في عظمة واتساع عالم الخليقة

أحد مصاديق الإمكان البُعد المجرد للموجودات الذي هو مصداق للكم المتصل بل هو عين الكم المتصل الممتد والمتسع بنحوٍ ذاتي والذي يطلقون عليه اسم «الفضاء»، وهو مكان جميع الأجسام الجامدة أو السائلة أو الغازية، فكل حيز من الفضاء يتطابق مع أقطار جسم ما يشكّل مكاناً حقيقاً لذلك الجسم. وهذا الفضاء هو الذي يحدد كل المساحات أو الطول أو العرض أو الارتفاع، وبعبارة أخرى فإن تعيين الطول والعرض والعمق هو تحديد لمقدارٍ ما من الفضاء، فإذا قلنا مثلا أن مستودعاً للقمح ارتفاعه كذا أو أن الماء أو الأرض طولها كذا وارتفاعها كذا فإن الذي يحدد هذا الطول والارتفاع ليس حبات القمح ولا تراب الأرض ولا ذرات الماء بل الفضاء. والفضاء غير محدود في أبعاده الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) فمهما فرضنا مقدار أبعاده كان من الممكن أن نفرض أن تكون هذه الأبعاد أكبر إلى ما لا نهاية، إذاً الفضاء موجود غير محدود ولا متناهي.

الثاني الزمان في الماضي والمستقبل. لا يمكننا أن نتصور للزمان نهاية لأوله ولا نهاية لآخره لأننا كلما تصورنا مثلا مئات مليارات السنين السابقة أمكننا أن نتصور زمناً قبلها مثل مئات آلاف المليارات السنين أو مليارات المليارات أو أضعافها وأضعاف أضعافها وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا ينطبق على الماضي والمستقبل. فلا يمكن تصور بداية للماضي ولا نهاية للمستقبل فالزمان كمٌ متصل أو هو متصل ذاتاً.

إن هذان الأمران غير المتناهيين – المكان والزمان – يشكلان الظرف المكاني والزماني للمادة غير المتناهية وكل ما يتفرع عنها وكل المسكونات التي لا حصر لها من الشموس والكواكب السيّارة والأقمار والمذنبات والشهب والنيازك، وطبقاً لنظرية التناسب الطبيعي بين الظرفين فعندما يكون عندنا ظرف غير متناهٍ ومظروف به فإن المظروف يجب أن يكون غير متناهٍ أيضاً وإلا لو كان المظروف متناهٍ للزم أن يكون الزمان والمكان موجودان دون أن يكون هناك مظروف بهما، وخلو هذين الأمرين (الزمان والمكان) لا يخلو إما أن يكون سببه عجز الواجب تعالى أو إهماله أو بخله وكل ذلك منشأٌ لانتزاع نقص الواجب تعالى.

فالمظروف أيضاً غير متناهٍ، إذن خُلقت الكواكب غير المتناهية من مادة غير متناهية منبسطة في الفضاء غير المتناهي، ولا يمكن جعل حركة الأجسام معياراً وميزاناً لتحديد المسافات بين الكواكب لذا جعلوا حركة النور هي الميزان والمعيار وهذا الميزان بيانٌ لعظمة المخلوقات غير المتناهية.

إن النور يقطع/300,000/ كم في الثانية أي حوالي 50,000 فرسخ وبالتالي فإنه يقطع ثلاثة ملايين فرسخ في الدقيقة، و180 مليون فرسخ في الساعة، فلكي يطوي النور محيط الأرض كله يحتاج إلى ثمن 1/8 ثانية فقط.

والنور يصل من الشمس إلى الأرض خلال زمنٍ قدره ثمانية دقائق ونصف أي 510 ثوان أما نور كوكب النبتون الذي يشكل جزءاً من مجموعتنا الشمسية فيحتاج إلى أربع ساعات ليصل إلينا أي إلى أكثر من/14,400/ ثانية، وأقرب النجوم (التي على شكل قنطورس) إلى عالمنا يحتاج نورها إلى أربع سنوات ليصل إلينا وأما نور الجدي من مجوعة الدب الأصغر فيحتاج إلى خمسين سنة ليصل إلينا.

وبسبب شدة بُعد الكواكب عنا، لم تعد الفراسخ كافية لحساب بعدها عنا أو المدة التي يستغرقها نورها ليصل إلينا لذلك قاموا باستخدام الحساب بالسنوات الضوئية فيقولون إن النجم الفلاني يبعد عنا عشرين سنة ضوئية والنجم الآخر يبعد عنا 200 أو 2000 سنة ضوئية وهكذا.

وقد بلغ عدد الكواكب الثابتة التي اكتشفت بفضل اختراع المراصد المتطورة حتى اليوم ما يزيد على/105/ ملايين نجم بل إن صحيفة «لو ماتان» الفرنسية ذكرت في عددها الصادر في 4 أيلول 1919 أن عدد الكواكب يبلغ 1500 مليون كوكب، في حين أن «ماريون» عالم الفلك الفرنسي يقول: "نحتاج حتى نصل إلى أقرب السحب المضيئة إلى مسافة خمسة ملايين سنة ضوئية" وهذه السحب الضوئية تُسمى الكواكب السحبية أو الغيمية.

يقول «كرتنكر» الألماني أن هذه السحب المضيئة مكونة من نجوم وأنها على قسمين الأول تجمع لكواكب كروية يبلغ عددها ثمانون وتبعد عنا مسافةً قدرها من ثلاثين ألفاً إلى عدة مئات من الآلاف من السنوات الضوئية، والقسم الثاني سحبٌ موشورية الشكل وقد أحصيت مئات منها وهي تبعد عنا من مليون ونصف إلى تسعة ملايين سنة ضوئية. وسبب تحديد المسافة بتسعة ملايين هو أنه لا سابقة بالنسبة إلى الناظرين لمثل هذا الأمر الذي يخالف المسموعات والمنظورات، وإلا فلو قال أحدهم أن هناك كواكب في الفضاء اللامتناهي وأن نورها يصل إلينا خلال زمن غير محدود وغير متناهٍ رغم سرعة النور الهائلة التي أشرنا إليها، لما قال باطلا ولا جزافاً، فهذه التحديدات هي لأجل إزالة تعجب قارئي الرسالة والناظرين فيها.

إذا أردنا أن نقيس أحوال الكرة الأرضية والإنسان الذي يعيش عليها بالنسبة إلى العوالم الموجودة المشهودة لقلنا: استناداً إلى أن الكواكب الثابتة (التي قُدر عددها بـ 1500 مليون والتي أمكن رصدها بالمراصد القوية) وإلى أن كل واحد من تلك الكواكب الشمسية شمسٌ مثل شمسنا وكل واحد منها يفوق حجمه حجم شمسنا أضعافاً مضاعفة كما أن لكلٍّ منها على الأقل عشرة كواكب تدور في فلكها وأقمار ومذنبات، فإن عدد الكرات المعلقة بالفضاء يصل إلى/300/ مليون.

عمر الأرض كما يقدره علماء الطبيعة يتراوح بين 9 ملايين إلى 150 مليون سنة، وأرضنا بحجمها الحالي وعمر ال 150 مليون سنة لا تعدو بالنسبة إلى عمر مثل هذه القطعة في الفضاء الذي تشاهده المراصد أكثر من موجةً في بحرٍ، كما أن حجم الأرض بالنسبة إلى حجم الكواكب المضيئة يماثل حجم الذرة التي هي أصغر شيء في الوجود والجزء الذي لا تتجزأ! وأما الإنسان فإذا بلغ عمره 200 عام، كان عمره بالنسبة إلى عمر الأرض مثل موجة بحرٍ، كما أن حجم بدن الإنسان بالنسبة إلى حجم كرتنا الأرضية مثل حجم الذرة أيضاً.

فإذا تأمل الإنسان صاحب العقل جيداً بأنه هو في حد ذاته مجرَّد ذرة لا  تُرى بالنسبة إلى الأرض، وأرضه مجرَّد ذرة لا تكاد تُرى بالنسبة إلى عالم النجوم، فما محل هذه الذرة من الإعراب في نشأة عالم الوجود؟! هذا الإنسان الصوري إذا امتلك أخلاق الإنسان صاحب العقل لعرف حده الوجودي في تلك المقارنة ولتبين له مقام كل إنسان وأنه لا يشكل سوى ذرة بالنسبة إلى الأرض. هنا يتضح تماماً للعالمين والعارفين حال المدَّاحين والممدوحين.

هنا نفهم قصة الخليفة الثالث عثمان وأبو ذر الغفاري: كان الخليفة مشغولاً بالقيام بوظائف الخلافة في قصر دار الحكومة فجاءه شاعرٌ وجلس وابتدأ ينشد الأشعار في مدحه، وكان أبو ذر جالساً فأخذ شيئاً من الْحَصْبَاءَ الموجودة في الغرفة ورماها في وجه المداح. فقال عثمان متعجباً: ما شأنك؟! فأجابه أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «احْثُوا فِى وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ. » ( 23 ). ونظراً إلى ثقة أبي ذر وصدق لهجته تلقَّى الحاضرون هذا الخبر بالقبول، لأن جميع المدائح المغرقة هي في الأساس نوع من الوثنية ونتيجةٌ للطمع واللذة البهيمية والحيوانية. ومن واجب كل نبيٍّ أن يمنع كل شكل من أشكال التعظيم لغير الله والوثنية والأعمال البهيمية والحيوانية. والقرينة والإمارات العقلية يدلان على صحة الحديث والقطع بصدوره من مقام الرسالة الأقدس لأن مضمون هذه الرواية يحيي جانب النطق الذي هو الفصل المميز للإنسان ويميت الجانب الجسمي الحيواني الذي يشكل الجنس المشترك بينه وبين الحيوان.

 

الهوامش:

(23) الحديث من دون ذكر القصة: رواه الشيخ الصدوق في الأمالي، ص 426، ورضى الدين الحسن بن الفضل الطبرسى‏ في «مكارم الأخلاق»، ص 428. ورُوِيَ من طرق أهل السنة مع ذكر القصة مدح الشاعر إلا أن الرامي للمداح بالحصباء لم يكن أبا ذر بل كان المقداد: والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (3002) وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم، وأحمد في المسند (6/5).