نقد الدليل

1. أساس الدليل المذكور هو قصة تصدُّق الإمام عليٍّ (ع) بخاتمه حال ركوعه أثناء الصلاة، ثم نزول «آية الولاية» بشأن الإمام. لكن هذه القصة ليس لها سند موثوق، بل علامات الوضع فيها ظاهرة. وفيما يلي توضيح الأمرَيْن:

1-1. عندما يثبت علماء الشيعة إمامة عليٍّ (ع) استناداً إلى «آية الولاية» هذه، فإنَّهم - كما رأينا في نصّ الاستدلال السابق - يَدَّعون في بداية استدلالهم أنَّ أكثرَ المفسرين وعلماء الحديث متفقون على أن هذه الآية نزلت في الإمام عليٍّ (ع) وأن سبب نزولها هو قصة التصدُّق بالخاتم أثناء الصلاة. لكننا لا ندري من أين جاؤوا بهذا الاتفاق؟ فالأكثرية العظمى لعلماء أهل السنة (سواء في الماضي أم في الحاضر) يعتبرون القصة موضوعة ومختلقة من أساسها. فالأجدى، بدلاً من ادِّعاء أن أكثر المفسرين وعلماء الحديث متفقون على نزول الآية في ذلك الشأن، أن نأتي بسند صحيح وموثوق لإثبات صحة ووثاقة رواية سبب النزول المذكور. وهو ما لم يقم به علماء الشيعة أبداً. وأحياناً يقولون إن هذه القصة جاءت في بعض كتب أهل السنة (مثل تفسير الثعالبي) ويظنون أنَّهم باستنادهم إلى كتابٍ من كتب أهل السنة قد عملوا بقاعدة الجدل (أي الاستفادة من مسلَّمات الخصم لإقناعه)، وأنهم يمكن أن يقولوا بكلّ اطمئنان إن أهل السنة أيضاً يقبلون هذه القصَّة. هذا في حين أن في ذلك مغالطةً كبيرةً لا تُغتَفَر. نعم، لقد روى بعض مفسِّري أهل السنة (كالثعالبي) هذه القصة في تفاسيرهم ولكنهم لم يذكروا لها سنداً موثوقاً أو صحيحاً، ولذلك فهي روايةٌ غير معتمدةٍ لدى أكثر علماء أهل السنة ومفسِّريهم. وإذا كان مجرَّد وجود رواية في بعض مصادر أهل السنة دليلاً على أن أهل السنة يؤمنون بمضمون هذه الرواية ويعتقدون بمفادها، فإنه من الممكن أن نقول - استناداً إلى هذه القاعدة ذاتها - إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن، لأنه كما هو معلوم هناك في بعض كتب الحديث لدى الشيعة -لا بل في أوثقها، أي أصول الكافي- رواياتٌ منقولةٌ عن الأئمة تدل بصراحة على أن القرآن قد حُرِّف. فهل وجود هذه الأحاديث في بعض كتب الشيعة دليلٌ على أن الشيعة يؤمنون فعلاً بتحريف القرآن؟ أبداً على الإطلاق! لأن الأكثرية الساحقة من علماء الشيعة يعتبرون هذه الروايات مخدوشةً ومطعوناً بها سنداً ومتناً. إذا درسنا تلك الروايات ووزنّاها بالمعايير المقبولة لدى الأكثرية الغالبة لعلماء الشيعة ومحدِّثيهم لرأينا بوضوح أن جميع هذه الروايات ضعيفةٌ سنداً ومتناً بل مطعونٌ بصحتها، وبالتالي لا ينبغي أن نحمِّل الشيعةَ الخطأ الكبير الذي وقع فيه الكُلَيْنيُّ وعددٌ محدودٌ من علمائهم. والأمر ذاته ينطبق على عشـرات آلاف الأحاديث والروايات الموضوعة والمتضمِّنَة لأفكار وتصورات خرافية وضد العقل والقرآن، والتي جاءت في كتب روايات الشيعة (مثل بحار الأنوار). فلا ينبغي أن نحمِّل جميع الشيعة الاعتقاد بمضمونها. فكذلك رغم ذكر قصة تصدُّق عليٍّ (ع) بالخاتم أثناء الصلاة في عدد محدود من مصادر أهل السنة، إلا أن معظم علمائهم وفقهائهم الكبار يعتقدون أن سنَدَها ضعيفٌ للغاية ومتنَها مخدوشٌ ومضطربٌ وعلامات الوضع فيها ظاهرة. لذا يتحتَّم على علماء الشيعة أن يبيِّنوا ابتداءً سند هذه القصَّة ويثبتوا أن سلسلة رواتها أشخاص موثوقون - من وجهة نظر أهل السنة – استناداً إلى المصادر الرجالية المعتَمَدة والموثوقة لدى أهل السنة (لا أن يأتوا باسم واحد أو أكثر من مفسّـِري أهل السنة ثم يقولون إنهم أوردوا القصة المذكورة في تفاسيرهم!)، وبعد إثباتهم لصحة سندها يصل الدور إلى دراسة متنها، وفي هذه المرحلة عليهم (أي على علماء الشيعة) أن يجيبوا عن الإشكالات والتشكيكات التي يوردها أهل السنة على متن هذه القصة وارتباطها بآية الولاية.

2-1. هناك إبهامات كثيرة في متن هذه القصة وفي رواية سبب نزول الآية، نشير فيما يلي إلى بعضها:

ألف- طبقاً لهذه القصة فإن عمل الإمام عليٍّ (ع) (أي التصدق بالخاتم أثناء الصلاة) نال مدح القرآن الكريم، ونحن نعلم أن العمل الذي يمتدحه القرآن الكريم لا يخلو أن يكون إما واجباً أو مستحبّاً، ولكن: أولا: لم يأت في أي آية من القرآن أو في أي رواية وجوب أو استحباب مثل هذا العمل (اللهم إلا أن نعتبر هذه الآية ذاتها دليلاً على وجوب أو استحباب هذا العمل، وهو ما لم يدَّعِهِ أيُّ مفسِّـر حتى الآن). ثانياً: هذا العمل – طبقاً لادِّعاء واضعي هذه القصة – لم يعمل به أحدٌ سوى الإمام عليٍّ (ع) في حين أنه لو كان واجباً أو مستحباً لعمل به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو بعض أصحابه الكبار قبل تلك الواقعة أو بعدها مرَّةً واحدةً على الأقل، في حين أنه لم يروَ عملهم بمثل هذا العمل أبداً. ثالثاً: لم يُفْتِ أيُّ فقيه (سواء من الشيعة أم من السنة) بوجوب هذا العمل أو استحبابه (ولذا لا يقوم أحد بهذا العمل) فكيف يمكن حل هذا التناقض؟

ب- يظهر من هذه القصة أن الإمام عليّاً (ع) بتصدُّقه بخاتمه أثناء الصلاة عمل عملاً عظيماً وإحساناً كبيراً قيمته وثوابه أكبر من جميع الأعمال الواجبة أو المستحبة التي قام بها الإمام حتى ذلك الوقت (مثل فدائه للنبي بمبيته في فراشه ليلة الهجرة أو مشاركته التطوعية في معارك مهمة مثل بدر وأحد والبسالة والتضحية التي أبرزها في تلك المعارك) إلى درجة جعلت الوحي يتنزل بعد ذلك العمل العظيم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (و يُخاطب به الناس) بأن وليكم هو حصراً الله تعالى ورسوله وذلك الشخص الذي قام بمثل ذلك العمل العظيم. ولكن هل للتصدُّق بخاتم أثناء الصلاة (سواء اعتبرناه عملاً واجباً أم مستحباً) كل تلك القيمة والأهمية التي تجعل الله تعالى ينصب فاعلَه، بآيات منزَّلة، في مقام الإمامة والولاية على الأمة؟! قد يقول قائل إن نَصْب الإمام عليٍّ (ع) في مقام الإمامة والولاية لم يكن بسبب قيامه بهذا العمل الخيِّر، بل أراد الله بإشارته إلى عمل الإمام في تلك الآية أن يشير إلى الإمام، بمعنى أن الإشارة إلى ذلك العمل إنما كانت للتعريف بالشخص المقصود فقط، فكأن الآية تريد أن تقول لنا إن ولي أمركم هو الله ورسوله وذلك الشخص الذي تصدق بخاتمه على سائل أثناء الصلاة. لكن هذا التوجيه أيضاً غير مقبول، لأنه إذا كان المقصود هو مجرد التعريف بالإمام فإن هناك معرفات أكثر أهمية وقيمةً (ومشهورة عن الإمام أكثر مثل واقعة مبيته في فراش النبيّ ليلة الهجرة أو بسالته وشجاعته في المعارك مثل منازلته البطولية لـ «عمرو بن عبد ود» في معركة الخندق) فلماذا لم يذكر الله تعالى مثل تلك المعرِّفات التي لها قيمة أكبر وشهرة أكثر بين المسلمين عن الإمام عليٍّ (ع)؟

ج – إن وقوع مثل تلك الحادثة بعيدٌ جداً وغريبٌ، فهل إجابة طلب السائل أثناء الصلاة كانت واجبة أو مستحبة إلى ذلك الحدّ الذي يجعل علياً (ع) غير قادرٍ أن ينتظر بضعة دقائق حتى ينتهي من صلاته ثم يتصدق على السائل بخاتمه؟

د – استُخدِم زمنُ المضارع في جميع الأفعال الواردة في نص الآية، ومعلومٌ أن صيغة المضارع تدلُّ على التكرار، هذا في حين أن هذا العمل بزعم واضعي تلك القصة لم يحصل إلا مرَّةً واحدةً، أفلا يدلُّ هذا على أن الآية المذكورة لا علاقة لها بتلك القصة (حتى ولو كانت واقعيَّةً)؟

2. جميع الأفعال والضمائر التي استخدمت في تلك الآية جاءت بصيغة الجمع، واستخدام صيغة الجمع للدلالة على المفرد نوع من المجاز، والمجاز يحتاج إلى قرينة، فأين القرينة هنا؟ وبعبارة أخرى: نحن لا ندَّعي أنه لا يمكن استخدام فعل بصيغة الجمع أو استخدام ضمير الجمع للدلالة على المفرد ولكننا نقول إذا ادَّعي شخصٌ أن في الآية الفلانية تم استخدام الفعل بصيغة الجمع أو ضمير الجمع للإشارة إلى شخص مفرد محدَّد فعليه أن يأتِ بقرينة وبيِّنة تؤيِّد مدَّعاه. فسؤالنا هنا: بأي قرينة عرفتم أن المقصودَ من ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ فردٌ خاصٌّ مثل الإمام عليٍّ (ع)؟

3. إذا أراد الله تعالى أن يعلن إمامة عليٍّ (ع) بهذه الآية فأولاً لماذا لم يفعل ذلك بذكره لاسم الإمام صراحةً، لكي يُسْكِتَ بذلك المخالفين ويقطع العُذر على المتحجِّجين؟ وثانياً: إذا لم تكن هناك مصلحة - لأي سبب أو علة – في ذكر اسم الإمام عليٍّ (ع) بصراحة في الآية، فلماذا لم يُحْتَرَز فيها – على الأقلّ - من استخدام ضمائر الجمع وصيغة المضارع (مع أن كلا الأمرين يطرحان إشكالاً قوياً وجدِّيَّاً في استنباط أن المقصود من الجملة هو الإمام عليّ)؟ فأي ضرورة تستدعي أن يُستَخْدَم ضمير الجمع أو صيغة الجمع في الحديث عن فرد واحدٍ معيَّنٍ، وأن يُستَخْدَم زمن المضارع في الحديث عن عمل حدث مرَّةً واحدةً، الأمر الذي يخلق إشكالات وصعوبةً في استنباط أن المقصود من الآية هو الإمام عليٌّ (ع) ويدفع عدداً كبيراً من المسلمين (أي أهل السنة) إلى الخطأ في فهم الآية والضلال؟!.

4. لكلمة «ولي» التي استُخدمت في الآية معان مختلفة، ولمعرفة المعنى الصحيح الذي أراده اللهُ عزَّ وجلَّ من هذه الكلمة في الآية المذكورة يجب أن ننظر إلى الآيات السابقة واللاحقة. لقد نهى الله تعالى المؤمنين في الآيات السابقة عن موالاة اليهود والنصارى (سعياً وراء بعض المصالح الدنيوية التي قد تجلبها لهم تلك المولاة) وهدَّدهم قائلا: ﴿... وَمَن يَتَوَلَّـهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ففي الآية مورد البحث أراد الله تعالى أن يقول إن وليَّكم وناصركم وحليفكم الحقيقي هو الله ورسوله وجماعة المؤمنين الصادقين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويؤدون تلك العبادات بكل خشوع وخضوع. وبعد هذه الآية (تماماً مثل ما جاء في الآيات التي قبلها التي بيَّنت العاقبة الوخيمة لموالاة الكفار) بيَّنَ الله تعالى العاقبة الحميدة لموالاة الله ورسوله والمؤمنين الصادقين ومحبتهم ونصرتهم قائلاً: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . بهذا نرى أننا إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الصديق والمحبّ والنصير» نكون قد حافظنا على ارتباط وتناسق الآية ضمن السياق الذي جاءت فيه. أما إذا أخذنا كلمة «ولي» على معنى «الرئيس» أو «الأَوْلى بالتصَرُّف» أو «الإمام المفترض الطاعة» فإن نظم الآيات واتساقها يختلُّ ويقع انقطاعٌ في تسلسلها. ويجيب علماء الشيعة على هذا الإشكال بأن الآية ابتدأت بأداة الحصر «إنَّما»، فإذا أخذنا كلمة «وليّ» على معنى الصديق والمحب والنصير، لما كان للحصر أي معنى لأننا جميعاً نعلم أن صديقنا الحقيقي لا يقتصر على الله ورسوله والإمام عليٍّ فقط لا غير. ولكن هذه الإجابة تعاني من ثلاثة إشكالات:

1-4. في هذه الإجابة اعتُبِرَت قصَّة تصدُّق الإمام عليٍّ (ع) بخاتمه ونزول القرآن في هذا الشأن من المسلَّمات، هذا في حين أن مثل تلك القصة ورواية سبب النزول المرتبطة بها مختلقَة من أساسها. فقبل أن يتم إثبات صحة تلك القصة وقطعيتها فإن مثل ذلك التبرير والتوجيه الذي ذكر في الإجابة لا يبدو منطقياً.

2-4. حتى لو كانت القصَّةُ المذكورةُ حقيقيَّةً ونزولُ الآية في الإمام عليٍّ (ع) صحيحاً، فإن هذا لا يمنع أن نفهم كلمة «وليّ» في الآية أيضاً على معنى «الصديق والمحب والنصير» وأن يكون مقصود الله تعالى من ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ليس الإمام وحده فقط، بل يكون الإمام أحد مصاديق المفهوم الكلي للآية، ويكون المقصود بها عامَّة المؤمنين الصادقين، بمعنى أن الآية تريد أن تقول إن أولياءكم الحقيقيين هم مثل هؤلاء المؤمنين (الذين أحد نماذجهم الإمام عليّ (ع».

3-4. إذا كانت أداةُ الحصر «إنما» التي ابتدأت بها الآية مانعةً من تفسير كلمة «الولي» بـ «الصديق والمحب والنصير»، فإن أداة الحصر تلك مانعةٌ من استخدام كلمة «الوليّ» بمعنى «الإمام والأَوْلى بالتصَرُّف» أيضاً. ولإيضاح هذه النقطة لنفرض أن الآية نزلت في الإمام عليٍّ (ع)و أن معنى «وليّ» فيها هو ما تقوله الشيعة أي «الأولى بالتصرُّف». حسناً، ولكن استناداً إلى هذا الاستدلال الشيعي ذاته يكون لدينا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إمامٌ واحدٌ فقط، أي عليُّ بن أبي طالب (ع)، وبعده فإن أداة الحصـر تنفي وجود أي شخص آخر مفترض الطاعة أو أولى بالتصـرف. وبهذا فرغم إثبات إمامة عليٍّ (ع) إلا أنه لم يبق مكان لإثبات إمامة أولاده (أو أي شخص آخر)، فهل تقبل الشيعة بهذا الحل؟ وقد أجيب عن هذا الإشكال حتى اليوم بإجابتين:

ألف- الآية تشير إلى إمامة وولاية عليٍّ (ع) فقط، وهي ساكتة عن موضوع ولاية بقيَّة الأئمَّة، ولكن ذلك السكوت لا يُعَدُّ نفياً من الله تعالى لإمامة أشخاص آخرين طبقاً للقاعدة المعروفة «ذكر الشيء لا يدلُّ على نفي ما عداه».

أقول: بَيْدَ أنَّ هذه الإجابة غير مقنعة، إذْ يمكننا أن نقول الكلامَ ذاته بشأن استعمال كلمة «ولي» بمعنى «الصديق والمحب والنصير» وندَّعي أن الله تعالى يريد بهذه الآية أن يشير إلى محبة الله ورسوله والإمام عليّ (ع)، ورغم سكوته في هذه الآية عن ولاية ومحبة بقية المؤمنين، ولكن استناداً إلى نفس القاعدة المذكورة، لا يعني هذا أن وجوب محبة سائر المؤمنين قد تم نفيها بالآية (بأداة الحصـر)، وذلك لأن هذا الحصر، يعود على أي حال إلى عبارة «وليّكم» ويقول: إن وليَّكم هو الله ورسوله و[حسب قول الشيعة] عليُّ بن أبي طالب فقط لا غير.

ب – إجابة (الشيعة) الثانية قولهم إننا عندما نقبل أن عليّاً (ع) إمامٌ ووليُّ المؤمنين وأنه «الأَوْلى بالتصَرُّف» منهم، نكون قد اعتبرناه في الحقيقة مفترض الطاعة وقبلنا أن كل ما يقوله حقٌّ فلمّا نصّ عَلَى ابنه الحسن خليفةً له في أمر الإمامة من بعده وجب علينا أن نعتبر الحسن بن علي (ع) إمامنا وولي أمرنا وكذلك بالنسبة إلى كل إمام لاحق حيث نصَّ الذي سبقه على إمامته فيجب علينا أن نعتبرهم جميعاً أئمتنا وأولياء أمورنا، ذلك لأننا قبلنا من قبل (وبدليل هذه الآية) أن الإمام عليّاً (ع) أولى بالتصرف.

وأقول إن هذه الإجابة أيضاً لا تفي بالغرض ولا تحل الإشكال. لأنه إذا كان هذا الاستدلال صحيحاً فلن تبقى عندئذٍ أي حاجة إلى بيان إمامة عليٍّ (ع) وولايته في الآية وسيكون بيانها لغواً وبلا جدوى. ذلك لأننا بقبولنا لإمامة وولاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نكون قد قبلنا فعلاً أنه إذا نصّ على عليٍّ (ع) خليفةً له وعيّنه إماماً وولياً على المسلمين، لوجب على الناس أن يقبلوه، ولا ضرورة لبيان إمامة فرد معيَّن بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وبصرف النظر عن ذلك ففي الإجابة المذكورة تم نسيان معنى الحصـر، إذْ لو كانت الإجابة المذكورة صحيحة فما الحاجة عندئذٍ إلى استخدام أداة الحصـر «إنما»؟ ألن يصبح استخدامها بلا جدوى؟