الأدلة العقليّة على عصمة الأنبياء والأئمة ومناقشتها

نشير في ما يلي إلى بعض النماذج من الأدلة العقلية التي يستخدمها الشيعة في إثبات الضرورة العقلية لعصمة الأنبياء، ثم نعرّج على نقدها.

الدليل الأول: «إن أنبياء الله مصانون في عملهم بأحكام الشريعة من كل ذنب وخطأ وزلل، ولا يتحقّق الهدف من إرسال الأنبياء إلا إذا كانوا يتمتعون فعلاً بمثل هذه العصمة لأنهم إن لم يكونوا ملتزمين تماماً وبدقة بالأحكام الإلهية التي يقومون بتبليغها للناس فستزول ثقة الناس بصدقهم وبالتالي لن يتحقّق هدف النبوة»( 100 ).

و بعبارة أخرى:

«إن العصمة لازمة للأنبياء حتى تحصل الثقة بأقوالهم وحتى يتحقق الهدف من نبوتهم»(101).

فنقول: إن الدليل المذكور أعلاه قابل للنقد من جهات متعددة نشير إلى بعضها في يلي:

1. حتى لو كان هذا الاستدلال صحيحاً وتامّاً فإن أقصى ما يثبته هو ضرورة الصون من الذنوب المتعمَّدة والعلنيَّة أي التي تُرتكب أمام الناس وعلى الملأ، لا من الذنوب التي تقع أحياناً بسبب الغفلة أو السهو أو النسيان ولا الذنوب المخفيّة التي تقع في الخلوة بعيداً عن أعين الناس. إن السهو والنسيان والتعرض لبعض الغفلات الآنيّة والعابرة أمر طبيعي في الإنسان يقبله كل الناس ولا يوجد أحد يفقد الثقة بشخص لمجرد أنه ارتكب أحيانا خطأً أو ذنباً سهواً أو اشتباهاً.

نعم، عندما يكون الشخص غارقاً في الذنوب ومنغمساً في الرذائل الأخلاقية (كمّاً وكيفاً)، لا يمكن الاعتماد عليه والثقة بكلامه، فإذا ادَّعى مثل هذا الشخص النبوَّةَ فلن يَقبلَ الناسُ دعوتَه. أما إذا ادَّعى إنسانٌ تقيٌّ ورعٌ ونزيهٌ ومُتَّصفٌ بجميع الشمائل الإنسانية الحسنة والفضائل الأخلاقية العالية، ورغم أنه غير معصوم إلا أنه مشهور بين الناس بنقاء الثوب واستقامة السيرة، إذا ادعى النبوَّةَ، فإن ادعاءه هذا يؤثر في الناس وينال اهتمامهم ويدعوهم إلى التأمل، فإذا أضيف إلى ذلك أن النبيَّ لا يدَّعي النبوَّةَ فقط بل يُظهرُ للناس، لإثبات نبوته، دلائلَ وبراهينَ ومعجزاتٍ، وهذه المعجزات (إضافة إلى جاذبيته المعنوية وتأثير كلامه في إيقاظ الفطرة النائمة لدى الناس) هي التي تُولِّد ثقة الناس به وتجعلهم يطمئنّون إلى صدقه. نعم، إذا قام بعد ذلك بانتهاك أحكام الله بنحو منتظم ومتكرِّر وارتكب المعاصي والأعمال القبيحة والموبقات (عالماً عامداً وأمام الناس) كان للناس الحق في أن يشكوا بنبوته ويفقدوا الثقة بصدق كلامه، أما إذا ارتكب بعض الذنوب مرات نادرة سهواً ونسياناً فلا يكون ذلك مدعاةً أبداً لشك أحدٍ في صدق دعواه النبوَّة.

في الواقع لقد افترض الاستدلال الشيعي المذكور أن الإنسان لا يخلو من حالتين فقط لا ثالث لهما:

1- إما أن يغرق بالذنوب ويتلطخ بالمفاسد الأخلاقية 2-أو أن يكون معصوماً مطلقاً. بعبارة أخرى الإنسان إما يكون معصوماً أو غارقاً في الذنوب من رأسه إلى أخمص قدميه! ولا يوجد حلٌّ وسطٌ. ثم قالوا بعد ذلك أنه إذا كان الإنسان غارقاً في الذنوب فلن يثق الناس بصحة كلامه ولن يطمئنوا إلى صدقه وبالتالي لن يتحقق هدف النبوَّة، واستنتجوا على الفور أنه يجب أن يكون معصوماً مطلقاً إذن!.

لكن أصحاب الاستدلال السابق غفلوا عن إمكانية وجود حالة ثالثة وهي أن يكون الشخص الذي يدَّعي النبوَّة غير معصوم إلا أنه في الوقت ذاته ليس غارقاً في الذنوب والمفاسد الأخلاقية بل يكون بشكل عام إنساناً تقياً نقياً نزيهاً مخلصاً فيشعر الناس نحوه بالحب والطمأنينة بسبب ما يجدوه فيه من نزاهة وطهر ونقاء وصدق وأمانة وما يمتلكه من جاذبية معنوية. وادعاء مثل هذا الشخص للنبوة – خاصة عندما يأتي بمعجزة خارقة لإثبات دعواه إضافة إلى سوابقه الحسنة ومكانته في قلوب الناس- يختلف من السماء إلى الأرض عن ادعاء شخص فاسق فاسد (أو حتى عادي) لا يمتلك أي مكانة في قلوب الناس ولا يستطيع أن يأتي بأي معجزة لإثبات دعواه.

2- كما ذكرنا في النقطة السابقة، إن أقصى ما يثبته ذلك الاستدلال هو ضرورة العصمة الظاهرية للأنبياء. بعبارة أخرى إذا اعتبرنا أن المعيار ثقة الناس فيكفي أن يكون الشخص المدَّعِي للنبوَّة إنساناً ظاهر الصلاح أي لا يُقْدِمُ على ارتكاب ذنب أو عمل قبيح أمام أنظار الناس وفي ملأ منهم، كي يتمكَّن الناس من الثقة به والاطمئنان إلى صدقه. ولا يثبت الاستدلال المذكور ضرورةَ أن يكون هذا الشخص مصوناً من كل خطأ وزلل وذنب في السرّ والخفاء. فهذا الدليل ناقصٌ وقاصرٌ.

3- الدليل المذكور قاصرٌ عن إثبات ضرورة العصمة قبل النبوة، لأنه قبل أن ينزِّل الله أوامره ونواهيه لا يوجد معنى للذنب أو لمعصية الله، فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع (كما يقول المناطقة).

لنفرض مثلا أن الشخص الذي لم يُبعث بالنبوَّة بعد أكل لحم الخنزير(كما يأكله سائر الناس في عصره ولا يعتبرون ذلك عملاً قبحاً)، فإذا ادَّعى هذا الشخص النبوَّةَ بعد ذلك وأعلن أن أحد قوانين شريعته حُرْمَةُ لحم الخنزير. فهل يجوز أن يُقال له في مثل هذه الحالة: إذا كان لحم الخنزير حراماً فلماذا كنت تأكله من قبل؟ من البديهي أنه لا يصحُّ توجيه مثل هذا الاعتراض إليه، لأن النبيَّ يمكنه أن يقول بكل بساطة: لم أكن أعلم بحرمة لحم الخنزير في ذلك الوقت (قبل أن أبعث نبيّاً)، وأساساً بما أن حرمته لم يتم إعلانها للناس بعد فهو لم يكن حراماً حينها من الأصل، نعم من الآن فصاعداً يجب علينا جميعاً أن نجتنب أكله. فأين المحظور العقلي في مثل هذه الحالة؟ المهم أن يلتزم النبيّ بعد نبوته بقوانين شريعته بمقدار استطاعته البشـرية ولا يرتكب ذنوباً وأعمالاً قبيحةً عالماً عامداً. إن ما يوجب زوال ثقة الناس ويمنع تحقُّق هدف النبوة هو عدم التزام النبيّ بأحكام الشريعة في فترة نبوته وأن تحصل هذه الانتهاكات منه بشكل متكرِّرٌ وعن علم وعَمْد، أما الذنوب والأخطاء التي ارتكبها النبيّ قبل ادعائه النبوة فإنها لا تضر بثقة الناس لأن تلك الأعمال لا تعدّ ذنوباً أساساً قبل أن ينهانا الله عنها بواسطة الوحي.

4- حتى لو صح الاستدلال المذكور أعلاه وكان تاماً فإنه لا يثبت إلا ضرورة العصمة من الذنب لا العصمة من الخطأ والاشتباه، وهذه نقطة هامة. الأنبياء يعلنون دائماً أنهم بشرٌ مثلُنا وأن الفرق الوحيد بيننا وبينهم هو أنهم يُوحى إليهم من الله. ومضمون الوحي الإلهي هذا هو ما جاء في الكتب السماوية، أي مجموعة الحقائق الإلهية والتعاليم والأحكام الكلية التي يُكَلَّف بها المؤمنون. إن الأنبياء لا يقولون أبداً إن جميع أعمالهم وحركاتهم صغيرها وكبيرها (حتى تلك التي تتعلق بالحياة الفردية والخاصة) تتم بإرشاد الوحي، حتى إذا ما وجد الناس في أعمالهم تلك خطأ (كالاشتباه في اختيار الزوجة مثلاً) شكُّوا بادعاءاتهم النبويَّة!. بناء على ذلك إذا اشتبه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً في اختيار الحرّاس المؤهّلين والأمناء والمطيعين وعهد إليهم الحفاظ على مضيق جبل أحد وأدى هذا الاشتباه إلى الخسارة في معركة أحد فلن يشك أحد بنبوّته، لأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يدّع أن عهده إلى أولئك الأفراد بالمهمة المذكورة كان بوحي الله وأمره.

5- إن الذي يقول: «العصمةُ لازمةٌ وضروريةٌ للأنبياء كي تحصل الثقة بأقوالهم ويتحقّق الغرض من نبوتهم» قد جعل من نفسه -دون أن يخوِّله أحدٌ أو يسمح له بذلك- ممثلاً عن مليارات الناس من أتباع الأديان الإلهية في جميع أنحاء العالم. ذلك لأن أهل السنة مثلاً (الذين يشكلون أكثرية المسلمين ويقترب عددهم من المليار) لا يعتبرون الأنبياء معصومين(102) ومع ذلك هم مطمئنون لصدقهم معترفون بنبوّتهم. كذلك لا يعتبر أتباع سيدنا عيسى (أي المسيحيون) أن عيسى معصوم ولكنهم يؤمنون بنبوّته ويعتقدون بها ولا يعتبرون أن عدم عصمة ذلك النبيّ موجبٌ لعدم ثقة الناس به، والأمر ذاته ينطبق على أتباع الأديان الأخرى.

6- إن الدليل المذكور يتناقض بوضوح مع ادعاء الشيعة أن صفة العصمة لا يمكن لأحد أن يعرف وجودها لدى شخص ما. يرى الشيعة -كما نعلم- أن الإمام وخليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يكون معصوماً، ثم يقولون: إنه لما كانت صفة العصمة غير قابلة للتشخيص والمعرفة مِنْ قِبَل الناس، لذا لا تتحقق الإمامة إلا بنصب الله للإمام وقيام النبيّ (أو الإمام المعصوم السابق) بتعريف الإمام للناس. ولكن في الاستدلال مورد البحث قيل إنه لو لم يكن النبيّ معصوماً فلن يثق الناس به ولذا لن يتحقق الغرض من نبوته. فالسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ: كيف يتسنَّى للناس أن يدركوا وجود العصمة لدى شخص كي يقبلوا بناء على ذلك ادعاءه للنبوة ويثقوا بكلامه؟!. إن أكثر ما يستطيع الناس أن يدركوه في شخص ما هو أنه حتى الآن لم يصدر عنه أي ذنب أو إثم أو عمل قبيح، ولكن كلنا نعلم أن هذا يختلف عن العصمة المدَّعاة كثيراً، فقد يرتكب ذلك الشخص في خلوته وفي السـرّ أعمالاً قبيحة دون أن يعلم الناس عنها شيئاً. فلا يوجد أي طريق يستطيع الناس من خلاله أن يثبتوا عصمة شخص ما، فكيف إذن سيقبل الناس دعوة الأنبياء ويثقوا بصدقهم (دون يتمكنوا من الاطمئنان إلى عصمتهم)؟ إن أي إجابة تقدّم على هذا السؤال ستكون نافية لضرورة العصمة.

7- وآخر إشكال في ذلك الاستدلال هو أنه لو صحّ للزم عنه أن لا تقتصـر ضرورة العصمة على عصمة الأنبياء (والأئمة) فقط بل أن تُشْتَرطَ أيضاً في العلماء والمجتهدين والقضاة والقادة العسكريين والحكّام وكل إنسان يمتلك مقاماً مهماً أو شغلاً حياتياً وحسَّاساً. ذلك لأننا نستطيع بتطبيق المنهج ذاته أن نستدل على أنه لو لم يكن المجتهد معصوماً لما استطاع الناس أن يثقوا به ويسلِّموا رقابهم ومصيرهم الأخروي إليه عندما يقلدونه في فتاواه وآرائه. كذلك إذا لم يكن القاضي معصوماً فلا يمكن للناس أن يعتمدوا عليه وأن يجعلوه حكماً في نزاعاتهم واختلافاتهم ومتصـرِّفاً دماء الناس وأموالهم وأعراضهم ومكانتهم تحت تصرفه. فلا بد أن يكون القاضي معصوماً أيضاً! وحتى الشهود يجب أن يكونوا معصومين لأنه لو لم يكونوا كذلك لما أمكننا الثقة بصدق كلامهم ونحن نعلم أن شهادتهم الكاذبة قد تهدد بالخطر أرواح الناس الأبرياء وأموالهم وأعراضهم ومكانتهم الاجتماعية وهذا الأمر يصبح أكثر وضوحاً في المنازعات الكبيرة التي تقع في المستويات العليا للحكومة والمجتمع، إذ يمكن لحكم خاطئ وغير عادل لقاضٍ ما أو لشهادة كاذبة أن توجه لطمة كبيرة إلى الحكومة والمجتمع وتؤدي إلى وقوع ظلم على ملايين الناس الأبرياء والمظلومين.

قد تقولون بشأن اشتراط العصمة في المجتهدين ومراجع التقليد إن الأئمة المعصومين أمرونا في عدة أحاديث وروايات أن نرجع إلى المجتهدين في زمن الغيبة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من هم أولئك الذين رووا لنا تلك الأحاديث (أو بعبارة أدق تلك «الادعاءات»)؟ لا شك أنكم تعلمون جيداً أن جميع رواة تلك الأحاديث فقهاء ومجتهدون أي أنهم جميعاً غير معصومين، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا أن نثق بصدق كلامهم؟ خاصة إذا انتبهنا إلى أنهم ينتفعون شخصياً من هذه «الادعاءات». إذن بناء على منطق الشيعة يجب أن نقول: «إن عصمة الفقهاء لازمة وضرورية كي تحصل الثقة بكلامهم»!.

الدليل الثاني: «الهدف الأساسي من بعث الأنبياء هو هداية البشر وإرشادهم نحو الحقائق والواجبات التي حددها الله تعالى للناس، فالأنبياء هم في الحقيقة ممثلون عن الله بين الناس ويجب أن يهدوا البشر إلى صراط الله المستقيم. إذا كان الأمر كذلك فإن عدم التزام مثل هؤلاء الممثلين عن الله بأوامر الله ومخالفتهم بأنفسهم لمضمون رسالتهم سيفسِّره الناس على معنى أن سلوكهم بيانٌ مناقضٌ لأقوالهم وبالتالي لن يجدوا الثقة اللازمة بأقوالهم ونتيجة لذلك لن يتحقق الهدف من بعثتهم بشكل كامل أبداً. إذن فإن حكمة الله ولطفه يقتضيان أن يكون الأنبياء أفراداً منزهين من كل إثم ومعصومين من كل ذنب وأن لا يصدر عنهم أي عمل سيء حتى من باب السهو والنسيان كي لا يظن الناس أن ادعاءهم السهو والنسيان ليس سوى حجة يبرِّرون بها ارتكابهم الذنوب»(103).

هذا الدليل الثاني عين الأول الذي أوردناه قبله ودرسناه ونقدناه، ولا نرى فيه أيَّ جديد. نعم إذا كان الأنبياء –على حد قول أولئك السادة العلماء- «غير ملتزمين بأنفسهم بالأوامر الإلهية» فإن الناس لن يثقوا بهم؛ أما إذا التزموا بأوامر الله ولكن وقع منهم زلل في بعض الحالات الاستثنائية ولم يكن ذلك عن عمد بل سهواً ونسياناً فوقعوا في ذنب ما لكنهم سرعان ما تابوا منه واستغفروا ربهم وسعوا في تدارك التقصير الذي بدر منهم، فإن الناس لن يفقدوا أبداً ثقتهم بهم. إن أقصى ما يمكن لهذا الدليل أن يثبته (كالدليل الذي قبله) هو أن الأنبياء وأئمة الدين لا يجوز أن يكونوا أفراداً مستهترين متهتكين، ولكن الاستهتار ليس نقيض العصمة بحيث إذا نُفِيَ الاستهتار ثَبَتَت العصمة تلقائياً، بل الأمر خلاف ذلك إذ يوجد بين الاثنين حالات وسيطة أخرى بعضها على الأقل لا يسلب ثقة الناس بالأنبياء. والقصة ذاتها تنطبق على صونهم من كل سهو أو نسيان، فإذا تكرر السهو والنسيان مرات عديدة على نحو يؤدي إلى قيامهم بشكل متكرر بأعمال قبيحة فإن هذا قد يسلب ثقة الناس بهم أما إذا وقع السهو والنسيان في حالات قليلة واستثنائية فإنه لا يسلب أبداً ثقة الناس بهم لأن الناس يعتبرون الأنبياء بشراً طبيعيين وأن السهو والنسيان (في الحد المتعارف عليه) أمر طبيعي لا ينفك عنه الإنسان. مرة ثانية أؤكد أن جميع الإشكالات الموجودة في الدليل الأول واردة على هذا الدليل أيضاً والدليلان هم في الحقيقة دليل واحد.

الدليل الثالث: «إضافة إلى وظيفتهم في إبلاغ الناس مضمون الوحي والرسالة التي أُرسلوا بها وبيان الطريق المستقيم للناس فإن للأنبياء وظيفة هامة أخرى أيضاً وهي تزكيتهم نفوس البشر وتربيتهم الأفراد المستعدين لإيصالهم إلى آخر مراحل الكمال الإنساني. بعبارة أخرى: إن من واجبات الأنبياء، إضافة إلى تعليم الناس وإرشادهم، تربية الخلق تربية شاملة عامة تشمل أيضاً أكثر أفراد المجتمع استعداداً وأبرزهم أهلية ومثل هذا المقام لا يصلح له إلا أشخاصٌ وصلوا إلى أعلى مدارج الكمال الإنساني وحازوا أكمل الملكات النفسية (وهي ملكة العصمة)»( 104 ).

هذا الاستدلال لا يثبت أكثر من وجوب أن يكون الأنبياء أفضل الناس وأكثرهم رشداً وصلاحاً كي يتمكنوا من إصلاح الناس وتربيتهم معنوياً، ولكنه لا يثبت عصمتهم بالمعنى الذي تقوله الشيعة، لأن كون الإنسان أفضل الخلق وأكملهم لا يقتضي بالضرورة امتلاكه لتلك العصمة. قيل في هذا الدليل إن الأنبياء جاؤوا لتزكية نفوس الناس وتربيتهم «ولكي يوصلوا الأفراد الذين هم أهل لذلك إلى آخر مراحل الكمال الإنساني» وهذا صحيح، لكنه لا يقتضـي بالضـرورة أن يكون الأنبياء أنفسهم واصلين إلى مثل تلك المرحلة (أي آخر مرحلة من مراحل الكمال الإنساني) كي يستطيعوا بعد ذلك أن يأخذوا بأيدي الناس ويسيروا بهم في مدارج الكمال، لأن الأنبياء أنفسهم يمكنهم أن يكونوا في حال طيّ مراحل الكمال وأن تكون سرعة سيرهم – بفضل التربية الإلهية الخاصة- أسرع من الآخرين، أفلا يستطيعون، في مثل هذا الفرض، أن يهدوا الناس ويقودوهم ويأخذوا بأيدي الأفراد المؤهلين ويسيروا بهم في سلَّم الكمال (رغم أنهم أنفسهم لم يصلوا إلى آخر مراحله على الإطلاق بعد)؟ وهذا مثل المعلم الذي مستواه العلمي في مستوى الثانوية العامة ويقوم حالياً بتدريس طلاب المرحلة الإعدادية (المتوسطة). فإذا بقي ذلك المعلم في نفس مستواه العلمي دائماً ولم يرتق بعلمه لن يستطيع أن يوصل تلاميذه إلى مرحلة أعلى من مرحلة الثانوية، لكنه إذا واصل دراسته جنباً إلى جنب التدريس وتقدّم في المعرفة واجتاز مستويات العلم واحداً بعد الآخر أمكنه أن يوصل تلاميذه إلى المراحل الجامعية العليا. فليس ضرورياً أن يكون المعلم منذ أول لحظة واصلاً إلى أعلى درجات العلم (كالدكتوراه مثلاً) كي يستطيع أن يوصل تلاميذ المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية أو الجامعية. إذا اعتبرنا أن طريق المعرفة لا منتهى له، أمكننا أن نفترض أن الناس المتقدمين في هذا الطريق يسيرون دائماً بنحو أسرع من الآخرين دون أن يصلوا إلى نهايته (أي العلم بما كان وما يكون والمعرفة المصونة عن أي خطأ). إذا كان كذلك أفلا يستطيع مثل هؤلاء المعلِّمين أن يعلِّموا الآخرين والأفراد المؤهلين ويسحبوهم معهم نحو المراتب العليا؟ من البديهي أن الإجابة إيجابية. والقصة ذاتها تنطبق على الكمالات المعنوية. الأمر الضروري هو أن يكون المربي في مرتبة أعلى وأرقى من تلاميذه ويكون في الوقت ذاته في حال ترقٍ وكمال وسير في المقامات المعنوية ليحافظ على تفوقه على تلاميذه دائماً. وللدليل المذكور قسم مكمل يقول:

«إضافة إلى ذلك، إن دور سلوك المربي أساساً أهم بكثير من دور كلامه، بمعنى أن الذي يعاني من نواقص وعيوب في سلوكه لن يكون لكلامه التأثير المطلوب، وبالتالي فلا يمكن للهدف الإلهي من بعث الأنبياء كمربين للمجتمع أن يتحقق بشكله الكامل إلا إذا كانوا معصومين في سلوكهم كما في أقوالهم من كل خطأ وزلل»( 105 ).

مرة ثانية نقول في نقد هذا الدليل: لو كانت التقصير والعيوب كثيرة وكان المربي ذاته يرتكب بشكل متكرر أعمالاً قبيحة ويتصرف بسلوك شائن لا يليق بشأن المربي فلا شك أنه لن يكون لكلامه التأثير المطلوب، أما إذا كانت تلك الموارد نادرة واستثنائية ووقعت نتيجة سهو أو نسيان فلن تمنع أن يكون لكلام المربي التأثير المطلوب.

إلى هنا أكدت الأدلة العقلية للعصمة، أكثر، على ضرورة صون المعصوم عن الذنوب والأعمال القبيحة. لكن علماء الشيعة يقيمون أدلة لإثبات ضرورة العصمة من كل خطأ وزلل في أمور الحياة الفردية والاجتماعية، بل حتى في المسائل العادية وغير ذات الأهمية في الحياة العائلية الخاصة، ونشير فيما يلي إلى نماذج عن أدلتهم هذه:

«في ذهن أغلب الأفراد هناك تلازم بين الخطأ في مثل هذه المسائل والخطأ في الأحكام الدينية، وبالتالي فإن ارتكاب خطأ في مثل هذه المسائل، يهزّ ثقة الناس واطمئنانهم إلى شخص النبيّ وفي النهاية يفسد الغرض من البعثة»( 106 ).

ومعنى هذا الكلام أنه لو أخطأ النبيّ في مسائل الحياة العادية أو في المسائل الاجتماعية لاعتبره الناس جائز الخطأ وبالتالي شكوا بتعاليمه الدينية وقالوا في أنفسهم: من يدري! ربما أخطأ النبيّ في هذه التعاليم أيضاً. إذن يجب أن يكون النبيّ (والإمام) معصوماً في جميع مراحل حياته الفردية والاجتماعية وشؤونها من كل خطأ وزلل وسهو ونسيان، لأن الناس قد يعمّمون أي خطأ أو سهو أو نسيان يقع منه في تلك الأمور على التعاليم الدينية وبالتالي يفقدون ثقتهم بصحتها. ولكن هذا الاستدلال إنما يصح إذا كان الأنبياء يدَّعون أن مصدر جميع حركاتهم وسكناتهم وكل قول وفعل لهم هو الوحي الإلهي، ففي هذه الصورة إذا شاهد الناس خطأ وعثرة للنبيّ في أمور حياته الشخصية أو الاجتماعية سيقولون في أنفسهم من يدري أنه لم يقع في خطأ مشابه فيما يقوله من التعاليم الدينية. أما إذا لم يدَّع الأنبياء مثل ذلك الادعاء وقالوا للناس إن أحكام الله وحقائق الدين هي فقط التي يُوحى بها إلينا، أما شؤون حياتنا اليومية فهي مثل سائر البشر، فإن الناس لن يخلطوا عندئذ أبداً بين هاتين الحالتين وسيفصلون بينهما، وهذا هو بالضبط ما وقع فعلاً في عالم الواقع حيث أن الأنبياء صرّحوا أنهم جاؤوا بتعاليمهم الدينية عن الله ومن طريق الوحي ولم يدَّعوا أبداً أنهم يُوحى إليهم في كل مسألة من شؤون الحياة العادية، مثل الزوجة التي اختاروها مثلاً أو المهر الذي أعطوه لها أو العمل أو المهمّة التي عهدوا بها إلى فلان، أو العمل الذي اشتغلوا به واللباس الذي لبسوه وماذا يأكلون وماذا لا يأكلون و....الخ والناس يعلمون أن الأنبياء يقومون بمثل هذه الأعمال معتمدين على العقل العرفي والمعرفة والتجربة البشرية ويعتبرون أن احتمال الخطأ أو الغلط في مثل هذه الأمور طبيعيٌّ تماماً. ففي معركة أحد، كان رأي كثير من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه غير مصيب في اختيار التكتيك القتالي (بالبقاء بالمدينة) وأن الأفضل الخروج من المدينة ومواجهة العدو في منطقة جبل أحد. هؤلاء الصحابة الأجلاء رغم أنهم كانوا يعتبرون أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جائز الخطأ في مثل هذه الأمور المتعلقة بالحياة الفردية والاجتماعية والحكومية إلا أنهم كانوا مؤمنين تماماً بنبوّته.

من مجموع الأمور التي ذكرناها في نقد الأدلة العقلية على ضرورة عصمة الأنبياء (في فترة نبوتهم) يمكننا أن ننقد بكل راحة ويسر ادعاء الشيعة ضرورة عصمة الأنبياء (والأئمة) قبل النبوة (أو قبل الإمامة) وفي فترة الطفولة. فدليل الشيعة على ذلك هو ما يلي:

«إذا قضى الإنسان مرحلةً من عمره في الإثم والضلال ثم أخذ بيده مشعل الهداية فإن الناس لن تثق به حق الثقة أما إذا كان الشخص منزهاً منذ بداية حياته من كل تلوث ورجس فإنه سيكون قادراً بشكل جيد على حيازة ثقة الناس به. أضف إلى أن المغرضين ومنكري الرسالة يمكنهم بيسـر وبساطة أن يشيروا إلى سوابق الشخص المظلمة فيطعنوا بشخصيته وبالتالي يهزّوا الثقة برسالته»(107).

أجل، إذا صرف إنسانٌ نصف حياته في الإثم والمعصية والضلال حتى اشتهر بين الناس بوصفه شخصاً فاسقاً آثماً ملطخاً بالقبائح والرذائل الأخلاقية كالكبر والغرور والأنانية والحرص والطمع في مال الدنيا وحب الرئاسة والجاه و..... فلن يقبلوا أبداً ادعاءه النبوة. ولكن هل الأمر دائر فقط بين أن يكون الشخص إما معصوماً أو غارقاً في الآثام والمعاصي؟ ألا يوجد حل ثالث أم أننا أمام حصر عقلي بين حالتين فقط؟ السؤال هنا هو: إذا كان الشخص غير معصوم ولكنه كان إنساناً محترماً بين الناس متمتعاً بالشمائل الحسنة والفضائل الكريمة ومتنزهاً عن الرذائل الأخلاقية وبعيداً عن الأعمال القبيحة والمنكرة، ويتمتع بمستوى أخلاقي أعلى من عامة الناس وقد شهد الناس صدقَه وصلاحَ أعماله ونقاءه ومحبته، وإضافة إلى ذلك جاء بمعجزة لإثبات دعواه، هل ستكون دعواه النبوة والرسالة عقيمة لا أثر لها؟ بالمناسبة لماذا يُهمِل علماؤنا في أدلتهم تلك ذكر أهمية المعجزة ودورها الهام في إثبات دعوى النبوة، كما لا يشيرون إلى الجاذبية المعنوية للأنبياء ومكانتهم العميقة في قلوب الناس؟ ثم ما المقصود من السوابق المظلمة التي يجب أن يكون النبيُّ منزَّهاً عنها كي لا تهتزّ ثقة الناس به؟ إذا كان المقصود الشهرة بالظلم والفساد وأكل مال الحرام و.... فلا ينكر أحد أن هذا أمر مظلمٌ يمكن الاستناد إليه للطعن بشخصية النبيّ واهتزاز الثقة به (وبالطبع فإن اللهَ أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يختار لنبوّته مثل أولـئك الأشخاص حتى لا تحدث مثل تلك المشكلة)، ولكن كيف يمكن أن نعتبر ارتكاب بعض الذنوب الصغيرة في الماضي سهواً ونسياناً وليس عن عمد «سوابق مظلمة»؟! (خاصة إذا صدرت تلك الذنوب أو العثرات زمن الطفولة وحداثة الشباب). لماذا نلعب بالكلمات بدلاً من الاستدلال العقلي الصحيح؟ هل فعلاً إذا علمنا أن النبيّ كذب كذبة في سن الطفولة (في السابعة من عمره مثلاً) فإن هذا يتيح لنا أن ننكر نبوته الآن؟! حتى إذا كان في فترة بلوغه ورشده وشبابه إنساناً فاضلاً تقياً نقياً وصادقاً أميناً وأتى بمعجزة لتأييد رسالته، وخطفت جاذبيته المعنوية قلوبنا، وأدهش جمال تعاليمه عقولنا؟! هل من الصحيح أن جميع تعاليمه الحياتية ستصبح بلا أثر بسبب كذبة صغيرة ارتكبها في طفولته؟

 

الهوامش:

(100) سبحاني، جعفر: منشور عقائد إلهية، ص 111.

(101) المصدر السابق، نقلا عن المحقق الطوسي: كشف المراد، ص 349.

(102) يقصد معصومين عصمةً مطلقةً بالمعنى الشيعي، أما عصمة الأنبياء في التبليغ عن الله وبيان دينه وشرعه فمتفق عليها بين المسلمين (المترجم).

(103) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص243.

(104) المصدر السابق، ص243.

(105) المصدر السابق ص 244.

(106) سبحاني، جعفر: منشور عقايد إماميه، ص 113.

(107) المصدر السابق، ص112.