الفصل الثالث: قضيّة «أولي الأمر» ولزوم طاعتهم

قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيراً (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/58-59).

ضمير «كُمْ» في صدر الآية خطاب للمؤمنين وأصحاب الأمانة وأهلها يشملون: الله والنبيّ والأئمة المعصومين وسائر طبقات الناس من أعلاهم إلى أدناهم مسلمهم وغير مسلمهم، أي كل من كان أهلاً لأن يكون صاحب أمانة [وجب أداء أمانته إليه]، وذلك لأن كلمة «الأمانات» جمع مُحَلَّى بالألف واللام، وظاهر الألف واللام الدلالة على الاستغراق وإفادة العموم.

فأمانة الله ورسوله الأوامر والنواهي والصلاة والزكاة والحج والجهاد وتقسيم أموال بيت المال بالسوية بين المسلمين والمعاملات المشروعة والإمامة والرئاسة والحدود والقصاص. وأمانات غير الله ورسوله جميع الأموال وغيرها أياً كانت التي يجب على الشخص الأمين أن يعيدها ويسلمها إلى أصحابها.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الأنفال/27) والمثال الواضح والصريح لفردٍ خان الله ورسوله: هو «معاوية » .

وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ... (غافر/19)، وقال أيضاً: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا  يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (آل عمران/75).

ثم قال في بقية الآية (المذكورة في بداية الفصل): ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء/58). وهذه الجملة خطابٌ للحكام بين أهل الإيمان والمراد من «الناس» جميع الناس سواء كانوا المسلمين أم غير مسلمين. أي يا أيها المؤمنون! إذا حكمتم بين شخصين مسلم وغير مسلم فاحكموا بالعدل لأن المدَّعين يتساوون في الحقوق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ (ع): «سوِّ بين الخصمين في لحظك ولفظك » (34) أي لا تتحدث بغلظة مع أحد المتخاصمين وبِلِين مع المتخاصم الآخر ولا تنظر لأحدهما بعين الحب وإلى الآخر بعين البغض، بل ليكن تعاملك وسلوكك مع كليهما واحداً.

وأيضاً كتب طفلان خطاً وأتيا به إلى الحسن لكي يحكم أي الخطين أجود من الآخر فقال أمير المؤمنين (ع): «يا حسن! هذا حكم الله وهو سائلك عنه يوم القيامة » !.

وجاء في تتمة الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم ما يعظكم به الله حيث يأمركم بالخيرات والمعروف وينهاكم عن الشرور والمنكرات ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً وذكر صفتي السمع والبصر هنا غاية في الدقة واللطف وهي من باب النشر المشوش حيث أن صفة السمع ترجع إلى الحكم بين الخصمين الذي هو من الألفاظ وصفة البصر ترجع إلى أداء الأمانات الذي هو من الأفعال. أي أن الله تعالى يعلم الخائن من الأمين والظالم من العادل فهو خبير بالاثنين.

تنبيهات:

الأول: بيّنت هذه الآية الشريفة الحكام وأولو الأمر في الإسلام، فلم يُهمل الله تعالى ذكر هذا الموضوع في كتابه، وكيف يهمله وأساس دين الإسلام تعيين الحاكم الإسلامي، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام/38).

الثاني: بيّنت الآية الحاكم بصفته بشكل عام حيث أن وظيفته الأساسية وضع القوانين التي لا تختصّ بشخص أو طائفةٍ واحدة محددة، أي أنه لا  يراعي النسب ولا يحابي منسوبيه على غيرهم، وفي ذلك إشعار بأن المناصب الإلهية والقانونية مرجعها إلى علم صاحب المنصب بالقانون وعمله به من أي طائفةٍ أو قبيلةٍ كان. قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا  يَتَسَاءَلُونَ (المؤمنون/101) وهكذا لما نُفخ في صور ختم النبوة وحكم القرآن في مكة المعظمة ووصل صوته لمسامع أهل العالم ذهبت الأنساب وحلّ محلها الاعتقاد والعلم والتبليغ والتقوى والورع سواء أكان صاحبها أبيضاً أم أسوداً.

الثالث: أن الأمر قُرِّر بجملتين مختصرتين فصيحتين وبليغتين بل أفصح وأبلغ من جميع كلمات الأنبياء والأولياء والحكماء الإلهيين وواضعي القوانين في الدنيا، وأوضح وأصرح مما يمكن لجميع أنواع الملك والبشر والجن بل جميع الموجودات الناطقة في عالم الوجود وساكني الكواكب التي لا حصر لها في الفضاء اللامتناهي واللامحدود أن ينطقوا به ويعبروا به. وقد بين الأمر بأوضح ما يكون وأصرح ما يكون: الأول وجوب أداء الأمانات وحرمة الخيانات والثاني وجوب الحكم بالعدل بين الناس وحرمة الجور والظلم والجفاء والحيف والميل في الحكم والقضاء. وهاتان الجملتان تتألفان بمجموعهما من أربعة عشر كلمة مع حروف الشرط والتأكيد وفي هاتين الآيتين تم بيان جميع وظائف الحكام حيث يمكن استنباط مئات آلاف الأحكام والواجبات المنوطة بالحاكم من تلك الكلمات الأربعة عشر ولا يمكن لأي لغة أن تبين هذا المطلب بمثل هذه السهولة والوضوح. فحبذا وطوبى لقائلها جل جلاله!

الرابع: من الواضح أن نص كتاب القانون السماوي للإسلام هو القرآن المجيد، وأن الأخبار النبوية وأحاديث الأئمة الإثني عشرية شرحٌ لذلك النص، وكلمات علماء الإسلام حاشية على ذلك النص وشروحه، ولما وقع اختلاف كثير بين المذاهب الإسلامية المختلفة في الشرح والحاشية وكان إصلاحها جميعاً يحتاج إلى مطالعة كثيرة لا يكفي لها عمر الإنسان كان من الضروري والحتمي الرجوع إلى نص الكتاب الإلهي المقدَّس فكل ما كان من الشرح والحواشي موافقاً لنص الكتاب تمَّ قبوله وكل ما كان مخالفاً وجب تركه. لقد بيّن القرآن المجيد في تلك الآية الحاكمَ المنصوبَ والمجعول من قبله باسم وعنوان أولي الأمر والحاكم، لأن تطبيق وتنفيذ جميع أحكام القرآن منوط بوجود أولي الأمر والحكام الموصوفين وطاعتهم، فهذه الآية الكريمة تمثل قلب القرآن ولب دماغه فلا بد أن تتم دراسة هاتين الآيتين وبحثهما وكل شخص من رؤساء الإسلام كان مصداقاً لأولي الأمر والحاكم الإسلامي كان من الواجب – طبقاً لهاتين الآيتين – إطاعته، ومن لم يكن مصداقاً لأولي الأمر كانت طاعته محرمة ومخالفة للقرآن. ولقد قال أمير المؤمنين: أن الآية الأولى [أي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ...] هي بحقّ الولاة وأولي الأمر المُطاعين [أي فعلى والحكام أن يحكموا بما أنزل الله، وأن يؤدُّوا الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، فإذا فعلوا ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا](35). وأن الآية الثانية [أي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ.. ] هي في حقِّ الرعيَّة المطيعين لأولي الأمر الذين وصفهم القرآن وأوجب طاعتهم على أفراد المسلمين.

إذن فأولو الأمر الذين وصفهم القرآن وأوجب طاعتهم على أفراد المسلمين يختلفون كثيراً عن أولي الأمر الذين تصفهم وتحدّدهم فرق المسلمين، والفرق بينهما شاسع كالفرق بين السماء والأرض، لأن أولي الأمر من أصول أحكام الدين التي عليها مدار بقاء القرآن والمسلمين في الدنيا وإلى يوم القيامة، بينما أولو الأمر الآخرون نزاع شخصي مؤقت لا  علاقة له أبداً بالآية الشريفة لأن الآية جعلت إطاعة أولي الأمر على خط طاعة الله وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذه درجة منيعة فوق تصور العامة وفهمهم، وقصور الأفهام الذي هو من الأمور العامة يمنع من إدراك هوية هذا المقام وحقيقته، كما أن اكتشاف حقيقة النبوة والرسالة والعصمة يفوق طاقة عامة الناس. وأولو الأمر ثالث الله ورسوله ويعود تعيين أصوافهم مباشرةً إلى الشارع الأقدس، ولذلك بيّن القرآن المجيد بأصرح العبارات وأوضحها أن التمسك بالإجماع أجنبي تماماً عن تعيين من يطبق أحكام القرآن ومن يكون خليفة رسول الله.

وأما حديث «لا تجتمع أمتي على الخطأ » (36) فقد طُعِن في سنده، وحتى لو فرضنا صحته فإنه لا يصلح دليلا على هذا الأمر لأن الإجماع لا يفيد في تعيين الموضوعات وإنما يتعلق بالأحكام والمحمولات لا بالموضوعات، فمثلا لا معنى للقول بأن الإجماع انعقد على أن زيداً طبيبٌ وبكراً مهندسٌ وخالداً مجتهدٌ! لأن تعيين الموضوعات يتم من قبل أهل الخبرة وعلماء الفن، فالتمسُّك بالإجماع في مثل هذه الموارد مضحك، لأن تعيين أهمية شخص وأهليته، خاصة شخص الخليفة ومنفذ الأحكام، أمرٌ يفوق طاقة المجمعين، وقصور المجمعين الذاتي عن معرفة هذا الأمر برهانٌ مستقلٌ على أن الإجماع لا محل له في هذا المقام.

ثانياً: إن اتفاق أهل الحلّ والعقد ورأي المهاجرين والأنصار لا يعد إجماعاً للأمة. نعم بعد انعقاد الخلافة والبيعة للخليفة الأول وعدم مبايعة سيد الخزرج ونقيب رسول الله: سعد بن عبادة إياه، بقي عليٌّ وسائر المسلمين ساكتين إما اعتقاداً أو تقيةً، وسكوتهم يحتمل أن يكون عن رضا أو عن عدم رضا.

ثالثاً: إذا أغمضنا النظر عن الماضي وفرضنا تحقق الإجماع وصحة خلافة الخليفة [الأول] الذي تمَّ الإجماع عليه، فإن مدة خلافته كانت سنتان ونصف، ثم صار الخليفة الثاني خليفةً بنص الخليفة الأول وليس بالإجماع. وصار الخليفة الثالث خليفة استناداً إلى تعيين الثاني لمجلس تشاورٍ من ستة أشخاص وليس بالإجماع. وأما تعيين الرابع فقد تم بإجماع أهل المدينة والأصحاب «كانوا يهرولون علَى بيعة عليّ » باستثناء عددٍ من الصحابة مثل عبد الله بن عمرو وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن طلحة وحسان بن ثابت الشاعر، وبعد ذلك هاجر الإجماع من المدينة المنوَّرة إلى الشام فقام هناك بجعل معاوية ويزيداً ومروان وبني مروان أولي الأمر، ثم رحل الإجماع إلى بغداد على ظهر أبي مسلم المروزي والخراساني ثم عاد إلى الكوفة وأنبار الكوفة وجعل بني العباس خلفاء، ثم حَرَدَ(37) من العرب فرحل إلى أولاد الصفاريين ثم السامانيين والغوريين والديالمة والسلاجقة والغزنوية والخوارزمية والجنكيزخانية والتيموريين والأتابكة وبعدهم إلى الآق قوينلو والقرا قوينلو وبعدها إلى تركيا ومصر والزنكيين والأحباش والأيوبيين والصفويين وو و... الخ.

ويبدو أنه كلما وجد شخص سارق ناهب وظالم وسفاك للدماء وهتاك للأعراض وجبّار في بقعة ما جاء السيد «إجماع» وتزوج منه وأوصله فوراً إلى مقام أولي الأمر. إنهم لا يستحون من الله ورسوله والقرآن، إن الإجماع كان منذ رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الآن مشغولا بمحاربة القرآن المجيد وبإعطاء الخلافة إلى كل فاسق وفاجر إلى يومنا هذا!!

اشترط بعض العلماء قدس الله أرواحهم أن يكون أولو الأمر أصحاب شوكةٍ ونافذي الكلمة، وهذا الشرط أعجب من الإجماع ذاته لأن أغلب وأكثر ذوي الشوكة بل جميعهم ظالمون وفاجرون وفاسقون وسفاكون للدماء وهتاكون للأعراض وسارقون ناهبون، وطاعة من يتصف بمثل هذه الأوصاف ليست غير واجبة فحسب بل هي محرمة قطعاً حفاظاً على شرع الإسلام الظاهر. فكيف يمكن أن تكون طاعة الظالم والسفاك ثالث طاعة الله وثاني طاعة رسول الله؟ هذا ما تضحك به الأديان ويُضحك العقول ويصفق له الصبيان، وأين حق البشرية؟!

اتضح إذن أن دليل الإجماع ودليل ذوي الغلبة والسطوة لا يقوم إلا بجعل أهل الظلم عادلين وجعل من يجب اجتنابهم واجبي الطاعة! فلا قيمة له في مقام إثبات الخلافة ولا يمكن الاستناد إلى هذه الأدلة التي هي أوهن من بيت العنكبوت في مقام كشف حقائق القرآن المجيد وبيان الحكم الإسلامي المهم الباقي إلى يوم القيامة.

وإذا أغمضنا النظر عن سند الحديث وصحته واعتباره وقلنا إن الصِدِّيق صار خليفةً بإجماع الصحابة ولكن لما لم يقع هذا الإجماع للفاروق وذي النورين فإن مفاد الإجماع منحصر إذن بأبي بكر الصديق فهو إذن دليل على شخصٍ واحد ولا يقوم بتعيين الخلافة إلى يوم القيامة، فلا يمكن التمسك بالإجماع في شخص بخصوصه لدفع النزاع وتعيين من ينفذ أحكام القرآن إلى يوم القيامة، وتعيين الأشخاص الذين هم مفاد الإجماع نزاع شخصي وليس نزاعاً دينياً ولا كلياً ولا دائماً ولا يجب أن يُذكر في الكتب الدينية.

أما أدلة الاثني عشرية: أولاً آية سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا (المائدة/3)(38). فنقول: لا  بدّ من ملاحظة الجملة التي جاءت قبلها في نفس الآية وهي: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ والآية التي جاءت بعدها أي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ... (المائدة/5) فهم لم يتمسكوا بالجملة الأولى ولا بالثالثة بل تمسكوا فقط بالثانية أي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... في حين أن سياق الآيات الثلاثة يمنع من هذا التمسك ويضعفه لأن كلمة «اليوم » التي وردت بعينها في الجمل الثلاث تتحدث عن يومٍ واحد ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، والمفسرين ذكروا أن الآيات نزلت في عرفات ومِنَى، فليس المُراد في كلمة «اليوم » الإشارة إلى يوم غدير خم أي 18 ذي الحجة من سنة حجة الوداع بل «اليوم » في الآيات الثلاث عبارة عن سنوات الهجرة الأخيرة التي تشكل أيام انتصار الإسلام وعلو شأنه بفضل جهاد المسلمين وغزواتهم، حيث يأس الكفار من انعدام المسلمين وانقراضهم.

ثانياً: الآية ذات عموم وإطلاق ولا تصرح بشيءٍ بشأن عليٍّ عليه السلام. والأمر ذاته ينطبق على استدلالهم بآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (المائدة/67) حيث قالوا إن المقصود من «مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ » أي: «في عليٍّ » ، مع أن الجملة ذات دلالة عامة ومطلقة تتعلق ببيان ما أنزل الله إليه من أحكام وليس فيها ما يقيد «ما أنزله الله إليه»، المطلوب إبلاغه، بشخص محدَّد. فمفسرو العامة ينكرون اختصاص الآية بعلي والإثني عشرية يثبتونه.

ثالثاً: حتى لو سلَّمنا بصراحة الآيتين المذكورتين واختصاصهما بعليٍّ (ع) فإن الآيتين عندئذ ستنحصران بشخصه ولن تشملا الأئمة الأحد عشر الباقين، مع أن مُدَّعَى الإماميةِ هو إثبات الأئمة الإثني عشر.

رابعاً: لنفرض أن الآية صريحة في عليٍّ عليه السلام وأنه لم يكن هناك خلفاء آخرون، فإذا كان الأمر كذلك فبعد رحلة عليٍّ (ع) بعد عمره الطبيعي سيتعطل أمر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر تطبيق أحكام الشرع بعده، لأنه لو فرضنا أن الآية مختصةٌ بعليٍّ فمعناها أنها لا تشمل غيره وأن الأئمة الباقين غير مشمولين بها، فحاصل الآيتين تعيين شخص واحد بخصوصه، ثم بعده يصبح الحال مجهولاً، وعلى كل حال إن اختصاص الآيتين بعلي (ع) يجعل النزاع شخصياً لا دينياً مثله مثل اختصاص الإجماع بأبي بكر الذي يجعل النزاع شخصياً لا دينياً..

أما حديث غدير خم فينكره علماء أهل السنة(39) ويثبته الشيعة، وقد أثبته العلامة «مير حامد حسين الهندي» في كتابه عبقات الأنوار من كتب أهل السنة ولا مجال لإنكاره بعد ذلك الكتاب، فإذا صح سنده فإنه يختص بعليٍّ فقط ولا يشمل بقية الأئمة، ومتن الحديث المتفق عليه هو: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ » (40).

هذا النص صريح ومختص بعليٍّ عليه السلام ولا يشمل غيره. فإن قيل بعد أن نُصِب عليٌ في منصب الخلافة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يحق له أن يعيِّن خليفةً له من بعده، قلنا: فعلى هذا الفرض لا ينبغي للإمامية أن يتمسكوا بالآيات ولا يستطيعون أن يفعلوا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً له الحق في تعيين خليفةٍ من بعده، فلا حاجة لنزول آيات لذلك وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأئمة التالين فكل واحد يعين التالي.

ثانياً: لو سلَّمنا أن رواية "غدير خم" والأحاديث النبوية والعلوية الأخرى تشمل الأئمة الإحدى عشر فعندئذٍ يصبح عدد خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنفذي أحكام الشرع اثني عشر نفراً ومدتهم 260 عاماً، فهنا أيضاً يصبح النزاع شخصياً(41) حول اثني عشر شخصاً بخصوصهم خلال مئتين وستين عاماً، وبعد هذه المدة تصبح الأمة المرحومة وأتباع القرآن من جديد بلا رئيس، وكلما ذُكِر خليفةٌ فإن الفريقين يعيدون ذكر أدلتهم ذاتها ويكررون النزاع الشخصي ويغتبطون بذلك، وبهذا تزداد العداوة والبغضاء بين فرق المسلمين يوماً بعد يوم وتتعالى صيحات اللعنة والتكفير من الأبواب والجدران والأزقة والأسواق وبيوت المسلمين وفي الكتب المصنفة لفرق المسلمين حول الخلافة الشخصية، ومن الواضح أن النزاع في الخلافة الشخصية ليس له ثمرة دينية وذلك لأنه ليس لهذه الأدلة في هذا القرن الذي نعيش فيه أي مصداق، والخلفاء الأربعة الذين كانوا مصاديق للأدلة رحلوا جميعاً، والنزاع حول صحة خلافتهم أو بطلانها لا يفيد أي فائدةٍ ولا يساعد على تعيين مصداق آية أولي الأمر في القرآن في عصرنا هذا وإلى يوم القيامة، بل بملاحظةٍ دقيقة يتبين أن ضرر هذا النزاع أكثر من فائدته. إن اختلاف كلمة المسلمين كانت مضرةً منذ أول يوم واليوم نجد أن ضررها أصبح علنياً وسبباً لزوال عزة المسلمين وسيادتهم في الدنيا حيث أن أهم نواحي الاختلاف بينهما قضية الخلافة لذا لا  بد من القيام ببحث وافٍ في مصداق الآية الشريفة.

ولو فرضنا أننا سلمنا بأدلة الطرفين أي إجماع أهل السنة، والآيات وحديث غدير خم لدى الإثني عشرية، فإن هذا النزاع شخصي ويختص بزمان حياة أولئك الخلفاء ولا نتيجة له فيما بعد لأن جميع فرق المسلمين اليوم تعتقد بالقرآن وبالنبيّ وترجع إليهما ولكن ليس جميعهم يعتقد بدليل الإجماع أو بحديث "غدير خم". أضِف إلى ذلك أن هذا النزاع الشخصي حول الخلافة بمعزلٍ عن عدم وجود أية ثمرة دينية له فإن له أضراراً كثيرةً جداً مثل إضعاف المسلمين وإفقارهم وتشتتهم وضعفهم وتسلط الأجانب وأعداء الإسلام عليهم. إن النزاعات الشخصية لعلماء الفرق الإسلامية قد جرّت العالم الإسلامي إلى أن أصبح أسيراً للأجانب وأدَّت إلى ذل المسلمين وزوال سيادتهم التي نشاهدها اليوم بأم أعيننا، ولذلك فيجب على جميع المسلمين وجوباً حتمياً أن يرجعوا إلى القرآن المجيد ويتمسكوا بآياته ويحددوا ويعينوا الخليفة ومنفذ أحكام القرآن استناداً إلى القرآن المجيد، وأن يستبدلوا النزاعَ الشخصي الماضي بالزلال السلسبيل لصراحة آيات القرآن المباركة ويُحوِّلوا نزاع وخصام القرون السالفة الذي لا مبرر له إلى الوفاق والاتفاق والأخوة الإسلامية كي يستعيدوا إنشاء الله سيادتهم وتفوقهم على الأمم في ظل حقيقة القرآن. بعد شرح الآية المباركة بعون الله وصونه لا بد من إعمال النظر في تعيين مصداقها. وسنصرف النظر عن موضوع الخلفاء الثلاثة ففي عهدهم كان الجهاد الإسلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمساواة في تقسيم بيت المال وفي تطبيق الحدود والأخوة الإيمانية قائمةً ببركة قرب صحبتهم لرسول الله وتأثرهم بمعاشرته صلى الله عليه وآله وسلم واجتماع الصحابة ووحدتهم (رغم أن الخليفة الثالث أدى إلى إثارة بقية الأصحاب والمسلمين عليه بسبب تقديمه لبني أعمامه وتفضيله للأمويين وإطلاق أيديهم في بيت المال مما سبب هيجان الفتنة بين أهل العراقين ومصر والتي جرّت في النهاية إلى قتله).

ملاحظة: في عهد الرسالة كان خاتمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم منحوتٌ عليه عبارة: «محمد رسول الله» فكانت أوامره ورسائله إلى الأمراء والملوك تُخْتَم بهذا الخاتم. بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم صار ذلك الخاتم بإصبع أبي بكر وختمت به جميع أحكامه وأوامره وانتقل بعده إلى يد عمر ثم إلى يد عثمان وبقي كذلك حتى السنة السادسة من خلافته حيث في تلك السنة وقع الخاتم من يد عثمان في بئر المياه الذي كان قد وقفه على المسلمين في المدينة عندما كانوا يقومون بتنظيفه، فنزحوا المياه وبحثوا في الطين والتراب المجاوران فلم يجدوا الخاتم وفي الوقت ذاته توفي العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان من كبار القوم وممن يجتمع عليه الصحابة. بعد هاتين الواقعتين تصاعد نزاع أهل مصر والعراقين وعلا صوتهم ضد تعديات الحكام الأمويين وانتهى الأمر بمقتل عثمان. ولكن بالنظر إلى تطبيق أحكام الإسلام مدة أربعين عاماً كان من اللازم عدم التوقف حول خصائص الأشخاص وأوصافهم وأحوالهم الشخصية في هذا المقام وسنشرح في الوقت المناسب أحوال أولئك الخلفاء الثلاثة.

ومنذ عهد خلافة علي بن أبي طالب (ع) بدأت المعارك الداخلية بين المسلمين حيث وقعت معركة الجمل ثم صفين ثم النهروان. وأبدأ من صفين التي كانت الحرب الأهلية الوسطى.

سأضرب صفحاً عن كل ما كتبه مصنفو الفرق والمذاهب حول علي (ع) ومعاوية وسأفترض أن حديث غدير خم وسائر مناقب علي (ع) وفضائله المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها مزوَّرة، وسأصرف النظر عن جميع ما ذكر في الكتب من مثالب معاوية وسأجعل القرآن الحميد، الذي هو شفيع المسلمين في الدنيا والآخرة ومتفقٌ عليه بين المسلمين، الحكمَ بين الفريقين.

في هذه المقارنة لا بد من توضيح سيرة حياة كل من علي (ع) ومعاوية وعمرو بن العاص، فإذا بيّنا ذلك بشكل مفصل نقول: إذا ثبت أنَّ أحَدَ أولئك الثلاثة كان مصداقاً حقيقياً للآية الكريمة(42) ومن أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، والحاكم الشرعي الصحيح، ثبت أن الآخر [الذي نازعه] لم يكن مصداقاً للآية.

يمكننا تقسيم سيرة حياة علي (ع) إلى ثلاثة مراحل: الأولى من بداية البعثة النبوية وحتى الهجرة. الثانية: من الهجرة وحتى رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الثالثة: فترة خلافته وخصومته مع معاوية.

قبل البعثة، عندما بلغ عليٌّ (ع) الخامسة من عمره، وقع قحط شديد في مكة وكان أبو طالب فقيراً فتبرع أقرباؤه بأخذ أولاده إلى بيوتهم لمساعدته في إعالتهم. فكان جعفر من نصيب العباس وكان عليٌّ من نصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتربَّى عليٌّ في حجر النبيِّ وبيته حتى بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة، وكان عليٌّ حينها في السابعة أو التاسعة من عمره. وقد بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة يوم الإثنين وآمن عليٌ به يوم الثلاثاء. وقد كتب بعض العلماء أن علياً كان حين بعثة النبيِّ صغيراً..

والجواب: إن إيمان عليٍٍّ تم إما بدعوة النبيِّ له وتبليغه رسالة الإسلام فصدَّق النبيَّ وأسلم معه، هذا رغم أن بني عبد مناف كانوا أربعين رجلاً وكان لكلٍّ منهم كثيرٌ من الأولاد وأنه من المسلّم به أن النبيِّ لم يدعُ أيّاً من الأولاد الصغار لأعمامه وبني عمومته، ولم يدعُ إلا عليّاً، فاختصاص النبيِّ إيَّاهُ بالدعوة ليس إلا بسبب ما رآه فيه من القوة الملكوتية الكاملة التي كان يملكها في صغره وجعلته أهلاً لفهم دعوة الإسلام وإدراك حقيِّتها، مثله في ذلك مثل عيسى ويحيى عليهما السلام ولولا ذلك كان تخصيص النبيِّ له بالدعوة ترجيح بلا مرجح، فالنبيُّ دعا ابن أبي طالب إلى الإسلام ولكنه لم يدعُ ابن العباس ولا أولاد سائر أعمامه وبني عمومته وأولاد أخت خديجة.

أو أن إيمان عليٍّ وإسلامه حصلا دون دعوة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم له وتبليغه الإسلام فهذا يدل أكثر من الاحتمال الأول على اكتمال عقل عليٍّ لأن نبيَّ الإسلام قبل علياً وبقي خلال فترة الدعوة السرية يصلي به وبخديجة الكبرى صلاة الجماعة ثلاث سنوات. وعندما جاء عفيف الكندي بالتجارة إلى مكة وجلس إلى العباس رأى شاباً وطفلا وامرأة وقت الظهر واقفين أمام الكعبة، الشاب في الأمام ووراءه الصبي والمرأة وهم يصلون. فسأل عفيف أي دينٍ جديد هذا يتبعه هؤلاء الثلاثة؟ فأجابه العباس إن الشاب والغلام كلاهما ابني إخوتي وقد ادعى محمدٌ النبوة وآمن به عليٌ والمرأة زوجته خديجة ولا يوجد على وجه الأرض متدين بهذا الدين الجديد سوى هؤلاء الثلاثة(43).

في كلا الصورتين يعتبر تصديق النبي والإيمان به برهاناً قاطعاً على المقام الملكوتي لعلي (ع) قبل بلوغه مثلما كان لعيسى ويحيى في صغرهما. في مدة الثلاث سنوات هذه كان معاوية وعمرو بن العاص على الكفر وفي عداد المؤذين لرسول الله وفي نهاية هذه السنوات الثلاث للدعوة السرية نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الحجر/94-95) ونزل كذلك قوله تعالى:﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (الشعراء/214) وأمر النبي عليّاً أن يدعو له أربعين نفراً من بني عبد مناف إلى طعام الغداء، وطبخ لهم كتف خروف وشعيراً ولبناً ورغم أن الطعام لم يكن يكفي إلا لشخصٍ أو شخصين فإنه أشبع الأربعين وكانت تلك من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال أبو لهب: لقد دعانا محمد ليسحرنا، وتفرّقوا. ثم دعاهم مرة ثانية لنفس الدعوة وأكلوا كما في المرة السابقة وبعدها قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ في هذا الأمر فيكون خليفتي ووَصِيِّي ووَزِيرِي ووَارِثِي وقَاضِي دَيْنِي‏» فسكت القوم جميعاً سوى علي قام وقال: «يا رسول الله! أَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنّاً وأَعْمَشُهُمْ عَيْناً وأَحْمَشُهُمْ سَاقاً وأنا أؤازرك. فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله -: أَنْتَ خليفتي ووَزِيرِي ووَارِثِي وقَاضِي دَيْنِي‏»(44).

فقال بعضهم مثل أبي لهب وغيره لأبي طالب لقد صار ابنك أميراً عليك وقاموا وذهبوا. وهذه الواقعة تُعرف بـ«حديث الدار » .

إذن يتبين أن علياً إما آمن في سن السابعة وتشرف بخلافة النبي ووزارته في سن العاشرة أو آمن في العاشرة وتشرف بخلافة النبي في سن الثالثة عشر. وكلا الأمرين دليلٌ قاطعٌ على أن علياً كان صغيراً في عمره البَشَرِيّ وغير بالغٍ في جسمه ولكنه كان بالغاً أكثر من الجميع في قوته الملكوتية وروحانيته اللاهوتية لذا نال خلافة خاتم الأنبياء.

أما معاوية وعمرو بن العاص فكانا يمضيان حياتهما في ذلك الحين بالجهل والشرك. وبعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية بدأت مرحلة الدعوة العلنية وآمن عدد من أفراد قريش وغيرهما وبدأ عدد المسلمين يزداد يوماً بعد يوم وكلما ازداد عدد المسلمين وعدّتهم ازداد حقد الكفار وحسدهم وبغضهم الجاهلي. وبعد ذلك هاجر الصحابة المكرَّمين مرتين إلى الحبشة فقام عمرو بن العاص وعبد الله بن أمية بحمل هدايا من قريش إلى النجاشي ليحملاه على عدم منح الجوار للمسلمين المهاجرين إليه، لكن النجاشي كان ذا فطرة حسنة وخلق كريم فأحضر المسلمين فقرأ عليه جعفر الطيار مطلع سورة كهيعص (مريم) فلما سمع النجاشي مضامين الآيات الكريمة ردّ عمرَو بن العاص وعبدَ الله بن أمية وأعاد لهم هداياهم وقبل المسلمين في جواره. لقد أخذ عمرو بن العاص الهدايا للنجاشي لكي يسلمه سبعين مسلماً كانوا قد هاجروا إليه كي يعيدهم إلى مكة ويقتلهم جميعاً أو يحبسهم ويعذّبهم. وقد لعن النبيُّ والمسلمون أيضاً عمرَو بن العاص مراتٍ عدة ودانوا فعله هذا.

وقد حُصِر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مدة سنتين أو ثلاث سنوات هو وأصحابه في شعب أبي طالب وعانوا الجوع والمشقات بسبب جهالة المشركين وأذاهم وكان عليٌ عليه السلام أحد الملازمين للنبيِّ والمشاركين له في تلك الشدائد. وكان عليٌّ طيلة الفترة المكية للرسالة التي دامت 13عاماً يدافع عن النبيِّ قدر استطاعته عندما كان أطفال مكة وشبابها يؤذون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص مشغولان بحياة الترف والفسق والنعيم وكؤوس الصهباء. وقد تأدب عليٌ ثلاثة عشر عاماً في بيت النبيّ بآدابه وتربى على يديه ويدي خديجة الكبرى وكان من فطانة علي وكياسته أنه كان يتعلَّم كل يوم عشر آيات وعشر أحكام من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على الأقل. ولا شك أنه تعلم خلال ثلاثة عشر عاماً جميع الآيات والأحكام الإسلامية التي نزلت حتى ذلك الحين، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص في عداد المشركين مشغولين بالجهالة والفحشاء والرقص والطرب وشرب الخمر وتضييع الوقت.

قيل لسيد الأنبياء إن أبا سفيان كان راكباً على الناقة وكان لجامها بيد معاوية يقودها وكان خلفهم حنظلة يسوق الناقة فقال رسول الله: «لعن الله الناقة وراكبها وسائقها وقائدها » (45) وهكذا فقد لعن النبي الأكرم شخص معاوية... وفي الواقع إن جميع آيات القرآن المكية التي يبلغ عددها حوالي ألف آية والتي لعنت كفار قريش وذمتهم كانت تشمل معاوية وعمرو بن العاص.

بعد انقضاء مدة ثلاثة عشر عاماً من الإقامة في مكة أُمِرَ الرسول الأكرم بالهجرة إلى المدينة فهاجر برفقة أبي بكر وعامر بن فهيرة ومساعدة عبد الله ابن أريقط وأمر علياً أن يبيت في فراشه ويغطي نفسه ببردة النبي الخضراء وأن يعيد أمانات الناس في اليوم التالي إلى أصحابها ثم يلحق به إلى المدينة.

ملاحظة: في الليلة التي غادر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها بيته ونام عليٌ في مكانه ذهب النبيُّ في اليوم التالي بعد الظهر إلى بيت أبي بكر ولكن المؤرخين ومفسري الإسلام لم يذكروا أين بات النبي تلك الليلة وأين كان حتى ظهر اليوم التالي حتى ذهب في عصره مع أبي بكر إلى الغار، في ذلك الحين كان لا يزال هناك عدد من المسلمين باقين في مكة بما في ذلك بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللواتي كُنّ جميعاً في مكة، كما كان أعمام النبي والعباس وغيره وبنو أعمامه وسائر الأصحاب في مكة أيضاً، ولكن النبيَّ لم يعتبر أياً منهم أميناً على ردَّ أمانات الناس إلى أصحابها بل اختار علياً فقط من بين الجميع ليرجع الأمانات إلى أصحابها في غيبة النبي ثم يلتحق به إلى دار الهجرة في المدينة، وكان يسير في الليل ويختفي في النهار حتى وصل إلى المدينة وقد تورمت قدماه وظهرت فيها الثآليل ولم يستطع أن يذهب إلى خدمة النبي فجاء النبي من مسجد قباء وعطف على علي وأخذ الماء من يده المباركة ودهن بها أقدام علي فشفيت بزمن قصير من الأورام ولم يعد يشكو من ألم القدمين حتى استشهاده.

عاش عليٌّ (ع) خمس سنوات قبل البعثة وثلاثة عشر عاماً بعد البعثة، في بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتربَّى وتأدَّب في حجره وتعلَّم منه مباشرةً العقائدَ والأخلاقَ والآدابَ النبويَّةَ والعلومَ الإلهيةَ والوحيَ السماويَّ، ودافع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقدر استطاعته مدة عشر سنوات وصلى مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ اليوم الثاني لبعثته وحفظ الآيات المكية وتعلمها وعمل بها وتحمل المصاعب والمشقات في شعب أبي طالب أثناء الحصار وفي النهاية بات في فراش النبي ليلة الهجرة ثم قام بإعادة الأمانات إلى أهلها بأمر النبي، ففي ليلة الهجرة كان عليٌّ (ع) مصداقاً تاماً وكاملاً لآية أولي الأمر أي أنه لم يكن أحد من أصحاب النبيِّ مصداقاً حقيقياً وواقعياً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سوى علي (ع)، فقد نال ليلة الهجرة مقام أولي الأمر في القرآن. وبحكم القرآن الصريح فإن جميع السور المكية التي فيها مدح للمؤمنين تشمل بعمومها عليَّاً قطعاً فهو بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفرد المسلم المؤمن الذي تنطبق عليه تلك الآيات بكل وضوح وبشكل قاطع. وفي الجهة المقابلة كل الآيات التي وردت في ذم وتوبيخ الكفار ولعنهم فإنها تشمل بعمومها معاوية وعمرو بن العاص في ذلك الوقت فهما فردان واضحان ومصداقان قطعيَّان لتلك الآيات.

ما ذُكر كان بشأن الأعمال الشخصية للطرفين أما من حيث الأب والأم فإن جميع المسلمين منذ صدر الإسلام وحتى اليوم يعلمون أنه بعد وفاة جدِّ النبيِّ عبد المطلب عاش النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في كنف وحماية وعناية عمِّه «أبي طالب » [والد عليِّ]، فلما تزوَّج النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من خديجةَ الكُبرى سلك أبو طالب معه سلوك الأب مع ابنه، وبعد البعثة كان أبو طالب وابنُه عليٌّ (ع) وجعفرُ حماةً للنبيِّ. وكانت «فاطمة بنت أسد » والدة عليٍّ الكريمة حاضنةً للنبيِّ ومربِّيَتَه حتى وفاة أبي طالب. وقد عانى أبو طالب وزوجته فاطمة من حصار الكفار ومضايقاتهم مدة سنتين أو ثلاث وقدموا كل المساعدة للنبي ولجميع المسلمين أثناء الحصار بسبب تعليق الصحيفة المشؤومة. فكانوا يدافعون معه ويقاومون عدوان وأذى أبي سفيان وزوجته هند وابنهما معاوية إذ كانت هند تهجو النبي والمؤمنين وتضرب الدف وترقص وكان صوت هجوها لا يزال يدوي في الفضاء ويدل ويبرهن على خدمات أبي طالب وجعفر الطيار وفاطمة بنت أسد المنضمة إلى مناقب ومفاخر شخص علي، وتلك الكفريات والأذى والتعديات التي كان أبو سفيان وهند ومعاوية ذاته يمارسانها ضد الإسلام تحط من أهلية معاوية لأن يكون مصداقا لأولي الأمر ومن أهلية عمرو بن العاص لمنصب [الولاية و] الوزارة على المسلمين.

تلك كانت مناقب وفضائل علي (ع) منذ بداية البعثة القدسية وحتى الهجرة المقدسة.

المرحلة الثانية: من الهجرة المقدسة لصاحب الرسالة إلى مغيب شمس السعادة الإسلامية برحيل صاحب الرسالة المقدَّسة. بعد ورود موكب مؤسس الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري بدأ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ (ع) والمهاجرون والأنصار ببناء المسجد والحجرات الطاهرة لبيت النبيِّ وبيت عليٍّ في الوقت الذي كان معاوية وعمرو بن العاص مشغولان بإعداد الجنود لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين. وبعد الانتهاء من بناء المسجد وبيوت النبوة بدأت الغزوات: غزوة الأبواء وودان وبواط والعشيرة والنخلة بين مكة والطائف، وكان علي (ع) أحد مجاهدي الإسلام في جميع تلك الغزوات في حين كان معاوية وعمرو بن العاص في جيش الكفار الذي كانت رئاسته غالباً لأبي سفيان. أما في غزوة بدر الكبرى التي قُتل فيها اثنان وسبعون من الكفار باتفاق أكثر المؤرخين فإن 36 منهم قُتلوا على يد علي (ع)، بل ذكر بعضهم أن عدد من قتل على ييده في بدر كان 42 مشركاً وبعضهم قال كانوا 35 مشركاً، في حين أن الملائكة المردفين الذين كان عددهم ألفين، وبقية الثلاثمئة وسبعة عشر صحابياً من المشاركين في بدر كانوا كلهم قتلوا 36 مشركاً فقط، أي أن علياً (ع) وحده قتل عدداً من المشركين مساوياً لعدد من قتله الآخرون جميعاً نفراً، فشجاعة علي في بدر تساوي شجاعة جميع المسلمين والملائكة المردفين ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص جزءاً من جيش الكفار، والأمر ذاته في غزوة أحد والأحزاب حيث كان عليٌّ (ع) سيفَ الله المسلول ومصداقَ لـ«لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار»، وعندما فرّ المسلمون بعد هجمات قريش فإن مما يتفق عليه جميع مؤرخي الإسلام أن علياً علي (ع) بقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكر بعضهم أن أبا بكر وأبا قتادة وأبا دجانة أيضاً بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفروا مع الفارين، وعلى فرض صدق هذا القول فإنه من المسلمات أن علياً بقي وكان يحمل على الكُفَّار تارةً ويدافع عن النبيِّ طوراً وقد تحمل في هذا السبيل جراحاً كثيرة فكان يعالج جراحاته أحياناً ويحمل الماء في ترسه للنبيِّ أحياناً أخرى. وكانت فاطمة الزهراء تحرق الحصير وتذر رماده الحار على جرح وجه النبي الشريف صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا فقد كان عليُّ بن أبي طالب بهذه المشقات وذلك النَّصَب الذي أصابه في سبيل الله قد أدى الأمانة إلى الله ورسوله وبذل أقصى ما يمكن من التضحيات لهما، فكان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجاهد تحت رايته وهو يعاني العطش والجوع، هذا في حين كان معاوية في خدمة والدته هند يتفرّج على قلادة أمه التي صنعتها من كبد حمزة سيد الشهداء الذي قُطِّعَ إرباً إرباً وأعضائه التي مُثِّل بها! وكان يقول مرحى لوحشي قاتل حمزة! ولما صاح أبو سفيان بأعلى صوته [عند انتهاء معركة أي معركة أحد]: «يا محمد! إنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، يَوْمٌ بِيَوْمِ، أُعْلُ هُبَلُ!» أي الحرب يوم لنا ويوم علينا، كان معاوية وعمرو بن العاص يشاركان أبا سفيان أرجوزته تلك من خلال مكائهما وتصديتهما (أي تصفيقهما وتصفيرهما). أما في غزوة الخندق فقد جمع أبو سفيان من قبيلة قريش ويهود أطراف المدينة 14 ألف مقاتل وقدم لمحاربة النبي والقرآن والمسلمين، وكان معاوية حامل لواء أبيه في هذه المعركة في حين كان عمرو بن العاص يرتجز تحت علم الكفار حتى حاصروا المدينة وكانوا كل ليلة يضربون الدف والطنبور وينشدون الأشعار في هجو المسلمين وكانت هند ترقص مع النساء الأخريات أمام أعين صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي إلى مسامعه الشريفة بهجائيات شعراء قريش. وعندما قفز عمرو بن عَبْد وُدّ العامري مع وهب بن هبيرة بفرسهما فوق الخندق نحو المسلمين وصاح عمرو بن عَبْد وُدّ فيهم: «من يُبارز » ؟ فلزم جميع المسلمين الصمت رعباً وخوفاً حتى قال رسول الله: «من يكفينا هذا الكلب » ؟ فنهض علي (ع) وقال «أنا أكفيكه يا رسول الله»، وبعد تكرار السؤال والجواب ألبس النبي علياً درعه ذات الفضول ووضع سيفه ذا الفقار على خاصرته وربط العمامة على رأسه ودعا له وأرسله نحو عمرو وما لبث عليٌّ أن ضربه ضربة قضى بها عليه عندها قال رسول الله «لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ يومَ الخَنْدَق أفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْن‏»(46) وبقيت هذه الكلمة مشهورة لدى جميع المسلمين إلى يوم القيامة. وبعد قتل عمرو تحول رقص هند ومكاء وتصدية معاوية وعمرو بن العاص إلى حزن وعزاء ثم هبت ريح عاصفة «ولله جنود من الريح» وقذفت بالحصباء على رؤوس قريش وألقى سعيد بن النعمان(47) الخلاف بين يهود المدينة وقريش فعادت قريش خائبة خاسرة.

وأما في خيبر فعندما فشل عدة قادة من المسلمين(48) ممن أُرسلوا لفتح قلاع وحصون خيبر لاسيما حصن «عموص» (49) قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ » فتطلَّعَ الجميعُ ليوم غد كلٌّ يتمنى أن يكون صاحب لواء فتح خيبر، فكان اللواء نصيب عليٍّ(50) وفي ذلك اليوم قُتل مَرْحَب الخيبري بيد علي (ع) وفُتحت القلعة وانتهت معركة خيبر بالنصر.

لقد أدى عليٌّ (ع) بهذه التضحيات الأمانةَ التي كانت في ذمته لِـلَّهِ وللقرآن وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللإسلام، حيث اتسعت قوة الإسلام سواء من ناحية كثرة عدد المسلمين أم من ناحية اتساع الأراضي الإسلامية فأصبحت خيبر بعد ذلك الفتح جزءاً من بلاد الإسلام. في حين أنه في ذلك التاريخ ذاته كان معاوية وعمرو بن العاص ويبذلان جهدهما ويسعيان كل سعيهما في إعانة أبي سفيان ومعاضدته على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعدام القرآن وذبح المسلمين وغزو المدينة المنوَّرة ومضايقة أهلها.

أما فتح مكة فكانت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد سيد الخزرج سعد بن عبادة الذي نادى لدى وروده مكة: «اليوم يوم الملحمة اليوم تُسبى الحرمة » ، فلما وصل هذا الرجز إلى صاحب الرسالة أمر علياً (ع) أن يأخذ لواء الفتح من سعد وأن يحمل راية فتح مكة(51)، في حين كان معاوية وعمرو بن العاص(52) يختبئان في شق صخور الشِّعب خوفاً من سيوف المسلمين وبعد غلبة الحق وصيرورة أهل مكة أسرى مسترقّين بيد سيد البشر، قام صلى الله عليه وآله وسلم بتحريرهم جميعاً احتراماً للحرم وعُرف أهلُ مكة منذ ذلك الوقت باسم «الطلقاء » أي الذين حررَّهم النبي وأطلق سراحهم [وعفا عنهم]، إذْ قال رسول الله: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ » .

ملاحظة: أولاً- في أيام فتح مكة كان معاوية ومروان بن الحكم ابن أبي العاص في مكة وكانا جزءاً من الطلقاء فمع وجود المهاجرين والأنصار لم يكن هناك أي حق في الخلافة للطلقاء فمعاوية ومروان وأولادهما كانا غاصبين لذلك المقام تماماً وما كان لهم حق في الخلافة. «وهذا كلام حق بديع لم يجر عليه أقلام علماء الإسلام قاطبة وغفلوا عنه غفلة دائمة».

أما «عثمان» فرغم أنه كان من بني أمية إلا أنه كان من المهاجرين ولم يكن من الطلقاء، وكذلك أُسر «العباس» في معركة بدر ثم كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمان سنين في المدينة، فهذان كان لهما حق في الخلافة. أما معاوية ومروان فلم يكن لهما حق في الخلافة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهما: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ » فمع وجود الأحرار المهاجرين والأنصار لا يصل حق الخلافة إليهما. وفي هذه القضية أيضاً استُخدم الإجماع بكل وقاحة وجرأة لمعارضة كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومساعدة الطلقاء، ليجعل من معاوية الذي كان يوماً طليقاً ويجعل مروان بن الحكم الذي كان يوماً ما طليقاً وطريداً لرسول الله خلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم!

ثانياً- كانت مكة حتى يوم الفتح دار كفر فكانت الهجرة منها واجبة ولكنها أصبحت بعد الفتح دار الإسلام وانتفى موضوع الهجرة منها. قال رسول الله: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ » (53) وقال لعمه العباس: «أنت آخر المهاجرين وَأَنَا آخِرُ الأَنْبِيَاءِ » (54). وهذا الحديث نص على أن آية خاتم النبيين بكسر التاء والقراءة بفتح التاء خاطئة.

ثالثاً- بعد فتح مكة اتجه النبي وأصحابه إلى فتح هوازن وحنين والطائف وقد غنموا غنائم لا حصر لها فقام النبيُّ بإعطاء جماعة من رؤساء مكة بما في ذلك أبي سفيان ومعاوية حظاً وافراً منها باسم سهم المؤلفة قلوبهم ولم يعطهم من السهام المتساوية مع بقية المسلمين، فهذا النحو من تقسيم الغنائم يفيد أن الرسول الأكرم لم يكن مطمئناً في ذلك اليوم إلى إيمان أبي سفيان ومعاوية وغيرهما من معاندي قريش وإلا لوجب أن يعطيهم سهماً مساوياً لسهام بقية المسلمين لا أن يعطيهم من سهم المؤلفة قلوبهم.

فتح مكة في السنة 8 للهجرة: في فتح مكة أظهر معاوية الإسلام وبعد سنتين رحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جوار ربّه، مما يعني أن معاوية خلال مدة نبوة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التي طالت 23 عاماً لم يدرك صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً إلا سنتين فقط، وخلال هاتين السنتين لم يكن يصاحب النبيَّ في أكثر الأوقات حتى يستحق لقب كاتب الوحي، ولم يذكر أيٌّ من المؤرخين أن معاوية لازم خدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنتين الأخيرتين من حياته.

أما عليٌّ فإنه خلال سنوات الهجرة الثمانية كان ملازماً لخدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الليل والنهار والسفر والحضر، وبتصديق جميع المؤرخين كان يكتب كل ما ينزل من الآيات والأحكام ويحفظها، فكان عليٌّ (ع) وعثمان، كلاهما، من كتبة الوحي، أما معاوية فلم يكن في ذلك الزمن من كتبة الوحي فلقب كاتب الوحي وخال المؤمنين إنما اصطنعه لنفسه في فترة خلافته بقوة السلطان والمال وليس من باب الحقيقة الدينية، وعلى فرض أنه كتب الوحي فقد كتب عبد الله بن أبي سرح الوحي أيضاً ثم ارتد بعد ذلك.

أما عمرو بن العاص فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر السنة السابعة للهجرة برفقة خالد بن الوليد وأسلما معاً في يوم واحد وكان حسب التواريخ الإسلامية كالأخ لمعاوية وكان بينهما انسجام كامل سواء بالجهل بالأحكام [الشرعية] أو بالعلم بسياسة المدن وتدبير الأمور والمكر والدهاء، فكانا كلاهما من دهاة العرب، وهذه السياسة المكارة يعتبرها القرآن نفاقاً وأن السياسة على هذا النحو مرادفة للنفاق، وكان معاوية نموذجاً كاملاً لها.

وفي السُنَّة النبويَّة اعتُبر هذا النوع من السياسة حيلةً ومكراً وخداعاً وشيطنةً: (السائس مرآة الشيطان!!).

وحتى عمرو بن العاص نفسه يعترف بما ندعيه من أفضلية علي على معاوية، فعندما انتقل أمير المؤمنين من المدينة إلى البصرة ووقعت معركة الجمل وقُتل فيها طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام ورجعت عائشة أم المؤمنين إلى المدينة ذهب عليٌّ بعد إنهاء أمر البصرة إلى لكوفة وخرج عدد من الأصحاب من المدينة وكان أحدهم عمرو بن العاص مع أولاده الثلاثة وغلامه وردان، وعندما وصلوا إلى مفترق طريقين سأل عمرو بن العاص غلامه وردان إلى أين يذهب الطريقان فأجابه: الطريق الأيمن يؤدي إلى الجنة والطريق الأيسر يؤدي إلى النار!! فسأله عمرو بن العاص مستغرباً ماذا تقصد بذلك؟ فقال الغلام: الطريق الأيمن يؤدي إلى العراق إلى علي (ع) والطريق الأيسر يؤدي إلى الشام إلى معاوية، وكان أولاد عمرو بن العاص مائلون للسفر إلى العراق لا إلى الشام وبعد السؤال والجواب قال عمرو بن العاص: «اعلموا أن ابن أبي طالب بحر بحر ذو فضائل ومناقب وكمالات روحانية ودينية ومهما كنا معه وقمنا بخدمته لم يكن ذلك في نظره سوى قطرة من بحر، أما معاوية فرجل جاهل وأحمق وطالب رئاسة وبقليل من نصرته وخدمته يعطينا ولاية مصر فجرى الحق على لسانه!!».

 

الهوامش:

(35) روى المفسرون كالطبري والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور وغيرهم، ذيل تفسيرهم للآية 58 المذكورة من سورة النساء، مثل هذا التفسير عن علي، وفيه أنه قال: «حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدِّيَ الأمانة، وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا».

(36) الوارد هو «لا تجتمع أمتي على ضلالة» انظر بحار الأنوار ج 5 /ص 20 و68 (نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي وتحف العقول لابن شعبة الحراني)، وهو اللفظ الوارد في كتب حديث أهل السنة أيضاً كالذي رواه ابن ماجه في سننه (ج2/ص1303) عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله (ص) يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة, فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم». وسنده ضعيف، كما قال البوصيري في الزوائد، ومثله رواية الترمذي في سننه (ج4/ص466) عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَى ضَلالَةٍ...» وقال هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه.

(37) جاء في لسان العرب: حَرَدَ يَحْرِدُ حُروداً أَي تنحَّى وتحوّل عن قومه ونزل منفرداً لم يخالطهم؛ ورجل حَرْدانُ: متنحٍّ معتزل، والحَرْدُ الغيظ والغضب.

(38) وجه استدلال الإمامية الإثني عشرية بالآية أنهم يرَوْن إنها نزلت يوم 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة بعد خطبة يوم الغدير التي أعلن فيها رسول الله ولاية علي (ع) وينقلون في ذلك حديثاً يرويه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بعد نزول الآية: «اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى إِكْمَالِ الدِّينِ وإِتْمَامِ النِّعْمَةِ ورِضَى الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَوَلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدِي». انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي (76هـ)، ص828، وكتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى لعماد الدين الطبري (بعد 553هـ؟)، ص211، وبحار الأنوار للمجلسي،: ج37/ ص156. والواقع أن هذا الحديث ليس له أي سند صحيح متصل أو معتبر.

(39) أصل الحديث – أي جملة «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاهُ» وارد بطرق متواترة في كتب حديث أهل السنة، فهم لا ينكرونه، ولعل المؤلف قصد بقوله «ينكره أهل السنة» أي ينكرون دلالته على نصب عليٍّ حاكماً وخليفةً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً.

(40) الجملة الأولى حتى كلمة «عاداه» مروية في مصادر كثيرة لأهل السنة مثل سنن الترمذي وسنن النسائي الكبرى وسنن الدارمي ومسند أحمد وصحيح ابن حبان والمستدرك للحاكم والمعجم الكبير للطبراني.. الخ. أما الحديث الكامل بجملته الأخيرة أي وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ فقد رواها عدد من المحدثين مثل أحمد في مسنده: 1/118 و1/119، وابن أبي شيبة في المصنف، ح (32118)، 6/372، والبزار في مسنده: 1/460 وغيرهم عن علي بن أبي طالب (ع).

(41) راجع ص 42 من هذا الكتاب لمعرفة الفرق بين النزاع الشخصي والنزاع الديني.

(42) يقصد الآيتين 58-59 من سورة النساء اللتين ذكرهما في بداية الفصل، واللتان تبينان صفة أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، وحديثه كله في الفصل يدور حولهما.

(43) الحديث مروي في عديد من مصادر الحديث السنية، مثل مسند أحمد (1/209) والمستدرك للحاكم (3 / 201)، ح 4842، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو، وقال الذهبي: صحيح. والمعجم الكبير للطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي ومسند أبي يعلى الموصلي (1547)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 9/ ص 103) وقال: «رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات، ويأتي حديث ابن مسعود كذلك في مناقب خديجة» انتهى. وأخرجه الإمام البخاري في التاريخ الكبير: ج 7 / ص 74 باب عفيف، ح 341.

(44) هذا الحديث رواه الشيعة والسنة بألفاظ متعددة متفاوتة وبزيادة ونقصان، انظر: الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 582-583، وفرات ابن إبراهيم الكوفي في تفسيره، ص303، والمجلسي، بحار الأنوار ج18/ص44-45 نقلاً عن كتاب الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي (573هـ). ومن طرق أهل السنة أخرجه البزار في مسنده مختصراً مقتصراً على جملة «من يقضي عني دنيي»، ورواه مختصراً كذلك ابن جرير الطبري في تفسيره (19/410)، وروى نحوه البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» (6/131) وابن كثير في تفسيره (6/170) وقال عن أحد طرقه: «تفرَّد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة رحمهم الله.» ثم ذكر له طرقاً أخرى وقال: «فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي، رضي الله عنه.». كلهم ذيل تفسيرهم لآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾.

(45) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 113) ولفظه: «وعن سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً فمر رجلٌ على بعير وبين يديه قائد وخلفه سائق، فقال: «لعن الله القائد والسائق والراكب.»». ثم قال الهيثمي: رواه البزار ورجالة ثقات.

(46) انظر: السيد ابن طاوس (664هـ)، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2/ص519، وإقبال الأعمال، ص467، والمجلسي، بحار الأنوار، ج 39 /ص2.

(47) هذا من أوهام المؤلف فلا يوجد شخص بهذا الاسم، والذي أوقع الخلاف بين يهود بني قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق هو باتفاق أرباب السير: «نُعَيم بن مَسْعود الغطفاني الأشجعي» (انظر على سبيل المثال: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2/69، و73).

(48) منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كما ذكر ذلك أرباب السير، انظر على سبيل المثال: ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/ 334.

(49) هكذا في المتن، والصحيح أنه حصن «قموص» وليس «عموص»، ولعله خطأ مطبعي. قال الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي (942هـ) في كتابه الضخم حول السيرة: «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» (5/124): «لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصون النطاء، والشق انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة، وأعظم حصونها القموص، وكان حصناً منيعاً. ذكر موسى بن عقبة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصره قريباً من عشرين ليلة..».

(50) انظر ابن هشام، السيرة النبوية، 2/ 334. والحديث مشهور رواه البخاري في صحيحه والنسائي في سننه وأحمد في مسنده وغيرهم.

(51) انظر ابن هشام، السيرة النبوية، 2/406، والواقدي، المغازي، ص 821.

(52) هذه زلّة قلم من المؤلف لأنه من المعروف أن عمرو بن العاص كان قد أسلم هو وخالد بن الوليد قبل فتح مكة، باتفاق أرباب السير، فذكروا أن إسلامهما كان بعد الحديبية سنة 6هـ وقيل سنة 7 هـ وقيل بل أسلما أول سنة 8 هـ. وقد أقرّ المؤلف ذاته بالنسبة إلى إسلام عمرو بن العاص بهذا الأمر بعد 3 صفحات!.

(53) الحديث متفق عليه رواه الستة (الشيخان البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة).

(54) الجملة الأولى، أي قوله للعباس: «أنت آخر المهاجرين» لم أجد لها أصلاً، أما الجملة الثانية أي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «وَأَنَا آخِرُ الأنْبِيَاءِ» فهي جملة نبوية صحيحة ومتواترة المعنى وجزء من عدة أحاديث صحيحة روتها الشيعة والسنة، انظر بحار الأنوار، 14/334، و60/241. ومن طرق أهل السنة أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الحج، ح (2550) وآخرون كُثُر: «فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد». وأخرج ابن ماجه في سننه (4074) والحاكم في المستدرك (8620) وغيرهما: «.. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم».