دراسة الدليل ونقده

طبقاً لهذا الدليل فإن النقطة الأساسية في الحاجة للإمام المعصوم هي التالية:

«لو كانت بيانات النبيِّ في تفصيل وبيان مراد الله مصونةً عن التحريف... وكان قد بيّن للناس بالتفصيل جميع ما يلزمهم إلى يوم القيامة، لما كانت هناك من هذه الناحية ضرورةٌ للإمامة (أي لنَصْب إمام معصوم بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم) ولكننا نعلم أن الأمر لم يكن كذلك، فلا النبيُّ بيَّنَ كل تفاصيل الأحكام التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة، ولا ضمن الله تعالى حفظ وصيانة أحاديث النبيِّ»( 19 ).

لاحظوا أن هذا الدليل أقيم لأجل إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس إثبات الإمام بمعناه العام ودون قيد العصمة. وبعبارة أخرى لقد ادُّعي هنا، إضافة إلى ضرورة وجود أشخاص يحفظون تعاليم النبيّ ويفسّرون القرآن وسنَّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ادُّعيَ ضرورة عصمتهم أيضاً. أي أنه في هذا الاستدلال ادُّعي بشكل ضمني وتلويحاً بأن العلماء والفقهاء – الذين ليسوا بمعصومين – لا يمكنهم أن يحفظوا تعاليم النبيِّ ويواصلوا طريقه في تفسير القرآن وبيان الأحكام الإلهية وحقائق الدين، وقد ذكر كثيرٌ من علماء الشيعة هذه النقطة بصراحة، وفيما يلي نموذج لما ذكره أحدهم فقال:

«إن استنباط أحكام الحوادث التي لا حصر لها والتي ستقع حتى يوم القيامة من الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الأحكام أو من أحاديث الأحكام المحدودة جداً للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عملٌ صعبٌ للغاية ومعقّدٌ وخارجٌ عن إمكانية البشر العاديين... لا يمكن لأيِّ بشر عاديٍّ أبداً بعلمه المحدود أن يستخرج ويستنبط من هذه النصوص والمستندات المحدودة أحكام الموضوعات والحوادث المتزايدة للمجتمع الإسلامي، بل لا بد من فرد مؤهّل يملك استعداداً خاصاً كي يستخرج من خلال التعليم الإلهي والغيبيّ أحكام مثل هذه الحوادث من تلك الأدلة المحدودة ويضعها تحت تصرّف الأمة»( 20 ).

حسناً. إذن بناء على هذا الاستدلال الأخير، لا بد من وجود أئمة معصومين يحفظون – بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم – التعاليم الباقية عنه وفي الوقت ذاته يبيِّنون للناس الأحكام الإلهية والحقائق التي لم تذكر لهم بعد، وليقدموا الإجابة الشرعية كذلك عن المسائل والموضوعات الجديدة في كل عصر. ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن هناك عدة أسئلة تحتاج إلى جواب:

1. كيف نعلل ونبرر إذن حصر عدد الأئمة المعصومين في اثني عشر إماماً فقط وكيف ينسجم ذلك مع المقدمات المستخدمة في الدليل المذكور؟ إذا تأملنا مقدمات الدليل المذكور أعلاه رأينا أن هناك ثلاثة أدلة (أو علل) على ضرورة نَصْب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

أ- بقاء كثير من الحقائق والتعاليم الإلهية وأحكام الدين دون تبيان.

ب- خطر تحريف تعاليم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ج- إمكانية وجود مسائل وموضوعات جديدة في العصور اللاحقة.

بيد أن هذه العوامل الثلاثة عوامل دائمة ومستمرة، ولا تختصُّ بعصر معين. إن خطر تحريف تعاليم النبيِّ وزوالها موجودٌ دائماً وفي كلِّ العصور، كما أن المسائل والموضوعات الحادثة والجديدة تقع في كل عصر وزمان ولا تنتهي، والأهم من كل ذلك أن حقائق الدين – بدليل كون القرآن حمّال أوجه وذي بطون- لا تنتهي ولا يمكن القول في أي عصر من العصور بأن جميع الحقائق والتعاليم الإلهية وأسرار الوحي ورموزه قد كُشفت وتم بيانها، وأنه لم يبق في القِدر شيء إذا صح التعبير. بناء عليه إذا كان الاستدلال المذكور أعلاه صحيحاً فإن اللازمة المنطقية له هي أنه بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من وجود إمام معصوم في كل عصر حتى يحفظ تعاليم النبيّ وتعاليم الأئمة قبله (ويحول دون تحريفها وزوالها) وفي الوقت ذاته يبيِّن للناس الحقائق التي لم تُبيَّن لهم بعد ويجيب كذلك عن المسائل والموضوعات الجديدة ويبين أحكام الحوادث المستجدَّة. وهذا الأمر يجب أن يستمر ويتواصل حتى يوم القيامة. هذا في حين أن الشيعة يعتقدون أن الله نصب لحقبة ما بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحتى يوم القيامة اثنا عشر إماماً معصوماً فقط. أليس في هذا تناقض واضح؟ إذا كانت العوامل المستلزمة لضرورة نصب الإمام المعصوم دائمة ومستمرة وأبدية فكيف يتّسق مع حكمة الله حصر عدد الأئمة المعصومين باثني عشر؟ إذا كان الدليل المذكور أعلاه صحيحاً حقاً، فيجب على الله أن ينصِّب في كل عصر حتى يوم القيامة إماماً معصوماً، فلماذا لم يفعل ذلك؟

2. إذا كان الاستدلال المذكور صحيحاً فإنه لا يثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم فقط بل يثبت إضافة إلى ذلك ضرورة «حضور» أئمة معصومين في جميع العصور وحتى يوم القيامة أيضاً، وبالتالي فإن غيبة الإمام الثاني عشر لن تكون مبرَّرةً على أي نحو من الأنحاء. إذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هي تلك الأمور التي جاءت في ذلك الدليل المذكور (أي بيان حقائق الدين وتعاليمه والأحكام الإلهية وتقديم الإجابة للناس حول المسائل والموضوعات المستجدة والحيلولة دون تحريف التعاليم الباقية عن النبيِّ وزوالها)، ففي هذه الحالة لن يكون كافياً وجود الأئمَّة فقط بل لابد من حضورهم المستمر في المجتمع وضرورة تواصل ذلك على مدى التاريخ. لكننا الآن نرى أن ألفاً ومئتي عام على الأقل مضت لم يوجد فيها أيُّ أثر لحضور إمام معصوم وتواجده بين الناس في المجتمع، والناس لا يملكون أي قدرة على الوصول إليه وهذا بحد ذاته نقضٌ واضحٌ لذلك الاستدلال. إذا أصررنا على صحَّة الاستدلال المذكور واستقامته فيجب أن نقول إنه مع مضي ألف ومئتي عام على غيبة الإمام المعصوم فإن دين الإسلام قد مُسخ واندثر! تأملوا مرَّةً ثانيةً في الكلام التالي:

«.. فإن لم يتم نَصْب وتعيين إمام بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبيِّن للناس حقائق الدين ويفسّر مجملاته ويفصّل كلياته، فإن الدين سيتعرض للتشويه والتحريف وفي الناهية إلى المحو والاندثار. ذلك أن حقائق الدين ليست موجودة في القرآن على ذلك النحو الذي يمكن لعامة الناس أن يستفيدوها منه، ونحن بحاجة إلى سنة النبيّ لأجل أكثر الأحكام والحقائق الدينية. ومن الجهة الأخرى لا يوجد ضمانة لبقاء روايات النبيِّ وأن لا تتعرض للنسيان والزوال. إضافة إلى ذلك لعبت يد السياسة في ذلك الزمن في الروايات ودسّت روايات كاذبة ومختلقة بين الروايات الصحيحة أو بدلاً منها كما أن القرآن ذاته قابل للتأويل والتفسيرات المتنوعة.»( 21 )

فما هو مصير الناس في عصر الغيبة إذن ومن الذي سيبيِّن الحقائق التي لم يتم بيانها وأحكام الحوادث والموضوعات المستجدَّة للناس ومن الذي سيمنع وقوع الدس والتحريف وانمحاق تعاليم النبيّ (وكذلك تعاليم الأئمة السابقين) ويحول دون انحراف الناس؟ ما هو مصير الإسلام في هذه الحالة ومن الذي سيمنع تحريفه وتغييره وزواله؟ إن أي إجابة تقدّم عن هذه الأسئلة، يمكن تَعْدِيَتُها منطقياً إلى الحقبة التالية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً أيضاً وبالتالي فإنها تنقض الدليل مورد البحث. إن الأمر العجيب والمحير هو أن علماء الشيعة يرون بأم أعينهم أن هناك دسّ وتحريف كثير وقعا في أحاديث النبيّ (والأئمة) وفُقدت كثير من هذه الأحاديث والروايات بمرور الزمن وعلى أثر وقوع الحوادث المختلفة، ومع ذلك يقولون إن وجود الأئمة المعصومين «ضروريٌ» لمنع التحريف والدسّ في تلك التعاليم وزوالها! وأساساً إحدى الحِكَمِ من نَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ هي هذا الأمر بالذات! إلا أنهم لم يسألوا أنفسهم أبداً: إذا كان حفظ هذه التعاليم ضرورياً حقاً وكان الهدف من نَصْب الإمام المعصوم منع تحريف الدين وفي الوقت ذاته الحيلولة دون زوال تلك التعاليم فلماذا لم تُحفظ تلك التعاليم؟ هل أن الأئمة لم يستطيعوا أن يؤدوا واجبهم؟! ثم من الذي تقع عليه مسؤولية حفظ هذه التعاليم بعد الإمام الحسن العسكري (ع)؟ إن قلتم إن هذه المسؤولية تقع على عاتق إمام الزمان (عج) فإننا نسأل:

أولاً- كيف يستطيع الإمام الغائب أن يحول دون الدسّ والتحريف ومحو هذه الأحاديث؟ عندما لا يكون لدى الناس قدرة على الوصول إليه كيف يمكنهم أن يدركوا أن هذه الرواية أو ذلك الخبر موضوع ومدسوس؟

ثانياً- نحن نرى بأمّ أعيننا أن هناك ألف نوع من الوضع والدسّ والتحريف قد حلّ بهذه الأحاديث، وهذه التحريفات بالذات – كونها لا يمكن اكتشافها على وجه القطع واليقين- فرّقت علماء الشيعة إلى آلاف الفرق. ألا يبيِّن هذا أنه لو كان هناك وجودٌ للإمام الغائب فمعنى هذا أنه بسبب غيابه لم يتمكَّن من القيام بمهمته وأداء وظيفته؟ نعم يمكننا أن نضع هذه المسؤولية وهذا الواجب على عاتق الفقهاء لكننا بذلك نكون قد هدمنا الاستدلال العقلي على إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أساسه. لأنه إذا كان علماء الأمة وفقهاؤها قادرين على حفظ هذه التعاليم وصيانتها من خطر الدس والتحريف والمحو، فأيُّ ضرورة تبقى عندئذ لنَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فبعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً يمكن القول إن الفقهاء قادرين على أن يقوموا بمسؤولية المرجعية الدينية للناس وأن يقدّموا الإجابة عن المسائل والموضوعات المستجدة بالاجتهاد من القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أفنسيتم أنكم عندما أثبتم ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كنتم تقولون:

«إن استنباط أحكام الحوادث التي لا حصر لها والتي ستقع حتى يوم القيامة من الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الأحكام أو من أحاديث الأحكام المحدودة جداً للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عملٌ صعبٌ للغاية ومعقّدٌ وخارجٌ عن إمكانية البشر العاديين... لا يمكن لأيِّ بشر عاديٍّ أبداً بعلمه المحدود أن يستخرج ويستنبط من هذه النصوص والمستندات المحدودة أحكام الموضوعات والحوادث المتزايدة للمجتمع الإسلامي. بل لا بد من فرد مؤهل يملك استعداداً خاصاً كي يستخرج من خلال التعليم الإلهي والغيبيّ أحكام مثل هذه الحوادث من تلك الأدلة المحدودة ويضعها تحت تصرّف الأمة»( 22 ).

فكيف إذن تريدون أن تعهدوا بالعمل الذي أنتم تعترفون أنه خارج عن قدرة الفقهاء وأن الناس العاديين وغير المعصومين لا يمكنهم أبداً القيام به، لهؤلاء الفقهاء غير المعصومين الذين هم بشر عاديون؟ أفليس هذا تناقضٌ واضحٌ وصريحٌ؟ وخلاصة الكلام: من الممكن القول إنه لو صحَّ الاستدلال العقلي الذي نبحث فيه فإن غيبة الإمام الطويلة ستكون مستحيلة بأي دليل من الأدلة وأي حكمة من الحكم. وبعبارة أخرى إن غيبة الإمام الثاني عشر وعدم حضور أي إمام معصوم بين الناس (والذي مضى عليه حتى اليوم ألف ومئتي عام) ناقض لدعوى ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول عامة متكلمي الشيعة إجابةً عن هذا الإشكال إنَّ العامل الأصليّ المسبِّب لهذه الغيبة هو الناس أنفسهم. وهذا معناه أن عدم أهلية الناس من جهة وتهديدات الجهاز الحاكم في ذلك الزمن من جهة أخرى والذي أدى إلى الخوف من مقتل واستشهاد الإمام الثاني عشر هو العامل الأصلي لغيبته. وقبل أن ننقد هذه الإجابة من المفيد أن نبيِّن أرضية تشكّل معضلة إشكالية الغيبة من طريق أخرى كي يمكن فهم هذه النقطة على نحو أفضل.

 يستدل متكلمو الشيعة التقليديُّون، استناداً إلى قاعدة اللطف، على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل التالي:

«أ- نَصْبُ إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لطفٌ.

ب- اللطف واجبٌ على الله.

النتيجةُ: نَصْبُ إمام معصوم بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم واجبٌ على الله.»

وبعبارة أخرى:

«إذا لم يكن الإمام المعصوم بين الناس، لم يستطِع الناس أن يدركوا على نحو صحيح وكامل طريق السعادة وأن يجتازوه، ولمّا كان الله لطيفاً بعباده...فأن لطفه يقتضي أن يقوم بهذا الأمر (أي نَصْب الإمام المعصوم)»( 23 ).

ولا يزال كثير من متكلمي الشيعة حتى اليوم يستدلون بهذا الشكل لإثبات ضرورة نَصْب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ( 24 ).

وعندما نسأل إذا كان نَصْب الإمام لطفاً واللطف واجب على الله فلماذا مُنِع الناس منذ ألف ومئة عام حتى اليوم من هذا اللطف، وكما يقول الفخر الرازي ألا تُعتَبَر غيبةُ الإمام الثاني عشر والتي نتيجتها عدم تمكن الناس من الوصول إليه نقضاً ومخالفة لقاعدة اللطف؟ فإننا نسمع الإجابة التالية:

«وجودُه لطفٌ وتصرّفُه لطفٌ آخر وغيبتُهُ منَّا. أي أن وجود الإمام لطف، سواء كان حاضراً بين الأمة أم غائباً، وسواء كان متصرِّفاً أم غير مـتصرِّف، أي سواء استلم زمام الحكم بيديه وترأَّس المجتمع أم لم يقم بذلك. مجرد وجود شخص معصوم في المجتمع لطفٌ. إن قاعدة اللطف تقتضي وجود مثل هذا الشخص فقط. وقد قام الله بهذا اللطف ولم يخلِ الأرض من إمام معصوم. كما أن تصرف الإمام وأخذه زمام إدارة أمور الناس بيديه لطف آخر وهذا أيضاً من مقتضيات قاعدة اللطف. ولكن هذا اللطف مشروط، وشرطه هو أن لا يحول الناس دونه، أي أن لا يقوموا بعمل يؤدي إلى حرمانهم من الإمام. إن الله المتعال نصَبَ أحد عشر إماماً وكان هؤلاء الأئمة يعيشون بين الناس والناس تستفيد منهم. لكن الناس لم يعرفوا قيمة هذه النعمة الكبيرة بل قتلوا كل واحد من الأئمة وأوصلوه إلى الشهادة... ففي مثل هذه الحالة لو بقي الإمام الأخير ظاهراً لاستُشهد كما استُشهد من قبله ولَـحُرِمَ الناس إلى الأبد من نعمة الإمام. لذا كانت غيبته لأجل أن لا يُحرم الناس إلى الأبد من نعمة الإمامة... لو لم يتصرف المسلمون على ذلك النحو مع الأحد عشر إمام لما حرمهم الله من حضور الإمام (الأخير)»( 25 ).

إن عجز هذه الإجابة عن حل معضلة الغيبة واضح وغنيٌّ عن البيان. ولكن قد لا يخلو الانتباه إلى النقاط التالية من فائدة:

1-2 بأي دليل نقول إن وجود الإمام المعصوم وحده لطفٌ حتى ولو كان غائباً وكان الناس لا يملكون أي وسيلة للوصول إليه وكان هو أيضاً غير قادر على التصرف بالأمور؟ في مثل هذه الحالة كيف يمكنه أن يكون عاملاً مؤثراً في وصول الناس إلى الهدف من خلقهم؟ لاحظوا مرةً ثانيةً الجملة التالية:

«إذا لم يكن الإمام المعصوم بين الناس، لن يستطيع الناس أن يدركوا على نحو صحيح وكامل طريق السعادة وأن يجتازوه»( 26 ).

 إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا أن نعتبر الإمام الغائب مصداقاً للُّطف؟ هذا في حين أن الناس لن يستطيعوا - بسبب عدم قدرتهم على الوصول إليه – أن يعرفوا طريق السعادة ويجتازوه؟ ما هو سبب وجود الإمام المعصوم؟ بأي دليل نقول إنه لا بد أن يكون هناك أئمة معصومون ينصبهم الله عز وجل بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ طبقاً لادّعاء الشيعة:

«تقتضي حكمة الله أن يكون هناك أئمةٌ معصومون بين الناس حتى لا يُشوَّهَ الدين أو يُمحى من الوجود»( 27 ).

ولكن هل مجرد وجود الإمام وحده يمكنه أن يكون مانعاً من تحريف الدين وتشويهه أو محوه؟ كيف يقوم الإمام المعصوم بمنع تشويه الدين أو تحريفه؟ أليس ذلك من خلال هداية الناس وإرشادهم والبيان الصحيح لأحكام الله وفضح البدع ومحاربة الخرافات؟ فإذا كان الإمام غائباً فكيف يتسنَّى له أن يقوم بهذه الواجبات؟ إن اعتبار وجود الإمام المعصوم لطفاً إنما هو لأجل قيامه بتلك الوظائف بالذات أما إذا كان غير قادر على القيام بها بسبب غيبته فكيف يمكن اعتبار وجوده لطفاً مع أن وجوده وعدمه في هذه الحالة سِيَّان؟ والخلاصة إن وجود الإمام الغائب لا يمكنه أن يعدّ لطفاً لأن الإمام الغائب ليس له أي دور في هداية الناس نحو الكمال (الغرض من خلقهم)( 28 ).

2-2. في جملة «غيبته منا» ما هو المقصود من «نا»؟ هل المقصود جميع الناس على مدار أكثر من ألف ومئة عام الذين حُرِمُوا من الهداية والإرشاد؟ هل يَعْتَبِرُ قائل هذه الجملة حقيقةً، رغم أنه لم يكن موجوداً زمن الإمام الحسن العسكري (ع) (قبل ألف ومئتي عام)، ذاتَه أيضاً من بين المسببين لغيبة الإمام الثاني عشـر؟ لنفرض أن هناك عدداً من الناس في الألف ومئة عام الماضية مارسوا الجفاء والظلم تجاه الأئمة المعصومين، فما هو ذنب عشرات المليارات من البشر الآخرين في العصور اللاحقة؟ لماذا يُعاقبون بذنب ارتكبه غيرهم من السابقين ممَّن لم يُقَدِّر النعمةَ أو من عديمي الأهلية قبل ألف ومئتي عام؟ إذا تأملنا في أدلة ضرورة الإمامة تأملاً سطحياً وسريعاً، سنرى أن هذه التبريرات غير قادرة على حلّ معضلة «الغَيبة». إذا كانت تلك الأدلة صحيحة وكان وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، طبقاً لقاعدة اللطف أو لمقتضى الحكمة الإلهية، ضرورياً فلا يمكن لأي عامل ولا لأي حكمة أن تبرِّرَ كل هذه الغيبة الطويلة للإمام المعصوم. وبعبارة أخرى ليس كلامنا هنا عن العامل الذي سبب غيبة الإمام، إنما الكلام عن أنه طبقاً لأدلة الضرورة العقلية للإمامة – التي اعتُبر في جميعها أن منشأ الضرورة هو حاجة الناس الأساسية إلى الهداية وإرشادات الأئمة المعصومين – فإنَّ «الغَيبة» أمر محال.

وكأني بمتكلمي الشيعة تصوروا أنهم لو ألقوا باللائمة على عاتق شخص آخر غير الله تعالى يكونون قد حلوا المشكلة، هذا في حين أنه إذا كان وجود الإمام المعصوم، طبقاً لقاعدة اللطف أو لما تقتضيه حكمة الله، ضرورياً عقلاً– خاصة بملاحظة المقدمات التي جاءت في دليل الشيعة العقليّ على هذا الأمر - كان يجب على الله أن يحفظ حياة ذلك الإمام بكل وسيلة ممكنة ولا يدع الذين لا ذنب لهم والمؤيدين للإمام والمشتاقين لهدايته وإرشاداته يبقون محرومين منه!. هل كان من المحال على الله تعالى فعلاً أن يحفظ حياة ذلك الإمام بطريقة غير غيبته التي تنقض فلسفة وجوده من أساسها وتُعتبر في الحقيقة نوعاً من نقض الغرض؟ نحن نريد من علماء الشيعة أن لا ينسوا أدلة ضرورة الإمامة عندما يقدمون المبررات لتبرير الغيبة الطويلة للإمام الثاني عشر، وأن يجيبوا بعد تأملهم تلك الأدلة من جديد عن هذا السؤال: هل يمكننا، إذا قلنا بضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً (بالأدلة التي ذُكرت) أن نعتبر عدم أهلية عدد من الناس قبل ألف ومئتي عام وكفرانهم النعمة، أو الخوف من استشهاد الإمام مبرراً موجهاً لغيبته، وبالتالي حرمان عشرات المليارات من الناس الذين لا ذنب لهم في المستقبل من هذا اللطف؟

وأساساً ألا يُعَدُّ بيان العوامل التي أدت إلى الغيبة قفزاً عن المرحلة التي حصلت فيها؟ ولتوضيح هذه النقطة نسأل ما هو تكليف الناس في زمن الغيبة؟ كيف سيعرفون طريق الكمال والسعادة ويجتازونه ليصلوا للهدف المنشود؟ في الإجابة عن هذا السؤال يوصي علماء الشيعة برجوع الناس إلى الفقهاء، غافلين عن أن هذا الكلام يهدم براهين إثبات ضرورة الإمامة من أساسها. سيقول أهل السنة في مواجهة مثل هذا الكلام: إذا كان العلماء والفقهاء يستطيعون أن يؤدوا وظائف الإمام المعصوم فما الضرورة العقلية الموجبة عندئذ لنَصْب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ ألا يمكن أن نقول هذا الكلام ذاته بالنسبة إلى الحقبة التي تلت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً؟ ألا يعلم علماء الشيعة أم نسوا أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص؟

3-2. قلنا فيما سبق إذا كانت فلسفة ودليل وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي حاجة الناس الضـرورية إلى هدايتهم وإرشاداتهم في الفهم الصحيح للدين ومعرفة الصراط المستقيم وطريق السعادة والكمال فإن حصـر عدد الأئمة في عدد «اثنا عشر» غير منطقي ولا معنى له. ذلك أن تلك الحاجة الضـرورية لا تتوقف أبداً وسيكون للناس إلى يوم القيامة مثل تلك الحاجة الضرورية للإمام المعصوم. هنا يظهر مرة ثانية، وبكل وضوح، عوار ووهن دعوى الخوف من استشهاد الإمام الثاني عشر بوصفها العامل الأساسي لغيبته. أفلم يكن الله قادراً على نصب إمام آخر بعده؟ ألم يستشهد الأئمة قبله؟ فلماذا لم يغيّبهم الله إذن حفاظاً على أرواحهم؟ هل أن عدد «اثنا عشر» يمثل ضرورة عقليةً أو شريعةً حتى يُجبرَ الله على حفظ الإمام الثاني عشـر بأي ثمن حتى لو كان ذلك بتغييبه عن الأنظار وحرمان عشرات ومئات المليارات من الناس الأبرياء في المستقبل منه؟ لنفرض أن الناس في ذلك الزمن لم يكونوا عديمي الأهلية وأن احتمال استشهاد الإمام انتفى فهل كان الإمام الثاني عشر سيعيش حتى عصرنا الحاضر وسيبقى حياً إلى يوم القيامة ليقوم بهداية الناس؟ ولقد أجاب علماء الشيعة عن إشكال عدم غيبة الأئمة السابقين بل تقدمهم حتى مرحلة الشهادة بما يلي:

«لو لم يكن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومين أو كانوا معصومين لكنهم غائبون عن أنظار الناس لأدَّى ذلك إلى تحريف دين الله أو محوه، وهذا مخالف لحكمة الله من إرسال النبيّ»( 29 ).

«لقد أوصل أئمتنا على مدى مئتي وخمسين عاماً.... الإسلام إلى الآخرين وعملية نقل وإيصال الإسلام الحقيقي من جيل إلى جيل لاحق هذه هي التي أدت إلى عدم نسيان حقائق الدين وإلى تلقِّي عدد من الناس – ولو قلَّة ولو في زاوية من زوايا هذا العالم على الأقل - لحقائق الإسلام عن أئمة أهل البيت (ع)»( 30 ).

«لو غاب الأئمة في تلك المدة لقام حكّام ذلك الزمن بسرعة بتحريف الإسلام وتشويه الدين وطرحه بصورة لا تشبه حقيقته الأصلية أبداً. والخلاصة لقد تحققت الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم طيلة هذه الفترة أي المئتين وخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدة، لأنه لو حضر الإمام الثاني عشر بين الناس، لابتُلِـيَ بمصير آبائه ولَـحُرِمَت الأجيال الآتية طيلة آلاف السنين من نعمة وجود الإمام. إن الله تعالى اختزن حضرة المهدي (عج) إلى آخر الزمان، أي الزمن الذي سيبحث فيه الناس تدريجياً عن الطريق الصحيح - بالاستفادة من التعاليم التي بقيت عن سائر الأئمة والتي انتشرت في العالم - ويهيِّئوا أنفسهم لمحاربة الكفر والظلم وعندئذ سيظهر إمام العصر»( 31 ).

إن الوقوع في فخ التناقض يجعل الإنسان أحياناً مضطرباً إلى درجة ينسى معها جميع ادعاءاته السابقة حتى أنه في سعيه لحل تناقض معين يقع في تناقض آخر! ولنلاحظ هل يمكن لهذه التخبُّطات أن تنقذ شخصاً من الغرق:

1-3-2. عندما نقول: «لو لم يكن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومين أو كانوا معصومين لكنهم غائبون عن أنظار الناس لأدَّى ذلك إلى تحريف دين الله أو محوه»( 32 ) فما هو مقصودنا من «دين الله»؟ إذا كان المقصود هو «القرآن» فإن الله تكفل بحفظه من التحريف والمحو ولا حاجة لأجل هذا الأمر إلى إمام معصوم، وقد اعتُرف بهذه النقطة صراحةً في ثنايا الأدلة التي تُساق على ضرورة الإمامة.( 33 ) أما إذا كان مقصودنا هو أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته وتعاليمه في بيان حقائق القرآن وكليات دين الإسلام وأصوله الأساسية فإن خطر تحريفها ومحوها موجود باستمرار وفي كل زمن؛ وبناء عليه فلا يمكننا أن نقول إنه بعد الإمام الحادي عشـر لا حاجة لحضور الإمام المعصوم بين الناس. ومن المفارقات العجيبة أنهم يعتبرون خطر وقوع التحريف في تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً على ضرورة وجود (وحضور) الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (لأجل حفظ هذه التعاليم) من جهة، ومن الجهة الأخرى يقولون فراراً من التناقض:

«إن الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تحققت طيلة هذه الفترة أي المئتين والخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدة».

يا للعجب! إذا كانت الحكمة الإلهية من نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي تلك الأمور التي أوردوها في أدلتهم على الضـرورة العقلية لوجود الأئمة المعصومين فكيف يمكن أن تتحقق هذه الحكمة في فترة محددة (250 عاماً مثلاً) ولا تقتضي تلك الحكمة مدةً من الحضور أكثر من ذلك؟ هل زال خطر تحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومحوها بعد 250 عاماً؟ هل تم تبيان جميع حقائق الدين وأحكام الله تعالى التي يحتاجها الناس حتى يوم القيامة ولم يبقَ شيءٌ يُقال؟ ألم تكن هناك إمكانية لوجود مسائل مستجدة وموضوعات حادثة في الأزمنة التالية؟ بالله عليكم لاحظوا مرة ثانية نسيان المقدمات التي استُخدِمَت في ضرورة وجود الأئمة المعصومين:

«لقد أوصل أئمتنا على مدى مئتين وخمسين عاماً.... الإسلام إلى الآخرين وعملية نقل وإيصال الإسلام الحقيقي من جيل إلى جيل لاحق هذه هي التي أدت إلى عدم نسيان حقائق الدين وإلى تلقِّي عدد من الناس – ولو قلَّة ولو في زاوية من زوايا هذا العالم على الأقل - لحقائق الإسلام عن أئمة أهل البيت (ع).... لو غاب الأئمة في تلك المدة لقام حكّام ذلك الزمن بسرعة بتحريف الإسلام وتشويه الدين...... والخلاصة إن الحكمة من نصب الإمام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تحققت طيلة هذه الفترة أي المئتين والخمسين عاماً. لكن الحكمة الإلهية لم تقتضِ بقاء الأئمة أكثر من هذه المدَّة».( 34 )

أولاً: هل كان مقتضى الحكمة الإلهية من نَصْب الأئمة المعصومين أن يتربى في النهاية، بعد عدة أجيال، عددٌ من الناس – مهما كان قليلاً – ممن فهموا الإسلام عن طريق الأئمة المعصومين بشكل صحيح وكامل وبعد ذلك فليحدث ما يحدث؟ لنفرض أن عدداً قليلاً من الناس في ذلك الزمن نالوا تلك السعادة، فما حال البقية؟ وما هو مصير الآتين في المستقبل؟ وثانياً: أليست النتيجة المنطقية للتبريرات المذكورة أعلاه هي عدم ضرورة وجود الإمام الثاني عشر؟ بذلك التبرير الذي ذُكِر أعلاه ما هي الضرورة العقلية الباقية لوجود الإمام الثاني عشـر؟ أي معنى لأن يقوم الله بنَصْب شخص لا حاجة لوجوده في منصب الإمامة ثم يقوم – لأجل إنقاذه من الاستشهاد - بتغييبه عن الأنظار، ويحفظه حياً آلاف السنين إلى أن يحين موعد ظهوره كما يقول الشيعة؟ أفلم يكن قادراً أن يخلق في آخر الزمن شخصاً مؤهلاً وينصبه إماماً؟ إذا تحقق مقتضى حكمة الله من نصب الإمام المعصوم ولم يعد هناك حاجة أكثر إلى وجود الإمام بين الناس، ألا يكون وجود الإمام الثاني عشر واختفاؤه عن الأنظار وبلوغه من العمر آلاف السنين – في حين أنه لا توجد أي فائدة منه للناس ووجوده مثل عدمه – عملٌ عبثيٌّ ولغوٌ لا فائدة منه ومخالفٌ بالتالي لحكمة الله؟ أوليس مضحكاً أن نقول:

«إذا حضر الإمام الثاني عشر بين الناس، لابتُلِـيَ بمصير آبائه (أي استُشهد) ولَـحُرِمَت الأجيال الآتية طيلة آلاف السنين من نعمة وجود الإمام.».

فليت شعري! أيُّ نعمة سيُحرَم منها الناس القادمون في حال استشهاد الإمام الثاني عشر مما يتنعّمون به الآن أثناء غيبته ونجاته من الاستشهاد؟ كيف يمكن للإمام الغائب المحجوب عن الأنظار والذي لا يعرفه الناس وليس لديهم أي إمكانية للوصول إليه أن يُعتَبَر نعمة للناس؟ ما هي الفائدة من وجوده؟ يقول علماء الشيعة في الإجابة عن هذه الأسئلة: إن فائدة وجود الإمام المعصوم ليست مرجعيته الدينية والدنيوية فقط، بل هناك فوائد تكوينية مترتِّبة على وجود الإمام أيضاً ولأجل تحقق هذه الفوائد ليست هناك ضرورة لحضور الإمام فعلياً. فمثلاً الإمام المعصوم واسطةٌ للفيض الإلهي( 35 )، أي أن الفيوضات الإلهية إنما تصل إلى الناس عبر واسطة الإمام المعصوم. وأحياناً يقولون: إذا لم يوجد الإمام المعصوم لساخت الأرض بأهلها( 36 )، وإذا لم يوجد الإمام فسيحصل كذا ويقع كذا. وأحياناً ينسبون وقوع بعض الحوادث مثل واقعة «طبس»( 37 ) إلى تدخل إمام الزمان (عج) وعنايته بشعب إيران( 38 ). إن كلامنا الذي نقوله في مواجهة هذه الادعاءات هو: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. كيف لكم أن تثبتوا أن وجود الإمام هو واسطة الفيض الإلهي؟ كيف يمكنكم أن تثبتوا أن واقعة «طبس» معلولة للتصرفات التكوينية للإمام الثاني عشر وليست بسبب تدخل الاتحاد السوفييتي السابق (مثلاً)؟ لا يمكن إثبات أي واحد من هذه الادعاءات، ولا يجوز التشبث – لأجل الفرار من التناقض – بادعاءات لا يمكننا إثباتها. ثانياً: إن القول بأن الإمام الغائب له فوائد (مثل الذي ذُكِر أعلاه أو مثل شفائه لبعض المرضى وإغاثته لبعض الضائعين في الصحاري أو إحباط مؤامرات الأعداء و...) لا يحل مشكلة التناقض بين غيبة الإمام وأدلة ضرورة الإمامة عقلاً؛ فهل ضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنما تثبت بدليل أنه في المستقبل من الممكن أن يضيع بعض الناس في الصحارى ويتهددهم الموت أو أن بعضاً من الناس سيصابون بأمراض مستعصية لا علاج لها وسيحتاجون للحصول على الشفاء؟ هل تثبت ضرورة الإمامة بهذه الأدلة وأنه لأجل الحيلولة دون أن تسيخ الأرض بأهلها لا بد أن يوجد أئمة على الدوام كي لا يسمحوا للأرض أن تسيخ بأهلها!! وأين ذهب موضوع ضرورة بيان الإحكام الإلهية والإجابة عن أسئلة الناس بشأن المسائل المستجدة وحفظ تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من خطر التحريف والاندثار؟ وماذا حل بقضية هداية الناس نحو الكمال والسعادة؟ إذا كان حقيقةً:

«كما توجب حكمة الله أن يرسل أنبياء لهداية الناس فإن حكمته توجب أيضاً أن ينصب بعد الأنبياء في كل عصر وزمان إماماً وقائداً لهداية الناس ليحفظ شرائع الأنبياء والأديان الإلهية من خطر التحريف والتغيير، وليشخِّص حاجات الناس في كل زمن ويدعو الناس إلى الله وإلى العمل بشرائع الأنبياء، وإلا ففي غير تلك الصورة لن يتحقق الهدف من خلق الإنسان الذي هو تكامل البشر وسعادتهم وسيحال بين البشر وطريق الهداية وستضيع شرائع الأنبياء ويضل الناس ويقعون في الحيرة.»(39).

أجل إذا كان الأمر كذلك حقاً، فإن الغيبة الطويلة للإمام المعصوم ستكون أمراً محالاً، وستفقد مبرراتٌ مثل أن الناس أنفسهم هم الذين سبَّبوا غيبة الإمام الثاني عشر، وجاهتها، أولاً لأنه في حال صحة مثل هذه الأدلة واستحكامها ستكون حاجة الناس الضرورية للإمام المعصوم عامة لجميع الناس وفي جميع الأزمنة، فإذا كان بعض الناس لا يمتلكون أهلية هذه النعمة فيجب أن لا يعاقب بسببهم مليارات الآخرين الآتين في المستقبل بسبب عدم أهلية أولئك العدة ونكرانهم النعمة. إذا كانت هذه الأدلة صحيحة، كان يجب على الله أن يحفظ بذاته بأي وسيلة ممكنة سلامة روح الإمام ولا يدع الأبرياء وأتباع ذلك الإمام يعاقَبون بذنب عدم أهلية ثُلَّةٍ من البشر. ثانياً إذا كانت هذه الأدلَّة صحيحة فعلاً، فلن يصل أيُّ إنسان في عهد الغيبة، إذن، إلى السعادة والتكامل، وعندئذ يُطرَح السؤال: إذا كان الناس عاجزين عن معرفة طريق السعادة والكمال واجتيازه دون إرشادات الأئمة المعصومين فلماذا سمح الله لفريقٍ من الناس من فاقدي الأهلية وناكري المعروف أن يسبِّبوا حرمان عشـرات المليارات أو مئات المليارات من الأبرياء من هداية الأئمة المعصومين ويمنعوا وصول أولئك المساكين إلى الكمال والسعادة، حتى أصبح خلقهم بالنتيجة بلا فائدة؟ هل يمكن هنا أن نلقي باللائمة كلها على مسبِّبي الغيبة فقط مع أن هذه التبريرات تلقي بالتقصير في النهاية، بشكل غير مباشر، على الله أيضاً! (والعياذ بالله)، لأنه إذا كانت تلك الثلَّة فاقدة لأهلية الاستفادة من نعمة الإمام وأرادت أن تقتل الإمام، فأين ذهبت ربوبية الله وإلهيته؟! هنا نرى أن الشيعة، بسبب إصرارهم على دعوى باطلة، يضعون - دون أن يرغبوا بذلك- حتى التوحيد ذاته في قفص الاتهام! وأما تبريرات مثل أن فائدة وجود الإمام في زمن الغيبة كفائدة الشمس المحتجبة خلف الغيوم، فإنها لا تحلّ المشكلة وبدلاً من فكها للعقدة تجعل عُقَد نظرية الإمامة أكثر انغلاقاً، لأنها تبريرات ناشئة عن قياس مع الفارق. إن ضرورة وجود الشمس هي لعلة الحرارة والنور اللذان يصلان منها إلى طبيعة الكرة الأرضية، ولما كانت الغيوم غير قادرة على منع نور الشمس وحرارتها بشكل كامل من الوصول إلى الأرض فإن احتجاب الشمس وراء الغيوم – مدة قصيرة ومؤقّتة وليس آلاف السنين!- لا يتنافى مع فلسفة وسبب وجود الشمس، أما ضرورة وجود الإمام المعصوم فماذا كانت؟ طبقاً للأدلة التي ذكرت، فإن حاجة الناس الضرورية للهداية والإرشاد نحو السعادة والكمال هي التي أوجبت ضرورة نَصْب الأئمة المعصومين. فالآن نسأل هل يستطيع الإمام الغائب أن يكون مرشداً وهادياً للناس وأن يحول دون تحريف حقائق الدين؟ هل يمكنه أن يُشَخِّصَ حاجات الناس في كل زمان ويدعو الناس نحو الله ونحو شريعة الأنبياء؟ الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة. إذاً قياس الإمام الغائب عن الأنظار على الشمس المحتجبة عن الأنظار خلف الغيوم ليس له أيُّ وجه من الصحة، لأن الشمس عندما تكون خلف الغيوم تتمتع بكامل خواصها السابقة ذاتها -النور والحرارة- ولكن بمقدار أقل. وبعبارة أخرى عندما تذهب الشمس وراء الغيوم لا نقول إن نورها وحرارتها ذهبا ولكن بقيت لها فوائد أخرى يمكننا أن نستفيدها منها! فهل يملك الإمام الذي غاب عن الناس خواصه السابقة ذاتها (أي هداية الناس وإرشادهم، وبيان الأحكام الإلهية، وبكلمة جامعة المرجعية الدينية والدنيوية) ولو بشكل أقل أو محدود؟ لا شك أن الجواب هو النفي. فالاستفادة من تعبير الشمس خلف الغيوم مجرد تدبير ومحاولة غير ناجحة لا تفيد في الخلاص من هذه المخمصة الرهيبة.

باعتقادنا إن جميع أدلة ضرورة الإمامة تُنْتَقَضُ بغيبة الإمام الثاني عشر. ونشير في هذا الصدد إلى نموذجين آخرين:

«قال هشام بن الحكم في مناظرة مفصلة بينه وبين رجل عالم من أهل الشام حول مسألة الإمامة والقيادة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يلي:

... قَالَ هِشَامٌ لِلشَّامِيِّ: فَبَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم هَلْ أقامَ اللهُ للناسِ حُجَّةً ودَلِيلًا كَيْلَا يَتَشَتَّتُوا أَوْ يَخْتَلِفُوا؟

قَالَ [العالم الشامي]: أجل، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ [كافيان لرفع الاختلاف].

قَالَ هِشَامُ بن الحكم: فَهَلْ نَفَعَنَا الْيَوْمَ الْكِتَابُ والسُّنَّةُ فِي رَفْعِ الِاخْتِلَافِ عَنَّا؟

قَالَ الشَّامِيُّ: نَعَمْ!

قَالَ: فَلِمَ اخْتَلَفْنَا أَنَا وأَنْتَ وصِرْتَ إِلَيْنَا مِنَ الشَّامِ فِي مُخَالَفَتِنَا إِيَّاكَ؟»(40).

يبدو في هذه المناظرة القصيرة أن كلا المتناظرين يعتقدان أن الله لا بد أن يجعل حتماً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً وحجةً للناس ليمنع بروز أي خطأ واختلاف بين الأمة الإسلامية. هذا في أننا لا ندري من أين جاءت هذه الحتمية؟ بيد أن الرجل الشامي يعتبر أن القرآن وحديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هما المرجع لحل الاختلاف بين الأمة ويعتقد أنه لو رجع جميع المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجعلوهما قدوتهم ومثالهم المتبع في الحياة لما وقع أي اختلاف بينهم، غافلين عن أنه حتى لو رجع جميع الناس إلى القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فستظهر أيضاً بينهم بعض الاختلافات، إذْ إنه لن تكون لجميع الناس قراءة واحدة وفهم متطابق للقرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وقع هشام بن الحكم في هذا الخطأ ذاته وسقط في نفس الفخ، فهو يتصور أنه لو تم نَصْب أئمة معصومين من قِبَلِ الله بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليكونوا مفسرين للقرآن وحافظين لسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإن المشكلة ستحل ولن يقع أي اختلاف بين الناس، مع أنه حتى لو تم نَصْب مفسرين معصومين فإن الاختلاف سيبرز أيضاً، لأن الناس المختلفين سيستنبطون استنباطات مختلفة من كلام المعصوم الواحد ذاته والشاهد على كلامنا وقوع كثير من الاختلافات بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنفسهم أو أصحاب الأئمة المعصومين. لو كان بإمكاننا أن نُحْيِيَ «هشام بن الحكم» لعدة دقائق ونتكلم معه لكنا سألناه هل وضع الله بعد الإمام الحسن العسكري (ع) وفي زمن الغيبة دليلاً وحجةً للأمة الإسلامية لرفع كل نوع من الاختلاف بين أفرادها أم لا؟؟ من المسلم به أنه لن يستطيع أن يجيب بالنفي على هذا السؤال، لأن الجواب بالنفي معناه سحب ادعائه الذي كان يقول به حال حياته، بل سيقول نعم لقد وضع اللهُ لهم حجة. فإذا قال إن الحجة التي وضعها لنا هي القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديث الأئمة المعصومين فسنقول له إذا كان القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديث الأئمة كافية لرفع الاختلاف فلماذا اختلف علماء الشيعة الذين هم جميعاً فروع لجذع واحد وأعضاء من شجرة واحدة (أي أن مرجعهم جميعاً هو النصوص ذاتها) واختار كل فريق منهم خطاً سار عليه مخالفاً لخط الآخرين؟ إذا كان استدلالك قبل ألف ومئتي عام صحيحاً فلماذا لم يدبر الله لعصرنا أيضاً حلاً وحجةً تمنع الاختلاف؟

 وقد استدل «هشام بن الحكم » هذا بنحوٍ آخر على إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك خلال مناظرة له مع إمام معتزلة البصرة «عَمْرو بن عبيد » ، لكن استدلاله هنا كان أضعف من استدلاله هناك إذْ قال:

«هشام: أَلَكَ عَيْنٌ؟

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا؟

عَمْرو: أَرَى بِهَا الْأَلْوَانَ والْأَشْخَاصَ

هشام: فَلَكَ أُذُنٌ

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهَا

عَمْرو: أَسْمَعُ بِهَا الصَّوْتَ

هشام: فَلَكَ أَنْفٌ؟

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟

عَمْرو: أَشَمُّ بِهِ الرَّائِحَةَ

ثم سأله عن سائر الحواس كالذوق واللمس وعن الأعضاء كاليد والرجل ودورها في كيان الإنسان وسمع منه إجابات صحيحة، ثم واصل مناظرته على النحو التالي:

هشام: أَلَكَ قَلْبٌ (أي: عقلٌ تدرك به؟)

عَمْرو: نَعَمْ

هشام: فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟

عَمْرو: أُمَيِّزُ بِهِ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الجَوَارِحِ والحَوَاسِّ.

هشام: أَ ولَيْسَ فِي هَذِهِ الجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْبِ؟

عَمْرو: لَا

هشام: وكَيْفَ ذَلِكَ وهِيَ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ؟

عَمْرو: يَا بُنَيَّ إِنَّ الجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْ‏ءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ أَوْ سَمِعَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ فَيَسْتَيْقِنُ الْيَقِينَ ويُبْطِلُ الشَّكَّ.....

هشام: يَا أَبَا مَرْوَانَ فَاللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ ويَتَيَقَّنُ بِهِ مَا شُكَّ فِيهِ ويَتْرُكُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَشَكِّهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَـهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وحَيْرَتَهُمْ ويُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وشَكَّك؟!‏ » (41).

 في هذا الاستدلال افُترض أن مكانة العقل (القلب) في بدن الإنسان هي أنه عندما تخطئ إحدى الحواس أو تشك في إدراكها ترجع إلى العقل فيزيل العقلُ الخطأ أو الشك. فهل مكانة العقل هي حقيقةً كذلك؟ إذا كان الأمر كذلك فإن العقل بسبب أخطائه هو أيضاً لا يمكنه أن يؤدي هذا الدور المصون من الخطأ، ونحن نرى بوضوح أن حواسنا تخطئ أحياناً. إذن لم يجعل الله تعالى في جسمنا مرجعاً معصوماً عن الخطأ لترجع إليه الحواس الخمس ولا يمكن القول إن الله الذي وضع في جسمنا العقل لرفع شك الحواس وترددها فيما تدركه يستحيل أن لا ينصّب أئمة معصومين على المجتمع الإسلامي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لأن هذا سيكون قياساً مع الفارق. وبغض النظر عن ذلك فإن العلاقة بين العقل والحواس علاقة تكوينية ولا إرادية وعضوية. فحاسَّة اللمس لدى الإنسان ليست كائناً مختاراً عندما تصادف شيئاً حاراً ترجع إلى العقل وتجثو على ركبتيها أمامه وتسأله: يا حضرة العقل! هل هذا الشيء الذي ألمسه الآن حار حقيقة أم أنني أتخيله حاراً؟ فيجيبها العقل إجابةً حقيقيَّةً فتشكره حاسة اللمس على أنه أزال ترددها وتستأذنه بالذهاب حتى لقاء آخر! هذا بعكس الناس الذين لهم عقل وإرادة، فقياس الناس في المجتمع على الحواس في الجسم قياس مع الفارق. ثم لنفرض جدلاً أن جميع الإشكالات التي أوردناها على الاستدلال المذكور غير واردة، فهل يمكننا أن نسأل: إذا كان وجود الإمام المعصوم - طبقاً للاستدلال المذكور- ضرورياً لأجل حلّ الاختلافات وإزالة الشك والترديد فلماذا غاب الإمام الثاني عشر؟ لماذا وَكَل الله تعالى - الذي وضع العقل في الإنسان ليزيل بواسطته أخطاء الحواس وشكِّها - مجتمعَ المسلمين في عصر الغيبة إلى نفسه وتركه في حيرته وشكه وخطئه؟

ولا ينقضي عجبنا من طرح مثل هذه الأدلة الواهية الضعيفة تحت عنوان «أعمق بيان في إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم»(42). وقد افتُرِض مسبقاً في هذا الدليل أيضاً -شأنه شأن الأدلة الأخرى- أن الله «يَـجِبُ» أن يمنع بأي وسيلة كانت وقوع الناس في الخطأ في فهم الدين ويمنع وقوع الاختلافات الفكرية بين الناس. هذا في حين أنه لو كانت لِـلَّهِ تعالى مثل هذه الإرادة لخلق جميع الناس معصومين منذ البداية ولما كانت هناك حاجة أصلاً للأنبياء والكتب السماوية. وليت شعري! لماذا يجب أن نملي على الله تعالى، الذي هو خالقنا وموجدنا، تكاليفَ ونحدِّد له واجبات، وبالتالي نوقع أنفسنا، علمنا أم لم نعلم، في فخ تناقضات لا حصر لها؟

3. الإشكال الثالث الوارد على الأدلة العقلية التي تُساق لإثبات ضرورة الإمامة (كالدليل الذي نبحثه) هو أنه إذا كانت هذه الأدلة صحيحة، فإن مقتضـى ذلك أن ينصب اللهُ تعالى بعد كلِّ نبيٍّ تشريعيٍّ منذ أول نبي – أي حضـرة آدم- وحتى آخر الأنبياء، أنبياءَ تبليغيين أو أئمَّةً معصومين كي يحفظوا تعاليم النبيِّ التشـريعي السابق ويفسّروا كتابه السماوي. وبعبارة أخرى كان يجب أن لا تنقطع سلسلة الأنبياء أو الأئمة المعصومين في ذلك الزمن على الإطلاق. ولكن الشيعة والسنة كلاهما يعلم أن مثل هذا المخطط لم يتم تنفيذه، وعلى سبيل المثال لم يرسل الله تعالى في الفترة التي تلت حضرة عيسي (ع) وحتى زمن بعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم – والتي طالت أكثر من ستمئة عام وجاء فيها ورحل أجيال عديدة من الناس – أيَّ نبيٍّ تبليغيٍّ ولم ينصب أيَّ إمام معصوم وقد أصيب دين المسيح أيضاً بعد مدّة بالتحريف والتشويه. أفلم يكن ضرورياً أن يتم حفظ دين حضرة عيسى، على الأقل حتى زمن بعثة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، ويُصانَ من التحريف والاندثار، بواسطة أنبياء تبليغيين أو أئمة معصومين كي لا يُحرم الناس الذين عاشوا في تلك الفترة من الوصول إلى الكمال والسعادة من جهة، ومن الجهة الأخرى كي يؤمن المسيحيون الذين كانوا في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بدين الإسلام بكل سهولة وطمأنينة (أي يعلموا أن نبيهم السابق بشـّر فعلاً بالنبي اللاحق)؟ ولا ننسَ أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص.

إننا نريد من علماء الشيعة أن يراجعوا مرة أخرى أدلة ضرورة الإمامة عقلاً ويلاحظوا هل يمكنهم أن يقيموا تلك الأدلة لأجل الحقبة التالية لزمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وحدها فقط؟ هل استطاع حضرة عيسى (ع) أن يبلِّغ الناس جميع حقائق الدين والأحكام الإلهية المتعلقة بتلك الفترة؟ ألم يكن من الممكن أن تظهر بعد المسيح وفي الأزمنة الآتية مشكلات وموضوعات جديدة لم تكن مطروحة في زمنه وتحتاج إلى إجابة؟ وحتى لو قال حضرة عيسى (ع) كل شيء للناس ولم تكن هناك مسائل جديدة في المستقبل، فعلى الأقل لقد وقع التحريف والاندثار لتعاليم ذلك النبيّ، فلماذا لم يرسل الله أنبياء تبليغيين ولم ينصّب أئمة معصومين لحفظ الإنجيل وتعاليمه؟

هنا من الجيد أن نشير إلى الروايات المروية عن أئمة الشيعة حول ضرورة وجود أئمة معصومين وحجج إلهيين ونمحّص صحتها وسقمها بملاحظة عالم الواقع. فقد نقلنا فيما سبق الرواية المروية عن الإمام الصادق أنه قال:

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله»( 43 )

كما نقلنا ما رُوي عن الإمام محمد الباقر (ع) من قوله:

«وَاللهِ مَا تَرَكَ اللهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ (ع) إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى الله وَهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَا تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِـلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ»( 44 )

ولكننا نعلم أن هذه القاعدة منقوضة في الماضي- مثل الفترة الزمنية بين عيسى ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الزمن الذي نعيشه الآن.

فاليوم مثلاً، وبعد ألف ومئة عام، لا أثر لإمام معصوم مرشد للناس نحو الطريق المستقيم ومبيّن لأحكام الحلال والحرام وبالتالي مقيم للحجة على الناس. نحن هنا لا ننكر وجود الإمام الغائب ولكننا نقول إنه لا يمكن اعتباره حجةً لِـلَّهِ لأن الناس محرومون من إرشاداته وغير مطّلعين على هداياته. وبعبارة أخرى إن عبارة «الحجة الغائبة» عبارة متناقضة في حد ذاتها، إذ كيف يمكن أن يحتج الله على عباده بإمام غائب عنهم؟ عندما يحتجُّ الله فعلاً على عباده بواسطة شخص فإن هذا الشخص يكون نبياً أو إماماً معصوماً حياً وحاضراً حتى يقطع به عذرهم من خلال هدايته لهم إلى الطريق المستقيم وبيانه لأحكام الله وحقائق الدين، لا أن يكون إماماً غائباً عنهم ولا أحد يعلم أين يعيش؟ وماذا يأكل؟ وماذا يلبس؟ وما هو عمله وشغله؟ وما هي تعاليمه؟ وما هو فحوى كلامه؟ وما الذي يريده منا وما الذي لا يريده؟ بل ليس من المعلوم أن يكون له وجودُ خارجيٌّ حقيقةً ومن الأساس؟ مثل هذا الشخص لا يمكنه أبداً أن يُعتبر حجَّةً لِـلَّهِ على عباده. وبعبارة أخرى في هذا الزمن أي في عصـر الغيبة ليس هناك وجود خارجيٌّ لإمام يمكن اعتباره حجَّةَ الله. والإمام الثاني عشر، حتى لو كان له وجود فعليّ، ليس حجّةَ الله. إن الحجة الحاليَّة هي كتاب الله إضافة إلى عقل الإنسان وهذا بحد ذاته يبيِّن أن ادعاء ضرورة وجود الأئمة المعصومين عقلاً بوصفهم حججاً إلهيين ادعاء غير مدروس وخيالي، وقد ظهر أن توقعات أئمة الشيعة – التي تكونت استناداً إلى هذه العقيدة- مخالفة للواقع(45).

4. نحن نعلم أن الأنبياء الإلهيين ينقسمون إلى نوعين: أنبياء تشـريعين مثل (حضرة إبراهيم وموسى و...) الذين يأتون بكتاب سماوي وشريعة جديدة، وأنبياء تبليغيين (مثل حضـرة يحيى وزكريا و...) الذين يدعون الناس إلى دين النبيِّ التشريعي الأخير وإلى شريعته ويعلِّمون الناس حقائق ذلك الدين وتعاليمه ويحاربون البدع والتحريفات التي تطرأ عليه. الأنبياءُ التبليغيون يحفظون الشريعة التي جاء بها نبيٌّ تشريعيٌّ قبلهم ويفسرونها ويقومون بالدعوة إليها وتبليغها. هنا يأتي السؤال الذي يُطرح دائماً على المتكلمين (الشيعة والسنة) وهو: «لنفرض أن الإسلام أنهى النبوَّة التشريعية بكماله وكليته وجامعيته، ولكن كيف يمكننا أن نبرر انتهاء النبوَّة التبليغية؟»(46).

بعبارة أخرى، صحيح أنه لم يعد هناك حاجة إلى نبي تشـريعي جديد وشريعة جديدة بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بأي دليل تُحرم أمة الإسلام من الأنبياء التبليغيين؟ إن إجابة علماء الشيعة على هذا السؤال تستحق القراءة، إنهم يقولون:

«يبقى الناس بحاجة إلى الوحي التبليغيّ طالما لم تصل درجة العقل والعلم والحضارة إلى مرتبة يتمكّنون فيها من تحمُّل مسؤولية القيام بأمر الدعوة وتعليم الدين وتبليغه وتفسيره والاجتهاد فيه. إن ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية إلى درجة البلوغ والرشد ينهي بشكل تلقائي الوحي التبليغيّ ويصبح العلماء خلفاء الأنبياء وورثتهم. لقد تكلم القرآن في أول ما نزل منه من آيات عن القراءة والقلم والعلم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (العلق/1-5)

هذه الآيات تعلن أن عهد القرآن هو عهد القراءة والكتابة والتعليم والتعلّم والعقل. إن هذه الآيات تفهمنا بشكل ضمني أنه في عهد القرآن انتقلت مهمة التعليم والتبليغ وحفظ الآيات السماوية إلى العلماء، ومن هذه الزاوية يكون العلماء هم خلفاء الأنبياء وورثتهم. هذه الآيات إعلان لبلوغ البشـرية واستقلالها من هذه الناحية. والقرآن الكريم يدعو الناس في جميع آياته إلى التعقّل والاستدلال وملاحظة الطبيعة بالعين والتجربة وقراءة التاريخ، ويدعوهم إلى التفقُّه والتدبُّر (في الدين(47).

«في العصر الإسلامي قام المسلمون أنفسهم بحفظ آثارهم وصيانتها ومنع اندراسها واندثارها، وفي الوقت ذاته حافظوا إلى حد ما على آثار الملل السابقة ونقلوها إلى الأجيال التالية. أي أن البشرية في عهدٍ متزامنٍ تقريباً مع عهد ختم النبوَّة أثبتت أهليتها لحفظ المواريث العلمية والدينية... إن بزوغ العلم وظهوره ووصول البشـرية إلى حد أصبحت فيه قادرة بذاتها على حفظ دينها السماوي وتبليغه والدعوة إليه، أنهى بشكل أو بآخر النبوَّة التبليغية»(48).

«إن البلوغ العقلي والعلمي للبشر وظهور عصر قدرة الإنسان على تلقي حقائق المعارف الكلية والقوانين الإلهية وعلى حفظ المواريث (العلمية و) الدينية ومحاربة التحريفات والبدع والدعوة والتبليغ وإشاعة الدين، هو الأرضية الأساسية لختم النبوَّة ونهايتها»(49).

«أول منصب ينتقل في عصر ختم النبوَّة من الأنبياء إلى العلماء هو منصب الدعوة والتبليغ والإرشاد ومحاربة التحريفات والبدع... والأمر الذي يجعل هذه المحاربة ممكنة وييسرها هو بقاء المعيار وحفظ المقياس الأصلي أي القرآن الكريم. ولقد أكّد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بشكل خاص على الاستفادة من القرآن لأجل (معرفة) صحة وسقم الأشياء التي تنقل عن لسانه»(50).

«إن حفظ النصوص الأصلية وصيانتها من نوائب الدهر، واستنباط الفروع من الأصول، وتطبيق الكليات على الجزئيات، وطرح المسائل المستجدة التي تبرز في كل عصر واكتشافها، ومنع التيارات والميول أحادية الجانب ومحاربة الجمود على القشور والشكل والمظاهر والعادات، والفصل بين الأحكام الأصلية الثابتة والمقررات والقواعد الفرعية، وتشخيص الأهم والمهم وترجيح الأهم، وتعيين حدود صلاحيات الحكومة في سنّ القوانين المؤقتة، وفي النهاية تنظيم البرامج المتناسبة مع حاجات العصر، كل ذلك من أهم واجبات علماء الأمة في عصر ختم النبوَّة»(51).

تلك كانت فلسفة ختم النبوَّة من وجهة نظر علماء الشيعة. هنا يأتي السؤال: إذا كانت فلسفة ختم النبوَّة هي ما ذُكر أعلاه فكيف يمكننا أن نقبل ادعاءكم بأن العقل يحكم بضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ إذا كان علماء الأمة وفقهاؤها بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يستطيعون أن يكونوا وارثي الأنبياء وأن يؤدوا مهمة الأنبياء التبليغيين (أي حفظ الدين وتبليغه وتفسيره ومحاربة البدع والتحريفات والخرافات ودعوة الناس إلى الدين) فأي ضرورة حتمية إذن للأئمة المعصومين؟

لقد وزنّا أدلة الشيعة العقلية على إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيِّ بميزان النقد ووضعنا نتيجة هذا الوزن أمام أنظار عامة الناس. ولكن قد يقول البعض: نحن لسنا بحاجة إلى إثبات ضرورة وجود الأئمة المعصومين، لأن أدلة الشيعة النقلية هي التي تدل على أن الله – لأي حكمة أو سبب كان – نَصَبَ أشخاصاً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في منصب الإمامة وخلافة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وقام أولئك الأئمة واحداً تلو الآخر بهداية الناس ونشر المعارف الإلهية الحقة ومحاربة الظلم، ثم غاب الإمام الثاني عشر - لمصالح وعلل ما - عن الأنظار وسيظهر في آخر الزمان بأمر الله. إن مقام الإمامة والعصمة وعلم الأئمة اللدني والوهبي إنما تثبت بالأدلة النقلية (القرآن وأحاديث النبيّ) وبالوثائق والمستندات التاريخية. وبناء على ذلك فإن قول أولئك الأئمة وفعلهم وتقريرهم حجةٌ على جميع المسلمين. أما في عصـر الغيبة حيث لا يُتاح الوصول إلى الإمام المعصوم، فيجب على العلماء والفقهاء أن يرجعوا إلى التعاليم الباقية عن الأئمة ويجب على العوام أن يرجعوا إلى هؤلاء الفقهاء الذين هم رواة أحاديث الأئمة المعصومين والعالمون بتعاليمهم. ويمكن أن نلخص ما سبق بما يلي:

أ- عدم ضرورة وجود الأئمة المعصومين لا يتساوى مع عدم وجودهم.

ب- أدلة الشيعة النقلية تثبت بشكل قاطع وجود الأئمة المعصومين.

ج- يجب أن نرجع إلى التعاليم الباقية عن الأئمة لفهم الدين بشكل صحيح.

بالنسبة إلى النقطة (أ) رغم أنها تتضمن تساؤلات وإبهامات عديدة تتطلب دراسةً وبحثاً من الناحية الفلسفية إلا أننا لا نشعر بحاجة إلى خوض هذه المباحث وسنفترض جدلاً أنها نقطة صحيحة. أما بالنسبة إلى النقطة (ب) فيجب أن نمحّص أدلة الشيعة النقلية لنرى درجة صحتها وقوة منطقها، كما يجب أن ندرس الوثائق والمستندات التاريخية الموثوقة التي يقبلها الفريقان لنرى إلى أي حد تدعم ادعاءات الشيعة وتؤيدها. ولا يمكننا في هذه العجالة أن نبحث هذه الأدلة على نحو مفصّل، بيد أننا سنذكر عدة نقاطٍ فيما يلي، نعتقد أنها يمكن أن تكون دليلاً مرشداً لطلاب الحقيقة.

أولاً: لا ننسَ أن أهل السنة وجهوا انتقادات كثيرة إلى هذه الأدلة واستشكلوا عليها استشكالات عديدة ودحضوها بأدلَّة مفصَّلة لا ينبغي أن نتجاهلها. إذا كنا طلاب حقيقة فعلاً فينبغي علينا أن ندرس بكل دقة وإنصاف آراء طرفي الدعوى ونحكم بشأنها بكل تجرد وحيادية. وما يؤسف له أن أهل السنة في بلادنا محرومون من طرح آرائهم الناقدة للتشيُّع ومن حرية القلم والبيان ولا يملكون حق طباعة ونشر آرائهم في كتب ومنشورات، لذا إذا أراد شخص أن يحقق في هذه الموضوعات بالمعنى الواقعي للكلمة فإنه سيواجه فقدان المصادر المطلوبة لهذا التحقيق أو قلتها، وهذا الأمر بحد ذاته سيجعل البحث والتحقيق صعباً للغاية بل مستحيلاً أحياناً، ولهذا الدليل بالذات فإن الأكثرية الساحقة لشعبنا (حتى طلاب الشـريعة وطلاب الجامعات) مقلدون في الوقت الحاضر ليس في فروع الدين فقط، بل في أصول الدين أيضاً، فهم يقبلون التعاليم التي لُقّنوها منذ طفولتهم من قِبل الأسرة والمدرسة والمنابر والمجالس، وهم متأثرون عموماً بهذه التعاليم ذاتها التي يبلغها علماء الدين التقليديون، ومن النادر أن نجد شخصاً ينظر إلى هذه التعليمات بعين الشك والارتياب أو بنظرة ناقدة فاحصة. بناء على ذلك إذا كان ادعاء الحكومة للتدين والحرص على الدين صحيحاً وكانت مهتمةً فعلاً بنشر تعاليم الدين وترشيد الناس دينياً فإن عليها أن تسمح بجوٍّ حرّ ومفتوح لتضارب الآراء والأفكار المختلفة والمتضادة كي يكون من الممكن البحث والتحقيق في أصول الدين التي تشكل قاعدة الدين وأساسه بالمعنى الواقعي للكلمة. كيف يمكن للحكومة أن تدَّعي أنها حكومة دينية في حين أنها باستبدادها وديكتاتوريتها وجَوِّ خَنْق الحريات والأفكار الذي أوجدته قد سدَّتْ على الناس حتى طريق البحث والتحقيق في أصول الدين فأدت بهذا العمل إلى هزّ أساس التديُّن الحقيقي وتزلزله؟

ثانياً- عادةً ما يقول علماء الدين الشيعة أنه لا توجد حاجة لقراءة كتب أهل السنة لأن علماء الشيعة نقلوا في كتبهم انتقادات أهل السنة وشبهاتهم وأجابوا عنها؛ فالباحث المحقق يمكنه من خلال دراسته لكتب علماء الشيعة أن يضرب عصفورين بحجر: يتعرف على آراء أهل السنة وشبهاتهم وفي الوقت ذاته يطلع على أجوبة علماء الشيعة عن تلك الشبهات. لكن هذا لا يعدو كونه مجرَّد ادعاء، وينبغي أن لا يُخدع الباحث المحقق بمثل هذه الدعايات، فأولاً كيف يمكن أن ندرك – دون الرجوع إلى مصادر أهل السنة الأصلية ومطالعتها بشكل واسع وعميق- أن ادعاء علماء الشيعة ذاك صحيحٌ أم لا؟ بناء عليه إن الرجوع إلى الكتب الكلامية لأهل السنة ودراسة آرائهم شرطٌ لازمٌ للبحث والتحقيق العلميِّ والواقعيِّ. وثانياً: إنَّ الأجوبة التي أُعطيت لبعض انتقادات أهل السنة لم تكن مقنعة لهم وقد أجاب عنها علماؤهم، ولذا فلأجل الوصول إلى الحكم النهائي في المسألة لا بدّ من الرجوع إلى جميع تلك المناقشات والمباحثات ودراستها بإنصاف.

ثالثاً: يَعْتَبِرُ علماءُ الشيعةِ الإمامةَ استمراراً للنبوَّة وبالتالي فالإمامة في نظرهم من أصول الدين، ويعتقدون أن الإيمان يبقى ناقصاً غير مكتمل ما لم يتضمن الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب (ع) وأبنائه (حتى الإمام الثاني عشر) وبولايتهم وعصمتهم، وأنه يجب على كل إنسان أن يتلقَّي حقيقة الدين ويأخذ تعاليم الوحي وأحكام الله منهم فقط. بعبارة أخرى يعتقد علماء الشيعة أن سعادة الناس وتكاملهم المعنوي رهينان باتباع أولئك السادة الكرام. ولكننا عندما نرجع إلى القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته لا نجد أيَّةَ نصوص صريحة تؤيِّد ادعاءات الشيعة هذه، وهذا بحدِّ ذاته يضع علامة استفهام كبيرة على أدلة الشيعة النقلية بل يسقطها من الاعتبار.

وتقول نظرية الإمامة إن وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ضروريٌّ عقلاً وإن الله تعالى بمقتضى حكمته البالغة يجب أن يَنْصِبَ أئمَّةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قام بذلك فعلاً، وأنَّ أوَّلَ أولئك الأئمة المعصومين هو علي بن أبي طالب (ع) وآخرَهم حضرة المهدي (عج) الذي غاب عن الناس لأسباب ومصالح معينة، وسيظهر في آخر الزمن. وتضيف النظرية إن هؤلاء الأئمة، بدليل علمهم وعصمتهم التي منحهم إياها اللهُ تعالى، معصومون عن كل خطأ واشتباه مبرؤون من كل ذنب، وأنهم، بدليل ارتباطهم بعالم الغيب ومنبع الوحي، يعلمون جميع حقائق الوحي الإلهي وأسراره ورموزه، ولديهم علمٌّ لدنيٌّ معصومٌ عن الخطأ وأن الفيض الإلهي يصل إلى الناس عبر واسطتهم وأنه لو خلت الأرض من أحدهم لساخت بأهلها، والأهم من ذلك كله، أنهم، كما يقول الإمام الصادق (ع):

«الْأَوْصِيَاءُ هُمْ أَبْوَابُ الله عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا وَلَوْلَاهُمْ مَا عُرِفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِمُ احْتَجَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ»( 52 ).

فاستناداً إلى الخصائص التي ذُكرت، الناسُ مأمورون مِنْ قِبَلِ اللهِ أن يتَّبعوا أولئك المعصومين اتباعاً تامَّاً ومطلقاً دون سؤال أو نقاش، فهم ميزان الحق والفضيلة وكلُّ من اقترب منهم بقدر استطاعته ونهل من تعاليمهم الإلهية وعمل بأوامرهم ووصاياهم وصل إلى السعادة والكمال. تلك كانت خلاصة نظرية الإمامة كما هي رائجة بين الشيعة. ولكن:

أ- لا نجد في أي موضع من القرآن الكريم أيَّ آيَةٍ تؤيِّد بصـراحة تلك الادعاءات. ففي القرآن آياتٌ كثيرةٌ حول التوحيد والنبوَّة والمعاد تبيِّن بكل صراحة الحقائق المتعلقة بهذه الأصول الثلاثة. وحتى بالنسبة إلى النبوَّة هناك آيات تتحدّث عن فلسفة النبوَّة وتذكر أسماء كثير من الأنبياء، وتبيِّن كذلك ختم نبوة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بصراحة. أمّا بالنسبة إلى الإمامة والعصمة فلم يتمّ بيانها بصـراحة في القرآن بالنحو الذي تقول به الشيعة كما لم تُذكر أسماء أي مصاديق لها (أي أسماء الأئمة المعصومين). وجميع الآيات التي يستند إليها الشيعة في هذا المجال تحتمل تفسيرات متعدّدة وليست صريحة أبداً في تأييد ادعاءاتهم. لو كانت ادعاءات الشيعة صحيحة، فإنه بناء على منطق الشيعة ذاته، كانت هناك ضرورة عقلية تحكم بأنه من الواجب على الله تعالى أن يبيِّن هذا الأمر بكلِّ صراحة في القرآن، لأن الله تعالى تكفَّل بحفظ كتابه من التحريف والاندثار فالقرآن وثيقة الإسلام الأبدية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، أما أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواياته فمن الممكن أن يعتريها التحريف والدسّ على إثر نوائب الزمن وحوادث التاريخ المأساوية أو بسبب دسّ واختلاق وضّاعي الحديث. فإذا كان الاعتقاد بالإمامة – بالشكل الذي تقول به الشيعة- من أصول الدين وضماناً لسعادة الناس وشرطاً لفلاحهم كان ذكر هذا الأمر بكل صراحة ودون أي غموض أمر تقتضيه الضرورة العقلية وهو حسب تعبير الشيعة الكلاميّ أمرٌ «واجبٌ على الله». وبالتالي فنحن بمجرد أن نلاحظ أنه لا يوجد شيءٌ من هذا في القرآن الكريم ندرك أن ادعاءات الشيعة في هذا المجال باطلة. وبعبارة أخرى حتى لو كانت إمامة أئمة الشيعة وعصمتهم أمراً صحيحاً في حدِّ ذاته فإن الاعتقاد بها ليس ضرورياً للوصول للسعادة والكمال وليس شرطاً لازماً للنجاة الأخروية.

ب- كما لا توجد في أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيُّ نصوص صريحة تؤيِّدُ ادعاءات الشيعة، وكلُّ الأحاديث والأخبار التي يستند إليها الشيعة في هذا المجال هي إما موضوعة (كالأحاديث التي ذُكِرَتْ فيها أسماء الأئمة واحداً واحداً والتي يعترف عديد من علماء الشيعة بأنها موضوعة ولا تصِحُّ) أو أنها تقبل تفسيرات متعددة (مثل حديث غدير خم أو حديث الثقلين). لو كان كلام الشيعة صحيحاً فلماذا لم يبيِّن نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحقائق بصراحة ووضوح كي يزيل بذلك أي شك أو شبهة أو غموض ويتمّ الحجّة بذلك على الناس؟ لماذا لم يقل حتى ولو مرة واحدة بشكل صريح وواضح: أيها الناس إن عليَّ ابن أبي طالب (ع) إمامٌ معصومٌ وخليفتي بحقٍّ وأميرٌ نصَبه الله تعالى حاكماً ورئيساً للأمة الإسلامية في جميع أمورها الدينية والدنيوية، ويجب على كل مسلم أن يسمع له ويطيعه ويطيع الأئمة التالين له من ولده طاعةً محضة دون سؤال أو نقاش؟ إذا كان حقاً أن الإمامة وخلافة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن تكون بنصٍّ من الله فلماذا لم يأت مثل هذا النص الصريح القاطع لا في القرآن ولا في كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟(53)

ج- وأيضاً يمكن لسائل أن يسأل إذا كانت ادعاءات الشيعة بشأن إمامة عليٍّ بن أبي طالب (ع) وأولاده وعصمتهم صحيحةً فلماذا لم يأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتدوين هذا الأمر الهامّ في وثيقةٍ مكتوبةٍ؟ ولماذا لم يتمَّ إبلاغ هذا الأمر – الذي يدَّعي الشيعة أنه أصل الدين وأساسه وأنه ضامن لسعادة الناس ونجاتهم في الدنيا والآخرة- بشكل مكتوب ومدوَّن ومختوم بخَتْم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى جميع رؤساء وملوك وأمراء العرب ولماذا لم يأمر النبيُّ بحفظ هذه الوثيقة وإبلاغها للأجيال اللاحقة؟؟ قد يُجاب بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد في آخر لحظات عمره المبارك أن يقوم بهذا الأمر لكنه مُنع من كتابة صحيفةٍ في هذا الصدد عندما اتُّهِم بأنه يهجُر وأن المرض قد غلب عليه، ولكن بغض النظر عن صحة سند هذه الواقعة أو سقمه، ينبغي أن نقول: لا أحد يعلم ما الذي أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتابته بالضبط، وبالتالي فالاستناد إلى هذه الحادثة – والتي سندها غير موثوق بالطبع – لا يحلُّ المشكلة. وثانياً: إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد فعلاً كتابة صحيفة ينصُّ فيها على موضوع الإمامة كما تدَّعيه الشيعة فلماذا لم يفكِّر بهذا الأمر إلا في آخر لحظات عمره عندما أصبح على فراش الموت وفي حال الاحتضار؟ ألم يكن في وسعه أن يكتب مثل هذه الصحيفة في جميع السنوات الماضية ويبلغها لرؤساء قبائل العرب وكبار الصحابة؟

 

الهوامش:

(19) المصدر السابق/ ص 343.

(20) سبحاني، جعفر، «رهبري أمت» أي زعامة الأمة، ص24.

(21) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص409.

(22) سبحاني، جعفر، «رهبرى امّت» (أي قيادة الأمة)، ص24.

(23) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص407.

(24) مطهري، مرتضى، إمامت ورهبري، ص.

(25) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص407.

(26) المصدر السابق.

(27) المصدر السابق، ص412.

(28) يُدّعَى أحياناً أن الإمام الغائب يقوم بهداية الناس عن طريق الإلهام وإلقاء أحكام الدين الصحيحة في صدور بعض الفقهاء بشكل غير مباشر. إلا أن هذا الادعاء لا يمكن إثباته وقد بحثنا هذه المسألة بالتفصيل في حوارنا النقديّ مع حجة الإسلام «محسن غرويان» (وسيأتي تفصيله في القسم التالي من هذا الكتاب).

(29) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص412.

(30) المصدر السابق ص415.

(31) المصدر السابق.

(32) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص412.

(33) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد (أي تعليم العقائد)، ص305.

(34) المصدر السابق ص415.

(35) المصدر السابق.

(36) أصول الكافي، ج1، ص179.

(37) يشير المؤلف إلى الحادثة التي وقعت عام 1980م. في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عندما أمر بتنفيذ عملية سرية ضد إيران بهدف تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران فحطَّت مجموعة من الطائرات العمودية في صحراء «طبس» وسط إيران حاملةً مجموعةً من الكوماندوس ليقوموا بتنفيذ العملية، لكن العلمية باءت بفشل ذريع منذ بدايتها إذْ أدَّت عاصفة رملية مفاجئة إلى ارتطام طائرتين عموديتين ببعضهما ومقتل واحتراق طاقمهما مما أجبر الأفراد الباقين على أن يلوذوا بالفرار تاركين جثث زملائهم المحترقة والمتفحِّمة وراءهم. (المترجم).

(38) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص417.

(39) مكارم شيرازي، ناصر، «اعتقاد ما- شرح فشرده‌اى از عقائد امامية» (يعني عقيدتنا، شرح مكثَّف لعقائد الإمامية)، ص75.

(40) سبحاني، جعفر، «پيشوايى از نظر اسلام» (يعني الإمامة في نظر الإسلام)، ص132، نقلاً عن أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، ج1، ص172.

(41) المصدر السابق، نقلاً عن أصول الكافي، كتاب الحجة/باب الاضطرار إلى الحجة، ح 3، ج1/ص170.

(42) معارف إسلامي 1و 2، نهاد نمايندگى هاى ولى فقيه در دانشگاه ها، ص198.

(43) الكليني، أصول الكافي، ج1/ص178.

(44) الكليني، أصول الكافي، ج1/ص179.

(45) إذا اعتبرنا أئمة الشيعة معصومين، فيجب أن نعترف أن الأحاديث المذكورة أحاديث موضوعة لأن الإمام المعصوم لا يقول كلاماً مخالفاً للواقع. فهذه الأحاديث هي في الحقيقة من وضع واختلاق المتكلمين الذين نسبوا خيالاتهم الفكرية إلى ألسنة الأئمة المعصومين.

(46) مطهري، مرتضى، مجموعه‌ى آثار، ج 3، ص173.

(47) المصدر السابق، ص174.

(48) المصدر السابق، ص176.

(49) المصدر السابق، ص195.

(50) المصدر السابق ص195.

(51) المصدر السابق ص196.

(52) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ (ع) خُلَفَاءُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِهِ وَأَبْوَابُهُ الَّتِي مِنْهَا يُؤْتَى، ج1/ص193.

(53) لقد تم بيان هذه الفكرة بشكل مفصّل في كتاب «شاهراه اتحاد، بررسى نصوص إمامت». (أي طريق الاتحاد دراسة وتمحيص أحاديث النص على الأئمة) لحيدر علي قلمداران.