الفصل الثاني

يمتلك شرع الإسلام الأنور ثمانية شؤون:

الأول: أصول الدين والتوحيد والنبوة والمعاد والكتب السماوية والتصديق بوجود الملائكة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (النساء/136).

الثاني: الأخلاق الروحية والاجتماعية ووجوب الاتِّـفاق والتشاور.

الثالث: العبادات والمناجاة والخطب والأدعية.

الرابع: التفاسير والوسائل العلمية بشكل عام.

الخامس: المعاملات بشكل عام.

السادس: المحاكمات ورفع الخصومات.

السابع: تبليغ الأحكام بشكل عام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الدعوة الهجومي والدفاعي والتبليغي والاقتصادي وتطبيق الحدود والقصاص والديات وتحصيل الأموال لبيت المال وصرفها في مصارفها المحددة في الشريعة.

الثامن: وظائف الهيئة الحاكمة الإسلامية بالنسبة إلى المحكومين والحقوق بين منفذي أحكام الإسلام والمحكومين بشكل عام، وحقوق أمير الجيش مع الأفراد، أي الواجبات بين كل من الحُكَّام والمحكومين، ومن ذلك تعبيد الطرق وتأمين الشوارع وتأمين وسائل العيش من قبل الزراعات والري وبناء السدود واستخراج المعادن وأمثالها. وبشكل عام تأمين المنافع والمصالح المشتركة للمسلمين ودفع المضار عنهم الذي هو مصداق لـ«سبيل الله » .

في الواقع إن الإيمان والإسلام والدين عبارة عن أفعال وأقوال الكتاب والسنة وجميع حركات وأعمال وألبسة ونكاح وسفر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال مدة ثلاثة وعشرين عاماً والتي عبرنا عن كلياتها بعبارة الشؤون الثمانية لأجل تسهيل ضبطها. فالدين إذن مفهوم بسيط منتزع من الشؤون المذكورة أعلاه والتي تتضمن الأعمال التي تمت خلال ثلاثة وعشرين سنة. فعلى المتدينين بدين الإسلام أن يطبقوا تلك الشؤون جميعاً في حياتهم فإذا جرح شخص شخصاً أو قتله وجب عليه القصاص أو دفع الدية. فإذا قام آخر بجرحه أو قتله وجب على الآخر أيضاً القصاص أو دفع الدية (لأنه افتأت على الحاكم الشرعي)، ويجب على كل مسلم أن يقوم بتبليغ الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد الدفاعي والهجومي والجهاد بالمال واللسان أي الدعوة كي يكون مؤمناً متديناً حقيقياً. بعض تلك الواجبات يمكن أداؤها فردياً وبعضها لا تؤدَّى إلا جماعةً.

إذا أهمل شخص أو جماعة أو طائفة العمل ببعض تلك الأمور فمن الواضح أن ذلك الشخص أو الطائفة ليسوا متدينين بشكل كامل بل هم نصف متدينين أو عندهم بعض الدين فقط، وكل عالم وعامل بالشؤون الثمانية فهو عالم إسلامي ومصداق لأولي الأمر ومرجع في الأحكام بشكل كلي وإمام مقتدى، أما من عَلِمَ بأربعة أقسام من تلك الأقسام الثمانية فقط فهو نصف عالم وعنده نصف الدين. ومن علم بقسمين فقط فهو ربع عالم وربع متديِّن وإذا علم بواحد فقط من تلك الأقسام فهو ثُمْن عالم وثُمْن مُتديِّن. ولكلٍّ أجره ولكنه ليس مرجعاً للعامة ولا مصداقاً لأولي الأمر.

من هذا يتبين أن الإسلام دين حقوقي، ودين اجتماعي وسياسي ودين مساواة وعدالة واقتصاد وثروة. إن المعاملات من تجارات وزراعات ومساقات وفلاحات وتعبيد للطرق وتأمين للأمن الداخلي كي يعيش أفراد الشعب في ظل الأمن والرفاه ويشتغلوا بكسبهم وتجارتهم وفلاحهم وعمرانهم واستثمار أراضيهم كلها من شؤون دين الإسلام الأساسية.

تنقسم شؤون الإسلام الثمانية إلى قسمين: قسم سهل ويقوم به كل شخص لنفسه أي أن الشخص يستطيع أن يؤديه منفرداً وذلك مثل الصلاة والصوم والأدعية والمناجاة والخطب والزيارات والمعاملات والتجارات وتهذيب الأخلاق الفردية والعقائد والتفاسير والمسائل العلمية، فهذه يمكن أن يؤديها الأشخاص - في الجملة - على نحو فردي، بل إن هذه الأعمال يمكن أن يؤديها الأشخاص حتى في ظل حكومة غير إسلامية كما يفعل مسلمو الصين وغيرهم ممن يعيش تحت سلطان حكومات غير إسلامية حيث يحافظون على إسلامهم الشخصي.

القسم الثاني: الأعمال الاجتماعية الصعبة، كالأخلاق الاجتماعية ورفع الخصومات والمحاكمات وواجب تبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الدعوة وجهاد الدفاع والجهاد الاقتصادي وإقامة الحدود وتطبيق القصاص وإقامة الإمامة (الرئاسة) وجمع وتحصيل الأموال الشرعية لبيت المال وصرفها طبقاً لتعاليم الإسلام التي تنصّ على المساواة التامة بين أفراد المسلمين، وتطبيق الأحكام على جميع الطبقات العالي منها والداني والحاكم والمحكوم بشكل متساوٍ. فمثلاً الزاني والزانية لهما عقوبة مقررة في الإسلام. يقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور/2).

هذا القسم من الأحكام الذي يميِّز مجتمع المسلمين والحكومة الإسلامية عن غيرها هو من الأعمال الصعبة لأن تطبيق هذه الأحكام يتعارض مع أهواء الرؤساء ومع المصالح الشخصية والأنانية لحكام المسلمين ولذلك فقد تُرك هذا الجانب شيئاً فشيئاً وبدأ ترك هذه الأحكام منذ زمن رئاسة معاوية بن أبي سفيان.

حصل أول مرة أن قام عامله على البصرة بقتل شخص بغير وجه حق فكتب رؤساء البصرة إلى معاوية كتاباً يطلبون منه تطبيق القصاص العادل على واليه الجاني، فأجابهم معاوية: أنني لا أطبق القصاص على عمالي بل أدفع دية المقتول من بيت المال وأعطاهم الدية. فكانت هذه أول بدعة تقع في بلاط الخلافة، لأن القاتل المتعمِّد حكمه القصاص فتبديل الحكم إلى الدية من بيت مال المسلمين دون رضا أولياء المقتول رغم وجود القاتل بدعة وليس لأحد حق الدية من بيت مال المسلمين إذا كان القاتل موجوداً.

ثانياً: لقد دخل معاوية الإسلام بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة أي بعد 21 عاماً من البعثة المقدسة لنبيّ الإسلام فصحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سنتين، ورغم ذلك فإنه اخترع لنفسه في عهد رئاسته لقبين وروّج لهما: الأول أنه «كاتب الوحي » ، مع أنه أمضى إحدى وعشرين سنةً في الكفر! والثاني: أنه «خال المؤمنين » مع أن محمدَ بنَ أبي بكر وأخاه عبدَ الرحمن ابنَ أبي بكر، وعبدَ الله بنَ عُمَر وعبيدَ الله بنَ عُمَر أولى منه بهذا اللقب، وكذلك يزيد بن أبي سفيان وعتبة بن أبي سفيان أخوا معاوية وجميع إخوة زوجات النبي الطاهرات أولى وأحق بهذا اللقب لخدماتهم الإسلامية. فمن الواضح أن هذين اللقبين استندا إلى القوة والجبروت والمال لا إلى نصوص الإسلام وميل المسلمين. إذن وُضع هذان اللقبان على معاوية للتغطية على قبائحه ولكي يخدع بها العوام وقد استفاد من هذا المسعى ونجح فيه أيّما نجاح.

ثالثاً: لقد بدَّل معاويةُ بيتَ مال المسلمين ببيت مال الله فاعترض عليه بقية المهاجرين والأنصار والتابعين في المدينة الطيبة ومكة المعظمة وكان غرض معاوية من عنوان مال الله أن يتصرف تصرف المالك في بيت المال وهذا ما حصل فعلاً. وتُرك تقسيم العطاء بالسوية الذي كان معمولاً به منذ عهد الرسالة واستُبدل بالتمييز بالعطاء والزيادة والإنقاص حسب إرادة معاوية ورغبته، وليس حسب الديانة كما كان العمل عليه في عهد الخلفاء الراشدين وعهد خليفة النبيِّ ووصيه، وكان الواجب أن يتم العمل على هذا النهج والطريقة.

رابعاً: فرض معاوية ولاية عهد ابنه يزيد على الأمّة، مع أن شرب يزيد للخمر كان أمراً معروفاً لدى الكل في زمن معاوية، حتى أنه في سفره إلى مكة شرب الخمر في المدينة الطيبة ودعا إلى ذلك رؤساء الأصحاب مثل عبد الله بن عباس وغيرهم فرفضوا ذلك (الكامل في التاريخ لابن الأثير)( 24 ). وحتى لو لم يكن خماراً ولاعباً للقمار، لم يكن لمعاوية الحق في تعيينه لولاية العهد، وذلك لأن تعيين خليفة النبي وتطبيق أحكام الله وحفظ دين الإسلام الذي تكفَّل به اللهُ ونبيُّهُ، وبيَّـنه القرآن المجيد لا يحتاج إلى تعيين أمثال معاوية، فلا شك أن اللهَ ورسولَه يعلمان أفضل من أي أحد آخر من هو المطبّق للإسلام والحافظ لحدوده، فلا يصل الدور إلى تعيين أصحاب الحل والعقد والمتدينين للحاكم، فضلاً عن أن يعينه أمثال معاوية ومروان وعبد الملك والمنصور وهارون. إن القرآن المجيد ليس بحاجة إلى فضولي يحشر نفسه فيما ليس من شأنه. إن الوراثة والتوارث في المناصب الدينية أمر مخالف للدين وخاطئٌ وبدعة. ولو كان الأمر وراثياً لوجب أن يرث آل رسول الله أمر الخلافة بوراثتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا الأمويون والعباسيون والآخرون. ومن الواضح أن عنوان الخلافة كان ذريعة وحجة لرئاسة الأشخاص وليس لتطبيق أحكام الإسلام. نعم لقد قام عدد من الخلفاء والسلاطين ببعض الأعمال الإسلامية والسهلة كصلاة الجماعة والدعاء، لأجل التغطية على ظلمهم وفسقهم!

ورغم أن المناصب الدينية ليست وراثية بل ترجع إلى نص القرآن المجيد فقد بقيت بدعة معاوية في ترك أمر القرآن الصريح ونصب ولي العهد الوراثي معمولاً بها في حكومات سلاطين المسلمين وملوكهم، لذا يقع إثم ذلك كله على عاتق معاوية، ولم تصدر خيانة في تاريخ الإسلام عن أي أحد بدرجة تلك الخيانة فكل ما حصل في ملوك الإسلام من اتباع لهذه السنة يقع إثمه على معاوية.

خامساً: إلحاقه لابن الزنا «زياد بن أبيه» بنسب أبيه غير الشرعي: أبي سفيان( 25 )، كي يصبح زيادٌ أخا معاوية، وبالتالي ينال ولد الزنا نسباً إسلامياً صحيحاً ويصبح ابن حلال بعد أن كان ابن حرام، وحتى أن معاوية أمر إخوته وبناته أن لا يحتجبن من زياد. سبحان الله!! في السنة 34 هجرية من رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبح ابن الحرام الأجنبي واحداً من المحارم، والذي ارتكب هذا العمل القبيح والكبيرة يعتبر نفسه أمير المؤمنين ومن أولي الأمر (فماذا نتوقع بعد السنة 34 هجرية في بلاط سلاطين المسلمين!!).

رغم أن سلاطين وملوك جميع مذاهب الإسلام تتبع اسمياً محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً (ع) وعُمَرَ فإن جميعهم عملياً يتبعون مسلك معاوية ويتباهون بمذهبهم، ولا  يستطيع أحد من العلماء من زمن معاوية إلى اليوم أن يدخل أحداً من ملوك الإسلام وسلاطينه اليوم تحت عنوان المحمدي أو العلوي أو العُمَري(26).

وقد جعل معاويةُ «زيادَ بن أبيه» أميراً للحج فلما سمعت بذلك أم حبيبة أخت معاوية ومن أمهات المؤمنين الطاهرات قالت: أنا لا أعتبر زياداً ابناً لأبي سفيان ولا اسمح له بالدخول عليّ فخاف زياد من الفضيحة وترك إمارة الحج. لقد أنكر معاوية [عملياً] آية أولو الأرحام.

سادساً: لقد أصدر معاوية تعميماً يأمر فيه بلعن عليّ (ع) على المنابر في خطب الجمعة والجماعات، مع أن كل جاهل يعلم أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام أول من أسلم، فإذا صرفنا النظر عن خلافته، وإصابته للحق في كل أفعاله، فإن ذلك الشخص الكريم لم يكن مستحقاً لكل سوء الأدب والتجرؤ على سبه، فلقد ارتكب معاوية هذا العمل القبيح بقوة سلطانه الجائر وبمساعدة عدد من القضاة وأدعياء العلم من طلاب الرئاسة. إن أول من بث لعن مسلم ورئيس للمسلمين هو معاوية وتأست به الناس. وبالطبع لم يتوانَ شيعة علي (ع) أيضاً في لعن معاوية وأمثاله فقد انتقموا لمدة خلافته الغاصبة وخلافة أمثاله في القرون المتتالية. ولا يحق لأهل السنة مع تلك الأعمال التي صدرت عن معاوية ويزيد أن يطعنوا بالشيعة بسبب هذا الأمر (لعن معاوية) لأنه إذا جاز لعن علي (ع) رغم كل سوابقه العظيمة في الإسلام ورغم كل مناقبه وخدماته وبسالته في الغزوات والآثار التي خلَّفها في التوحيد والأخلاق والمعارف وظهور المعجزات، وكان هذا اللعن يتم على مدى ستين عاماً أو أكثر على المنابر وفي الجمع والجماعات والخطب، فمعنى ذلك جواز لعن جميع أصحاب النبي – والعياذ بالله - من باب أولى! فالذين يعتبرون لاعن عليٍّ مسلماً وعادلاً وصالحاً لا  يحقّ لهم أن يلوموا من يعلن معاوية ويزيد وبعض الآخرين. وبلعنه عليَّاً أنكر معاوية عملياً عشرة آيات من القرآن نزلت بحقِّ عليٍّ وسنذكر هذه الآيات لاحقاً.

سابعاً: نقل المسعودي في مروج الذهب في شرح حال الخليفة «المأمون» وسبب أمره بلعن معاوية، أنه في سنة 212هـ نادى منادي «المأمون»: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدّمه على أحد من أصحاب رسول اللهّ صلى الله عليه وآله وسلم. وتنازعَ الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية؛ فقيل في ذلك أقاويل: منها أن بعض سُمّاره حَدَّث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي - وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروف بـ «الموفقيات» التي صنفها للموفَّق-، قال (أي مطرف بن المغيرة بن شعبة): «وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنه ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشَاء، فرأيته مغتماً، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة. قال: يا بني، إني جئت من عند أخْبَثِ الناس، قلت له: وما ذاك؟!. قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عَدْلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصَلْتَ أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات!! مَلَكَ أخو تَيْمٍ [يعني أبا بكر] فعدل وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عَدِيٍّ [يعني عمر]، فاجتهد وشَمَّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجلٌ لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعلَ به، وإن أخا هاشم يُصْرَخُ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا لا أمَّ لك؟! والله ألا دفنا دفنا». وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا، وأنشئت الكتب إلى الآفاق بلعن معاوية على المنابر، فأعْظَمَ الناسُ ذلك وأكبروه، واضطربت العامة منه فأشير عليه بترك ذلك، فأعرض عما كان هَمَّ به( 27 ).

إن ما رواه المسعودي عن مطرف دليل على أن معاوية كان شاكاً في أصل رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤيده إعطاء النبي معاويةَ وأباه من سهم المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين، مما يفيد أنهما لم يكونا مسلمَيْن مؤمنَيْن حقيقةً.

ثامناً: أرسل معاويةُ بُسْرَ بنَ أرطأة في مهمة لقتل شيعة علي والإغارة عليهم في الحجاز واليمن في المناطق التابعة والمبايعة لعلي (ع) كما أرسله للإغارة على الأنبار وأطراف الكوفة، أما عليٌّ فلم يرسل أبداً أي مأمور للإغارة على أهل الشام الذين كانوا خاضعين لرئاسة معاوية. وهذا الأمر يدل على أن معاوية لم يكن عملياً مؤمناً بقوله تعالى: ﴿..لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا..﴾ (البقرة/48) ولا قوله تعالى: ﴿..وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..﴾ (الأنعام/164)، ولا بالحديث الشريف الذي يقول: «لا يؤاخذ الابن بجرم أبيه » ( 28 )، بل إن العقل الفطري المستقيم يحكم بأن الاقتصاص من زيد بدلاً من عَمْرو عملٌ قبيح ومخالف للعقل. إن مضمون الآيات والحديث والعقل من شؤون الجانب الروحي للإنسان المميز له عن الحيوان أي صفة النفس الناطقة التي بُعث جميع الأنبياء لتربيتها والرقي بها واستكمال إنسانيتها والارتفاع بها من حضيض الجانب الحيواني للإنسان إلى أوج الجانب الروحي، أي الناطقية المميزة للإنسان عن الحيوانات. لقد امتلك علي الناطقية الإنسانية الكاملة والتي يُعبَّر عنها بروح القدس والنفس الكاملة ولكن معاوية لم يكن يمتلك ذلك العقل الإنساني الذي يميز الإنسان عن الحيوانات وكان سلوكه مبنياً على الحيوانية المحضة وروح الفتك والتجبر وكان منغمساً باللذات الجنسية الحيوانية لذا كان يقوم – بغضاً منه وعدواةً لعلي بن أبي طالب- بالإغارة على الرعايا الأبرياء المساكين وقتلهم، فلم يكن مطيعاً للآيات والأحاديث ولا تابعاً للعقل وقد بقيت هذه البدعة الخبيثة عن معاوية في ملوك الإسلام وسلاطينهم الآخرين من السنة والشيعة وسرت إليهم حتى أنه إذا قام شخص ما بمنازعة رئيسٍ أو أميرٍ قام الأخير بالإغارة على كل قبيلته وعشيرته وقتل أفرادها، وكل تلك المعاصي يقع إثمها على معاوية [لأنه أول من سنَّها].

تاسعاً: كان حسان بن ثابت الأنصاري يهجو امرأةً من أقرباء معاوية بسبب كفرها وفسقها فسمع «يزيد» في زمن ملك أبيه «معاوية» أشعار حسان في هجوها فأمر الأخطل النصراني الذي كان شاعر بلاط معاوية أن يهجو جميع الأنصار( 29 ) مع أنهم بنص القرآن المجيد من أركان المسلمين، فكتب الأنصار من المدينة إلى معاوية كتاباً طالبوه فيه بقتل الأخطل فقام معاوية بتوقيف الأخطل ولكن يزيداً تدخل وأوقف القصاص بحق الأخطل وهكذا تمت التضحية بكل مقامات الأنصار ومناقبهم فداً لامرأة فاسقة سفيانية! إذن هو لم يعتبر هجو المؤمنين أمراً قبيحاً حتى لو كان المهجُويين أنصارَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! إن هجو الأنصار مضادَّةٌ صريحةٌ للقرآن وكفرٌ محضٌ( 30 ) وكان يزيد مباشِراً لهذا الكفر ومعاوية مسبباً له وبناء عليه فإن معاوية كان ينكر عملياً جميع الآيات التي نزلت في مدح الأنصار ولا شك أنه لو كان معاوية ويزيد يؤمنان بالقرآن والإسلام والإيمان لما رضوا بهجو الأنصار الذين كانوا ركن الإسلام والقرآن.

عاشراً: كتب مسلمو العراق كتاباً إلى الحسين بن علي عليه السلام بعد موت معاوية قالوا له فيه عن معاوية: «أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّكَ الجبّارَ العنيدَ الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزَّها أَمْرَهَا وغَصَبَهَا فيأها وتأمَّر عليها بغير رضاً منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مالَ الله دُوْلَةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْداً له كما بعدت ثمود. إنه ليس علينا إمام فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ » ( 31 ).

الحادي عشر: قام معاوية بقتل خواص شيعة علي (ع) مثل رشيد الهجري( 32 ) وحجر بن عدي وعمرو بن حمق الخزاعي وغيرهم بأمره وأمر زياد ابن الزنا في العراق جبراً وصبراً، مع أن القرآن والعقل والعدل يحكم بأنه لا يجوز الحكم بقتل شخص بدلاً من آخر، فمثل هذا الفعل ليس سوى تجبر وقهر وعناد وبهيمية وحيوانية صرفة، كما قام معاوية بسمِّ مالك الأشتر والحسن المجتبى (عليه السلام) وفي هذا معاداة صريحة للآية التي تنص على حاكمية القرآن، ومن ذلك أيضاً قتله لمحمد بن أبي بكر ونظائر هذه الأمور. وتفصيل الكلام بحق معاوية خارج عن وضع هذه الرسالة.

الثاني عشر: دخل معاوية الإسلام أي أظهر الإسلام بعد فتح مكة سنة 8 للهجرة ولم يكن إسلامه إسلاماً حقيقياً بدليل أنه عند تقسيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغنائم حنين أعطى النبي أبا سفيان وابنه معاوية من سهم المؤلفة قلوبهم( 33 ) وليس من سهم المسلمين، ولو كانوا من المسلمين لما أعطاهم من سهم المؤلفة قلوبهم، ومن نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة القرآن - حاشاه عن ذلك - فقد كفر، فإذن أدرك معاوية صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة سنتين بإسلامه الظاهري وكلَّفه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بمهام وإذا تصادف أن وُجد معاوية أحياناً في المحضر المقدس للنبي ونزلت عليه آيات من القرآن أمر معاوية بكتابتها، ولكن لما كان القرآن المجيد قد نزل تدريجياً وكان معاوية قبل ذلك ولمدة 21 سنة كافراً فلم يكن هناك داعٍ لأن يروج بعد خلافته بأنه كان كاتب الوحي، كذلك كان لأمهات المؤمنين إخوة ولم يشتهر أيٌّ منهم بلقب خال المؤمنين، فمن الواضح أن معاوية اخترع هذين اللقبين بقوة الخلافة والمال.

ولما أدرك معاوية صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصبح رئيس أموياً بعد عثمان وأصبح في الواقع رأس سلسلة بني أمية وشيخ خلفائهم، فإنه لا بد من تأمل تلك المزايا التي ادعاها معاوية لنفسه وروجها بين الناس كي نرى ما إذا كان معاوية مصداقاً لأولي الأمر الذين ذكرهم القرآن المجيد، وهل عمل بأحكام الإسلام مثلما فعل الخلفاء الراشدون الذين سبقوه أم لا؟ سوف تتضح الإجابة عندما نشرح معنى «أولي الأمر » في الفصول التالية.

 

الهوامش:

(24) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 64هـ، وعبارته: «وقال عمر بن سبينة: حج يزيد في حياة أبيه، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين، فقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه! فما هذا؟ قال: هو طيب يصنع بالشام، ثم دعا بقدح فشربه، ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبد الله. فقال له الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فقال يزيد: ألا يا صاح للعجب ... دعوتك ولم تجب ... إلى الفتيات والشهوا ... ت والصهباء والطرب..... الخ».

(25) خلافاً لقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

(26) وضع المؤلف لِعُمَرَ (رض) على قدم المساواة مع النبيّ (ص) وعليّ (ع) في كون حكومتهم تمثل حكومة العدل والمساواة والقسط والالتزام التام بالإسلام، جدير بالانتباه.

(27) انظر المسعودي، مروج الذهب، باب ذكر جمل من أخباره (أي المأمون).

(28) لم أجد له أصلاً، وإن كان معناه صحيحاً ولكنه ليس بحديث، والله تعالى أعلم.

(29) أصل القصة مشهور ذكرته كتب الأدب في ترجمة الشاعر «الأخطل» كما في كتاب: الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (15/103) والشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري والعقد الفريد لابن عبد ربه وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي وغيرهم، بيد أن الشاعر الذي هجا أو بالأحرى شبب بالمرأة – وهي رملة بنت معاوية – لم يكن حسان بن ثابت بل كان «عبد الرحمن بن حسان»، وقد أراد معاوية قطع لسان الأخطل بسبب ذلك، فشفع له يزيد، وأما القصيدة التي أنشدها الأخطل – لعنه الله - في هجو الأنصار رضوان الله عليهم بأمرٍ مِن يزيد فكان فيها: خلُّوا المكارمَ لَسْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا ... وخُذُوا مساحيكم بَنى النَّجَّارِ... إن الفوارس يعلمون ظهوركم ... أولاد كل مقبح أكار... ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ بالمَكَارمِ وَالعُلا ... واللُّؤْمُ تَحْتَ عَمَائِم الأَنصارِ... الخ.

(30) ورد في الحديث المتفق عليه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ».

(31) تاريخ الطبري، ج4/ص261، والإمامة والسياسة لابن قتيبة، ج2/ص4، و«الإرشاد» للمفيد، ص182، ومقتل الخوارزمي، ج1/ص194.

(32) انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، 4/310-311، وابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين 1/298، وابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، حيث ذكروا أن زياد بن أبيه قطع لسان «رشيد الهجري» وصلبه لأنه حدَّث بحديث يتضمن إيمانه بحياة عليٍّ عليه السلام ورجعته بعد موته.

(33) انظر السهيلي، الروض الأنف (في شرح سيرة ابن هشام)، 4/270، وابن عبد البر في «الدرر في اختصار المغازي والسير»، باب قسمة غنائم حنين، تسمية المؤلفة قلوبهم. وابن حزم الأندلسي في «جوامع السيرة»، ص 245.

(34) لقد وَهَمَ المؤلفُ في نسبة هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو من كلامٍ لعمر بن الخطاب (رض) كتب به إلى معاوية في أمر القضاء، كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج17/ص63. ولفظه: «.."وَ آسِ بَيْنَ الخُصُومِ فِي لَحْظِكَ وَلَفْظِكَ"».