الفصل الرابع

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/59).

تتحدث هذه الآية عن الحاكم ووَلِيِّ الأمر في الإسلام بعدما بينت أوصافه - بشكل عام - بأصرح عبارة [في الآية التي قبلها]. حيث بينت أن من صفات الحاكم في الإسلام أن يؤدى الأمانة لِـلَّهِ وللرسول(63)، أي لكلٍّ في مقامه، وأن يحكم بين الناس بالعدل، والناس تشمل المسلمين وغير المسلمين، فلا بد أن يحكم الحاكم الإسلامي بالعدل لا بالظلم والجور. إذن أولو الأمر والحاكم في الإسلام يعني منفذ هاتين الآيتين من القرآن اللتين تبينان وظيفة الحاكم المسلم، وأما طاعة من لا ينفذ أحكام الإسلام فهي محرمةٌ على المؤمن والمسلم تحت أي عنوان كان، أي أن الذي يحكم المسلمين بغير [شريعة] الإسلام خصمٌ للإسلام وإطاعة مثل هذا الحاكم معادةٌ للإسلام أما إذا نفذ شريعة الإسلام فيكون عندئذٍ مصداقاً لأولي الأمر وتكون طاعته طاعةً لِـلَّهِ ولرسوله، فإذا لم ينفذ شرع الإسلام لم يكن من أولي الأمر وحرمت طاعته.

لا شك أن هناك في كل عصر وزمان أشخاصاً مؤهلين وجديرين وأشخاصاً غير أهل وغير جديرين، يسعون لمنصب الرئاسة الإسلامية، والقرآن الكريم هو الذي يحدد ويشخص من الأهل ومن هو غير الأهل لهذا المنصب، وعلى العلماء أن يبينوا ذلك لعامة الناس ويفهموهم إياه، وعلى الناس أن ينتخبوا مصداق أولي الأمر طبقاً للقرآن أي عليهم أن ينتخبوا لرئاسة المسلمين الشخص الذي بيّن القرآن أوصافه، فليس في الإسلام ملكٌ أو ملك ملوك (شاهنشاه)، بل الإسلام يريد منفذاًَ لأحكامه، والقرآن عيّن [صفات] هذا الشخص، فالعلماء الذين قالوا إن الإسلام فيه سلطان وخليفةٌ وأميرٌ وسردارٌ ليس لهم إطلاع على القرآن، بل على المسلمين أن ينتخبوا منفذاً لأحكام الإسلام الذي حدده القرآن وعيّن أوصافه.

وبناءً على ذلك فإنه منذ زمن معاوية وحتى اليوم فإن جميع رؤساء المسلمين تصدّوا لمنصب الحكم خلافاً لنص القرآن، ورغم ادعائهم لإمارة المؤمنين كانوا في الواقع خصوماً للقرآن وأغلبهم لم يكن مصداقاً لأولي الأمر القرآنيين بل مصداقاً للجبابرة الظلمة والفتاكين الهتاكين الناهبين المسرفين والمبذرين، ولذلك فمن حق الرعية وواجبهم أن يأخذوا على عاتقهم طاعة الله ورسوله وأولو الأمر المنتخبين وبهذا الشرط فقط يكونون مصداقاً للأمة المرحومة وإلا فالله يعلم أنهم لا يكونون كذلك!!

ملاحظة: هاتان الآيتان(64) أصل الأصول ولب الألباب في تنفيذ جميع أحكام الإسلام ومفتاح عزة المسلمين وعلو شأنهم وباب صيرورتهم أفضل أمةٍ وأعلاها، لأنه لو قام أصحاب الحل والعقد في جميع العهود والعصور بتعيين حاكمٍ من أولي الأمر طبقاً لتعاليم القرآن لما وجدت الحكومات المستبدة طريقها إلى رئاسة الإسلام ولما نشأت بدعة تعيين ولي العهد الخبيثة القاتلة للإسلام التي ابتدعها معاوية، ولما تحول الحكم الإسلامي إلى حكم قيصري وكسروي، ولما وجدت الحاجة للتقية ولما وجدت المذاهب المختلفة المتشتتة في ديانة الإسلام الحقة، فالعمل بتينك الآيتين سبيلٌ لإزالة الاستبداد وإيجاد الشعور الاجتماعي لدى أفراد المسلمين وسببٌ لرقيهم من رتبة الجهالة البهيمية وحالة قطيع الغنم، وهذا بالطبع عندما يصبح عموم الناس طبقاً لتعاليم القرآن أصحاب رأيٍ وأسياداً على أنفسهم ويمنعون التعديات وأنواع الظلم، ولكن عندما يصل الحاكم المستبد إلى سدة الحكم عبر القهر والتغلب ثم يقوم علماء السوء على الفور بإضفاء لقب ولي الأمر عليه ويصدرون الفتاوى طبقاً لرغباته، كيف يستطيع القرآن المسكين الذي لا لسان له والشعب الجاهل، معارضةَ مثل هذا الشخص الظالم المقتدر الناهب؟ وهل يتعامل هذا المستبد عندئذٍ مع العامة إلا كتعامله مع قطيع الأغنام والجمال؟!!

يقول الله ورسوله في هاتين الآيتين: يا عبادي ويا أمتي! اعملوا بهاتين الآيتين وشخِّصوا الرئيس الأفضل الذي تتمثل فيه الصفات التي عيَّنها القرآن كي تطيعوا الله ورسوله وتكونوا بيض الوجوه في الدنيا والآخرة، وغلِّبُوا الجانب الإنساني الناطق فيكم على الجانب المادي الحيواني وأحرزوا حقكم الإنساني كي لا يتعامل رئيسٌ مستبدٌ معكم تعامله مع قطيع الأغنام. إذا قمتم بأنفسكم بانتخاب وتعيين رئيسكم، وساهمتم في عزله وتنحيته إذا جار وظلم، فإنكم بهذا تسدُّون باب الظلم وتكونون سبباً لتطبيق أحكام الإسلام فيكم ولرقي المسلمين وتقدمهم. ولكن وا حسرتاه! ووا أسفاه! إن العلماء الزُهاد والمترهبنون اقتنعوا بباب العبادات فلم يتجاوزوه، وليس لهم باعٌ في سياسات الدين بل هم غافلون ومهملون لهذا الجانب الأساسي من الإسلام!!

وأما جماهير الشعب فقد نسوا بجهلهم الآية كلياً وشكلوا حكومات مستبدة عصراً بعد عصر وضحوا بملايين الجهال من الناس فداءً لحاكم مستبدٍ مَظْهَرٍٍ للشيطان لكي تقوم جماعةٌ من الجهلة والفساق من حاشيته بالسلب والنهب وقد تمسك هؤلاء الذين يبيعون الدين بالدنيا بكلمة «المأمور معذور» لتبرير ظلمهم ونهبهم للمظلومين.

لقد مضت قرونٌ عديدة هُجِرت فيها أحكام الإسلام العامة الأساسية منذ زمن معاوية وأصبحت تعديات السلاطين عامة البلوى، واكتفى العلماء بدعوة الناس للدعاء والتضرع ليرفع عنهم البلاء غافلين عن أن المجتمع الإسلامي عالمه وجاهله ومقصره وقاصره خالفوا علناً أمر الله ورسوله فبأي وجهٍ يتضرعون إلى ربهم وهم يخالفونه وكيف يتوقعون استجابة دعائهم؟؟ إن هذا لمن غرائب الأمور!!

إن الحاكم القرآني الذي يؤدي الأمانات لله ولرسوله وللناس ويحكم بين الخلق بالعدل هو مصداق أولي الأمر الذي تجب طاعتهم على عامة المسلمين والرعية وتحرم مخالفتهم، ومثل هذا الحاكم مرجعٌ لجميع أحكام الإسلام، أما الحاكم الذي لا يكون مصداقاً للآية فطاعته حرامٌ ومخالفته واجبة وهو ليس مرجعاً لأي حكم من الأحكام. هذا هو مفاد الآيتين. عزة المسلمين وصعودهم إلى مراتب أعلى الأمم رهينٌ بتطبيق تينك الآيتين وذل المسلمين وتبعيتهم وعبوديتهم للأجانب وبقاؤهم في الظلمات والتخلف رهينٌ بمخالفتهما.

كتب بعض علماء المذاهب الإسلامية وبعض المتلبسين بلباس أهل العلم الذين لا علم لهم بالقرآن في كتب عديدة أن كل من وصل إلى مقام الرئاسة في الإسلام وحاز منصب حكم المسلمين كان حاكماً [شرعياً] وكان بالضرورة مصداقاً لأولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم ومرجعاً لجميع الأحكام الإسلامية ولو كان وصوله لسدة الحكم عبر سفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال. إن صدور هذا الكلام من لسان أهل القرآن من أعجب الأمور، فكيف يكتب من يتلبس بلباس أهل القرآن أمراً يخالف القرآن بصراحة وينشره في بلاد المسلمين ثم يقف المسلمون كالخشب المسندة أمام هذا الكلام وينظرون إليه مبهوتين!! لقد حثّ القرآن المجيد المؤمنين في أكثر من ألف آية على العلم وأمرهم بالتفكُّر والتذكُّر والتدبُّر والتأمُّل؛ فمن المستحيل أن ينصب القرآن حاكماً جاهلا ظالماً جباراً أو يؤيد حكومته. إنه مما يتنافى مع روح الهداية والإرشاد أن يأمر الله المؤمنين بطاعة جاهل ظالم. ومثل هذه الدعوى الجزاف والمفرطة يكذِّبها العقل السليم الإنساني وفلسفة الأخلاق النبوية ومنطق الديانة وحس الإنسانية.

إن مثل هؤلاء العلماء يروجون للوثنية باسم القرآن والإسلام ويدعون المسلمين إلى الكفر والشرك ولا شك أن صاحب مثل هذا القول شريك للظالمين والأصنام في ظلمهم بل هو أخبث وأشقى وأجهل منهم بمراتب عديدة لأن هذا العالِمَ يعارضُ القرآنَ ويخالفُهُ بدعوى العلم والذين يباشرون الحكم ويمسكون بزمام الأمور أكثرهم جهلة ولكن جهلهم بسيط (غير مركب)، أما العلماء الذين يصدقونهم على ظلمهم وفسادهم فجهلهم مركب(65) أو هم معاندون للقرآن المجيد ومخالفون بكل صراحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه المحقين. ومن العجائب أنه بعد رحيل حضرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم تحاور وتناقش جماعة علماء الإسلام وأصحاب النبي كثيراً حول باب الخلافة، وبدأت تدريجياً تُكتب كتب عديدة من المذاهب المختلفة في رد وتكذيب بعضها بعضاً، وكم من الدماء أُريقت وكم من اللعن والطعن إلى ما شاء الله صدر عن أقلام الأعلام – جزاهم الله عن الإسلام – ولم نجد في أي من كتب المذاهب تمسكاً بهاتين الآيتين في هذا الأمر، ولا شك أنهم جميعاً كانوا مؤمنين وقد بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الإسلام ولكنهم غفلوا عن التمسك بهاتين الآيتين، وكان حق مرجعية القرآن المجيد وحجيته المسلمة لدى فرق المسلمين أن يجتمع الصحابة بعد رحيل نبيِّ الإسلام ويجعلوا من هاتين الآيتين - اللتين تبيِّنان واجبات الحاكم وماهية أولي الأمر وواجبات المحكومين بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ - نبراسهم ودستور حياتهم، فينتخبوا أي واحدٍ من الصحابة ممن تتوفر فيه صفات أولي الأمر ويرفضون الآخرين ممن لا تتوفر فيهم، ويصبح هذا النهج دستوراً للمسلمين إلى يوم القيامة وبالتالي يرتفع النزاع بين المسلمين كليةً أو يتضاءل إلى حدٍ كبير، ولكن مع الأسف الشديد لم يتم العمل بهذا الأمر في ذلك اليوم.

إن كل ما نقله الأصحاب من أتباع المذاهب المختلفة من استدلالات كله روايات مخالفةٌ للآيات الصريحة فلا حجية فيها لأن تلك الاستدلالات كلها من باب الاجتهاد في موضع النص. فعندما يكون القرآن ناطقاً صريحاً فلا مورد للتوسل بغير القرآن، وبالتالي فإن إعمال الرأي والاجتهاد الذي قامت به المذاهب والفرق الإسلامية في الموارد التي كان كلام الله فيها صريحاً عملٌ خاطئٌ وغلطٌ محضٌ. كيف لا وإذا جاءنا حديثٌ يخالف نص كتاب الله وجب تركه لأن الكتاب والنص الأساسي لدين الإسلام هو القرآن، والأخبار الصحيحة ليست سوى شرح لذلك النص، فمخالفة القرآن من سخائف الأوهام. وإنه لمن الوهم أن يقول قائلٌ إن أصحاب الرسول الأكرم كان أكثرهم ممن شارك في بدرٍ وأحد ويجب إبعاد أي نقدٍ عن مقامهم الشامخ. فنقول: من المسلم به أن عزوة بدرٍ الكبرى كانت أول مظهر لشوكة الإسلام ورعب الأعراب المشركين وأول مرحلةٍ لظهور الإيمان وقد كانت نتيجةً لتضحيات عظيمة للصحابة السعداء. ولكن مع كمال احترامنا وحفظنا لشؤونهم ومقاماتهم إذا وجدنا في الجملة تجاوزاً لمقام القرآن المقدس فعلينا أن نقدم ونرجح ناموس القانون السماوي على حدود الأشخاص. وما العمل؟ لقد طبق صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم حد القذف على صحابيين من أهل بدرٍ وأحد أحدهما مسطح ابن أثاثة، والثاني حسان بن ثابت الشاعر الأنصاري في قضية الإفك، وعلى حمنة بنت جحشٍ أخت زينب أم المؤمنين التي كانت من المهاجرين الأوائل. وكذلك قام السادة طلحة والزبير الذين كانوا أنفسهم من أهل بدر وأحد بأخذ عثمان بن حنيف في البصرة الذي كان من الأنصار ممن أسلم قبل الهجرة على يد مصعب بن عمير وشارك في جميع الغزوات من بدرٍ إلى آخر غزوة، ولا شك أن أم المؤمنين عائشة كانت عالمة بالمقام الشامخ والعالي لأهل بدر، ورغم ذلك أخذوا «عثمان بن حنيف» وهو في سن الشيخوخة ونتفوا شعر لحيته شعرةً شعرة وأرسلوه إلى المدينة أصلعاً أمرداً مع أنه لا يجوز في حدود الإسلام نتف لحية مسلم وشعر رأسه شعرة شعرة وتجب على من يفعل ذلك الدية، فقد خالف من عمل بهذا الظلم بحق «عثمان بن حنيف» وسبَّبَ وقوع معركة الجمل قوله تعالى: ﴿لا  تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (البقرة/48)( 66 ) وقوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود/18)( 67 ).

وهذه المعنى [أي من الظلم المحرَّم معاقبة شخص بجريرة غيره] تكرر في عديد من آيات القرآن، حيث ذكر الله فيها - امتناناً منه على البشر وانطلاقاً من صفاته وعدله الذي تختص به ذاته القدسية - أنه لا يجازي شخصاً بعمل آخر، ولا توجد مسألةٌ في القرآن أوضح من هذه.

إن التقاص والانتقام من عليٍٍّ الذي لا ذنب له من خلال أخذ وتعذيب «عثمان بن حنيف» البريء مخالفةٌ صريحةٌ لآيات القرآن المتواترة وهذا العمل من أعمال الجبابرة والظالمين وليس من أعمال أتباع القرآن، إن القرآن هو الذي أصبح خصماً للبدريين من أصحاب الجمل وهو الذي يشكوهم إلى الله وليس عليٌّ وأتباعه. إن رسالتنا هذه لا تعدو النطق بالقرآن والتكلُّم بلسانه.

وكذلك كان سعد بن أبي وقاص من أول عشرةٍ أسلموا في مكة أو من ثاني عشرة وكان أيضاً بدرياً وأحدياً وشارك في جميع الغزوات وكان فاتح بلاد فارس والمدائن في معركة القادسية وباني الكوفة. ورغم ذلك في سنة 20 هجرية اشتكاه أهل الكوفة إلى الخليفة الثاني (عمر) بأنه لا يحسن الصلاة فقام الخليفة بعزله عن إمارة الكوفة وأحضره إلى المدينة(68). وماذا نقول بشأن إصدار معاوية ويزيد وسائر ملوك بني أمية الجبابرة الأمر بلعن علي بن أبي طالب عليه السلام قرابة مائة عام(69) مع أن عليَّاً كان قبل خمس سنوات من البعثة وحتى وفاة حضرة صاحب الرسالة فدائي النبي صلى الله عليه وآله وسلم [الأول] وكان من أهل بدرٍ والعشيرة وأحد والأحزاب وخندق وخيبر وحنين وفاتح فتح مكة وحاضراً في جميع الغزوات، ورغم تلك المجاهدات وما تحمَّله من أذى ومشقة في سبيل الله استجاز جبابرة الأمويين أن يسبوه ويلعنوه علناً في المساجد والمنابر، ولم يخافوا من تصريحات القرآن التي تفيد أن عليّاً كان مصداقاً كاملاً لأولي الأمر، بل واصلوا ترويج هذه البدعة القبيحة بالقوة والإكراه؛ فبأي دليل شرعي وبأي نصٍ قرآني صريح أو غير صريح أو كنائي اعتبر علماء الفرق الإسلامية ملوك بني أمية الذين صدر عنهم مثل ذلك الظلم خلفاء للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمراء للمؤمنين؟!

إذا كان لعن البدريين والصحابة غيرُ جائزٍ فلماذا قام به الأمويون؟ ولماذا صدَّقهم في ذلك العلماء اللاحقون وسعوا في تبرئتهم؟

مثلا نجد الشيخ [أبا حامد] الغزالي «رحمة الله عليه»(70) يعتبر في كتابه «إحياء علوم الدين» أنه في النزاع بين علي (ع) ومعاوية كان كلاهما على حقٍ! فعليّ اجتهد في تأخير الاقتصاص من قتلة عثمان ومعاوية اجتهد في وجوب الإسراع بالاقتصاص منهم!! فالأمر مجرد اجتهادين في مقابل بعضهما البعض.

إن أرباب التحقيق لم يدلوا بشيءٍ بشأن علي في هذا النزاع. وخلاصة واقعة عثمان كانت أن أهل البصرة والكوفة ومصر قدموا إلى عثمان شاكين من ولاته الأمويين فأبدى عثمان استبداداً في الرأي ولم يقبل شكايتهم فتزايد عدد الشاكين وعدّتهم، وفي النهاية وبعد اجتماع المعترضين وتفرقهم عدة مرات في المدينة المنورة ويأسهم من استجابة عثمان انتهى الأمر بمحاصرة عثمان ثم قام شخصان أو ثلاثة أو خمسة من أراذل الناس بالهجوم على عثمان وقتله رحمة الله عليهم جميعاً. ألم يكن حق المطالبة بالقصاص أو الدية من قتلة عثمان خاصَّاً بورثته؟ عندما يكون أولياء الدم راشدين بالغين ذكوراً أو إناثاً يكون لهم حق التقاص بحكم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا (الإسراء/33)، فبوجود أولياء المقتول لا حق للآخرين بدعوى المطالبة بالاقتصاص لدمه. فكل من طالب بدم عثمان من أصحاب النبيِّ من غير ورثة عثمان أنكر عملياً الآية المذكورة ووقع في مخالفة القرآن ومعارضته الظاهرة. ولا يجوز لأي مسلم ذي شعور ومحب للقرآن أن يتأمل أدنى تأمل في هذا الأمر. فهذا الموضوع من ناحية وجهه الخاص يرجع بالضرورة إلى ورثة عثمان لا إلى غيرهم، وأما من ناحية وجهه العام [أي الحق العام] وكون ذلك القتل إخلالا بالأمن وبالنظم العام وكون الثورة الداخلية تؤدي إلى تضعيف أحكام الشرع، فإن المعاقبة على مثل هذا [الجُرْم] ترجع إلى مقام وليّ الأمر فقط، أي أن تنفيذ الأحكام الجزائية العامة يختص بالحاكم المتصديٍ لزمام أمور المسلمين وصاحب ولاية تنفيذ أحكام القرآن وهذا ما يدل عليه القرآن نفسه.

نحن نعتبر أصحاب الجمل سواءً حضرة أم المؤمنين عائشة وحضرات الزبير وطلحة من أصحاب حضرة صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم ولا نسيء الكلام بحقهم. ولكن بعد رحيل صاحب الرسالة انقطع لسان الوحي الذي كان الحاكم المطلق وأصبح الحاكم المطلق هو القرآن المجيد والحميد، فلا بد أن نرجع في معضلات الأمور الإسلامية إلى القرآن لأن القرآن نبيٌ صامت كما أن النبي قرآنٌ ناطق. والآية القرآنية الصريحة تقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا أي أن المطالبة بالدية والقصاص والانتقام لدم عثمان هو من حق أوليائه أي ورثته الذكور والإناث الكبار فقط؛ وبناءً عليه فمن الناحية الخاصة [لموضوع قتل عثمان] فإن السيدة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وعموم الأمويين خاصموا القرآن المجيد [بمطالبتهم بدمه دون أولياء الدم الشرعيين]، ومن الناحية العامة فإن مرجع الحكم والأمارة المطلقة لجهة انتظام أمور البلاد وحماية تنفيذ الحدود وغيرها عليٌّ الذي انتخب بإجماع أهل الحل والعقد خليفةً. فالثورة ضد علي ثورةٌ ضد إجماع أهل السنة ومعارضةٌ للقرآن لأن علياً كان مصداقاً مسلماً به لآية أولي الأمر التي تأمر بطاعته والرجوع إليه، ولا يرجع أمر تطبيق ذلك الحق العام [في قتل عثمان] إلى أصحاب الجمل وصفين ولم يكن أي من أولئك الأشخاص الخمسة المذكورين مرجعاً شرعياً في تنظيم أمور البلاد. إذن كان الإقدام على معركة الجمل وصفين إضعافاً للقرآن المجيد وإهانةً له وظلماً فاحشاً لمنصب الخلافة النبوية وظلماً لأنفس فاعليه وتعدياً لحدود الإسلام.

وإذا صرفنا النظر عن كل ما ذكر فإن عثمان كان شخصاً مسلماً قام بقتله شخصان أو ثلاثة أو خمس من المسلمين، فكم دية يوجب شرع الإسلام أن تُعطى جراء قتل عثمان لأوليائه؟ من المُسلّم به أنها ديةٌ واحدة قال تعالى: ﴿النفسُ بالنفسِ فإذا كان القاتل واحداً يُقتل، وإذا كان القاتلون عدة فإن الدية الزائدة على الواحدة تُقسم على الورثة ويتم قتل المشاركين في القتل. فما هو الدليل الذي استندت إليه السيدة أم المؤمنين وطلحة والزبير في قيامهم بحرب الجمل لأجل [الثأر لِـ] شخصٍ مسلم واحد، فأودوا بحياة عشرين ألف مسلم! وكذلك ما هو الدليل الذي استند إليه معاوية وعمرو بن العاص (اللذان لم يسلما إلا مدة سنتين أوثلاث [على الترتيب، زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم]) في إراقتهما دماء أربعين ألف مسلم في صفين؟!. لم يكن لعثمان أكثر من دية واحدة أما مُدَّعو الاقتصاص لدم عثمان في معركتي الجمل وصفين فقد قتلوا ستين ألف مسلم وشقوا عصا المسلمين. ونحن وبعد ألف وثلاثمائة عام لا نجد أي مستند شرعي من آية قرآنية ولا من أي حديث لتينك المعركتين. إننا نصون حرمة صحبة أولئك النفر الخمس على قدر ما نستطيع، ولكن أي ظلم أكبر من هدر دم ستين ألف مسلم بدعوى غير محقة للاقتصاص لدم مسلم واحد. الحق والإنصاف أن عمل الجمل وصفين لم يكن بأمر القرآن وفي المقابل لم يُذكر أي خطأ لعلي وينبغي على المسلم أن تكون حركته وسكونه كلها مطابقة لأمر القرآن.

قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة/124).

إذا قام علماء العامة باستخدام قوة القلم وتصريف الكلام باختراع الأدلة لتبرير صحة ادعاء المطالبين بدم عثمان من مسببي وقعة الجمل ومعركة صفين، فإن سفك الدماء الذي قام به موقِدو نار تلك المعركتين الذي يعد من أوضح مصاديق الظلم والعدوان والتجبر، يجعل الآية الكريمة المذكورة تنفي صحة دعواهم لأن عَهْدَ اللهِ لا يَنَالُ الظَّالِمِينَ.

فإن قيل إن علياً أيضاً شارك في قتل المسلمين في معركتي الجمل وصفين فنقول لا شك أن علياً وجنده كان لهم دخلٌ في تلك المعركتين ولكن المسببين للجمل وصفين كانوا هم المهاجمين وكان عليٌّ مدافعاً والمسؤولية والمؤاخذة إنما تقع على المهاجمين لا على المدافعين، وعليٌّ كان حائزاً على مقام الخلافة بإجماع الأمة وكان صاحب الدار أما المسببون للجمل وصفين فكانوا أجنبيين عن ذلك المقام [مقام الخلافة] فكل ما أريق من دماء المسلمين يقع على ذمتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من ابتدأ في ظلم وفي نزع كان وزره ووزر صاحبه عليه » (71). وينبغي أن نقول إن كل من قُتل من جيش علي كان مدافعاً وشهيداً بحكم قول رسول الله: «من قُتِل دون نفسه وماله وعرضه قتل شهيداً » (72). فجميع هؤلاء الشهداء كان لهم حق الدية والقصاص من قاتليهم أما الذين قتلوا من جند الجمل وأصحاب صفين فلم يكونوا شهداء وليس لهم حق في دية ولا قصاص، لأنهم هم الذين بادروا إلى الظلم فإذا كانوا قاصرين كانوا معذورين وإن كانوا مقصِّرين فسوف يكونون من المعذَّبين. لقد علق معاوية بعد قتل عثمان قميص عثمان الملطخ بالدماء على المنبر في الشام وبكى أربعون ألف شيخ تحت هذا المنبر وهم ينوحون وا  خليفتاه، وأخذوا يطالبون بالانتقام لدم عثمان ولما كان سبب عصيان المسلمين وشغبهم وثورتهم على عثمان هو ظلم ولاته وتعديات عماله الذين كانوا في أغلبهم من أقربائه من الأمويين وكان عثمان قد أحسن إلى عماله وبني أعمامه فاجتمعوا جميعاً في الشام وتحمل معاوية وعمال عثمان المعزولين مصاريف أربعين ألف شيخ، فإن هذا من الأدلة الواضحة على مخالفتهم لشرع الإسلام حيث نهبوا بيت مال المسلمين واستخدموه لتهييج الفتنة وسفك دماء المسلمين. وحاصل الكلام أنه حتى اليوم لم يستطع حماة مسببي حربي الجمل وصفين أن يأتوا بدليل شرعي واحد من القرآن والسنة والعقل والأخلاق الإسلامية على صحة ما فعلوه وعلى العكس من ذلك هناك أدلةٌ كثيرة على مخالفة مسببي تينك المعركتين الصريحة للقرآن والسنة والعقل.

لما كان عثمان قد أطلق أيدي الأمويين – [ومنهم معاوية الذي كان والياً من قبله على الشام] - في بيت مال المسلمين ليأخذوا منه ما شاؤوا، تمكَّنقام معاوية من ادخار وكنز مئات آلاف الدنانير لخلافته ولتجهيز الجيوش وقتل المسلمين، وكان كنز وادخار تلك الأموال في تلك الأيام عملا مخالفاً لعمل النبيِّ وأصحابه لأن بيت المال ملكٌ لجميع المسلمين وليس ملكاً لمعاوية. ففي الحقيقة كان عمل معاوية سرقةٌ كاملة. ولا شك أن الأربعين ألف شخص من حماته لم يكونوا يلطمون صدورهم لأجل عثمان بدون الحصول على المال. فإذا علمنا أن مهد الأمويين في الأصل هو مكة ومن هاجر منهم كان مسكنه المدينة، عرفنا أنه لم يكن في الشام منهم سوى معاوية، وبالتالي فإن معاوية جَمَعَ المال من سرقة مال المسلمين وصَرَفَهُ على قتل المسلمين أنفسهم وقد أحسن الاجتهاد في هذا حسب قول الشيخ الغزالي!! بل إن الجمل ووسائل القتال التي استخدمتها السيدة أم المؤمنين ونقلتها من مكة إلى البصرة كانت من أموال العمال وولاة عثمان المعزولين، أضف إلى ذلك أن معاوية قام في عهد خلافة عليٍّ (ع) بالإغارة على الكوفة ونواحي الموصل وأطراف اليمن حيث يوجد شيعة عليٍّ ونهب وسلب ما استطاع من أموالهم وقام بقتل محمد بن أبي بكر وعمر بن حمق الخزاعي ورشيد الهجري ومالك الأشتر الذين كانوا من شيعة علي وأصحابه ظلماً وعدواناً، وأنالهم الشهادة واحداً تلو الآخر، مع أن أكثرهم كان من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (البقرة/48). لقد كان شيعةُ عليٍّ وأنصارُهُ مسلمين فبأي حقٍ يُقتَلون بحجة معاداة عليٍّ وبأيِّ حقٍ يتم قطع صلة وعطايا بني هاشم بسبب معاداة عليٍّ؟؟ أمَّا عليٌّ فلم يقطع عطايا بني أمية في خلافته. والحاص إن أعمال معاوية تدل على أنه لم يكن يعتقد عملياً بالقرآن وقد مزَّق معاهدته مع الإمام الحسن بعد الصلح مع أن نقض العهد محرمٌ في القرآن ومحرمٌ لدى جميع الأنبياء، ففي خلافة الحسن بن علي (ع) قام معاوية بأعمالٍ تمثل مخاصمةً لجميع الأنبياء لا للقرآن ونبيِّ المسلمين فقط. وبعد تسلطه قام معاوية في مدة خلافته بإقطاع مروان بن الحكم الأموي أرض فدك التي كانت من أراضي الصلح وكانت للنبيِّ خاصة حيث كان يصرف حاصلاتها على أبناء السبيل والمحتاجين وفعل فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الأمر ذاته، فكان عمل معاوية هذا معاداةً للنبيِّ ولدين الإسلام. وإذا دققنا في سيرة معاوية اتضح إلينا أنه لو كان دهرياً ملحداً لما أمكنه أن يفعل أكثر مما فعل. فلا ندري أي أثر كان للدين في معاوية وأي علامة من علامات الدِّين كانت فيه؟ لقد ارتكبت جميع سلاسل أسر السلاطين والملوك الذين حكموا بلاد الإسلام حتى اليوم كل نوعٍ من المحرمات الدينية في سبيل الوصول إلى الرئاسة والملك، ولا يزالون يفعلون ذلك ولم يكن لمعاوية أي امتياز عليهم في هذا الأمر ولم نجده راعى الإسلام في أيٍ من أعماله. وإذا كان قد قام بفتوحات فإن ذلك كان للاستيلاء على البلدان وتوسعة رقعة مملكته ولم يكن جهاداً إسلامياً بالمعنى الصحيح لأنه لم يكن يعمل بشروط الجهاد الشرعية في أيٍّ من الحروب التي خاضها.

إذن قول [أبي حامد] الغزالي بأن عمل عليٍّ ومعاوية كان اجتهاداً في مسألة البطء أو الإسراع في الاقتصاص من قتلة عثمان، قولٌ باطل وفارغ ولا معنى له لأن الاقتصاص من قتلة عثمان له جانبان جانب خصوصي يتعلق بورثة عثمان وهؤلاء لم يأتوا إلى علي ويطلبوا منه القصاص، فعندما لا يقوم المدعي بالمطالبة بحقه لا يُلزَم القاضي أو الخليفة، شرعاً، بإقامة الدعاوى الخاصَّة، والجانب الآخر جانبٌ عمومي وهو جانب الحق العام وهو يتعلق بمقام الخلافة ولكن السادة طلحة والزبير والسيدة عائشة أحدثوا ثورة في مكة والمدينة وقام ولاة عثمان المعزولين انطلاقاً من حقدهم القديم ضد بني هاشم وعلي بتزكية نار الفتنة وقام طلحة والزبير بكتابة رسائل لأهل البصرة والكوفة ودعوا شيعة بني أمية للثورة معهم واجتمع أربعون ألف شخص تحت منبر الشام الذي علق عليه قميص عثمان المضرج بالدم لدى معاوية وهم يلطمون بكاءً على الخليفة المقتول ويطالبون بالاقتصاص من قتلته وغرضهم ثورة البصرة والكوفة ومصر فأصبح علي في بداية خلافته يواجه ثلاثة أعداء متربصين به وكان طلحة والزبير ومعاوية يريدون أن يشتغل علي بهذه المراكز الثلاثة الكبيرة كي يستولوا على الخلافة منه دون تعب وكانت تلك القضية أيضاً ليست في صالح المسلمين، والحاصل أن معاوية لم يكن مرجعاً ولا ارتباط له لا بالجانب الخاص ولا بالجانب العام من قضية قتل عثمان. فمن أين جاء الاجتهاد الذي يتحدث عنه الغزالي [وأمثاله]؟ ألم يكن أولى بمقام «الغزالي» العلمي أن يتمسك بآيات القرآن بدلا من ادعائه الاجتهاد لمعاوية في مواجهة نص القرآن؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/59) فهذه الآية دستور تشريعي للأمة المرحومة إلى يوم القيامة حيث تقول إن كل شيء يتنازع فهي المسلمون يجب أن يُرْجِعُوه إلى الله ورسوله إذا كانوا يؤمنون حقاً بالله ورسوله ويوم القيامة.

إن الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، والنزاع بين شخصين في أمر مشترك هو من باب الحقوق المشتركة بين الناس والآية تأمر بالرجوع في مثل هذا الأمر إلى قانون الشرع الإلهي لحل الخصومات لأن الله ورسوله أعلم من كل مشرع بشري في بيان الحكم العادل بين المتخاصمين وأبعدهما عن الغرض والحاجة، لذا فإن قانون الشرع الإلهي له الأولوية المتعينة للمرجعية في رفع الخصومات وحلها، فكلُّ مؤمن مكلف أن يرجع إلى الله ورسوله في نزاعاته مع الآخرين، وإذا لم يرجع إليهما لم يكن مؤمناً بالله ورسوله، وبعبارة أخرى فإن من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر الرجوع في النزاعات الحقوقية إلى الله ورسوله، فالصفة المميزة للمؤمن التي تميزه عن الكافر هي أن المؤمن يرجع في الدعاوى الحقوقية ويتحاكم إلى الله ورسوله أما غير المؤمن فلا يملك هذه الصفة المميزة فلا يتقيد بحكم الله وشرعه وقانونه، بل يترافع إلى قانون وضعي.

لقد كان مقتضى الاعتقاد والتسليم بالآية الأخيرة وبما سبق ذكره من الآيات أن يحضر السادة طلحة والزبير والسيدة عائشة ومعاوية وعمرو بن العاص جميعاً إلى المدينة المنورة ويجتمعوا في الروضة المطهرة ليتدارسوا ما يأمر به القرآن والسنة في شأن قضية مقتل عثمان، ويرجعوا في ذلك إلى رأي علماء الصحابة بحضور عليٍّ لينهوا هذا النزاع المدمِّر للإسلام ليكونوا مصداقاً للعمل بآية: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، لأن المدينة كانت مركز الدين والمرجع في رفع الخصومات وكان عليٌّ حاضراً فيها. لكنهم لما رأوا أن اجتماعهم في المدينة ومناقشتهم هذا النزاع سيُخْرِجُ علياً بريء الذمة منه ذهب جماعة إلى الجمل وجماعة إلى صفين وأقدموا على مقاتلة المؤمنين. اللهُ أمر بالرجوع في النزاعات الحقوقية إلى الله ورسوله وإلى شريعته لكن القوم رجعوا بدلا من ذلك إلى السيف وسفك الدماء، ودفعهم بغضهم لعليٍّ إلى مخالفة القرآن الصريحة وشق عصا المسلمين وابتداع تلك البدعة الخبيثة، وأصابوا الإسلام ودماء أهله التي أُمِروا بصيانتها وحقنها بثلمة عظيمة، وتركوا لمن بعدهم هذه البدع في الإسلام، فمنذ ذلك اليوم الذي انتقل فيه الاحتكام إلى القرآن والشرع في المدينة إلى الاحتكام إلى السيوف وسفك الدماء في البصرة وصِفِّين سرت هذه السنَّة السيِّئة لجواز ترك العمل بالقرآن إلى جميع ملوك وسلاطين الإسلام واستُبْدِلَت بالعدالة الإسلامية والحقوق والمساواة التي أمر بها الدين الحكمُ المُتجبِّرُ والكِسْرَوِيُّ: «فَلَهُ وِزْرها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامة » .

إن جميع الصراعات السياسية والسلطانية في الدنيا ونزاعات الشعوب غير الإسلامية في عصور التاريخ لم تتحول إلى قتال وسفك للدماء إلا لعدم وجود مرجعية لديها لحلّ النزاعات فكان مرجعها دائماً السيف. فكم كان من الخير أن يتبع مسببو الجمل وصفين القرآن والشريعة لحل نزاعهم بدلا من اتباعهم طريقة الشعوب الأخرى والدهريين! حقيقة الدين كانت تقضي أن يقوم أصحاب الجمل وصفين بإنهاء خصومتهم ونزاعهم بشأن قتل عثمان بواسطة الاحتكام إلى حكم القرآن.

مثلا لو كان النصارى قد وضعوا قانوناً للقضاء وحل النزاعات لما قاموا بخيانة عيسى والأناجيل، حيث كان إيمانهم بالإنجيل هو خاصيَّتهم التي تميِّزهم عن الملل الأخرى. ولمَّا لم يتضمَّن الإنجيل قانوناً لحل النزاعات فكان من الواجب على النصارى أن يقوموا أنفسهم بوضع مثل هذا القانون وعندئذٍ لن يتجه إليهم النقد الديني. وهذا خلاف لحال المسلمين الذين يمتلكون في شريعة الإسلام قانوناً للقضاء والمحاكمات تم بيانه بشكلٍ وافٍ وذُكِرَتْ فيه طريقة حل النزاعات الحقوقية، فإذا لم يعد المسلمون إلى القانون الإلهي الشرعي يكونون قد خانوا الله والقرآن ومُسخوا وسلبوا عن أنفسهم أهم خاصية تميزهم عن بقية الأمم.

ينقسم الذين فقدوا صفة الإيمان التي تميز المسلم عن غير المسلم من الماضين والحاضرين والآتين في المستقبل إلى عدَّة فرقٍ:

1- القسم الأول: الذين تركوا شخصياً الرجوع إلى أحكام الإسلام وتمردوا على مرجعيته، لكن تمرَّدهم هذا تمَّ بصورة فردية، فالتارك [للحكم بما أنزل الله] من هؤلاء إن كان مقصِّراً عالماً وعامداً كان كافراً، وإن كان قاصراً كان فاسقاً، والفسق والكفر هنا شخصيان.

2- القسم الثاني: الذين قاموا بوضع قوانين في مقابل القانون الإلهي. هؤلاء الجماعة أشقى وأكفر من النمط الأول. لأنهم إضافةً إلى فقدانهم صفة الإيمان التي تميز المسلم عن غير المسلم، فإنهم سببوا أيضاً فقدان الآخرين أيضاً لهذه الصفة المميزة: «من سنَّ سنة سيئةً...».

3- القسم الثالث: الذين عملوا بالقوانين الوضعية وترافعوا إليها فهؤلاء شركاء مع النمط الثاني في الفسق والكفر حيث أنهم باختيارهم الحرّ سلبوا عن أنفسهم صفة الإيمان المميزة للمسلم عن غير المسلم.

4- القسم الرابع: المتفرجون الحياديون الذين يلزمون السكوت والصمت: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (الأنفال/22) وهؤلاء غالباً ما يعتبرون أنفسهم زُهَّاداً وعُبَّاداً وورعين وأتقياء ويفتخرون بأنفسهم كثيراً، ومعظم أفراد الأمة الإسلامية من هذا النمط. ونظراً إلى أهمية الدين البالغة في إصلاح دنيا المتدينين وآخرتهم فإن الجهاد الدفاعي واجبٌ على هذه الفئة لكنهم رغم ذلك جلسوا صامتين متفرجين [على تبديل أحكام الشرع] لا  يحرِّكون ساكناً، ويُضاف إلى ذلك إن الفئة الثانية تُلزِم هؤلاء بالعمل بالقوانين الوضعية المناقضة للإسلام وترك العمل بما أنزل الله من شرع.

عندما تُزال عن المسلمين الخاصية التي تميز هويتهم وهي الإيمان [والعمل بشرع الله] فإن سكوت أهل الإيمان وصمتهم مضرٌ بالإسلام والإيمان بل فيه نوعٌ من التأييد والمساعدة للذين أزالوا تلك الخاصية المميزة لهوية المسلمين، وللذين اتبعوهم في ذلك وعملوا ضد إيمانهم وأهانوا الله ورسوله. وهؤلاء لا يقلون عن الفئة الثانية والثالثة في معاداتهم لما أنزل الله ومخاصمتهم لشرعه، فضررهم على الإسلام أكثر من نفعهم.

5- القسم الخامس: الهمج الرعاع الذين يتْبَعون كل ناعق ويعشقون بطونهم وينقادون لأصحاب القوة الفعلية في كل زمن، ولا يفرقون بين الإيمان والكفر ولا  يميزون الحق من الباطل، يخلطون القبيح بالحسن ويمزجون المعروف بالمنكر في قَِدْرٍ واحدة، ولا يفرقون بين المعجزة والأسطورة ويخلطون بين الصدق والكذب ويظنون الشعوذة معجزةً فيروِّجون لها بلا تأمل أو تفكير، ويتبعون أصحابها دون تدبر إيماني ويساعدون كل ظالمٍ على استبداده وسلبه ونهبه ويقدِّمون أرواحهم آلافاً مؤلفة لصالح كلِّ متَّبعٍ لهواه، ويصبحون بسبب جهلهم الفطري وانغماسهم في الحيوانية عبَّاداً للحيوانات فيبتعدون عن صفة الناطقية التي تميز هوية الإنسان عن سائر الحيوانات. إن العقل ليتحير عندما يلاحظ حالة هذا الفريق، وتأخذه الدهشة والعجب ويتساءل في حيرةٍ وتشويش: يا بارئ النسم هل مرجع هذا الفريق إلى جنات النعيم أم إلى دركات الجحيم؟ أم سيكونون طعاماً للثعابين والحشرات ويصبحون تراباً رميماً؟ في الواقع طبقاً للأصول ولوجوب تبليغ الأحكام للجاهلين، الذي يعد من واجبات العلماء الحتمية، يقع وزر معاصي هذه الفئة الخامسة على عاتق الأقسام الأربعة السابقة.

إذا عرفنا ذلك نقول: كم من القبيح أن يرتد المسلمون عن مضمون الإيمان الذي يميزهم عن الآخرين ويتخلوا عن الأحكام الإلهية الشرعية التي تؤيد جانب النطق أي الجانب الروحي منهم، ويجعلوا من القوانين المادية بدلا من الشرع الإلهي دستوراً لحياتهم وينسلخون عن حلية الإيمان والناطقية ويندرجون في عداد الجنس المشترك للإنسان الذي هو الحيوانية المحضة فقط التي يشتركون فيها مع الوزغ( 73 ) والعظايا( 74 ). وكيف يجرؤ هؤلاء وهم على هذه الخصومة العلنية للقرآن وأحكام شرع الله على الذهاب إلى المساجد ورفع أكفهم بالتضرع والدعاء وطلب حوائجهم الدنيوية والشفاعة الأخروية من الصادع الأقدس بالإسلام؟! لا شك أن هذه الأدعية لن تُستجاب، فهم خارج المسجد يعادون الله ورسوله وداخل المسجد يطلبون الحاجات منه.

لقد اتضح أن واضعي القوانين المضادة للإسلام والعاملين بها والمنفذين لها والساكتين الحياديين الذين لا يحركون ساكناً كلهم في عداد الخصوم للقرآن المجيد، ارتدوا عن امتياز وشرف الإيمان بـ«قال الله وقال رسول الله» إلى حضيض الكفر وذلة قال فلان، وانحطوا عن فصل الناطقية المميز للإنسان عن الحيوان إلى جنس الحيوانية المشترك بين الإنسان والحيوان. لقد أدى هذا التغيير والتبديل لقانون الإسلام ونسخه واستبداله بغيره إلى اختلاف الكلمة وشق عصا المسلمين وإلى المزيد من إضعافهم وتسلط الأجانب عليهم ونفوذهم فيهم. لو أن المسلمين الذين انقسموا فرقاً في تعيين الخلافة النبوية بعد رحيل النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم رجعوا في ذلك اليوم إلى القرآن وأسسوا أساساً محكماً لتعيين الخلفاء ورئيس السياسة الإسلامية ووضعوا نهجاً ونظاماً مقرراً واحداً إلى يوم القيامة لحياة المسلمين [لكان حالهم غير الحال التي هم عليها الآن] ولكن واحسراتاه لقد هُجِرَ القرآن في ذلك اليوم مثلما تُرك وهجر اليوم وتم استبدال «قال الله وقال رسول الله» بـ قال فلان. وتم نسخ ومسخ الجانب الروحاني والتوحيدي والأخلاقي والإيماني والأخروي في الإنسان والانصراف عن النفس الناطقة وعن الوحدة إلى الكثرة وعن الإنسانية إلى الحيوانية، إلى الدنيا المؤقتة الزائلة، والمسخ الروحاني عن أسرار الأنبياء والأولياء الكرام حيث أصبح العامة لا يعلمون شيئاً سوى ما يتعلق بالجانب الجسمي وأصبحوا غير قادرين على تمييز الإنسان الإنساني عن الإنسان الحيواني.

ملاحظة: لقد قلنا في قسم المقدمات في هذه الرسالة أن بحثنا هو حول موافقة كتاب الله ومخالفته، فنمدح الأول ونذم الثاني، وأننا لن نتدخل في النسب والحسب والقبيلة والعرب والعجم والتُّرك والديلم، وأن ما يهمنا هو البحث فيمن يقبل بآيات القرآن ومن يردها. ولا تخفى أهمية معركة الجمل وصفين بالنسبة إلى جميع المعارك الإسلامية لأنها كانت أول حربٍ أهليةٍ بين المسلمين أنفسهم وكانت ابتداء هتك ناموس الخلافة وأول مرةٍ أهدرت فيها دماء المسلمين انطلاقاً من الميول والأهواء الشخصية. وقد عرضنا هاتين المعركتين ومسببيهما على القرآن المجيد الناطق بالحق والمنادي بالصدق وقلنا إن أصحاب صفين ومعاوية خالفوا بصراحة الآيات التالية:

﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا...﴾ (الأنعام/160)،

﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص/84)

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ...﴾ (غافر/17)

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا...﴾ (البقرة/48)

﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يس/54)

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (فصلت/46)

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...﴾ (المائدة/45)

إن أصحاب الجمل وصفين شركاء في مخالفتهم للآيات المذكورة، وكلهم نسبَ إلى عليٍّ كذباً أن له يداً في قتل عثمان، ولكن نظراً إلى طول صحبة «طلحة والزبير» لصاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم واعتقادهما بحقائق القرآن، فإنهما بعد لقائهما بعليٍّ (ع) في المعسكر وتذكريهما بما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تابا وندما على ما فعلا واستشهدا، كما أن السيدة أم المؤمنين قامت بعدهما بتحريكٍ من عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم بالحرب فلما هزمت وغلبت اضطرت إلى العودة إلى المدينة! ولكن بملاحظة الآثار المشؤومة لمعركة الجمل وما حدث فيها من أحداث واقتتال بين المسلمين وإهانة لمقام الخلافة وإراقة لدماء المسلمين وإقدام أم المؤمنين على الحرب واتهام عليٍّ بدم عثمان، هل يمكن التوبة من ذلك العمل مع كل تلك الآثار التي ترتبت عليه؟ لقد نقلوا عن السيدة أم المؤمنين توبتها وإنابتها عما فعلته من إقامة حرب الجمل وهتكها لمقام أم المؤمنين، ولا شك أن للقلم الحق في تحرير ذلك إلى الحد الذي لا ينثلم فيه استناد الزوجة المخدّرة للمقام النبوي الأقدس!

أما معاوية وقواته في صفين فقد خالفوا جميعاً تلك الآيات مخالفةً علنيةً وكانت السيدة أم المؤمنين مصرَّةً جداً في اتهامها لعليٍّ وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الجاثية 7/8) فقد كانت السيدة أم المؤمنين ومعاوية مصرين على ذلك الافتراء والكذب المبين حتى النهاية ولم يلقوا بالا لكتاب الله والآيات المذكورة.

ولقد قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الجاثية/21). وقال: ﴿... وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية/28).

لم ينسب أي مؤرخ من مؤرخي الإسلام قتل عثمان إلى عليٍّ وكان أول من افترى هذه الفرية أصحاب الجمل، ولما كان مطمح وقرة عين معاوية الوصول إلى مسند رئاسة الإسلام وكان مفتاح هذه الرئاسة بيد السيدة أم المؤمنين وكانت هي التي رفعت علم هذه التهمة والإفك بحقه، استخدم معاوية القرآن والشريعة وسيلةً للوصول للرئاسة!

﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا  يَعْلَمُونَ (البقرة/101). بالطبع لم تكن هناك فائدةٌ من دعوة معاوية وأصحاب صفين إلى الاحتكام إلى القرآن لأن من ينكر عملياً إحدى عشر آية صريحة من القرآن لا يمكنه أن يعتبر نفسه من أهل القرآن حتى يدعو إلى الاحتكام إلى القرآن، فيكون القرآن شفيعه وهاديه. إن كل من تجرد للحق من أتباع المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة وترك جانباً الحب والبغض والعصبية والتقليد واللجاج الصرف، وأراد أن يسلك سلوكاً متطابقاً مع نص آيات القرآن وأن يميز بين الحسن والقبيح والخير والشر ويعتبر أن معيار القرآن وميزانه هو المعيار المسّلم به في الفرقان بين الكفر والإيمان والضلال والهداية يرى في أعمال معاوية مخالفة للقرآن وبعد انتهاء حساب الأمم وعبور الأمة المرحومة على الصراط يستحيل أن يكون للقرآن أي شأن بمعاوية. ومخالفة معاوية لم تقتصر على الآيات الإحدى عشر السابقة بل إن معاندته لآياتٍ كثيرةٍ أخرى بعد شهادة عليٍّ معاندة واضحة وأكيدة.

[نعود إلى ذكر فضائل علي (ع) في القرآن]:

الآية الثانية: «وأنذر عشيرتك»، والآية الثالثة: آية التطهير، والآية الرابعة آية «هل أتى على الإنسان»، والآية الخامسة آية التصدق بالخاتم (إنما وليكم الله)، والآية السادسة حمل سورة براءة للإعلان بها. والآية السابعة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة/67)، وعموم الآيات التي نزلت بحق المؤمنين بالقرآن والمصدقين بالرسالة ووعدتهم بالجنة تشمل بعمومها عَلِيَّاً الذي يُعدُّ أحد أفرادها الواضحين والمسلم بهم. وكذلك كافة آيات الجهاد التي نزلت بشأن مجاهدي الإسلام خلال مدة ثلاثة وعشرين عاماً والتي تزيد على مائة آية بحق المؤمنين والمهاجرين والأنصار جميعها - قطعاً ويقيناً وبتصريح علماء فن التفسير ومؤرخي والإسلام قاطبةً - تشمل عَلِيَّاً بالضرورة، ولم يمر على عليٍّ أي يوم في حياته في الكفر أو الشرك والوثنية. وإسلامه قبل سن البلوغ منقوش على منصة لوح القضاء والقدر، وقد كان وجوده كله ترويجاً للقرآن، في حين كان معاوية بتمام جوارحه يسعى في معاداة القرآن ومعارضته. ومع كون عليٍّ مصداقاً لآية المباهلة وآية التطهير وآية «هل أتى» لا يمكن لأي مادي وطبيعي ودهري أن يجرؤ على الطعن بعليٍّ ولعنه فكيف اجترأ معاوية على مخالفة مائة آية من القرآن ولعن أحد أبرز مصاديقها؟

وكل نقدٍ وإدانةٍ لمعاوية يتجه أضعافه إلى جماعة من العلماء ممن يعتبر نفسه متبحراً في التفسير وأنه تجشم مشقاتٍ كبيرة في العلم [ممن يدافع عن أعمال معاوية ويبررها]، لأن العلماء هؤلاء الأعلام لم يفهموا المسلمين حقائق القرآن بعد انقراض بني أمية. إن قيام معاوية ويزيد وسائر بني أمية بلعن عليٍّ وذمهم لأصحاب الكساء الذين كانوا مصداقاً لآية التطهير أبين من الشمس في رابعة النهار. فسلاطين بني أمية الجبابرة منذ زمن معاوية وحتى مروان الحمار باستثناء عمر بن عبد العزيز كانوا جميعاً عديمي الدين ودهريين عبَّاداً للمادة لأن ادعاء الإسلام والاعتقاد بالقرآن يتنافى منافاة تامة ويباين مباينة صريحةً لعن أصحاب المباهلة أي الخمسة الطيبين.

والخلاصة إن معاوية في معاداته لعلي عادى وخاصم جميع آيات القرآن التي نزلت بحق المؤمنين بشكل عام [وتشمل بعمومها علي] أو بحق علي (ع) بشكل خاص، وجميع الآيات التي تدل على عدل الله. ورغم ذلك لا  يستجيز راقم هذه السطور المزيد من سوء التعبير بحقه وحفظاً لناموس الإسلام لن أسمح لقلمي بمزيد من الاسترسال في التوبيخ رغم تلك الأعمال ضد القرآنية والسلوك المتوحش المحض، والمقدار الذي ذكرته لم يكن طعناً بشخص معاوية كشخص بل هو حديث عن موضوع موافقة القرآن المجيد ومخالفته كي ينتبه أهل القرآن إلى أن كل من وجد قوة وشوكة وقهراً فقام بغصب حقوق المسلمين والتضحية بنفوسهم في سبيل وصوله إلى الرئاسة واعتبر نفسه بالظلم والفتك من أولي الأمر وأميراً للمؤمنين فإن القرآن لا  يصدقه في ذلك. إن المعيار والمناط هو تصديق القرآن وتكذيبه وليس رأي العلماء ولا إجماع أهل الحل والعقد.

إن أحد خصائص ومزايا عليٍّ (ع) أنه بعد أن ضربه أشقى الناس ابن ملجم المرادي قال في وصيته المقدسة لابنه الحسن: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لا  أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلا لا  تَقْتُلُنَّ بِي إِلا قَاتِلِي. انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ » (75) أي اضربوه ضربةً واحدة دون أية زيادة كما ضربني ضربة واحدة كي يكون القصاص شرعياً.

لم يشهد تاريخ البشر أحداً حكم بمثل هذا العدل إلا علياً (ع) فكان عليٌّ إذن مصداقاً كاملا لآية أولي الأمر ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء/58).

منذ نزول هذه الآية وحتى زمن تحرير هذه الأوراق كان مصداق الحكم بالعدل هو هذا فقط، ولم يأتِ أي مصداقٍ أوضح لمثل هذا الحكم العادل في الإسلام.

 

الفصل الخامس

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (النساء/60-61).

ذكروا في شأن نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف(76). وإنما كان اليهودي يريد التحاكم إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أولا: لأنه يعلم أنه لا يقبل الرشوة فقد حرَّمها أشد التحريم. وثانياً: لأن النبيَّ لا يجور في حكمه، فالقضاء النبوي العادل لا يختص بالمسلمين بل يشمل جميع الناس سواءً كانوا مسلمين أم يهوداً أم نصارى أم مشركين، في حين كان العربي المنافق يميل إلى التحاكم إلى كعب بن أشرف اليهودي لأنه يعلم أنه يقبل الرشوة...

تنبيهات:

أولا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية وإن كانت قد نزلت بشأن شخصين فإن حكمها عامٌ ولا يختص بذلك المورد بل يشمل كل متخاصمين يريد أحدهما أن يرجع إلى الله ورسوله ويريد الآخر أن يرجع إلى غير الله ورسوله.

ثانياً: لا يختص الطاغوت والشيطان والمنافق بوقت نزول الآية بل مصاديق هؤلاء الثلاثة موجودون في الدنيا دائماً، ففي زماننا أيضاً يوجد الطواغيت والشياطين والمنافقون ويجب أن نميّزهم بقوة الإيمان وبفهم القرآن.

ثالثاً: الطاغوت مبالغةٌ من الطغيان وهو كلُّ مَنْ كَانَ يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه سَوَاء كَانَ صَنَمًا أَوْ شَيْطَانًا جِنِّيًّا أَوْ آدَمِيًّا وهذا الطاغوت يُعبَّر عنه أحياناً بعبارة «رجسٌ من عمل الشيطان» ويُعبَّر عنه أحياناً أخرى بالشيطان وأحياناً بالصنم والوثن، والمُراد من الجبت والطاغوت والصنم والوثن كلُّ حاكم يحكم بغير الحق ويتحاكم الناس إليه. والمثال الواضح والمصداق المسلّم به للطاغوت: القوانين المُخالفة لشرع الله، فالتحاكم إلى هذه القوانين هو في الواقع وثنية واتباع للطاغوت والمراد من «الضلال البعيد» اتباع أحكام الطاغوت والشيطان، والمراد من الهداية اتباع أحكام الأنبياء التي أنزلها الله عليهم، والمراد من المنافق، الذي هو أسوء من الكافر، رجال السياسة والدبلوماسية الذين يتبعون قانوناً غير شرع الله والحاكم الذي يحكم بين الناس بغير ما أنزل الله. وطبقاً لهذه الآية الكريمة فإن من يشرّع القانون المضاد لحكم الله عابد صنم ومن يتبع هذا القانون عابدُ صنمٍ أيضاً. فواضع مثل هذه القوانين ومنفذها ومطيعها كلهم عبدة طاغوت وهم الذين لعنهم جميع الأنبياء، كما أن المجتمع والشعب الذي يرضى بالقانون غير الإلهي ويتبعه هو مجتمع وثني وعابد للشيطان. ولا شك أن دعاء مثل هذا المجتمع الوثني لن يكون مستجاباً وأن الفيوضات الملكوتية ستُقطع عن مثل هذا المجتمع. ويجب على العلماء أن يُفهِمُوا عامة الناس هذه الآيات.

رابعاً: الآية صريحةٌ في بيان التناقض الواضح بين عقيدتين إحداهما الإيمان والإذعان إلى ما أُنزل على النبي والأنبياء، والثاني الرجوع إلى غيرهم والتحاكم إلى الطاغوت، لأن العمل الأول مأمورٌ به والعمل الثاني منهيٌ عنه، وبين المأمور به والمنهي عنه تناقضٌ واضح. إضافةً إلى ذلك اعتبرت الآية الرجوع إلى غير ما أنزل الله من فعل الشيطان فادعاء الإذعان لِـلَّهِ والرسول يتناقض ويتنافى مع التحاكم إلى الطاغوت فادعاء فاعل ذلك للإيمان ادعاءٌ كاذب. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (البقرة/256)

خامساً: الشيطان مقابلٌ (ندٌّ) للرحمن أي أن الباطل مقابلٌ للحق. أحد الأمثلة البارزة والمسلّم بها للشيطان هي إبليس الذي رفض السجود لآدم، ولكن الأمثلة والأفراد الآخرين للشيطان موجودون إلى ما شاء الله فكل نفسٍ إنسانيةٍ لها شيطانها، قال رسول الله: «لكل نفسٍ شيطانٌ. قيل حتى أنت يا رسول الله؟ قال: نعم لكن شيطاني أسلم بيدي » (77).

من البديهي أن حب الرئاسة والتجمُّل والجاه والفخفخة والتعدي على أموال الناس ظلماً والبهيمية والاستبداد واتباع الهوى وعدم الإذعان إلى شرع الله حيوانية محضة وشيطنةٌ صرفة، وتختلف مراتب الشيطانية تبعاً لشدة الأعمال البهيمية أو ضعفها، فالنموذج الكامل هو الرئاسة المطلقة والحكم الاستبدادي مطلقُ العنان وهو يمثل النقطة المقابلة تماماً للديانة والنبوة والشريعة. فعدد الشياطين بعدد نفوس البشر.

إن أعمال المسلمين الحالية من مراكش إلى الصين تخالف هذه الآية الكريمة بكل معناها ومدلولها الصريح. وهذه قضيةٌ عجيبة ومدهشة أن تكون أعمال المجتمع الإسلامي مخالفة لتصريحات الكتاب السماوي والشرع الإلهي بشكلٍ كامل ورغم ذلك لا نجد لا العامة ولا الخاصة ملتفتين إلى ذلك! فمتى بدأت هذه الغفلة؟ لقد كانت نتيجة هذه المخالفات في عهدنا ذل أمة الإسلام وانحدارها وانحطاطها من مرتبة السيادة والعلو على الأمم إلى قعر دركات جهنم التبعية للغير. ولا زال عقلاء الأمة وعلماؤها غير قادرين على إدراك الأمر ولم يبدؤوا بالتفكير بسياسة أنفسهم الدنيوية والأخروية وكأن مجتمع المسلمين قد سحر وضربه الجن ﴿لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...﴾ (البقرة/275). وابتُلِي بسباتٍ عميق كسبات الحيوانات ذوات الدم البارد في فصل الشتاء!! والعجيب أنه كلما زاد ذلّ المسلمين في عهدنا وفقرهم وشقاؤهم ونزاعاتهم وتفرّقهم، وكلما ازدادت تبعيتهم وتقديم أوطانهم وثرواتهم للأجانب، قلَّ وعيهم وتشبثوا بكل وسيلةٍ إلا التمسك بكتاب الله القرآن المجيد ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ...﴾ (البقرة/101). ولما لم تعمل الأمة بالقرآن قطع صاحب القرآن إفاضاته الملكوتية الغيبية عنهم. إن وجود ما وراء الطبيعة ينادي بنداء التشريع القرآني في الفضاء الإسلامي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (البقرة/40) ما لم تعملوا بالقرآن لن استجيب لدعائكم.

 

الهوامش:

(63) إشارة إلى الآية التي وردت قبلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ..﴾ (النساء/58).

(64) يقصد الآيتين 58 و59 من سورة النساء.

(65) الجهل المركب هو أن تجهل وتجهل أنك تجهل بل تظن نفسك عالماً، أما الجهل البسيط فهو أن تجهل وتعلم أنك غير عالم فلا تدعي العلم.

(66) كان الأولى بالمؤلف أن يأتي هنا بقوله تعالى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام/164).

(67) ذكر المؤلف هنا جملة ﴿ألا لعنةٌ على القوم الظالمين﴾ بوصفها آية! ولكنه أخطأ في ذلك فليس في القرآن مثل هذه الجملة أصلاً!.

(68) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، أيام عمر بن الخطاب، 2/155، وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (597هـ)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: حوادث سنة 17هـ.

(69) هذا ليس بدقيق لأن المعروف الذي ذكره المؤرخون أن عمر بن العزيز (رح) أوقف لعن علي (ع) على المنابر وكتب بذلك إلى الآفاق (انظر على سبيل المثال: اليعقوبي، ج2/ ص 305)؛ وبما أن عمر بن عبد العزيز ولي الخلافة سنة 99هـ، وكان معاوية قد وليها سنة 40هـ فلعن علي عليه السلام على المنابر دام قرابة ستين عاماً وليس مائة.

(70) هذا الترحم عين عبارة المؤلف، وترحمه على الغزالي السني رغم نقده لرأيه دليلٌ على إنصاف المؤلف واعتداله وعدم تعصبه وجدير بالتحسين.

(71) ليس حديثاً نبوياً، ورُوِيَ ما يشبهه عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (ع) ونصُّه: «.. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (ع) فِي رَجُلَيْنِ يَتَسَابَّانِ فَقَالَ: الْبَادِي مِنْهُمَا أَظْلَمُ ووِزْرُهُ ووِزْرُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمَظْلُومُ» (رواه الكليني في الكافي، ج2/ص322).

(72) هذا المعنى مشهور وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة منها ما أخرجه الكليني في الكافي(5/52): «عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلِمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. ثُمَّ قَالَ (أبو جعفر): يَا أَبَا مَرْيَمَ! هَلْ تَدْرِي مَا دُونَ مَظْلِمَتِهِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! الرَّجُلُ يُقْتَلُ دُونَ أَهْلِهِ وَدُونَ مَالِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا أَبَا مَرْيَمَ! إِنَّ مِنَ الْفِقْهِ عِرْفَانَ الْحَقِّ». وروى الكليني أيضاً عن رسول الله (ص): «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهِيد»، وروى الطوسي في التهذيب عن رسول الله (ص) قوله: «مَنْ قُتِلَ دُونَ عِيَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». والحديث وارد في كثير من دواوين حديث أهل السنة كما في سنن أبي داود (4772) وصححه الألباني، وفي سنن الترمذي (1421) ولفظه: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وقَالَ الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه بقية أصحاب السنن وأصحاب المسانيد.

(73) الوزغ: هو سام أبرص من الزواحف ذات الأربع ويُسمى باللغة الشامية: أبو بريص.

(74) العظايا: دويبة ملساء من الزواحف ذات الأربع تُعرف في سواحل الشام بالسقّاية تعدو وتتردد كثيراً وتشبه الوزغ.

(75) نهج البلاغة، ص 422.