انعـدام الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة في العصر الحاضر

لنفرض أن الله تعالى نصَب حقيقةً أئمةً معصومين خلفاءَ للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وهداةً للأمة وأن الثاني عشر منهم غاب قبل ألف ومئتي عام وهو حيٌّ حتى الآن لكنه مختبئٌ ومحتجبٌ عن الأنظار وسيظهر في يوم من الأيام بأمر الله ويحقِّق الوعد الإلهي. إلا أن السؤال المهم هنا هو أنه حتى لو كانت هذه العقيدة صحيحة فما فائدتها اليوم للمسلمين وأي مشكلة تحلُّ لهم؟ ومن الجهة الأخرى، أيُّ نعمة سَتُحرم منها الأمة الإسلامية إن لم تعتقد بالإمامة المنصوص عليها لعليٍّ بن أبي طالب (ع) وأبنائه عليهم السلام وبعصمتهم، وأي مشاكل ستقع فيها بسبب عدم الاعتقاد بذلك وما النقص الذي ستعاني منه؟

ابتداءً، وقبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من التذكير بنقطة هامة وهي أن لا أحد يذهب إلى جهنم بسبب أخطائه الفكرية أو الاعتقادية إلا إذا كانت تلك الأخطاء مُتَعمَّدة، أي كانت أخطاؤه ناجمة عن المعاندة الواعية للحق. أمَّا إذا آمن الإنسان بعقيدة ما بعد تحقيقه ومطالعته واجتهاده واستند فيما آمن به إلى الدليل والبرهان، فحتى لو جانبه الصواب وأخطأ في اجتهاده، فإن ما توصل إليه بأنه الحقّ يكون حجة له ولا يقال له يوم القيامة لماذا اشتبه عليك الأمر؟ لأن اشتباهه لم يكن متعمَّداً ولا عن علم ولا بسبب لجاجه وعناده للحق. وفي مثل هذه الحالة لا يكون معذوراً فحسب بل مُثَاباً على اجتهاده أيضاً. بناء على ما ذُكر إذا توصل الإنسان نتيجة مطالعته وتحقيقه وتفكيره وتأمله في أدلة الإمامة والعصمة إلى أن هذه الاعتقادات باطلة ولا تستند إلى أساس محكم، فإنه لن يعاقب في الآخرة لإنكاره تلك العقائد حتى لو كان مشتبهاً في هذه النتيجة التي توصل إليها، لأن قصدَه لم يكن إنكارَ الحقِّ عن عمدٍ ولا سَتْر الحقيقة وإخفاءَها عن علمٍ وقصدٍ بل على العكس كان مخلصاً في بحثه عن الحق وإرادته للحقيقة – وهذا بالطبع هو أساس التديُّن الحقيقي والإسلام الصادق- إلا أنه وقع في اشتباه في تشخيصه للحقيقة. فعلى فرض أن عقيدة الشيعة بشأن الإمامة والعصمة صحيحة، فإنَّ منكري الإمامة والعصمة، إذا كانوا قد وجدوا أن أدلة الشيعة غير كافية ولم يكونوا معاندين للحق والحقيقة، معذورون لا بل مثابون. أما إذا أنكر الإنسان الحقيقة لأغراض دنيوية وأهواء نفسية كالغرور والتكبر والأنانية، ورغم إدراكه لحقية الشيعة أغمض عينيه عن الحقيقة وغطَّى الحقَّ وكتمه عناداً ولجاجاً وتعصباً أعمى فلا شك أنه لن يكون بينه وبين الكفر مسافة كبيرة. وكذلك الشيعي إذا فعل ذلك (أي إذا أوصله بحثه إلى أحقية عقيدة أهل السنة ولكنه رفضها عناداً ولجاجاً وكتماناً للحق) لما كان هناك فرق بينه وبين الكافر.

الآن لندخل في صلب الموضوع الأساسي أي الفائدة العمليّة لنظريّة الإمامة في العصر الحاضر. يدَّعي علماء الشيعة أن أقوال الأئمة الاثني عشر وأفعالهم وتقريراتهم حجَّة على كل مسلم، بدليل أن الله تعالى هو الذي نصَبهم في هذا المقام وبدليل عصمتهم من كل خطأ واشتباه وذنب، وكذلك بدليل ارتباطهم بعالم الغيب وعلمهم بحقائق الدين وأحكام الله علماً موهوباً غير اكتسابيّ، وبالتالي فإذا أراد المسلم أن يفهم دينه فهماً صحيحاً ويخطو على طريق الهداية فالشرط اللازم والضروري لذلك هو أن يتتلمذ على أيدي هؤلاء الأئمّة ويأخذ عنهم، وبوجود نجوم الهداية أولـئك لا يجوز أن يذهب إلى غيرهم. واليوم رغم أنه ليس بيننا أئمة معصومون، إلا أن تعاليم الأئمة الاثني عشر التي بقيت عنهم يمكنها أن تكون مشعل هداية للناس نحو السعادة والكمال، وبوجود هذه التعاليم يكون الرجوعُ إلى تعاليم الآخرين الذين لا يتمتَّعون بالعصمة – مثل مالك والشافعي و...- ابتعاداً عن طريق الهداية. فيجب أن يؤخذ الماء من النبع الزلال، والنبع الزلال هنا هو التعاليم التي بقيت عن الأئمة المعصومين. يجب أن نتعلم الإسلام الأصيل والصافي من مدرسة أهل البيت أي الأئمة الاثني عشر.

أقول: إن في هذا الكلام خليطاً من حقٍّ وباطلٍ. نعم، إذا اعتبرنا أن شخصاً ما معصومٌ ومنصوبٌ مِنْ قِبَل الله تعالى، فإن أقواله وأفعاله وتقرايرته ستكون حجةً علينا لكن بشرط حضوره في المجتمع وإمكانية وصولنا المباشر إليه. إذا كان هناك في زماننا إمام معصوم حاضر في المجتمع فلن تكون هناك حاجة إلى الشافعي ومالك و...، ولكن ما العمل عندما لا يكون بيننا إمام معصوم؟ إن رأس مالنا في أمر الدين اليوم هو ثلاثة أشياء: 1- القرآن، 2- العقل، 3- أحاديث وروايات المعصومين:

أما العقل والقرآن فلا يختلف في حجّيّتهما أحدٌ من المسلمين، وأما الأحاديث والروايات فهل يمكن أن تكون حجَّة علينا؟ وهل ادِّعاءُ الشيعة بأنهم بفضل رجوعهم إلى أحاديث الأئمة المعصومين فإنهم يصلون إلى الإسلام الأصيل الصافي ادِّعاءٌ يمكن الدفاع عنه؟ إن إجابتنا عن هذين السؤالين هي النفي، فنحن نعتقد أن ادعاء الشيعة أنهم متصلون بالنبع الزلال ليس سوى وهم وخيال، وأنه طالما جَعَلَ الشيعةُ وأهلُ السنَّة الأحاديثَ والأخبارَ مرجعَهم النهائي في فهم الدين فإن كليهما يشربان من ماء عكر. إن التعاليم التي بقيت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين لا يمكنها – للدلائل التي ستُذكر أدناه- لا عقلاً ولا منطقاً أن تتمتع بالحجية الشرعية اللازمة في عصرنا الحاضر الذي نعيش فيه:

الدليل الأول: وجود وسائط عديدة بيننا وبين من صدرت عنهم تلكم الأحاديث، ليس أيٌّ منها (أي من الوسائط) معصوماً، لذا فمن البديهي منطقياً أننا لا يمكن أن نعتمد عليها اعتماداً مطلقاً، وأن هناك علامات استفهام وشك تحوم حول صدور تلك الروايات عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين. فكيف يمكننا أن نعتبر الحديث – الذي صدوره عن المعصوم ليس قطعياً- حجَّةً شرعيةً؟

الدليل الثاني: كثيرٌ من أحاديث النبيّ والأئمة انمحت واندثرت مع مرور الزمن وهذا يمنعنا من الفهم الصحيح والاستنباط القاطع من الأحاديث التي تبقَّت بين أيدينا. فكما أن آيات القرآن تفسِّر بعضها بعضاً فكذلك الأحاديث والروايات تفسّـِر بعضها بعضاً. وكما أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً كذلك في الأحاديث يمكن أن يكون هناك ناسخٌ ومنسوخٌ، ولما كان كثيرٌ من أحاديث المعصومين مفقوداً الآن فإن كل استنباطاتنا من الأحاديث المتبقية استنباطاتٌ ظنيةٌ ومشكوكٌ بها لأننا نتعامل في الواقع مع نصٍّ ناقصٍ ومبتورٍ لا مع نصٍّ كاملٍ ومدون ومنسجم. لا ننسَ أننا في دراستنا لنصٍّ من النصوص، إذا رجعنا إلى قطع وأجزاء من هذا النصّ فقط، قد لا نصل إلى فهم صحيح لذلك النصّ.

الدليل الثالث: يجب أن ننتبه انتباهاً كاملاً للظروف الزمانية والمكانية و... لصدور الأحاديث، كي نتمكَّن من فهمها فهماً صحيحاً، وبعبارة أخرى لا بد من دراسة القرائن الحالية والمقالية للأحاديث دراسةً دقيقةً. لكن المشكلة هي أن تلكم الظروف الزمانية والمكانية وتلكم القرائن الحالية والمقالية لم تصل إلينا بشكل كامل ويقيني لأن المتكفل بهذه الأمور هو علم التاريخ والقيمة العلمية لهذا العلم ودرجة الثقة به وميزان قطعيته أصبحت اليوم واضحة للجميع. إن ظنية التاريخ أصبحت اليوم من البديهيات التي لا ينكرها أحد.

الدليل الرابع: إن المبدأ الأصيل لتقدُّم العقل والقرآن على الحديث يجعل حجية هذه الأحاديث أمراً مستحيلاً وهذا أهم دليل. فبناء على وصية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذاته وعلى حكم العقل، إذا وصل إلى مسامعنا حديثٌ مخالفٌ للعقل أو القرآن فيجب أن نضرب به عرض الحائط، حتى لو كان سنده صحيحاً خالياً من أي عيب. ومن جهة أخرى إذا كان لدينا كلام منسجم مع العقل والمنطق ويتفق مع القرآن ولا يخالفه، فإننا نقبله حتى لو كان صادراً عن شخص غير معصوم مثل سلمان أو أبي ذر. بعبارة أخرى إن عصمة صاحب الكلام أو عدم عصمته ليس لها تأثير في قبولنا لكلامه أو عدم قبولنا له. إذا كان لدينا كلامٌ معقولٌ ومنطقيٌّ وموافقٌ للقرآن فإننا نقبله حتى لو كان قائله معاوية، وإذا كان لدينا كلامٌ غيرُ معقول وغيرُ منطقي ومخالفٌ للقرآن فإننا لا نقبله حتى لو نُقل إلينا عن لسان الإمام عليٍّ (ع). ومعنى هذا أن اعتقاد الشيعة بإمامة عليٍّ (ع) وأولاده وعصمتهم اعتقادٌ لا فائدة منه ولا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأن الإيمان بالإمامة وعصمة أولئك الأجلاء الكرام ليس له عملياً أي تأثير في دراسة الروايات. إذا كنا لا نعتقد بإمامتهم وعصمتهم فإننا سنقبل رغم ذلك الكلام المعقول والموافق للقرآن الذي يُنقل إلينا عنهم، والآن ونحن نعتقد بعصمتهم لا نقبل أيَّ كلام غير معقول ومخالف للقرآن يُنقل لنا عنهم، إذن الاعتقاد بإمامتهم وعصمتهم وعدم الاعتقاد بذلك سِيَّان.

 الدليل الخامس: حتى لو وصل إلينا كلامٌ عن المعصوم بشكل قطعيٍّ ويقينيٍّ ولم يكن هناك أي شك أو شبهة في صدور هذا الكلام عن لسان المعصوم ولم يكن فيه من ناحية العقل والتوافق مع القرآن أي مشكلة، فإنه من الممكن أن نخطئ في فهمنا لكلام المعصوم وفي استنباطنا منه، وهذا بحدِّ ذاته يبيِّن أن وجود الأئمة المعصومين غير كافٍ لأجل التفسير المعصوم للدين ومنع انحراف الناس وبروز الاختلافات بين الأمة، وإذا كانت إرادة الله أن لا يقع بين الأمة أي اختلاف وأن يصل الناس إلى فهم صحيح تماماً وكاملٍ للدين لَـخَلَقَ جميع الناس معصومين من البداية لأن وجود المرجع المعصوم وحده لا يمكنه أن يمنع خطأ الناس ووقوع الاختلاف فيما بينهم. لقد كانت هناك اختلافاتٌ وتنوُّعٌ في الرأي حتى بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الأئمة المعصومين. واليوم أيضاً عندما يرجع علماء الشيعة إلى أحاديث الأئمة المعصومين ورواياتهم فإنهم لا يصلون إلى فهم واحد لهذه الروايات بل توجد بينهم آلاف الاختلافات والآراء المتنوعة. بعبارة أخرى إن الفلسفة الوجودية للائمة المعصومين غير متحققة عملياً ولا يمكن أن نعرف الكلام الحق ونشخِّص الباطل. وفي عالمنا الشيعي أيضاً كل عالِـمٍ يُغَنِّي على ليلاه وينسب كلامه إلى المعصوم!.