رسالة المؤلف إلى سماحة حجة الإسلام والمسلمين «محسن غرويان» حول نقاط ضعف نظرية الإمامة (لدى الشيعة الاثني عشرية)

بسمه تعالى

محضر حضرة حجة الإسلام والمسلمين غرويان

بعد إهداء السلام وتمنياتي لكم بالصحة والتوفيق الدائمَين، أودُّ أن أُعلِمَكُم أنني قرأت كتابكم «بحثى مبسوط در آموزش عقايد» (أي بحث مفصَّل في تعليم العقائد) واستفدت منه كثيراً، لكنني عندما قرأت قِسْمَه المتعلِّق بالإمامة لاحظت نقاط ضعف في ذلك القسم أود من خلال هذه الرسالة أن أطرحها عليكم راجياً منكم الإجابة عنها.

في إجابتكم عن سؤال: «ألا تتناقض غيبة الإمام الثاني عشر (عج) مع ما ذُكِر حول فلسفة وجود الإمام المعصوم؟».

تفضَّلتم بما يلي:

«إن مقتضى حكمة الله تعالى أن يبقى طريق السعادة والكمال مفتوحاً دائماً أمام البشر من خلال نصب إمام معصوم وتعيينه لكي تُؤَمَّن للإنسان إمكانية الوصول إلى الكمال النهائي، وإلا فإن هدف الله من خلق الإنسان لن يتحقق وبالتالي سيكون خلقه عملاً غير حكيم. بناء عليه طالما لم تلق السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية وطالما لم تبتلع الليالي المظلمة حياة الإنسان وتقضي عليها، وطالما أن النوافذ التي يشع منها النور لم تُغلَق بعد بل لا تزال مفتوحة ولا يزال الإنسان المُتَعَطِّش يصل من خلالها إلى منبع الشمس فإن عدم وجود حجة لِـلَّهِ بين الناس لن يكون مخالفاً لحكمة الله البالغة. أما إذا وجدت تلك الظروف فعلاً وخيَّم ظلام دامس على الدنيا جعل الناس في حيرة خفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة فإن حكمة الله تستلزم حضور إمام بين الناس»(79).

لكن إجابتكم هذه تعاني من إشكالَين رئيسيَّيْن:

الإشكال الأول: استخدام عبارات مبهمة مثل «السحب السوداء» و«الليالي المظلمة» التي تبتلع حياة الإنسان!! و«النوافذ التي يشع منها النور» و«الإنسان المتعطش» و«منبع الشمس» وهي عبارات لا ينبغي استخدام أي منها في بحث علمي.

الإشكال الثاني: تناقض هذه الإجابة وعدم اتساقها مع البرهان الذي ذكرتموه في إثبات ضرورة وجود إمام معصوم. فيبدو أنكم نسيتم هنا الطريق الذي سلكتموه لدى إثباتكم ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمقدمات والافتراضات التي استفدتم منها هنالك، ولم تنتبهوا في أي فخ من التناقض ألقيتم بأنفسكم دون أن تريدوا ذلك ولا أن تدروا به!

ولعل إلقاء نظرة مجددة على استدلالكم المذكور يوضح أكثر الإشكالات التي تعاني منها الإجابة التي ذكرتموها لحل معضلة «الغيبة».

يتألَّف استدلالكم من أربع مقدمات:

«المقدمة الأولى: النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خاتمُ النبيين، وأحكامُهُ باقيةٌ أبد الدهر ولن يُبعَثَ أيُّ نبيٍّ بعده.

المقدمة الثانية: القرآن الكريم معجزةُ النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الخالدة وسيبقى أبد الدهر يشعّ نوراً يهدي سالكي طريق السعادة والكمال.

المقدمة الثالثة: تحتاج آيات القرآن – كما يشير القرآن الكريم ذاته إلى ذلك – إلى تبيين وتوضيح، وإحدى مهام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي أن يبيّن للناس ما أنزل الله إليه.

المقدمة الرابعة: لا  شك أنه لم يتم في زمن حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بيان جميع الأحكام والمعارف الإلهية ولا تفسير الآيات القرآنية على نحو يغني الناس بعد انتهاء فترة الرسالة عن هداية وإرشادات الهداة الإلهيين.»(80).

وتفضلتم في توضيحكم للمقدمة الرابعة أن هذا الأمر ليس ناشئاً من تقصير حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في تعليمه الناس حقائق الدين وأحكام الله، بل سببه عدم توفر إمكانية بيان جميع المسائل والمعارف الدينية في تلك الفترة الزمنية، وذلك:

«لأن بساطة المجتمع الإسلامي والروابط الاجتماعية زمن حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعدم وجود أرضية مناسبة لطرح وبيان الأحكام والمعارف الإسلامية التي يمكن أن تُطرَح في مجتمع مفتوح ذي روابط اجتماعية معقَّدة، ومن الجهة الأخرى عدم استعداد المجتمع الإسلامي حديث النشأة لتقبُّل جميع المسائل بسبب مشاكل فترة الرسالة وحدودها، لم يتِح الفرصة لمثل ذلك العمل » (81).

«وكذلك لم يكن الناس مستعدين لتقبّل مسائل أكثر مما كانوا بحاجة إليه، علاوة على أن أفكار الناس لم تكن في مستوى يؤهلها لتلقي كل تلك المسائل » (82).

من الجهة الأخرى، وبسبب المشاغل والمشكلات التي عانى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم طيلة فترة رسالته وانشغاله بالحروب وإيذاء الكفار والمشركين، لم تكن الظروف مناسبة لِـ «بيان وتفسير جميع حقائق الإسلام » . والخلاصة أن حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يجد الفرصة – لأسباب وعلل متعددة – لبيان جميع أحكام الله وحقائق الدين وتعاليمه للناس وبقيت كثير من أحكام الله والمسائل الإسلامية بلا بيان. وبناء على ذلك: «تتضح ضرورة وجود شخص يقوم ببيان تلك الأحكام والحقائق عن الله ورسوله وتبليغها الناس » .

بعبارة أخرى، من الضروري أن يوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرجع يمكنه:

«أن يبيّن للناس أحكام الله والأوامر التي أنزلها الله على نبيهّ الأكرم وبالتالي يوضّح للناس طريق السعادة»،

وذلك لأنه:

«طالما لم تُوَضَّح أوامر الله وتعاليمه التي أنزلها الله لهداية الناس وبقيت غير معروفة، فلا يمكن أن يكون لها دور تنويريّ يستفيد منه الناس، وهذا يتناقض مع حكمة الله ولن تتمّ حجّته على الناس... وبهذا لن يتحقّق الهدف من خلق الإنسان»(83).

تُظْهِرُ الاقتباسات التي نقلناها أعلاه من كتابكم بوضوح أنكم ترون أن المرجعية الدينية وبيان أحكام الله وحقائق الدين لم تُسْتَكْمَل زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا بد من مواصلتها بعد النبي من خلال الأئمة المعصومين المنصوبين مِنْ قِبَلِ الله. إلا أنه من البيِّن أن هذا الأمر لن يتيسَّر إلا بحضور إمام معصوم وأن يتواصل هذا الحضور في جميع الأزمنة. إذن، فإن غيبة الإمام الثاني عشر (عج) تزلزل أسس وقواعد استدلالكم هذا بشدة؛ لأن الإمام الغائب ليس بين الناس، والناس لا يرونه ولا يسمعون صوته وليس لهم أي سبيل للوصول إليه (حتى بشكل غير مباشر)، فكيف يمكنه أن يكون مرجع الناس الديني وأن يبيّن للناس أحكام الله وحقائق الإسلام؟ إن أساس استدلالكم هو أنه لا بد من بيان جميع أحكام الله وحقائق الدين للناس، وأنه لما لم يكتمل هذا الأمر زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - لأسباب معينة – فناك ضرورة لأنْ ينصب الله بعده أئمَّةً معصومين كي يبيّنوا للناس مع مرور الزمن الأحكام التي لم يتم بيانها ويطرحوا المسائل التي لم تُطرَح فيما سبق. بمعنى أنه لو تم تفسير القرآن كله زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولو تم بيان جميع حقائق الدين وتعاليمه للناس في تلك المدة، لما بقيت ضرورة لنصب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فهنا يأتي السؤال: هل أتمّ الأئمة الأحد عشر (حتى الإمام حسن العسكري (ع» ذلك العمل وعلَّموا الناسَ جميع أحكام الله وحقائق الإسلام ولم تبقَ أي مسألة دون بيان؟ من المسلَّم به أن الإجابة على هذا السؤال ستكون «النفي». إذن ألا توجد ضرورة، طبقاً لمنهج سماحتكم الاستدلالي وبناء على البرهان الذي أوردتموه، لوجود إمام معصوم وحضوره بعد الإمام الحادي عشر كي يبيِّن للناس ما لم يتم بيانه بعد؟ طبقاً لاستدلالكم أيضاً لا بد أن تكون الإجابة على هذا السؤال «الإيجاب». فإذا كان الأمر كذلك فلماذا غاب الإمام الثاني عشر إذن؟ أليس وجوده ضروريّاً لبيان ما لم يتم بيانه من قبل وللإجابة عن المسائل المستجدَّة؟ فكيف غاب إذن وأدى بغيبته إلى تعطيل هذه المهمة الضرورية؟ من الذي سيخبر الناس زمن الغيبة عن الأحكام الباقية التي لم تُبَيَّن من قبل، ومن الذي سيقدم الإجابة الشرعية عن المسائل المستجدة؟ حتى لو قلتم إن الأئمة الأحد عشر فسَّروا القرآن كله وبيَّنوا جميع أحكام الله وحقائق الإسلام (أو كلما كان ضرورياً منها) وكانت التعاليم الباقية عنهم ملبِّيَةً لجميع المسائل وتقدم الأجوبة المطلوبة عن جميع المشكلات العملية والنظرية في مجال الدين التي ستطرح في جميع الأزمنة والعصور اللاحقة (وهو إدعاء لا يمكن إثباته، بل بطلانه من أوضح الواضحات) فإن الإشكالية لا تُـحَلّ أيضاً، لأنه بناء على استدلالكم الثاني هناك ضرورة لوجود إمام معصوم وحضوره بين الناس بعد الإمام الحادي عشر وفي جميع الأزمنة باعتبار أنه من المستحيل – على حدِّ قولكم - أن تبقى البشرية محدودةً ومكتفيةً بما وصل إليها عن حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بدليل وجود خطر تحريف ذلك التراث النبوي واندثاره.

لاحظوا عباراتكم بدقة:

«العامل الآخر الذي يجعل من غير الممكن الاقتصار في بيان الحقائق الإسلامية على ما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وجود تجّار الحديث والمنافقين مرضى القلوب الذي يسعون إلى القضاء على الإسلام من خلال تشويه حقائقه وتحريفها»(84)

«منذ البداية ابتدأ وضع الحديث مِنْ قِبَلِ بعض المنافقين واليهود حديثي العهد بالإسلام وأدت حركة الوضع تلك إلى اهتزاز الثقة بأحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم»(85)

«بسبب هذه المسائل وخلال تاريخ الإسلام الطويل الذي أعقب رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث توفرت الفرصة المناسبة للمبتدعين والمحرِّفين، لم يكن بوسع الناس أن يكتفوا بما يُرْوى لهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم»(86)

إن مُفاد الأقوال المذكورة أعلاه هو أنه حتى لو فَسَّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جميع القرآن وأظهر جميع أحكام الله، سيبقى وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضرورياً بدليل وجود خطر تحريف تعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا كان الأمر كذلك يمكننا أن نقول: بما أن خطر تحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة (ع) وزوالها ووضع واختلاق الحديث على ألسنتهم (من قبل تجار الحديث والمنافقين مرضى القلوب) موجودٌ دائماً فإن وجود وحضور إمام معصوم بعد الإمام الحادي عشر (ع) وفي جميع العصور ضروريٌّ. فكيف إذن غاب الإمام الثاني عشر؟ ألم تكن أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة (ع) معرضة دائماً للدس والوضع والتحريف والزوال؟ أنا أطرح هذا السؤال في وقتٍ يعترف فيه جميع فقهاء الشيعة بصراحة أن كثيراً من أحاديث النبيّ والأئمَّة فُقِدَت على مدار التاريخ وضاعت وبقي الوَضْعُ والدس والتحريف قائماً على قدمٍ وساق في الأحاديث، وأن عملية تمييز الحديث الصحيح من غير الصحيح أمرٌ في غاية الصعوبة وأن هذا الأمر سبَّبَ اختلافات كبيرة بين العلماء والفقهاء (حتى في أكثر المسائل حياتيةً ومصيريّة مثل ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية) ولم يوجد من يسأل: أليست هذه القضايا والمسائل جزءاً من الدين؟ (وبتعبير الشيعة: حقيقة الدين) وأنه كان من الضروري حفظها من التحريف والمحو والزوال؟ أليست إحدى دلائل وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون حافظاً لتعاليم الدين؟ فلماذا تعرَّضت هذه الأحاديث والروايات إلى الوضع والتحريف والضياع؟ هل يستطيع الإمام الغائب أن يحول دون وضع واختلاق الحديث وإضلال الناس؟ إذا كان يستطيع منع ذلك فلماذا لم يعمل بواجبه وهو لا يعمل الآن ولا ينقذ الناس من الحيرة والضلال والاختلاف؟ وإذا لم يكن باستطاعته منع ذلك - بسبب غيبته - أفلا تكون «غيبته» عندئذٍ ناقضة للغرض من وجوده وناقضةً لاستدلالكم على إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟

إذا كان استدلالكم على إثبات وجود إمام معصوم صحيحاً فإن هذا لا يثبت ضرورة «وجود » إمام معصوم فحسب (وفي عصرٍ واحد فقط)، بل يثبت إضافة إلى ذلك ضرورة «حضور » هذا الإمام المعصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الأزمنة والعصور، وهذا يتعارض مع موضوع غيابه حالياً تعارضاً صارخاً.

أرجو مجدَّداً أن تلاحظوا معي بدقّة. أنتم تقولون إن الفرصة لم تُتَح زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لطرح جميع المسائل الدينية لأن:

«لأن بساطة المجتمع الإسلامي وسذاجة الروابط الاجتماعية زمن حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعدم وجود أرضية مناسبة لطرح وبيان الأحكام والمعارف الإسلامية التي يمكن أن تُطرَح في مجتمع مفتوح ذي روابط اجتماعية معقَّدة، ومن الجهة الأخرى عدم استعداد المجتمع الإسلامي حديث النشأة لتقبُّل جميع المسائل بسبب مشاكل فترة الرسالة وحدودها، لم يتِح الفرصة لمثل ذلك العمل»(87)

أضف إلى ذلك أن:

«أفكار الناس لم تكن في مستوى يؤهلها لتلقي كل تلك المسائل»(88)

و بعد بيانكم لتلك المقدّمات قلتم:

«بناءً عليه، فإن مُضِيّ الزمن واتساع رقعة الإسلام وامتداد المجتمع الإسلامي وتوسعه، وارتقاء المستوى الفكري للمسلمين في المسائل الاعتقادية على إثر احتكاكهم بالأديان والملل والنحل الأخرى، وأخيراً تهيؤ أرضية طرح كثير من الأحكام والحقائق الإسلامية التي لم يكن لها حاجة فيما سبق، كل ذلك يوضح ضرورة وجود شخصٍ يقوم بإبلاغ الناس تلك الأحكام والحقائق عن الله ورسوله»(89)

حسناً، لنفرض أنه يمكن إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الدليل، لكن ما يثبته هذا الدليل ليس مجرد ضرورة «وجود» إمام معصوم بل ضرورة «حضوره» الفعلي أيضاً، وليس حضوره في عصرٍ ما فقط، بل ضرورة حضوره في جميع العصور وحتى يوم القيامة، وذلك لأن: «بساطة المجتمع الإسلامي وسذاجة الروابط الاجتماعية» (90) و«المستوى الفكري للناس» (91) مفاهيم نسبيّة وليست مطلقة، كما أن حركة المجتمع وانتقاله من البساطة إلى التعقيد ونموّ الوعي، وارتقاء المستوى الفكري للمسلمين عمليةٌ لا تتوقف أبداً. فإذا كانت بساطة المجتمع الإسلامية وسذاجة علاقاته الاجتماعية في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومستوى المسلمين الفكري المعيَّن لا تتـيح بيان جميع المسائل في ذلك العهد، فإنها وللسبب ذاته، لن تتيح للأئمة المعصومين أيضاً بيان جميع المسائل في عهدهم. وبعبارة أخرى إن فكر الناس في زمن الأئمَّة كان أيضاً ذا مستوى معين لا يسمح لهم بإدراك وتفهّم جميع المسائل، فيجب أن نستنتج - اتباعاً لطريقة استدلالكم ذاتها - ضرورة استمرار وجود (وحضور) إمام معصوم بعد عهد الأئمة، وهو ما تنقضه تماماً غيبة الإمام الثاني عشر (عج) خاصة إذا انتبهتم إلى أن تعقيد المجتمع والروابط الاجتماعية في هذا العصر (أي القرن، الواحد والعشرين و.......) ومستوى الفكر والتفكير عند الناس في هذا العصر (الذي سُمِّيَ بعصر المعلومات) وكمية وكيفية المدارس والمذاهب الجديدة التي وجدت في هذا العصر وأصبحت تواجه الإسلام والمسلمين وتتحداهم، تطورت كلها إلى حد كبير لا يُقَارن بعصر الأئمة (ع) (أي قبل 1300 عام)، ولم تعد التعاليم التي بقيت عن أولئك السادة الكرام تفي إطلاقاً بحاجة المجتمع الجديد ولم يعد بإمكانها تقديم الإجابات اللازمة بشأن المسائل والمشكلات الفكرية والعقائدية المطروحة في الزمن الحاضر. أفلا يصبح من الضروريّ ـ انطلاقاً من طريقة استدلالكم ـ وجود وحضور إمام معصوم في العصر الحاضر ليلبِّي حاجة المسلمين إلى الإجابات الصحيحة بشأن المسائل والمشكلات الفكرية والعقائدية الجديدة وليبيَّن المسائل والأحكام التي لم تكن الأرضية مهيأة لطرحها في ذلك الزمن (أي زمن الأئمة قبل ألف وثلاثمئة عام) بسبب بساطة المجتمع وسذاجة الروابط الاجتماعية حينذاك؟

لقد أوضحتُ معضلة مناقضة غيبة الإمام الثاني عشر لضرورة وجود إمام معصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قدر الوسع والاستطاعة وبالاستناد إلى المطالب التي ذكرتموها في بحث الإمامة من كتابكم المذكور «بحثي مبسوط در آموزش عقايد» (بحث مفصل في تعليم العقائد). ولا أعتقد ببقاء أدنى شك لدى أي قارئ وحتى لدى سماحتكم بأن إجابتكم عن تلك المعضلة والإشكالية غير مقنعة أبداً بل مثيرة للعجب والحيرة الشديدة. لنقرأ مرة ثانية إجابتكم:

«إن مقتضى حكمة الله تعالى أن يبقى طريق السعادة والكمال مفتوحاً دائماً أمام البشر من خلال نصب إمام معصوم وتعيينه لكي تُؤَمَّن للإنسان إمكانية الوصول إلى الكمال النهائي، وإلا فإن هدف الله من خلق الإنسان لن يتحقق وبالتالي سيكون خلقه عملاً غير حكيم. بناء عليه طالما لم تلق السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية وطالما لم تبتلع الليالي المظلمة حياة الإنسان وتقضي عليها، وطالما أن النوافذ التي يشع منها النور لم تُغلَق بعد بل لا تزال مفتوحة ولا يزال الإنسان المُتَعَطِّش يصل من خلالها إلى منبع الشمس فإن عدم وجود حجة لِـلَّهِ بين الناس لن يكون مخالفاً لحكمة الله البالغة. أما إذا وجدت تلك الظروف فعلاً وخيَّم ظلام دامس على الدنيا جعل الناس في حيرة خفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة فإن حكمة الله تستلزم حضور إمام بين الناس»(92)

معنى إجابتكم هذه أن ضرورة وجود إمام معصوم بين الناس لا تتحقق إلا عندما: «تلقي السحب السوداء بظلالها القاتمة على جميع المجتمعات البشرية» وعندما «الليالي المظلمة تبتلع حياة الإنسان وتقضي عليها» وعندما «لا يبقَى أن منفذ يشع منه النور» و«لا يجد الإنسان أي طريق يوصله إلى منبع الشمس» و«يخيِّم ظلام دامس على الدنيا على نحوٍ يجعل الناس في حيرة يخفيَ عليهم فيها وجه الحقيقة».

لكن هذه الإجابة في الوقت الذي لا تُقدّم فيه أي معنى دقيق ومفيد بسبب العبارات المبهمة التي استُخدمت فيها تعاني أيضاً من مشكلتين أخريين:

المشكلة الأولى: عدم ارتباط هذه الإجابة (ولعل الأفضل أن نقول تناقض هذه الإجابة) مع ما أوردتموه تحت عنوان البرهان العقلي على إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قلتم هناك إن بقاء كثير من أحكام الله وحقائق الدين دون بيان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل على ضرورة وجود إمام معصوم بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقلتم لا بد من وجود مثل هذا الإمام المعصوم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كي يكون مرجعاً دينياً للناس ويبين لهم أحكام الله التي لم يتم إظهارها بعد ويقدم لهم الإجابات الشرعية بشأن المسائل المستجدة، أي أنكم بهذا الاستدلال (ولست هنا في صدد البحث عن صحته أو عدم صحته) أثبتم -دون قصد- إضافة إلى ضرورة وجود إمام، ضرورة حضوره في جميع العصور أيضاً. ولكن ما علاقة ذلك بوجود أو عدم وجود «السحب السوداء» و«الليالي المظلمة التي تبتلع حياة الإنسان بظلامها»؟ هل أن بيان الأحكام والحقائق التي لم يتم إظهارها بعد والمرجعية الدينية للناس بواسطة الإمام المعصوم (والتي لا تتيسر إلا في حال حضوره الفعلي) لا تصبح ضرورية إلا عند وجود السحب السوداء التي تلقي بظلالها على جميع المجتمعات البشرية والليالي المظلمة التي تبتلع حياة الإنسان بظلامها الدامس الذي يسلب الناس القدرة على التمييز ومعرفة الحقائق كما هي؟

المشكلة الثانية: طبقاً لإجابتكم، فإنه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورغم الدين الجديد الذي عم بضيائه جزيرة العرب ودخل الناس فيه من جميع أنحاء جزيرة العرب أفواجاً، بقيت الظروف السادة كالسحب السوداء التي تخيِّم بظلالها على كل شيء! وكالليالي المظلمة التي تبتلع حياة البشر! وكالظلام الدامس الذي يغطي كل شيء ويحول دون تمييز الأشياء على حقيقتها! (وإلا لو لم يكن الأمر كذلك لما كان حضور إمام معصوم بين الناس وبيانه للأحكام التي لم تُبيّن من قبل ضرورياً، ولما كان عدم وجود إمام معصوم بين الناس مخالفاً لحكمة الله البالغة). ثم كلما ابتعدنا عن زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقتربنا من زمن الإمام الحادي عشر (ع) فإن تحسَّنت الظروف وانزاح قسم من السحب السوداء وانفتحت النوافذ نحو النور ومنبع الشمس (الذي لا ندري ما معناه بالضبط)، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً لم تبقَ ضرورة لحضور المعصوم بين الناس. أي لم تعُدْ هناك حاجة لأن يقوم هذا الإمام المعصوم ببيان الأحكام التي لم يبينها النبي والأئمة السابقون من قبل، وحتى أنه لم تبقَ هناك ضرورة لحفظ الأحاديث من خطر الدس والتحريف والزوال! لأن النوافذ نحو النور فُتحت والسحب المظلمة تلاشت والآن غير المعصوم يستطيع بنفسه أن يفسر القرآن ويبين الأحكام وحتى لو وقع في خطأ أو اشتباه فلا عيب في ذلك لأن نيته سليمة وخطأه غير عمدي! وبالطبع فإن تلاشي السحب المظلمة واقتراب الليالي السوداء من نور الصبح وانفتاح النوافذ نحو النور يصادف بالضبط الزمن الذي لا تبقى فيه أي حيلة لحفظ روح الإمام المعصوم إلا غيبته وبقاءه مختفياً!! ألا تلاحظون أين تأخذنا نتيجة إجابتكم عن معضلة الغيبة؟ لو تأملتم حتى تلك الأحاديث التي نقلتموها عن كتاب أصول الكافي وبحار الأنوار وغيرها.. لانتبهتم إلى أن تلك الأحاديث (إن لم تكن موضوعة) لا تثبت فقط ضرورة وجود الإمام بل ضرورة «حضور» الإمام المعصوم وحجة الله في جميع العصور أيضاً. لاحظوا الحديث الذي نقلتموه أنفسكم:

«مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ولِـلَّهِ فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ الله» الإمام الصادق (ع)، نقلاً عن أصول الكافي، ج1/ص178.

تلاحظون أنه طبقاً لهذا الحديث هناك ضرورة لوجود الإمام المعصوم لأجل بيان الحلال والحرام وإتمام الحجة على الناس، وهذا لا يتيسّر إلا بحضور الإمام في جميع العصور، فلم يعد «وجود» الإمام المعصوم ضرورياً فقط بل إن «حضوره» أيضاً ضروريٌّ، وهذا لا يتَّفق مع الغيبة الطويلة والممتدة للإمام الثاني عشر. والحديث التالي الذي أوردتموه يقرّر هذه الفكرة بشكل أوضح وأكثر صراحةً حين يقول:

«.. لَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَـهُمْ إِمَاماً قَيِّماً أَمِيناً حَافِظاً مُسْتَوْدَعاً لَدَرَسَتِ الْمِلَّةُ وَذَهَبَ الدِّينُ وَغُيِّرَتِ السُّنَّةُ وَالْأَحْكَامُ وَلَزَادَ فِيهِ المُبْتَدِعُونَ وَنَقَصَ مِنْهُ المُلْحِدُونَ وَشَبَّهُوا ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِين...‏»(93) الإمام الرضا (ع)، نقلاً عن بحار الأنوار، ج23/ص32.

في هذا الحديث يبين الإمام الرضا (ع) بكل صراحة ضرورة حضور إمام معصوم بين الناس في كل زمن وعصر، لأنه لو لم يكن مثل هذا الإمام المعصوم بين الناس لَـحُرِّفَ دينُ الله وتعرّض للاندثار ولَوَقَعَ الناس في الحيرة والضلال. وإذا كان الأمر كذلك فإن هناك ثلاثة تساؤلات ملحة تتطلب الإجابة عنها:

التساؤل الأول: إذا كان حضور الإمام المعصوم بين الناس ضرورياً على هذا النحو فلماذا اختفى وغاب؟ والتساؤل الثاني: إذا كان الإمام المعصوم غير حاضر بين الناس فهل حُرِّف دين الله؟ والتساؤل الثالث: هل يُعذر المنحرفون والعاصون المذنبون عند الله يوم القيامة بسبب عدم حضور حجج الله بين الناس في الدنيا؟

في النهاية أذكِّرُكُم بنقطةٍ مهمةٍ وهي أنكم تفضلتم أنه إذا لم يكن الإمامُ موجوداً بين الناس:

«لأصبح تشخيص الحق وتمييزه عن الباطل صعباً ولأصبح دين الله مشتبهاً ولاستحال وصول الناس إلى الكمال والسعادة ولانسدَّ طريق التكامل أمام البشر»(94).

وقلتم إن هذا نقض للغرض لأن:

«الهدف من خلق هذا النظام... خلق الإنسان ونيله الكمال باختياره»(95).

فإذا أخذنا بعين الاعتبار عدم وجود إمام معصوم بين الناس في الوقت الحالي ألا يكون كلامكم هذا اعترافاً منكم بانسداد طريق التكامل أمام البشر وبالتالي نقض الغرض من خلق الإنسان؟ وهو نقض الغرض ذاته الذي ادعيتم استحالته على الله؟! فإذا كان الأمر كذلك فسؤالي: أي محال هذا الذي وقع فعلاً وليس هذا فحسب بل وقوعه مستمر منذ أكثر من ألف عام وربما سيتواصل آلاف السنوات الأخرى؟

مع الشكر الجزيل وبانتظار إجابتكم.

 

الهوامش:

(79) «بحثى مبسوط در آموزش عقايد» (بحث مفصَّل في تعليم العقائد)، محسن غرويان، محمد رضا غلامي، سيد محمد حسين مير باقري، ص 381 و382.

(80) المصدر السابق، ص 243 و249.

(81) المصدر السابق، ص 243 و249.

(82) المصدر السابق، ص 243 و249.

(83) المصدر السابق.

(84) المصدر السابق

(85) المصدر السابق.

(86) المصدر السابق.

(87) المصدر السابق.

(88) المصدر السابق.

(89) المصدر السابق.

(90) المصدر السابق.

(91) المصدر السابق.

(92) المصدر السابق، ص 381 و382.

(93) الحديث أخرجه الشيخ الصدوق، في «عيون أخبار الرضا عليه السلام» (ج2/101)، وفي «علل الشرائع» (ج1/ص253) فِي عِلَلِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام. (المترجم).

(94) المصدر السابق، ص247.

(95) المصدر السابق.