نقد المؤلف وتعليقه على إجابة آية الله الشيخ السبحاني

باسمه تعالى

إلى سماحة آية الله الشيخ سبحاني

بعد السلام والتحية والاحترام، أحيطكم علماً أنني استلمت إجابة سماحتكم على سؤالي وقرأتها. لكنني لم أقتنع بما ذكرتموه لعدة أسباب:

أولاً: لا صلة لإجابتكم -كما ينبغي- بسؤالي.

ثانياً: تضمنت إجابتكم أفكاراً ونقاطاً، بعضها لا يمكن إثباته، وبعضها الآخر يفتقد من حيث المعنى والمفهوم إلى الوضوح الكافي. ولتوضيح الموضوع أرى لزاماً عليّ بداية أن أكرر سؤالي وأقدم توضيحاً مختصراً حوله. كان سؤالي هو التالي:

«انطلاقاً من أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كيف تبرِّرون وتفسِّرون غيبة إمام الزمان (عج)؟؟».

وأنا لم أنجح حتى هذه اللحظة، رغم كل ما بذلته من فكر وتأمل وشحذ للذهن، في التوفيق بين الأمرين التاليين:

1) أدلة إثبات الضرورة العقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

و 2) غيبة الإمام الثاني عشر واختفائه عن الأنظار وعدم قدرة الناس على الوصول إليه.

وأكاد أستنتج أن هذين الأمرين نقيضان لا يجتمعان. قد تبدو الإجابة على سؤالي سهلة في بداية الأمر، فيمكن أن نقول بنظرة بسيطة وابتدائية إن «ضرورة الوجود» تتناقض مع «عدم الوجود» لا مع «الغيبة»، والإمام الثاني عشـر موجودٌ و«غائبٌ» وليس «معدوماً». أدلة الضـرورة تثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم وهذا لا يناقضه إلا «عدم وجوده». في حين أن الإمام الثاني عشـر «موجودٌ»، غاية ما في الأمر أنه - لأسباب معينة - «مختفٍ وغائبٌ عن الأنظار»؛ فلا تناقض في الأمر.

فأقول: نعم لو كانت تلك الأدلة تثبت ضرورة «وجود» الإمام المعصوم فقط، لما كانت متناقضة مع غيبة الإمام. ولكن، وألف لكن، إن المقدمات الافتراضات التي اعتمدت عليها أدلة ضرورة الإمام، إذا صحَّت، فإن نتيجتها المنطقية بلا ريب ثبوت ليس ضرورة «وجود» أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحسب بل ضرورة «حضورهم» أيضاً (ليس في عصر خاص فقط بل في جميع العصور والأزمنة)؛ لهذا السبب بالضبط أقول إن غيبة الإمام الثاني عشر تنقض تلك الأدلة. إذا كانت تلك الأدلة والمقدمات والافتراضات التي ارتكزت إليها صحيحة لكان من المحال أن تقع غيبة على هذا النحو، في حين أن الإمام الثاني عشر (حسب اعتقاد الشيعة) غائب عن الأنظار الآن ومختفٍ عن الناس ولا يعرفه أحد ولا يملك عامة الناس الوصول إليه، وحتى رؤيته في الحلم لا تحصل إلا في حالات نادرة( 75 )، مما يبين أن تلك الأدلة لا تستند إلى أساس محكم.

ولتوضيح هذه النقطة لا بد من الرجوع إلى الأدلة قيد البحث وتذكُّر المقدمات والافتراضات التي تم الاعتماد عليها في تلك الأدلة، لنرى هل يوجد تناقض بين تلك المقدمات وبين غيبة الإمام الثاني عشر أم لا؟ فلنلقِ سوية الآن نظرةً على تلك الأدلة ونتذكرها لعل ذلك يحل لنا عقدة المسألة.

أول دليل يُذْكَرُ على ضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أن النبيَّ، بسبب المشكلات العديدة وأذى الكفار والمشركين والمناوشات والحروب التي شُغِلَ بها، وبسبب حدود الفترة الزمنية لرسالته، لم يجد الفرصة الكافية ليبين للناس جميع أحكام الله وحقائق دين الإسلام وتعاليمه. ونتيجةً لذلك، كانت هناك ضرورة لأن ينصبَ اللهُ تعالى بعد النبيِّ أئمةً معصومين كي يبيِّنوا للناس بقية أحكام الدين والمعارف الإلهية.

والدليل الثاني أنه من الممكن أن تقع للمسلمين بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي المستقبل مشاكل وتُطرح أمامهم مسائل وموضوعات لم تكن مطروحة زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا بين حكمها عنها لأنه لم يُسأل عنها؛ وعندئذٍ فالضرورة تقتضـي أن يُوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أئمة معصومون كي يقدّموا الإجابة الدينية الصحيحة عن المسائل والموضوعات المستجدة.

الدليل الثالث هو وجود خطر تحريف الدين واندثار تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا بد أن يُوجد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أئمةٌ معصومون كي يحفظوا الدين ويحموا تعاليم الوحي ويحولوا دون تحريف القرآن وتحريف تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

الدليل الرابع: أن عقاب المذنبين والعاصين يوم القيامة يقتضـي – انطلاقاً من حكمة الله وعدله - أن يرشدهم الله تعالى قبل ذلك، في هذا العالم، إلى الطريق الصحيح وأن يبين لهم الحق والباطل والحلال والحرام وحقائق دينه. بعبارة أخرى لا بد تتم عليهم الحجة في هذا العالم كي لا يبقى لهم عذر وحجة يوم القيامة، وإلا كان عقابهم في عالم الآخرة ظلماً، ومن المحال على الله أن يرتكب الظلم. إذن هناك ضرورة عقلية لوجود أئمة معصومين بشكل دائم كي تتم حجة الله على الناس من خلال إرشادات أولئك الأئمة وهداياتهم. بعبارة أخرى لا يجوز أبداً أن تخلو الأرض من حجج الله.

الدليل الخامس (ولعله أهم الأدلة كلها): هو أن الله تعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال المعنوي، ومن المستحيل على الإنسان أن يتمكن من اجتياز طريق التكامل المعنوي المليء بالمنعطفات والصعوبات والعقبات دون إرشاد المعلمين السماويين والهداة المعصومين. فإذا لم ينصب الله تعالى أئمةً وهداةً معصومين لإرشاد الناس وهدايتهم إلى اجتياز طريق الكمال، عَجَز الناسُ عن قطع هذا الطريق والوصول إلى التكامل المعنوي المطلوب، وكان هذا ناقضاً للغرض من خلقهم، ومن المحال على الله أن يُنْقَضَ غرضُه. والنتيجة النهائية إذن هي أنه لا يمكن أن تخلو الأرض أبداً من المرشدين والمعلمين السماويين والأئمة المعصومين.

تلك كانت بعض أهم أدلة إثبات الضرورة العقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرها شهرةً وشيوعاً في كتب الشيعة الكلامية الرائجة.

كما نلاحظ تمَّ الكلام في مقدمات جميع هذه الاستدلالات عن حاجة الناس الضرورية إلى هداية أئمة معصومين وإرشادهم، وتم التأكيد على ضرورة بيان أحكام الله وحقائق الدين للناس والإجابة عن أسئلتهم وإتمام الحجة على المذنبين والعاصين (بواسطة الإمام المعصوم)، وكل هذه الأمور لا تتيسَّـر إلا إذا كان هذا الإمام حاضراً يعيش بين الناس وكان بإمكان الناس الوصول إليه والارتباط به. بعبارة أخرى إذا كانت تلك الاستدلالات والمقدمات المستخدمة فيها صحيحة، لكان من المحال غيبة الإمام الطويلة، ولما كان بإمكان أي عامل ولا أي حكمة أن تسمح بمثل هذه الغيبة الطويلة، لأن الإمام الغائب لا يمكنه أن يقوم بأي من المهام والواجبات التي ذُكرت في تلك الاستدلالات كما لا يمكنه أن يلبي أياً من حاجات الناس الضـرورية التي طُرحت في مقدمات تلك الاستدلالات وبالتالي فوجوده وعدمه سِيَّان. وأصلاً لماذا كان وجود الإمام المعصوم ضرورياً عقلاً؟ الإجابة - طبقاً للأدلة المذكورة- هي لهداية الناس وإرشادهم وتعليمهم وتربيتهم والإجابة عن أسئلتهم وإتمام الحجة على المذنبين والعاصين؛ فإذا كان الإمام غائباً والناس لا يعرفونه فأيَّ وظيفةٍ من تلك الوظائف يمكنه أن يؤديها؟ من المسلَّم به أنه لن يتمكن من أداء أيّ واحدة منها. إذن ففي هذه الحالة ألا يكون وجوده وعدمه سِيَّان؟

بالطبع إن الغَيبة لفترات قصيرة (مثل غيبة سيدنا موسى (ع) أربعين يوماً أو غيبة سيدنا يونس (ع) عدة أيام في بطن الحوت وكذلك الغيبة القصيرة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم) ربما لا تتناقض مع تلك الأدلة والمقدمات والافتراضات التي جاءت فيها، ولكن الغَيبة الطويلة التي يُحرم فيها جيل كامل من حضور الإمام المعصوم وهداياته وإرشاداته وتعاليمه الإلهية تتناقض بكل وضوح مع تلك المقدمات والافتراضات، فما بالك بالغيبة التي زاد طولها حتى الآن على ألف ومئة عام، وجاء خلالها عشـرات الأجيال المتوالين (أي مليارات الأشخاص الذين لا يمكنهم -طبقاً للمقدمات والافتراضات أعلاه- أن يعرفوا طريق الكمال ويجتازوه) الذين حُرموا من هداية وإرشادات وتعاليم الأئمة المعصومين؟؟ وقد يستمر هذا الحرمان آلاف السنين الأخرى ويشمل مليارات البشر الآخرين ومئات بل آلاف الأجيال المتعاقبة التي ستأتي وتذهب في المستقبل؟!.

لا أعتقد أنني بحاجة إلى مزيد من الشرح والتوضيح للسؤال الذي كنت قد طرحته في بداية البحث. يكفي أن نتأمل بدقة قليلاً كي تتضح لنا خطورة وأهمية ذلك السؤال ويتبين أن إجابة سماحتكم لم تكن قادرة على حل التناقض المطروح لأنه لم يكن لها علاقة لها بذلك السؤال وأعتقد أن سبب ذلك هو أنكم عندما تفضلتم بالإجابة عليه، لم تتذكروا أدنى تذكر أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

في بداية إجابتكم على سؤالي، وبهدف حلِّ معضلة غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، ذكرتم بدايةً أن العلة والفلسفة الواقعية لغيبة الإمام هي سرٌّ من «الأسرار الإلهية» التي لا يعلمها بشكل كامل وعلى نحو كاف إلا الله والهداة المعصومين، ولكنكم انتقلتم بعدها مباشرة إلى بيان «السـرّ الأصلي» لغيبة ذلك الإمام، استناداً إلى روايات المعصومين (ع) فذكرتم ثلاثة أمور:

«1- عدم تهيُّؤ شروط الظهور لأجل تحقيق الغاية والهدف الكبير (بسط العدل والقسط في العالم وجعل علم التوحيد يرفرف في جميع أنحاء الأرض). هذا الهدف الكبير يحتاج إلى مرور زمن حتى يكتمل عقل البشرية وتزدهر معرفتها واستعدادها الروحي، كي يستقبل الناس إمام العدل والحرية بكل صدر رحب. من الطبيعي أنه لو ظهر ذلك الإمام قبل تهيؤ مقدمات ظهوره بين الناس للقي المصير ذاته الذي لقيه من سبقه من الأئمة (أي القتل والاستشهاد) مما يعني رحيله عن الدنيا قبل تمكنه من تحقيق تلك الغاية العظيمة.

2- حفظه من شرِّ الجبارين والظالمين.

3- جاء في بعض الروايات ذكرٌ لحِكَمٍ أخرى، من ذلك امتحان الناس واختبار مقدار التزامهم بالدين وثباتهم على الولاية. إن غيبة الإمام سببٌ في افتضاح النفاق المخفي لعدد من الناس، وتمييز الإيمان الحقيقي لمحبي الإمام (عج) وشيعته الحقيقيين من ضعف إيمان ضعفاء الإيمان وبكلمة واحدة تمييز المؤمنين من المنافقين».

بالنسبة إلى العامل الأول (عدم تهيؤ شروط الظهور...) والثاني (حفظ الإمام من شر الجبارين) هناك عدة أسئلة يمكن طرحها وهي:

1. ما الداعي إلى حصول الغيبة أساساً حتى يكون الظهور مناطاً بوجود شروط وظروف معينة؟ ليس السؤال هو لماذا لا يظهر إمام الزمان (عج)، السؤال هو أنه انطلاقاً من أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين (والتي يُعتبر حضور الإمام أيضاً أمراً ضرورياً في جميعها) كيف يمكن أن يغيب الإمام الثاني عشر (عج)؟ ألا تكون هذه الغَيبة ناقضة لتلك الأدلة؟

2. لماذا يعهد الله تعالى بمهمَّة تحقيق غاية وهدف عظيم يتمثل في «بسط العدل والقسط في العالم وأن يرفرف علم التوحيد في جميع الأرض» - وهو يعلم جيداً أن شروط تحقق هذا الهدف غير نهيأة يعد ولن تتهيَّأ حتى ألف سنة أخرى- إلى إمام وُلد قبل ألف أو آلاف السنين من زمن تحقق تلك الشروط والظروف،حتى يضطر هذا الإمام أن يبقى غائباً ومختفياً عن الأنظار كل هذه المدة إلى حين توفر تلك الظروف؟ هل لهذا الأمر ضرورة عقلية؟ هل لا بد أن يكون عدد الأئمة المعصومين اثنا عشـر حصراً حتى تجب مثل هذه الغيبة( 76 )؟ طبعاً يمكنكم أن تقولوا إن في عدد الاثني عشر للأئمة المعصومين حكمة إلهية وسر مجهول لا يمكن للبشـر أن يصلوا إليه، ولكن القضية هي أنه إذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هي تلك التي جاءت في أدلة ضرورة الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكن أن يكون لعدد الاثني عشر أي تبرير عقلي، بل يجب أن يكون هناك في كل عصر وزمان وحتى يوم القيامة إمام معصوم حاضر في المجتمع، ولما كان الأمر ليس كذلك وكان الإمام الثاني عشر غائباً (إذا سلَّمْنا بوجوده وغيبته بأمر الله) وكان عدد الأئمة المعصومين منحصراً باثني عشر شخص فقط؛ فلا بد عندئذٍ من الشك في استحكام أُسُس تلك الأدلة.

أما تعليل الانحصار بهذا العدد بأنه سرٌّ من أسرار الله وأن له حكمة لا نعلمها، هذا مع مناقضة التحديد بهذا العدد لأدلة ضرورة الإمامة، فليس سوى هروب من الإجابة عن الإشكال وامتناع عن مواصلة البحث العقلي، وليس هذا إلا نتيجة الوقوع في مأزق منطقي لا مخرج منه.

3. هل يستحيل على الله أن يحفظ روح الإمام بطريقة غير «الغيبة» (الناقضة لفلسفة وجوده)؟

أما بالنسبة إلى العامل الثالث (الحكمة من غيبة الإمام الثاني عشر وفوائدها) فهناك عدة أسئلة تُرح في هذا الصدد:

1- ألا يتحقق امتحان الناس ومعرفة مقدار التزامهم بالدين والولاية إلا بغيبة الإمام المعصوم؟ هل امتحان الناس في زمن حضور الإمام أمر مستحيل وغير قابل للتحقق؟

2- ما الذي يجب على الشيعة فعله في زمن الغيبة كي يعلموا أنهم شيعةٌ حقيقيون؟ ما هو تعريف المحبين وشيعة أهل البيت الحقيقيين حتى يكون هذا الأمر غير قابل للتشخيص زمن حضور الإمام ولا ينكشف إلا زمن غيبته؟

3- كيف يمكن لغيبة الإمام المعصوم أن توجب انكشاف النفاق المستور لعدد من الناس؟ إلى الحد الذي أفهمه بعقلي الناقص: الحضور والظهور هو الذي يوجب انكشاف النفاق المستور لبعض الناس وليس الغَيبة. لأن معنى النفاق في هذا البحث هو ادعاء اتباع الإمام والالتزام بولايته كذباً ونفاقاً، وهذا الأمر إنما يظهر عندما يكون الإمام حاضراً ويعطي أمراً من الأوامر فيتبين من هو الشيعي الحقيقي الذي يطيع أمر الإمام ومن هو المدعي فقط. صحيح أنه عندما يأتي الامتحان يتميز الأتباع الحقيقيون عن الأتباع المدعين الكاذبين وينكشف النفاق المستور لعدد من الناس لكن هذا الامتحان لا يكون له معنى ولا يتيسـر إلا إذا كان الإمام حاضراً يبين أحكام الله ويصدر التعليمات والتوصيات والأوامر. أما عندما يكون الإمام غائباً ولا يعلم الناس شيئاً عن كلماته وأوامره وتعليماته تجاه مواقف الحياة المختلفة، الفردية والاجتماعية والسياسية، ولا يعلم أحد ماذا يريد من شيعته وماذا ينتظر منهم، فكيف يمكن تمييز المؤمن عن المنافق (أي التابع الحقيقي عن المدعي الكاذب)؟ بأي ميزان يمكن تقييم مثل هذا الأمر في حال غيبة الإمام؟

4. إذا كانت غيبة الإمام هي وحدها التي تجعل من الممكن انكشاف نفاق «عددٍ» من الناس فلسائل أن يسأل ما فائدة هذا الانكشاف وماذا يعالج من مشاكل المجتمع؟ لنفرض أن النفاق المستور لعددٍ من الناس تمّ افتضاحه، فماذا إذن؟ أما إذا كان قصدكم أن غيبة الإمام سبب لانكشاف الوجه الحقيقي لجميع المنافقين (وبالطبع هذا ما يفيده قولكم: «وفي الجملة يتبين المؤمن من المنافق») فإن كلامكم يكون كلاماً مخالفاً للواقع بشكل صارخ لأن معناه استحالة وجود النفاق في عصر الغيبة!.

وبغض النظر عن كل ما ذُكر إن إجابتكم تنتهي في مجموعها إلى أن الله نقض الغرض من خلقه للناس لأجل حفظ الإمام الثاني عشر؟! لأنه غيّبه وحرم مليارات الناس من الوصول إلى التكامل المعنوي الذي هو الغرض من خلق الإنسان؟!(77) والمعنى الآخر لإجابتكم هو أن الله أُجبر – والعياذ بالله- لأجل حفظ روح الإمام، على أن يرفع عذاب الآخرة عن مليارات البشر الذين جاؤوا ورحلوا في عهد الغيبة وأن يدخلهم جميعاً الجنة لأن هؤلاء البشر كانوا محرومين من هدايات وإرشادات الإمام المعصوم ولذا فإن الحجة لم تتم عليهم؟! هل تلاحظون إلى أين تأخذنا إجابتكم؟ وأيضاً لنصرف النظر عن كل ما ذُكِر، ولنتأمَّل بإنصاف هل أن اختراع حكم وفوائد لغيبة الإمام الثاني عشر (مثل امتحان الشيعة وتمييز المؤمن من المنافق) يفيد في حل إشكالية التناقض التي شرحناها؟ ألا يضيف ذكر مثل هذه الفوائد تناقضاً جديداً إلى التناقض السابق؟ أنتم تقولون في البداية إنه لا يجوز أن يُترك الناس لحالهم بل لا بد أن يكون لهم مرشدون معصومون كي يحلوا لهم مشكلاتهم الفكرية ويجيبوا عن أسئلتهم ويمنعوا تحريف القرآن وتعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واندثارهما، ويحولوا دون انحراف الناس وضلالهم(78)، لكنكم عندما تواجهون معضلة الغيبة، بدلاً من تراجعكم عن تلك الأحكام حول ما يجب ضرورةً وما لا يجب؛ تقولون إن في عدم وجود إمام معصوم بين الناس وعدم إمكانية وصول الناس إليه فوائد منها امتحان الشيعة وتمييز المؤمن من المنافق؟! فهل تحلُّون بهذا الكلام الإشكالية؟ سؤالنا هو أنه انطلاقاً من أدلة ضرورة الإمام – التي تقولون بها- لماذا يجب أن تحدث الغيبة من الأساس؟ ألم يكن من المفترض – طبقاً لتلك الأدلة- أن يكون هناك حججٌ لِـلَّهِ بين الناس دائماً ليبيِّنُوا لهم أحكام الدين والحقائق الإلهية ويهدوهم إلى الصـراط المستقيم ويقيموا على الناس الحجة ويسدوا باب الاعتذار والاحتجاج أمام العصاة والمذنبين؟

الآن أخبروني من هو الإمام المعصوم وحجة الله في العصر الحاضرن الذي تتم به الحجة على الناس؟ لنفرض أن المؤمن تميَّز من المنافق، فماذا حلّ بموضوع إتمام الحجة على الناس؟ ألم تكن هناك ضرورة عقلية لوجود أئمة معصومين بعد النبيّ دائماً كي يجيبوا عن أسئلة الناس ويعالجوا مشكلاتهم؟ فأين الإمام الذي يجيب اليوم عن أسئلة الناس ويحل مشكلاتهم؟ ألم تقولوا إنه من دون إرشاد الهداة المعصومين فإن اجتياز طريق الكمال والوصول إلى التكامل المعنوي محال؟ إذن أليس الناس الذين حُرموا اليوم من إرشادات وهداية الإمام المعصوم حُرموا أيضاً من إمكانية اجتياز طريق الكمال والوصول إلى التكامل المعنوي؟ لنفرض أن المؤمن تميَّز من المنافق، حسناً لكن ماذا حل بقضية حرمان مليارات البشر من الوصول إلى التكامل المعنوي؟ أليس هذا نقض للغرض؟ لماذا تنسون كل شيء عندما تحاولون تبرير غيبة الإمام الثاني عشر (عج) وتغفلون عما قلتموه عندما أردتم إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟! إذا كانت فلسفة وجود الإمام المعصوم هي هداية الناس وإرشادهم والإجابة عن أسئلتهم؛ فإن حضور هذا الإمام بين الناس وإمكانية وصول الناس إليه تصبح ضرورة عقلية أيضاً؛ ولذا وبما أن هذا الشخص عملياً غائب الآن ولا يمكنه أن يقوم بهذه الأعمال ويؤمِّن للناس ما هم مضطرون إليه من الهداية والإرشاد فإن وجوده وعدمه أصبحا سِيَّان. ألم تفكروا في أنفسكم أن عبارة «الحجة الغائبة» عبارة متناقضة؟ إذْ كيف يمكن لشخص غائب (ومتوارٍ عن الأنظار) لا يعرفه الناس ولا يملكون الوصول إليه ولا يعلمون ماذا يقول وأي موقف يتخذ بشأن المجريات المختلفة والمسائل المتنوعة، أن يكون حجَّةً لِـلَّهِ على الناس يُقطع بها عذرهم يوم القيامة؟

أما قولكم:

«رغم أن عدداً من أولياء الله كانوا غائبين عن الأنظار، إلا أنهم كانوا يقومون بإرشاد المجتمع وهدايته»

فإن هذا يثير الكثير من التأمُّل، والواقع أن هضم هذا الكلام يحتاج إلى قوة هضم خارقة وفوق بشرية مما يفتقده هذا العبد الفقير. إني مهما فكرتُ في هذا الكلام لم أستطع أن أفهم كيف يمكن للشخص الغائب المحتجب عن الأنظار أن يهدي المجتمع ويقوده؟ اللهم إلا أن تتم هذه الهداية عبر طرق سرية غير عادية وما وراء طبيعية ومن خلال التصرفات التكوينية أو الاستعانة بالمعجزات وخوارق العادات وهذا يتنافى أولاً مع اختيار الناس وإرادتهم الحرة وتكليفهم، وثانياً مثل هذه الطريقة لا سابقة لها ولم نجد لها أي نموذج حتى اليوم، والحالات التي أوردتموها (حالة الخضر وموسى ويونس) ليس أي منها نموذج للغيبة التي نحن بصددها.

نعم لا ريب أن الهداية الفردية من خلال الارتباط ببعض أولياء الله (الذين يمكن أن يكونوا غائبين عن الأنظار) أمر ممكن وليس شيئاً محالاً عقلاً، لكن ينبغي أن ننظر هل تحقق مثل هذا الأمر في عالم الواقع فعلاً؟ (بالنسبة إلى ارتباط موسى بالشخص الذي سماه القرآن «عبداً من عبادنا»، لا ندري هل تم هذا الارتباط بشكل طبيعي ومن خلال المجاري العادية أم كان غير عادي وفوق طبيعي، وبعبارة أخرى لا ندري هل كان ذلك «العبد» إنساناً تقيَّاً ورعاً وعارفاً بالله واصلاً وشيخ طريقة، وكانت له حياة عادية وطبيعية وكان بمثابة مرشد وشيخ لموسى (ع) حيث قام بلفت نظره إلى حقائق من خلال طرق التعليم التي ذكرها لنا القرآن، أم أن ذلك الشخص كان غائباً عن الأنظار ومختفياً ويعيش حياة غير عادية ويرتبط بأفراد معينين ارتباطاً سرياً وغير عادي فقط ويعمل على هدايتهم؟. أما ادعاء وجود نبي باسم «الخضـر» ذي عمر خالد وأنه يعيش منذ آلاف السنين حتى الآن غائباً عن الأنظار ومختفياً، وفي بعض الحالات يرتبط ببعض الناس، وادعاء أن «العبد» في الآية (في سورة الكهف) هو «الخضر» ذاته، فإنه ادعاء لا يستند إلى دليل أو مصدر موثوق، ولا يجوز الاستناد - أثناء تقديم إجابة علمية – إلى مثل هذه الادعاءات التي لا يمكن إثباتها. وثانياً: حتى لو كانت مثل هذه الارتباطات والهدايات موجودة فعلاً فلا يمكنها أن تملأ فراغ غيبة الإمام بدليل أنها حالات استثنائية ومحدودة بعدد من الموارد الخاصة لأن ضرورة وجود الإمام المعصوم تستند إلى الضرورة الحتمية لجميع الناس إلى هدايته وإرشاداته. لنفرض أن الإمام الثاني عشر قام اليوم بالارتباط ببعض البشر وقدم إليهم نوعاً من الهداية والإرشاد (وطبعاً هذا مجرد ادعاء لا يمكن إثباته) فهل هذه هي فلسفة وجود الإمام المعصوم؟ إذا كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة من الأساس إلى نصب إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فحضرة «الخضـر» (الذي تعتقدون بوجوده) كان بإمكانه أن يؤدي الواجب ويفي بالغرض ويقوم بمثل هذه الارتباطات والهدايات!.

وأما قصة الغيبات القصيرة للأنبياء (مثل موسى ويونس ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم) والاستفادة من هذه الموارد للإجابة عن معضلة غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، فإنها قصة طريفة تستحق السماع، وحقيقةً إن ذكر هذه الأمثلة بالذات جعلني أشك في كون متن الرسالة الجوابية من تحرير سماحتكم وليس من تدوين بعض الطلاب الناشئين الذين يعملون في قسم الإجابة عن الأسئلة الاعتقادية والكلامية في مؤسسة الإمام الصادق (ع)!. ذلك لأن الإشكال الوارد على ادعاء «ضرورة وجود أئمة معصومين » والذي يجب على القائلين بَـ «الضرورة » أن يجيبوا عنه، تمت إعادته إلى المنتقدين أنفسهم وهذا ما يثير أشد العجب!! إن المنتقدين لادِّعاء «ضرورة النبوة أو الإمامة » يستندون إلى مثل هذه الموارد ذاتها للاستدلال على عدم ضرورة النبوة أو الإمامة عقلاً ويقولون إن هذه الغيبات بحد ذاتها تبين أن أدلة ضرورة النبوة فاقدة للاعتبار. الآن بدلاً من أن يبيّن مُدَّعو «الضـرورة » عدم تناقض هذه الغيبات مع «الضرورة » إذا بهم يفترضون من البداية أن دعوى «الضـرورة » أمر مسلّم به ثم يقولون إن هذه الغيبات تظهر أن لا تناقض في الأمر وأن غيبة الإمام الثاني عشـر لا  تتنافى مع أدلة «ضرورة الإمامة » !

الآن ربما أمكن أن نفهم أفضل لماذا كانت التوصية بِـ «العودة إلى الفقهاء في عصر الغيبة » أمراً غير مبرَّر وغير موجَّه أبداً إذا أخذنا أدلة ضرورة وجود أئمة معصومين بالحسبان، فالفقيه مهما علا شأنه يبقى فقيهاً غير معصوم وبالتالي فطبقاً لأدلة ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإن الحجة لا تتم على الناس برجوعهم إلى الفقيه. ثم إذا كان الفقهاء قادرين على أن يبيّنوا الأحكام التي لم تُبيَّن في زمن نبي الإسلام وأن يحولوا دون تحريف تعاليم القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واندثارها وأن يجيبوا عن أسئلة الناس حول المسائل المستجِدَّة بالاجتهاد من النصوص الدينية و... فأي ضرورة حتمية تبقى عندئذ لوجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن الزعم بأن الناس في عصر الغيبة عليهم أن يرجعوا إلى الفقهاء ليس سوى اعتراف بوهن وضعف ادعاء ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. إنني أتعجب كيف تنسون كل تلك الأدلة التي تستخدمونها لإثبات ضرورة الإمامة بكلِّ يُسْـرٍ وبساطة. إن المشكلة في إجابة سماحتكم هي أننا لو سألنا كيف يمكن للرجوع إلى الفقيه غير المعصوم أن يُتِمَّ الحجَّةَ على الإنسان مع أن احتمال الخطأ والخيانة لا يمكن نفيه عن الفقيه أبداً، فأي إجابة تعطونها عن هذا السؤال ستكون قابلة للتطبيق أيضاً وصادقة بشأن الفترة التي تعقب مباشرةً رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واستثناء هذه الفترة منها لا دليل عليه.

سألت أحد علماء الحوزة الكبار السؤال التالي:

«هل يمكن أن يوصلنا العمل بفتاوى الفقهاء إلى السعادة الأخروية رغم أننا نعلم أنه من الممكن أن يخطئوا في استنباطهم لأحكام الدين » ؟

فأجاب سماحته بكل بساطة ويُسْر:

«نعم، صحيح أنهم غير معصومون إلا أن الفقيه إذا بذل خالص جهده واستنبط الحكم من الكتاب والسنة كان هذا حجة له ولمقلديه يمكنهم بالاتكال على الله أن يعملوا بها. وإذا أخطأ الفقيه في اجتهاده فهو معذور عند الله طالما أنه سعى وبذل جهده للوصول إلى الحق وكانت نيته صادقةً نَقِيَّةً، كما أن مقلِّديه أيضاً معذورون لأن نيَّتهم كانت العمل بأحكام الله، وإذا حصل خطأ في هذا المجال فهم ليسوا مقصِّرين » .

فتعجبتُ وسألتُه:

«إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تقولون هذا الكلام ذاته بشأن ما بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً؟ بعبارة أخرى أي ضرورة محتِّمة إذن لنصب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كي يكونوا مرجعاً دينياً للناس؟ ألا يمكن للفقهاء أن يؤدوا هذه الوظيفة؟ لماذا تنسَون بكل سهولة ويُسْر أدلة إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأدلة عصمة الأئمة؟ » .

وبدلاً من أن يجيبني عن سؤالي هذا أوصاني بمزيد من المطالعة حول الإمامة؟!

إلى هنا اتضح أن الغيبةَ الطويلةَ للإمام الثاني عشر (عج) ناقضةٌ لأدلة إثبات ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن المسألة لا تنتهي هنا. إن الأدلة المذكورة تعاني أيضاً من مشكلة أساسية أخرى من ناحية واقعيتها الخارجية وهذه المشكلة تتمثل في «عدم تعدد الأئمة المعصومين في كل عصر وحرمان مليارات البشـر في أنحاء العالم من هدايات الأئمة المعصومين وإرشاداتهم » . إذا كانت تلك الاستدلالات صحيحة، فإن نتيجتها المنطقية ستكون ضرورة وجود أئمة متعددين في كل عصر، وتوزّعهم في سائر أنحاء الأرض بنحو يكون فيه إمام معصوم واحد على الأقل في كل مدينة وقرية كي يتيسَّر للناس الارتباط المباشر به من دون وسائط ويكون هذا متاحاً لجميع أهالي الدنيا، في حين أن مثل هذا الأمر لم يوجد في أي عصر، وهذه الحقيقة الواقعية شاهدٌ قويٌّ على عدم صحة تلك الأدلة.

قد تقولون إن وجود إمام معصوم واحد في كل عصر كافٍ، ويمكن لأهالي سائر بقاع الأرض أن يراجعوا تلاميذ وممثلي ذلك الإمام. لكن هذه الإجابة غير مقبولة، لأنه في جميع تلك الاستدلالات (التي استُخدِمَت لإثبات ضرورة وجود إمام معصوم) ادُّعِيَت «ضرورة عصمة الأئمة » (الذين يُفتَرَض أن يبيِّنوا أحكام الله للناس ويجيبوا عن أسئلتهم حول المستجدات في كل عصـر ويرشدوا الناس نحو طريق الكمال ويتمّوا الحجة على المذنبين والعاصين)، ومعنى ضرورة العصمة هذه في تلك الأدلة هو أن غير المعصوم لا يمكنه أن يؤدي وظائف الإمام المعصوم ولا أن يلبّي حاجة الناس وضرورتهم للهداية والإرشاد. بعبارة أخرى، طبقاً للأدلة المذكورة لا  يتم إثبات ضرورة وجود الإمام المعصوم فحسب، بل إضافة إلى ذلك يتم إثبات ضرورة ارتباط الناس المباشر ومن غير واسطة بهذا الإمام المعصوم، لأن الارتباط غير المباشر به لا يمكنه أن يفي بالمقصود حتى لو كانت الواسطة تلميذ الإمام أو ممثِّله الخاص (لأن التتلمذ على يد إمام معصوم أو تمثيله لا يجعل الشخص معصوماً) وبالتالي سيصبح من الضروري منطقياً – إذا قبلنا تلك الأدلة – أن ينصب الله مئات آلاف الأئمة المعصومين في كل عصر!

ولكي تتضح الفكرة أكثر نقوم هنا بدراسة نموذج للاستدلالات التي تستخدم لإثبات ضرورة النبوة العامة وضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، لكي نُبيِّن أنه لو صحت تلك الاستدلالات فإن نتيجتها المنطقية ستكون ضرورة تعدد الأنبياء والأئمة المعصومين في كل عصر وزمان وضرورة توزعهم وانتشارهم في جميع أنحاء الكرة الأرضية. إن الاستدلال المذكور يقول:

«خَلَقَ اللهُ الإنسان ليسير باختياره نحو الكمال. ويستحيل على الإنسان أن يعرف طريق الكمال ويجتازه ليصل إلى التكامل المعنوي من دون هداية معلمين سماويين وإرشاد أئمة هداة معصومين. بناء على ذلك يجب على الله تعالى أن ييسر على الإنسان طريق وصوله إلى الكمال – الذي هو الغرض الأساسي من خلقه للإنسان – بأن يرسل له أنبياء وينصب له أئمة معصومين بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا إذا لم يفعل ذلك يكون قد نقض غرضه من خلق الإنسان ومحال على الله أن ينقض غرضه».

لنتأمل الآن مقدمات هذا الاستدلال وافتراضاته الضمنية:

السؤال الأول: هل خلق الله تعالى الخلق ليصل جميعهم إلى الكمال المعنوي أم ليصل بعضهم فقط؟ بالطبع ستقولون: «إن جميع البشر خُلقوا لأجل أن يصلوا إلى الكمال المعنوي » ولا مجال لقول غير ذلك، لأنكم لو قلتم إن بعض الناس خُلقوا سُدىَ وبلا غاية أو أن وجودهم طُفَيْلي زائد، لأنكرتم حكمة الله وعدله. خاصة إذا تبين أن هؤلاء «البعض» هم أكثرية سكان العالم.

السؤال الثاني: هل من الضروري أن يكون الأنبياء والأئمة (الهداة المرشدون والأدلاء على الله وحججه تعالى على الخلق) معصومون حتماً، أم أنه يمكن لغير المعصوم أن يكون هادياً مرشداً للخلق نحو الكمال، وحجةً لله في الأرض؟ لا شك أن إجابتكم ستكون إنه من الضروري حتماً أن يكونوا معصومين، وبعبارة أخرى «عصمة الأنبياء والأئمة لازمة وضرورة حتمية » لأنكم لو قلتم إن غير المعصوم يمكنه أن يرشد الناس ويهديهم نحو الكمال لما أمكنكم بعدئذٍ أن تثبتوا ضرورة وجود أئمة معصومين.

السؤال الثالث: لماذا لابد أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتماً؟ ماذا يحدث لو لم يكونوا معصومين، أي ما المشكلة التي تخلقها عدم عصمتهم؟ في إجابتهم عن هذا السؤال أقام متكلمو الشيعة استدلالات وبراهين عديدة لإثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة ولكن جميع تلك الاستدلالات والبراهين تنتهي إلى ثلاث استدلالات تم بيانها بصور مختلفة وبعبارات متفاوتة، وهي التالية:

1. إذا لم يكن الأنبياء (أو الأئمة الذين يخلفونهم) معصومين، لأمكن أن يقعوا في خطأ أو نسيان في تلقيهم للحقائق الإلـهية والتعاليم الدينية أو خلال تبليغهم الناس إياها أو في تفسيرهم لرسالة الوحي، فيقومون بتبليغ الناس أوهاماً وأباطيل، ناجمة عن إلقاءات شيطانية أو أخطاء فكرية، باسم حقائق الدين وتعاليمه وأحكام الله، فيؤدوا بذلك إلى ضلال الناس بدلاً من هدايتهم إلى الصراط المستقيم. فلا بد أن يكون هؤلاء المأمورون مِنْ قِبَلِ الله معصومين وإلا لأدى ذلك إلى نقض الغرض من إرسالهم. إن الأنبياء (والأئمة) مأمورون بهداية الناس إلى صراط الله المستقيم ولا بد أن يوصلوا رسالة الله إلى الناس وأن يفسِّروا للناس تعاليم الوحي (بالطبع النبيّ هو الذي يتلقى الوحي ويقوم بإبلاغه، كما يقوم بتفسير آيات الوحي للناس أيضاً، أما وظيفة الإمام المعصوم فتقتصر على تفسير الوحي فقط لأنه لا يتلقى الوحي من الله). لذا لا بد أن يضمن الله تعالى صحة تنفيذ هذه المهمة الإلـهية وإلا لانتقض الغرض منها، وهو محال. وضمان صحة تنفيذ تلك المهمة لا يتيسّـَر إلا عند توفر شرط العصمة.

2. إذا لم يكن الأنبياء والأئمة معصومين لما أمكن للناس أن يطمئنوا إلى صحة كلامهم. وعليه فمن الضروري أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتى لا تهتزَّ ثقة الناس بهم. عندما يعلن شخص غير معصوم نبوته أو إمامته من الله، فإن الناس قد لا  يشكون في صحة ادعائه هذا لأسباب ودلائل ما، ولكنهم سيقولون في أنفسهم من أين نعلم أن هذا الشخص لم يقع في غلط أو اشتباه خلال تلقيه لحقائق وتعاليم الوحي وفهمه لها وإبلاغها للناس؟ كيف نتأكد أن كلامه عين الصواب والحقيقة؟ إن هذا الشك والتردُّد يحولان دون تحقق الهدف من النبوَّة أو الإمامة. إذن لا بد أن يكون الأنبياء والأئمة معصومين حتماً، حتى لا يقع الناس في مثل ذلك الشك والتردّد، وحتى يتحقّق هدف النبوة أو الإمامة.

3. المفروض أن يكون النبيّ (أو الإمام) معلماً للناس وأسوةً لهم وأن يأخذ بأيدي الأشخاص المؤهلين (ذوي الاستعدادات المتفاوتة) ويسير بهم نحو الكمال. ومن لوازم هذا الأمر أن يتمتَّع النبيّ (أو الإمام) بالطهارة من كل ذنب أو إثم أو رذيلة خُلُقية وأن يكون متحلِّياً بجميع الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية. إن الناس يحتاجون إلى أسوة يقتدون بها في سلوكهم الطريق نحو الكمال، فإذا لم يكن النبيّ (أو الإمام) ذاته عاملاً بأحكام الله ومتحلِّياً بالفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية فكيف يمكنه أن يكون أسوةً للناس وقدوةً لهم؟؟

والآن حان الوقت لإلقاء نظرة على تلك النقاط والأفكار والخروج بنتيجة منها، ونترك الحكم بعد ذلك إلى حضرتكم.

قلنا إن أهم دليل من أدلة إثبات ضرورة إرسال الرسل ونصب الأئمة المعصومين بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو:

«لقد خلق الله الناس جميعاً لأجل أن يصلوا إلى الكمال المعنوي، لكن سلوك طريق الكمال من دون قيادة معلمين سماويين وأئمّة معصومين وإرشادهم أمر محال. لذا يجب على الله أن يرسل إلى الناس أنبياء كي يرشدوهم إلى سبيل الوصول إلى الكمال المعنوي، ولما كان هذا الأمر يجب أن يبقى بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينسد بابه، فإن نصب أئمة معصومين بعد النبيّ أيضاً يصبح أمراً ضرورياً

ومن جهة أخرى وطبقاً لادعاء متكلِّمي الشيعة:

«عصمة الأنبياء والأئمة لازمة وضرورية»

وهذه الضرورة تَثْـبُتُ بثلاثة أدلة:

«الدليل الأوَّل: بما أن مهمتهم تعليم الناس تعاليمَ الله وهدايتهم إلى صراطه المستقيم فلا بدّ أن يكونوا معصومين عن الخطأ والنسيان كي يستطيعوا أن يؤدّوا مهمتهم على الوجه الصحيح، وإلا لانتقض الغرض من مهمتهم. الدليل الثاني: أنهم إذا لم يكونوا معصومين عن الخطأ ومُصانين عن السهو والنسيان لما وثق الناس بكلامهم ولشكوا بصحة أقاويلهم وبالتالي لم يتحقق الهدف من النبوة أو الإمامة وانتقض الغرض منها. الدليل الثالث: أنهم ينبغي أن يكونوا أسوة للناس في الإيمان والتقوى والتديُّن والفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والمعنوية، وإلا لو لم يتحلَّوْا بهذه الأوصاف لما أمكنهم أن يكونوا أسوةً للناس ولانْتَقَضَ الغرضُ منهم أيضاً».

الآن هل بقيَ لديكم شكٌّ في أنه لو صحَّت أدلة ضرورة النبوة والإمامة، وأدلة العصمة هذه، لكانت نتيجتها المنطقية ضرورة وجود (وأيضاً حضور) أنبياء وأئمة متعددين في كل عصر، وضرورة انتشارهم في جميع أصقاع الأرض؟ ألا يصبح من الضروري حتماً، على فرض صحة تلك الأدلة، أن يوجد في كل زمن وفي كل مدينة وقرية - على الأقل- نبي واحد أو إمام معصوم واحد؟ أَوَلا ينقض عدم تحقق مثل هذا الأمر في عالم الواقع تلك الأدلة، نقضاً واضحاً؟ ولعلنا الآن نفهم أفضل لماذا كان التوسل بوجود تلاميذ وممثلين للنبي أو الإمام لا يحل الإشكالية؛ لأنه على هذا الفرض فإن التلاميذ والممثلين سيقومون بملء فراغ النبيّ أو الإمام في بقاع الأرض الأخرى وسيقومون - بدلاً من النبيّ أو الإمام - بوظيفة هداية الناس في تلك البقاع وإرشادهم وتعليمهم حقائق الدين وأحكام الله وقيادتهم إلى سلوك طريق الكمال. أفلا تَـثْبُتُ ضرورةُ عصمة هؤلاء التلاميذ والممثلين بالدلائل ذاتها التي تثبتون بها ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة؟؟ أليس المطلوب أن يتعلم هؤلاء الممثلون أحكام الله من النبيّ أو الإمام المعصوم ثم يبلغونها للناس، فكيف ينبغي أن لا نعتبرهم معصومين؟ كيف تقولون، عندما تريدون أن تثبتوا ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة، أنهم لو لم يكنوا معصومين لأمكن أن يقعوا في الغلط والاشتباه في تلقيهم لرسالة الله أو في فهمها أو في نقلها للناس، وأن وقوعهم بمثل هذا الخطأ يؤدي إلى نقض الغرض، أما عندما تصلون إلى ممثليهم تنسون كل هذه القواعد؟ ألن يقوم هؤلاء الممثلون بأخذ تعاليم الله عن النبيّ أو الإمام وإيصالها إلى الناس في بقاع الأرض الأخرى؟ أفلن تؤدي عدم عصمتهم إذن إلى احتمال وقوعهم في اشتباه أو نسيان (أو خيانة) أيضاً وأن يعلموا الناس أباطيل وخرافات باسم الدين وباسم نشر الحقائق الإلهية، فيُضِلُّون الناس بدلاً من هدايتهم؟ أوليس هذا نقض للغرض؟ عندما تثبتون ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة تقولون إنهم إن لم يكونوا معصومين ومصانين عن الخطأ والغلط والسهو والنسيان لشكَّ الناس في صحة أقاويلهم ولأدَّى ذلك إلى عدم تحقق الهدف من النبوة والإمامة ونقض الغرض منها، فلماذا لا تقولون الشـيء ذاته بشأن ممثلي وتلاميذ الأنبياء والأئمة؟ عندما لا يكون هؤلاء الممثلون معصومين ألن يشك الناس بصحة ادعاءاتهم وتعاليمهم أيضاً؟ ألن يقولوا في أنفسهم من أين نعلم أن السيد الممثل الفلاني يقول الحق والصواب؟ ألا يمنع هذا الأمر من تحقق الغرض من إرسال التلاميذ والممثلين إلى الناس في سائر بقاع الدنيا الأخرى؟ ألم تكونوا تقولون إن الناس خُلقوا للوصول إلى الكمال وأن ذلك يستحيل تحققه من دون هداية المعلمين السماويين وإرشاد الأئمة الهداة المعصومين؟ ألم تستنتجوا من هاتين المقدمتين أن وجود الأنبياء والأئمة المعصومين ضروري عقلاً لإرشاد الناس وهدايتهم نحو الكمال؟ فكيف تقولون الآن إن هداية الناس وإرشادهم بواسطة غير المعصومين (أي ممثلي النبيّ أو الإمام) كافٍ، وأن الناس يمكنهم بذلك أن يُقادوا نحو الكمال؟ خذوا مثلاً زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، عندما كان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم مشغولاً بهداية أهل الجزيرة العربية وإرشادهم، ماذا كان يفعل أهالي سائر مناطق الدنيا مثل أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزلندا وألمانيا وانجلترا واليابان والصين والهند ومئات البلدان الأخرى التي تضم مئات ملايين البشر؟ من كان هاديهم ومرشدهم نحو الكمال؟ ألم يُخلقوا هم أيضاً لأجل الوصول إلى الكمال؟ ألم تكن لديهم ضرورة حتمية للهداة والمرشدين المعصومين؟ فلماذا لم يرسل الله إليهم نبياً؟ ليت شعري هل أهالي الجزيرة العربية هم وحدهم - دون سائر شعوب العالم - الذين خُلقوا لأجل أن يصلوا إلى الكمال؟! وليت شعري هل أهالي الجزيرة العربية وحدهم فقط من يحتاج إلى مرشد معصوم للوصول إلى الكمال أما أهالي بقية مناطق الأرض فيمكنهم أن يجتازوا ويسلكوا ذلك الطريق بأنفسهم دون حاجة إلى مرشد أو دليل؟!

إنكم تلاحظون أن إرسال ممثلين عن الأنبياء والأئمة إلى بقاع العالم الأخرى لا يقدّم إجابةً صحيحةً، لا عقلاً ولا منطقاً، لحلّ الإشكالية المذكورة، وأن التوسل بهذا الأمر لحل شبهة ضرورة تعدد الأنبياء والأئمة في كل عصر ينقضُ أدلة ضرورة النبوة العامة وضرورة نصب أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مثلما ينقضُ أدلة ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة. وحتى لو فرضنا أن هذا الأمر لا إشكال فيه من ناحية العقل والمنطق فهل تحققه العمليّ ممكن؟ الإجابة هي النفي أيضاً وذلك للدلائل الخمس التالية:

1. لا بد أن يكون للنبي أو الإمام المعصوم مئات آلاف التلاميذ على الأقل كي يمكنه أن يرسلهم ممثلين عنه إلى جميع أنحاء المعمورة، فهل من الممكن تنفيذ مثل هذا الأمر عملياً؟ (لا تنسوا أن الناس في سائر أنحاء المعمورة خُلقوا أيضاً لأجل أن يصلوا إلى الكمال وبالتالي فلديهم حاجة ضرورية إلى مرشد معصوم أو ممثل عنه على حدّ قولكم، وإلا فمن دون هذا المرشد سيكونون عاجزين عن اجتياز طريق الكمال – على حد قولكم - ولن يصلوا إلى التكامل المعنوي وفي النتيجة سيُنقض الغرض من خلقهم).

2. يجب على النبيّ أو الإمام المعصوم أن يراقب هؤلاء الممثلين على الدوام (وعددهم مئات الآلاف وهم موزعون في جميع أنحاء الأرض حتى في الجزر النائية في المحيط الهندي والأطلسي و...) كي يصححوا لهم أخطاءهم أو أغلاطهم المحتملة ويستبدلوهم بممثلين آخرين إذا صدرت منهم خيانة. فهل مثل هذا العمل الهائل قابل للتطبيق؟

3. من الممكن أن يواجه ممثلو النبيّ أو الإمام عشرات الأسئلة والمشكلات كل يوم مما لا يمكنهم الإجابة عليه مما يضطرهم إلى الرجوع إلى النبيّ أو إلى الإمام المعصوم. فهل الرجوع المتكرر لمئات آلاف الممثلين في جميع أنحاء الدنيا إلى النبيّ أو الإمام المعصوم أمرٌ ممكنٌ عملياً؟

4. (وهذه النقطة مطروحة بشأن الأنبياء فقط) يجب على ممثلي النبيّ أن يكون لهم ارتباط يوميٌّ به كي يطلعوا على الآيات الجديدة التي تنزَّلت عليه ويبلغوها لأهالي سائر بقاع العالم. فهل مثل هذا الأمر ممكن؟ هل يستطيع النبيّ أن يتصل يومياً (أو أسبوعياً) بمئات آلاف الممثلين له في جميع أنحاء العالم ليطلعهم على الآيات والأحكام الجديدة؟ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأنبياء والأئمة المعصومين كانوا يعيشون في زمن كان الناس يستخدمون فيه الخيل والبغال والجمال للسفر إلى نواحي العالم الأخرى، ويستغرق سفرهم إلى بعض البلدان أشهراً أحياناً فضلاً عن السفر إلى بلدان بعيدة (مثل السفر من الجزيرة العربية إلى أمريكا أو كندا أو استراليا...) الذي لم يكن ممكناً عملياً في ذلك الزمن أو يستغرق سنوات.

5. وآخر دليل أنه لا يوجد أي نبي أو إمام استطاع أن يقوم بمثل هذا العمل وأنه في كثير من العصور الماضية (سواء في زمن الأنبياء أم في زمن الأئمة المعصومين) وفي كثير من نقاط العالم لم يكن هناك خبر عن نبي أو إمام معصوم ولا عن تلاميذ أو ممثلين لهما.

أرجو أن لا يزعجكم تكراري لهذا السؤال وهو: هل سألتم أنفسكم من كان معلم الناس ومرشدهم في قارة أمريكا وأوربا وأفريقيا وأستراليا وكثير من بلدان آسيا البعيدة كالصين واليابان وماليزيا وكوريا وسنغافورة زمن حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل أرسل النبيّ ولو ممثلاً واحداً عنه إلى تلك البلدان القاصية؟ هل أهل الجزيرة العربية هم وحدهم الذين خُلقوا لأجل الوصول إلى الكمال في حين أن سائر مليارات البشر في أنحاء الدنيا مجرَّد مخلوقات طفيلية؟ هل كان للأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى في البلدان الإسلامية ممثل واحد في كل مدينة وقرية – عالم وفقيه وتلميذ تربى على أيديهم-؟ (دعك من البلدان الأخرى مثل ألمانيا وانكلترا وأفريقيا الجنوبية و...الخ).

لألخِّص الكلام:

إذا كانت أدلة إثبات ضرورة الإمامة (وضرورة النبوة كذلك) وأدلة إثبات ضرورة عصمة الأنبياء والأئمة صحيحةً، فإنَّ هناك نتيجتان حتميّتان تنتجان عنها وهما: 1- ضرورة تعدد الأئمة وحجج الله في كل عصـر وتوزعهم ي جميع أنحاء العالم. و2- ضرورة تواجد وحضور الأئمة المعصومين في جميع العصور والأزمنة حتى يوم القيامة. وكلُّنا يعلمُ أنَّ أيّاً من هاتين النتيجتين غير متحقّق وغير واقعي وهذا بذاته يثبت أن تلك الأدلة تفتقد إلى الاستحكام المنطقي.

إذا كان الكلام قد طال في بعض الموارد وانفلت عنان القلم فإني أطلب العذر من سماحتكم وآمل أن لا تأخذوا هذه الرسالة على محمل جرأة هذا الحقير عليكم. أسأل الله تعالى لحضرتكم طول العمر والسلامة والعزة والرفعة. والسلام.

 

الهوامش:

(75) من البديهي أن مجرد رؤية شيء أو شخص في المنام لا يدل على وجوده الحقيقي في عالم الواقع (وخارج الذهن)، ولسنا في حاجة للتذكير بعدم حجية الحلم، فالكل يعلم أن الأحلام قد تتولد أحياناً من الأفكار والمعنويات والإلقاءات والتلقينات التي تحصل للإنسان في عالم اليقظة.

(76) بالطبع حتى لو كانت هناك ضرورة عقلية لكون عدد الأئمة اثنا عشر شخصاً، لما كان هناك حاجة أيضاً أن يولد الإمام الثاني عشر قبل آلاف السنوات من تحقق تلك الظروف وأن يبقى غائباً عن الأنظار آلاف السنين حتى يحين الزمن المناسب.

(77) لا ننسَ أنه طبقاً لأدلة ضرورة الإمامة عقلاً، لا يمكن للناس أن يجتازوا طريق الكمال ويصلوا للغاية المنشودة من خلقهم دون إرشاد أئمة معصومين.

(78) هذه البيانات جاءت على نحو متكرر في كتب الشيخ سبحاني. على سبيل المثال يمكنكم الرجوع إلى كتابَيْه: «پيشوايى از نظر اسلام» (أي الإمامة في نظر الإسلام) و«رهبرى امّت» (أي قيادة الأمة).