القسم الثاني حوار نقدي حول نظرية الإمامة وانتقادات المخالفين

النص الكامل للحوار الذي أجراه المؤلف مع سماحة حجة الإسلام والمسلمين «محسن غرويان» حول نظرية الإمامة وانتقادات المخالفين لها:

تاريخ إجراء الحوار: 11/ 12/1379 هجري شمسي الموافق لـ 1/3/2001م.

نيكويي: اسمحوا لي أن أبدأ من المبادئ التصورية لكي يسير بحثنا سيراً منطقياً. سؤالي الأول: ما هو مفهوم الإمامة والعصمة عند المتكلمين الشيعة (الإمامية)؟

غرويان: بسم الله الرحمن الرحيم. للإمامة معنيان: معنى عام ومعنى خاص. الإمامة بمعناها العام تعني القيادة والرئاسة؛ وبهذا المعنى تشمل الأنبياء وفي الوقت ذاته تشمل الإمام بمعناها الخاص أي ذلك الإمام الذي نعتقد أنه يأخذ على عاتقه مهمة إرشاد الناس وقيادتهم وهدايتهم بعد نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. أما الإمامة بمعناها الخاص فهي قيادة الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أما معنى العصمة فهو أن الأئمة مصانون عن كل خطأ واشتباه يتنافى مع مقام إمامتهم فلا يقعون أبداً في أي خطأ أو اشتباه. بالطبع هناك أقوال ووجهات نظر أخرى يطرحها بعض علماء الشيعة في هذا المجال لكن القول المشهور هو ما ذكرته لكم.

نيكويي: تفضلتم بأن معنى الإمامة الخاصة – التي يقصدها الشيعة- هو قيادة الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. هل هذه القيادة والرئاسة مقتصرة على الأمور الدينية أم تشمل الأمور الدنيوية أيضاً؟

 غرويان: لا بل تشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية. وأساساً نحن لا نفصل بين الأمور الدينية والدنيوية. إن الأمور الدنيوية أيضاً تدخل ضمن الدين بكلِّيَّته. بشكل عام الإمامة رئاسة وقيادة لجميع الشؤون الإنسانية التي ينبغي على الدين أن يبدي رأيه فيها. الإمام المعصوم قائد للناس والمجتمع ومرشد في جميع الشؤون الإنسانية التي تحتاج للدين وقوله حجة في ذلك على جميع الناس.

نيكويي: لقد عرّفتم العصمة بأنها الصون عن كل خطأ يتنافى مع مقام الإمامة أو النبوّة فهل يشمل هذا الصون كلَّ ذنب صغيراً كان أم كبيراً، عمداً اُرْتُكِبَ أم سهواً؟

غرويان: أجل العصمة تشمل الذنوب الكبيرة والصغيرة. بالطبع لدينا ثلاثة أنواع من الذنب هي: الذنب الأخلاقي والذنب العرفاني والذنب القانوني. الإمام المعصوم لا يذنب ذنباً قانونياً أبداً أي لا ينتهك قانون الله، فهو يعمل بجميع الواجبات ويجتنب جميع المحرمات. ولكن الإمام قد يقع في ذنب أخلاقي مثل أن يمرَّ في زقاق فيلقي شخص عليه السلام فينسى الإمام أن يرد له التحية أو أن ينسى الإمام أن يسلم على شخص أكبر منه. هذا الذنب يعتبر ذنباً أخلاقياً ولكنه لا يعني أن الإمام ترك واجباً من الواجبات التي فرضها الله. كذلك يمكن أن يقع الإمام في ذنب عرفاني كأن تنشغل حواسه أثناء الصلاة ويغفل للحظة ما عن درجات المعرفة والعرفان التي كان فيها. هذا الذنب ذنب عرفاني وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين فهو نوع من الذنب لكنه ليس ذنباً شرعياً.

نيكويي: إذن يمكننا القول إن الإمام المعصوم - من وجهة نظر الشيعة - هو الشخص الذي نصَبَه الله تعالى في مقام رئاسة الناس وقيادتهم في جميع الأمور الدينية والدنيوية وهو معصوم عن كل ذنب يتنافى مع مقام إمامته أي مصون من أن يترك واجباً أو يرتكب حراماً. نصل الآن إلى سؤالنا الأصلي وهو: هل يعتبر وجود إمامٍ معصومٍ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ضرورياً عقلاً؟ بعبارة أخرى هل يجب حتماً وبالضـرورة أن ينصِبَ اللهُ أئمَّةً معصومين خلفاءَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

غرويان: مبدأ حاجة الناس إلى الرئاسة والقيادة يدل عليه العقل، فالدليل العقلي ذاته الذي يدل على ضرورة إرسال الأنبياء يبقى ساري المفعول بعد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. أي إذ قيل: لماذا يحتاج الناس إلى الأنبياء؟ فإننا نقول لأن طرق الناس للوصول إلى المعرفة محدودة والله الحكيم أراد تكليفنا، وبالتالي فلا بد أن يوضح لنا طرق تنفيذ ذلك التكليف الذي كلَّفَنَا به، وأن يبيِّن لنا طريق السعادة وطريق الشقاوة، لذا أرسل الأنبياء وأنزل الكتب لهداية البشر. هذا الدليل ذاته يبقى مستمراً بعد النبيّ. أي أنه بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من وجود حجج بين الناس يرجع إليهم الخلق. وهذا هو دليل بقاء الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

نيكويي: أتيتم سماحتكم هنا بدليلين عقليين لإثبات ضرورة بعث الأنبياء وضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. الدليل الأول هو أن سبل الناس للوصول إلى المعرفة محدودة وبالتالي فلا يمكنهم وحدهم أن يشخصوا الحقائق المتعلقة بالمبدأ والمعاد وطريقة العمل بالتكاليف الإلهية، وبشكل عام لا يمكنهم أن يعرفوا كيفية الوصول إلى الكمال والسعادة، لذا اقتضت حكمة الله أن يبعث أنبياء كي يهدوا الناس ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم. والدليل الثاني أنه لو لم يبعث الله أنبياء لهداية الناس إلى طريق الحق فإن الحجة لا تتم عليهم ويمكن للناس أن يحتجوا على الله يوم القيامة. وتفضلتم أن هذين الدليلين ثابتان وباقيان بعد النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم مما يثبت ضرورة وجود أئمة معصومين بعد النبيّ. وقبل أن أطرح الإشكالات التي ترد على هذه الأدلة ولكي أجعل النقطة تتضح أكثر أطرح سؤالاً هو: صحيح أن الناس يحتاجون بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبشكل دائم إلى إمام ومرشد وقائد، ولكن هل من الضروري حتماً أن يكون هؤلاء الأئمة الهداة والقادة معصومين؟ بعبارة أخرى هل هناك ضرورةٌ عقليةٌ على وجود صفة العصمة لدى أولئك الأئمة الهادين المرشدين؟ إذا كانت هناك ضرورةٌ عقليةٌ على عصمتهم فما هو الدليل عليها.

غرويان: هنا معنى الضرورة أن نرى ما هو مقتضـى العقل (أي بماذا يحكم العقل). إن العقل يقول لنا: كلما كان خطأ ذلك الإمام الهادي أقل كان ذلك أفضل أي كلما أخطأ أقل استطاع أن يكون حجة وإماماً هادياً ومرشداً للناس بشكل أفضل.

نيكويي: لا جدال في أفضلية العصمة. الكلام هو حول الضـرورة العقلية للعصمة، ضرورةً تعني استحالة عدمها. يمكننا أن نطرح السؤال على النحو التالي: إذا لم يكن الأئمةُ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم معصومين ولم يكونوا منصوبين مِنْ قِبَل الله تعالى، وبعبارة أخرى إذا كانت المرجعية الدينية والدنيوية للناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على عاتق العلماء والفقهاء فما المحظور في ذلك (أي ما المانع العقلي من ذلك)؟

غرويان: الأئمة (ع) هم أنفسهم، على معنى من المعاني، فقهاء، أي علماء دين. والفقيه هو الشخص الذي يمتلك علماً وفقهاً عميقاً بالإسلام. العلم العميق بالدين مسـألة والعصمة مسـألة أخرى. فنحن نقول: لو كان هذا الفقيه معصـوماً فهل يضرُّ ذلك بشيءٍ أو يحدث إشكالاً؟ أما سؤالكم: ما الدليل على ضرورة العصمة؟ فنحن نسأل ما الدليل على ضرورة عدم العصمة حتى نقبل به؟ فالأفضل أن نقول بعصمتهم خاصة أنه ليس لدينا أي دليل يمنع من ذلك. والضرورة هنا هي بمعنى الحسن العقلي، أي أننا عندما نقول إن العصمة ضرورية فقصدنا أن العقل يحكم بحسن العصمة ويرى أفضلية وجودها.

نيكويي: حسناً، فالآن يصل الدور لطرح إشكالين رئيسيين يردان على أدلة ثبوت ضرورة النبوة والإمامة: الإشكال الأول أنه لو كانت تلك الأدلة صحيحة فإن نتيجتها المنطقية لن تقتصر على ضرورة وجود أئمة معصومين في كل عصر وزمان بل على ضرورة تعددهم أيضاً. بمعنى أنه لو كانت تلك الأدلة ومقدماتها وافتراضاتها صحيحة فإن هذا يستتبع ضرورة أن يكون عدد الأنبياء أو الأئمة المعصومين في كل عصر عدداً كبيراً جداً يسمح بوجود نبيٍّ أو إمامٍ معصومٍ في كل بقعة من بقاع المعمورة وفي كل مدينة وقرية وحتى في أقصى بلدان العالم وفي كل جزيرة نائية في أقاصي البحار والمحيطات، في حين أننا لا نجد مثل هذا الأمر في أي عصر من العصور. فعلى سبيل المثال في زمن بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعندما كان مشغولاً بهداية أهالي الحجاز إلى صراط الله وطريق الهداية لم يكن هناك أيُّ نبيٍّ في أيِّ منطقة أخرى من الدنيا (مثل البلدان العديدة في قارات أورُبا وأمريكا وأفريقيا وأستراليا وسائر بلدان آسيا مثل الصين واليابان وكوريا وماليزيا وأفغانستان وإيران و...)، في حين أنه طبقاً للأدلة المستخدمة في إثبات ضرورة إرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان أهالي تلك المناطق بحاجة إلى قائدٍ ومرشدٍ وهادٍ معصوم. ألم تكن حكمة الله تقتضي أن يهتدي أهالي تلك المناطق بواسطة الأنبياء أو الأئمة المعصومين إلى الطريق الصحيح والمستقيم؟ فلماذا بقي أهالي تلك المناطق محرومين من الإرشاد والهداية وتعاليم الأنبياء والأئمة؟ أليس من الواجب أن تتمَّ الحُجَّة على جميع أهل الدنيا إلى يوم القيامة وأن لا يبقى للناس على الله حُجَّةٌ؟ فلماذا حُرم أهالي سائر مناطق الدنيا من وجود حُجج الله؟ إذا كان استدلالكم صحيحاً أفلن يكون أهالي تلك النقاط النائية معذورين يوم القيامة طبقاً لمقدمات استدلالكم؟

غرويان: نحن قلنا في أدلتنا تلك إنه لما كان الناس بحاجة ضرورية إلى مرشد وهاد وحجة فيجب بمقتضى حكمة الله أن يرسل الله إليهم حجة. أما حرمان عدد من الناس لأسباب طبيعية أو لأسباب تعود إلى تصرفهم أنفسهم فمسألة أخرى. نحن نقول إن الله الذي أراد من الإنسان أن يتحرك في خط الهداية لا بد أن يرسل له حجة ودليلاً وقد فعل ذلك. أما عدم وجود وسائل لنشر تعاليم الوحي في سائر نقاط العالم في ذلك الزمن أو وجود وسائل لكنها وسائل ضعيفة لا تفي بالغرض، فهذه مسألة أخرى. نحن نقول إنه كان من الواجب على المسلمين في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أن يجدوا وسيلة لنشر تلك المعارف والهداية ولكنهم لم يفعلوا ذلك وهذا لا علاقة له باستدلالنا. لقد أرسل الله رسوله وحجته. لكن الناس الذين حصلوا على تلك الهداية كان عليهم أن يسعوا في نشرها إلا أنهم تقاعسوا عن هذا الواجب ولم يؤدوا تلك الوظيفة. لقد كان على المسلمين زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أن يسافروا إلى سائر أصقاع الدنيا ليبلِّغوا ذلك الهَدْي والمعارف الإلهية لجميع البشر في كافَّة بقاع العالم، لكنهم لم يقوموا بهذا الواجب وهذا كسلٌ وتقاعسٌ من المسلمين، وليس من عمل الله حتى نقول إنه يتنافى مع حكمته. أما سؤالكم عن الناس الذين يعيشون في أقصى نقاط العالم ولم تصل إليهم رسالةُ الله أو لم يكن وصولها إليهم ممكناً، هل لهم عذر وحجة على الله يوم القيامة أم لا؟ هنا يجب أن ننتبه إلى أن اللهَ جعل لكل فرد حُجَّةً باطنةً وحُجَّةً ظاهرةً وخارجيةً. الحُجَّةُ الخارجية والظاهرة هي الأنبياء والكتب السماوية، والحُجَّةُ الباطنة هي العقل وفطرة الإنسان ووجدانه. الناس الذين لم يصل إليهم نداء الحُجَّة الخارجية – أي الأنبياء والأئمة المعصومون – عليهم أن يعملوا طبقاً لحجتهم الباطنة، أي أن يعملوا بالخير والصلاح ويجتنبوا الشـر والسوء الذي يشخِّصونه بعقلهم وفطرتهم. أما التكاليف التفصيلية التي كان يجب أن تصلَهم وتُـبَيَّنَ لهم عن طريق الحجة الخارجية ولم يتمّ بيانها لهم فلا شك أن الله لن يعاقبهم على عدم عملهم بها.

نيكويي: إذا كان الأمر كذلك فثمَّة سؤالان يمكن طرحهما: الأول لنفرض أنه في زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم - مثلاً- تقاعس أصحاب النبيّ وأتباعه عن مهمة تبليغ رسالة الله إلى سائر نقاط الدنيا. حسناً، فلماذا لم يرسل الله أنبياء إلى مناطق الدنيا الأخرى تلك كي لا يؤدي تقاعس أتباع نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم إلى حرمان مليارات الناس في سائر نقاط العالم من الهداية الإلهية؟ ما ذنب أهالي سائر مناطق العالم حتى يعاقبوا بذنب ارتكبه غيرهم؟ ما الإشكال في أن يبعث الله أنبياء في مناطق العالم الأخرى؟ والسؤال الثاني: لنفرض أن المسلمين زمن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا كسالى ولا متقاعسين بل كانوا يريدون فعلاً نشر معارف الإسلام في سائر أنحاء الدنيا، فهل كان باستطاعتهم القيام بهذا الأمر؟ ألم يكن تحقيق هذا الأمر مستحيلاً بسبب إمكانات السفر المحدودة في ذلك العصر؟ إذا قبلنا بأن مثل ذلك العمل في ذلك العصـر، وبالنظر إلى الظروف التي كانت سائدة فيه كان خارجاً عن طاقة المسلمين أفلا يُطرح مجدَّداً السؤال: لماذا لم يرسل الله أنبياء إلى أهالي سائر مناطق العالم إذن؟

غرويان: نحن لم نكن في ذلك الزمن حتى نحكم أن القيام بتلك المهمة كان ممكناً أم غير ممكن. أيُّ دليل على أنه لم يكن في ذلك الزمن أية إمكانية عملية أو عقلية لأداء ذلك الواجب؟ لقد كانت هناك إمكانية عقلية وعملية ولكنها كانت صعبة. أما سؤالكم لماذا لم يرسل الله أنبياء إلى سائر مناطق العالم وإلى كل بلد ناءٍ؟ ففي رأيي إن علة ذلك هي أن الناس عندئذ سيصبحون كسالى. لقد أرسل الله نبياً كي يبلّغ وحيه للناس، وترك الباقي على عاتق المسلمين الذين كلفهم بواجب الدعوة والتبليغ وأن يتحملوا عناء السفر ويرحلوا إلى جميع أنحاء العالم ليبلِّغوا رسالة الله. أما لو بعث الله نبياً في كل حدب وصوب في العالم لانتفت هذه المشقة وعناء السفر لهداية الناس.

نيكويي: لكن الله تعالى كان يعلم أن أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سيتكاسلون – حسب قولكم- عن القيام بهذه المهمة وأنه، نتيجة لذلك، سيبقى مليارات الناس في سائر أنحاء الدنيا محرومين من هداية الله، فلماذا لم يرسل في نقاط العالم الأخرى وفي كل بلد ومنطقة نبيَّاً مستقلاً؟ أو لماذا لم يمنح بعض الناس مثل هذه الإرادة والهمّة العالية كي يحملوا تعاليم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى سائر نقاط العالم كفرنسا والسويد وفنلندا ودول الاتحاد السوفييتي السابق و....؟

غرويان: نحن لا نستطيع أن نحكم بشكل قاطع أيُّ مصلحة كانت الأفضل؟ هل كان الأفضل أن يرسل الله في بقعة ما من الأرض نبياً ثم تنتشر معارف الوحي من تلك البقعة إلى سائر أنحاء العالم أم أن يرسل نبياً في كل منطقة من العالم؟ إلا أننا نقول إن حكمة الله قضت بأن الأصلح إرسال نبيٍّ واحدٍ ولا يمكننا أن ندَّعي أنه كان هناك طريق آخر أكثر صلاحاً. أما قولكم إن الله كان يعلم أن هناك أعداداً من الناس سيبقون محرومين من الهداية فلماذا لم يرسل إليهم نبياً؟ فجوابه أن الله قد يفعل أموراً تبدو المصلحة فيها حسب الظاهر وحسب تقييمنا القاصر مرجوحةً أو ضعيفةً، ليحقق مصالح في المستقبل تخفى على الإنسان الآن ولا يكتشفها إلا فيما بعد. فعلى سبيل المثال نرى أن مكة والمسجد الحرام قاعدةٌ يتوجه نحوها جميع مسلمي العالم، فقد أوجد الله تعالى نقطة مركزية في العالم هي مكة المكرَّمة ولما جعلها قاعدة للوحي فقد أوجد بذلك نوعاً من الوحدة بين جميع المسلمين في العالم. أما لو أرسل الله في كل منطقة نبياً فإن هذه الوحدة بين المسلمين لم تكن لتوجد. فلعل الله راعى هذه المصلحة وهي أن يصبح هذا المكان نقطة وقاعدة مركزية تنتشر منها تعاليم الإسلام إلى سائر مناطق العالم الأخرى.

نيكويي: أليس الأنبياءُ رُسُلَ الله إلى البشر، ويتلقون الوحي من الله؟ إذن مِنَ الممكن أن يرسل الله تعالى أنبياء متعددين ويوحي بتعاليم الإسلام ذاتها إلى جميعهم ويأمرهم جميعاً أن يعطفوا قلوب الناس نحو ذلك المركز ذاته أي المسجد الحرام في مكة المكرمة وبهذا يتم الحفاظ على المركزية والوحدة، وفي الوقت ذاته لا يُحرَم أهالي سائر أصقاع الدنيا من المعارف الإلهية والتعاليم الإسلامية.

غرويان: أنا لا أنفي ذلك. هذا أيضاً فرض لا يمكننا نفيه. ولكن لا يمكننا أن نثبت أن هذا الافتراض هو الحل الأفضل والأصلح، وأن المصلحة فيه أقوى من المصلحة في غيره؛ إذ قد تكون هناك مفاسد في هذا الفرض جعلت الله تعالى لا يفعله. والنقطة الأخرى هي أن هدف الله من إرسال الأنبياء هو هداية الناس، حسناً، وقد رأى أن المصلحة الآن هي أن يرسل نبياً واحداً وأن يكون لهذا النبيّ صحابة وأن يؤمر هؤلاء الصحابة بالذهاب إلى أقاصي الدنيا ليدعوا الناس إلى الإسلام. هذا أفضل من التشتت وتعدد الأنبياء. أما قولكم لماذا لم يرسل الله نبياً في كل مجتمع من المجتمعات ليؤدي الأنبياء دور صحابة وأتباع النبيّ الأصلي؟ حسناً، إن هذا الدور يلعبه علماء الأمة أنفسهم. أي أن النبيَّ هدفه في كل مجتمع أن يربِّي أشخاصاً ليكونوا هم هداة الأمة نحو نبيِّها. فليست هناك ضرورةٌ لأن يرسل الله عديداً من الأنبياء. إن كل نبيٍّ يقوم بتربية أشخاص بارزين وهؤلاء الأشخاص يؤدون دور هداية الناس.

نيكويي: لكن سؤالي منطلقٌ من ادعاء أن العقل يحكم بضرورة إرسال الأنبياء. لو لم تقولوا بهذه الضرورة العقلية لإرسال الأنبياء – ولنَصْب أئمة معصومين بعد آخر نبيّ- لما طرحنا أبداً سؤال: لماذا لم يبعث الله تعالى في كل عصر أنبياء كُثُر؛ لأنه في مثل هذا الفرض – أي عدم الضرورة- يمكننا أن نقول إن الله تعالى أرسل أنبياء في فترات زمنية وفي بعض مناطق الكرة الأرضية لمصلحة رآها، كي يهدي أهالي تلك المناطق. أما إذا قلتم بالضرورة العقلية وذكرتم لإثبات هذه الضـرورة تلك الأدلة التي أشرتم إليها، فإن سؤالي سيبقى قائماً دون أن يجد إجابةً. هنا لا يمكننا أن نقول إن الله رأى أن المصلحة أن يرسل نبياً في منطقة من الدنيا ثم يقوم أصحابه وأتباعه بنشـر تعاليمه إلى سائر مناطق العالم، لأن مثل هذا العمل غير ممكن عملياً وحتى لو كان ممكناً فإننا نرى – على أي حال- أنه بسبب تقاعس وكسل أصحاب النبيّ – حسب قولكم- لم تتحقق مثل هذه الخطة عملياً أبداً وبقي مليارات الناس محرومين من تعاليم الأنبياء، وأيضاً وطبقاً لأدلتكم فإن هؤلاء الناس ستكون لهم حجة على الله يوم القيامة. إذا كان إرسال الأنبياء – بناء على الأدلة التي أوردتموها – ضرورياً (عقلاً)، كان يجب أن يجد الله حلاً لهؤلاء ولا يدع مليارات البشـر في مختلف أنحاء العالم يعاقبون بذنب ارتكبه عددٌ من أصحاب النبيّ. إن المصلحة التي أشرتم إليها تتناقض كليَّاً مع الضرورة العقلية التي تقولون بها. أما قولكم إن الله جعل في الإنسان حجتين: باطنة وظاهرة، وأن أهالي بقاع العالم الأخرى الذين حرموا من الحجة الظاهرة أي من الأنبياء والأئمة المعصومين، لديهم حجَّة باطنة – أي العقل والفطرة والوجدان البشري النقي-، وأنهم إذا عملوا بمقتضى أوامر العقل والفطرة وصلوا إلى النجاة والسعادة الأخروية؛ فإنه يطرح في الذهن السؤال: إذا كان العقل والفطرة والوجدان – وبعبارة أخرى الحجة الباطنة- كافية لوصول البشر إلى السعادة الأخروية ولإتمام الحجة عليهم، وأنه بوجود العقل والفطرة لا يمكن لأحد أن يكون له حجة على الله يوم القيامة، فأيُّ ضـرورة عقليةٍ حتميةٍ تبقى عندئذ لإرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين؟ ألا يناقض هذا الكلام تلك الأدلة التي تسوقونها لإثبات الضـرورة العقلية للنبوة والإمامة؟ ألم تكونوا تقولون هناك إنه لو لم يرسل الله أنبياء للناس – ليرشدوهم إلى طريق السعادة والشقاء- لكان للناسِ على الله حجةٌ يوم القيامة؟ إذا كان ذلك صحيحاً فإن جميع الذين حرموا من تلك الهداية ومن إرشادات الأنبياء (أو الأئمة المعصومين) سيكون لهم على الله حجة يوم القيامة، ولا يمكن للتقاعس والكسل المفترض لأصحاب النبيّ ولا لامتلاك العقل والفطرة والوجدان أن يمنعهم من أن يحتجُّوا على الله. إذا كنتم تذكرون جيداً، لقد قلتم في تلك الأدلة إن الطرق التي يمتلكها البشر للوصول إلى المعرفة محدودة ولا يمكن للناس أن يعرفوا بعقلهم ويدركوا بمجرد فطرتهم ووجدانهم طريق الكمال والصـراط المستقيم ويجتازوه، واستنتجتم من هذه المقدمة أن الله لو لم يرسل أنبياء للناس ولم يبيِّن لهم الطريق لكان قد عمل خلافاً لحكمته وهذا محالٌ عقلاً. إذا كان كلامكم ذاك صحيحاً فإن نتيجته المنطقية هي ضرورة تعدد الأنبياء والقادة المعصومين في كل عصر، في حين أننا لا نجد مثل هذا التعدد في أي عصر من العصور. فهل يمكن أن نقول إن الله قد عمل في كثير من الحالات خلافاً للحكمة (والعياذ بالله)؟ أما توسلكم - في حالات عدم وجود الأنبياء الذين اعتبرتموهم حجة الله الظاهرة-، بحجة الله الباطنة على الناس أي العقل والفطرة، فإنكم بهذا القول تنقضون دون أن تشعروا تلك المقدمات المنطقية للأدلة تلك التي أوردتموها. لو لم يرسل الله أي نبيٍّ أيضاً لكان بإمكاننا أن نستند إلى الحجة الباطنة ونقول إن الناس الذين أعطاهم الله العقل والفطرة لا يمكن أن يكون لهم حجة على الله يوم القيامة، وعندئذ فماذا يحل بقاعدة الضرورة العقلية لإرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين بعد آخر الأنبياء؟!.

غرويان: انظر، كما أشرتُ سابقاً، إن كل الذي تقوله تلك الأدلة هي أن أصل الوحي وإرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية – وكذلك نَصْب إمام معصوم بعد النبيّ الخاتم- ضروريٌّ عقلاً للبشر. لأن العقل والفطرة غير كافيين والناس يحتاجون إلى هداية رسل الله وإرشاد الأئمة المعصومين. لو لم يرد الله من البشر أكثر من الهداية العقلية لما كان هناك ضرورة لإرسال نبي أو نَصْب إمام معصوم. لكننا نعتقد أن الله أراد من الناس القيام بتكاليف أكثر من ذلك المقدار الذي يمكن لعقلنا أن يدركه، لذا لا بد أن يرسل مرشدين وهداة مساعدين وهم الأنبياء والأئمة المعصومون. أما سؤالكم لماذا أرسل في هذه البقعة ولم يرسل في تلك البقعة فهذا لا علاقة له ببحثنا العقلي. إن البحث العقلي يثبت فقط ضرورة أصل إرسال الأنبياء ونَصْب الأئمة المعصومين عقلاً، أما مسألة سبب إرسال نبي في بعض البقاع وعدم إرساله في بقاع أخرى فهذا لا يتعلق ببحثنا العقلي واستدلالنا يبقى قائماً وقوياً كما هو. إذْ يمكن أن تكون لتلك المسألة عوامل وعلل مختلفة وأن نقدم لتوجيهها مبررات متنوعة. كأنْ نقول مثلاً إن الله تعالى رأى أن الأصلح للبشـر أن يبذلوا جهدهم ويسعوا ويذهبوا ويبحثوا ويسألوا، فإذا رأوا أن الله قد بعث نبياً في تلك البقعة من الأرض فعليهم أن يهاجروا إليها ويسعوا إلى تحصيل معارف الوحي وإرشاداته. إنها مصالح لاحظها الله كي يتحرك الناس في بقاع العالم المختلفة عندما يسمعون بأن نبياً بُعث في مكان ما فيسعوا إلى التعرُّف على هذا النبيّ ومعرفة ما جاء به من تعاليم.

نيكويي: إن السؤال الآخر الذي يُطرح حول أدلة إثبات ضرورة النبوّة والإمامة هو: إذا كانت تلك الأدلة صحيحة فإن وجود الأنبياء أو الأئمة المعصومين وحضورهم المستمر بين الناس إلى يوم القيامة يصبح لازماً وضرورياً، ولذا فلا يجوز أن تخلو الأرض في أي زمن من القادة والهداة المعصومين وحجج الله. هذا في حين أنه في زمن الأنبياء وبعد آخر نبي وفي كثير من عصور حياة البشرية الطويلة لم يكن هناك نبي ولا إمام معصوم كي يقوم بإرشاد الناس وهدايتهم. فعلى سبيل المثال خلال الفترة الزمنية الممتدة بين حضرة عيسى (ع) ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم والتي طالت أكثر من ستمئة عام، جاءت أجيال عديدة من الناس ورحلت دون أن يكون هناك أي نبي لهدايتهم. واليوم ومنذ حوالي ألف ومئة عام غاب الإمام الثاني عشر (عج) – حسب عقيدة الشيعة- وأصبح الناس محرومون عملياً من إرشادات وهدايات قائد ومرشد معصوم، هذا في حين أنه لو كانت تلك الأدلة صحيحة لكان من المحال ألا يوجد نبيٌّ خلال تلك المدة الزمنية الطويلة وكذلك لكان من المحال أن تقع تلك الغيبة الطويلة للإمام المعصوم. أي أنه من المحال أن يمنع أي عامل من إرسال الأنبياء أو يؤدي إلى الغيبة الطويلة للأئمة المعصومين (لأن هذا سيتناقض مع الضرورة العقلية لإرسال الرسل ونَصْب الأئمة المعصومين) فكيف تحلون هذا الإشكال؟

غرويان: يظهر من أسئلتكم أنكم تتصورون وكأننا عندما نقول إن مسألة النبوة (أي إرسال الله لأنبياء) ضرورة عقلية (أي واجبة عقلاً) وأن مسألة الإمامة والقيادة والمرجعية (أي نَصْب الله لأئمة وهداة معصومين للناس) ضرورةٌ (عقلاً)، فمعنى ذلك أن تلك الأمور يجب أن تتحقق رغماً عن الناس. لكن الأمر ليس كذلك. لقد خُلقنا مختارين وعندما نقول إن أصل إرسال الأنبياء والوحي والنبوة والإمامة مِنْ قِبَل الله تعالى ضروريٌّ عقلاً فمعناه أن الله يجب أن يزيل هذه النقيصة من عالم الخليقة وقد فعل ذلك. أجل، يجب أن يكون هناك إمام ولدينا أدلة كثيرة على هذه الضـرورة (العقلية). ولكنه من الممكن أن يَحْرِمَ الناسُ أنفسَهم من الإمام بسبب تصرفات معينة. للناس إرادة واختيار حرّ وأحياناً يخلق الناسُ باختيارهم وعملهم الأرضيةَ والأسباب التي تجعلهم لا يستفيدون من حجج الله. لقد أرسل الله النبيَّ والإمامَ المعصومَ ولكن البشر أوجدوا - بما عملته أيديهم - أسباب حرمانهم من حجج الله، وهذا لا علاقة له بالأدلة التي ذكرناها، فدليل الضرورة العقلية قائم وثابت. وما حصل كان نتيجة عمل قام به الناس باختيارهم، ونحن نعتقد بمثل هذه العقيدة أيضاً بشأن إمام الزمان (عج). فالناس أرادوا باختيارهم وإرادتهم الحرَّة أن يقضوا على تلك الحجة الإلهية (يقتلوها) فرأى الله المصلحة أن تعيش تلك الحجة الإلهية خلف ستار الغيبة. فإذا قلتم فأين ذهبت إذن الضرورة العقلية على الإمامة؟؟ قلنا: إنها لا تزال قائمة وثابتة كما هي. إن حجة الله موجودة لكن الناس أنفسهم لا يريدون الاستفادة منها!

نيكويي: قد يكون قولكم: «إن الناس هم الذين لم يريدوا أو لا يريدون الآن»، صحيحاً على نحو «الموجبة الجزئية» ولكنه ليس صحيحاً على نحو «الموجبة الكلية». أي أنه لم يحصل أبداً أن اتفق أهل العالم جميعاً وباختيارهم على رفض الأنبياء أو الأئمة المعصومين أو معاداتهم. والآن وفي هذا الزمن أيضاً حيث نحن محرومون من هدايات الإمام المعصوم لا يمكن أن نجعل جميع الناس في بوتقة واحدة وننسب إليهم الذنب والتقصير في هذا المجال، وندَّعي أن لا أحد على وجه الأرض يريد اتباع هَدْي وإرشادات الإمام المعصوم!.

ثم لقد تم إغفال عدة نقاط مهمة هنا. فأولاً: لم يكن هناك في كثير من الأزمنة - وفي كثير من الأمكنة كذلك– نبيٌّ أصلاً حتى يعاديه الناس باختيارهم فيؤدوا إلى حرمان أنفسهم من هذه الحجج الإلـهية. مثلاً الأجيال العديدة من البشر التي جاءت ورحلت في الفترة الزمنية بين سيدنا عيسى (ع) ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرسَل إليها نبيٌّ، وبالتالي لا يمكن الادعاء بأنها حتماً لم تكن راغبة في أن يبعث إليها نبيّ، والأمر ذاته ينطبق على مئات ملايين البشر الذين كانوا يعيشون في أنحاء الأرض زمن سيدنا المسيح (ع) ولكن بسبب البعد المكاني لم يكن لهم أي علم بقصة المسيح وحتى لو سمعوا بخبره لم تكن لديهم إمكانية للسفر والهجرة إليه، فلا يمكن الادعاء بأنهم جميعاً وباختيارهم الحر رفضوا حتماً أن يرسَلَ إليهم نبيٌّ!. ومن الجهة الأخرى فإن القصاص قبل ارتكاب الجرم أمرٌ قبيحٌ عقلاً وشرعاً وأخلاقاً. وثانياً: لا يمكن اعتبار معاداة فريق من الناس لحجج الله علةً ودليلاً مُبرِّراً لحرمان مليارات الناس الآخرين من أولئك الحجج. لنفرض مثلاً أن أهالي العراق أو الجزيرة العربية أو... في زمن ولادة الإمام الثاني عشر (عج) كانوا غير جديرين وعديمي الأهلية أو أن جهاز الحكم في ذلك الوقت كان يهدد حياة الإمام؛ فلماذا لم يهاجر الإمام إلى أرض أخرى (كما فعل النبيٌّ صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة أو كما فعل عدد من أصحابه في هجرتهم من مكة إلى الحبشة)؟ وما ذنب الأقوام الآخرين الذين كانوا يعيشون في مناطق أخرى بعيدة من العالم حينذاك؟؟ ما الذي أوجب حرمانهم من الإمام المعصوم؟ وما ذنب الأجيال اللاحقة كذلك؟؟ هل يجوز أن يعاقب مليارات البشـر في العصور اللاحقة بذنب ارتكبه فريق من الناس ممن كانوا عديمي الأهلية وناكري الجميل قبل ألف ومئة عام. ألم تكن هناك أي طريقة أخرى للمحافظة على روح الإمام سوى غيبته الطويلة؟ هل يمكننا أن نقول إن الناس اليوم هم الذين يرفضون باختيارهم أن يكون لهم إمام معصوم، أو أن نقول إن جميع سكان العالم في الفترة بين سيدنا عيسى (ع) ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا يرغبون أن يكون لديهم نبيٌّ؟؟

غرويان: لا يمكننا أيضاً أن ننفي ذلك، لأننا لم نكن لا أنا ولا أنتم في ذلك الزمن. وربما كانت الحكمة من ذلك أن تعاليم المسيح (ع) كانت لا تزال باقية بين الناس ولم تكن هناك من حاجة لنبيٍّ جديدٍ.

نيكويي: على أي حال إذا أردتم أن تثبتوا أن عدم رغبة الناس هي التي حالت دون إرسال الأنبياء إليهم فعليكم أن تثبتوا ذلك بالدليل والبرهان، في حين أن مثل ذلك الأمر لا يمكن إثباته. وماذا يمكننا أن نقول في عصرنا الحاضر؟ هل يمكننا أن نقول إن الناس أنفسهم لا يرغبون أن يكون بينهم إمام معصوم؟

غرويان: أنا لا أنفي الاحتمالات التي تذكرونها. نعم ربما لا يكون لنا تقصيرٌ في هذا. ولكن لا يمكن أيضاً نفي الاحتمال المقابل لكلامكم. فمن يدري، لو ظهر إمام الزمان (عج) الآن لربما خالفه كثير منا وعادوه. والقرائن تظهر أن هوى النفس مستولٍ علينا بشدة وأن الشهوات والميل إلى الذنب والطغيان والمعاصي منتشـرةٌ بيننا إلى درجة أنه لو ظهر الإمام لسارعنا إلى مخالفته ومعاداته. لا يمكننا أن ننفي هذا أيضاً. أما ما تقوله فمبنيٌّ على حسن ظنكم. وأنا ليس عندي سوء ظن أيضاً، بل ما أقوله هو إن طرفي الاحتمال ممكنان على حد سواء، ولا يمكننا أن نثبت أحد الطرفين بشكل قاطع وجازم. فالبحث جدلي الطرفين وليس أمامنا من مندوحة سوى العودة إلى الأخبار والروايات الصحيحة. لقد جاء في الأخبار أن «غيبته منَّا» أي أننا نحن السبب في غيبة إمام الزمان (عج).

نيكويي: بالطبع يمكننا الجزم بأنه لو كان الإمام حاضراً الآن بيننا لخالفه فريق من الناس وعادوه. ولكن على كل حال لا يمكن أن يكون وجود مجموعة من المخالفين عاملاً مسبِّباً لغيبته؛ لأنه في زمن النبيِّ والأئمة السابقين وجد مخالفون وأعداء كثر ولكن جميع الأئمة السابقين أدوا وظيفتهم بقدر استطاعتهم ونالوا شرف الشهادة في آخر المطاف. لو كان الإمام المعصوم حاضراً الآن لخالفه فريق من الناس ولوافقه فريق آخر. أساساً هل المفترض أن يؤيده الجميع؟ يمكن للإمام أن يحضر بيننا فيهتدي به المؤمنون به، ويبقى الضالون على ضلالتهم. في تلك الحالة يمكن أن نقول إن الذين لم يهتدوا به، هم الذين رفضوا الهداية بأنفسهم. أما عندما يكون الإمام غائباً ولا يكون لأهالي العصور الأخرى – أو الأمكنة والبقاع الأخرى في العالم – أي ذنب ولا تقصير في غيبته، فكيف يمكننا أن نقول إن هؤلاء الناس هم الذين لم يريدوا الهداية؟ نعم إذا لم يغب الإمام لربما قُتِلَ واُسْتُشْهِد ولكن هذا لا يمكنه أن يكون مبرراً منطقياً لمثل هذه الغيبة الطويلة. ألم يستشهد الأئمة السابقون؟ أليس بالإمكان أن يأتي إمام معصوم آخر بعد استشهاده، وهكذا كلما رحل إمام جاء بعده آخر إلى يوم القيامة؟ بعبارة أخرى إذا كانت أدلة إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صحيحة، وإذا كانت فلسفة وجود الأئمة المعصومين هداية الناس وإرشادهم وإتمام الحجة على الناس، فإن حصر عدد الأئمة المعصومين باثني عشـر إمام فقط لا يمكن أن يكون له أي تبرير واضح ومنطقي.

لنفرض أن الناس في ذلك الزمن لم يخالفوا الإمام (الثاني عشر) وكانوا جديرين به ومؤهلين لاتباعه وانتفى احتمال استشهاده هل كان الإمام الثاني عشر (عج) سيبقى حياً حتى العصر الحاضر وحتى يوم القيامة (يعني آلاف أو عشـرات آلاف السنين) ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم؟

غرويان: النقطة الهامة التي يجب أن أؤكد عليها هنا هي ضرورة الهداية (أي هداية الله للناس وإرشاده لهم) كأصل، وهو ما أكدنا عليه منذ بداية هذا الحوار. أما أنه هل من الضروري أن تكون هذه الهداية مباشرةً، حصـراً، فهذا أمرٌ أعمّ من المطلوب.

اليوم، هداية الإمام الثاني عشر موجودة ولكننا محرومون منها. إن هداية الإمام للبشر في عصر الغيبة هداية غير مباشرة، فالفقهاء هم الذين يقومون بمهمة هداية الناس بالاستمداد من إمام الزمان (عج). نحن نعتقد أن مرجعية الفقهاء الدينية ذاتها إنما تتمّ بفضل استمدادهم واستلهامهم من الإلهامات غير المباشرة وبفضل العناية والهداية الغيبيّة التي يمنحهم إياها إمام الزمان (عج). هذا هو رأينا، فإذا كان هناك من يقول بخلاف ذلك فليأتِ وليردّ علينا وليثبت بطلان كلامنا. إن الاستمداد من إرشادات ومساعدات وهدايات إمام الزمان (عج) والاستفادة منها في عصـر الغيبة أمرٌ متواترٌ لا يمكن لأحدٍ أن ينكره.

نيكويي: ولكن هناك إشكالان في كلامكم هذا: الأول: إنه كلام غير قابل للإثبات. بمعنى أنكم لا تستطيعون أن تثبتوا أو تُرُوا أن إمام الزمان (عج) يساعد الفقهاء على فهم الدين من خلال إلهاماته الغيبية لهم، وأنه يقوم بهدايتنا بهذه الطريقة بشكل غير مباشر. إن إثبات هذا الادعاء هنا يقع على عاتقكم لأن «البيِّنةُ على المُدَّعِي»(72)، وحتى لو لم يستطع مخالفوكم أن يأتوا بدليل على بطلان مدعاكم، فإن هذا وحده لا يثبت ادعاءكم، ولا تزالون بحاجة إلى الإتيان بدليل ومستند موثوق لإثبات ما تقولونه. وثانياً: إذا كان الأمر كذلك وكان إمام الزمان (عج) يلهم الفقهاء ويُفَهِّمُهُم المسائل الشرعية فلماذا توجد اليوم كل هذه الاختلافات في وجهات النظر والفتاوى والآراء الشرعية بين العلماء والفقهاء (من الشيعة الإمامية)؟ ألا يلهمهم إمام الزمان (عج) ويساعدهم، فلماذا توجد بين الفقهاء اختلافات شديدة حتى في أهم المسائل الحياتية والمصيرية مثل الحكومة والسياسة وولاية الفقيه و..؟

غرويان: بالنسبة إلى الاختلافات الجزئية فإن إمام الزمان (عج) لا يتدخل، لما في وجود هذه الاختلافات من رشد علميٍّ وفقهيٍّ. أما بالنسبة إلى الاختلافات الكبيرة التي تمسُّ مصير الأمة الإسلامية فإن إمام الزمان (عج) يتدخَّل ويساعد، ومساعدته هذه تكون واضحةً أحياناً وخفيّةً أحياناً أخرى، وهذا الأمر يُبْحَثُ في مبحث الإجماع في علم أصول الفقه، حيث نبحث هناك كيفيةَ كون الإجماع كاشفاً عن قول المعصوم، ولا يسعنا هنا أن نلجَ هذه المباحث الأصولية، لكننا نقول إن إمام الزمان (عج) يتمتَّع بطاقات وقدرات وعلم غيبيٍّ ويقوم – في الحالات الضرورية – بإلهام الفقيه ويلقي في روعه وفكره ما يشاء وبهذا يحرِّر المجتمع الإسلامي من العقد والمشاكل التي تعترضه. أما قولكم إن هذا لا يمكن إثباته، فأقول لا بل يمكن إثباته بالشكل التالي: إذا كان هناك فقيهٌ من أهل الزهد والتقوى والورع ممن لم يسمع منه كذبٌ قطّ، وقال إني توسلت بإمام الزمان (عج) ليدلّني على الحق في مسألة ما، فأرشدني إلى الصواب من خلال حُلُم أو مكاشفة أو على نحو الإلهام، فما الدليل على أننا يجب أن لا نصدق كلامه؟ فهذا طريقٌ لإثبات أن إمام الزمان (عج) يهدي بشكل غير مباشر. أما الطريق الآخر فهو الاستقراء، أي أن لدينا نماذج وموارد متعدِّدة لفقهاء استفادوا من إرشادات إمام الزمان – في الرؤيا أو المكاشفة أو بصورة الإلهام – وهذه الحالات عديدة إلى درجة أن الإنسان المنصف يستيقن أنها ليست كذباً.

نيكويي: تفضلتم إن إمام الزمان يتدخل في المسائل الكبيرة ويلقي في روع الفقيه الحقَّ في شأنها. أفليست مسألة «ولاية الفقيه» والعلاقة بين الدين والحكومة والسياسة من المسائل الكبيرة؟ إذا كانت كذلك فلماذا يوجد بين الفقهاء اختلاف كبير حول هذه المسائل وتشتُّتٌ في الآراء؟

غرويان: لمسألة «ولاية الفقيه» جوانب مختلفة. من إحدى الجوانب هي مسألة كبيرة، من جانب آخر هي مسألة جزئية. جانبها الكبير هو مبدأ رجوع الناس إلى الفقيه في عصر الغيبة، ولا خلاف بين الفقهاء حول هذه المسألة. الاختلاف حول فروع «ولاية الفقيه» وحدود صلاحياته. بعض الفقهاء يرون أن صلاحيات الفقيه تقتصر على الأمور الحسبية، في حين يعتبر آخرون أن صلاحيات الولي الفقيه أوسع من ذلك بكثير وأنها تشمل الحكم وتدبير أمور المجتمع وقيادة المسلمين، وأن للفقيه جميع صلاحيات الحاكم والرئيس التي كانت للإمام المعصوم. إذاً الاختلاف هو في الفروع وليس في الأصل.

نيكويي: لنفرض أن الفقهاء لا يختلفون في أصل لزوم رجوع الناس إلى الفقهاء في عصر الغيبة. ولكن في أي شيء يرجعون إلى الفقيه؟ هل «الحُكم» من شؤون الفقيه أم لا؟ وإذا كان من شؤونه فما هو مصدر مشروعية الفقيه الحاكِم، أي من أين يستمد سلطته، هل من رأي الشعب أم من مصدر آخر؟ وهل حكومة الفقيه من باب الولاية أم من باب الوكالة؟ وهل صلاحيات الفقيه مطلقة وفوق القانون أم أن صلاحياته ضمن إطار القانون و...؟ أليست هذه مسائل حساسة وحياتية ومصيرية وحسب تعبير سماحتكم «مسائل كبيرة»؟ هل يمكننا اعتبار مثل هذه المسائل مسائل جزئية وفرعية؟ إن القَدْر المشترك بين جميع الفقهاء هو «ولاية الفقيه» في الأمور الحسبية التي تُعَدُّ أموراً جزئية جداً وليست ذات أهمية، وهذا الاتحاد في وجهات النظر بين الفقهاء أمر غير ذي بال ولا يفيد المجتمع شيئاً. الشيء المهم هو ما يأتي بعد ذلك وهنا نجد اختلافاً كبيراً. أليست هذه المسائل مهمة وكبيرة؟

غرويان: المسألة الكبيرة هي أصل القضية (أي قضية ولاية الفقيه). في المقابل فإن قول المخالفين هو أنه لا لزوم للرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة. يقولون: اذهبوا وحلوا مسائل المجتمع بأنفسكم. إذن لا خلاف بين أحد من الفقهاء حول ضرورة الرجوع إلى الفقيه العالِـم بالإسلام، وإذا وُجِدَ اختلافٌ بين العلماء والفقهاء –وهو موجود فعلاً- فإنه اختلافٌ في الفروع والجزئيات فقط.

نيكويي: لقد أتيتم بدليلين لإثبات أن إمام الزمان (عج) يقوم الآن بهداية الناس بشكل غير مباشر. أولهما: أنه عندما يقول الفقيه التقيُّ الورع الذي لم يؤثر عنه كذبٌ قطّ: إن إمام الزمان (عج) ساعده في حل المسألة الفلانية الخاصة من خلال الرؤيا أو المكاشفة، فليس هناك أيُّ دليل يُلْزِمُنا أن لا نصدقه. ودليلكم الثاني أنه لما كانت مثل هذه الموارد والحالات كثيرة ومتكررة فيجب – بناء على دليل الاستقراء- أن نقبل أن إمام الزمان مشغول الآن بهداية الناس بشكل غير مباشر عن طريق الإلهام وإلقاء الأفكار الصحيحة في ذهن الفقهاء. ولكن أولاً: هذه الأدلة أدلة داخل الدين (أو بعبارة أدق ضمن المذهب) يعني أنه بالنسبة إلى الفرد الشيعي الذي يعتبر العالم أو الفقيه الشيعي الفلاني تقياً وزاهداً وصادقاً، ويثق تماماً بالأشخاص الذين هم واسطة نقل مثل تلك الأخبار عنه –والذين هم جميعاً من الشيعة- والأهم أنه يؤمن بأصل وجود إمام الزمان (عج)؛ قد تكون مثل تلك الموارد والحالات قابلة للتصديق. ولكن بالنسبة إلى شخص سني المذهب لا يعتقد بوجود إمام الزمان (عج) من الأساس فضلاً عن غيبته وقدراته الخاصة وعلمه الغيبي، فإن مثل هذه الإدعاءات التي يقولها بعض علماء الشيعة وفقهاؤهم قد لا تعدو مجرد ادعاءات وهمية وكاذبة يتم اختلاقها للهروب من مناقضة غيبة إمام الزمان لأدلة ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانياً: فقهاء الشيعة أنفسهم لا يرون للرؤيا والأحلام والمكاشفات والإلهامات ونحو هذه الأمور أي حجية شرعية ويعتقدون أنه لا بد من ذكر الدليل الشرعي لكل حكم أو فتوى. بعبارة أخرى فإن استدلالكم يخالف حتى مرتكزات فقهاء الشيعة أنفسهم، ولذلك فإن كثيراً من فقاء الشيعة ينظرون إلى مثل هذه الإدعاءات بعين الشك والريب. وبالنسبة إلى ولاية الفقيه وما ذكرتم من أن جانبها المهم والأساسي هو رجوع الناس إلى الفقهاء في عصر الغيبة، فلم يدَّعِ أي فقيه أن إمام الزمان هو الذي ألهمه هذه المسألة بل الفقهاء يثبتون هذا المبدأ استناداً إلى أدلة عقلية ونقلية.

وثالثاً: إذا كان هذا الطريق متاحاً حقيقة لسارع إمام الزمان (عج) لمساعدة الفقهاء في الأمور المهمة والحياتية ولَحَلَّ لهم عقد ومعضلات مجتمع المسلمين وكان هذا سيجعل وضع المجتمعات الإسلامية –أو على الأقل المجتمعات الشيعية- أفضل مما هي عليها الآن بكثير. أي على هذا القول كان المفترض أن تُحَلَّ جميع مشكلات المسلمين الهامة فلماذا لا نشاهد شيئاً من ذلك؟

غرويان: أما قولكم إن الاستدلال يجب أن لا يكون مذهبياً (أي ضمن المذهب) وأنه لا بد أن يكون خارج الإطار الديني الخاص، فإن دليل الاستقراء الذي تحدثنا عنه هو فعلاً خارج الإطار الديني الخاص وليس داخله. نحن نقول إنه قد وقعت نماذج وحالات عديدة للتشرف بلقاء إمام الزمان (عج)، وقد شوهدت آثار تلك اللقاءات، وهذا الاستقراء دليل على أن هذا الأمر حقيقة فعلية.

نيكويي: هناك شك في صغرى هذا الدليل. في الدليل الاستقرائي، يجب أن تكون موارد الاستقراء واضحة وبينة ومقبولةً. مثلاً عندما نرى أن عدداً كبيراً من الغربان سوداء اللون نحكم أن جميع الغربان سوداء اللون (لا نبحث هنا في صحة دليل الاستقراء بحد ذاته وهل هو برهان مقبول منطقياً أم لا). هنا سواد لون الغربان التي تم استقراؤها شيءٌ يمكن إثباته لأنه قابلٌ للمشاهدة بالعين، أما في دليلكم الاستقرائي فلا يمكن إثبات أي مورد من الموارد التي تم استقراؤها، بل يمكن لقائل أن يقول إن جميع حالات ادعاء التَشَرُّف بلقاء إمام الزمان (عج) كذب، وأؤكد ثانية أن العديد من علماء الشيعة وفقهائهم لا يثقون بمثل هذه الادعاءات بل قد جاءت في روايات الشيعة أنفسهم أنه لو ادَّعى أحد الناس الارتباط بإمام الزمان (عج) فكذبوه.

غرويان: أولاً: الروايات تتحدث عن تكذيب من يدعي أنه نائب خاصٌ لإمام الزمان، لا من ينقل عنه بوصفه نائباً. ثانياً: إن القرائن الدالَّة على صدق الفقيه العادل واضحة وبينة تماماً. ثالثاً: إن إثبات كل شيء يتناسب مع طبيعة ذلك الشيء، والإثبات لا يتطلَّب بالضرورة رؤية ذلك الشيء بالعين.

نيكويي: لقد ادعيتم الهداية غير المباشرة التي يقوم بها الإمام عن طريق الرؤيا والإلهام والإلقاء في روع الفقهاء وذهنهم. لكن كلامي لا يزال قائماً وهو أنكم لا تستطيعون أن تبينوا وتثبتوا أن إمام الزمان (عج) يعمل على هداية الناس الآن بشكل غير مباشر.

غرويان: وكذلك لا يمكنكم أن تنفوا هذا الأمر، أما إثباته فممكن عن طريق التواتر لمن هم أهلٌ لهذا المعنى. إن من يريد الدخول في مثل هذه الأبحاث عليه أن يدرس المقدمات اللازمة لها، وإلا فمن دون اجتياز المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتيجة.

نيكويي: لكن الدلائل التي ذكرتُها تنفي هذا الادعاء. وحتى إذا لم نستطع أن ننفيه فإن المسألة تبقى مجرد إدعاء غير قابل للإثبات وبالتالي لا يمكنه أن يقدم إجابة تحل لغز مناقضة الغيبة لنظرية الإمامة.

غرويان: أما بالنسبة إلى ما تتفضلون به من أن هذا الأمر غير قابل للإثبات، فأقول: إنه غير قابل للنفي كذلك. وثانياً: ينبغي أن نرى ما المراد من «الإثبات». إذا كان قصدكم أننا يجب أن نطرح كل مسألة على كل شخص بشكل يتوافق مع مرتكزاته فنحن لا نقبل بمثل هذا القول أبداً. نحن إنما نأتي بالدليل لأنفسنا، وإذا كان الطرف المقابل لا يؤمن بمرتكزاتنا فإننا نبحث معه حول المباني الفكرية والمرتكزات الأساسية. نحن نعتبر أن هذا الاستدلال تامٌّ وقائمٌ استناداً إلى مرتكزاتنا نحن، وغاية ما في الأمر أن هذا يعود في النهاية إلى التجربة الداخلية. إذا لم تكن لشخص ما مثل هذه التجربة الداخلية فليذهب وليكتسبها ولكن لا يمكنه أن ينفيها.

نيكويي: إذاً في رأيي، إذا أردنا أن نبحث في المرتكزات فعلينا أن نرجع إلى الآيات والروايات والمستندات والمُستَمْسَكات التاريخية التي يستند إليها علماء الشيعة لنرى هل نَصَب الله تعالى حقيقةً أئمةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ وهل أئمة الشيعة بما في ذلك الإمام الثاني عشـر (عج) معصومون فعلاً ومنصوبون مِنْ قِبَلِ الله تعالى ويمتلكون علوماً غيبية وقدرات استثنائية أم لا؟ وهل هناك للإمام الثاني عشر حضرة المهدي (عج) وجودٌ خارجيٌّ أم لا؟ وإذا كان له وجودٌ خارجيٌّ فهل هو حيٌّ الآن ومحتجبٌ عن الأنظار أم أن الحقيقةَ شيءٌ آخر؟ كلُّ هذه الأمور لا يمكن إثباتها بأدلَّةٍ عقليّةٍ، أي لا يمكن أن نثبت بالدليل العقلي المحض وجود إمام الزمان وامتلاكه لطاقات غيبية وقدرات خارقة.

غرويان: كما أنه لا يمكن نفي ذلك عقلاً. فالعقل يحتمل تلك الأمور ويعتبرها ممكنة، ومن الجهة الأخرى تدعم الأدلة النقلية هذه الأمور وتؤيدها فلماذا لا نقبلها؟!

نيكويي: نعم لا يمكننا نفيها عقلاً، ولهذا قلت إنه لا بد من الدخول إلى بحث الأدلة النقلية.

غرويان: بالطبع هنا نقطة أود التذكير بها وهي أنه هناك مسائل يعتمد البحث حولها على أن نرى هل هي ممكنة عقلاً أم محالة عقلاً. فإذا لم نجد أي دليل مخالف لها نقول فوراً إنها غير محالة بل ممكنة عقلاً، أي معقولة. مثلاً، ليس لدينا دليل على نفي وجود إمام الزمان وعمره الطويل، لذا نقول إن هذا الأمر غير ممتنع عقلاً بل هو أمرٌ ممكن ومعقول. وهذا وحده يكفينا. نحن نسعى في كثير من أبحاثنا العقائدية لإثبات أن الأمر الفلاني معقول وممكن وأنه لا يوجد أي دليل على أنه غير معقول.

نيكويي: ولكن معقولية ادعاء ما أعمّ من كونه صحيحاً فعلاً أو غير صحيح. إن معقولية أمر ما لا تعني بالضرورة أبداً أنه صحيح وواقعي وحق، بل كل ما تعنيه أنه أمر ممكن فقط [والإمكان أعمّ من الثبوت]، فمجرد إثبات أن أمراً ما معقول لا يكفي لإثبات أنه واقعٌ فعلاً، ولا يحلّ أي مشكلة. ولكي ننتقل من مرحلة المعقولية، أو بعبارة أدق من مرحلة الإمكان إلى مرحلة الثبوت الحقيقي لا بد من الرجوع إلى الأدلة النقلية، أي أن الأدلة العقلية هنا لا تقدِّم ولا تؤخر ولا تثبت شيئاً.

غرويان: طالماً أن البحث والمناقشة يدوران حول عدم الإمكانية أو عدم المعقولية فكيف تقولون إن إثبات المعقولية لا يحل أي مشكلة؟! أصل المشكلة هو هنا. نعم بالطبع نحن نأتي هنا أيضاً بأدلة نقلية أو بشواهد وقرائن تجريبية تؤكد مُدَّعانا.

نيكويي: بالنسبة إلى الأدلة النقلية سأقوم بطرح عدة إشكالات.

الإشكال الأول: أنه لم تُطرَح نظرية الإمامة - سواء بصورتها الكلية أم ببيان مصاديقها – بشكل صريح وواضح في أي آية من آيات القرآن ولا في أي حديث من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. يدَّعي الشيعة أن نَصْب الله لأئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضروريٌّ (عقلاً)، وقد فعل الله ذلك ونَصَب أئمةً معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء الأئمة، إضافةً إلى عصمتهم من كل خطأ أو اشتباه أو ذنب، يمتلكون علماً لدنياً غير اكتسابي ويعلمون الغيب ويمتلكون قدرات خارقة ويمكنهم أن يتصـرفوا في عالم التكوين بإذن الله. ولهؤلاء الأئمة رئاسة عامة وشاملة على الناس تشمل جميع أمورهم الدينية والدنيوية بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والناس مأمورون ومكلَّفون شرعاً بطاعتهم طاعةً مطلقةً دون سؤال أو نقاش (كطاعة الأنبياء). هذه هي نظرية الإمامة بشكل مجمل وكلِّيّ. بيد أن الشيعة تعتقد أيضاً أن أول إمام معصوم وخليفة بحق بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام على (ع) وآخر إمام معصوم هو حضرة المهدي (عج). وحضرة المهدي يعيش – لأسباب ومصالح مقتضية – مستتراً عن الأنظار منذ ألف ومئة عام وسيظهر يوماً ما بإذن الله ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً. لكن ادعاءات الشيعة هذه لا توجد بشكل صريح في أية آية قرآنية ولا في أي حديث نبوي. وجميع الآيات والروايات التي يستند إليها علماء الشيعة لإثبات ادعاءاتهم

 المذكورة تحتمل تفسيرات متعددة، فلا يوجد في أي منها نص صريح قاطع يثبت معتقدات الشيعة تلك. أفلا تضع عدم صراحة تلك النصوص علامة استفهام كبيرة على تلك الادعاءات من أساسها.

غرويان: أنا أعتقد أن الأدلة العقلية على الإمامة والولاية مقدَّمة على الأدلة النقلية، لأنه لا بد ابتداءً أن يتم إثبات المسألة بالدليل العقلي ثم يمكن للأدلة النقلية أن تأتي لتؤيد وتدعم ما أثبته العقل. إن أصل إمامة أهل البيت يمكن إثباته بالدليل العقلي، لأن التاريخ يقول إن الإمام علىّاً (ع) وأولاده كانوا – من جميع الجهات – أفضل الأمة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فالعقل يقول إن الإمامة إذن مقامهم وصفتهم، فهم وحدهم الجديرون بالإمامة، وهذا يمكن إثباته بالرجوع إلى الكتب التاريخية وإلى سِيَرِهم.

أما ما تفضلتم به من أن الآيات والأحاديث غير صريحة في هذا الصدد، فجوابه أنه لو كان من اللازم بيان جميع معارف الدين واحدة واحدة بشكل صريح في القرآن الكريم لصار حجم القرآن أضعاف حجمه الحالي. لكن لدينا آيات قال المفسّـِرون الشيعة والسنة أنها نزلت بشأن الإمام على (ع)، مثل آية الولاية، كما لدينا آية أولي الأمر وآية التطهير التي نزلت بحق الأئمة المعصومين. ولدينا روايات فيها ذكر أسماء الأئمة الاثني عشر.

نيكويي: هل هذه الروايات، مقبولة من ناحية معايير الصحة والقبول في علم الحديث مِنْ قِبَلِ علماء أهل السنة أيضاً؟

غرويان: نعم، لدينا روايات أخرجها الشيعة ورواها السنة أيضاً وفيها ذكر أسماء الاثني عشر إماماً بشكل صريح. طبعاً بعض رواياتنا فُقِد مع مرور الزمن، وربما كانت تلك المسائل قد ذُكِرَت في تلك الروايات المفقودة بشكل صريح.

نيكويي: تفضَّلتم أنكم بدايةً تثبتون الإمامة وعصمة الأئمة بالدليل العقلي، فالسؤال هو كيف يمكن للأدلة العقلية أن تثبت الإمامة والعصمة بنحو المصداق؟

غرويان: بمساعدة التاريخ، ثم نضم إليه الدليل العقلي. التاريخ يقول إن الإمام على (ع) أفضل إنسان بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيأتي العقل ويقول: إذن هذا الشخص ذاته ينبغي أن يكون إماماً.

نيكويي: يتوقَّف هذا الدليل على أن يتمَّ في البداية إثبات ضرورة نَصْب الإمام المعصوم بعد النبيّ، بالدليل العقليّ. وبعد إثبات ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ، عقلاً، ربما أمكن استنتاج أن الإمام على (ع)، طبقاً للمستندات التاريخية هو أول إمام معصوم بعد النبيّ. أما الأهلية والجدارة وحدها وكون الشخص أفضل الخلق بعد النبيّ فلا تثبت إمامته وعصمته وتعيين الله له.

غرويان: لقد بحثنا من قبل الأدلة العقلية على ضرورة وجود إمام معصوم بعد النبيّ.

نيكويي: صحيح. لكنكم فسـرتم هنالك «الضـرورة العقلية » بمعنى «الحُسْن العقليّ » لا بمعنى الضرورة العقلية التي يستحيل عدمها، أي أنكم قلتم إن العقل يستحسن أن يكون هناك أئمة معصومين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وبعبارة أخرى اعتبرتم أن الإمامة والرئاسة العامة لازمة وضرورية، أما عصمة الإمام فلم تعتبروها ضرورة عقلية بل قلتم إذا كان ذلك الإمام معصوماً لكان ذلك أفضل وأحسن.

غرويان: من الجيد والحسن أن يوجد هذا الإنسان، والآن هو موجود فعلاً، هذا معنى الضرورة. الضرورة العقلية هنا تعني أن العقل يحكم بأنه من المحال عند وجود الشخص الأصلح أن يجعل الله رسالته في شخص آخر غيره.

نيكويي: إن حكم العقل بحُسْن شيء يختلف كثيراً عن الحكم بالضرورة العقلية لشيء. حكم العقل بحسن وجود إمام معصوم بعد النبيّ لا يثبت وحده الوجود الفعلي للإمام المعصوم. كيف يمكن إثبات موضوع «الوجود الفعلي » بالدليل العقلي؟

غرويان: وجود الإمام المعصوم واجب وليس لدينا دليل على نفيه وعدمه. ومن الجهة الأخرى هناك قرائن وشواهد تُظهِر بوضوح عصمة الإمام على (ع) مثلاً. فإذن هناك ضرورة لاعتبار الإمامة شأنه وحقه.

نيكويي: هل ذلك «الوجوب » وجوب عقلي؟

غرويان: نعم، عندما نقول «يجب » فمعناه أن مثل هذا الإنسان يجب أن ينال منصب الإمامة.

نيكويي: إن وجوب أن ينال مثل هذا الشخص – كالإمام علي (ع)- منصب الإمامة فرع لثبوت الضرورة العقلية لوجود الإمام المعصوم من الأساس. فإذا لم تثبت هذه الضرورة بالدليل العقلي أو وجد دليل ضدها، عندئذ لن نستطيع أن نقول إن أفضل فرد في الأمة يجب أن يكون إماماً معصوماً منصوباً مِنْ قِبَلِ الله. بعبارة أخرى لا يمكن أن نستنتج من أفضلية شخص على الآخرين إمامته وعصمته ونَصْبِ الله تعالى له.

غرويان: يجب عقلاً أن يوجد إمام معصوم بعد النبيّ، والله تعالى عاقلٌ وحكيمٌ ولا يعمل ما يخالف الحكمة، لذا فإنه يختار ـ ضرورةً وعقلاً ـ أفضل الأفراد أي الإمام المعصوم (ع)، ويَنْصبه خليفةً للنبي.

نيكويي: لكنكم في بداية الحوار قلتم إن الضرورة هي بمعنى «الحُسْن».

غرويان: قصدتُ «الحُسْن العقليّ» أي «الوجوب العقلي».

نيكويي: حسناً، هناك ضرورة عقلية تحكم بوجوب وجود أئمة معصومين بعد النبيّ؛ فالسؤال: إذا لم يوجد أئمة معصومون بعد النبيّ فماذا يحصل؟ بعبارة أخرى: من أين نشأت هذه الضرورة العقلية؟

غرويان: إذا لم يوجد هؤلاء الأئمة المعصومون لكان للناس على الله حجّةٌ يوم القيامة. وقد سبق وأن أجبنا عن هذه المباحث في الأسئلة السابقة.

نيكويي: حسناً. إذا كان الأمر كذلك فللناس على الله تعالى حجَّةٌ اليوم، لأنه لا يوجد لديهم إمام معصوم يهديهم ويرشدهم.

غرويان: الإمام المعصوم موجود الآن وليس للناس على الله أي حجَّةٍ، وغيبة الإمام (عج) سببها الناس أنفسهم.

نيكويي: لنفرض أنه موجودٌ فعلاً. لكنه عندما لا يكون قادراً على هداية الناس وإرشادهم فإن الحجة لا تتم على الناس. وهداية الناس وإرشادهم اليوم أصبحت بيد العلماء والفقهاء.

غرويان: إن الإمام يهدي الناس ويرشدهم بشكل غير مباشر وهذا تكرار للأمور التي أوضحناها سابقاً.

نيكويي: وهذا أمر غير قابل للإثبات، وقد بحثنا هذه النقطة فيما سبق.

غرويان: إثبات كل أمر يتّم بمنهج يتناسب مع طبيعة هذا الأمر، فهذه المسألة يتم إثباتها بطريقة تتناسب معها، وليس صحيحاً أنها غير قابلة للإثبات.

نيكويي: في هذه الصورة، أولاً: دليلكم يبقى ناقصاً وغير تام، وثانياً: لا تتم هنا الحجة على الناس، فمن أين يعلم الناس أن كلام الفقيه هو عين كلام الإمام المعصوم حتى تتم عليهم الحجّة؟

غرويان: قد لا يفهم العوام شيئاً حول هذا الموضوع، لكن الخواص يفهمون. العوام لا يدركون البرهان والاستدلال في كثير من الأمور، فليكن كذلك. إذا شرحنا «علاقة فيثاغورس» لطفلٍ فإنه لن يفهم شيئاً، فهل يكون هذا دليلاً على أن تلك الصيغة الرياضية خطأ؟

نيكويي: دعنا نذهب نحو الآيات والروايات. إن أيَّاً من الآيات التي أشرتم إليها، مثل آية الولاية وآية التطهير وآية أولي الأمر، لا يؤيد نظرية الإمامة صراحةً، وكلها تحتمل تفسيراتٍ متعدّدة. فمثلاً حتى لو اعتبرنا أن آية الولاية نزلت بشأن الإمام على (ع)- وهو بالطبع ما لا يقرُّ به كثير من علماء أهل السنة - فإنها لا تزال غير دالّة بصراحة على نظرية الإمامة وعلماء أهل السنة يفهمون لفظة «وليّ» في الآية بمعنى «حبيب ونصير» وليس بمعنى «الأولى بالتصرُّف» فكيف تبرِّرُون عدم الصراحة هذا؟

غرويان: ما هو قصدكم من البيان الصريح؟

نيكويي: أن يقول الله تعالى بشكل واضح وصريح: عليُّ بن أبي طالب إمامٌ معصومٌ وخليفةُ النبيّ مِنْ قِبَل الله، وعلى الناس أن يسمعوا له ويطيعوا طاعة مطلقة.

غرويان: عندما يقر الجميع بأن هذه الآية نزلت بشأن علي (ع) فما الدافع إلى إنكار ذلك؟

نيكويي: حتى لو قبلنا أن الآية نزلت بشأن علي (ع)، فإن هذا لا يُثبِتُ الإمامةَ والعصمةَ والنَّصْبَ من قِبَل الله، يعني أن الآية ليست صريحة في هذا الموضوع. ربما تستطيع الأبحاث التفسيرية المعقّدة، التي لا يستطيع العوام أن يفهموا منها شيئاً، أن تستخرج من الآية المعنى الذي يرمي إليه الشيعة، وبالطبع نتائج مثل هذه الأبحاث التفسيرية المعقدة لا تكون قطعية ويقينّية أبداً وهي دائماً قابلة للنقد وعُرضه للنقاش، ولكنها على كل حال ليست صريحة، وإذا لم يستطع شخصٌ أن يستنبط منها هذا المعنى – هذا على فرض أن معنى الآية هو فعلاً ما تقوله الشيعة - فإنه لا يكون مقصَـّراً في ذلك.

غرويان: لا تستدلوا بهذه الطريقة قائلين طالما أنه من الممكن للبعض أن لا يفهموا ذلك المعنى من الآية فهي غير صريحة فيه. حسناً، إن الذي لا يستطيع أن يفهم عليه أن يحل مشكلته بنفسه، فحتى لو طرحنا أشد آيات القرآن صراحةً لأمكن أن يأتينا من يقول: أنا لا أفهم هذا المعنى من الآية. نقول له إذا كنتَ لا تفهم، فهذه مشكلتك فلتذهب وتحلها ولا تقُل إن الآية ليست صريحة. أما موضوع عدم ذكر اسم علي بن أبي طالب (ع) في الآية فله ثمرتان: الأولى: أن الآية عرّفت علي بن أبي طالب (ع) بجملة «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (المائدة/55) والثانية أنها قالت: الذين يريدون أن يتحركوا في خط علي بن أبي طالب (ع) عليهم أن يكونوا مثل هؤلاء الأشخاص أصحاب تلك الصفات (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم راكعون). أما إذا ذَكَرت الآية اسمَ عليّ بن أبي طالب (ع) بدلاً من ذكر تلك الأوصاف لما كانت لتلك الآية هذه الخاصية والثمار.

نيكويي: حسناً. كان يمكن للآية أن تذكر اسم علي بن أبي طالب (ع) وتذكر معها تلك الصفات حتى لا تبقى أي شبهة أو شك في الأمر.

غرويان: أولاً: لم يكن هناك ضرورة لذلك. ثانياً: ذكر اسم خاص ومحدد يخرج الآية عن كليتها وعمومها.

نيكويي: هنا بالضبط تكمن النقطة الهامة. أليست إمامة الإمام علي (ع) وأولاده وعصمتهم ونَصْب الله تعالى لهم، من وجهة نظر الشيعة، من أصول الدين؟ ألا يقول الشيعة إن إيمان الناس من دون الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت (ع) وعصمتهم إيمان ناقص؟ ألا يعتبر علماء الشيعةِ الإمامةَ استمراراً للنبوّة وأساسَ الدين وقاعدته وركنه الأساسي؟ ألا يقولون إن الناس لو اتفقوا على الإمامة وولاية عليِّ بن أبي طالب (ع) وأبنائه لَعَمُرَت دنياهم وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولنالوا السعادة في الآخرة ولكانت أوضاع العالم غير ما هي عليه؟ فلماذا لم تُذْكر مسألةٌ بهذه الأهمية والخطورة والعظمة (إذا كان لها حقيقةٌ فعلاً) بشكل صريح وواضح في القرآن الكريم حتى لا يضل الناس؟ إذا كانت الإمامة من أصول الدين فلماذا لم تأتِ أي آية في القرآن في بيانها وتأييدها وشرحها وتوضيحها بشكل صريح؟ لقد جاءت في القرآن مئات الآيات الصريحة حول التوحيد والنبوّة والمعاد التي تُعَدُّ من أصول الدين وأسسه أما عن الإمامة فلم يكن الأمر كذلك، فما السبب في ذلك؟

غرويان: نحن نعتقد أن الآياتِ صريحةٌ. ويبدو أننا نختلف وإياكم في معنى الصراحة. نحن نعتقد أن جميع الآيات التي أوردناها صريحةً. أما لماذا لم يذكر اسم الإمام علي (ع) بصراحة في الآيات، ففي رأيي إن السـرَّ في ذلك هو أن ذكر اسمه صراحةً سيعمِّق الاختلاف بين المسلمين ويزيد من حدّته مما ستكون مفسدته أكبر من مصلحته. لو ذُكر اسم الإمام وخليفة النبيّ في القرآن بصراحة لما رضخ الناس لهذا الأمر ولقالوا إن الإمامة مسألة شخصية ووراثية وتعبّدية ولشككوا في صحة تلك الآيات القرآنية من الأساس وكانت ستقع مفسدة كبيرة. ولكن لدينا في آيات القرآن قول الله تعالى لنبيّه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...﴾ (النحل/ 44) وهنا نحن نعتقد أن آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (المائدة/55) والآيات الأخرى التي هي - حسب قولكم - مبهمة وغير صريحة إنما جاءت كذلك حتى يقوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدوره والإيفاء بمهمته في بيان ما نُزِّل إليه، أي أن يبين تلك الآيات للناس ويعرِّفَهم بمصاديقها وحقيقة المراد منها.

نيكويي: الإشكال الآخر الذي يَرِدُ على أدلة الشيعة النقلية هو أن هذه الأدلة جميعها ناقصة.

مثلاً عندما يريد علماء الشيعة أن يثبتوا عصمة أولي الأمر استناداً إلى آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... (النساء/59)، يقفون عند هذا المقدار من الآية ويقولون: لمَّا أوجب الله طاعة «أولى الأمر » جنباً إلى جنب وجوب طاعة الله وطاعة رسوله دَلَّ ذلك على ضرورة أن يكون أولوا الأمر معصومين. هذا في حين أننا لو أكملنا الآية إلى آخرها للاحظنا أن الله تعالى يقول بعد ذلك ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ....﴾ (النساء/59) مما يبيِّنُ أن استدلال الشيعة غير دقيق، لأن الله أمر المسلمينَ، في تتمَّة الآية، إذا اختلفوا مع أولي الأمر وتنازعوا معهم، أن يحلوا الاختلاف والنزاع بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. مما يبين أن طاعة أولي الأمر ليست مطلقةً بل هي في إطار كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وآله وسلم.

غرويان: لا ليس معنى الآية ما ذكرتم. إن معنى قوله: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ » (النساء/59) أي إذا تنازعتم أيها الناس مع بعضكم البعض فردوا نزاعكم إلى الله والرسول، ولم يقل إذا تنازعتم مع أولي الأمر!!

نيكويي: حسناً، فلماذا لم يقل إذن فردوا نزاعكم إلى أولي الأمر. أليس «أولوا الأمر » معصومين؟

غرويان: أنا أعتقد شخصياً أن «أولى الأمر » أعم من المعصوم، أي لا ينحصـر معناها في المعصومين فقط. إنها تشمل المعصومين ولكنها ليست منحصرة فيهم.

نيكويي: إذن لا يمكننا أن نثبت عصمة «أولى الأمر » بهذه الآية.

غرويان: لدينا روايات جاءت شرحاً للآية المذكورة وجاء فيها أن عبارة «أولي الأمر » تشير إلى المعصومين. لكننا نقول لا يوجد حصـر للعبارة بهذا المعنى. نعم المصداق الأتمّ والأكمل لـ «أولي الأمر » هم المعصومون (ع)، وفي حال عدم القدرة على الوصول إلى المعصومين، فإن «أولي الأمر » تشمل أيضاً من هم الأقرب إلى المعصومين والأشبه بهم.

نيكويي: هنا نقع في تناقض وهو أنه إذا قبلنا باستدلال الشيعة وقلنا لما كانت طاعة أولي الأمر واجبةً على نحو مرادف لطاعة الله ورسوله فلا بد أن يكون أولو الأمر معصومين، فلا يمكننا عندئذٍ أن نقول إن «أولي الأمر » تشمل أيضاً غير المعصومين!!

غرويان: كلا، أنا لا أعتبر هذا الاستدلال تاماً وكاملاً، في هذه الآية أُمر المؤمنون بطاعة أولى الأمر في طول طاعة الله ورسوله لا مرادفاً لطاعة الله ورسوله وعلى نفس الدرجة. فإذا جعلنا طاعة أولي الأمر ضمن ـ أي في طول ـ طاعة الله ورسوله، يمكننا أن نعتبرها شاملة لغير المعصوم أي للولي الفقيه أيضاً.

نيكويي: الإشكال الثالث الذي يرد على الأدلة النقلية هو أننا لأجل أن نفهم الآيات والروايات فهماً دقيقاً وصحيحاً، يجب أن نرجع إلى القرائن الحالية والمقالية، وبعبارة أفضل يجب أن نعلم سبب نزول الآية أو صدور الحديث. ولكن قد لا  نستطيع أن نصل إلى معرفة كاملة لخلفيَّة نزول الآية أو صدور الحديث أي قد تخفى عنا الحوادث والظروف التي حَفَّت بنزول الآية وصدور الحديث ـ إذْ لابد أن نرجع في هذا الصدد إلى المستندات والمصادر التاريخية وقد تكون هذه المصادر ناقصة أحادية الجانب أو كاذبة ومختلقة ـ ولذا فلن نستطيع أن نصل إلى المعنى الدقيق للآيات أو الروايات بشكل يقيني وقاطع. ألا تضعف هذه الحقيقة الثقة بالأدلة النقلية وتجعلها مجرّد أدلة ظنيّة؟

غرويان: القطع واليقين هنا قطع ويقين نسبيّ، بمعنى أننا نقرأ في هذا المجال تواريخ وأقوال وآراء مختلفة ونصل في النهاية إلى قاسم مشترك ونتيجة كلية ونقول إن هذا أفضل استنتاج توصلنا إليه. نعم نحن لم نكن في ذلك الزمن ولم نحضر الظروف التي وردت فيها تلك الآيات أو الروايات. ولكننا نسعى أن نجعل أنفسنا في تلك الظروف استناداً إلى الأخبار المنقولة لنا، ثم نقوم بأفضل استنتاج من مجموع تلك الروايات والأخبار وليس في وسعنا أكثر من ذلك، إننا نعترف بذلك. بعبارة أخرى إن قطعنا ويقيننا نسبيان. أي أن ما توصلنا إليه هو أفضل تفسير يمكن الوصول إليه انطلاقاً من المستندات والمصادر التاريخية، نحن نذهب إلى مذهب «التخطئة » لا مذهب «التصويب » (73). إن قسماً من أحكامنا أحكامٌ ظاهرية وليست أحكاماً واقعية. وهذا البحث يُدرس بشكل مبسوط في علم أصول الفقه.

نيكويي: نشكركم على ما أكرمتمونا به من وقتكم الثمين. والسلام.

 

الهوامش:

(72) جزء من متن حديثٍ رواه الفريقان مرفوعاً وموقوفاً (انظر أصول الكافي للكليني، ج 7/ص 361 ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج 3/ص 32. ولدى أهل السنة -بلفظ البيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر- في السنن الكبرى للبيهقي، ج8/ص 123 وج10/ص 150 و253). (المترجم)

(73) موضوع مذهب «التصويب» أو «التخطئة» من الموضوعات التي تُبْحَث في علم أصول الفقه. مذهب «التخطئة» هو القول بأن لِـلَّهِ تعالى في كل واقعة حكماً معيناً عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وبأن المجتهد يخطئ ويصيب، لأن لِـلَّهِ تعالى أحكاماً ثابتةً في الواقع يشترك فيها العالم والجاهل، أي أن الجاهل مكلَّفٌ بها كالعالم، غاية الأمر أنها غير منجزة بالفعل بالنسبة إلى الجاهل القاصر حين جهله. أما مذهب «التصويب» - المنسوب إلى المعتزلة - فمعناه أن أحكام الله تعالى تابعة لآراء المجتهدين وإن كانت له أحكام واقعية ثابتة في نفسها، وبالتالي فكل رأي أدى إليه نظر المجتهد يُنشئ الله تعالى على طبقه حكماً من الأحكام. والتصويب بهذا المعنى قد أجمعت الإمامية على بطلانه، وادعى بعضهم تواتر الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على أن لِـلَّهِ تعالى في كل واقعة حكماً معيناً. يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه أصول الفقه معلقاً: لم نقف على خبر صريح في اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، نعم يُستفاد ذلك من روايات وردت في أبواب مختلفة بألفاظ متفاوتة، منها: ما وردت في بيان ثبوت حكم خاص لكل شيء في نفس الأمر، راجع أصول الكافي ج 1/ص 59، باب الرد إلى الكتاب والسنة. ومنها: ما وردت في التخطئة والتصويب، مثل ما عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» مسند أحمد بن حنبل: ج 4/ص 198. انتهى. (محمد رضا المظفر، أصول الفقه، ج 2/ص 308 – 309 وج 3/هامش ص 36). (المترجم)