تأمُّلات في أدلَّة عصمة الأنبياء والأئمّة

تُمثِّل عصمة الأنبياء والأئمة الاثني عشر الركن الركين في الفكر الشيعي وتُعتَبَر من ضروريات مذهب الشيعة (الإمامية). يختلف علماء الشيعة في تعريف «العصمة»، لكن كيفية الأدلة التي يستخدمونها لإثبات ضرورة العصمة تأخذهم جميعاً دون أن يشعروا إلى تعريف واحد لمفهوم «العصمة» هو: «صون الأنبياء والأئمة من كل ذنب أو خطأ أو اشتباه (كبيراً كان أم صغيراً، وعن عمدٍ كان أم سهواً) بما يشمل جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية المختلفة».

يرى الأستاذ الشيخ «مصباح يزدي» أنه:

«ليس المقصود من عصمة الأنبياء أو عصمة آخرين مجرد عدم ارتكابهم لذنب فحسب، لأنه من الممكن لفردٍ عاديٍّ أيضاً أن لا يرتكب الذنوب... بل المقصود هو امتلاك الشخص لملكة نفسية قوية تمنعه من ارتكاب الذنب مهما كانت الظروف. وهي ملكة ناتجة عن وعي كامل ودائم بقبح المعصية وعن إرادة قوية لكبح ميول النفس. ولما كان تحقُّق مثل هذه الملكة لا يتم إلا بعناية خاصة من الله، نُسبت فاعليَّتها إلى الله تعالى»(96).

«المقصود من الذنب الذي يُصان الشخص المعصوم من ارتكابه: فعل ما يطلق عليه في لسان الفقه عبارة الحرام وكذلك ترك ما يطلق عليه في لسان الفقه اسم الواجب(97).

ومن وجهة نظر الأستاذ الشيخ «جعفر سبحاني»:

«العصمة تعني الصون والحفظ لصاحبها، ولها في باب النبوة المراتب التالية:

ا- العصمة في مقام تلقي الوحي وحفظه وتبليغه.

ب- العصمة عن المعصية والذنب.

ج- العصمة عن الخطأ والاشتباه في الأمور الفردية والاجتماعية»(98).

وبالطبع لقد ضمَّن الأستاذ الشيخ سبحاني في تعريفه للعصمة الصون من الخطأ في «مسائل الحياة العادية» و«في الحكم في المنازعات» و«في تشخيص الموضوعات والأحكام الدينية» بل ضمَّن مفهوم العصمة حتى صون المعصوم وحفظه من «بعض الأمراض الجسمية... التي تؤدي التي نفور الناس منه».

أما من وجهة نظر الأستاذ الشيخ إبراهيم الأميني فالعصمة هي ما يلي:

«العصمة عبارة عن قوة باطنية غير عادية (خارقة) وملكة نفسية قوية تحصل نتيجة مشاهدة حقيقة الكون ورؤية الملكوت وباطن عالم الوجود. وهي قوة استثنائية غيبية كل من وجدت فيه عُصم من كل خطأ وذنب بشكل مطلق وأصبح مصاناً ومحفوظاً من جهات مختلفة:

1. لا يخطئ أبداً في تلقي الوحي وإدراك وقائع الأمور.

2. لا يشتبه ولا يسهو في ضبط الأحكام والقوانين وحفظها.

3. لا يخطئ في تبليغ الأحكام وبيانها ولا يرتكب أي ذنب أو تقصير في ذلك.

4. مصانٌ في مقام العمل من العثرات والأخطاء سواء المتعمَّدة أم التي تقع سهواً فهو لا يذنب أبداً واحتمال الخطأ والذنب في حقّه صفرٌ.»(99).

وهكذا نرى أن العصمة، في رأي كل من السادة الأميني والسبحاني، عبارة عن الصون من كل ذنب وخطأ وهفوة وتقصير وزلل (عمدي أم عن سهوٍ)، وفي جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية. أما في رأي الأستاذ مصباح يزدي فالعصمة معناها الصون من ارتكاب «الذنب» فقط، وليس أي ذنب بل الذنب الذي يعتبر كذلك في لسان الفقه حصراً. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن جميع علماء الشيعة متفقون على أن الأنبياء والأئمة معصومون منذ بداية حياتهم (أي منذ ولادتهم وطفولتهم) وحتى آخر عمرهم فلا تقتصر عصمتهم على فترة نبوتهم أو إمامتهم فقط.

والخلاصة إن نظرية العصمة من وجهة نظر الشيعة هي أن:

«الأنبياء والأئمة الاثني عشر معصومون في جميع حياتهم كلِّها».

 

الهوامش:

(96) مصباح يزدي، محمد تقي: آموزش عقايد، ص237.

(97) المصدر السابق، ص238.

(98) سبحاني، جعفر: منشور عقائد امامية، ص 110.

(99) أميني، إبراهيم: بررسى مسائل كلى إمامت، (أي دراسة وتحليل المسائل الكلية للإمامة) ص 171.