القسم الأول

نظرية الإمام في ميزان النقد

سأحاول في هذا الكتاب أن أوضِّح للقارئ أنَّ نظرية الإمامة – كما هي شائعة ورائجة بين الشيعة الإمامية – لا وزن لها في ميزان النقد وأنها تحتاج إلى إعادة نظر وصياغة نظرية جديدة.

لكن قبل البدء في البحث لا بد من ذكر بعض النقاط كمقدمة:

1) بدايةً لا بد من التفرقة بين «الدين» و«المعرفة الدينية». الدين عبارة عن الأركان والأصول والفروع التي نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت في الكتاب السماوي؛ إضافة إلى سنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أما المعرفة الدينية فهي التي تندرج بشكل أساسي تحت الفروع الخمسة للعلوم الشرعية: الفقه وعلم الكلام والتفسير والأخلاق وتحليل السيرة العملية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الدين. «الدين» ثابتٌ وكاملٌ ونقيٌّ ومصونٌ من الخطأ. أما «فهمنا للدين» فلا يتمتّع بأي واحدة من تلك الأوصاف ولهذا السبب قلنا إنه لا بد أن نفرِّق بين الدين والمعرفة الدينية( 1 ).

2) «المعرفة الدينية» شأنها شأن سائر المعارف الأخرى معرفةٌ بشريَّةٌ، فهي حصيلة سعي العلماء وجهدهم في فهم الدين، وبما أن العلماء بشر فإن أوصافهم البشرية (مثل قوة العقل المحدودة، نقص العلم والفهم، إمكانية الخطأ، الرؤية أحادية الجانب و...) تـنعكس على فهمهم للدين وتؤثر عليه وبالتالي فإن نتيجة سعيهم هذا، ستكون معرفةً بشريةً (أي معرفة ناقصة، غير خالصة، مشوبة بالخطأ، مليئة بالرؤى أحادية الجانب، وتحتاج على الدوام إلى إعادة بناء وإصلاح). فما يُعرَف اليوم بالمعارف الدينية التي يقدمها العلماء والفقهاء إلى المجتمع (أي الآراء الفقهية والكلامية والتفسيرية و...) إنما هو حصيلة رجوعهم إلى النصوص الدينية وتفكيرهم وتأملهم العميق فيها، فلا يجوز اعتبارها معادلة للدين ذاته، ومساوية له. إن تلك الآراء هي في الواقع «فهم الدين» وليست «الدين» ذاته( 2 ).

3) على ضوء النقطتين السابقتين (فصل وتمييز «الدين» عن «المعرفة الدينية»، وكون فهم العلماء للدين فهم بشري) يمكن الوصول إلى النتائج التالية:

أ- إن مخالفة أيَّ رأي فقهيٍّ أو كلاميٍّ أو تفسيريٍّ لا تُعَدُّ مخالفةً للدين بل هي مخالفةٌ لفهم الدين. يتوصل كل عالم من العلماء، من خلال مراجعته للنصوص الدينية، إلى فهمٍ معين لها ثم يبين هذا الفهم بقالب آراء فقهية وكلامية و.... فلا ينبغي أن نجعل أيَّاً من آرائه ونظرياته تلك معادلة للدين ذاته ولا أن نتصور أن معارضة أي من هذه النظريات بمثابة مخالفة الدين ذاته. مخالفة الدين إنما تكون عندما ينكر الإنسان نصوصه المقدسة (أي القرآن والسنة) لا عندما يختلف مع هذا الفهم أو تلك القراءة لتلك النصوص. وبعبارة أخرى إذا أنكر شخص حقية آية من القرآن واعتبرها خرافة فإنه بذلك ينفي الدين وينكره، أما إذا كان له فهم معين لتلك الآية يختلف فيه مع فهم آخرين لها فإن هذا لا يُعَدُّ بأي وجهٍ من الوجوه مخالفة للدين ذاته.

ب- لا يوجد أي فهم للدين فوق النقد، ولا ينبغي تعدية قداسة الدين والنصوص الدينية إلى الآراء والنظريات الدينية للعلماء والفقهاء. إن «الدين» حقيقة سماوية مقدسة، أما «المعرفة الدينية» فمنشؤها الفهم البشري الأرضي الذي لا يخلو من نقص وقابلية للخطأ ونظرة من طرف واحد، لذا لا يمكنها أن تكون مقدسة وفوق النقد. إن «المعرفة الدينية» تحتاج على الدوام – بسبب كونها معرفة بشرية- إلى الإصلاح وإعادة البناء واكتشاف ما يعتورها من خطأ وجبر ما فيها من نقص، وهذا لا يتم إلا من خلال الانتقادات والتساؤلات والتشكيكات التي يطرحها المخالفون والمنتقدون، ومن خلال الأبحاث والمحاورات العلمية والحرة، لذا لا بد أن نرحب بمثل هذه الانتقادات كونًها تساعدُنا على إصلاح الأفكار الدينية وإعادة بنائها، الأمرُ الذي يقرِّبنا من حقيقة الدين أكثر فأكثر.

ج- إن التشيُّع والتسنُّن فهمان وقراءتان للدين، وليس أيٌّ منهما عينَ الإسلام النقي الخالص وذاته. كلٌّ منهما مزيج من حقٍ وباطل. كلٌّ منهما معرفة بشرية وبالتالي مشوبة بالنقص وعدم الكمال وقابلة للخطأ( 3 )، وكلاهما يحتاج إلى حد ما إلى الإصلاح والتكميل وإعادة البناء. والإمامة – التي تشكل العمود الأساسي لبناء التشيع – نظرية كلامية لا أكثر ولا أقل، لذا لا يمكن اعتبارها فوق النقد والبحث والسؤال.

4) ليس قصدنا من هذا الكتاب الدفاع عن التسنُّن ولا الهجوم على التشيُّع. بل ما نرمي إليه هو توضيح هذه الحقيقة وهي أن نظرية الإمامة (كما هي رائجة في كتب الشيعة الإمامية وكما تطرح على المنابر ووسائل الإعلام ومن خلف المنصات الخطابية الرسمية ويتم تعليمها وتدريسها في المدارس والجامعات والحوزات العلمية) لا يمكن الدفاع عنها عقلياً. وبالطبع نحن لا ننفي إمكانية وجود قراءات صحيحة ومنطقية وقابلة للدفاع عنها للإمامة وننتظر طرح مثل هذه القراءات من قبل علماء الشيعة المجدِّدين ذوي الفكر الحرّ.

5) لما كان علماء الشيعة يعتقدون في مبحث النبوَّة أولاً بضرورة بعث الأنبياء، وثانياً بأن الإمامة استمرار للنبوة وثالثاً بأن الدلائل العقلية التي تدل على ضرورة بعث الأنبياء وإرسال الرسل والتي تثبت عصمة مختاري الله عزَّ وجلَّ تدُلُّ ذاتها على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيِّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذا فإننا سنضطر للبدء بالبحث في فلسفة النبوَّة.

 

الهوامش:

(1) سروش، عبد الكريم، «قبض وبسط تئوري شريعت» (=القبض والبسط النظريان للشريعة).

(2) المصدر السابق.

(3) سروش، عبد الكريم: «پلوراليسم دينى» (= التعددية الدينية).