تحليل الدليل ونقده

كما هو معلوم بوضوح، الأدلة التي ذكرناها هي ذات مدلول عام وتسعى إلى إثبات ضرورة وجود هداة مرشدين (سواءً النبيّ أم الإمام) بين الناس. ولكن من الجيد أن نقوم بتحليل ودراسة مقدمات تلك الأدلة:

1. صحيح أن الله تعالى – بدليل كونه حكيماً - لا يقوم بعمل عبثي، ولكن كيف يمكننا أن نكتشف غرضه من خلق الإنسان بطريقة عقلية، ثم نعممه على جميع البشر مدعين أنه لا بد أن يكون الناس جميعاً قد خلقوا لأجل هذا الغرض؟ لا ننسَ أن أدلة إثبات ضرورة بعث الأنبياء ونصب الأئمة المعصومين أدلة عقلية وأدلة مقدماتية أي سابقة، بمعنى أنه يجب أن تكون مقدماتها قد ثبتت عقلياً مسبقاً، وثانياً أن تستطيع أن توجد في ذهن الإنسان ضرورة وقوع حادثة قبل وقوعها. إن الأدلة التي ندرسها ونبحثها يجب أن تكون على نحو يمكن إقامته قبل بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والشرائع الإلهية. لو فرضنا أننا نعيش في زمان (أو مكان) لم يرسل الله تعالى فيه بعدُ أيَّ نبيٍّ إلى الناس، أو أننا لم نطَّلع بعد على بعثة أي نبيٍّ من الأنبياء، ففي مثل تلك البيئة نحن لا نعلم إلا أن خالقنا هو الله الأحد وأن الله حكيمٌ ولا يقوم بعمل عبثي. فالآن كيف يمكننا أن نفهم من خلال تحليل عقلي صرف ماهية غرض الله من خلق البشر، حتى نستطيع بعد ذلك أن نحكم أنه لأجل تحقيق ذلك الغرض لا بد من إرسال الأنبياء؟؟ إن قليلاً من التأمل في محتوى هذا الاستدلال يبين أنه يعتمد على افتراضين مسبقين كامنين وراء مقدماته، وهما أنه قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية ودون الاستفادة من تعاليم الأنبياء يمكننا من خلال التحليل العقلي المحض أن نصل إلى هذه النتيجة التي تقول: أولاً: الإنسان إنما خلق لأجل طيِّ طريقٍ خاصٍّ والوصول إلى هدف معيَّن. وثانياً: أن ذلك الطريق الخاص عبارة عن الإيمان بحقائق خاصة والإتيان بواجبات وآداب معيَّنة يعجز عقلنا البشري عن معرفتها. إن الافتراض المسبق الأول غير قابل للإثبات والافتراض المسبق الثاني هو عين الدعوى، مما يعني إن الاستدلال المذكور يشتمل على الدَّوْر ومصادرة المطلوب. قبل إرسال الأنبياء وبدون الاستفادة من تعاليمهم كيف يمكننا أن ندَّعي أن في عالم الخليقة ثمَّةَ حقائق خافية عنَّا وأنَّه لا بد أن نطلع عليها وأن نؤمن بها حتماً؟ كيف يمكننا أن نفهم أن هناك واجبات خاصة لا بد من القيام بها كي نكون سعداء وأننا غير مطلعين عليها وأنَّه لا بد أن نعرفها وأن نعمل بها؟ أولاً إن وجود حقائق غير معلومة لنا يجب الإيمان بها وكذلك وجود واجبات خاصة لا نعرفها ولكن يجب العمل بها هو عين إدعاء ضرورة النبوَّة، وثانياً لا يمكننا أبداً أن نقيم برهانا عقلياً لإثبات ذلك الأمر.

2. لو فرضنا الآن أننا أدركنا بالدليل العقلي المسبق غرض الله من خلق الإنسان ووصلنا أيضاً إلى النتيجة التي تقول إنه لا بد للإنسان من سلوك طريقٍ خاصٍّ والإيمان بحقائق معيَّنة والعمل بواجبات محدَّدة كي يصل إلى الكمال المعنوي، ولا يمكن لعقل الإنسان وحده أن يكتشف أيَّاً من تلك الحقائق والواجبات، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى: إن سعادة الإنسان وكماله المعنوي رهينان حصراً باكتشاف ذلك الطريق وسلوكه (أؤكِّد ثانيةً أن هذه الأمور نأخذها على أنها مفترضة مع أن أيَّاً منها لا يمكن إثباته)؛ فهل يمكننا – بافتراض هذه المقدمات – أن نستنتج ضرورة بعث الأنبياء؟ إن الإجابة هي النفي أيضاً، لأن ما يمكننا أن نستنتجه من هذه الفرضيات والمقدمات ليس سوى أن هداية الله للإنسان أمرٌ ضروريٌّ، أي أن الله تعالى بحكمته لا بد أن يساعد الإنسان في معرفة الطريق والهدف، لكن الهداية يمكنها أن تتم عبر طرق مختلفة وإرسال الأنبياء هو واحد فقط من تلك الطرق وليس هو الطريق الأوحد. اللهُ تعالى يمكن أن يوصل الناس إلى الكمال المطلوب من خلال طرق أخرى مثل الهداية الباطنية، كما هدى الأنبياء بهذه الطريقة (إذْ إنه لم يرسل أنبياء لهداية الأنبياء) وهذا يبين أن دعوى ضرورة النبوَّة لهداية الناس دعوة غير موزونة وعجولة. إن القائلين بضرورة النبوَّة إما أنهم لا يعرفون معنى الضرورة أو يعتبرون الله غير قادر على هداية الناس باطنياً.

3. إذا كان هذا الدليل صحيحاً وكان مقتضى حكمة الله تعالى ضرورة إرسال الأنبياء فإن اللازمة المنطقية لذلك أن يرسل الله تعالى في كل عصر مئات آلاف الأنبياء على نحو يكون فيه في كل منطقة من مناطق الكرة الأرضية نبيٌّ مرسل، لكي يستطيع جميع البشر في كل نقاط العالم أن يستفيدوا بشكل مباشر ومن غير واسطة من هداية الأنبياء وإرشاداتهم. هذا في حين أن مثل هذا الأمر لم يقع في أي عصر من العصور. أفلا يؤدي ذلك بنا – استناداً إلى مقدمات الدليل المذكور – إلى أن الله تعالى عمل في كثير من الحالات خلافاً للحكمة وارتكب نقضاً لغرضه من الخلق (والعياذ بالله)؟؟

 وقد أجاب بعض علماء الشيعة على هذا الإشكال على النحو التالي:

«أولاً: إن ما قيل بأن الأنبياء لم يبعثوا إلا في منطقة خاصَّةٍ..... ليس بصحيح، لأن القرآن الكريم ذاته يصرِّح بأنه مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ... ثانياً: تقتضي حكمة الله أن يكون بين الله والإنسان طريقٌ يمكن للبشر من خلاله أن يعرفوا الحقائق اللازمة لمعرفة سبيل الكمال. لكن حكمة الله لا تقتضي بالضرورة أن يستفيد جميع الناس حتماً من ذلك الطريق. بل ربما يوجد أناس لا يريدون الاستفادة من هذا الطريق وعدم استفادتهم هذه إنما ترجع إلى سوء اختيارهم هم، بل قد يوجد أشخاص علاوة على عدم رغبتهم بالاستفادة من هذا الطريق يمنعون الآخرين من الاستفادة منه... وفي مثل هذه الحالات يقع إثم الحرمان من طريق النبوَّة على عاتق هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله، ولا تقصير لِـلَّهِ في هذا المجال»( 6 ).

لكن هذه الإجابة غير مقنعة. لنأخذ مثالاً على ذلك زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. في تلك الفترة التي كان مشغولاً فيها بهداية أهالي شبه الجزيرة العربية، مَنْ كان الهادي والمرشد لمليارات البشر الآخرين الذين كانوا يعيشون في ذلك الوقت في مئات الدول في قارّات أمريكا وأوروبا وأفريقيا وأستراليا، وحتى باقي دول قارة آسيا كالصين واليابان وكوريا وماليزيا وروسيا وعشرات بل مئات الجزر النائية في المحيطات والبحار البعيدة؟ أيُّ نبيٍّ كان يهديهم إلى الصراط المستقيم (أو طريق الكمال)؟ ربما كان هناك نبيٌّ قد بُعِث في الأزمنة الماضية في كل واحدة من تلك المناطق، والآية القرآنية المذكورة لا تشير إلى أكثر من ذلك، ولكن على الأقل في زمن بعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن هناك أيُّ نبيٍّ آخر في تلك المناطق، وتعاليم أنبيائهم السابقين كانت - حسب ادعاء الشيعة والسنة – قد حُرِّفَت، وبناء على ذلك وطبقاً لأدلة ضرورة النبوَّة كانت هناك ضرورة أكيدة لنبيٍّ جديد (في كل واحدة من تلك المناطق). ولكن لماذا لم يأت أي نبي إلى أيٍّ من تلك المناطق في ذلك الزمن؟ ولماذا بقي كثير من الأجيال في أكثر نقاط الكرة الأرضية - عملياً - محرومون من تعاليم الأنبياء؟ هل كان سوء اختيارهم هو السبب في حرمانهم هذا؟ لا يمكن القول بأن مبرِّر ذلك هو وجود مانع من قِبَل أشخاص آخرين (أعداء النبيّ)، لأن الله تعالى هو المسؤول [والقادر] على حل هذه المشكلة ومنع المخالفين والظالمين من أن يحولوا دون وصول الرسالة الإلهية لمسامع بقية البشر. صحيح أن الهداية الإلهية لا يجوز أن تكون جبرية، ولكن مقتضى البرهان المذكور أعلاه هو أن التعاليم الإلهية يجب أن تصل إلى مسامع جميع البشر بأي وسيلة ممكنة كانت – مثلاً أنبياء متعددين – وعندئذ يختار الناس الطريق الصحيح بانتخابهم الحرّ أو يسلكون طريق الضلالة. فإذا فرضنا أنه كان هناك في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أناسٌ يصدُّون عن سبيل الله ويحولون دون انتشار تعاليمه إلى سائر نقاط المعمورة، أفلم يكن الله قادراً على إرسال أنبياء آخرين في مناطق الكرة الأرضية الأخرى كي يُحبِط عرقلة وإعاقة أولئك المخالفين، ويهدي بذلك أهالي تلك المناطق الأخرى في الأرض، ألم يكن غرض الله تعالى من خلق أهالي تلك المناطق الأخرى من العالم هو إيصالهم إلى الكمال؟ أولم يكونوا بحاجة ماسة إلى الهداية وإلى إرشادات أنبياء الله كي يصلوا إلى الكمال؟ فلماذا حُرِموا من تعاليم الأنبياء وبالتالي من الوصول إلى الكمال؟ أليس هذا نقضٌ للغرض؟ هل تمكَّنَ عددٌ من المخالفين من منع تطبيق الخطة الإلهية وتحقيق الله لهدفه من الخلق؟ وهنا نحن لا نتكلَّم عمن يتحمَّل مسؤولية ووِزر حرمان مليارات البشر من الوصول إلى الكمال. كلامنا هو عن إمكانية قبول تمكُّن عدد من الكفار والمشركين من الحيلولة دون تحقيق الله لغرضه من خلق الإنسان، وبنحو غالب؟! ولأجل المزيد من التوضيح لهذه النقطة لنفرض أن القيامة قامت وأن الناس الذين كانوا يعيشون زمنَ نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في جزيرة نائية في المحيط الهندي مثلاً سألوا الله قائلين: إلهنا ألم تخلقنا للوصول إلى الكمال المعنوي؟ أولم تكن تعلم أنه من غير الاستفادة من تعاليم أنبياء الله وكتبه السماوية كان من المستحيل علينا أن نجتاز طريق الكمال؟ فلماذا لم ترسل إلينا نحن أيضاً (وإلى أمثالنا) نبياً وسبَّبت حرماننا من هذا الكمال المعنوي؟ عندئذ ينبغي أن يجيبهم الله: لكم الحق في ذلك. لقد خلقتكم لأوصلكم إلى الكمال المعنوي وكنت أحب جداً أن تصلوا إلى هذا الكمال، لكن للأسف لم يَدَعْني البعض أصل إلى هذا الهدف (الغرض) وهذا هو الذي أدى إلى حرمانكم من الوصول إلى الكمال. فلم يكن التقصير مني بل التقصير منهم!!؟ عندئذ إذا أجاب أولئك المحرومون من الوصول إلى الكمال بسؤالهم الله: فأين ذهبت إلهيتك؟ ألم تكن قادراً على أن ترسل لنا نحن أيضاً نبياً؟ عندئذٍ بماذا سيجيبهم الله تعالى؟ إذا كان حقيقةً أنه:

«تقتضي حكمة الله أن يكون بين الله والإنسان طريقٌ يمكن للبشر من خلاله أن يعرفوا الحقائق اللازمة لمعرفة سبيل الكمال»،

فلا ينبغي أن يُفتَح هذا الطريق لعدد من البشر في شبه الجزيرة العربية فقط بل لا بد من إتاحة هذا الطريق لشعوب جميع بقاع العالم الأخرى، في حين أنه لم يحصل مثل ذلك الأمر أبداً، بل كانت الغالبية العظمى من شعوب العالم على مدار التاريخ محرومة من وجود أنبياء الله وتعاليمهم. ولنغضَّ الطَّرف عن كلِّ ما ذكرناه ولنفرض أن المخالفين والظلمة لم يحولوا دون انتشار تعاليم الأنبياء، فيبقى السؤال: هل كانت هناك فعلاً، في ذلك الزمن، إمكانيةٌ عمليةٌ لنشر تلك التعاليم إلى سائر نقاط المعمورة على نحو يحصل فيه سكان جميع بلدان العالم وأهالي كل مدينة وقرية على تلك التعاليم عينها دون أدنى تحريف أو إضافة أو نقصان؟ هل كانت هناك قبل ألف وأربعمئة عام - حيث لم تكن وسائل السفر في ذلك الوقت سوى الخيول والجمال والسفن الشراعية والقوارب ذوات المجاديف – إمكانيةٌ لسفر النبيِّ إلى مئات البلدان النائية مثل كندا ونيوزيلندا واليابان والصين وألمانيا و...؟ هذا فضلاً عن أن السفر وحده لم يكن كافياً بل في الواقع لقد كان على النبيِّ أن يقيم في كل واحدة من تلك البلدان سنوات عدة كي تصل مجموعة تعاليم الإسلام لمسامع جميع أهاليه. وعندئذ يمكنكم أن تحسبوا كم قرن من العمر يحتاج النبيُّ كي يسافر إلى جميع مناطق الدنيا ويبلِّغ تعاليم الإسلام لجميع قاطنيها؟ وإذا وضعنا مسؤولية وواجب نشر تعاليم النبيِّ في جميع أنحاء الدنيا على عاتق أتباعه لما انحلّت المشكلة أيضاً، فأولاً: كان عدد أصحاب النبيِّ وأتباعه الذين فقهوا تعاليمه بشكل كامل وصحيح قليلٌ جداً (مثل سلمان وأبو ذر) في حين أن هذا الهدف كان يحتاج إلى عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الأشخاص العالمين، وهو أمر لم يكن من الممكن تحقّقه في زمن قصير، وأما في الزمن الطويل فستبقى مشكلة حرمان كثير من الناس من هداية الأنبياء قائمةً بلا حلّ. ثانياً: كيف كان بإمكان الصحابة الذين سافروا إلى نقاط المعمورة الأخرى بوصفهم تلاميذ النبيّ وممثّليه، أن يثبتوا لأهالي تلك البقاع أن نبياً قد بُعِث في منطقتهم المعيّنة وأننا نحن تلاميذه وممثِّلوه قد جئنا كي نهديكم من قِبَله إلى الطريق المستقيم؟ لو طلب أولئك الناس من ممثلي النبيِّ هؤلاء معجزةً وعجزوا عن الإتيان بها – وهو ما سيحصل بالطبع – فما هو التكليف عندئذ؟ أَوَّلاً يجب أن يَثْبُتَ لأولئك الناس أن تلك التعاليم وحيٌ إلهيٌّ كي تتمكن تلك التعاليم من جذب الناس نحوها وقطع طريق الاعتذار والتحجّج على المخالفين وإقامة الحجة عليهم؟ ثالثاً: لو تأملنا الأدلة العقلية التي سيقت لإثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة لرأينا أن التوسّل بممثلي النبيّ وتلاميذه أو تلاميذ الإمام المعصوم يتناقض مع تلك الأدلة، لأن هؤلاء التلاميذ والممثلين ليسوا معصومين ومن الممكن أن يقعوا في الخطأ والسهو (بل حتى الخيانة) في فهم وإدراك تعاليم النبيّ أو ضبطها وحفظها في ذاكرتهم ونقلها إلى الآخرين.

3 – وآخر إشكال يُطْرح في الذهن هو أنه إذا كان ذلك الدليل صحيحاً وكان بعث الأنبياء بمقتضى حكمة الله ضرورياً، فإن الأرض لن تخلو عندئذ في أي عصر من العصور من الأنبياء. لكن هذا خلاف الواقع لأن الأرض كانت خالية في كثير من العصور من الأنبياء المرسلين وذلك مثل الفترة التي طالت ستمئة عام بين رسالة السيد المسيح عليه السلام وبعثة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، والتي لم يكن فيها أي نبي مرسل من الله في أي نقطة من نقاط المعمورة. وهنا لا يمكننا الحديث عن سوء اختيار الناس ولا عن إعاقة المخالفين وحيلولتهم دون وصول الهداية إلى الناس.

إلى هنا درسنا وفحصنا أدلة إثبات ضرورة النبوَّة عقلاً، ولا نرى أننا في حاجة إلى طرح أدلة أخرى لأن جميع هذه الأدلة تعاني من المشكلات ذاتها التي أشرنا إليها. فعلى سبيل المثال درج متكلمو الشيعة القدماء على الاستدلال بقاعدة «اللطف»(7) لإثبات ضرورة إرسال الأنبياء على النحو التالي:

«أ- النبوَّة لطفٌ.

ب- اللطفُ واجبٌ على الله.

النتيجة: إرسال الأنبياء واجب على الله.»

لهذا البرهان المذكور افتراض مسبق لم يتم إثباته بل تم الاستدلال عليه على نحو مسبق بطريقة عقلية، وهو افتراضٌ يقول: إن غرض الله من خلق الإنسان هو أن يسلك مسيراً خاصّاً ويصل إلى نتيجة خاصة (مثلاً الكمال المعنوي)، وعندئذ وعلى أساس هذا الافتراض المسبق الذي لم يتم إثباته، ادُّعِيَ أن النبوَّة لطفٌ أي أنها تساعد الإنسان على الوصول إلى ذلك الهدف. ولكن إذا كان الغرض من خلق الإنسان غير معلوم، كيف يمكن اعتبار النبوَّة لطف؟ وبصرف النظر عن ذلك إذا تأملنا في قاعدة اللطف سنلاحظ أن النبوَّة (إرسال الأنبياء) هي واحدة فقط من مصاديق اللطف، وأن لطف الله يمكنه أن يشمل العباد بطرق أخرى. بناء عليه لا يمكننا أن نستنتج من وجوب اللطف على الله ضرورة النبوَّة. إن ما يُفترض أنه واجبٌ على الله هو اللطف (أي: إيجاد العوامل التي تمكّن الناس من الوصول إلى الغرض من خلقهم وتسهّل عليهم هذا الوصول) أما أي طريق يختاره الله لأجل هذا الأمر فهذا يتعلّق بإرادته سبحانه وإذا حدَّدنا له أو أوجبنا عليه طريقاً خاصاً (مثل بعث الأنبياء) نكون قد أملينا عليه واجباته وحدَّدنا له تكاليفه وهذا يتنافى مع مقام العبودية ولا ينسجم مع قواعد المنطق.

إلى هنا فحصنا مقدمات البرهان المذكور أعلاه ورأينا أننا لا يمكن أن نستنتج من تلك المقدمات ضرورة النبوَّة، بيد أننا في الواقع في غنى عن تحليل تلك المقدمات، إذ إننا نسأل: لو كان بعث الأنبياء لهداية الناس نحو السعادة والكمال ضرورياً حقاً وواجباً على الله - طبقاً للدليل والبرهان المذكور أعلاه واستناداً إلى قاعدة اللطف- فلماذا جعل الله هذا اللطف يشمل – في كل عصر – عدداً معدوداً من البشر في حين بقيت الأغلبية الساحقة لأهل الأرض محرومة من هذا اللطف؟ أليس اللطف واجباً على الله؟ فهل كان اللطف في زمن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم واجباً على الله تجاه أهالي شبه الجزيرة العربية فقط؟ ألم يكن واجباً على الله أن يلطف في ذلك الزمن ذاته بأهالي المكسيك أيضاً ويرسل إليهم نبيّاً؟ كما لنا أن نتساءل لماذا عُطِّلَت قاعدة اللطف كلياً مدة ستمئة عام على الأقل (الفترة الزمنية بين حضرة عيسى ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يرسل الله تعالى خلال كل تلك الفترة أيَّ نبيٍّ للناس؟ هل نسيَ الله تعالى – والعياذ بالله- أن يقوم بما يجب عليه؟!

الآن حان الوقت للدخول في بحثنا الأصلي أي موضوع الإمامة لنرى كيف أن هذه الإشكالات عينها تَرِدُ على أدلّة ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ.

يعتقد متكلمو الشيعة أن:

«الإمامةُ رئاسةٌ عامَّةٌ على المجتمع الإسلامي في أمور الدِّين والدنيا»( 8 ).

بناء عليه:

«ليس الإمامُ دليلاً مرشداً في أمور الدِّين فقط بل هو أيضاً قائدٌ وزعيمٌ في أمور الدنيا، فلا تختصُّ رئاسته بأمور الدنيا وحدها أو بأمور الآخرة فقط بل تشملهما معاً وتشمل جميع الأمور، دينيةً كانت أم دنيويةً»( 9 ).

ولكن ما هو شأن الإمام الأصلي؟

«الإمام حافظ للشريعة ومرجع الناس في معرفة الإسلام»( 10 ).

«الإمام معناه العالم الخبير في أمر الدين، خبيرٌ حقيقيٌّ لا يقع في الظنِّ والاشتباه ولا يعرض له الخطأ»( 11 ).

حتى شرط العصمة والنصّ عليهم من قِبَل الله إنما هو لكون الواجب الأساسي للأئمة المعصومين وسبب وجودهم هو هداية الناس وإرشادهم وبيان الأحكام الإلهية:

«يجب أن يعيِّن الله تعالى الإمام وخليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وينصبه إماماً على الناس، لأنه لا بد أن يكون الإمام معصوماً عن الخطأ والاشتباه تماماً كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يمتلك علماً خارقاً غيرَ عاديٍّ كي يتمكَّن من القيام بوظيفة قيادة الأمة مادياً ومعنوياً ويحفظ أساس الإسلام ويبيِّن مشكلات الأحكام ويشرح حقائق القرآن ويواصل مسيرة الإسلام»( 12 ).

 وفي أحاديث أئمة الشيعة أيضاً عندما يُشارُ إلى ضرورة وجود الأئمة المعصومين يُذكرُ أن دليل هذه الضرورة هو هداية الناس وإرشادهم وبيان أحكام الله وإتمام الحجة على الناس من خلال بيان الصراط المستقيم وحقائق الدين.

 يقول الإمام الصادق (ع):

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله»( 13 )

ويقول الإمام محمد الباقر (ع) أيضاً:

«وَاللهِ مَا تَرَكَ اللهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ (ع) إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى الله وَهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَا تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِـلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ»( 14 )

وفي رواية أخرى يقول الإمام الصادق (ع) كذلك:

«الْأَوْصِيَاءُ هُمْ أَبْوَابُ الله عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا وَلَوْلَاهُمْ مَا عُرِفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِمُ احْتَجَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ»( 15 )

ولكن أين تقع نقطة الاختلاف الأساسية بين الشيعة والسنة في مسألة الإمامة؟

«يقول الشيعة: بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وباستثناء مقام تلقّي الوحي وإبلاغه، فإن جميع مقامات النبيِّ باقيةٌ ومستمرِّةٌ ويجب أن يقوم بها شخصٌ يعيِّنه الله»( 16 ).

بعبارة أخرى إن الخلاف الأصلي بين الشيعة والسنة هو حول ما يلي:

«يقول الشيعة: يجب أن يعيِّنَ الله تعالى شخصاً بعد ختم النبوَّة لأجل تدبير أمور الدين والدنيا للمجتمع الإسلامي، أما أهل السنة فإنهم لا يقبلون بهذه العقيدة»( 17 )

فالشيعة إذن يعتقدون بضرورة نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فلننظر الآن كيف يستدلُّ علماء الشيعة على إثبات هذه النظرية.

الدليل العقلي على ضرورة نصب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

«نظراً إلى أن دين الإسلام آخرُ الأديان السماوية وأن نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم خاتمُ الأنبياء ونظراً أيضاً إلى أن الهدف الإلهي من إرسال الأنبياء أن يبقى الدين الحق بين الناس وتتم عليهم الحجة، فإن لم يتم نَصْب وتعيين إمام بعد نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبيِّن للناس حقائق الدِّين ويفسّر مجملاته ويفصّل كلياته، فإن الدِّين سيتعرَّض للتشويه والتحريف وفي النهاية إلى المحو والاندثار. ذلك أن حقائق الدين ليست موجودة في القرآن على ذلك النحو الذي يمكن لعامة الناس أن يستفيدوها منه، ونحن بحاجة إلى سنّة النبيِّ لأجل أكثر الأحكام والحقائق الدينية. ومن الجهة الأخرى لا يوجد ضمانة لبقاء روايات النبيِّ وأن لا تتعرض للنسيان والزوال. إضافة إلى ذلك لعبت يد السياسة في ذلك الزمن في الروايات ودسّت روايات كاذبة ومختلقة بين الروايات الصحيحة أو بدلاً منها كما أن القرآن ذاته قابل للتأويل والتفسيرات المتنوِّعة. فإذا لم يوجد شخص بعد النبيِّ يتمتَّع بجميع مزايا وخصائص مقاماته صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء النبوَّة والرسالة، أي أن يكون مثل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً ومصوناً عن الخطأ والاشتباه في العمل والقول، كي يكون كلامه في بيان حقائق الدِّين حجَّة فإنَّ ختم النبوَّة سيكون سبباً لنقض الغرض من البعثة ومخالفاً للحكمة الإلهية»( 18 ).

 

الهوامش:

(6) مصباح يزدي، محمد تقي، «راهنماشناسى» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص46.

(7) المقصود بقاعدة اللطف عند المتكلمين الشيعة والمعتزلة: كل ما يوصِلُ الإنسان إلى الطاعة ويبعده عن المعصية، ويقولون: لما كان الله عادلاً في حكمه رؤوفاً بخلقه ناظراً لعباده لا يرضى لعباده الكفر ولا يريد ظلماً للعالمين فهو لا يدَّخر عنهم شيئاً مما يعلم أنه إذا فعله بهم أتوا الطاعة والصلاح، فالله قد بعث الأنبياء لطفاً لأن الناس ما كانوا بغير بعثتهم يؤمنون، كما لم يدَّخِرْ عن عباده من الألطاف التي بها يعدلون عن طريق الغيِّ شيئاً. ويرى الشيعة والمعتزلة أن هذا اللطف واجبٌ على الله، ولا يقصدون بالطبع تعيين تكليف لِـلَّهِ بل يقصدون أن ذلك مقتضى عدله وحكمته، لكن مخالفيهم من المتكلمين (كالأشاعرة والماتريدية) اعتبروا أن في هذا التعبير إساءة أدب مع الله، وقد فضل الماتريدية تعبير: واجبٌ عن الله. (المترجم)

(8) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص318.

(9) المصدر السابق، ص317.

(10) مطهري، مرتضي، «مجموعه‌ى آثار» (أي مجموعة المؤلفات)، ج4، ص873.

(11) المصدر السابق، ص874.

(12) مكارم شيرازي، ناصر: يكصد وهشتاد پرسش وپاسخ (أي مئة وثمانون سؤالاً وجواباً)، ص261.

(13) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَرْضَ لا تَخْـلُو مِنْ حُجَّةٍ، ج1/ص178.

(14) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَرْضَ لا تَخْـلُو مِنْ حُجَّةٍ، ج1/ص179.

(15) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ (ع) خُلَفَاءُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِهِ وَأَبْوَابُهُ الَّتِي مِنْهَا يُؤْتَى، ج1/ص193.

(16) مصباح يزدي، محمد تقي «راهنماشناسي» (أي معرفة الدليل المرشد)، ص.

(17) المصدر السابق.

(18) المصدر السابق، ص409.