الأدلة النقليّة على عصمة الأنبياء (والأئمة) ونقدها

الدليل الأول: «سمَّى القرآن الكريم جماعةً من الناس بالمُخْلَصين (الخالصون لِـلَّهِ) وبيَّن أن إبليس لا طمع له في إضلالهم في حين أنه أقسم (أي إبليس) أن يضل جميع عباد الله إلا أنه استثنى منهم عباد الله المخلَصين. كما نقل لنا تعالى قول الشيطان ذاك في سورة (ص) الآيتين 82 و83: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾. ولا شك أن عدم طمع إبليس في إضلال المخلَصين ليس إلا لكونهم مُصانين ومحفوظين من الضلال والتلوث بالمعاصي وإلا لشملهم بعداوته ولما كفّ عن السعي في إضلالهم. بناء على ذلك فالمخلَص يساوي المعصوم. ورغم أننا لا نملك دليلاً على اختصاص هذه الصفة بالأنبياء إلا أنها تشملهم بلا أدنى شك. لا سيَّما أن القرآن الكريم أطلق لقب المُخلَصين صراحة على بعض الأنبياء( 108 )... كما اعتبر علة حفظ يوسف وصونه من الزلل في أشد الظروف صعوبةً أنه كان مخلَصاً (سورة يوسف/24)»( 109 ).

هناك ثلاثة إشكالات أساسية نلاحظها في الاستدلال المذكور نشير إليها فيما يلي:

1. إن الآيتين 82 و83 من سورة ص لا تشيران إلى أكثر من أن هناك من بين عباد الله أشخاصاً مخلَصين لا يستطيع الشيطان أن يضلهم وبالتالي فإنهم لا يرتكبون الذنوب. أما أنه هل جميع الأنبياء (والأئمة) مخلصون أم لا، فهذا ما لا تقول عنه الآيتان شيئاً. إذن فالتمسك بالآيتين لا يمكنه أن يثبت عصمة جميع الأنبياء من كل ذنب. وعلى العكس هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تنسب بصـراحة بعض الذنوب للأنبياء سنشير إليها لاحقاً.

2. أقصى ما تثبته الآيتان هو عصمة بعض الناس (أي هؤلاء المخلَصين) من الذنوب المتعمَّدة لا من الذنوب الصادرة سهواً (فضلاً عن الخطأ أو الزلل في أمور الحياة الفردية أو الاجتماعية). ولا يمكننا أن نثبت أن السهو والنسيان اللذين يؤديان أحياناً إلى الوقوع في ذنب إنما يحصلان نتيجة إغواء الشيطان، بحيث أن الشيطان لو قطع أمله من إضلال شخص ما وكفّ عن الوسوسة إليه فإنه من الممكن مع ذلك أن يقع في ذنب بسبب سهو أو نسيان عاملهما شيء غير الشيطان. إن الخطأ والاشتباه في أمور الحياة الفردية والاجتماعية أيضاً (على الأقل في بعض الحالات) لا علاقة له بإغواء الشيطان، فحتى لو لم يوجد الشيطان أصلاً، لأمكن أن يخطئ الإنسان أو يشتبه في المسائل المتعلقة بحياته. فهذا الدليل إذن أخصُّ من المُدَّعَى.

3. لا تدل هذه الآيات ولا الآيات الأخرى التي أطلقت صفة المخلَصين على بعض الأنبياء على أن الأنبياء كانوا مخلصين في جميع فترات عمرهم (قبل النبوة وحتى في سن الطفولة) إن معنى المخلَص هو «الذي أخلص» وليس معناه «الذي جاء إلى الدنيا مخلَصاً».

الدليل الثاني: «اعتبر القرآن الكريم أن طاعة الأنبياء واجبةٌ بنحو مطلق ومن ذلك قوله تعالى في الآية 63 من سورة النساء ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله...﴾، ولا تصح طاعة الأنبياء المطلقة إلا إذا كانت على خط طاعة الله وكان اتباعهم لا يتنافى مع طاعة الله، وإلا فإن الأمر بطاعة الله مع الأمر بطاعة أشخاص يمكن أن يقعوا في الخطأ والانحراف طاعةً مطلقةً سيؤدي إلى التناقض»(110).

وأقول: إن هذا الدليل أيضاً قاصرٌ عن إثبات نظرية العصمة – كما تقول بها الشيعة – وفيه نقاط ضعف كثيرة نشير فيما يلي إلى بعضها:

1. إن هذا الدليل يثبت ضرورة عصمة الأنبياء في تلقيهم الوحي وتبليغهم له وبيانهم لتعاليم الدين ولا يثبت عصمتهم من كل ذنب أو خطأ أو اشتباه (حتى في أمور الحياة الفردية والاجتماعية الخاصة) لأن اتباع الأنبياء معناه اتباع أوامرهم المتعلقة بأمر الدين وتعاليم الوحي، وليس اتباعهم في مسائل الحياة الفردية والاجتماعية التي لا علاقة للدين بها. وإذا وضعنا هذا جانباً، نقول إن أقصى ما تثبته الآية 63 من سورة النساء ونظائرها هو أن الأنبياء لا يدعون الناس أبداً إلى أمر مخالفٍ لما يحبُّه الله ويرضاه. فأوامر النبيّ هي أوامر الله تعالى. ولكننا لا نستطيع أن نستنبط من تلك الآية أن الأنبياء أنفسهم في طاعتهم لِـلَّهِ لا يمكن أن يقعوا في أي خطأ أو زلل أو ذنب (عمداً أو سهواً).

فإن قلتم: إذا ارتكب الأنبياء ذنباً لم يعودوا أسوة للناس، ولم يعد بإمكان الناس الاقتداء بهم، هذا في حين أن القرآن أمرنا أن نقتدي بالأنبياء ونتأسَّى بهم. القرآن يريد منا أن نجعل الأنبياء أسوة لنا وقدوة، فإذا ارتكبوا خطأ أو ذنباً، كان معنى ذلك أن الله يريد منا نحن أيضاً أن نخطئ ونذنب، ومعلوم أن مثل هذا الأمر محال على الله.

قلنا: ليس معنى الاقتداء والتأسي أن نقلد كالببغاء كل عملٍ فردي من أعمال النبيّ بصورة منفصلة عن رسالته ودعوته. الاقتداء معناه أن نجعل أوامر النبيّ وتعاليمه وإرشاداته مشعلاً نهتدي به في حياتنا ونتأسى به في عمله بهذه التعاليم والأوامر. بعبارة أخرى مفاد الآيات المذكورة أعلاه طاعة أوامر الأنبياء والاهتداء بهديهم وتعاليمهم وليس التقليد كالببغاء لجميع تصرفاتهم وحركاتهم. ثم إنه من الواضح أولاً: أن الأنبياء لا يدعوننا أبداً إلى ارتكاب الذنوب (وهذا يختلف بالطبع عن موضوع عصمتهم)، وثانياً: هم أنفسهم يجتهدون دائماً في مراعاة هذه الأوامر والتعاليم فلا يرتكبون ذنباً بقدر طاقتهم البشـرية وإذا ارتكبوا أحياناً وفي حالات معدودة ذنباً سهواً أو نسياناً، فإنهم – طبقاً لتعاليمهم أنفسهم – يسـرعون إلى التوبة والاستغفار (كما ذكرت آيات عديدة توبة الأنبياء واستغفاراتهم)، واقتداؤنا برسل الله هو في هذا الأمر بالذات أي أننا نسعى حتى الإمكان ألا نقع في أي ذنب فإذا زلت أقدامنا وأذنبنا فإننا نسارع فوراً مثلهم (وبناء على تعاليمهم) إلى التوبة وطلب المغفرة ونكفِّر عن ذنوبنا طبقاً لما يأمر به الشرع. ليس معنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أننا إذا رأيناه قد غضب في أحد المواقف ولم يتمكن من كبح غضبه وصاح في وجه زوجته مثلاً أن نقتدي به في ذلك فنغضب على زوجاتنا ونصيح في وجوههنَّ! الاقتداء معناه أولاً أن نتعرّف على تعاليمه (حول حسن عشرة الزوجة ومحبتها ورعاية احترامها وحقوقها ومسامحتها على أخطائها والإغماض عن عيوبها) ثم نقرأ سيرته العطرة بشكلها العام مع زوجاته فنتأسى بها في تعاملنا مع زوجاتنا. من الواضح أن النبيّ قد يرتكب خطأ أو ذنباً سهواً أو نسياناً (وهو أمرٌ طبيعيٌ) ولكن هذا لن يكون أبداً ناقضاً لتعاليمه، لأن النبيّ لم يقل للمؤمنين أبداً: لا يجوز لكم أن ترتكبوا أيَّ ذنبٍ إطلاقاً حتى ولو وقع الذنب منكم سهواً أو نسياناً، لأن في هذا تكليفٌ بما لا يُطاق، ولو قال لهم ذلك لكان ارتكابه هو لذنبٍٍ أو خطأ سهواً أو نسياناً يؤدي إلى التناقض.

إن ما يريده النبيّ منا هو أن نذكر الله واليوم الآخر دائماً ونجتنب الذنوب ونسعى أن لا نرتكب أي خطيئة عمداً، أما إذا زلت أقدامنا مرة وتمكَّن الشيطان من خداعنا فأذنبنا فعلينا أن نسارع إلى التوبة والاستغفار والتكفير عما بَدَرَ منّا. بعبارة أخرى الاقتداء بالرسول اقتداءٌ بسيرته العملية وليس تقليداً كالببغاء لكل عملٍ من أعماله واحداً واحداً دون الأخذ بعين الاعتبار روح تعاليمه وأوامره. إن السيرة العملية معناها النظام العام الذي يسود حياة النبيّ. مثلاً: كانت الصلاة في أول وقتها جزءاً من نظام حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، فكان عليه وآله الصلاة والسلام يسعى دائماً أن يصلي صلواته جماعةً في أول الوقت. لكن ربما حصل منه في بعض الأحيان ـ بسبب مشاكل خاصة أو سهو أو نسيان ـ أن صلَّي بعد وقت الفضيلة، وعندئذٍ فإن الاقتداء به لا يعني أن ننظر في أي ساعةٍ صلّى هذا اليوم فنصلّي في هذا الوقت بالضبط، وكذلك لو اضطر مرة ـ بسبب مشاكل معينة أو بسبب السهو أو النسيان ـ إلى عدم المشاركة في صلاة الجماعة، فلا يجوز أن نقوم نحن أيضاً بترك صلاة الجماعة وأداء الصلاة فرادى! إن الاقتداء بالنبي اقتداءٌ بقواعد حياته وقواعد أقواله وأفعاله وليس تقليداً لمصاديقها أو الاستثناءات منها. من هنا يتبيَّن أنه ليس معنى كون النبيّ «أسوة حسنة » أنه معصوم عصمة مطلقة بل معناه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل قدوة للمسلمين، فقط وليس أكثر. أي أنه صلى الله عليه وآله وسلم يفوق جميع الخلق في عبادته وعبوديته لِـلَّهِ تعالى وفي قيامه بالفرائض والواجبات وابتعاده عن الذنوب وتحلِّيه بالفضائل الأخلاقية وتنزّهه عن الرذائل الأخلاقية، ومسارعته في الخيرات، ومعنى اتّباعنا له صلى الله عليه وآله وسلم أن نجعله قدوتنا وأسوتنا ونسير وراءه كي لا نضل طريق السعادة والفلاح. فطاعة الأنبياء طاعة لأوامرهم وتعاليمهم (وهم لا يأمرون أبداً بارتكاب الذنوب) وليست تقليداً لكل حركاتهم وسكناتهم وما يفعلونه في الحالات العينية والظرفية والاستثنائية.

2- لنفرض جدلاً أن الدليل المذكور صحيح وأن الآيات التي تأمرنا بطاعة رسل الله دليل قاطع على أن رسل الله معصومون. فإذا تذكرنا أن المقصود من «أولي الأمر» في الآية 59 من سورة النساء -طبقاً لرأي الشيعة- هم أئمة الشيعة الاثني عشر، ولاحظنا أن الآية قد أمرت بطاعة أولي الأمر إلى جانب طاعة الله ورسوله، وأضفنا إلى ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا في حديث الثقلين بطاعة عترته الطاهرة، أمكن أن نستنتج أن أئمة الشيعة يجب أن يكونوا معصومين أيضاً. حسناً، سنقبل جدلاً كل هذه الدعاوي دون أدنى مناقشة (وَنؤجل نقدها وتحليلها إلى ما بعد) ونسأل: ألم يأمر الأئمَّة المعصومون – طبقاً لادعاء علماء الشيعة – أتباعهم بأن يرجعوا إلى الفقهاء ورواة الأحاديث في عصر الغيبة ويأخذوا تعاليم الأئمة المعصومين عن لسانهم ويطيعوهم ويتخذوهم قدوة يقلّدونها؟ لا شك أن إجابة علماء الشيعة هي الإيجاب. فإذا كان الأمر كذلك قلنا: طبقاً لدليلكم يجب أن يكون الفقهاء أيضاً معصومين، لأنهم إن لم يكونوا كذلك لما أمر الأئمة المعصومون (الذين يعتقد الشيعة بأن كلامهم ككلام الله ورسوله ويتمتع بالحجية نفسها) شيعتهم بطاعة الفقهاء والاقتداء بهم! فكيف يحلّ علماء الشيعة هذا التناقض؟

فإن قلتم إن الأئمة لم يقصدوا أن نطيع الفقهاء طاعة مطلقة بل قصدوا طاعتهم في إطار القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. قلنا: أولاً لا يوجد مثل هذا التقييد في نصوص الروايات المذكورة. وثانياً إذا أردنا أن نرتكز إلى منهج الشيعة ومرتكزاتهم. قلنا: وهل يفهم العوام شيئاً من الكتاب والسنة حتى يطيعوا الفقهاء في إطارهما؟ (إذا كان الأمر كذلك لما كانت هناك من حاجة لطاعة الفقهاء لأن العوام في هذه الحالة يكونون فقهاء هم أيضاً). إن الذي يفهمه عامة فقهاء الشيعة من تلك الروايات هو أن على الناس أن يأخذوا تعاليم دينهم ومعنى كتاب ربهم وسنة نبيهم من الفقهاء، فكيف يمكنهم أن يحددوا إطاراً لطاعة الفقهاء؟ إن الفقهاء هم الذين يحددون الإطار. بعبارة أخرى إن هذه الإجابة تجعلنا نواجه دوراً منطقياً وبالتالي فهي عاجزة عن حل المشكلة. إذن انطلاقاً من استلزام تلك الاستدلالات للوازم باطلة لا يمكننا أن نعوّل عليها.

الدليل الثالث: «لقد بيَّن الله تعالى في قرآنه الكريم أن المناصب الإلهية مختصة بأشخاص لم يتلوّثوا بالظلم لذلك لما سأله سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته أئمة للناس قال مجيباً: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، ونعلم أن كل ذنب هو على أقل تقدير ظلم للنفس وبالتالي فكل مذنب يسمى في عرف القرآن الكريم «ظالماً». إذن لا بد أن يكون الأنبياء، أي أصحاب منصب النبوة والرسالة، منزَّهين من كل ظلم وذنب»(111).

الإشكالات الأساسية في هذا الاستدلال هي التالية:

1. في البداية، من الأفضل أن نأتي ببداية الآية التي تم الاستناد إليها في الاستدلال المذكور:

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة/124).

طبقاً لما جاء في تفاسير الشيعة المعتمدة (كتفسير الميزان) تتعلق هذه الآية بالفترة الأخيرة من عمر سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقبل تلك الفترة كان سيدنا إبراهيم نبياً ثم بعد أن امتحنه الله امتحانات متعددة (بما في ذلك قصة ذبح إسماعيل وتحطيم الأصنام والتصدي لنمرود) ونجح فيها جميعاً أعظم نجاحٍ، عَهِدَ اللهُ تعالى إليه بمقام الإمامة. أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قبل تلك الامتحانات كان نبياً فقط ولم يكن إماماً. أي طبقاً لهذه الآية الإمامة مقام أعلى وأرفع من النبوة. يعني أنه قد يكون شخص ما نبياً ولكنه لا يكون إماماً.

والآن يكفي أن نلقي من جديد نظرة على الاستدلال المذكور لندرك مدى ضعفه وعجزه عن إثبات تلك العصمة المدَّعاة للأنبياء والأئمة. إن الآية مورد البحث لا تقول أكثر من أن الإمامة لا تصل إلى الإنسان الظالم، أي أن الظالم لا يمكنه (ولا يحق) له أن يكون إمام الناس وقائدهم. ولكن ما العلاقة بين هذا الأمر وبين ما تدعيه الشيعة من أن جميع الأنبياء معصومون طيلة عمرهم من الولادة إلى الوفاة من كل خطأ أو زلل أو قبح حتى ولو كان سهواً أو نسياناً من غير عمد؟! وأولاً: إذا أثبتت هذه الآية عصمة لأحد، فإنها ستثبت العصمة للأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة فقط وليس لجميع الأنبياء. وثانياً: حتى لو اعتبرنا أن الظلم والذنب مفهومان متساويان، فإن الآية ستثبت العصمة من الذنب فقط (للأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة) لا العصمة من الخطأ والزلل في أمور الحياة الفردية والاجتماعية، لأن الخطأ والاشتباه لا يُسَاويان الظلم.

2- يجب أن نضع نصب أعيننا دائماً أن القرآن نزل باللسان واللغة التي يتخاطب بها الناس عرفاً، وقد أوقعت الغفلة عن هذه الحقيقة كثيراً من الناس في الانحراف والضلال.

و «الظالم» في عرف الناس هو الذي يعتدي على حق الآخرين ويظلم الناس. حتى الشرك الذي أطلقَ عليه القرآنُ وصفَ «الظلم الكبير» إنما كان كذلك لأنه تعدٍّ على حق الله (في عبوديّة عباده له وحده). والناس لا تُسمِّي أبداً الشخص الذي لم يرتكب ظلماً بحق أحد «ظالماً»، حتى ولو ظلم ذلك الشخص نفسه بارتكاب بعض الذنوب الشخصية. بعبارة أخرى «الظالم» نقيض «العادل» وليس نقيض «المعصوم». فيجب أن يكون الإمام عادلاً والعدالة تعني الالتزام بالحق ورعاية حقوق الناس وإذا أردنا أن نرفع سقف معنى العدالة إلى مستوى أعلى يمكننا أن نضيف إليه عدم ارتكاب الذنوب عن عمدٍ وإصرار، وعندئذٍ فإن أقصى ما تثبته الآية المذكورة هو عصمة الأنبياء الذين وصلوا إلى مقام الإمامة من ارتكاب الذنوب عن علمٍ وعمدٍ، فقط لا غير. لكننا إذا أخذنا كلمة «الظالمين» في الآية على المعنى العام والواسع المطلق للظلم فأدخلنا فيه من ارتكب ظلماً بحق نفسه أيضاً، فإننا سنقع في تناقض وإشكال، إذْ كيف نال سيدنا موسى (ع) مثلاً مقام النبوة والإمامة ورئاسة بني إسرائيل رغم أنه ارتكب ظلماً بحق نفسه كما نصّت عليه الآية 16 من سورة القصص؟(112)

3- لنتأمَّل مجدداً في المعنى العرفي لكلمة «الظالم». السؤال هو: في أي معنى يستخدم الناس كلمات مثل: الظالم، الكافر، المشرك، السارق، الزاني... الخ؟ مثلاً على من يطلقون اسم السارق؟ هل يطلقونه الشخص الذي سرق في الماضي مرةً أو عدّة مرات لكنه ندم في ذلك الحين ذاته وتاب توبةً نصوحاً وكفَّر عن ذنبه وأعاد المال المسروق إلى أصحابه، واليوم قد مضت عليه سنوات عديدة لم يرتكب فيها مثل ذلك العمل أبداً، هل مثل هذا الشخص يسمى «سارقاً»؟ من المُسَلّم به أن الإجابة هي النفي. الناس تطلق وصف «السارق» على الشخص الذي كان ولا يزال يمارس هذا العمل كلّما سنحت له الفرصة ولم يتب بعد منه، ولم يُعِد المال المسـروق إلى أصحابه. وبعبارة أخرى لا يزال مستمراً في عمله القبيح هذا ومصراً عليه. نحن لا نطلق أبداً كلمة «كافر» مثلاً على الشخص الذي كان كافراً فيما مضى لكنه مؤمنٌ اليوم. كلمة الكافر تطلق على الشخص الذي هو كافرٌ الآن، لا على الذي كان كافراً في الماضي. فإذا عرفنا ذلك نسأل: هل يجوز أن نطلق كلمة «ظالم» على شخص ارتكب ظلماً في الماضي لكنه ندم على ذلك في حينها وتاب من فعله وجَبَر ظلمه وأعاد الحق إلى أصحابه؟ أبداً على الإطلاق. إن وصف «الظالم» يطلق على من يمارس الظلم الآن ولا يتورع عنه ولا يتوب منه ولا يعيد الحق إلى أصحابه. بل حتى لو ارتكب شخصٌ ما في الزمن الحاضر ظلماً بحق شخص نتيجة اشتباهٍ أو سهوٍ (مثلاً أصاب سوطه شخصاً دون قصد) لكنه تاب من فعلته واستسمح من المظلوم بل أقاده من نفسه وأعطاه حقه، لما اعتبر في لغة الناس «ظالماً» أبداً. إذن لا يمكن إثبات العصمة - في الماضي والحاضر - استناداً إلى الآية المذكورة، بل كل ما تثبته هذه الآية ضرورة توفر صفة العدل في الإمام. أي أن الإمام يجب أن يكون عادلاً، هذا وحَسْب.

إلى هنا استعرضنا الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء وحللناها ونقدناها وحان الوقت الآن لبيان عدم معقولية «نظريّة العصمة» من خلال طرح عدد من التساؤلات نثبت من خلالها أن هذه الفكرة «العصمة المطلقة» لا يمكن الدفاع عنها عقلاً أبداً:

1- هل يقوم الأنبياء (و الأئمّة) ـ الذين يَّدعي الشيعة عصمتهم المطلقة من كل ذنب ـ بمفخرةٍ وعملٍ عظيم في عدم ارتكابهم لأي ذنب؟ بعبارة أخرى هل العصمة فضيلة؟ يقول علماء الشيعة في الإجابة عن هذا السؤال إن عصمة الأنبياء والأئمة ليست أمراً غير إراديٍّ بل تستمد منشأها من العلم والوعي والرؤية النافذة العميقة التي يمتلكونها لقبح الذنب وعواقبه المدمّرة. بعبارة أخرى ليس المعصوم عاجزاً عن ارتكاب الذنب، بل يملك القدرة على ارتكابه إن أراد ذلك، لكنه بدليل رؤيته بعين بصيرته النافذة لحقيقة بواطن الأمور بما في ذلك حقيقة قبح الذنب وتلويثه للإنسان وعواقبه الخطيرة على نحو يجعله يلمس بكل وجوده هذه الحقيقة فإنه لا يتحرك نحو الذنب أبداً.

أقول: لكن هذه الإجابة ليست سوى تكرار للسؤال ذاته ولكن بألفاظ وعبارات أخرى! فهل قال أحدٌ إن العصمة معلولٌ بلا علَّة أي ليست معلولة لشـيء؟ من الواضح أنه لو كانت هناك عصمةٌ فإنها ستكون نتيجةً لأمور وعوامل من قبيل ما ذكروه. لكن السؤال هو: هل أعطى الله تعالى تلك العوامل (أي العلم والوعي والرؤية النافذة العميقة ورؤية حقيقة العالم وبواطن عالم الوجود بعين البصيرة ورؤية الملكوت ورؤية حقيقة قبح الذنب وقذارته بعين القلب) للأنبياء والأئمة عنايةً خاصَّةً منه بحقهم أم نالوها بفضل صرفهم سنوات عمرهم في كسب العلم والمعرفة وفي جهاد النفس وبناء الذات وتزكية النفس؟ إذا كان الجواب هو الشق الأول فإن الإشكال يبقى قائماً: ما هو العمل العظيم الذي يفعلونه بعدم اتجاههم نحو الذنب؟ أما إذا كانت الإجابة هي الشق الثاني فمعنى ذلك أنهم لم يكونوا معصومين طيلة حياتهم (أي منذ بدايتها وقبل أن يجاهدوا أنفسهم ويصلوا لذلك المقام). هذا أولاً. وثانياً: طالما لا توجد عناية خاصة من الله فإن الوقوع في الذنب والخطأ يبقى محتملاً. وثالثاً: في هذه الصورة يمكن للآخرين أيضاً أن يصلوا إلى مقام العصمة المطلقة كذلك. وهذه اللوازم الثلاث مرفوضة من قبل الشيعة. واسمحوا لي هنا أن أُذَكِّر من جديد بتعريف علماء الشيعة للعصمة:

«العصمة عبارة عن قوة باطنية غير عادية (خارقة) وملكة نفسية قوية تحصل نتيجة مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود. وهي قوة استثنائية غيبية كل من وجدت فيه عُصم من كل خطأ وذنب بشكل مطلق وأصبح مصاناً ومحفوظاً من جهات مختلفة: 1-...2-...3-...و مصانٌ في مقام العمل من العثرات والأخطاء سواء المتعمَّدة أم التي تقع سهواً فهو لا يذنب أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّه صفرٌ.»(113).

«المقصود [من العصمة] هو امتلاك الشخص لملكة نفسية قوية تمنعه من ارتكاب الذنب مهما كانت الظروف. وهي ملكة ناتجة عن وعي كامل ودائم بقبح المعصية وعن إرادة قوية لكبح ميول النفس. ولما كان تحقُّق مثل هذه الملكة لا يتم إلا بعناية خاصة من الله، نُسبت فاعليَّتها إلى الله تعالى»(114).

طبقاً للتعريفات المذكورة أعلاه، منشأ صون المعصوم من الذنب هو: «قوة باطنية غير عادية (خارقة)» و«مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود» و«وعي كامل ودائم بقبح المعصية وإرادة قوية لكبح ميول النفس». ومثل هذه الملكة تتحقق بفضل «عناية خاصة من الله». والآن إذا أضفنا إلى ذلك ادعاء الشيعة بأن: «الأنبياء والأئمة معصومين في كل مراحل عمرهم من الولادة إلى الوفاة»، خرجنا بنتيجة تلقائية تقول:

طبقاً لادعاء الشيعة فإن الأنبياء والأئمة كانوا منذ ولادتهم وطفولتهم «بفضل العناية الإلهية الخاصّة» وعلى إثْرِ«مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود» و«الوعي الكامل والدائم بقبح المعصية» و«الإرادة القوية لكبح ميول النفس» «معصومين من كل ذنب وخطأ مطلقاً» فهم «لا يذنبون أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّهم صفرٌ».

أقول: فهل هذا يُعَدُّ فضيلةً لهم؟ هل كانوا بهذه الصورة يقومون بجهد جبار ومفخرة عظيمة في تجنبهم للذنوب؟ هل مثل هذه العصمة تستحق الثواب الأخروي؟ ألا تجعل تلك الادعاءات العريضة الأنبياءَ والأئمة موجودات استثنائية خاصة تختلف في طبيعتها وخلقتها الخاصة عن سائر البشـر؟ إذا كنا نحن البشـر العاديُّون منذ بداية ولادتنا وطفولتنا نمتلك بفضل «العناية الإلهية الخاصة» «قوَّةً باطنيةً غير عادية (خارقة) وملكةً نفسيةً قويةً» وكنا نستطيع أن نرى «حقيقة الكون وعالم الملكوت وباطن عالم الوجود» وكنا نمتلك «إرادة قوية لكبح ميول النفس» فهل كان يصدر عنا أي خطأ أو ذنب؟ وهل كان الشيطان عندئذٍ يكلف نفسه عناء محاولة إغرائنا وإضلالنا؟؟

2- انطلاقاً مما ذكر أعلاه ثمَّةَ سؤالٌ يطرح نفسه: كيف يستطيع المعصوم أن يكون أسوةً وقدوةً لغير المعصوم في تركه للذنوب؟ وهل ينسجم مع حكمة الله وعدله أن يطلب منا أن لا نذنب ولا نخطئ ونضبط أنفسنا أمام وساوس الشيطان وأهواء النفس ثم يعرَّفنا بأشخاصٍ بوصفهم أسوة وقدوة لنا في هذا الأمر كانوا موضع عنايته الخاصة منذ ولادتهم وضَمِنَ لهم أن لا يقعوا في أي ذنب أو خطيئة بما أراهم من حقيقة عالم الوجود وملكوت السموات والأرض وباطن عالم الوجود، وبما أعطاهم من علم ووعي كامل ورؤية نافذة عميقة لقبح الذنب وحقيقة عواقبه الخطيرة (ليس علماً عادياً وظاهرياً بل نوع من الشهود القلبي والباطني ومن نوع العلم الحضوري لا الحصولي والاكتسابي بدليل حضوره الدائم)؟؟ كيف يمكن لهكذا أشخاص أن يكونوا قدوة ومثال يحتذى بالنسبة للبشـر العاديين غير المعصومين؟ ألا يمكن للإنسان العادي أن يقول في نفسه إن عدم الوقوع إطلاقاً في أي ذنب أو خطأ أَمرٌ مُحَالٌ وتكليفٌ بما يفوق طاقة الإنسان، فإذا أردنا أن نُرِيَهُ الأنبياء والأئمة كمثال وقدوة لنقول له إن عدم ارتكاب أي خطأ أو ذنب ليس محالاً وهؤلاء هم الدليل، أفلا يمكن لذلك الإنسان أن يعترض محقاً ويقول: نعم عدم ارتكاب هؤلاء الأنبياء والأئمة ـ الذين يتمتعون بتلك العناية والإمكانيات الخاصة الممنوحة لهم منذ ولادتهم ـ أي ذنب ليس أمراً محالاً بالطبع (بل في هذه الحالة سيكون ارتكابهم الذنب هو المحال وليس تركه!) ولكنه محال أو شبه محال لأمثالنا ممن لا يمتلك تلك الإمكانيات الخاصة، فإذا كان الله يريدني أن لا أذنب أبداً فليمنحني مثل تلك العناية الخاصة وليرزقني تلك «القوة الباطنية غير العادية (الخارقة)» و«الملكة النفسية القوية» و«الإرادة القوية» و«البصيرة الباطنية» لأريه أيضاً بطولتي وكيف سأطرح الشيطان أرضاً وأمرّغ أنفه بالتراب!!!

بالتعريف الذي يعطيه الشيعة لعصمة الأنبياء والأئمة ألا يصبح قياس البشـر العاديين على الأنبياء والأئمة قياساً مع الفارق؟

إلى هنا قمنا بطرح سؤالين إشكاليين حول «العصمة»:

الأول: إذا قبلنا ادعاءات الشيعة حول عصمة الأنبياء والأئمة ومصدر تلك العصمة ومنشأها، فهل يمكننا بعدئذ أن نعتبر عدم ارتكابهم للذنوب عملاً جباراً ومفخرة أخلاقية عظيمة؟ والسؤال الثاني: هل يمكن، في مثل هذا الوصف للعصمة، أن يكون الأنبياء والأئمة قدوة لسائر البشر غير المعصومين؟ ورأينا أن الإجابة عن كلا السؤالين هي النفي.

هنا يشير علماء الشيعة إلى أمرين لحل هذه المعضلة ينبغي التدقيق بهما كثيراً لأن من شأن ذلك أن يكشف أن الذين طرحوهما قد جانبوا الصواب ولم يدقِّقوا كما ينبغي في حلّهم للمعضلة المذكورة أعلاه، بل بدلاً من حل الإشكال زادوه تعقيداً وزادوا عقدة العصمة إغلاقاً!.

يقولون: نحن البشر العاديون أيضاً معصومون ومصانون عن الذنب في بعض الحالات. مثلاً إذا وُضع أمامنا إناءٌ مليءٌ بسم زعاف مميت فلن نشـرب منه أبداً. أو يقولون في مثال آخر: إذا رأى أحدنا بأم عينه أن وضع القدم في المكان الفلاني يعني الوقوع في هاويةٍ سحيقةٍٍ فلن يضع قدمه في تلك البقعة أبداً ومطلقاً. ويقولون: نحن لا نرغب أبداً أن ننظر، مجرد نظر، إلى جثة ميت فما بالك أن نأكل من لحمه؟ ويذكرون أمثلة من هذا القبيل. إذن نحن مصانون ومعصومون من الوقوع في جميع أمثال تلك الأمور. ثم يقولون لما كان الأنبياء يرون باطن جميع الأعمال بعين البصيرة وبكل وجودهم فإنهم يحصلون على مثل ذلك الصون والعصمة تجاه الذنوب. فمثلاً «الغِيبَة»- التي تعد من كبائر الذنوب- لها ظاهر وباطن. ظاهرها معلوم أما باطنها فهو طبقاً للآية القرآنية أكل لحم جثة الأخ الميت. يعني عندما تغتاب شخصاً فإن باطن هذا العمل مماثل لأكلك لحم أخيك ميتاً. إذا عرفنا ذلك فإن النبيّ لكونه يرى باطن «الغِيبَة» بعين بصيرته بكل وضوح، فإنه كلما أراد أن يغتاب رأى بعين قلبه وبكل وجوده أنه بصدد الأكل من لحم جثة أخيه الميت، فلا يقدم على «الغِيبَة» أبداً وليس هذا فحسب بل لا يرغب بفعلها إطلاقاًً. وكذلك أكل مال اليتيم هو في الباطن أكل النار، وأكل مال الحرام هو في الباطن تناول لسم أو للحمأة أي الطين المتعفن الآسن أو للقيح والصديد. فالمعصوم يرى باطن هذه الأعمال بعين القلب لذا يستحيل أن يرغب بها إذ لا يوجد عاقلٌ يضع في فمه جمرة نار أو يتناول حمأة آسنة متعفنة أو قيحاً قذراً. وكمثال أخير إذا دعت امرأة شابة حسناء نبياً في خلوة إلى الخطيئة فلن يتحرك نحو الذنب إطلاقاً لأنه يرى بعين قلبه أن باطن هذا العمل هو السقوط في النار. إنه يرى تلك الأمور بأم عين بصيرته فيُصان ويُحفظ من الوقوع في أي ذنب. ولا ننسَ أيضاً أن هذه الخاصية منحها اللهُ الأنبياءَ – بناءً على ادعاء الشيعة- منذ ولادتهم بعناية إلهية خاصة.

حسناً، لكن النقطة المهمة التي غفل عنها علماء الشيعة هنا هي أن الحالات التي أشير إليها في الأمثلة المذكورة لا تعتبر فضيلة بالنسبة للأشخاص غير المعصومين كما لا توجب استحقاقهم للثواب الأخروي. فهل يصنع الإنسان مفخرةً وعملاً عظيماً إذا امتنع عن احتساء سم زعاف أو عن إلقاء نفسه في حفرة من النار؟ الإجابة بلا شك كلا، لأنه يرى عاقبة تلك الأعمال بكل وجوده لذا لا يشعر برغبة بها. كما أنه لا يثاب الإنسان يوم القيامة عن امتناعه من تناول السم الزعاف أو ابتعاده عن هاوية من نار. أما إذا وُضِعَ كأسٌ من الخمر الزلال أمام عيني شخصٍ لا يشعر بأي خوف من تناول ذلك المشروب وما يستتبعه من عواقب دنيوية (أقصاها أن يبتلى ببعض الأمراض) وليس هذا فحسب بل يشعر برغبة شديدة بتناوله والوصول إلى نشوة السُّكْر، لكنه رغم ذلك يمتنع عن تناوله إتباعاً لأمر الله ورجاءً لثوابه وخوفاً من عقابه وإنقاذاً لنفسه من نار جهنم، فإن مثل هذا الشخص يكون قد صنع أمراً كبيراً يستحق عليه الثناء والثواب الأخروي، لأنه لم يكن يخاف من أثر سيء مباشر لشـربه ذلك المشروب (كأن يدرك أنه يستتبع أضراراً مباشرةً شديدةً ومهلكةً في هذه الدنيا) كما أن علمه بالعاقبة الأخروية لشرب الخمر علم عادي ظاهري يستند إلى ثقته بصدق كلام الأنبياء والأولياء وليس علماً لدنيا وحضورياً شهودياً يبرز حقيقة نار جهنم وأنواع العذاب الأخروي أمام ناظريه بوضوح مماثل لوضوح الشمس في رابعة النهار. إن جميع الأمور التي نحن -البشر العاديون- مصانون من الوقوع فيها ولدينا نوع من العصمة عن ارتكابها أمورٌ لا نشعر بأي رغبة بالقيام بها بسبب علمنا القاطع بأضرارها وتأكدنا من عواقبها المخيفة والمميتة في هذه الدنيا، فنمتنع عن ارتكابها في الواقع انطلاقاً من غريزة حب النفس وحرصاً على سلامتنا وكرهاً للألم أو الموت وحباً للحياة. واجتنابنا لمثل تلك الأمور لا يُعدُّ فضيلةً ولا يوجب ثواباً أخروياً، فلا يقال يوم القيامة أعطوا فلاناً قصراً كبيراً في الجنة لأنه رغم تناوله مئات المرات سكيناً بيده لم يقدم مرة واحدة على طعن بطنه بالسكين؟! وهنا تأتي النقطة المهمة، فالتعريف الذي يعطيه الشيعة لعصمة الأنبياء والأئمة ومصدر هذه العصمة يجعل عدم ارتكاب المعصومين للذنب مماثلاً تماماً لعدم قيام الناس العاديين بالانتحار بل أيسر من ذلك. هنا تبرز تلك التساؤلات المهمة والمفحمة التي تتطلب جواباً فلا تجده: إذا كان الأنبياء والأئمة معصومين حقيقةً طيلة عمرهم من الولادة حتى الوفاة من كل خطأ وزلل وذنب وكان مصدر عصمتهم تلك ما يذكره الشيعة فهل يستحقون حقيقةً الثواب الأخروي؟ هل من الصحيح أن يثابوا أي ثواب من الأساس فضلاً على أن يكون ثوابهم أكثر من ثواب بقية البشـر (الذين لم يمنحوا أيَّ عناية إلهية خاصة في هذا المجال)؟ هل يصح أن يكون مثل هؤلاء أسوة ومثال للناس؟

 

الهوامش:

(108) كقوله تعالى مثلاً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم/51) (المترجم)

(109) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص244. والآية المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ﴾.

(110) المصدر السابق، ص245.

(111) المصدر السابق، ص 245.

(112) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص/16]. (المترجم)

(113) أميني، إبراهيم: بررسى مسائل كلى إمامت، (أي دراسة وتحليل المسائل الكلية للإمامة) ص 171.

(114) مصباح يزدي، محمد تقي، «آموزش عقايد» (تعليم العقائد)، ص 237.