نقض الدليل

يرتكز هذا الدليل على افتراض مسبق لا يمكن إثباته (بل هو واضح البطلان)، وهو أن تحقق غرض الله من بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والشرائع الإلهية لن يتم إلا في ظل البيان والتفسير المعصوم عن الخطأ لحقائق الدين وتعاليم الله تعالى فقط ولا غير. بمعنى أنه إذا لم يوجد مفسـرون معصومون ليبينوا أحكام الله وتعاليم الوحي على نحو صحيح ومعصوم من أي خطأ فإن بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية (وهي القرآن هنا) سيتبيَّن أنها كانت عبثاً وبلا فائدة ولا جدوى. وبعبارة أخرى وكما جاء في توضيح ذلك الدليل:

«من دون وجود مثل هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون ببيان تعاليم الدين بنحو معصوم عن أي خطأ، لا يمكن الحديث عن تمكن الناس من الوصول إلى دين إلهي خالص كامل وبالتالي لن يتحقق الغرض من البعثة من أساسه».

أو ببيان أوضح:

«إن تبليغ الأحكام والتشـريعات الإلهية وبيانها للناس بواسطة أئمة غير معصومين لن يوصل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم»( 118 ).

ولكن هل هذا الإدعاء صحيح فعلاً؟ هل سعادة الإنسان وكماله منحصران فقط وفقط في فهم الدين فهماً معصوماً من أي اشتباه أو خطأ، وفي العمل بجميع جزئيات أحكام الشريعة صغيرها وكبيرها دون نقص أو خطأ؟ هل هناك بين الاثنين علاقة ضرورية وحتمية كما بين العلة والمعلول يستحيل خلافها؟ ما هو الدليل على هذا الإدعاء؟ وبمعزلٍ عن ذلك إذا كان الأمر هكذا فعلاً فما هو مصير الناس في عصـر الغَيْبة حيث لا يوجد مرشدون معصومون؟ لماذا لم يضع الله تعالى تدبيراً لفترة غيبة الإمام المعصوم (التي بدأت قبل ألف ومئة سنة، ومن الممكن أن تستمر آلاف السنين الأخرى) بل أوكل الناس في كل تلك الفترة إلى أنفسهم وتركهم وشأنهم؟ ألا نقع هنا في نقض الغرض ذاته الذي كنا نخشاه؟ وللمزيد من إيضاح هذه النقطة نعيد من جديد بناء الاستدلال المذكور وننقله إلى الفترة التي أعقبت الإمام الحادي عشـر لكي يتبين ضعف ذلك الدليل بوضوح. فالسؤال هو: هل أوجد الشارع المقدس حلاً وتدبيراً لفترة الغَيْبة يُعَوِّضُ به عدم وجود المرشد المعصوم ويملأ الفراغ الذي أحدثه فقدانه (بشأن بيان أحكام الدين بياناً معصوماً من أي خطأ) أم لا؟ إذا كان قد وضع حلاً وتدبيراً بهذا الصدد فما هو؟

إن الإجابة عن هذا السؤال التي يقدمها عامة علماء الشيعة ومتكلميهم عادةً هي: نعم الحل الذي وضعه الشارع في هذا الصدد هو أنه أرجع الناس في عصر الغَيْبة إلى الفقهاء الجامعين لشروط المرجعية، وأن على الفقهاء، منذ عهد الغَيْبة فصاعداً، أن يأخذوا على عاتقهم واجب إرشاد الناس وتعليمهم أحكام الله وشرائع الدين بالاستفادة من القرآن الكريم وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والتعاليم الباقية عن الأئمة المعصومين.

هنا يقع أحدنا في شكٍّ وحيرةٍ ويتساءل في نفسه هل نسي علماء الشيعة فعلاً ما كانوا يقولونه عند إثباتهم لضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة عصمة المعلمين المرشدين للأمة ومفسري الوحي، حين قالوا:

«من دون وجود مثل هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون ببيان تعاليم الدين بنحو معصوم عن أي خطأ، لا يمكن الحديث عن تمكن الناس من الوصول إلى دين إلهي خالص كامل وبالتالي لن يتحقق الغرض من البعثة من أساسه»

هل ما يقدِّمه الفقهاء للناس دينٌ إلهيٌّ خالصٌ وكاملٌ؟ بعبارة أخرى، هل يصل الناس من خلال الفقهاء – الذين هم جميعاً غير معصومين كما نعلم – إلى الدين الإلهي الخالص والكامل؟

من المسلَّم به أن الإجابة هي النفي، لأنه رغم أن مصادر الدين (أي القرآن الكريم والأحاديث والروايات) خالية من أي نقص أو خطأ (بالطبع لا يمكننا الحديث عن كمال وصحة تامة بشأن الأحاديث والروايات لما شابها من وضع وتدليس وتحريفات معظمها يصعب كشفه وتشخيصه، إلا أننا الآن سنغض النظر هنا عن هذه الحقيقة من باب المسامحة الكبيرة) إلا أن الفقهاء الذين يرجعون إلى تلك المصادر ليسوا بـ «العقل الكلي» ولا هم معصومون عن الخطأ؛ وبالتالي من الممكن أن يقعوا في كثير من أنواع النقص والخطأ والشوائب في فهمهم للقرآن والسنة، وحتى الفقهاء أنفسهم يعترفون بهذه الحقيقة. فكيف لم يرضَ الشارع المقدَّس بمرجعية الفقهاء في العصر التالي لرحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً، واعتبر ذلك مناقضاً للغرض من بعث النبيّ، ولكنه رضي بهذا الأمر بالنسبة إلى عصر الغيبة؟

حقاً إن الإنسان ليتحيّر من كل هذا التناقض والنسيان الذي يقع فيه متكلِّمونا في هذا المجال! فمن جهة نقول في إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«إن تبليغ الأحكام والتشـريعات الإلهية وبيانها للناس بواسطة أئمة غير معصومين لن يوصل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم»( 119 ).

وبهذا الدليل نثبت بزعمنا ضرورة وجود أئمة معصومين لأجل تبيين الدين وتفسيره بشكل معصوم من أي خطأ. ومن الجهة الأخرى ندّعي أن الشارع المقدَّس أرجع الأمة إلى الفقهاء في عصر الغيبة!؟ فليت شعري هل اختار الشارع المقدَّس لعصر الغيبة طريقاً لا يوصِل الناس إلى شيء بل سيؤدي إلى إضلالهم أيضاً؟

إذا كان هذا هو حال أقوى أدلتهم العقلية في إثبات ضرورة عصمة الأئمة فحال بقية أدلتهم واضحٌ، ولا حاجة بنا لإتعاب القارئ العزيز أكثر من ذلك.

 

الهوامش:

(118) المصدر السابق ص20.

(119) المصدر السابق ص20.