصب الله مئات آلاف الأئمة المعصومين في كل عصر!

ولكي تتضح الفكرة أكثر نقوم هنا بدراسة نموذج للاستدلالات التي تستخدم لإثبات ضرورة النبوة العامة وضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، لكي نُبيِّن أنه لو صحت تلك الاستدلالات فإن نتيجتها المنطقية ستكون ضرورة تعدد الأنبياء والأئمة المعصومين في كل عصر وزمان وضرورة توزعهم وانتشارهم في جميع أنحاء الكرة الأرضية. إن الاستدلال المذكور يقول:

«خَلَقَ اللهُ الإنسان ليسير باختياره نحو الكمال. ويستحيل على الإنسان أن يعرف طريق الكمال ويجتازه ليصل إلى التكامل المعنوي من دون هداية معلمين سماويين وإرشاد أئمة هداة معصومين. بناء على ذلك يجب على الله تعالى أن ييسر على الإنسان طريق وصوله إلى الكمال – الذي هو الغرض الأساسي من خلقه للإنسان – بأن يرسل له أنبياء وينصب له أئمة معصومين بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا إذا لم يفعل ذلك يكون قد نقض غرضه من خلق الإنسان ومحال على الله أن ينقض غرضه».

لنتأمل الآن مقدمات هذا الاستدلال وافتراضاته الضمنية:

السؤال الأول: هل خلق الله تعالى الخلق ليصل جميعهم إلى الكمال المعنوي أم ليصل بعضهم فقط؟ بالطبع ستقولون: «إن جميع البشر خُلقوا لأجل أن يصلوا إلى الكمال المعنوي» ولا مجال لقول غير ذلك، لأنكم لو قلتم إن بعض الناس خُلقوا سُدىَ وبلا غاية أو أن وجودهم طُفَيْلي زائد، لأنكرتم حكمة الله وعدله. خاصة إذا تبين أن هؤلاء «البعض» هم أكثرية سكان العالم.

السؤال الثاني: هل من الضروري أن يكون الأنبياء والأئمة (الهداة المرشدون والأدلاء على الله وحججه تعالى على الخلق) معصومون حتماً، أم أنه يمكن لغير المعصوم أن يكون هادياً مرشداً للخلق نحو الكمال، وحجةً لله في الأرض؟ لا شك أن إجابتكم ستكون إنه من الضروري حتماً أن يكونوا معصومين، وبعبارة أخرى «عصمة الأنبياء والأئمة لازمة وضرورة حتمية» لأنكم لو قلتم إن غير المعصوم يمكنه أن يرشد الناس ويهديهم نحو الكمال لما أمكنكم بعدئذٍ أن تثبتوا ضرورة وجود أئمة معصومين.

السؤال الثالث: لماذا لابد أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتماً؟ ماذا يحدث لو لم يكونوا معصومين، أي ما المشكلة التي تخلقها عدم عصمتهم؟ في إجابتهم عن هذا السؤال أقام متكلمو الشيعة استدلالات وبراهين عديدة لإثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة ولكن جميع تلك الاستدلالات والبراهين تنتهي إلى ثلاث استدلالات تم بيانها بصور مختلفة وبعبارات متفاوتة، وهي التالية:

1. إذا لم يكن الأنبياء (أو الأئمة الذين يخلفونهم) معصومين، لأمكن أن يقعوا في خطأ أو نسيان في تلقيهم للحقائق الإلـهية والتعاليم الدينية أو خلال تبليغهم الناس إياها أو في تفسيرهم لرسالة الوحي، فيقومون بتبليغ الناس أوهاماً وأباطيل، ناجمة عن إلقاءات شيطانية أو أخطاء فكرية، باسم حقائق الدين وتعاليمه وأحكام الله، فيؤدوا بذلك إلى ضلال الناس بدلاً من هدايتهم إلى الصراط المستقيم. فلا بد أن يكون هؤلاء المأمورون مِنْ قِبَلِ الله معصومين وإلا لأدى ذلك إلى نقض الغرض من إرسالهم. إن الأنبياء (والأئمة) مأمورون بهداية الناس إلى صراط الله المستقيم ولا بد أن يوصلوا رسالة الله إلى الناس وأن يفسِّروا للناس تعاليم الوحي (بالطبع النبيّ هو الذي يتلقى الوحي ويقوم بإبلاغه، كما يقوم بتفسير آيات الوحي للناس أيضاً، أما وظيفة الإمام المعصوم فتقتصر على تفسير الوحي فقط لأنه لا يتلقى الوحي من الله). لذا لا بد أن يضمن الله تعالى صحة تنفيذ هذه المهمة الإلـهية وإلا لانتقض الغرض منها، وهو محال. وضمان صحة تنفيذ تلك المهمة لا يتيسّـَر إلا عند توفر شرط العصمة.

2. إذا لم يكن الأنبياء والأئمة معصومين لما أمكن للناس أن يطمئنوا إلى صحة كلامهم. وعليه فمن الضروري أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتى لا تهتزَّ ثقة الناس بهم. عندما يعلن شخص غير معصوم نبوته أو إمامته من الله، فإن الناس قد لا يشكون في صحة ادعائه هذا لأسباب ودلائل ما، ولكنهم سيقولون في أنفسهم من أين نعلم أن هذا الشخص لم يقع في غلط أو اشتباه خلال تلقيه لحقائق وتعاليم الوحي وفهمه لها وإبلاغها للناس؟ كيف نتأكد أن كلامه عين الصواب والحقيقة؟ إن هذا الشك والتردُّد يحولان دون تحقق الهدف من النبوَّة أو الإمامة. إذن لا بد أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتماً، حتى لا يقع الناس في مثل ذلك الشك والتردّد، وحتى يتحقّق هدف النبوة أو الإمامة.

3. المفروض أن يكون النبيّ (أو الإمام) معلماً للناس وأسوةً لهم وأن يأخذ بأيدي الأشخاص المؤهلين (ذوي الاستعدادات المتفاوتة) ويسير بهم نحو الكمال. ومن لوازم هذا الأمر أن يتمتَّع النبيّ (أو الإمام) بالطهارة من كل ذنب أو إثم أو رذيلة خُلُقية وأن يكون متحلِّياً بجميع الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية. إن الناس يحتاجون إلى أسوة يقتدون بها في سلوكهم الطريق نحو الكمال، فإذا لم يكن النبيّ (أو الإمام) ذاته عاملاً بأحكام الله ومتحلِّياً بالفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية فكيف يمكنه أن يكون أسوةً للناس وقدوةً لهم؟؟

والآن حان الوقت لإلقاء نظرة على تلك النقاط والأفكار والخروج بنتيجة منها، ونترك الحكم بعد ذلك إلى حضرتكم.

قلنا إن أهم دليل من أدلة إثبات ضرورة إرسال الرسل ونصب الأئمة المعصومين بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو:

«لقد خلق الله الناس جميعاً لأجل أن يصلوا إلى الكمال المعنوي، لكن سلوك طريق الكمال من دون قيادة معلمين سماويين وأئمّة معصومين وإرشادهم أمر محال. لذا يجب على الله أن يرسل إلى الناس أنبياء كي يرشدوهم إلى سبيل الوصول إلى الكمال المعنوي، ولما كان هذا الأمر يجب أن يبقى بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينسد بابه، فإن نصب أئمة معصومين بعد النبيّ أيضاً يصبح أمراً ضرورياً

ومن جهة أخرى وطبقاً لادعاء متكلِّمي الشيعة:

«عصمة الأنبياء والأئمة لازمة وضرورية»

وهذه الضرورة تَثْـبُتُ بثلاثة أدلة:

«الدليل الأوَّل: بما أن مهمتهم تعليم الناس تعاليمَ الله وهدايتهم إلى صراطه المستقيم فلا بدّ أن يكونوا معصومين عن الخطأ والنسيان كي يستطيعوا أن يؤدّوا مهمتهم على الوجه الصحيح، وإلا لانتقض الغرض من مهمتهم. الدليل الثاني: أنهم إذا لم يكونوا معصومين عن الخطأ ومُصانين عن السهو والنسيان لما وثق الناس بكلامهم ولشكوا بصحة أقاويلهم وبالتالي لم يتحقق الهدف من النبوة أو الإمامة وانتقض الغرض منها. الدليل الثالث: أنهم ينبغي أن يكونوا أسوة للناس في الإيمان والتقوى والتديُّن والفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية، وإلا لو لم يتحلَّوْا بهذه الأوصاف لما أمكنهم أن يكونوا أسوةً للناس ولانْتَقَضَ الغرضُ منهم أيضاً».

الآن هل بقيَ لديكم شكٌّ في أنه لو صحَّت أدلة ضرورة النبوة والإمامة، وأدلة العصمة هذه، لكانت نتيجتها المنطقية ضرورة وجود (وأيضاً حضور) أنبياء وأئمة متعددين في كل عصر، وضرورة انتشارهم في جميع أصقاع الأرض؟ ألا يصبح من الضروري حتماً، على فرض صحة تلك الأدلة، أن يوجد في كل زمن وفي كل مدينة وقرية - على الأقل- نبي واحد أو إمام معصوم واحد؟ أَوَلا ينقض عدم تحقق مثل هذا الأمر في عالم الواقع تلك الأدلة، نقضاً واضحاً؟ ولعلنا الآن نفهم أفضل لماذا كان التوسل بوجود تلاميذ وممثلين للنبي أو الإمام لا يحل الإشكالية؛ لأنه على هذا الفرض فإن التلاميذ والممثلين سيقومون بملء فراغ النبيّ أو الإمام في بقاع الأرض الأخرى وسيقومون - بدلاً من النبيّ أو الإمام - بوظيفة هداية الناس في تلك البقاع وإرشادهم وتعليمهم حقائق الدين وأحكام الله وقيادتهم إلى سلوك طريق الكمال. أفلا تَـثْبُتُ ضرورةُ عصمة هؤلاء التلاميذ والممثلين بالدلائل ذاتها التي تثبتون بها ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة؟؟ أليس المطلوب أن يتعلم هؤلاء الممثلون أحكام الله من النبيّ أو الإمام المعصوم ثم يبلغونها للناس، فكيف ينبغي أن لا نعتبرهم معصومين؟ كيف تقولون، عندما تريدون أن تثبتوا ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة، أنهم لو لم يكنوا معصومين لأمكن أن يقعوا في الغلط والاشتباه في تلقيهم لرسالة الله أو في فهمها أو في نقلها للناس، وأن وقوعهم بمثل هذا الخطأ يؤدي إلى نقض الغرض، أما عندما تصلون إلى ممثليهم تنسون كل هذه القواعد؟ ألن يقوم هؤلاء الممثلون بأخذ تعاليم الله عن النبيّ أو الإمام وإيصالها إلى الناس في بقاع الأرض الأخرى؟ أفلن تؤدي عدم عصمتهم إذن إلى احتمال وقوعهم في اشتباه أو نسيان (أو خيانة) أيضاً وأن يعلموا الناس أباطيل وخرافات باسم الدين وباسم نشر الحقائق الإلهية، فيُضِلُّون الناس بدلاً من هدايتهم؟ أوليس هذا نقض للغرض؟ عندما تثبتون ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة تقولون إنهم إن لم يكونوا معصومين ومصانين عن الخطأ والغلط والسهو والنسيان لشكَّ الناس في صحة أقاويلهم ولأدَّى ذلك إلى عدم تحقق الهدف من النبوة والإمامة ونقض الغرض منها، فلماذا لا تقولون الشـيء ذاته بشأن ممثلي وتلاميذ الأنبياء والأئمة؟ عندما لا يكون هؤلاء الممثلون معصومين ألن يشك الناس بصحة ادعاءاتهم وتعاليمهم أيضاً؟ ألن يقولوا في أنفسهم من أين نعلم أن السيد الممثل الفلاني يقول الحق والصواب؟ ألا يمنع هذا الأمر من تحقق الغرض من إرسال التلاميذ والممثلين إلى الناس في سائر بقاع الدنيا الأخرى؟ ألم تكونوا تقولون إن الناس خُلقوا للوصول إلى الكمال وأن ذلك يستحيل تحققه من دون هداية المعلمين السماويين وإرشاد الأئمة الهداة المعصومين؟ ألم تستنتجوا من هاتين المقدمتين أن وجود الأنبياء والأئمة المعصومين ضروري عقلاً لإرشاد الناس وهدايتهم نحو الكمال؟ فكيف تقولون الآن إن هداية الناس وإرشادهم بواسطة غير المعصومين (أي ممثلي النبيّ أو الإمام) كافٍ، وأن الناس يمكنهم بذلك أن يُقادوا نحو الكمال؟ خذوا مثلاً زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، عندما كان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم مشغولاً بهداية أهل الجزيرة العربية وإرشادهم، ماذا كان يفعل أهالي سائر مناطق الدنيا مثل أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزلندا وألمانيا وانجلترا واليابان والصين والهند ومئات البلدان الأخرى التي تضم مئات ملايين البشر؟ من كان هاديهم ومرشدهم نحو الكمال؟ ألم يُخلقوا هم أيضاً لأجل الوصول إلى الكمال؟ ألم تكن لديهم ضرورة حتمية للهداة والمرشدين المعصومين؟ فلماذا لم يرسل الله إليهم نبياً؟ ليت شعري هل أهالي الجزيرة العربية هم وحدهم - دون سائر شعوب العالم - الذين خُلقوا لأجل أن يصلوا إلى الكمال؟! وليت شعري هل أهالي الجزيرة العربية وحدهم فقط من يحتاج إلى مرشد معصوم للوصول إلى الكمال أما أهالي بقية مناطق الأرض فيمكنهم أن يجتازوا ويسلكوا ذلك الطريق بأنفسهم دون حاجة إلى مرشد أو دليل؟!

إنكم تلاحظون أن إرسال ممثلين عن الأنبياء والأئمة إلى بقاع العالم الأخرى لا يقدّم إجابةً صحيحةً، لا عقلاً ولا منطقاً، لحلّ الإشكالية المذكورة، وأن التوسل بهذا الأمر لحل شبهة ضرورة تعدد الأنبياء والأئمة في كل عصر ينقضُ أدلة ضرورة النبوة العامة وضرورة نصب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مثلما ينقضُ أدلة ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة. وحتى لو فرضنا أن هذا الأمر لا إشكال فيه من ناحية العقل والمنطق فهل تحققه العمليّ ممكن؟ الإجابة هي النفي أيضاً وذلك للدلائل الخمس التالية:

1. لا بد أن يكون للنبي أو الإمام المعصوم مئات آلاف التلاميذ على الأقل كي يمكنه أن يرسلهم ممثلين عنه إلى جميع أنحاء المعمورة، فهل من الممكن تنفيذ مثل هذا الأمر عملياً؟ (لا تنسوا أن الناس في سائر أنحاء المعمورة خُلقوا أيضاً لأجل أن يصلوا إلى الكمال وبالتالي فلديهم حاجة ضرورية إلى مرشد معصوم أو ممثل عنه على حدّ قولكم، وإلا فمن دون هذا المرشد سيكونون عاجزين عن اجتياز طريق الكمال – على حد قولكم - ولن يصلوا إلى التكامل المعنوي وفي النتيجة سيُنقض الغرض من خلقهم).

2. يجب على النبيّ أو الإمام المعصوم أن يراقب هؤلاء الممثلين على الدوام (وعددهم مئات الآلاف وهم موزعون في جميع أنحاء الأرض حتى في الجزر النائية في المحيط الهندي والأطلسي و...) كي يصححوا لهم أخطاءهم أو أغلاطهم المحتملة ويستبدلوهم بممثلين آخرين إذا صدرت منهم خيانة. فهل مثل هذا العمل الهائل قابل للتطبيق؟

3. من الممكن أن يواجه ممثلو النبيّ أو الإمام عشرات الأسئلة والمشكلات كل يوم مما لا يمكنهم الإجابة عليه مما يضطرهم إلى الرجوع إلى النبيّ أو إلى الإمام المعصوم. فهل الرجوع المتكرر لمئات آلاف الممثلين في جميع أنحاء الدنيا إلى النبيّ أو الإمام المعصوم أمرٌ ممكنٌ عملياً؟

4. (وهذه النقطة مطروحة بشأن الأنبياء فقط) يجب على ممثلي النبيّ أن يكون لهم ارتباط يوميٌّ به كي يطلعوا على الآيات الجديدة التي تنزَّلت عليه ويبلغوها لأهالي سائر بقاع العالم. فهل مثل هذا الأمر ممكن؟ هل يستطيع النبيّ أن يتصل يومياً (أو أسبوعياً) بمئات آلاف الممثلين له في جميع أنحاء العالم ليطلعهم على الآيات والأحكام الجديدة؟ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأنبياء والأئمة المعصومين كانوا يعيشون في زمن كان الناس يستخدمون فيه الخيل والبغال والجمال للسفر إلى نواحي العالم الأخرى، ويستغرق سفرهم إلى بعض البلدان أشهراً أحياناً فضلاً عن السفر إلى بلدان بعيدة (مثل السفر من الجزيرة العربية إلى أمريكا أو كندا أو استراليا...) الذي لم يكن ممكناً عملياً في ذلك الزمن أو يستغرق سنوات.

5. وآخر دليل أنه لا يوجد أي نبي أو إمام استطاع أن يقوم بمثل هذا العمل وأنه في كثير من العصور الماضية (سواء في زمن الأنبياء أم في زمن الأئمة المعصومين) وفي كثير من نقاط العالم لم يكن هناك خبر عن نبي أو إمام معصوم ولا عن تلاميذ أو ممثلين لهما.

أرجو أن لا يزعجكم تكراري لهذا السؤال وهو: هل سألتم أنفسكم من كان معلم الناس ومرشدهم في قارة أمريكا وأوربا وأفريقيا وأستراليا وكثير من بلدان آسيا البعيدة كالصين واليابان وماليزيا وكوريا وسنغافورة زمن حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل أرسل النبيّ ولو ممثلاً واحداً عنه إلى تلك البلدان القاصية؟ هل أهل الجزيرة العربية هم وحدهم الذين خُلقوا لأجل الوصول إلى الكمال في حين أن سائر مليارات البشر في أنحاء الدنيا مجرَّد مخلوقات طفيلية؟ هل كان للأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى في البلدان الإسلامية ممثل واحد في كل مدينة وقرية – عالم وفقيه وتلميذ تربى على أيديهم-؟ (دعك من البلدان الأخرى مثل ألمانيا وانكلترا وأفريقيا الجنوبية و...الخ).

لألخِّص الكلام:

إذا كانت أدلة إثبات ضرورة الإمامة (وضرورة النبوة كذلك) وأدلة إثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة صحيحةً، فإنَّ هناك نتيجتان حتميّتان تنتجان عنها وهما: 1- ضرورة تعدد الأئمة وحجج الله في كل عصـر وتوزعهم ي جميع أنحاء العالم. و2- ضرورة تواجد وحضور الأئمة المعصومين في جميع العصور والأزمنة حتى يوم القيامة. وكلُّنا يعلمُ أنَّ أيّاً من هاتين النتيجتين غير متحقّق وغير واقعي وهذا بذاته يثبت أن تلك الأدلة تفتقد إلى الاستحكام المنطقي.

إذا كان الكلام قد طال في بعض الموارد وانفلت عنان القلم فإني أطلب العذر من سماحتكم وآمل أن لا تأخذوا هذه الرسالة على محمل جرأة هذا الحقير عليكم. أسأل الله تعالى لحضرتكم طول العمر والسلامة والعزة والرفعة. والسلام.

رسالة المؤلف إلى سماحة حجة الإسلام والمسلمين «محسن غرويان» حول نقاط ضعف نظرية الإمامة (لدى الشيعة الاثني عشرية):

بسمه تعالى

محضر حضرة حجة الإسلام والمسلمين غرويان

بعد إهداء السلام وتمنياتي لكم بالصحة والتوفيق الدائمَين، أودُّ أن أُعلِمَكُم أنني قرأت كتابكم «بحثى مبسوط در آموزش عقايد» (أي بحث مفصَّل في تعليم العقائد) واستفدت منه كثيراً، لكنني عندما قرأت قِسْمَه المتعلِّق بالإمامة لاحظت نقاط ضعف في ذلك القسم أود من خلال هذه الرسالة أن أطرحها عليكم راجياً منكم الإجابة عنها.

في إجابتكم عن سؤال: «ألا تتناقض غيبة الإمام الثاني عشر (عج) مع ما ذُكِر حول فلسفة وجود الإمام المعصوم؟».

تفضَّلتم بما يلي:

«إن مقتضى حكمة الله تعالى أن يبقى طريق السعادة والكمال مفتوحاً دائماً أمام البشر من خلال نصب إمام معصوم وتعيينه لكي تُؤَمَّن للإنسان إمكانية الوصول إلى الكمال النهائي، وإلا فإن هدف الله من خلق الإنسان لن يتحقق وبالتالي سيكون خلقه عملاً غير حكيم. بناء عليه طالما لم تلق السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية وطالما لم تبتلع الليالي المظلمة حياة الإنسان وتقضي عليها، وطالما أن النوافذ التي يشع منها النور لم تُغلَق بعد بل لا تزال مفتوحة ولا يزال الإنسان المُتَعَطِّش يصل من خلالها إلى منبع الشمس فإن عدم وجود حجة لِـلَّهِ بين الناس لن يكون مخالفاً لحكمة الله البالغة. أما إذا وجدت تلك الظروف فعلاً وخيَّم ظلام دامس على الدنيا جعل الناس في حيرة خفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة فإن حكمة الله تستلزم حضور إمام بين الناس»(79).

لكن إجابتكم هذه تعاني من إشكالَين رئيسيَّيْن:

الإشكال الأول: استخدام عبارات مبهمة مثل «السحب السوداء» و«الليالي المظلمة» التي تبتلع حياة الإنسان!! و«النوافذ التي يشع منها النور» و«الإنسان المتعطش» و«منبع الشمس» وهي عبارات لا ينبغي استخدام أي منها في بحث علمي.

الإشكال الثاني: تناقض هذه الإجابة وعدم اتساقها مع البرهان الذي ذكرتموه في إثبات ضرورة وجود إمام معصوم. فيبدو أنكم نسيتم هنا الطريق الذي سلكتموه لدى إثباتكم ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمقدمات والافتراضات التي استفدتم منها هنالك، ولم تنتبهوا في أي فخ من التناقض ألقيتم بأنفسكم دون أن تريدوا ذلك ولا أن تدروا به!

ولعل إلقاء نظرة مجددة على استدلالكم المذكور يوضح أكثر الإشكالات التي تعاني منها الإجابة التي ذكرتموها لحل معضلة «الغيبة».

يتألَّف استدلالكم من أربع مقدمات:

«المقدمة الأولى: النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خاتمُ النبيين، وأحكامُهُ باقيةٌ أبد الدهر ولن يُبعَثَ أيُّ نبيٍّ بعده.

المقدمة الثانية: القرآن الكريم معجزةُ النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الخالدة وسيبقى أبد الدهر يشعّ نوراً يهدي سالكي طريق السعادة والكمال.

المقدمة الثالثة: تحتاج آيات القرآن – كما يشير القرآن الكريم ذاته إلى ذلك – إلى تبيين وتوضيح، وإحدى مهام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي أن يبيّن للناس ما أنزل الله إليه.

المقدمة الرابعة: لا شك أنه لم يتم في زمن حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بيان جميع الأحكام والمعارف الإلهية ولا تفسير الآيات القرآنية على نحو يغني الناس بعد انتهاء فترة الرسالة عن هداية وإرشادات الهداة الإلهيين.»(80).

وتفضلتم في توضيحكم للمقدمة الرابعة أن هذا الأمر ليس ناشئاً من تقصير حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في تعليمه الناس حقائق الدين وأحكام الله، بل سببه عدم توفر إمكانية بيان جميع المسائل والمعارف الدينية في تلك الفترة الزمنية، وذلك:

«لأن بساطة المجتمع الإسلامي والروابط الاجتماعية زمن حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعدم وجود أرضية مناسبة لطرح وبيان الأحكام والمعارف الإسلامية التي يمكن أن تُطرَح في مجتمع مفتوح ذي روابط اجتماعية معقَّدة، ومن الجهة الأخرى عدم استعداد المجتمع الإسلامي حديث النشأة لتقبُّل جميع المسائل بسبب مشاكل فترة الرسالة وحدودها، لم يتِح الفرصة لمثل ذلك العمل»(81).

«وكذلك لم يكن الناس مستعدين لتقبّل مسائل أكثر مما كانوا بحاجة إليه، علاوة على أن أفكار الناس لم تكن في مستوى يؤهلها لتلقي كل تلك المسائل»(82).

من الجهة الأخرى، وبسبب المشاغل والمشكلات التي عانى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم طيلة فترة رسالته وانشغاله بالحروب وإيذاء الكفار والمشركين، لم تكن الظروف مناسبة لِـ «بيان وتفسير جميع حقائق الإسلام». والخلاصة أن حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يجد الفرصة – لأسباب وعلل متعددة – لبيان جميع أحكام الله وحقائق الدين وتعاليمه للناس وبقيت كثير من أحكام الله والمسائل الإسلامية بلا بيان. وبناء على ذلك: «تتضح ضرورة وجود شخص يقوم ببيان تلك الأحكام والحقائق عن الله ورسوله وتبليغها الناس».

بعبارة أخرى، من الضروري أن يوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرجع يمكنه:

«أن يبيّن للناس أحكام الله والأوامر التي أنزلها الله على نبيهّ الأكرم وبالتالي يوضّح للناس طريق السعادة»،

وذلك لأنه:

«طالما لم تُوَضَّح أوامر الله وتعاليمه التي أنزلها الله لهداية الناس وبقيت غير معروفة، فلا يمكن أن يكون لها دور تنويريّ يستفيد منه الناس، وهذا يتناقض مع حكمة الله ولن تتمّ حجّته على الناس... وبهذا لن يتحقّق الهدف من خلق الإنسان»(83).

تُظْهِرُ الاقتباسات التي نقلناها أعلاه من كتابكم بوضوح أنكم ترون أن المرجعية الدينية وبيان أحكام الله وحقائق الدين لم تُسْتَكْمَل زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا بد من مواصلتها بعد النبي من خلال الأئمة المعصومين المنصوبين مِنْ قِبَلِ الله. إلا أنه من البيِّن أن هذا الأمر لن يتيسَّر إلا بحضور إمام معصوم وأن يتواصل هذا الحضور في جميع الأزمنة. إذن، فإن غيبة الإمام الثاني عشر (عج) تزلزل أسس وقواعد استدلالكم هذا بشدة؛ لأن الإمام الغائب ليس بين الناس، والناس لا يرونه ولا يسمعون صوته وليس لهم أي سبيل للوصول إليه (حتى بشكل غير مباشر)، فكيف يمكنه أن يكون مرجع الناس الديني وأن يبيّن للناس أحكام الله وحقائق الإسلام؟ إن أساس استدلالكم هو أنه لا بد من بيان جميع أحكام الله وحقائق الدين للناس، وأنه لما لم يكتمل هذا الأمر زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - لأسباب معينة – فناك ضرورة لأنْ ينصب الله بعده أئمَّةً معصومين كي يبيّنوا للناس مع مرور الزمن الأحكام التي لم يتم بيانها ويطرحوا المسائل التي لم تُطرَح فيما سبق. بمعنى أنه لو تم تفسير القرآن كله زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولو تم بيان جميع حقائق الدين وتعاليمه للناس في تلك المدة، لما بقيت ضرورة لنصب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فهنا يأتي السؤال: هل أتمّ الأئمة الأحد عشر (حتى الإمام حسن العسكري (ع» ذلك العمل وعلَّموا الناسَ جميع أحكام الله وحقائق الإسلام ولم تبقَ أي مسألة دون بيان؟ من المسلَّم به أن الإجابة على هذا السؤال ستكون «النفي». إذن ألا توجد ضرورة، طبقاً لمنهج سماحتكم الاستدلالي وبناء على البرهان الذي أوردتموه، لوجود إمام معصوم وحضوره بعد الإمام الحادي عشر كي يبيِّن للناس ما لم يتم بيانه بعد؟ طبقاً لاستدلالكم أيضاً لا بد أن تكون الإجابة على هذا السؤال «الإيجاب». فإذا كان الأمر كذلك فلماذا غاب الإمام الثاني عشر إذن؟ أليس وجوده ضروريّاً لبيان ما لم يتم بيانه من قبل وللإجابة عن المسائل المستجدَّة؟ فكيف غاب إذن وأدى بغيبته إلى تعطيل هذه المهمة الضرورية؟ من الذي سيخبر الناس زمن الغيبة عن الأحكام الباقية التي لم تُبَيَّن من قبل، ومن الذي سيقدم الإجابة الشرعية عن المسائل المستجدة؟ حتى لو قلتم إن الأئمة الأحد عشر فسَّروا القرآن كله وبيَّنوا جميع أحكام الله وحقائق الإسلام (أو كلما كان ضرورياً منها) وكانت التعاليم الباقية عنهم ملبِّيَةً لجميع المسائل وتقدم الأجوبة المطلوبة عن جميع المشكلات العملية والنظرية في مجال الدين التي ستطرح في جميع الأزمنة والعصور اللاحقة (وهو إدعاء لا يمكن إثباته، بل بطلانه من أوضح الواضحات) فإن الإشكالية لا تُـحَلّ أيضاً، لأنه بناء على استدلالكم الثاني هناك ضرورة لوجود إمام معصوم وحضوره بين الناس بعد الإمام الحادي عشر وفي جميع الأزمنة باعتبار أنه من المستحيل – على حدِّ قولكم - أن تبقى البشرية محدودةً ومكتفيةً بما وصل إليها عن حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بدليل وجود خطر تحريف ذلك التراث النبوي واندثاره.

لاحظوا عباراتكم بدقة:

«العامل الآخر الذي يجعل من غير الممكن الاقتصار في بيان الحقائق الإسلامية على ما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وجود تجّار الحديث والمنافقين مرضى القلوب الذي يسعون إلى القضاء على الإسلام من خلال تشويه حقائقه وتحريفها»(84)

«منذ البداية ابتدأ وضع الحديث مِنْ قِبَلِ بعض المنافقين واليهود حديثي العهد بالإسلام وأدت حركة الوضع تلك إلى اهتزاز الثقة بأحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم»(85)

«بسبب هذه المسائل وخلال تاريخ الإسلام الطويل الذي أعقب رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث توفرت الفرصة المناسبة للمبتدعين والمحرِّفين، لم يكن بوسع الناس أن يكتفوا بما يُرْوى لهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم»(86)

إن مُفاد الأقوال المذكورة أعلاه هو أنه حتى لو فَسَّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جميع القرآن وأظهر جميع أحكام الله، سيبقى وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضرورياً بدليل وجود خطر تحريف تعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا كان الأمر كذلك يمكننا أن نقول: بما أن خطر تحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة (ع) وزوالها ووضع واختلاق الحديث على ألسنتهم (من قبل تجار الحديث والمنافقين مرضى القلوب) موجودٌ دائماً فإن وجود وحضور إمام معصوم بعد الإمام الحادي عشر (ع) وفي جميع العصور ضروريٌّ. فكيف إذن غاب الإمام الثاني عشر؟ ألم تكن أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة (ع) معرضة دائماً للدس والوضع والتحريف والزوال؟ أنا أطرح هذا السؤال في وقتٍ يعترف فيه جميع فقهاء الشيعة بصراحة أن كثيراً من أحاديث النبيّ والأئمَّة فُقِدَت على مدار التاريخ وضاعت وبقي الوَضْعُ والدس والتحريف قائماً على قدمٍ وساق في الأحاديث، وأن عملية تمييز الحديث الصحيح من غير الصحيح أمرٌ في غاية الصعوبة وأن هذا الأمر سبَّبَ اختلافات كبيرة بين العلماء والفقهاء (حتى في أكثر المسائل حياتيةً ومصيريّة مثل ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية) ولم يوجد من يسأل: أليست هذه القضايا والمسائل جزءاً من الدين؟ (وبتعبير الشيعة: حقيقة الدين) وأنه كان من الضروري حفظها من التحريف والمحو والزوال؟ أليست إحدى دلائل وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون حافظاً لتعاليم الدين؟ فلماذا تعرَّضت هذه الأحاديث والروايات إلى الوضع والتحريف والضياع؟ هل يستطيع الإمام الغائب أن يحول دون وضع واختلاق الحديث وإضلال الناس؟ إذا كان يستطيع منع ذلك فلماذا لم يعمل بواجبه وهو لا يعمل الآن ولا ينقذ الناس من الحيرة والضلال والاختلاف؟ وإذا لم يكن باستطاعته منع ذلك - بسبب غيبته - أفلا تكون «غيبته» عندئذٍ ناقضة للغرض من وجوده وناقضةً لاستدلالكم على إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟

إذا كان استدلالكم على إثبات وجود إمام معصوم صحيحاً فإن هذا لا يثبت ضرورة «وجود» إمام معصوم فحسب (وفي عصرٍ واحد فقط)، بل يثبت إضافة إلى ذلك ضرورة «حضور» هذا الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الأزمنة والعصور، وهذا يتعارض مع موضوع غيابه حالياً تعارضاً صارخاً.

أرجو مجدَّداً أن تلاحظوا معي بدقّة. أنتم تقولون إن الفرصة لم تُتَح زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لطرح جميع المسائل الدينية لأن:

«لأن بساطة المجتمع الإسلامي وسذاجة الروابط الاجتماعية زمن حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعدم وجود أرضية مناسبة لطرح وبيان الأحكام والمعارف الإسلامية التي يمكن أن تُطرَح في مجتمع مفتوح ذي روابط اجتماعية معقَّدة، ومن الجهة الأخرى عدم استعداد المجتمع الإسلامي حديث النشأة لتقبُّل جميع المسائل بسبب مشاكل فترة الرسالة وحدودها، لم يتِح الفرصة لمثل ذلك العمل»(87)

أضف إلى ذلك أن:

«أفكار الناس لم تكن في مستوى يؤهلها لتلقي كل تلك المسائل»(88)

و بعد بيانكم لتلك المقدّمات قلتم:

«بناءً عليه، فإن مُضِيّ الزمن واتساع رقعة الإسلام وامتداد المجتمع الإسلامي وتوسعه، وارتقاء المستوى الفكري للمسلمين في المسائل الاعتقادية على إثر احتكاكهم بالأديان والملل والنحل الأخرى، وأخيراً تهيؤ أرضية طرح كثير من الأحكام والحقائق الإسلامية التي لم يكن لها حاجة فيما سبق، كل ذلك يوضح ضرورة وجود شخصٍ يقوم بإبلاغ الناس تلك الأحكام والحقائق عن الله ورسوله»(89)

حسناً، لنفرض أنه يمكن إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الدليل، لكن ما يثبته هذا الدليل ليس مجرد ضرورة «وجود» إمام معصوم بل ضرورة «حضوره» الفعلي أيضاً، وليس حضوره في عصرٍ ما فقط، بل ضرورة حضوره في جميع العصور وحتى يوم القيامة، وذلك لأن: «بساطة المجتمع الإسلامي وسذاجة الروابط الاجتماعية» (90) و«المستوى الفكري للناس» (91) مفاهيم نسبيّة وليست مطلقة، كما أن حركة المجتمع وانتقاله من البساطة إلى التعقيد ونموّ الوعي، وارتقاء المستوى الفكري للمسلمين عمليةٌ لا تتوقف أبداً. فإذا كانت بساطة المجتمع الإسلامية وسذاجة علاقاته الاجتماعية في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومستوى المسلمين الفكري المعيَّن لا تتـيح بيان جميع المسائل في ذلك العهد، فإنها وللسبب ذاته، لن تتيح للأئمة المعصومين أيضاً بيان جميع المسائل في عهدهم. وبعبارة أخرى إن فكر الناس في زمن الأئمَّة كان أيضاً ذا مستوى معين لا يسمح لهم بإدراك وتفهّم جميع المسائل، فيجب أن نستنتج - اتباعاً لطريقة استدلالكم ذاتها - ضرورة استمرار وجود (وحضور) إمام معصوم بعد عهد الأئمة، وهو ما تنقضه تماماً غيبة الإمام الثاني عشر (عج) خاصة إذا انتبهتم إلى أن تعقيد المجتمع والروابط الاجتماعية في هذا العصر (أي القرن، الواحد والعشرين و.......) ومستوى الفكر والتفكير عند الناس في هذا العصر (الذي سُمِّيَ بعصر المعلومات) وكمية وكيفية المدارس والمذاهب الجديدة التي وجدت في هذا العصر وأصبحت تواجه الإسلام والمسلمين وتتحداهم، تطورت كلها إلى حد كبير لا يُقَارن بعصر الأئمة (ع) (أي قبل 1300 عام)، ولم تعد التعاليم التي بقيت عن أولئك السادة الكرام تفي إطلاقاً بحاجة المجتمع الجديد ولم يعد بإمكانها تقديم الإجابات اللازمة بشأن المسائل والمشكلات الفكرية والعقائدية المطروحة في الزمن الحاضر. أفلا يصبح من الضروريّ ـ انطلاقاً من طريقة استدلالكم ـ وجود وحضور إمام معصوم في العصر الحاضر ليلبِّي حاجة المسلمين إلى الإجابات الصحيحة بشأن المسائل والمشكلات الفكرية والعقائدية الجديدة وليبيَّن المسائل والأحكام التي لم تكن الأرضية مهيأة لطرحها في ذلك الزمن (أي زمن الأئمة قبل ألف وثلاثمئة عام) بسبب بساطة المجتمع وسذاجة الروابط الاجتماعية حينذاك؟

لقد أوضحتُ معضلة مناقضة غيبة الإمام الثاني عشر لضرورة وجود إمام معصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قدر الوسع والاستطاعة وبالاستناد إلى المطالب التي ذكرتموها في بحث الإمامة من كتابكم المذكور «بحثي مبسوط در آموزش عقايد» (بحث مفصل في تعليم العقائد). ولا أعتقد ببقاء أدنى شك لدى أي قارئ وحتى لدى سماحتكم بأن إجابتكم عن تلك المعضلة والإشكالية غير مقنعة أبداً بل مثيرة للعجب والحيرة الشديدة. لنقرأ مرة ثانية إجابتكم:

«إن مقتضى حكمة الله تعالى أن يبقى طريق السعادة والكمال مفتوحاً دائماً أمام البشر من خلال نصب إمام معصوم وتعيينه لكي تُؤَمَّن للإنسان إمكانية الوصول إلى الكمال النهائي، وإلا فإن هدف الله من خلق الإنسان لن يتحقق وبالتالي سيكون خلقه عملاً غير حكيم. بناء عليه طالما لم تلق السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية وطالما لم تبتلع الليالي المظلمة حياة الإنسان وتقضي عليها، وطالما أن النوافذ التي يشع منها النور لم تُغلَق بعد بل لا تزال مفتوحة ولا يزال الإنسان المُتَعَطِّش يصل من خلالها إلى منبع الشمس فإن عدم وجود حجة لِـلَّهِ بين الناس لن يكون مخالفاً لحكمة الله البالغة. أما إذا وجدت تلك الظروف فعلاً وخيَّم ظلام دامس على الدنيا جعل الناس في حيرة خفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة فإن حكمة الله تستلزم حضور إمام بين الناس»(92)

معنى إجابتكم هذه أن ضرورة وجود إمام معصوم بين الناس لا تتحقق إلا عندما: «تلقي السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية» وعندما «الليالي المظلمة تبتلع حياة الإنسان وتقضي عليها» وعندما «لا يبقَى أن منفذ يشع منه النور» و«لا يجد الإنسان أي طريق يوصله إلى منبع الشمس» و«يخيِّم ظلام دامس على الدنيا على نحوٍ يجعل الناس في حيرة يخفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة».

لكن هذه الإجابة في الوقت الذي لا تُقدّم فيه أي معنى دقيق ومفيد بسبب العبارات المبهمة التي استُخدمت فيها تعاني أيضاً من مشكلتين أخريين:

المشكلة الأولى: عدم ارتباط هذه الإجابة (ولعل الأفضل أن نقول تناقض هذه الإجابة) مع ما أوردتموه تحت عنوان البرهان العقلي على إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قلتم هناك إن بقاء كثير من أحكام الله وحقائق الدين دون بيان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل على ضرورة وجود إمام معصوم بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقلتم لا بد من وجود مثل هذا الإمام المعصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كي يكون مرجعاً دينياً للناس ويبين لهم أحكام الله التي لم يتم إظهارها بعد ويقدم لهم الإجابات الشرعية بشأن المسائل المستجدة، أي أنكم بهذا الاستدلال (ولست هنا في صدد البحث عن صحته أو عدم صحته) أثبتم -دون قصد- إضافة إلى ضرورة وجود إمام، ضرورة حضوره في جميع العصور أيضاً. ولكن ما علاقة ذلك بوجود أو عدم وجود «السحب السوداء» و«الليالي المظلمة التي تبتلع حياة الإنسان بظلامها»؟ هل أن بيان الأحكام والحقائق التي لم يتم إظهارها بعد والمرجعية الدينية للناس بواسطة الإمام المعصوم (والتي لا تتيسر إلا في حال حضوره الفعلي) لا تصبح ضرورية إلا عند وجود السحب السوداء التي تلقي بظلالها على جميع المجتمعات البشرية والليالي المظلمة التي تبتلع حياة الإنسان بظلامها الدامس الذي يسلب الناس القدرة على التمييز ومعرفة الحقائق كما هي؟

المشكلة الثانية: طبقاً لإجابتكم، فإنه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورغم الدين الجديد الذي عم بضيائه جزيرة العرب ودخل الناس فيه من جميع أنحاء جزيرة العرب أفواجاً، بقيت الظروف السادة كالسحب السوداء التي تخيِّم بظلالها على كل شيء! وكالليالي المظلمة التي تبتلع حياة البشر! وكالظلام الدامس الذي يغطي كل شيء ويحول دون تمييز الأشياء على حقيقتها! (وإلا لو لم يكن الأمر كذلك لما كان حضور إمام معصوم بين الناس وبيانه للأحكام التي لم تُبيّن من قبل ضرورياً، ولما كان عدم وجود إمام معصوم بين الناس مخالفاً لحكمة الله البالغة). ثم كلما ابتعدنا عن زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقتربنا من زمن الإمام الحادي عشر (ع) فإن تحسَّنت الظروف وانزاح قسم من السحب السوداء وانفتحت النوافذ نحو النور ومنبع الشمس (الذي لا ندري ما معناه بالضبط)، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً لم تبقَ ضرورة لحضور المعصوم بين الناس. أي لم تعُدْ هناك حاجة لأن يقوم هذا الإمام المعصوم ببيان الأحكام التي لم يبينها النبي والأئمة السابقون من قبل، وحتى أنه لم تبقَ هناك ضرورة لحفظ الأحاديث من خطر الدس والتحريف والزوال! لأن النوافذ نحو النور فُتحت والسحب المظلمة تلاشت والآن غير المعصوم يستطيع بنفسه أن يفسر القرآن ويبين الأحكام وحتى لو وقع في خطأ أو اشتباه فلا عيب في ذلك لأن نيته سليمة وخطأه غير عمدي! وبالطبع فإن تلاشي السحب المظلمة واقتراب الليالي السوداء من نور الصبح وانفتاح النوافذ نحو النور يصادف بالضبط الزمن الذي لا تبقى فيه أي حيلة لحفظ روح الإمام المعصوم إلا غيبته وبقاءه مختفياً!! ألا تلاحظون أين تأخذنا نتيجة إجابتكم عن معضلة الغيبة؟ لو تأملتم حتى تلك الأحاديث التي نقلتموها عن كتاب أصول الكافي وبحار الأنوار وغيرها.. لانتبهتم إلى أن تلك الأحاديث (إن لم تكن موضوعة) لا تثبت فقط ضرورة وجود الإمام بل ضرورة «حضور» الإمام المعصوم وحجة الله في جميع العصور أيضاً. لاحظوا الحديث الذي نقلتموه أنفسكم:

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله» الإمام الصادق (ع)، نقلاً عن أصول الكافي، ج1/ص178.

تلاحظون أنه طبقاً لهذا الحديث هناك ضرورة لوجود الإمام المعصوم لأجل بيان الحلال والحرام وإتمام الحجة على الناس، وهذا لا يتيسّر إلا بحضور الإمام في جميع العصور، فلم يعد «وجود» الإمام المعصوم ضرورياً فقط بل إن «حضوره» أيضاً ضروريٌّ، وهذا لا يتَّفق مع الغيبة الطويلة والممتدة للإمام الثاني عشر. والحديث التالي الذي أوردتموه يقرّر هذه الفكرة بشكل أوضح وأكثر صراحةً حين يقول:

«.. لَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَـهُمْ إِمَاماً قَيِّماً أَمِيناً حَافِظاً مُسْتَوْدَعاً لَدَرَسَتِ الْمِلَّةُ وَذَهَبَ الدِّينُ وَغُيِّرَتِ السُّنَّةُ وَالْأَحْكَامُ وَلَزَادَ فِيهِ المُبْتَدِعُونَ وَنَقَصَ مِنْهُ المُلْحِدُونَ وَشَبَّهُوا ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِين...‏»(93) الإمام الرضا (ع)، نقلاً عن بحار الأنوار، ج23/ص32.

في هذا الحديث يبين الإمام الرضا (ع) بكل صراحة ضرورة حضور إمام معصوم بين الناس في كل زمن وعصر، لأنه لو لم يكن مثل هذا الإمام المعصوم بين الناس لَـحُرِّفَ دينُ الله وتعرّض للاندثار ولَوَقَعَ الناس في الحيرة والضلال. وإذا كان الأمر كذلك فإن هناك ثلاثة تساؤلات ملحة تتطلب الإجابة عنها:

التساؤل الأول: إذا كان حضور الإمام المعصوم بين الناس ضرورياً على هذا النحو فلماذا اختفى وغاب؟ والتساؤل الثاني: إذا كان الإمام المعصوم غير حاضر بين الناس فهل حُرِّف دين الله؟ والتساؤل الثالث: هل يُعذر المنحرفون والعاصون المذنبون عند الله يوم القيامة بسبب عدم حضور حجج الله بين الناس في الدنيا؟

في النهاية أذكِّرُكُم بنقطةٍ مهمةٍ وهي أنكم تفضلتم أنه إذا لم يكن الإمامُ موجوداً بين الناس:

«لأصبح تشخيص الحق وتمييزه عن الباطل صعباً ولأصبح دين الله مشتبهاً ولاستحال وصول الناس إلى الكمال والسعادة ولانسدَّ طريق التكامل أمام البشر»(94).

وقلتم إن هذا نقض للغرض لأن:

«الهدف من خلق هذا النظام... خلق الإنسان ونيله الكمال باختياره»(95).

فإذا أخذنا بعين الاعتبار عدم وجود إمام معصوم بين الناس في الوقت الحالي ألا يكون كلامكم هذا اعترافاً منكم بانسداد طريق التكامل أمام البشر وبالتالي نقض الغرض من خلق الإنسان؟ وهو نقض الغرض ذاته الذي ادعيتم استحالته على الله؟! فإذا كان الأمر كذلك فسؤالي: أي محال هذا الذي وقع فعلاً وليس هذا فحسب بل وقوعه مستمر منذ أكثر من ألف عام وربما سيتواصل آلاف السنوات الأخرى؟

مع الشكر الجزيل وبانتظار إجابتكم.

رسالة المؤلف إلى سماحة مرجع الشيعة الكبير آية الله العظمى ناصر مكارم الشيرازي حول معضلة «الغَيْبَة» التي تناقض نظرية الإمامة:

بسمه تعالى

إلى سماحة مرجع الشيعة الكبير آية الله العظمى مكارم الشيرازي

بعد إهداء السلام وتقديم الأدب والاحترام وتمنياتي لكم ولجميع خادمي الإسلام والمسلمين بالتوفيق الدائم،

أودُّ أن أُعلِمَكُم أنني «حجت الله نيكوئي» طالب في كلية اللغة الانكليزية، قسم الترجمة، في جامعة «پيام نور» (رسالة النور)، مركز طهران، وأنني قد قرأتُ كتاب سماحتكم «پنجاه درس أصول عقايد براي جوانان» (خمسون درساً للشباب في أصول العقائد) واستفدت من معلوماته كثيراً، إلا أن أسئلةً متعدِّدَةً طُرحت في ذهني معظمها يتعلق ببحث الإمامة فيه وخاصَّةً فيما يتعلق بأدلّة إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. لذا أستأذن من سماحتكم في طرح نماذج من تلك الأسئلة معتذراً منكم لأخذ مقدارٍ من أوقاتكم الثمينة:

ذكرتم سماحتكم في قسم «أدلّة وجود الإمام» (الصفحات من 241 إلى 246) خمسة أدلة على ثبوت ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. إن الأدلة الأربعة الأولى منها تنقضها بوضوح غيبة الإمام المعصوم، والسبب أن تلك الأدلة تستلزم حضور الإمام المعصوم في جميع الأزمنة وإلى يوم القيامة (بعبارة أخرى لا تستلزم تلك الاستدلالات ضرورة «وجود» الإمام فقط بل تستلزم «الحضور المتواصل» لإمام معصوم في جميع الأزمنة أيضاً، وهو أمر تُناقضه غيبة الإمام الثاني عشـر (عج)! أما في الدليل الخامس فقد استخدمتم مقدمات وافتراضات بعضها مبهم، إلى حدٍّ ما، من ناحية معناه ومفهومه، والبعض الآخر لا يمكن إثباته. وفيما يلي توضيح هذه النقاط:

ذكرتم في الدليل الأول تحت عنوان «التكامل المعنوي في ظل وجود القادة الإلهيين» أن الهدف من خلق الإنسان هو حركته «نحو الله، نحو الكمال المطلق ونحو التكامل المعنوي بجميع أبعاده» ثم تفضلتم إنه لاشك في أن الإنسان «لا يمكنه أن ينجز سلوك هذا الطريق من دون قيادة إمام هادٍ معصوم وإرشاداته، ومن المحال قطع هذه المرحلة دون قيادة معلّم سماوي».

من الواضح أنه إذا صحّ هذا الكلام فإنه لن يستلزم «وجود» أئمة معصومين فحسب بل يستلزم أيضاً «حضورهم» في كل عصـر وزمن، لأنه من الواضح أن الإمام غير الحاضر أي الغائب لا يمكنه أن يكون مرشداً وقائداً ومعلماً للناس ولا أن يقوم بمهمة هداية الناس وتربيتهم وإرشادهم. فإذا كان الأمر كذلك أفلا تنقض غيبة الإمام الثاني عشر كلامكم هذا؟

لقد قلتم في بداية الأمر إن الهدف من خلق الإنسان أن يصل إلى التكامل المعنوي ثم قلتم إنه طبقاً لقاعدة اللطف «لا بدَّ أن يُبَـيِّنَ اللهُ الحكيمُ جميعَ الأمور اللازمة لوصول الإنسان إلى الهدف من خلقه وأن هذا يشمل أن يرسل له أنبياء وينصب لهدايته أئمة معصومين وإلا لانتقض الغرض من خلقه له». أليست نتيجة هذه المقدمات هي أنه منذ حوالي ألف ومئتي عام وحتى اليوم وإلى أن يظهر إمام الزمان (عج) الناسُ محرومون من الكمال المعنوي (أي من ذلك الشيء الذي هو غرض الله من خلق الإنسان) لأنهم محرومون فعلاً من حضور الإمام المعصوم الذي يرشدهم ويقودهم مثل معلم سماوي إلى طي «الطريق نحو الله المليء بالمطبات والمصاعب، والطريق نحو الكمال ونحو التكامل المعنوي»؟ أليس حرمان الناس من ذلك بسبب الغيبة نقض للغرض ومنافٍ لقاعدة اللطف؟؟

وتفضَّلْتُم سماحتكم: «صحيح أن الله زوَّدَ الإنسانَ بقوَّة العقل والتفكير والمنطق وأعطاه وجداناً قوياً ومثمراً وأرسل لهدايته كتباً سماويّةً ولكن رغم كل تلك الوسائل التكوينية والتشريعية التي جُهِّزَ الإنسان بها لا يزال من الممكن أن يقع الإنسان في الخطأ في تشخيص الطريق». ولهذا الدليل اعتبرتم وجودَ إمام مرشدٍ معصوم أمراً ضرورياً، واستنتجتم أنه: «من المسلم به أن وجود إمام معصوم يقلِّل إلى حدٍّ كبير الانحراف والضلال».

بيد أن هذا الكلام يطْرَح سؤالين في الذهن، الأول: أنه لو كان دليل وجود إمام معصوم هو «التقليل إلى حد كبير من خطر الانحراف والضلال» أفلا يجب أن يكون هناك إمام معصوم حاضراً دائماً؟ إذْ كيف يمكن لإمامٍ غائبٍ أن يقلِّل من خطر الانحراف والضلال؟! وثانياً: بهذه الطريقة من الاستدلال لماذا لا تريحون خاطركم مرة واحدة، فتقولون رغم أن الله أعطى للإنسان عقلاً ومنطقاً ووجداناً مثمراً وكتباً سماويةً ونصب له – على حد قول الشيعة – إماماً معصوماً، إلا أن وجود هذه الوسائل التكوينية والتشريعية لا يزيل احتمال خطأ الإنسان في تشخيصه لطريقه وأن يؤدي خطؤه هذا إلى انحرافه وضلاله، وبالتالي فمن اللازم أن يخلق الله الإنسان معصوماً من الأساس كي لا يقع أبداً في أي خطأ أو اشتباه أو ضلال؟!

وتفضلتم في الدليل الثاني وتحت عنوان «الحفاظ على الشرائع السماوية» بأنه:

«لا بد أن يوجد دائماً قائد معصوم كي يحافظ على أصالة الدين ونقاء التعاليم الدينية وكي يمنع وقوع الانحرافات والأفكار التلفيقية والانتقائية والآراء الخاطئة والدخيلة والأوهام والخرافات».

وأقول: لو كان هذا هو دليل «وجود» الإمام فإنه سيستتبع ضرورة «حضوره» أيضاً، وهذا أمر يتناقض مع غيبة إمام الزمان (عج)، إذْ كيف يمكن للإمام الغائب أن يمنع «الانحرافات والأفكار التلفيقية و.......» ويحول دون تلوث الشـريعة بالأوهام والخرافات؟

وفي دليلكم الثالث الذي ذكرتموه تحت عنوان «القيادة السياسية والاجتماعية للأمة» يمكن تلخيص استدلال سماحتكم بما يلي:

«1- لا يمكن لأي جماعة أو مجتمع أن يواصلوا حياتهم دون نظام اجتماعي يرأسه قائد قوي.

2- إذا أراد الإنسان أن يتمكن من تحقيق هدف الكمال المعنوي فلا بد أن يجتاز هذا الطريق ضمن جماعة ومجتمع.

3- لابد من مجتمع يسوده نظام صحيح حتى تزدهر فيه إمكانيات المجتمع ويحارب الانحرافات.

4- لا يملك الإنسان الخطّاء القدرة على القيام بمثل هذه الرسالة العظيمة.».

والنتيجة هي: «لا بد أن يعيّن الله تعالى إماماً ومرشداً معصوماً لكي يشـرف على هذا الأمر المهم ويمنع الانحرافات».

من الواضح تماماً أنه لو صح هذا الاستدلال لما جاز أبداً أن يغيب الإمام المعصوم، لأن الإمام الغائب لا يمكنه أن يقود المجتمع سياسياً واجتماعياً ولا أن يمنع الأخطاء والانحرافات والمظالم والاضطهاد والإجحاف والضـرر بالمظلومين ويطبق النظام الصحيح المنشود في المجتمع. ومن جهة أخرى فإن الإنسان غير المعصوم والخطَّاء غير قادر - على حد قولكم - على «القيام بهذه الرسالة العظيمة»؛ أليست نتيجة ذلك إذن هي أنه منذ حوالي ألف ومئتي عام لم يستطِع أي إنسان (بسبب غيبة إمام الزمان (عج) وعدم تحقق المجتمع والحكومة التي أشرتم إليها في دليلكم أعلاه) أن «ينال هدفه في الكمال المعنوي»؟ أوليس هذا نقضاً للغرض؟

وفي الدليل الرابع وتحت عنوان «لزوم إتمام الحجة» تفضلتم أنه:

«يجب أن تتم الحجة على الأشخاص الذين يسيرون في الطريق المنحرف عن عمد وقصد، حتى إذا ما أُوعدوا بعقاب على عملهم يكون ذلك الوعيد مستنداً إلى حجة ودليل ولا يبقى لأي أحد أي مجال للتحجُّج بأنه لو كان لديه قائد ربّاني وسماوي يأخذ بيده نحو الحق لما تخلّف عن صراط الله. والخلاصة لا بد من سد باب العذر وبيان دلائل الحق بشكل كافٍ ووافٍ وإفهام الجاهل وطمأنة العالم وتقويته».

ولكن تناقض هذا الاستدلال وتنافيه مع غيبة الإمام المعصوم واضحٌ وجليٌّ أكثر من جميع الأدلة الأخرى. أليست نتيجة هذا الاستدلال هي أنه منذ ما يقارب الألف ومئتي عام وحتى اليوم لم تتم الحجة على المذنبين والعاصين وبالتالي فجميعهم سيكونون معذورين يوم القيامة؟! أي قائد ربّاني وسماوي يأخذ بيد الناس اليوم -حيث الإمام المعصوم غائب عنهم - نحو الحق ويرشدهم كي يسد باب العذر؟ هل يستطيع الإمام الغائب أن يبين للناس دلائل الحق ويُفهم الجاهل ويقوِّي العالم ويُطَمْئِنه كي لا يبقى لأحد عذر ولا حجة يوم القيامة؟

وفي دليلكم الخامس وتحت عنوان «الإمام هو الواسطة الكبرى للفيض الإلهي» شبّهتم في البدء وجود النبي والإمام في المجتمع البشـري أو في عالم الوجود بأسره بوجود «القلب» في جسم الإنسان ثم تفضلتم بأنه: «لما كان الإمام المعصوم بوصفه إنساناً كاملاً ورائداً لقافلة البشرية سبباً لنزول الفيض الإلهي، وكان كل فرد يتمتَّع بهذا الفيض ويستفيد منه بمقدار ارتباطه بالنبي والإمام؛ فينبغي القول كما أن وجود القلب ضروريٌ للإنسان، كذلك وجود واسطة الفيض الإلهي ضروريٌ لجسم البشرية».

وأقول: أولاً إن تعبير «الفيض الإلهي» هنا لا يخلو من إبهام ولا ندري معناه الدقيق بالضبط؟. ثانياً ما هي الدلائل التي تثبت أن وجود الواسطة –خاصة الواسطة الإنسانية- ضرورية لأجل فيض الله على البشر؟ ألا يستطيع الله أن يفيض على الناس دون واسطة؟ هل القيام بذلك الأمر محال على الله؟ لا ننسَ أننا عندما نقول «إن وجود واسطة الفيض الإلهي في جسم البشرية ضروريٌّ» فمعنى ذلك أن الله لا يستطيع أن يفيض على البشرية دون وجود الواسطة (التي هي هنا النبي أو الإمام) فهل هذا الكلام يتّفق مع العقل والدين؟ وكيف يستفيد الأنبياء أنفسهم من الفيض الإلهي إذن؟ هل هناك واسطة لوصول الفيض إليهم؟ (أقصد واسطة إنسانية أي نبي أو إمام معصوم وإلا فلا ننكر وجود واسطة غير إنسانية أي ملاك الوحي فهذا خارج عن بحثنا). قد تقولون: إن الله يستطيع أن يفيض دون واسطة، لكن الناس غير مؤهلين لذلك لذا كان وجود الواسطة ضرورياً. فنقول: لنفرض أن عطاء الله يتطلّب الأهلية ولكن الأهلية وعدمها هي من الله أيضاً، وثانياً: كيف يمكننا أن نثبت أن الإنسان لا يملك القابلية والأهلية لتلقي الفيض الإلهي دون واسطة خاصة الواسطة الإنسانية؟

 وسؤالي الآخر هو: أليست النتيجة المنطقية اللازمة عن تلك الدلائل من الأول إلى الرابع هي، إضافةً إلى ضرورة حضور الإمام المعصوم في كل الأزمنة، ضرورة حضوره في كل الأمكنة، وبالتالي ضرورة أن يتعدَّدَ الأئمة المعصومون في كل عصـر وينتشروا في كل بقعة وناحية من أنحاء العالم وبقاعه؟ خذوا على سبيل المثال زمن الإمام الصادق (ع)، هل كان باستطاعته (ع) أن يتم الحجة على أهالي البلدان الأخرى مثل ألمانيا وإيطاليا وانجلترا ونيوزيلندا و... وأن يكون إماماً وهادياً ومرشداً لهم؟ هل أهالي الجزيرة العربية وحدهم خلقوا لأجل التكامل المعنوي مما استدعى أن ينصب الله تعالى لهم وحدهم إماماً معصوماً؟ إذن فما هو مصير الخلق في سائر أنحاء العالم في ذلك الزمن وفي الوقت الحاضر؟؟

الموضوع الآخر أن سماحتكم قلتم في الصفحة 322 من ذلك الكتاب:

«ونعلم أن مواصلة خط الإمامة والولاية في عصر غيبة المهدي (أرواحنا فداه) يتم بواسطة نوابه العامِّين يعني العلماء والفقهاء»

لكن سؤالي هو: ألا يدل هذا الكلام (الذي قيل ظاهراً لأجل حل معضلة الغيبة) على نسيان كل تلك التأكيدات التي قيلت سابقاً حول ضرورة وجود إمام معصوم وقائد سماوي ومرشدٍ مِنْ قِبَلِ الله في جميع الأزمنة وبشكل دائم؟ وهل يستطيع العلماء والفقهاء (غير المعصومين) أن يقوموا برسالة المعصومين الخطيرة أو مواصلتها؟ هل يستطيع غير المعصوم أن يؤدي دور المعلم الديني والمرشد الهادي، وأن يحافظ على الشرائع السماوية وأن يُتِمَّ الحجة على الناس ويقود الأمة الإسلامية دينياً وسياسياً واجتماعياً ويسوق الناس نحو التكامل المعنوي؟ إذا كانت الإجابة إيجابية انتفت ضرورة وجود إمام معصوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كانت سلبية بقيت مشكلة التعارض بين غيبة الإمام الثاني عشر (عج) وبين أدلة ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على حالها دون حلّ!.

وفي الختام اكرِّر اعتذاري من سماحة المرجع الكبير لمضايقة أوقاتكم الشريفة والثمينة وأسأل الله لكم طول العمر المقترن بالعزّة والرفعة لسيادتكم.

مع وافر الشكر الجزيل.

 

القسم الرابع
تأمُّلات في أدلَّة عصمة الأنبياء والأئمّة

تأمُّلات في أدلَّة عصمة الأنبياء والأئمّة:

تُمثِّل عصمة الأنبياء والأئمة الاثني عشر الركن الركين في الفكر الشيعي وتُعتَبَر من ضروريات مذهب الشيعة (الإمامية). يختلف علماء الشيعة في تعريف «العصمة»، لكن كيفية الأدلة التي يستخدمونها لإثبات ضرورة العصمة تأخذهم جميعاً دون أن يشعروا إلى تعريف واحد لمفهوم «العصمة» هو: «صون الأنبياء والأئمة من كل ذنب أو خطأ أو اشتباه (كبيراً كان أم صغيراً، وعن عمدٍ كان أم سهواً) بما يشمل جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية المختلفة».

يرى الأستاذ الشيخ «مصباح يزدي» أنه:

«ليس المقصود من عصمة الأنبياء أو عصمة آخرين مجرد عدم ارتكابهم لذنب فحسب، لأنه من الممكن لفردٍ عاديٍّ أيضاً أن لا يرتكب الذنوب... بل المقصود هو امتلاك الشخص لملكة نفسية قوية تمنعه من ارتكاب الذنب مهما كانت الظروف. وهي ملكة ناتجة عن وعي كامل ودائم بقبح المعصية وعن إرادة قوية لكبح ميول النفس. ولما كان تحقُّق مثل هذه الملكة لا يتم إلا بعناية خاصة من الله، نُسبت فاعليَّتها إلى الله تعالى»(96).

«المقصود من الذنب الذي يُصان الشخص المعصوم من ارتكابه: فعل ما يطلق عليه في لسان الفقه عبارة الحرام وكذلك ترك ما يطلق عليه في لسان الفقه اسم الواجب(97).

ومن وجهة نظر الأستاذ الشيخ «جعفر سبحاني»:

«العصمة تعني الصون والحفظ لصاحبها، ولها في باب النبوة المراتب التالية:

ا- العصمة في مقام تلقي الوحي وحفظه وتبليغه.

ب- العصمة عن المعصية والذنب.

ج- العصمة عن الخطأ والاشتباه في الأمور الفردية والاجتماعية»(98).

وبالطبع لقد ضمَّن الأستاذ الشيخ سبحاني في تعريفه للعصمة الصون من الخطأ في «مسائل الحياة العادية» و«في الحكم في المنازعات» و«في تشخيص الموضوعات والأحكام الدينية» بل ضمَّن مفهوم العصمة حتى صون المعصوم وحفظه من «بعض الأمراض الجسمية... التي تؤدي التي نفور الناس منه».

أما من وجهة نظر الأستاذ الشيخ إبراهيم الأميني فالعصمة هي ما يلي:

«العصمة عبارة عن قوة باطنية غير عادية (خارقة) وملكة نفسية قوية تحصل نتيجة مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود. وهي قوة استثنائية غيبية كل من وجدت فيه عُصم من كل خطأ وذنب بشكل مطلق وأصبح مصاناً ومحفوظاً من جهات مختلفة:

1. لا يخطئ أبداً في تلقي الوحي وإدراك وقائع الأمور.

2. لا يشتبه ولا يسهو في ضبط الأحكام والقوانين وحفظها.

3. لا يخطئ في تبليغ الأحكام وبيانها ولا يرتكب أي ذنب أو تقصير في ذلك.

4. مصانٌ في مقام العمل من العثرات والأخطاء سواء المتعمَّدة أم التي تقع سهواً فهو لا يذنب أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّه صفرٌ.»(99).

وهكذا نرى أن العصمة، في رأي كل من السادة الأميني والسبحاني، عبارة عن الصون من كل ذنب وخطأ وهفوة وتقصير وزلل (عمدي أم عن سهوٍ)، وفي جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية. أما في رأي الأستاذ مصباح يزدي فالعصمة معناها الصون من ارتكاب «الذنب» فقط، وليس أي ذنب بل الذنب الذي يعتبر كذلك في لسان الفقه حصراً. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن جميع علماء الشيعة متفقون على أن الأنبياء والأئمة معصومون منذ بداية حياتهم (أي منذ ولادتهم وطفولتهم) وحتى آخر عمرهم فلا تقتصر عصمتهم على فترة نبوتهم أو إمامتهم فقط.

والخلاصة إن نظرية العصمة من وجهة نظر الشيعة هي أن:

«الأنبياء والأئمة الاثني عشر معصومون في جميع حياتهم كلِّها».

 

الأدلة العقليّة على عصمة الأنبياء والأئمة ومناقشتها:

نشير في ما يلي إلى بعض النماذج من الأدلة العقلية التي يستخدمها الشيعة في إثبات الضرورة العقلية لعصمة الأنبياء، ثم نعرّج على نقدها.

الدليل الأول: «إن أنبياء الله مصانون في عملهم بأحكام الشريعة من كل ذنب وخطأ وزلل، ولا يتحقّق الهدف من إرسال الأنبياء إلا إذا كانوا يتمتعون فعلاً بمثل هذه العصمة لأنهم إن لم يكونوا ملتزمين تماماً وبدقة بالأحكام الإلهية التي يقومون بتبليغها للناس فستزول ثقة الناس بصدقهم وبالتالي لن يتحقّق هدف النبوة»(100).

و بعبارة أخرى:

«إن العصمة لازمة للأنبياء حتى تحصل الثقة بأقوالهم وحتى يتحقق الهدف من نبوتهم»(101).

فنقول: إن الدليل المذكور أعلاه قابل للنقد من جهات متعددة نشير إلى بعضها في يلي:

1. حتى لو كان هذا الاستدلال صحيحاً وتامّاً فإن أقصى ما يثبته هو ضرورة الصون من الذنوب المتعمَّدة والعلنيَّة أي التي تُرتكب أمام الناس وعلى الملأ، لا من الذنوب التي تقع أحياناً بسبب الغفلة أو السهو أو النسيان ولا الذنوب المخفيّة التي تقع في الخلوة بعيداً عن أعين الناس. إن السهو والنسيان والتعرض لبعض الغفلات الآنيّة والعابرة أمر طبيعي في الإنسان يقبله كل الناس ولا يوجد أحد يفقد الثقة بشخص لمجرد أنه ارتكب أحيانا خطأً أو ذنباً سهواً أو اشتباهاً.

نعم، عندما يكون الشخص غارقاً في الذنوب ومنغمساً في الرذائل الأخلاقية (كمّاً وكيفاً)، لا يمكن الاعتماد عليه والثقة بكلامه، فإذا ادَّعى مثل هذا الشخص النبوَّةَ فلن يَقبلَ الناسُ دعوتَه. أما إذا ادَّعى إنسانٌ تقيٌّ ورعٌ ونزيهٌ ومُتَّصفٌ بجميع الشمائل الإنسانية الحسنة والفضائل الأخلاقية العالية، ورغم أنه غير معصوم إلا أنه مشهور بين الناس بنقاء الثوب واستقامة السيرة، إذا ادعى النبوَّةَ، فإن ادعاءه هذا يؤثر في الناس وينال اهتمامهم ويدعوهم إلى التأمل، فإذا أضيف إلى ذلك أن النبيَّ لا يدَّعي النبوَّةَ فقط بل يُظهرُ للناس، لإثبات نبوته، دلائلَ وبراهينَ ومعجزاتٍ، وهذه المعجزات (إضافة إلى جاذبيته المعنوية وتأثير كلامه في إيقاظ الفطرة النائمة لدى الناس) هي التي تُولِّد ثقة الناس به وتجعلهم يطمئنّون إلى صدقه. نعم، إذا قام بعد ذلك بانتهاك أحكام الله بنحو منتظم ومتكرِّر وارتكب المعاصي والأعمال القبيحة والموبقات (عالماً عامداً وأمام الناس) كان للناس الحق في أن يشكوا بنبوته ويفقدوا الثقة بصدق كلامه، أما إذا ارتكب بعض الذنوب مرات نادرة سهواً ونسياناً فلا يكون ذلك مدعاةً أبداً لشك أحدٍ في صدق دعواه النبوَّة.

في الواقع لقد افترض الاستدلال الشيعي المذكور أن الإنسان لا يخلو من حالتين فقط لا ثالث لهما:

1- إما أن يغرق بالذنوب ويتلطخ بالمفاسد الأخلاقية 2-أو أن يكون معصوماً مطلقاً. بعبارة أخرى الإنسان إما يكون معصوماً أو غارقاً في الذنوب من رأسه إلى أخمص قدميه! ولا يوجد حلٌّ وسطٌ. ثم قالوا بعد ذلك أنه إذا كان الإنسان غارقاً في الذنوب فلن يثق الناس بصحة كلامه ولن يطمئنوا إلى صدقه وبالتالي لن يتحقق هدف النبوَّة، واستنتجوا على الفور أنه يجب أن يكون معصوماً مطلقاً إذن!.

لكن أصحاب الاستدلال السابق غفلوا عن إمكانية وجود حالة ثالثة وهي أن يكون الشخص الذي يدَّعي النبوَّة غير معصوم إلا أنه في الوقت ذاته ليس غارقاً في الذنوب والمفاسد الأخلاقية بل يكون بشكل عام إنساناً تقياً نقياً نزيهاً مخلصاً فيشعر الناس نحوه بالحب والطمأنينة بسبب ما يجدوه فيه من نزاهة وطهر ونقاء وصدق وأمانة وما يمتلكه من جاذبية معنوية. وادعاء مثل هذا الشخص للنبوة – خاصة عندما يأتي بمعجزة خارقة لإثبات دعواه إضافة إلى سوابقه الحسنة ومكانته في قلوب الناس- يختلف من السماء إلى الأرض عن ادعاء شخص فاسق فاسد (أو حتى عادي) لا يمتلك أي مكانة في قلوب الناس ولا يستطيع أن يأتي بأي معجزة لإثبات دعواه.

2- كما ذكرنا في النقطة السابقة، إن أقصى ما يثبته ذلك الاستدلال هو ضرورة العصمة الظاهرية للأنبياء. بعبارة أخرى إذا اعتبرنا أن المعيار ثقة الناس فيكفي أن يكون الشخص المدَّعِي للنبوَّة إنساناً ظاهر الصلاح أي لا يُقْدِمُ على ارتكاب ذنب أو عمل قبيح أمام أنظار الناس وفي ملأ منهم، كي يتمكَّن الناس من الثقة به والاطمئنان إلى صدقه. ولا يثبت الاستدلال المذكور ضرورةَ أن يكون هذا الشخص مصوناً من كل خطأ وزلل وذنب في السرّ والخفاء. فهذا الدليل ناقصٌ وقاصرٌ.

3- الدليل المذكور قاصرٌ عن إثبات ضرورة العصمة قبل النبوة، لأنه قبل أن ينزِّل الله أوامره ونواهيه لا يوجد معنى للذنب أو لمعصية الله، فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع (كما يقول المناطقة).

لنفرض مثلا أن الشخص الذي لم يُبعث بالنبوَّة بعد أكل لحم الخنزير(كما يأكله سائر الناس في عصره ولا يعتبرون ذلك عملاً قبحاً)، فإذا ادَّعى هذا الشخص النبوَّةَ بعد ذلك وأعلن أن أحد قوانين شريعته حُرْمَةُ لحم الخنزير. فهل يجوز أن يُقال له في مثل هذه الحالة: إذا كان لحم الخنزير حراماً فلماذا كنت تأكله من قبل؟ من البديهي أنه لا يصحُّ توجيه مثل هذا الاعتراض إليه، لأن النبيَّ يمكنه أن يقول بكل بساطة: لم أكن أعلم بحرمة لحم الخنزير في ذلك الوقت (قبل أن أبعث نبيّاً)، وأساساً بما أن حرمته لم يتم إعلانها للناس بعد فهو لم يكن حراماً حينها من الأصل، نعم من الآن فصاعداً يجب علينا جميعاً أن نجتنب أكله. فأين المحظور العقلي في مثل هذه الحالة؟ المهم أن يلتزم النبيّ بعد نبوته بقوانين شريعته بمقدار استطاعته البشـرية ولا يرتكب ذنوباً وأعمالاً قبيحةً عالماً عامداً. إن ما يوجب زوال ثقة الناس ويمنع تحقُّق هدف النبوة هو عدم التزام النبيّ بأحكام الشريعة في فترة نبوته وأن تحصل هذه الانتهاكات منه بشكل متكرِّرٌ وعن علم وعَمْد، أما الذنوب والأخطاء التي ارتكبها النبيّ قبل ادعائه النبوة فإنها لا تضر بثقة الناس لأن تلك الأعمال لا تعدّ ذنوباً أساساً قبل أن ينهانا الله عنها بواسطة الوحي.

4- حتى لو صح الاستدلال المذكور أعلاه وكان تاماً فإنه لا يثبت إلا ضرورة العصمة من الذنب لا العصمة من الخطأ والاشتباه، وهذه نقطة هامة. الأنبياء يعلنون دائماً أنهم بشرٌ مثلُنا وأن الفرق الوحيد بيننا وبينهم هو أنهم يُوحى إليهم من الله. ومضمون الوحي الإلهي هذا هو ما جاء في الكتب السماوية، أي مجموعة الحقائق الإلهية والتعاليم والأحكام الكلية التي يُكَلَّف بها المؤمنون. إن الأنبياء لا يقولون أبداً إن جميع أعمالهم وحركاتهم صغيرها وكبيرها (حتى تلك التي تتعلق بالحياة الفردية والخاصة) تتم بإرشاد الوحي، حتى إذا ما وجد الناس في أعمالهم تلك خطأ (كالاشتباه في اختيار الزوجة مثلاً) شكُّوا بادعاءاتهم النبويَّة!. بناء على ذلك إذا اشتبه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً في اختيار الحرّاس المؤهّلين والأمناء والمطيعين وعهد إليهم الحفاظ على مضيق جبل أحد وأدى هذا الاشتباه إلى الخسارة في معركة أحد فلن يشك أحد بنبوّته، لأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يدّع أن عهده إلى أولئك الأفراد بالمهمة المذكورة كان بوحي الله وأمره.

5- إن الذي يقول: «العصمةُ لازمةٌ وضروريةٌ للأنبياء كي تحصل الثقة بأقوالهم ويتحقّق الغرض من نبوتهم» قد جعل من نفسه -دون أن يخوِّله أحدٌ أو يسمح له بذلك- ممثلاً عن مليارات الناس من أتباع الأديان الإلهية في جميع أنحاء العالم. ذلك لأن أهل السنة مثلاً (الذين يشكلون أكثرية المسلمين ويقترب عددهم من المليار) لا يعتبرون الأنبياء معصومين(102) ومع ذلك هم مطمئنون لصدقهم معترفون بنبوّتهم. كذلك لا يعتبر أتباع سيدنا عيسى (أي المسيحيون) أن عيسى معصوم ولكنهم يؤمنون بنبوّته ويعتقدون بها ولا يعتبرون أن عدم عصمة ذلك النبيّ موجبٌ لعدم ثقة الناس به، والأمر ذاته ينطبق على أتباع الأديان الأخرى.

6- إن الدليل المذكور يتناقض بوضوح مع ادعاء الشيعة أن صفة العصمة لا يمكن لأحد أن يعرف وجودها لدى شخص ما. يرى الشيعة -كما نعلم- أن الإمام وخليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يكون معصوماً، ثم يقولون: إنه لما كانت صفة العصمة غير قابلة للتشخيص والمعرفة مِنْ قِبَل الناس، لذا لا تتحقق الإمامة إلا بنصب الله للإمام وقيام النبيّ (أو الإمام المعصوم السابق) بتعريف الإمام للناس. ولكن في الاستدلال مورد البحث قيل إنه لو لم يكن النبيّ معصوماً فلن يثق الناس به ولذا لن يتحقق الغرض من نبوته. فالسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ: كيف يتسنَّى للناس أن يدركوا وجود العصمة لدى شخص كي يقبلوا بناء على ذلك ادعاءه للنبوة ويثقوا بكلامه؟!. إن أكثر ما يستطيع الناس أن يدركوه في شخص ما هو أنه حتى الآن لم يصدر عنه أي ذنب أو إثم أو عمل قبيح، ولكن كلنا نعلم أن هذا يختلف عن العصمة المدَّعاة كثيراً، فقد يرتكب ذلك الشخص في خلوته وفي السـرّ أعمالاً قبيحة دون أن يعلم الناس عنها شيئاً. فلا يوجد أي طريق يستطيع الناس من خلاله أن يثبتوا عصمة شخص ما، فكيف إذن سيقبل الناس دعوة الأنبياء ويثقوا بصدقهم (دون يتمكنوا من الاطمئنان إلى عصمتهم)؟ إن أي إجابة تقدّم على هذا السؤال ستكون نافية لضرورة العصمة.

7- وآخر إشكال في ذلك الاستدلال هو أنه لو صحّ للزم عنه أن لا تقتصـر ضرورة العصمة على عصمة الأنبياء (والأئمة) فقط بل أن تُشْتَرطَ أيضاً في العلماء والمجتهدين والقضاة والقادة العسكريين والحكّام وكل إنسان يمتلك مقاماً مهماً أو شغلاً حياتياً وحسَّاساً. ذلك لأننا نستطيع بتطبيق المنهج ذاته أن نستدل على أنه لو لم يكن المجتهد معصوماً لما استطاع الناس أن يثقوا به ويسلِّموا رقابهم ومصيرهم الأخروي إليه عندما يقلدونه في فتاواه وآرائه. كذلك إذا لم يكن القاضي معصوماً فلا يمكن للناس أن يعتمدوا عليه وأن يجعلوه حكماً في نزاعاتهم واختلافاتهم ومتصـرِّفاً دماء الناس وأموالهم وأعراضهم ومكانتهم تحت تصرفه. فلا بد أن يكون القاضي معصوماً أيضاً! وحتى الشهود يجب أن يكونوا معصومين لأنه لو لم يكونوا كذلك لما أمكننا الثقة بصدق كلامهم ونحن نعلم أن شهادتهم الكاذبة قد تهدد بالخطر أرواح الناس الأبرياء وأموالهم وأعراضهم ومكانتهم الاجتماعية وهذا الأمر يصبح أكثر وضوحاً في المنازعات الكبيرة التي تقع في المستويات العليا للحكومة والمجتمع، إذ يمكن لحكم خاطئ وغير عادل لقاضٍ ما أو لشهادة كاذبة أن توجه لطمة كبيرة إلى الحكومة والمجتمع وتؤدي إلى وقوع ظلم على ملايين الناس الأبرياء والمظلومين.

قد تقولون بشأن اشتراط العصمة في المجتهدين ومراجع التقليد إن الأئمة المعصومين أمرونا في عدة أحاديث وروايات أن نرجع إلى المجتهدين في زمن الغيبة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من هم أولئك الذين رووا لنا تلك الأحاديث (أو بعبارة أدق تلك «الادعاءات»)؟ لا شك أنكم تعلمون جيداً أن جميع رواة تلك الأحاديث فقهاء ومجتهدون أي أنهم جميعاً غير معصومين، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا أن نثق بصدق كلامهم؟ خاصة إذا انتبهنا إلى أنهم ينتفعون شخصياً من هذه «الادعاءات». إذن بناء على منطق الشيعة يجب أن نقول: «إن عصمة الفقهاء لازمة وضرورية كي تحصل الثقة بكلامهم»!.

الدليل الثاني: «الهدف الأساسي من بعث الأنبياء هو هداية البشر وإرشادهم نحو الحقائق والواجبات التي حددها الله تعالى للناس، فالأنبياء هم في الحقيقة ممثلون عن الله بين الناس ويجب أن يهدوا البشر إلى صراط الله المستقيم. إذا كان الأمر كذلك فإن عدم التزام مثل هؤلاء الممثلين عن الله بأوامر الله ومخالفتهم بأنفسهم لمضمون رسالتهم سيفسِّره الناس على معنى أن سلوكهم بيانٌ مناقضٌ لأقوالهم وبالتالي لن يجدوا الثقة اللازمة بأقوالهم ونتيجة لذلك لن يتحقق الهدف من بعثتهم بشكل كامل أبداً. إذن فإن حكمة الله ولطفه يقتضيان أن يكون الأنبياء أفراداً منزهين من كل إثم ومعصومين من كل ذنب وأن لا يصدر عنهم أي عمل سيء حتى من باب السهو والنسيان كي لا يظن الناس أن ادعاءهم السهو والنسيان ليس سوى حجة يبرِّرون بها ارتكابهم الذنوب»(103).

هذا الدليل الثاني عين الأول الذي أوردناه قبله ودرسناه ونقدناه، ولا نرى فيه أيَّ جديد. نعم إذا كان الأنبياء –على حد قول أولئك السادة العلماء- «غير ملتزمين بأنفسهم بالأوامر الإلهية» فإن الناس لن يثقوا بهم؛ أما إذا التزموا بأوامر الله ولكن وقع منهم زلل في بعض الحالات الاستثنائية ولم يكن ذلك عن عمد بل سهواً ونسياناً فوقعوا في ذنب ما لكنهم سرعان ما تابوا منه واستغفروا ربهم وسعوا في تدارك التقصير الذي بدر منهم، فإن الناس لن يفقدوا أبداً ثقتهم بهم. إن أقصى ما يمكن لهذا الدليل أن يثبته (كالدليل الذي قبله) هو أن الأنبياء وأئمة الدين لا يجوز أن يكونوا أفراداً مستهترين متهتكين، ولكن الاستهتار ليس نقيض العصمة بحيث إذا نُفِيَ الاستهتار ثَبَتَت العصمة تلقائياً، بل الأمر خلاف ذلك إذ يوجد بين الاثنين حالات وسيطة أخرى بعضها على الأقل لا يسلب ثقة الناس بالأنبياء. والقصة ذاتها تنطبق على صونهم من كل سهو أو نسيان، فإذا تكرر السهو والنسيان مرات عديدة على نحو يؤدي إلى قيامهم بشكل متكرر بأعمال قبيحة فإن هذا قد يسلب ثقة الناس بهم أما إذا وقع السهو والنسيان في حالات قليلة واستثنائية فإنه لا يسلب أبداً ثقة الناس بهم لأن الناس يعتبرون الأنبياء بشراً طبيعيين وأن السهو والنسيان (في الحد المتعارف عليه) أمر طبيعي لا ينفك عنه الإنسان. مرة ثانية أؤكد أن جميع الإشكالات الموجودة في الدليل الأول واردة على هذا الدليل أيضاً والدليلان هم في الحقيقة دليل واحد.

الدليل الثالث: «إضافة إلى وظيفتهم في إبلاغ الناس مضمون الوحي والرسالة التي أُرسلوا بها وبيان الطريق المستقيم للناس فإن للأنبياء وظيفة هامة أخرى أيضاً وهي تزكيتهم نفوس البشر وتربيتهم الأفراد المستعدين لإيصالهم إلى آخر مراحل الكمال الإنساني. بعبارة أخرى: إن من واجبات الأنبياء، إضافة إلى تعليم الناس وإرشادهم، تربية الخلق تربية شاملة عامة تشمل أيضاً أكثر أفراد المجتمع استعداداً وأبرزهم أهلية ومثل هذا المقام لا يصلح له إلا أشخاصٌ وصلوا إلى أعلى مدارج الكمال الإنساني وحازوا أكمل الملكات النفسية (وهي ملكة العصمة)»(104).

هذا الاستدلال لا يثبت أكثر من وجوب أن يكون الأنبياء أفضل الناس وأكثرهم رشداً وصلاحاً كي يتمكنوا من إصلاح الناس وتربيتهم معنوياً، ولكنه لا يثبت عصمتهم بالمعنى الذي تقوله الشيعة، لأن كون الإنسان أفضل الخلق وأكملهم لا يقتضي بالضرورة امتلاكه لتلك العصمة. قيل في هذا الدليل إن الأنبياء جاؤوا لتزكية نفوس الناس وتربيتهم «ولكي يوصلوا الأفراد الذين هم أهل لذلك إلى آخر مراحل الكمال الإنساني» وهذا صحيح، لكنه لا يقتضـي بالضـرورة أن يكون الأنبياء أنفسهم واصلين إلى مثل تلك المرحلة (أي آخر مرحلة من مراحل الكمال الإنساني) كي يستطيعوا بعد ذلك أن يأخذوا بأيدي الناس ويسيروا بهم في مدارج الكمال، لأن الأنبياء أنفسهم يمكنهم أن يكونوا في حال طيّ مراحل الكمال وأن تكون سرعة سيرهم – بفضل التربية الإلهية الخاصة- أسرع من الآخرين، أفلا يستطيعون، في مثل هذا الفرض، أن يهدوا الناس ويقودوهم ويأخذوا بأيدي الأفراد المؤهلين ويسيروا بهم في سلَّم الكمال (رغم أنهم أنفسهم لم يصلوا إلى آخر مراحله على الإطلاق بعد)؟ وهذا مثل المعلم الذي مستواه العلمي في مستوى الثانوية العامة ويقوم حالياً بتدريس طلاب المرحلة الإعدادية (المتوسطة). فإذا بقي ذلك المعلم في نفس مستواه العلمي دائماً ولم يرتق بعلمه لن يستطيع أن يوصل تلاميذه إلى مرحلة أعلى من مرحلة الثانوية، لكنه إذا واصل دراسته جنباً إلى جنب التدريس وتقدّم في المعرفة واجتاز مستويات العلم واحداً بعد الآخر أمكنه أن يوصل تلاميذه إلى المراحل الجامعية العليا. فليس ضرورياً أن يكون المعلم منذ أول لحظة واصلاً إلى أعلى درجات العلم (كالدكتوراه مثلاً) كي يستطيع أن يوصل تلاميذ المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية أو الجامعية. إذا اعتبرنا أن طريق المعرفة لا منتهى له، أمكننا أن نفترض أن الناس المتقدمين في هذا الطريق يسيرون دائماً بنحو أسرع من الآخرين دون أن يصلوا إلى نهايته (أي العلم بما كان وما يكون والمعرفة المصونة عن أي خطأ). إذا كان كذلك أفلا يستطيع مثل هؤلاء المعلِّمين أن يعلِّموا الآخرين والأفراد المؤهلين ويسحبوهم معهم نحو المراتب العليا؟ من البديهي أن الإجابة إيجابية. والقصة ذاتها تنطبق على الكمالات المعنوية. الأمر الضروري هو أن يكون المربي في مرتبة أعلى وأرقى من تلاميذه ويكون في الوقت ذاته في حال ترقٍ وكمال وسير في المقامات المعنوية ليحافظ على تفوقه على تلاميذه دائماً. وللدليل المذكور قسم مكمل يقول:

«إضافة إلى ذلك، إن دور سلوك المربي أساساً أهم بكثير من دور كلامه، بمعنى أن الذي يعاني من نواقص وعيوب في سلوكه لن يكون لكلامه التأثير المطلوب، وبالتالي فلا يمكن للهدف الإلهي من بعث الأنبياء كمربين للمجتمع أن يتحقق بشكله الكامل إلا إذا كانوا معصومين في سلوكهم كما في أقوالهم من كل خطأ وزلل»(105).

مرة ثانية نقول في نقد هذا الدليل: لو كانت التقصير والعيوب كثيرة وكان المربي ذاته يرتكب بشكل متكرر أعمالاً قبيحة ويتصرف بسلوك شائن لا يليق بشأن المربي فلا شك أنه لن يكون لكلامه التأثير المطلوب، أما إذا كانت تلك الموارد نادرة واستثنائية ووقعت نتيجة سهو أو نسيان فلن تمنع أن يكون لكلام المربي التأثير المطلوب.

إلى هنا أكدت الأدلة العقلية للعصمة، أكثر، على ضرورة صون المعصوم عن الذنوب والأعمال القبيحة. لكن علماء الشيعة يقيمون أدلة لإثبات ضرورة العصمة من كل خطأ وزلل في أمور الحياة الفردية والاجتماعية، بل حتى في المسائل العادية وغير ذات الأهمية في الحياة العائلية الخاصة، ونشير فيما يلي إلى نماذج عن أدلتهم هذه:

«في ذهن أغلب الأفراد هناك تلازم بين الخطأ في مثل هذه المسائل والخطأ في الأحكام الدينية، وبالتالي فإن ارتكاب خطأ في مثل هذه المسائل، يهزّ ثقة الناس واطمئنانهم إلى شخص النبيّ وفي النهاية يفسد الغرض من البعثة»(106).

ومعنى هذا الكلام أنه لو أخطأ النبيّ في مسائل الحياة العادية أو في المسائل الاجتماعية لاعتبره الناس جائز الخطأ وبالتالي شكوا بتعاليمه الدينية وقالوا في أنفسهم: من يدري! ربما أخطأ النبيّ في هذه التعاليم أيضاً. إذن يجب أن يكون النبيّ (والإمام) معصوماً في جميع مراحل حياته الفردية والاجتماعية وشؤونها من كل خطأ وزلل وسهو ونسيان، لأن الناس قد يعمّمون أي خطأ أو سهو أو نسيان يقع منه في تلك الأمور على التعاليم الدينية وبالتالي يفقدون ثقتهم بصحتها. ولكن هذا الاستدلال إنما يصح إذا كان الأنبياء يدَّعون أن مصدر جميع حركاتهم وسكناتهم وكل قول وفعل لهم هو الوحي الإلهي، ففي هذه الصورة إذا شاهد الناس خطأ وعثرة للنبيّ في أمور حياته الشخصية أو الاجتماعية سيقولون في أنفسهم من يدري أنه لم يقع في خطأ مشابه فيما يقوله من التعاليم الدينية. أما إذا لم يدَّع الأنبياء مثل ذلك الادعاء وقالوا للناس إن أحكام الله وحقائق الدين هي فقط التي يُوحى بها إلينا، أما شؤون حياتنا اليومية فهي مثل سائر البشر، فإن الناس لن يخلطوا عندئذ أبداً بين هاتين الحالتين وسيفصلون بينهما، وهذا هو بالضبط ما وقع فعلاً في عالم الواقع حيث أن الأنبياء صرّحوا أنهم جاؤوا بتعاليمهم الدينية عن الله ومن طريق الوحي ولم يدَّعوا أبداً أنهم يُوحى إليهم في كل مسألة من شؤون الحياة العادية، مثل الزوجة التي اختاروها مثلاً أو المهر الذي أعطوه لها أو العمل أو المهمّة التي عهدوا بها إلى فلان، أو العمل الذي اشتغلوا به واللباس الذي لبسوه وماذا يأكلون وماذا لا يأكلون و....الخ والناس يعلمون أن الأنبياء يقومون بمثل هذه الأعمال معتمدين على العقل العرفي والمعرفة والتجربة البشرية ويعتبرون أن احتمال الخطأ أو الغلط في مثل هذه الأمور طبيعيٌّ تماماً. ففي معركة أحد، كان رأي كثير من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه غير مصيب في اختيار التكتيك القتالي (بالبقاء بالمدينة) وأن الأفضل الخروج من المدينة ومواجهة العدو في منطقة جبل أحد. هؤلاء الصحابة الأجلاء رغم أنهم كانوا يعتبرون أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جائز الخطأ في مثل هذه الأمور المتعلقة بالحياة الفردية والاجتماعية والحكومية إلا أنهم كانوا مؤمنين تماماً بنبوّته.

من مجموع الأمور التي ذكرناها في نقد الأدلة العقلية على ضرورة عصمة الأنبياء (في فترة نبوتهم) يمكننا أن ننقد بكل راحة ويسر ادعاء الشيعة ضرورة عصمة الأنبياء (والأئمة) قبل النبوة (أو قبل الإمامة) وفي فترة الطفولة. فدليل الشيعة على ذلك هو ما يلي:

«إذا قضى الإنسان مرحلةً من عمره في الإثم والضلال ثم أخذ بيده مشعل الهداية فإن الناس لن تثق به حق الثقة أما إذا كان الشخص منزهاً منذ بداية حياته من كل تلوث ورجس فإنه سيكون قادراً بشكل جيد على حيازة ثقة الناس به. أضف إلى أن المغرضين ومنكري الرسالة يمكنهم بيسـر وبساطة أن يشيروا إلى سوابق الشخص المظلمة فيطعنوا بشخصيته وبالتالي يهزّوا الثقة برسالته»(107).

أجل، إذا صرف إنسانٌ نصف حياته في الإثم والمعصية والضلال حتى اشتهر بين الناس بوصفه شخصاً فاسقاً آثماً ملطخاً بالقبائح والرذائل الأخلاقية كالكبر والغرور والأنانية والحرص والطمع في مال الدنيا وحب الرئاسة والجاه و..... فلن يقبلوا أبداً ادعاءه النبوة. ولكن هل الأمر دائر فقط بين أن يكون الشخص إما معصوماً أو غارقاً في الآثام والمعاصي؟ ألا يوجد حل ثالث أم أننا أمام حصر عقلي بين حالتين فقط؟ السؤال هنا هو: إذا كان الشخص غير معصوم ولكنه كان إنساناً محترماً بين الناس متمتعاً بالشمائل الحسنة والفضائل الكريمة ومتنزهاً عن الرذائل الأخلاقية وبعيداً عن الأعمال القبيحة والمنكرة، ويتمتع بمستوى أخلاقي أعلى من عامة الناس وقد شهد الناس صدقَه وصلاحَ أعماله ونقاءه ومحبته، وإضافة إلى ذلك جاء بمعجزة لإثبات دعواه، هل ستكون دعواه النبوة والرسالة عقيمة لا أثر لها؟ بالمناسبة لماذا يُهمِل علماؤنا في أدلتهم تلك ذكر أهمية المعجزة ودورها الهام في إثبات دعوى النبوة، كما لا يشيرون إلى الجاذبية المعنوية للأنبياء ومكانتهم العميقة في قلوب الناس؟ ثم ما المقصود من السوابق المظلمة التي يجب أن يكون النبيُّ منزَّهاً عنها كي لا تهتزّ ثقة الناس به؟ إذا كان المقصود الشهرة بالظلم والفساد وأكل مال الحرام و.... فلا ينكر أحد أن هذا أمر مظلمٌ يمكن الاستناد إليه للطعن بشخصية النبيّ واهتزاز الثقة به (وبالطبع فإن اللهَ أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يختار لنبوّته مثل أولـئك الأشخاص حتى لا تحدث مثل تلك المشكلة)، ولكن كيف يمكن أن نعتبر ارتكاب بعض الذنوب الصغيرة في الماضي سهواً ونسياناً وليس عن عمد «سوابق مظلمة»؟! (خاصة إذا صدرت تلك الذنوب أو العثرات زمن الطفولة وحداثة الشباب). لماذا نلعب بالكلمات بدلاً من الاستدلال العقلي الصحيح؟ هل فعلاً إذا علمنا أن النبيّ كذب كذبة في سن الطفولة (في السابعة من عمره مثلاً) فإن هذا يتيح لنا أن ننكر نبوته الآن؟! حتى إذا كان في فترة بلوغه ورشده وشبابه إنساناً فاضلاً تقياً نقياً وصادقاً أميناً وأتى بمعجزة لتأييد رسالته، وخطفت جاذبيته المعنوية قلوبنا، وأدهش جمال تعاليمه عقولنا؟! هل من الصحيح أن جميع تعاليمه الحياتية ستصبح بلا أثر بسبب كذبة صغيرة ارتكبها في طفولته؟

الأدلة النقليّة على عصمة الأنبياء (والأئمة) ونقدها:

الدليل الأول: «سمَّى القرآن الكريم جماعةً من الناس بالمُخْلَصين (الخالصون لِـلَّهِ) وبيَّن أن إبليس لا طمع له في إضلالهم في حين أنه أقسم (أي إبليس) أن يضل جميع عباد الله إلا أنه استثنى منهم عباد الله المخلَصين. كما نقل لنا تعالى قول الشيطان ذاك في سورة (ص) الآيتين 82 و83: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾. ولا شك أن عدم طمع إبليس في إضلال المخلَصين ليس إلا لكونهم مُصانين ومحفوظين من الضلال والتلوث بالمعاصي وإلا لشملهم بعداوته ولما كفّ عن السعي في إضلالهم. بناء على ذلك فالمخلَص يساوي المعصوم. ورغم أننا لا نملك دليلاً على اختصاص هذه الصفة بالأنبياء إلا أنها تشملهم بلا أدنى شك. لا سيَّما أن القرآن الكريم أطلق لقب المُخلَصين صراحة على بعض الأنبياء(108)... كما اعتبر علة حفظ يوسف وصونه من الزلل في أشد الظروف صعوبةً أنه كان مخلَصاً (سورة يوسف/24)»(109).

هناك ثلاثة إشكالات أساسية نلاحظها في الاستدلال المذكور نشير إليها فيما يلي:

1. إن الآيتين 82 و83 من سورة ص لا تشيران إلى أكثر من أن هناك من بين عباد الله أشخاصاً مخلَصين لا يستطيع الشيطان أن يضلهم وبالتالي فإنهم لا يرتكبون الذنوب. أما أنه هل جميع الأنبياء (والأئمة) مخلصون أم لا، فهذا ما لا تقول عنه الآيتان شيئاً. إذن فالتمسك بالآيتين لا يمكنه أن يثبت عصمة جميع الأنبياء من كل ذنب. وعلى العكس هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تنسب بصـراحة بعض الذنوب للأنبياء سنشير إليها لاحقاً.

2. أقصى ما تثبته الآيتان هو عصمة بعض الناس (أي هؤلاء المخلَصين) من الذنوب المتعمَّدة لا من الذنوب الصادرة سهواً (فضلاً عن الخطأ أو الزلل في أمور الحياة الفردية أو الاجتماعية). ولا يمكننا أن نثبت أن السهو والنسيان اللذين يؤديان أحياناً إلى الوقوع في ذنب إنما يحصلان نتيجة إغواء الشيطان، بحيث أن الشيطان لو قطع أمله من إضلال شخص ما وكفّ عن الوسوسة إليه فإنه من الممكن مع ذلك أن يقع في ذنب بسبب سهو أو نسيان عاملهما شيء غير الشيطان. إن الخطأ والاشتباه في أمور الحياة الفردية والاجتماعية أيضاً (على الأقل في بعض الحالات) لا علاقة له بإغواء الشيطان، فحتى لو لم يوجد الشيطان أصلاً، لأمكن أن يخطئ الإنسان أو يشتبه في المسائل المتعلقة بحياته. فهذا الدليل إذن أخصُّ من المُدَّعَى.

3. لا تدل هذه الآيات ولا الآيات الأخرى التي أطلقت صفة المخلَصين على بعض الأنبياء على أن الأنبياء كانوا مخلصين في جميع فترات عمرهم (قبل النبوة وحتى في سن الطفولة) إن معنى المخلَص هو «الذي أخلص» وليس معناه «الذي جاء إلى الدنيا مخلَصاً».

الدليل الثاني: «اعتبر القرآن الكريم أن طاعة الأنبياء واجبةٌ بنحو مطلق ومن ذلك قوله تعالى في الآية 63 من سورة النساء ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله...﴾، ولا تصح طاعة الأنبياء المطلقة إلا إذا كانت على خط طاعة الله وكان اتباعهم لا يتنافى مع طاعة الله، وإلا فإن الأمر بطاعة الله مع الأمر بطاعة أشخاص يمكن أن يقعوا في الخطأ والانحراف طاعةً مطلقةً سيؤدي إلى التناقض»(110).

وأقول: إن هذا الدليل أيضاً قاصرٌ عن إثبات نظرية العصمة – كما تقول بها الشيعة – وفيه نقاط ضعف كثيرة نشير فيما يلي إلى بعضها:

1. إن هذا الدليل يثبت ضرورة عصمة الأنبياء في تلقيهم الوحي وتبليغهم له وبيانهم لتعاليم الدين ولا يثبت عصمتهم من كل ذنب أو خطأ أو اشتباه (حتى في أمور الحياة الفردية والاجتماعية الخاصة) لأن اتباع الأنبياء معناه اتباع أوامرهم المتعلقة بأمر الدين وتعاليم الوحي، وليس اتباعهم في مسائل الحياة الفردية والاجتماعية التي لا علاقة للدين بها. وإذا وضعنا هذا جانباً، نقول إن أقصى ما تثبته الآية 63 من سورة النساء ونظائرها هو أن الأنبياء لا يدعون الناس أبداً إلى أمر مخالفٍ لما يحبُّه الله ويرضاه. فأوامر النبيّ هي أوامر الله تعالى. ولكننا لا نستطيع أن نستنبط من تلك الآية أن الأنبياء أنفسهم في طاعتهم لِـلَّهِ لا يمكن أن يقعوا في أي خطأ أو زلل أو ذنب (عمداً أو سهواً).

فإن قلتم: إذا ارتكب الأنبياء ذنباً لم يعودوا أسوة للناس، ولم يعد بإمكان الناس الاقتداء بهم، هذا في حين أن القرآن أمرنا أن نقتدي بالأنبياء ونتأسَّى بهم. القرآن يريد منا أن نجعل الأنبياء أسوة لنا وقدوة، فإذا ارتكبوا خطأ أو ذنباً، كان معنى ذلك أن الله يريد منا نحن أيضاً أن نخطئ ونذنب، ومعلوم أن مثل هذا الأمر محال على الله.

قلنا: ليس معنى الاقتداء والتأسي أن نقلد كالببغاء كل عملٍ فردي من أعمال النبيّ بصورة منفصلة عن رسالته ودعوته. الاقتداء معناه أن نجعل أوامر النبيّ وتعاليمه وإرشاداته مشعلاً نهتدي به في حياتنا ونتأسى به في عمله بهذه التعاليم والأوامر. بعبارة أخرى مفاد الآيات المذكورة أعلاه طاعة أوامر الأنبياء والاهتداء بهديهم وتعاليمهم وليس التقليد كالببغاء لجميع تصرفاتهم وحركاتهم. ثم إنه من الواضح أولاً: أن الأنبياء لا يدعوننا أبداً إلى ارتكاب الذنوب (وهذا يختلف بالطبع عن موضوع عصمتهم)، وثانياً: هم أنفسهم يجتهدون دائماً في مراعاة هذه الأوامر والتعاليم فلا يرتكبون ذنباً بقدر طاقتهم البشـرية وإذا ارتكبوا أحياناً وفي حالات معدودة ذنباً سهواً أو نسياناً، فإنهم – طبقاً لتعاليمهم أنفسهم – يسـرعون إلى التوبة والاستغفار (كما ذكرت آيات عديدة توبة الأنبياء واستغفاراتهم)، واقتداؤنا برسل الله هو في هذا الأمر بالذات أي أننا نسعى حتى الإمكان ألا نقع في أي ذنب فإذا زلت أقدامنا وأذنبنا فإننا نسارع فوراً مثلهم (وبناء على تعاليمهم) إلى التوبة وطلب المغفرة ونكفِّر عن ذنوبنا طبقاً لما يأمر به الشرع. ليس معنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أننا إذا رأيناه قد غضب في أحد المواقف ولم يتمكن من كبح غضبه وصاح في وجه زوجته مثلاً أن نقتدي به في ذلك فنغضب على زوجاتنا ونصيح في وجوههنَّ! الاقتداء معناه أولاً أن نتعرّف على تعاليمه (حول حسن عشرة الزوجة ومحبتها ورعاية احترامها وحقوقها ومسامحتها على أخطائها والإغماض عن عيوبها) ثم نقرأ سيرته العطرة بشكلها العام مع زوجاته فنتأسى بها في تعاملنا مع زوجاتنا. من الواضح أن النبيّ قد يرتكب خطأ أو ذنباً سهواً أو نسياناً (وهو أمرٌ طبيعيٌ) ولكن هذا لن يكون أبداً ناقضاً لتعاليمه، لأن النبيّ لم يقل للمؤمنين أبداً: لا يجوز لكم أن ترتكبوا أيَّ ذنبٍ إطلاقاً حتى ولو وقع الذنب منكم سهواً أو نسياناً، لأن في هذا تكليفٌ بما لا يُطاق، ولو قال لهم ذلك لكان ارتكابه هو لذنبٍٍ أو خطأ سهواً أو نسياناً يؤدي إلى التناقض.

إن ما يريده النبيّ منا هو أن نذكر الله واليوم الآخر دائماً ونجتنب الذنوب ونسعى أن لا نرتكب أي خطيئة عمداً، أما إذا زلت أقدامنا مرة وتمكَّن الشيطان من خداعنا فأذنبنا فعلينا أن نسارع إلى التوبة والاستغفار والتكفير عما بَدَرَ منّا. بعبارة أخرى الاقتداء بالرسول اقتداءٌ بسيرته العملية وليس تقليداً كالببغاء لكل عملٍ من أعماله واحداً واحداً دون الأخذ بعين الاعتبار روح تعاليمه وأوامره. إن السيرة العملية معناها النظام العام الذي يسود حياة النبيّ. مثلاً: كانت الصلاة في أول وقتها جزءاً من نظام حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، فكان عليه وآله الصلاة والسلام يسعى دائماً أن يصلي صلواته جماعةً في أول الوقت. لكن ربما حصل منه في بعض الأحيان ـ بسبب مشاكل خاصة أو سهو أو نسيان ـ أن صلَّي بعد وقت الفضيلة، وعندئذٍ فإن الاقتداء به لا يعني أن ننظر في أي ساعةٍ صلّى هذا اليوم فنصلّي في هذا الوقت بالضبط، وكذلك لو اضطر مرة ـ بسبب مشاكل معينة أو بسبب السهو أو النسيان ـ إلى عدم المشاركة في صلاة الجماعة، فلا يجوز أن نقوم نحن أيضاً بترك صلاة الجماعة وأداء الصلاة فرادى! إن الاقتداء بالنبي اقتداءٌ بقواعد حياته وقواعد أقواله وأفعاله وليس تقليداً لمصاديقها أو الاستثناءات منها. من هنا يتبيَّن أنه ليس معنى كون النبيّ «أسوة حسنة» أنه معصوم عصمة مطلقة بل معناه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل قدوة للمسلمين، فقط وليس أكثر. أي أنه صلى الله عليه وآله وسلم يفوق جميع الخلق في عبادته وعبوديته لِـلَّهِ تعالى وفي قيامه بالفرائض والواجبات وابتعاده عن الذنوب وتحلِّيه بالفضائل الأخلاقية وتنزّهه عن الرذائل الأخلاقية، ومسارعته في الخيرات، ومعنى اتّباعنا له صلى الله عليه وآله وسلم أن نجعله قدوتنا وأسوتنا ونسير وراءه كي لا نضل طريق السعادة والفلاح. فطاعة الأنبياء طاعة لأوامرهم وتعاليمهم (وهم لا يأمرون أبداً بارتكاب الذنوب) وليست تقليداً لكل حركاتهم وسكناتهم وما يفعلونه في الحالات العينية والظرفية والاستثنائية.

2- لنفرض جدلاً أن الدليل المذكور صحيح وأن الآيات التي تأمرنا بطاعة رسل الله دليل قاطع على أن رسل الله معصومون. فإذا تذكرنا أن المقصود من «أولي الأمر» في الآية 59 من سورة النساء -طبقاً لرأي الشيعة- هم أئمة الشيعة الاثني عشر، ولاحظنا أن الآية قد أمرت بطاعة أولي الأمر إلى جانب طاعة الله ورسوله، وأضفنا إلى ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا في حديث الثقلين بطاعة عترته الطاهرة، أمكن أن نستنتج أن أئمة الشيعة يجب أن يكونوا معصومين أيضاً. حسناً، سنقبل جدلاً كل هذه الدعاوي دون أدنى مناقشة (وَنؤجل نقدها وتحليلها إلى ما بعد) ونسأل: ألم يأمر الأئمَّة المعصومون – طبقاً لادعاء علماء الشيعة – أتباعهم بأن يرجعوا إلى الفقهاء ورواة الأحاديث في عصر الغيبة ويأخذوا تعاليم الأئمة المعصومين عن لسانهم ويطيعوهم ويتخذوهم قدوة يقلّدونها؟ لا شك أن إجابة علماء الشيعة هي الإيجاب. فإذا كان الأمر كذلك قلنا: طبقاً لدليلكم يجب أن يكون الفقهاء أيضاً معصومين، لأنهم إن لم يكونوا كذلك لما أمر الأئمة المعصومون (الذين يعتقد الشيعة بأن كلامهم ككلام الله ورسوله ويتمتع بالحجية نفسها) شيعتهم بطاعة الفقهاء والاقتداء بهم! فكيف يحلّ علماء الشيعة هذا التناقض؟

فإن قلتم إن الأئمة لم يقصدوا أن نطيع الفقهاء طاعة مطلقة بل قصدوا طاعتهم في إطار القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. قلنا: أولاً لا يوجد مثل هذا التقييد في نصوص الروايات المذكورة. وثانياً إذا أردنا أن نرتكز إلى منهج الشيعة ومرتكزاتهم. قلنا: وهل يفهم العوام شيئاً من الكتاب والسنة حتى يطيعوا الفقهاء في إطارهما؟ (إذا كان الأمر كذلك لما كانت هناك من حاجة لطاعة الفقهاء لأن العوام في هذه الحالة يكونون فقهاء هم أيضاً). إن الذي يفهمه عامة فقهاء الشيعة من تلك الروايات هو أن على الناس أن يأخذوا تعاليم دينهم ومعنى كتاب ربهم وسنة نبيهم من الفقهاء، فكيف يمكنهم أن يحددوا إطاراً لطاعة الفقهاء؟ إن الفقهاء هم الذين يحددون الإطار. بعبارة أخرى إن هذه الإجابة تجعلنا نواجه دوراً منطقياً وبالتالي فهي عاجزة عن حل المشكلة. إذن انطلاقاً من استلزام تلك الاستدلالات للوازم باطلة لا يمكننا أن نعوّل عليها.

الدليل الثالث: «لقد بيَّن الله تعالى في قرآنه الكريم أن المناصب الإلهية مختصة بأشخاص لم يتلوّثوا بالظلم لذلك لما سأله سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته أئمة للناس قال مجيباً: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، ونعلم أن كل ذنب هو على أقل تقدير ظلم للنفس وبالتالي فكل مذنب يسمى في عرف القرآن الكريم «ظالماً». إذن لا بد أن يكون الأنبياء، أي أصحاب منصب النبوة والرسالة، منزَّهين من كل ظلم وذنب»(111).

الإشكالات الأساسية في هذا الاستدلال هي التالية:

1. في البداية، من الأفضل أن نأتي ببداية الآية التي تم الاستناد إليها في الاستدلال المذكور:

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة/124).

طبقاً لما جاء في تفاسير الشيعة المعتمدة (كتفسير الميزان) تتعلق هذه الآية بالفترة الأخيرة من عمر سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقبل تلك الفترة كان سيدنا إبراهيم نبياً ثم بعد أن امتحنه الله امتحانات متعددة (بما في ذلك قصة ذبح إسماعيل وتحطيم الأصنام والتصدي لنمرود) ونجح فيها جميعاً أعظم نجاحٍ، عَهِدَ اللهُ تعالى إليه بمقام الإمامة. أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قبل تلك الامتحانات كان نبياً فقط ولم يكن إماماً. أي طبقاً لهذه الآية الإمامة مقام أعلى وأرفع من النبوة. يعني أنه قد يكون شخص ما نبياً ولكنه لا يكون إماماً.

والآن يكفي أن نلقي من جديد نظرة على الاستدلال المذكور لندرك مدى ضعفه وعجزه عن إثبات تلك العصمة المدَّعاة للأنبياء والأئمة. إن الآية مورد البحث لا تقول أكثر من أن الإمامة لا تصل إلى الإنسان الظالم، أي أن الظالم لا يمكنه (ولا يحق) له أن يكون إمام الناس وقائدهم. ولكن ما العلاقة بين هذا الأمر وبين ما تدعيه الشيعة من أن جميع الأنبياء معصومون طيلة عمرهم من الولادة إلى الوفاة من كل خطأ أو زلل أو قبح حتى ولو كان سهواً أو نسياناً من غير عمد؟! وأولاً: إذا أثبتت هذه الآية عصمة لأحد، فإنها ستثبت العصمة للأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة فقط وليس لجميع الأنبياء. وثانياً: حتى لو اعتبرنا أن الظلم والذنب مفهومان متساويان، فإن الآية ستثبت العصمة من الذنب فقط (للأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة) لا العصمة من الخطأ والزلل في أمور الحياة الفردية والاجتماعية، لأن الخطأ والاشتباه لا يُسَاويان الظلم.

2- يجب أن نضع نصب أعيننا دائماً أن القرآن نزل باللسان واللغة التي يتخاطب بها الناس عرفاً، وقد أوقعت الغفلة عن هذه الحقيقة كثيراً من الناس في الانحراف والضلال.

و «الظالم» في عرف الناس هو الذي يعتدي على حق الآخرين ويظلم الناس. حتى الشرك الذي أطلقَ عليه القرآنُ وصفَ «الظلم الكبير» إنما كان كذلك لأنه تعدٍّ على حق الله (في عبوديّة عباده له وحده). والناس لا تُسمِّي أبداً الشخص الذي لم يرتكب ظلماً بحق أحد «ظالماً»، حتى ولو ظلم ذلك الشخص نفسه بارتكاب بعض الذنوب الشخصية. بعبارة أخرى «الظالم» نقيض «العادل» وليس نقيض «المعصوم». فيجب أن يكون الإمام عادلاً والعدالة تعني الالتزام بالحق ورعاية حقوق الناس وإذا أردنا أن نرفع سقف معنى العدالة إلى مستوى أعلى يمكننا أن نضيف إليه عدم ارتكاب الذنوب عن عمدٍ وإصرار، وعندئذٍ فإن أقصى ما تثبته الآية المذكورة هو عصمة الأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة من ارتكاب الذنوب عن علمٍ وعمدٍ، فقط لا غير. لكننا إذا أخذنا كلمة «الظالمين» في الآية على المعنى العام والواسع المطلق للظلم فأدخلنا فيه من ارتكب ظلماً بحق نفسه أيضاً، فإننا سنقع في تناقض وإشكال، إذْ كيف نال سيدنا موسى (ع) مثلاً مقام النبوة والإمامة ورئاسة بني إسرائيل رغم أنه ارتكب ظلماً بحق نفسه كما نصّت عليه الآية 16 من سورة القصص؟(112)

3- لنتأمَّل مجدداً في المعنى العرفي لكلمة «الظالم». السؤال هو: في أي معنى يستخدم الناس كلمات مثل: الظالم، الكافر، المشرك، السارق، الزاني... الخ؟ مثلاً على من يطلقون اسم السارق؟ هل يطلقونه الشخص الذي سرق في الماضي مرةً أو عدّة مرات لكنه ندم في ذلك الحين ذاته وتاب توبةً نصوحاً وكفَّر عن ذنبه وأعاد المال المسروق إلى أصحابه، واليوم قد مضت عليه سنوات عديدة لم يرتكب فيها مثل ذلك العمل أبداً، هل مثل هذا الشخص يسمى «سارقاً»؟ من المُسَلّم به أن الإجابة هي النفي. الناس تطلق وصف «السارق» على الشخص الذي كان ولا يزال يمارس هذا العمل كلّما سنحت له الفرصة ولم يتب بعد منه، ولم يُعِد المال المسـروق إلى أصحابه. وبعبارة أخرى لا يزال مستمراً في عمله القبيح هذا ومصراً عليه. نحن لا نطلق أبداً كلمة «كافر» مثلاً على الشخص الذي كان كافراً فيما مضى لكنه مؤمنٌ اليوم. كلمة الكافر تطلق على الشخص الذي هو كافرٌ الآن، لا على الذي كان كافراً في الماضي. فإذا عرفنا ذلك نسأل: هل يجوز أن نطلق كلمة «ظالم» على شخص ارتكب ظلماً في الماضي لكنه ندم على ذلك في حينها وتاب من فعله وجَبَر ظلمه وأعاد الحق إلى أصحابه؟ أبداً على الإطلاق. إن وصف «الظالم» يطلق على من يمارس الظلم الآن ولا يتورع عنه ولا يتوب منه ولا يعيد الحق إلى أصحابه. بل حتى لو ارتكب شخصٌ ما في الزمن الحاضر ظلماً بحق شخص نتيجة اشتباهٍ أو سهوٍ (مثلاً أصاب سوطه شخصاً دون قصد) لكنه تاب من فعلته واستسمح من المظلوم بل أقاده من نفسه وأعطاه حقه، لما اعتبر في لغة الناس «ظالماً» أبداً. إذن لا يمكن إثبات العصمة - في الماضي والحاضر - استناداً إلى الآية المذكورة، بل كل ما تثبته هذه الآية ضرورة توفر صفة العدل في الإمام. أي أن الإمام يجب أن يكون عادلاً، هذا وحَسْب.

إلى هنا استعرضنا الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء وحللناها ونقدناها وحان الوقت الآن لبيان عدم معقولية «نظريّة العصمة» من خلال طرح عدد من التساؤلات نثبت من خلالها أن هذه الفكرة «العصمة المطلقة» لا يمكن الدفاع عنها عقلاً أبداً:

1- هل يقوم الأنبياء (و الأئمّة) ـ الذين يَّدعي الشيعة عصمتهم المطلقة من كل ذنب ـ بمفخرةٍ وعملٍ عظيم في عدم ارتكابهم لأي ذنب؟ بعبارة أخرى هل العصمة فضيلة؟ يقول علماء الشيعة في الإجابة عن هذا السؤال إن عصمة الأنبياء والأئمة ليست أمراً غير إراديٍّ بل تستمد منشأها من العلم والوعي والرؤية النافذة العميقة التي يمتلكونها لقبح الذنب وعواقبه المدمّرة. بعبارة أخرى ليس المعصوم عاجزاً عن ارتكاب الذنب، بل يملك القدرة على ارتكابه إن أراد ذلك، لكنه بدليل رؤيته بعين بصيرته النافذة لحقيقة بواطن الأمور بما في ذلك حقيقة قبح الذنب وتلويثه للإنسان وعواقبه الخطيرة على نحو يجعله يلمس بكل وجوده هذه الحقيقة فإنه لا يتحرك نحو الذنب أبداً.

أقول: لكن هذه الإجابة ليست سوى تكرار للسؤال ذاته ولكن بألفاظ وعبارات أخرى! فهل قال أحدٌ إن العصمة معلولٌ بلا علَّة أي ليست معلولة لشـيء؟ من الواضح أنه لو كانت هناك عصمةٌ فإنها ستكون نتيجةً لأمور وعوامل من قبيل ما ذكروه. لكن السؤال هو: هل أعطى الله تعالى تلك العوامل (أي العلم والوعي والرؤية النافذة العميقة ورؤية حقيقة العالم وبواطن عالم الوجود بعين البصيرة ورؤية الملكوت ورؤية حقيقة قبح الذنب وقذارته بعين القلب) للأنبياء والأئمة عنايةً خاصَّةً منه بحقهم أم نالوها بفضل صرفهم سنوات عمرهم في كسب العلم والمعرفة وفي جهاد النفس وبناء الذات وتزكية النفس؟ إذا كان الجواب هو الشق الأول فإن الإشكال يبقى قائماً: ما هو العمل العظيم الذي يفعلونه بعدم اتجاههم نحو الذنب؟ أما إذا كانت الإجابة هي الشق الثاني فمعنى ذلك أنهم لم يكونوا معصومين طيلة حياتهم (أي منذ بدايتها وقبل أن يجاهدوا أنفسهم ويصلوا لذلك المقام). هذا أولاً. وثانياً: طالما لا توجد عناية خاصة من الله فإن الوقوع في الذنب والخطأ يبقى محتملاً. وثالثاً: في هذه الصورة يمكن للآخرين أيضاً أن يصلوا إلى مقام العصمة المطلقة كذلك. وهذه اللوازم الثلاث مرفوضة من قبل الشيعة. واسمحوا لي هنا أن أُذَكِّر من جديد بتعريف علماء الشيعة للعصمة:

«العصمة عبارة عن قوة باطنية غير عادية (خارقة) وملكة نفسية قوية تحصل نتيجة مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود. وهي قوة استثنائية غيبية كل من وجدت فيه عُصم من كل خطأ وذنب بشكل مطلق وأصبح مصاناً ومحفوظاً من جهات مختلفة: 1-...2-...3-...و مصانٌ في مقام العمل من العثرات والأخطاء سواء المتعمَّدة أم التي تقع سهواً فهو لا يذنب أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّه صفرٌ.»(113).

«المقصود [من العصمة] هو امتلاك الشخص لملكة نفسية قوية تمنعه من ارتكاب الذنب مهما كانت الظروف. وهي ملكة ناتجة عن وعي كامل ودائم بقبح المعصية وعن إرادة قوية لكبح ميول النفس. ولما كان تحقُّق مثل هذه الملكة لا يتم إلا بعناية خاصة من الله، نُسبت فاعليَّتها إلى الله تعالى»(114).

طبقاً للتعريفات المذكورة أعلاه، منشأ صون المعصوم من الذنب هو: «قوة باطنية غير عادية (خارقة)» و«مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود» و«وعي كامل ودائم بقبح المعصية وإرادة قوية لكبح ميول النفس». ومثل هذه الملكة تتحقق بفضل «عناية خاصة من الله». والآن إذا أضفنا إلى ذلك ادعاء الشيعة بأن: «الأنبياء والأئمة معصومين في كل مراحل عمرهم من الولادة إلى الوفاة»، خرجنا بنتيجة تلقائية تقول:

طبقاً لادعاء الشيعة فإن الأنبياء والأئمة كانوا منذ ولادتهم وطفولتهم «بفضل العناية الإلهية الخاصّة» وعلى إثْرِ«مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود» و«الوعي الكامل والدائم بقبح المعصية» و«الإرادة القوية لكبح ميول النفس» «معصومين من كل ذنب وخطأ مطلقاً» فهم «لا يذنبون أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّهم صفرٌ».

أقول: فهل هذا يُعَدُّ فضيلةً لهم؟ هل كانوا بهذه الصورة يقومون بجهد جبار ومفخرة عظيمة في تجنبهم للذنوب؟ هل مثل هذه العصمة تستحق الثواب الأخروي؟ ألا تجعل تلك الادعاءات العريضة الأنبياءَ والأئمة موجودات استثنائية خاصة تختلف في طبيعتها وخلقتها الخاصة عن سائر البشـر؟ إذا كنا نحن البشـر العاديُّون منذ بداية ولادتنا وطفولتنا نمتلك بفضل «العناية الإلهية الخاصة» «قوَّةً باطنيةً غير عادية (خارقة) وملكةً نفسيةً قويةً» وكنا نستطيع أن نرى «حقيقة الكون وعالم الملكوت وباطن عالم الوجود» وكنا نمتلك «إرادة قوية لكبح ميول النفس» فهل كان يصدر عنا أي خطأ أو ذنب؟ وهل كان الشيطان عندئذٍ يكلف نفسه عناء محاولة إغرائنا وإضلالنا؟؟

2- انطلاقاً مما ذكر أعلاه ثمَّةَ سؤالٌ يطرح نفسه: كيف يستطيع المعصوم أن يكون أسوةً وقدوةً لغير المعصوم في تركه للذنوب؟ وهل ينسجم مع حكمة الله وعدله أن يطلب منا أن لا نذنب ولا نخطئ ونضبط أنفسنا أمام وساوس الشيطان وأهواء النفس ثم يعرَّفنا بأشخاصٍ بوصفهم أسوة وقدوة لنا في هذا الأمر كانوا موضع عنايته الخاصة منذ ولادتهم وضَمِنَ لهم أن لا يقعوا في أي ذنب أو خطيئة بما أراهم من حقيقة عالم الوجود وملكوت السموات والأرض وباطن عالم الوجود، وبما أعطاهم من علم ووعي كامل ورؤية نافذة عميقة لقبح الذنب وحقيقة عواقبه الخطيرة (ليس علماً عادياً وظاهرياً بل نوع من الشهود القلبي والباطني ومن نوع العلم الحضوري لا الحصولي والاكتسابي بدليل حضوره الدائم)؟؟ كيف يمكن لهكذا أشخاص أن يكونوا قدوة ومثال يحتذى بالنسبة للبشـر العاديين غير المعصومين؟ ألا يمكن للإنسان العادي أن يقول في نفسه إن عدم الوقوع إطلاقاً في أي ذنب أو خطأ أَمرٌ مُحَالٌ وتكليفٌ بما يفوق طاقة الإنسان، فإذا أردنا أن نُرِيَهُ الأنبياء والأئمة كمثال وقدوة لنقول له إن عدم ارتكاب أي خطأ أو ذنب ليس محالاً وهؤلاء هم الدليل، أفلا يمكن لذلك الإنسان أن يعترض محقاً ويقول: نعم عدم ارتكاب هؤلاء الأنبياء والأئمة ـ الذين يتمتعون بتلك العناية والإمكانيات الخاصة الممنوحة لهم منذ ولادتهم ـ أي ذنب ليس أمراً محالاً بالطبع (بل في هذه الحالة سيكون ارتكابهم الذنب هو المحال وليس تركه!) ولكنه محال أو شبه محال لأمثالنا ممن لا يمتلك تلك الإمكانيات الخاصة، فإذا كان الله يريدني أن لا أذنب أبداً فليمنحني مثل تلك العناية الخاصة وليرزقني تلك «القوة الباطنية غير العادية (الخارقة)» و«الملكة النفسية القوية» و«الإرادة القوية» و«البصيرة الباطنية» لأريه أيضاً بطولتي وكيف سأطرح الشيطان أرضاً وأمرّغ أنفه بالتراب!!!

بالتعريف الذي يعطيه الشيعة لعصمة الأنبياء والأئمة ألا يصبح قياس البشـر العاديين على الأنبياء والأئمة قياساً مع الفارق؟

إلى هنا قمنا بطرح سؤالين إشكاليين حول «العصمة»:

الأول: إذا قبلنا ادعاءات الشيعة حول عصمة الأنبياء والأئمة ومصدر تلك العصمة ومنشأها، فهل يمكننا بعدئذ أن نعتبر عدم ارتكابهم للذنوب عملاً جباراً ومفخرة أخلاقية عظيمة؟ والسؤال الثاني: هل يمكن، في مثل هذا الوصف للعصمة، أن يكون الأنبياء والأئمة قدوة لسائر البشر غير المعصومين؟ ورأينا أن الإجابة عن كلا السؤالين هي النفي.

هنا يشير علماء الشيعة إلى أمرين لحل هذه المعضلة ينبغي التدقيق بهما كثيراً لأن من شأن ذلك أن يكشف أن الذين طرحوهما قد جانبوا الصواب ولم يدقِّقوا كما ينبغي في حلّهم للمعضلة المذكورة أعلاه، بل بدلاً من حل الإشكال زادوه تعقيداً وزادوا عقدة العصمة إغلاقاً!.

يقولون: نحن البشر العاديون أيضاً معصومون ومصانون عن الذنب في بعض الحالات. مثلاً إذا وُضع أمامنا إناءٌ مليءٌ بسم زعاف مميت فلن نشـرب منه أبداً. أو يقولون في مثال آخر: إذا رأى أحدنا بأم عينه أن وضع القدم في المكان الفلاني يعني الوقوع في هاويةٍ سحيقةٍٍ فلن يضع قدمه في تلك البقعة أبداً ومطلقاً. ويقولون: نحن لا نرغب أبداً أن ننظر، مجرد نظر، إلى جثة ميت فما بالك أن نأكل من لحمه؟ ويذكرون أمثلة من هذا القبيل. إذن نحن مصانون ومعصومون من الوقوع في جميع أمثال تلك الأمور. ثم يقولون لما كان الأنبياء يرون باطن جميع الأعمال بعين البصيرة وبكل وجودهم فإنهم يحصلون على مثل ذلك الصون والعصمة تجاه الذنوب. فمثلاً «الغِيبَة»- التي تعد من كبائر الذنوب- لها ظاهر وباطن. ظاهرها معلوم أما باطنها فهو طبقاً للآية القرآنية أكل لحم جثة الأخ الميت. يعني عندما تغتاب شخصاً فإن باطن هذا العمل مماثل لأكلك لحم أخيك ميتاً. إذا عرفنا ذلك فإن النبيّ لكونه يرى باطن «الغِيبَة» بعين بصيرته بكل وضوح، فإنه كلما أراد أن يغتاب رأى بعين قلبه وبكل وجوده أنه بصدد الأكل من لحم جثة أخيه الميت، فلا يقدم على «الغِيبَة» أبداً وليس هذا فحسب بل لا يرغب بفعلها إطلاقاًً. وكذلك أكل مال اليتيم هو في الباطن أكل النار، وأكل مال الحرام هو في الباطن تناول لسم أو للحمأة أي الطين المتعفن الآسن أو للقيح والصديد. فالمعصوم يرى باطن هذه الأعمال بعين القلب لذا يستحيل أن يرغب بها إذ لا يوجد عاقلٌ يضع في فمه جمرة نار أو يتناول حمأة آسنة متعفنة أو قيحاً قذراً. وكمثال أخير إذا دعت امرأة شابة حسناء نبياً في خلوة إلى الخطيئة فلن يتحرك نحو الذنب إطلاقاً لأنه يرى بعين قلبه أن باطن هذا العمل هو السقوط في النار. إنه يرى تلك الأمور بأم عين بصيرته فيُصان ويُحفظ من الوقوع في أي ذنب. ولا ننسَ أيضاً أن هذه الخاصية منحها اللهُ الأنبياءَ – بناءً على ادعاء الشيعة- منذ ولادتهم بعناية إلهية خاصة.

حسناً، لكن النقطة المهمة التي غفل عنها علماء الشيعة هنا هي أن الحالات التي أشير إليها في الأمثلة المذكورة لا تعتبر فضيلة بالنسبة للأشخاص غير المعصومين كما لا توجب استحقاقهم للثواب الأخروي. فهل يصنع الإنسان مفخرةً وعملاً عظيماً إذا امتنع عن احتساء سم زعاف أو عن إلقاء نفسه في حفرة من النار؟ الإجابة بلا شك كلا، لأنه يرى عاقبة تلك الأعمال بكل وجوده لذا لا يشعر برغبة بها. كما أنه لا يثاب الإنسان يوم القيامة عن امتناعه من تناول السم الزعاف أو ابتعاده عن هاوية من نار. أما إذا وُضِعَ كأسٌ من الخمر الزلال أمام عيني شخصٍ لا يشعر بأي خوف من تناول ذلك المشروب وما يستتبعه من عواقب دنيوية (أقصاها أن يبتلى ببعض الأمراض) وليس هذا فحسب بل يشعر برغبة شديدة بتناوله والوصول إلى نشوة السُّكْر، لكنه رغم ذلك يمتنع عن تناوله إتباعاً لأمر الله ورجاءً لثوابه وخوفاً من عقابه وإنقاذاً لنفسه من نار جهنم، فإن مثل هذا الشخص يكون قد صنع أمراً كبيراً يستحق عليه الثناء والثواب الأخروي، لأنه لم يكن يخاف من أثر سيء مباشر لشـربه ذلك المشروب (كأن يدرك أنه يستتبع أضراراً مباشرةً شديدةً ومهلكةً في هذه الدنيا) كما أن علمه بالعاقبة الأخروية لشرب الخمر علم عادي ظاهري يستند إلى ثقته بصدق كلام الأنبياء والأولياء وليس علماً لدنيا وحضورياً شهودياً يبرز حقيقة نار جهنم وأنواع العذاب الأخروي أمام ناظريه بوضوح مماثل لوضوح الشمس في رابعة النهار. إن جميع الأمور التي نحن -البشر العاديون- مصانون من الوقوع فيها ولدينا نوع من العصمة عن ارتكابها أمورٌ لا نشعر بأي رغبة بالقيام بها بسبب علمنا القاطع بأضرارها وتأكدنا من عواقبها المخيفة والمميتة في هذه الدنيا، فنمتنع عن ارتكابها في الواقع انطلاقاً من غريزة حب النفس وحرصاً على سلامتنا وكرهاً للألم أو الموت وحباً للحياة. واجتنابنا لمثل تلك الأمور لا يُعدُّ فضيلةً ولا يوجب ثواباً أخروياً، فلا يقال يوم القيامة أعطوا فلاناً قصراً كبيراً في الجنة لأنه رغم تناوله مئات المرات سكيناً بيده لم يقدم مرة واحدة على طعن بطنه بالسكين؟! وهنا تأتي النقطة المهمة، فالتعريف الذي يعطيه الشيعة لعصمة الأنبياء والأئمة ومصدر هذه العصمة يجعل عدم ارتكاب المعصومين للذنب مماثلاً تماماً لعدم قيام الناس العاديين بالانتحار بل أيسر من ذلك. هنا تبرز تلك التساؤلات المهمة والمفحمة التي تتطلب جواباً فلا تجده: إذا كان الأنبياء والأئمة معصومين حقيقةً طيلة عمرهم من الولادة حتى الوفاة من كل خطأ وزلل وذنب وكان مصدر عصمتهم تلك ما يذكره الشيعة فهل يستحقون حقيقةً الثواب الأخروي؟ هل من الصحيح أن يثابوا أي ثواب من الأساس فضلاً على أن يكون ثوابهم أكثر من ثواب بقية البشـر (الذين لم يمنحوا أيَّ عناية إلهية خاصة في هذا المجال)؟ هل يصح أن يكون مثل هؤلاء أسوة ومثال للناس؟

هل يؤيد القرآن الكريم تلك العـصـمة المدّعاة للأنبياء؟

إجابتنا عن هذا السؤال هي النفي. لقد نسب القرآن الكريم في آيات عديدة خطايا وذنوب لبعض الأنبياء نذكر فيما يلي نماذجَ عنها(115).رغم أن علماء الشيعة ذكروا توجيهات وتأويلات مختلفة لهذه الآيات إلا أن توجيهاتهم أضعف من أن تؤثر في إيماننا في بالحقيقة الواضحة الصارخة التي تفيدها هذه الآيات. وإليكم هذه النماذج:

سيدنا آدم (ع):

 1. ينسى عهده مع الله:

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (طه/115).

2. يوسوس له الشيطان فيغتر بوسوسته ويزلّ ويعصي أمر الله:

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَـهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصـَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه/120- 121).

3. ورغم أن الله تعالى قال لآدم وحواء:

﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (الأعراف/19).

إلا أن الشيطان وسوس لهما وطمّعهما وتمكّن من خداعهما:

﴿فَوَسْوَسَ لَـهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَـهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف/20-21).

وبعد أن طمعا بما وعدهما الشيطان وأكلا من الشجرة الممنوعة عاتبهما الله تعالى وقال لهما:

﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَـهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ؟﴾ (الأعراف/22).

وبعد أن أدركا خطأهما والإثم الذي وقعا فيه طلبا من الله المغفرة:

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (الأعراف/23).

فدلّهما الله على طريقة التوبة وعفا عنهما وغفر لهما:

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة/37).

سيدنا نوح (ع):

أراد استناداً إلى عاطفته الأبوية أن يدافع عن ابنه وتوقّع من الله أن يراعي عواطفه الأبوية فجاءه الوحي ينبّهه ويحذّره أن يكون من الجاهلين:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ (هود/45-46).

لاحظوا الآية 45 حيث يعتبر سيدنا نوح عليه السلام أن ابنه من أهله فيردّ الله كلامه هذا ويقول لا بل «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» ثم يحذّره قائلاً «فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ».

سيدنا موسى (ع):

مندفعاً بعاطفة قوية وانفعال إنساني، يرتكب قتلاً غير مُتَعَمَّد فيعترف بخطئه وأن عمله هذا من عمل الشيطان وأنه ظلم نفسه ويستغفر ربه ويتوب:

﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص/15-16).

ويبدو أن سيدنا موسى (ع) كان يدرك ماهيّة خطئه (أي الدفاع عن مجرم) لذا اعترف بذنبه ووعد ألا يعود إلى مثلها فقال:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (القصص/17).

و قد وفَى بوعده مع الله فعلاً كما قال تعالى:

﴿فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْـرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (القصص/18).

لا شك أن موسى (ع) لو لم يندم على فعلته السابقة لما قال هذا الكلام، في هذه المرة الثانية، للذي هو من شيعته.

 

سيدنا يونس (ع):

غضب وظن ظناً باطلاً وغفل عن قدرة الله عليه ثم أدرك خطأه فاستغفر وأناب فغفر الله له واجتباه:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ (الأنبياء/87-88).

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:

1. يذنب ويحتاج إلى طلب المغفرة من الله تعالى:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ... (غافر/55)

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ... (محمد/19)

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (النصر/3)

2. ضل الطريق في صغره فهداه الله إليه:

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (الضحى/7)

3. يُخفِي في نفسه أمراً خوفاً من الناس (مع أن هذا الأمر كان حكم الله) فيعاتبه ربه لأنه خشي الناس في حين أنه كان ينبغي عليه أن يخشى الله أكثر:

﴿... وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ... (الأحزاب/37)

4. يحرّم إحدى زوجاته على نفسه إرضاء لزوجة أخرى فيعاتبه ربه على تحريمه على نفسه ما أحله الله له:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التحريم/1).

5. يسمح لبعض الناس بالتخلف عن الجهاد قبل أن يحقق في أعذارهم ويتبيّن له الصادق من الكاذب فيعاتبه ربه قائلاً:

﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَـهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (التوبة/43).

6. يقطّب وجهه الكريم بأعمى جاء يسأله عن أمور الدين عندما كان مجتمعاً بعدد من كبار قومه يبيّن لهم رسالة ربِّه طامعاً في جذب قلوبهم نحو الإسلام، فيعاتبه ربه قائلاً له: ما أدراك لعل ذلك الأعمى أفضل بكثير من أولئك الكبار ولعل موعظتك له كانت ستنفعه أكثر بكثير، فلماذا أعرضت عنه رغم أنه جاءك يسعى مسرعاً بقلب تملؤه خشية الله طالباً الهداية، وأقبلتَ على أناس مغرورين ومستغنين عن الحق؟:

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا.. (عبس/1-10).

7. في مجادلته لامرأة جاءت تشكو إليه زوجَها لأنه ظاهرها (طبقاً لعادات الجاهلية الخاطئة) فأيد موقف زوجها ومال إلى طرفه، فنزلت الآيات تبيّن له أن الحقيقة غير ذلك:

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (المجادلة/2- 3).

عصمة الأئمة الاثني عشر:

بعد أن تبيّن أن جميع الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء أدلة مخدوشة وفاسدة وأن القرآن الكريم ينفي أيضاً بكل صراحة وبشفافية تامة فكرة العصمة – بمعناها عند الشيعة- لم تبقَ هناك حاجة للانشغال بنقد أدلة عصمة الأئمة الاثني عشر (أو أي عصمة أي أحد آخر). ولكن لكي لا نترك ادعاء الشيعة في هذا المجال بلا جواب، من المفيد أن نأتي بأهم دليل عقلي «يتمسك به كافة متكلمي الشيعة تقريباً» على عصمة الأئمة ثم نقوم بدراسته ونقده:

«معنى الإمامة استمرار وظائف النبوة، فالإمام خليفة النبيّ في جميع شؤون النبوّة، إلا في مسألة تلقّيه الوحي بمعناه الاصطلاحي. وبالتالي لا بد أن يكون مثل هذا الإنسان معصوماً من أي انحراف متعمّد أو غير متعمّد في مقام تبيينه لأحكام الله أو توضيحه لسنن النبيّ وإلا لحدث نقضٌ للغرض، أي لما تحقّق الهدف من بيان الأحكام وبعث الأنبياء. وبناءً عليه فإن الأدلّة التي تثبت ضرورة عصمة الأنبياء تنطبق بذاتها تماماً على ضرورة عصمة الإمام»(116).

أما كيفية دلالة هذا الدليل على ضرورة عصمة الأئمّة فبيانه كما يلي:

«لا شك أن للنبيِّ الأكرم واجبات وشؤون مختلفة تجاه المجتمع الإسلامي يمكن تلخيصها في الأصول العامة التالية:

ألف- تلقّي الوحي وإبلاغ الناس رسالات الله.

ب - تفسير الوحي الإلهي وبيان مقاصده.

ج - بيان أحكام الموضوعات المستجدّة.

د- رد الشبهات والتشكيكات الاعتقادية.

هـ- المحافظة على الدين ومنع وقوع التحريف فيه.

و- القضاء بين الناس وتطبيق ما أنزل الله من أحكام وقوانين.

ز- الحكم والرئاسة العامة وقيادة أمور الناس السياسية والاجتماعية والأمنية...

وقد انقطع الوحي السماوي بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم... ولكن ماذا حل ببقية شؤونه وواجباته صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل وضع الشارع المقدس تدبيراً لجبر فقدان من يقوم بتلك المهام؟ لدينا ثلاثة احتمالات:

ا. أن يكون الشارع قد ترك بيان أي شيء يتعلق بهذا الأمر ولم يشـرع أي حل لجبران ذلك النقص وملء ذلك الفراغ.

ب. أن تكون الأمة الإسلامية قد وصلت، بفضل ما نالته من تعليم وتربية على يدي النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى مرتبة جعلها قادرة على جبران تلك النواقص بنفسها وجعلها في غنى عن مرشد ينصبه الله تعالى لها خليفةً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ج. أن يكون نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بنقل جميع الحقائق والعلوم التي تلقّاها من الله عزّ وجلّ وجميع الأحكام التي ستواجهها أمّته الإسلامية في المستقبل إلى شخص معيّن نصبه الله تعالى كي يواصل وظائف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله.

بطلان الوجه الأول معلوم، لأنه يتنافى مع الهدف من بعث الأنبياء ويعتبر نقضاً للغرض. فالأمر دائر بين الوجهين الأخيرين فقط (أي الوجهين ب وج) وهذا هو أهم اختلاف بين الشيعة والسنة. لقد اعتبر أهل السنة أن الأمة الإسلامية لم تعد بحاجة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مرشد وقائد منصوب مِنْ قِبَلِ الله... وأن الأمة أصبحت قادرة بنفسها على بيان الأحكام وتفسير الوحي وتطبيق الشـرع الذي أنزله الله كما يريده الله ويرضاه-. ولكن إذا ألقينا نظرة سريعة على تاريخ الفترة التي أعقبت رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأدركنا أن الأمة الإسلامية لم تكن تمتلك القدرة على القيام بتلك الوظائف والواجبات. فمثلاً نجد أن اختلافات كثيرة وقعت بين المفسرين المسلمين في موضوع تفسير آيات القرآن وتوضيح وشرح مقاصد الآيات الإلهية، وهذا شاهد على عدم قدرة الأمة وعدم أهليتها في هذا المجال.... إن الاختلافات الواضحة في تفسير آيات القرآن تبين وجود حاجة ماسة إلى مفسر إلهي معصوم من الخطأ والاشتباه في تفسير وبيان الوحي.

... بناء على ذلك من الضروريّ أن ينصب الشارع المقدّس شخصاً بعد النبيّ ليواصل مهامه وأن يعرِّفه للناس بوصفه خليفته الذي سيواصل رسالته ومهامه من بعده... [بعبارة أخرى] يجب أن يكون بين أصحاب النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم شخص أو أشخاص أخذوا الإسلام بشكله الكامل والتام عن النبيّ ليقوموا بعده بمهام توضيح وبيان أحكام الدين. ومن دون وجود مثل هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون ببيان تعاليم الدين بنحو معصوم عن أي خطأ، لا يمكن الحديث عن تمكن الناس من الوصول إلى دين إلهي خالص كامل وبالتالي لن يتحقق الغرض من البعثة من أساسه» (117).

نقض الدليل:

يرتكز هذا الدليل على افتراض مسبق لا يمكن إثباته (بل هو واضح البطلان)، وهو أن تحقق غرض الله من بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والشرائع الإلهية لن يتم إلا في ظل البيان والتفسير المعصوم عن الخطأ لحقائق الدين وتعاليم الله تعالى فقط ولا غير. بمعنى أنه إذا لم يوجد مفسـرون معصومون ليبينوا أحكام الله وتعاليم الوحي على نحو صحيح ومعصوم من أي خطأ فإن بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية (وهي القرآن هنا) سيتبيَّن أنها كانت عبثاً وبلا فائدة ولا جدوى. وبعبارة أخرى وكما جاء في توضيح ذلك الدليل:

«من دون وجود مثل هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون ببيان تعاليم الدين بنحو معصوم عن أي خطأ، لا يمكن الحديث عن تمكن الناس من الوصول إلى دين إلهي خالص كامل وبالتالي لن يتحقق الغرض من البعثة من أساسه».

أو ببيان أوضح:

«إن تبليغ الأحكام والتشـريعات الإلهية وبيانها للناس بواسطة أئمة غير معصومين لن يوصل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم»(118).

ولكن هل هذا الإدعاء صحيح فعلاً؟ هل سعادة الإنسان وكماله منحصران فقط وفقط في فهم الدين فهماً معصوماً من أي اشتباه أو خطأ، وفي العمل بجميع جزئيات أحكام الشريعة صغيرها وكبيرها دون نقص أو خطأ؟ هل هناك بين الاثنين علاقة ضرورية وحتمية كما بين العلة والمعلول يستحيل خلافها؟ ما هو الدليل على هذا الإدعاء؟ وبمعزلٍ عن ذلك إذا كان الأمر هكذا فعلاً فما هو مصير الناس في عصـر الغَيْبة حيث لا يوجد مرشدون معصومون؟ لماذا لم يضع الله تعالى تدبيراً لفترة غيبة الإمام المعصوم (التي بدأت قبل ألف ومئة سنة، ومن الممكن أن تستمر آلاف السنين الأخرى) بل أوكل الناس في كل تلك الفترة إلى أنفسهم وتركهم وشأنهم؟ ألا نقع هنا في نقض الغرض ذاته الذي كنا نخشاه؟ وللمزيد من إيضاح هذه النقطة نعيد من جديد بناء الاستدلال المذكور وننقله إلى الفترة التي أعقبت الإمام الحادي عشـر لكي يتبين ضعف ذلك الدليل بوضوح. فالسؤال هو: هل أوجد الشارع المقدس حلاً وتدبيراً لفترة الغَيْبة يُعَوِّضُ به عدم وجود المرشد المعصوم ويملأ الفراغ الذي أحدثه فقدانه (بشأن بيان أحكام الدين بياناً معصوماً من أي خطأ) أم لا؟ إذا كان قد وضع حلاً وتدبيراً بهذا الصدد فما هو؟

إن الإجابة عن هذا السؤال التي يقدمها عامة علماء الشيعة ومتكلميهم عادةً هي: نعم الحل الذي وضعه الشارع في هذا الصدد هو أنه أرجع الناس في عصر الغَيْبة إلى الفقهاء الجامعين لشروط المرجعية، وأن على الفقهاء، منذ عهد الغَيْبة فصاعداً، أن يأخذوا على عاتقهم واجب إرشاد الناس وتعليمهم أحكام الله وشرائع الدين بالاستفادة من القرآن الكريم وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والتعاليم الباقية عن الأئمة المعصومين.

هنا يقع أحدنا في شكٍّ وحيرةٍ ويتساءل في نفسه هل نسي علماء الشيعة فعلاً ما كانوا يقولونه عند إثباتهم لضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة عصمة المعلمين المرشدين للأمة ومفسري الوحي، حين قالوا:

«من دون وجود مثل هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون ببيان تعاليم الدين بنحو معصوم عن أي خطأ، لا يمكن الحديث عن تمكن الناس من الوصول إلى دين إلهي خالص كامل وبالتالي لن يتحقق الغرض من البعثة من أساسه»

هل ما يقدِّمه الفقهاء للناس دينٌ إلهيٌّ خالصٌ وكاملٌ؟ بعبارة أخرى، هل يصل الناس من خلال الفقهاء – الذين هم جميعاً غير معصومين كما نعلم – إلى الدين الإلهي الخالص والكامل؟

من المسلَّم به أن الإجابة هي النفي، لأنه رغم أن مصادر الدين (أي القرآن الكريم والأحاديث والروايات) خالية من أي نقص أو خطأ (بالطبع لا يمكننا الحديث عن كمال وصحة تامة بشأن الأحاديث والروايات لما شابها من وضع وتدليس وتحريفات معظمها يصعب كشفه وتشخيصه، إلا أننا الآن سنغض النظر هنا عن هذه الحقيقة من باب المسامحة الكبيرة) إلا أن الفقهاء الذين يرجعون إلى تلك المصادر ليسوا بـ «العقل الكلي» ولا هم معصومون عن الخطأ؛ وبالتالي من الممكن أن يقعوا في كثير من أنواع النقص والخطأ والشوائب في فهمهم للقرآن والسنة، وحتى الفقهاء أنفسهم يعترفون بهذه الحقيقة. فكيف لم يرضَ الشارع المقدَّس بمرجعية الفقهاء في العصر التالي لرحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً، واعتبر ذلك مناقضاً للغرض من بعث النبيّ، ولكنه رضي بهذا الأمر بالنسبة إلى عصر الغيبة؟

حقاً إن الإنسان ليتحيّر من كل هذا التناقض والنسيان الذي يقع فيه متكلِّمونا في هذا المجال! فمن جهة نقول في إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«إن تبليغ الأحكام والتشـريعات الإلهية وبيانها للناس بواسطة أئمة غير معصومين لن يوصل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم»(119).

وبهذا الدليل نثبت بزعمنا ضرورة وجود أئمة معصومين لأجل تبيين الدين وتفسيره بشكل معصوم من أي خطأ. ومن الجهة الأخرى ندّعي أن الشارع المقدَّس أرجع الأمة إلى الفقهاء في عصر الغيبة!؟ فليت شعري هل اختار الشارع المقدَّس لعصر الغيبة طريقاً لا يوصِل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم أيضاً؟

إذا كان هذا هو حال أقوى أدلتهم العقلية في إثبات ضرورة عصمة الأئمة فحال بقية أدلتهم واضحٌ، ولا حاجة بنا لإتعاب القارئ العزيز أكثر من ذلك.

 

+                +             +

 

 

الهوامش

(1) سروش، عبد الكريم، «قبض وبسط تئوري شريعت» (=القبض والبسط النظريان للشريعة).

(2) المصدر السابق.

(3) سروش، عبد الكريم: «پلوراليسم دينى» (= التعددية الدينية).

(4) مصباح يزدي، محمد تقي، «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص340.

(5) مكارم شيرازي، ناصر: 50 درس في أصول العقائد.

(6) مصباح يزدي، محمد تقي، «راهنماشناسى» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص46.

(7) المقصود بقاعدة اللطف عند المتكلمين الشيعة والمعتزلة: كل ما يوصِلُ الإنسان إلى الطاعة ويبعده عن المعصية، ويقولون: لما كان الله عادلاً في حكمه رؤوفاً بخلقه ناظراً لعباده لا يرضى لعباده الكفر ولا يريد ظلماً للعالمين فهو لا يدَّخر عنهم شيئاً مما يعلم أنه إذا فعله بهم أتوا الطاعة والصلاح، فالله قد بعث الأنبياء لطفاً لأن الناس ما كانوا بغير بعثتهم يؤمنون، كما لم يدَّخِرْ عن عباده من الألطاف التي بها يعدلون عن طريق الغيِّ شيئاً. ويرى الشيعة والمعتزلة أن هذا اللطف واجبٌ على الله، ولا يقصدون بالطبع تعيين تكليف لِـلَّهِ بل يقصدون أن ذلك مقتضى عدله وحكمته، لكن مخالفيهم من المتكلمين (كالأشاعرة والماتريدية) اعتبروا أن في هذا التعبير إساءة أدب مع الله، وقد فضل الماتريدية تعبير: واجبٌ عن الله. (المترجم)

(8) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص318.

(9) المصدر السابق، ص317.

(10) مطهري، مرتضي، «مجموعه‌ى آثار» (أي مجموعة المؤلفات)، ج4، ص873.

(11) المصدر السابق، ص874.

(12) مكارم شيرازي، ناصر: يكصد وهشتاد پرسش وپاسخ (أي مئة وثمانون سؤالاً وجواباً)، ص261.

(13) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَرْضَ لا تَخْـلُو مِنْ حُجَّةٍ، ج1/ص178.

(14) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَرْضَ لا تَخْـلُو مِنْ حُجَّةٍ، ج1/ص179.

(15) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ (ع) خُلَفَاءُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِهِ وَأَبْوَابُهُ الَّتِي مِنْهَا يُؤْتَى، ج1/ص193.

(16) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص.

(17) المصدر السابق.

(18) المصدر السابق، ص409.

(19) المصدر السابق/ ص 343.

(20) سبحاني، جعفر، «رهبري أمت» أي زعامة الأمة، ص24.

(21) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص409.

(22) سبحاني، جعفر، «رهبرى امّت» (أي قيادة الأمة)، ص24.

(23) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص407.

(24) مطهري، مرتضى، إمامت ورهبري، ص.

(25) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص407.

(26) المصدر السابق.

(27) المصدر السابق، ص412.

(28) يُدّعَى أحياناً أن الإمام الغائب يقوم بهداية الناس عن طريق الإلهام وإلقاء أحكام الدين الصحيحة في صدور بعض الفقهاء بشكل غير مباشر. إلا أن هذا الادعاء لا يمكن إثباته وقد بحثنا هذه المسألة بالتفصيل في حوارنا النقديّ مع حجة الإسلام «محسن غرويان» (وسيأتي تفصيله في القسم التالي من هذا الكتاب).

(29) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص412.

(30) المصدر السابق ص415.

(31) المصدر السابق.

(32) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص412.

(33) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد (أي تعليم العقائد)، ص305.

(34) المصدر السابق ص415.

(35) المصدر السابق.

(36) أصول الكافي، ج1، ص179.

(37) يشير المؤلف إلى الحادثة التي وقعت عام 1980م. في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عندما أمر بتنفيذ عملية سرية ضد إيران بهدف تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران فحطَّت مجموعة من الطائرات العمودية في صحراء «طبس» وسط إيران حاملةً مجموعةً من الكوماندوس ليقوموا بتنفيذ العملية، لكن العلمية باءت بفشل ذريع منذ بدايتها إذْ أدَّت عاصفة رملية مفاجئة إلى ارتطام طائرتين عموديتين ببعضهما ومقتل واحتراق طاقمهما مما أجبر الأفراد الباقين على أن يلوذوا بالفرار تاركين جثث زملائهم المحترقة والمتفحِّمة وراءهم. (المترجم).

(38) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص417.

(39) مكارم شيرازي، ناصر، «اعتقاد ما- شرح فشرده‌اى از عقائد امامية» (يعني عقيدتنا، شرح مكثَّف لعقائد الإمامية)، ص75.

(40) سبحاني، جعفر، «پيشوايى از نظر اسلام» (يعني الإمامة في نظر الإسلام)، ص132، نقلاً عن أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، ج1، ص172.

(41) المصدر السابق، نقلاً عن أصول الكافي، كتاب الحجة/باب الاضطرار إلى الحجة، ح 3، ج1/ص170.

(42) معارف إسلامي 1و 2، نهاد نمايندگى هاى ولى فقيه در دانشگاه ها، ص198.

(43) الكليني، أصول الكافي، ج1/ص178.

(44) الكليني، أصول الكافي، ج1/ص179.

(45) إذا اعتبرنا أئمة الشيعة معصومين، فيجب أن نعترف أن الأحاديث المذكورة أحاديث موضوعة لأن الإمام المعصوم لا يقول كلاماً مخالفاً للواقع. فهذه الأحاديث هي في الحقيقة من وضع واختلاق المتكلمين الذين نسبوا خيالاتهم الفكرية إلى ألسنة الأئمة المعصومين.

(46) مطهري، مرتضى، مجموعه‌ى آثار، ج 3، ص173.

(47) المصدر السابق، ص174.

(48) المصدر السابق، ص176.

(49) المصدر السابق، ص195.

(50) المصدر السابق ص195.

(51) المصدر السابق ص196.

(52) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ (ع) خُلَفَاءُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِهِ وَأَبْوَابُهُ الَّتِي مِنْهَا يُؤْتَى، ج1/ص193.

(53) لقد تم بيان هذه الفكرة بشكل مفصّل في كتاب «شاهراه اتحاد، بررسى نصوص إمامت». (أي طريق الاتحاد دراسة وتمحيص أحاديث النص على الأئمة) لحيدر علي قلمداران.

(54) سبحاني، جعفر: پـيشوايى در اسلام (أي الإمامة في الإسلام)، ص169.

(55) المصدر السابق، ص 171.

(56) تفسير نمونه، ج 5، ص 5.

(57) المصدر السابق، ص5.

(58) المصدر السابق ص5.

(59) المصدر السابق ص6.

(60) المصدر السابق، ص7.

(61) يشير المؤلف إلى ما يُعْرَف لدى الشيعة بـ «حديث الدار» أو حديث «يوم الإنذار»، المروي عن علي بن أبي طالب (ع) أنه لما أنزل الله تعالى على رسوله قوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء/214) [في مبدأ الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام بمكة] دعاهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى دار عمه أبي طالب وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فقال: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إنِّي والله ما أعْلَمُ شابَّاً فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا جئْتُكُمْ بِهِ، إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَقَدْ أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ، فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا الأمْرِ، عَلى أنْ يَكُونَ أخِي ووصيِّي وخليفتي فيكم؟» قال (عليٌّ): فأحجم القوم عنها جميعاً، قال وقلتُ، وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأخمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي، ثم قال: «إن هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!. (انظر المتقي الهندي، كنز العمال، ج 13/ص 133ونَسَبَهُ إلى إسحق وإلى ابن جرير الطبري (في تفسيره)- وهو في (ج 19، ص410) منه مختصـراً وذلك ذيل تفسيره لآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ – وَنَسَبَهُ كذلك إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة). (المترجم)

(62) آموزش عقايد، (أي تعليم العقائد)، ج2، ص 149-150.

(63) الخلاصة المذكورة منقولة من كتاب «شاهراه اتحاد» أي طريق الاتحاد بتلخيص وتصرف يسيرين.

(64) تفسير نمونه، ج5/ص 8- 12. هذا وترجمة الاقتباس أخذت من ترجمة تفسير نمونه ذاته إلى العربية المسمى «الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل» (ج4، ص 88 – 93)، مع تعديل يسير لتتطابق الترجمة مع النص الفارسي المذكور في المتن بشكل تام. (المترجم).

(65) المصادرة على المطلوب في علم الجدل أن يعمد من يريد إثبات حقيقة أمر ما إلى استخدام الأمر ذاته -وكأن حقيقته مسلَّمة مع أنها لم تثبت بعد - في برهانه على ثبوت صحة هذا الأمر! والدَّور كذلك هو أن يرجع من يريد إثبات أمرٍ ما إلى الأمر ذاته في عملية استدلاله عليه. وكلا الأمران يجعلان البرهان باطلاً لا تثبت به حجة.

(66) جاء إثبات كل هذه الأوصاف للأئمة في كتب الشيعة المعتَمَدة مثل أصول الكافي، المجلد الأول.

(67) بحثي مبسوط در آموزش عقايد، (أي بحث مبسوط في تعليم العقائد)، محسن غرويان، محمد رضا غلامي، سيد محمد حسين مير باقري، ص305.

(68) المصدر السابق ص305.

(69) من ذلك مثلاً الحديث المشهور لدى الشيعة والمنسوب إلى توقيع صاحب الزمان أنه قال: «وَ أَمَّا الحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وأَنَا حُجَّةُ الله» (وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 27/ص140)، أو الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَارْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً» (أصول الكافي، الكليني: بَابُ كَرَاهِيَةِ الِارْتِفَاعِ إِلَى قُضَاةِ الْجَوْر، الحديث 5، ج 7/ص412)، أو الحديث المشهور: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً لِـهَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ» (بحار الأنوار، المجلسي: ج 2/ص 88، نقلا عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري). (المترجم)

(70) في هذا المجال نوصي بقراءة كتاب «شاهراه اتحاد» (أي طريق الاتحاد) لحيدر علي قلمداران، وكتاب «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية.

(71) بالمناسبة إذا كان إمام الزمان (عج) موجود حقيقة فلماذا لا يكتب تفسيراً صحيحاً لآيات القرآن بقلم جميل وجذاب وباستدلالات محكمة لا يمكن الاعتراض عليها ويبين حقائق الإسلام وتعاليم الله الأصيلة النقية في قالب مقالات أو كتب ينشرها باسم مستعار؟ هل كتابة مقالة أو كتاب باسم مستعار مستحيل عليه أو محرم؟

(72) جزء من متن حديثٍ رواه الفريقان مرفوعاً وموقوفاً (انظر أصول الكافي للكليني، ج 7/ص 361 ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج 3/ص 32. ولدى أهل السنة -بلفظ البيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر- في السنن الكبرى للبيهقي، ج8/ص 123 وج10/ص 150 و253). (المترجم)

(73) موضوع مذهب «التصويب» أو «التخطئة» من الموضوعات التي تُبْحَث في علم أصول الفقه. مذهب «التخطئة» هو القول بأن لِـلَّهِ تعالى في كل واقعة حكماً معيناً عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وبأن المجتهد يخطئ ويصيب، لأن لِـلَّهِ تعالى أحكاماً ثابتةً في الواقع يشترك فيها العالم والجاهل، أي أن الجاهل مكلَّفٌ بها كالعالم، غاية الأمر أنها غير منجزة بالفعل بالنسبة إلى الجاهل القاصر حين جهله. أما مذهب «التصويب» - المنسوب إلى المعتزلة - فمعناه أن أحكام الله تعالى تابعة لآراء المجتهدين وإن كانت له أحكام واقعية ثابتة في نفسها، وبالتالي فكل رأي أدى إليه نظر المجتهد يُنشئ الله تعالى على طبقه حكماً من الأحكام. والتصويب بهذا المعنى قد أجمعت الإمامية على بطلانه، وادعى بعضهم تواتر الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على أن لِـلَّهِ تعالى في كل واقعة حكماً معيناً. يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه أصول الفقه معلقاً: لم نقف على خبر صريح في اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، نعم يُستفاد ذلك من روايات وردت في أبواب مختلفة بألفاظ متفاوتة، منها: ما وردت في بيان ثبوت حكم خاص لكل شيء في نفس الأمر، راجع أصول الكافي ج 1/ص 59، باب الرد إلى الكتاب والسنة. ومنها: ما وردت في التخطئة والتصويب، مثل ما عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» مسند أحمد بن حنبل: ج 4/ص 198. انتهى. (محمد رضا المظفر، أصول الفقه، ج 2/ص 308 – 309 وج 3/هامش ص 36). (المترجم)

(74) نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، قم، ص 497.

(75) من البديهي أن مجرد رؤية شيء أو شخص في المنام لا يدل على وجوده الحقيقي في عالم الواقع (وخارج الذهن)، ولسنا في حاجة للتذكير بعدم حجية الحلم، فالكل يعلم أن الأحلام قد تتولد أحياناً من الأفكار والمعنويات والإلقاءات والتلقينات التي تحصل للإنسان في عالم اليقظة.

(76) بالطبع حتى لو كانت هناك ضرورة عقلية لكون عدد الأئمة اثنا عشر شخصاً، لما كان هناك حاجة أيضاً أن يولد الإمام الثاني عشر قبل آلاف السنوات من تحقق تلك الظروف وأن يبقى غائباً عن الأنظار آلاف السنين حتى يحين الزمن المناسب.

(77) لا ننسَ أنه طبقاً لأدلة ضرورة الإمامة عقلاً، لا يمكن للناس أن يجتازوا طريق الكمال ويصلوا للغاية المنشودة من خلقهم دون إرشاد أئمة معصومين.

(78) هذه البيانات جاءت على نحو متكرر في كتب الشيخ سبحاني. على سبيل المثال يمكنكم الرجوع إلى كتابَيْه: «پيشوايى از نظر اسلام» (أي الإمامة في نظر الإسلام) و«رهبرى امّت» (أي قيادة الأمة).

(79) «بحثى مبسوط در آموزش عقايد» (بحث مفصَّل في تعليم العقائد)، محسن غرويان، محمد رضا غلامي، سيد محمد حسين مير باقري، ص 381 و382.

(80) المصدر السابق، ص 243 و249.

(81) المصدر السابق، ص 243 و249.

(82) المصدر السابق، ص 243 و249.

(83) المصدر السابق.

(84) المصدر السابق

(85) المصدر السابق.

(86) المصدر السابق.

(87) المصدر السابق.

(88) المصدر السابق.

(89) المصدر السابق.

(90) المصدر السابق.

(91) المصدر السابق.

(92) المصدر السابق، ص 381 و382.

(93) الحديث أخرجه الشيخ الصدوق، في «عيون أخبار الرضا عليه السلام» (ج2/101)، وفي «علل الشرائع» (ج1/ص253) فِي عِلَلِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام. (المترجم).

(94) المصدر السابق، ص247.

(95) المصدر السابق.

(96) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص237.

(97) المصدر السابق، ص238.

(98) سبحاني، جعفر: منشور عقائد امامية، ص 110.

(99) أميني، إبراهيم: بررسى مسائل كلى إمامت، (أي دراسة وتحليل المسائل الكلية للإمامة) ص 171.

(100) سبحاني، جعفر: منشور عقائد إلهية، ص 111.

(101) المصدر السابق، نقلا عن المحقق الطوسي: كشف المراد، ص 349.

(102) يقصد معصومين عصمةً مطلقةً بالمعنى الشيعي، أما عصمة الأنبياء في التبليغ عن الله وبيان دينه وشرعه فمتفق عليها بين المسلمين (المترجم).

(103) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص243.

(104) المصدر السابق، ص243.

(105) المصدر السابق ص 244.

(106) سبحاني، جعفر: منشور عقايد إماميه، ص 113.

(107) المصدر السابق، ص112.

(108) كقوله تعالى مثلاً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم/51) (المترجم)

(109) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص244. والآية المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ﴾.

(110) المصدر السابق، ص245.

(111) المصدر السابق، ص 245.

(112) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص/16]. (المترجم)

(113) أميني، إبراهيم: بررسى مسائل كلى إمامت، (أي دراسة وتحليل المسائل الكلية للإمامة) ص 171.

(114) مصباح يزدي، محمد تقي، «آموزش عقايد» (تعليم العقائد)، ص 237.

(115) استفدت كثيراً في هذا القسم من مقالة «باز انديشي در مقوله عصمت» (إعادة النظر في مقولة العصمة) تأليف الأستاذ «مقصود فراستخواه». وقد جاء مقاله المذكور إضافة إلى مقالات مفيدة أخرى له أيضاً في كتابه «الدين والمجتمع».

(116) «پژوهشى در عصمت معصومان» (بحثٌ في عصمة المعصومين)، حسن يوسفيان وأحمد حسين شريفي، ص279.

(117) المصدر السابق، ص 280.

(118) المصدر السابق ص20.

(119) المصدر السابق ص20.

 

 

+                +             +

 

 

 

 

 

 

 

 

B