في سرّ انحطاط المسلمين وانحدار شأنهم

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم – ومن الله التوفيق وعليه التكلان..

القصد من تحرير هذه الرسالة بيان سبب انحطاط حال المسلمين، حيث يعلم أولو الألباب وذوو البصائر أن المسلمين كانوا حتى ألف ومئتي عام بعد الإسلام أصحاب قدرة وشوكة، أسياداً مستقلين في أوطانهم يبسطون سيطرتهم الكاملة على بلدانهم التي كانت تمتد من المحيط الأطلسي غرباً حتى تخوم الصين شرقاً، تُدارُ وَتُحْكَمُ بالسياسة الإسلامية، وأنهم كانوا في تلك العصور متفوقين في قوتهم على أغلب السلاطين والحكومات المعاصرة لهم أو على الأقلّ مساوين لهم في الدرجة.

نعم، هناك بعض طوائف البشر تعيش في بعض جزر أفريقيا وبعض نواحي الدنيا النائية يحكمها قانون الغاب وتعيش مستقلةً داخل مناطقها مثل شعوب أستراليا الأصليين وأهالي جزر جاوا وبحر أفريقيا ومناطق في أمريكا وغيرها. إن خضوع أمثال هذه الشعوب والقبائل لسيطرة الدول القوية ليس بالأمر العجيب لأنها كانت تعيش دون أي قانون وأساس لنظام يحكمها أو يدعوها لحكم غيرها، بل ربما كانت تبعيتها للدول ذات النظام والقانون أفضل لها لأنها تؤدي إلى انتظام أمرها ورقيها ورفاهيتها. أما المسلمون فليسوا مثل أولئك القبائل، لأن حكم وسيادة المسلمين على معظم العالم القديم إنما كان يرتكز إلى قاعدة سياسة الإسلام ونظامه.

فماذا حصل وماذا فعل المسلمون حتى تقدموا وارتقوا فيما مضى وماذا فقدوا أو ماذا فعلوا حتى انحطّت أحوالهم وانحدرت منزلتهم؟ إن توضيح هذا الأمر يحتاج إلى مجموعة من المقدمات ثم الفصول وهو مقصد رسالتنا هذه.

الغرض من هذه الرسالة بيان موضوع حكومة المسلمين وسيادتهم بشكل عام، ولن نتعرض فيها لخصوصيات الفرق الإسلامية، فقد كتب علماء كل فرقة كتباً ورسائل عديدة في بيان وشرح حقيقة مذهبهم وبطلان مذاهب الفرق الإسلامية الأخرى وبذلوا جهداً كبيراً في ذلك الأمر، ولعل هذا أحد أسباب انحدار الأمة الإسلامية بل هو أحد أسبابه يقيناً، فقد جَرَتْ بعض الأقلام بكثيرٍ من الكلام المفرط والجُزاف(5) في هذا المجال، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى عندما ينحصر فكر الكُتَّاب والمفكِّرين واهتمامهم في كتب ومضامين فرقتهم الخاصّة والدفاع عن عقائدها فإن بقية قضايا المجتمع الإسلامي تصبح منسية، أما لو اهتم الكُتَّاب بجوانب المجتمع الإسلامي الأساسية وما يتضمنه القرآن المجيد من تعاليم في هذا المجال لما جاءت كتاباتهم وما جرت به أقلامهم مخالفةً للمنطق ومنافيةً لأسس الإسلام، بل اقترنت بدلا من ذلك بالحقيقة، لأننا نجد أن هناك في جميع بلدان الإسلام، سواءً تلك الواقعة تحت نفوذ الأجانب وسيطرتهم كالهند والجزائر وتركستان وبلاد القوقاز وغيرها أم تلك التي تتمتع بشيءٍ من الاستقلال الصوري الظاهري مثل بعض المناطق الأخرى من بلاد المسلمين، دعايات علنية ضد الإسلام يقوم بها أتباع الأديان القديمة أو الجديدة أو الماديون الطبيعيون (الملاحدة)، ونجد خروج كثيرٍ من المسلمين تدريجياً من دائرة الإسلام أو فساد عقيدتهم أو تحوّلهم إلى دين آخر على أثر تلك الدعايات.

ولا شك أن هذه الأوضاع تؤدي إلى تضاؤل عدد المسلمين الحقيقيين كما هو مشاهد ومحسوس.

في الحقيقة إننا نجد في جميع مناطق وبقاع عالم الإسلام اصطفافاً ومواجهةً بين الإسلام والكفر، بل نجد صفوفاً كثيرةً من غير المسلمين يتحدّون الإسلام ويواجهونه بسلاح الإنكار والكفر ويبذلون في ذلك جهداً ومثابرةً. ورغم أن صفوف المسلمين كثيرة العدد بل هي أحياناً أضعاف غيرها عدداً إلا أنها لما كانت صامتةً لا تبدي حراكاً وكأن آيات الأمر بتبليغ الدين لم تنزل عليها فإن نتيجة المواجهة بين صفٍ مُجِدٍّ نشطٍ في الدعاية لمبدئه وصفوف كثيرةٍ تلتزم الصمت والسكوت ستكون بالطبع لصالح الطرف الأكثر نشاطاً وفعاليةً حتى لو كان عدد أفراده أقل بكثير... إن سبب هذا التقصير والإهمال الذي نجد المسلمين - رغم امتلاكهم لعقيدة إسلامية قويمة - واقعين فيه وهم يواجهون خصومهم المصطفين ضدهم، هو عدم اتفاق المسلمين وتفرقهم وقصور معرفتهم بأحكام الإسلام المتقنة الكفيلة بصيانة المجتمع الإسلامي والحفاظ عليه والرقي به (وسنشرح هذا الأمر في المقدمات والفصول التالية).

إن بعض فرق المسلمين التي لا تعتقد بظهور قائم شخصي تعزوا كل هذه الحوادث إلى تقديرات ما وراء الطبيعة وإلى المشيئة والإرادة الإلهية الخاصة، وبعض الفرق التي تعتقد بقيام قائم شخصي في آخر الزمن ترى أن العلاج الوافي لهذه الأوضاع هو وظيفة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه، ولا يرون أنفسهم مكلفين أو مأمورين بمواجهة تلك الدعايات العدائية ضد الإسلام. بل لا يرون أنفسهم مكلفين بتبليغ أحكام الإسلام وباختصار لا يرون أنفسهم مكلفين بتكاليف الإسلام العامة التي تختص بالأمة بشكل عام بل يرون أن كل ما هم مأمورون به هو حفظ واجباتهم الفردية من العبادات وغيرها. فهم يعملون بالأحكام السهلة ويتركون الأحكام الصعبة على عاتق القضاء والقدر أو مسؤولية إمام الزمان. فمثلا لسان حال جميع المسلمين يقول إن مشيئة الله وإرادته قضت أن يعمل المسلمون على ترويج أحكام الإسلام ونصرتها ونشرها في القرون السالفة وإن هذه الإرادة والمشيئة الإلهية ذاتها هي التي قضت بانحطاط المسلمين وانحدار شأنهم وذلتهم في هذه القرون الأخيرة (أي أن هذه المشكلة يقع حلها على عاتق على الملائكة الكروبيين!).

لو فرضنا صحة المقدمة التي تقول إن الأحكام والأوامر التشريعية مثلها مثل الأمور التكوينية والموجودات الطبيعية تخضع للقضاء والقدر وليس للإنسان وظيفة تجاهها، فعندئذٍ فقط سيكون المسلمين غير مسؤولين ولا مؤاخذين على سكوتهم! وعندئذٍ سيكون امتياز الإنسان عن سائر أنواع الحيوانات أمراً صعباً، ولكن إقامة الدليل والبرهان على تلك المقدمة دونه خرط القتاد.

بعد بعثة حضرة موسى (ع) في منطقة من بلاد الشام وحولها ومن خلال أسر بني إسرائيل، راجت تلك الديانة في بلاد فارس. واتسعت دائرة الدين بعد بعثة حضرة عيسى ابن مريم (ع). وبعد بعثة حضرة صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وآله وسلم وانتشار مبادئ الإسلام بسرعة في أقطار العالم القديم حيث كان ثلث اليابسة في ذلك الزمن خاضعاً للديانة البوذية والبرهمية (الهندوسية) (حقاً أو باطلا)، بدأت مذاهب الماديين والطبيعيين الدهريين بالذبول والاضمحلال كما أخذت الوثنية وعبادة الأصنام طريقها نحو الزوال النهائي في العالم القديم واختارت مناطق في أواسط أفريقيا وبعض الجزر منزلاً لها. في تلك الفترة حيث كان جمال الديانة يشع بنورانيته في العالم القديم بكل جلال وشوكة دون أن تستره الحُجُب، لم يكن الماديون يجرؤون على الظهور والتظاهر بعقيدتهم. ولكن في هذا القرن وبعد أن تمَّت الاكتشافات العلمية الخارقة حول قوانين الطبيعة وخواصها الأمر الذي هيأ للإنسان وسائل جديدة للعيش لم يكن يحلم بها في العصور الماضية حتى سُمِّيَ هذا القرن بالقرن الذهبي المتلألئ وقرن الحضارة والحرية بسبب الاكتشافات الخارقة مثل الطيران في الهواء والغوص في أعماق البحار واكتشاف الراديوم والاتصال اللاسلكي ونور الكهرباء وكيفية الشموس المعلقة في الفضاء اللامتناهي وأمثال ذلك, وفي الوقت ذاته بسبب ما جرت به الأقلام بالنسبة إلى الأديان العامة والحكومات وتبدُّل الأنظمة الملكية إلى جمهورية وشوروية، وأصبح القرن قرن عيد ومسَرَّةٍ للماديين, والإنصاف أن الأمر كان كذلك أيضاً بالنسبة إلى نظرية المادية البحتة وينبغي أن يكون كذلك. ولكن ينبغي أن نسمي ذلك القرن أيضاً قرن الانحدار والانحطاط بالنسبة إلى الأديان والتوحيد والمبدأ والمعاد(6) والأخلاق. حيث أدار الناس فوجاً فوجاً ظهورهم للدين ومالوا نحو الأخلاق والعادات المادية أكثر مما ينبغي.

في الحقيقة خرج ضياء الألوهية من الأذهان، واستُبْدلت حلاوة عبادة ما وراء الطبيعة(7) بحنظل المادية المر في أذهان أبناء هذا القرن فسمَّى عابدو الله هذا القرنَ بالقرن الخبيث والبشع, ومصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ!.

إن انحطاط المتدينين وكثرة الماديين برهان قاطع على أن جميع علماء الأديان لم يبذلوا سابقاً ولا يبذلون الآن جهداً وسعياً كافيين للردّ على الماديين. لقد كان من الواجب على علماء المسلمين وخاصة فرقة الإثني عشرية الناجية والنصارى واليهود والبراهمة والبوذيين أن يؤلفوا رسائل عديدة في الرد على الماديين ويطبعوها وينشروها. إن قضية المبدأ والمعاد مسلّمة ثابتة بشكلها الإجمالي وكذلك صحّة أصل النبوة وحقيقتها مسلمة لدى أديان العالم الخمسة(8) فكان عليهم أن يشمروا عن سواعد الهمة ويتعاونوا مع بعضهم [في إثبات هذه الحقائق]. إن أصل الأصول والركن الوثيق لجميع الأديان هو أصل المبدأ والمعاد والنبوّة المطلقة بشكل عام. ولا ندري ما السبب في سكوت علماء الملل الخمسة وما مستندهم في ذلك؟

مثلا هل أن الكتب السماوية والعياذ بالله ليست وافية من حيث البرهان والدليل, أم أن الكتب وافية وكافية لكن العلماء لا علم لهم بمحتويات كتبهم أنفسهم؟ أو احتمالٌ ثالثٌ أن تكون الكتب وافية والعلماء عارفون بها ولكنهم يخافون, هذا رغم أنه لا يزال عدد الإلهيين والمتدينين في وضع الدنيا الحالي أكثر من عدد الماديين. والاحتمال الرابع أن تكون عقائد كل فريق منهم في كتبه لم تصل إلى حد الكمال كي يجرؤوا على القيام بالردّ على الماديين. والاحتمال الخامس أن تكون الكتب السماوية حاوية على البراهين الوافية، والعلماء عالمون بها ولكنهم لم يعتادوا على القيام بمثل هذا العمل، وسكوتهم منطلق من إهمالهم، وناتجٌ عن اهتمامهم بذواتهم الأنانية وحياتهم الفردية التي اعتادت عليها جميع الملل الدينية وعلماء كل قوم, ولعلهم أوكلوا الدفاع عن حقيقة الدين والردّ على الماديين إلى القضاء والقدر وكائنات ما وراء الطبيعة.

القول الحق هو أننا لا يمكننا أن نعذر علماء الملل الخمسة على هذا السكوت. هل ما نشاهده في المتدينين من تقاعس عن القيام بالواجب الحتمي في الدفاع عن الدين وسكوتهم أمام هجمات الماديين قصور أم تقصير؟ لا شك أن في سكوتهم تأييد غير مباشر لهجمات الماديين، وبالتالي إذا اعتبر أحدهم سكوت العلماء في مثل هذه الظروف ذنباً لا يُغفر وخلافاً للمنطق فإنه لم يقل جزافاً، لأن كل إنسان يعتبر الدفاع عن حقه واجباً والقيام به حتمياً, فإذا تعرَّض أحدهم لماله هبَّ للدفاع عن ماله بكل قوَّة حتى لو كان ماله قليلا، فكيف إذا كان المقام مقام الاعتقاد بالله واليوم الآخر الذي هو أهم بألف درجة من سائر الأصول والحقوق ومقدم عليها؟! لكننا نجدهم رغم ذلك، في مقام الردّ على الهجوم على تينك العقيدتين المقدستين الأساسيتين، غارقين في بحر السكوت؟! ويبدو وكأنهم لا يعتبرون أن من الواجب عليهم أن ينهضوا للدفاع عن أنفسهم بل يرون أن السكوت فرض عين عليهم!

إن الواجب الحتمي على علماء الملل الخمسة أن يتَّفقوا على إطفاء نار المادية لأن أقدم وأكبر نزاع ابتدأ مع خلق البشر، والنزاع الذي تفوق أهميته أهمية جميع الخصومات الدينية والدنيوية الأخرى، هو النزاع بين الإلهية والمادية الذي ينبغي أن تُكتب فيه رسائل كثيرة وأن يقوم علماء الدين ومبلغوه بتبليغها للناس. إن كل شخص وكل طبقة وجماعة ممن يعتبرون أنفسهم على حق في قضية ما خاصة فيما يتعلق في الأمور المرتبطة بالدين وكل من يعتبر مذهبه حقاً ومذهب الآخرين باطلا, من الواجب الحتمي عليه ومن اللوازم التي لا تنفك لهذا الاعتقاد بحقيقة دينه ومذهبه ومسلكه أن يقوم بتبليغه وتوضيحه لأبناء ملَّته لينقذهم من الضياع والضلالة. فهناك تناقض صريح بين الاعتقاد بحقيقة مبدأ ما والسكوت عن تبليغه والدعوة إليه. وهذا من القضايا التي قياساتها معها. نعم إذا كان الذي يعتقد بحقيقة دين ما – مع كون ذلك الدين في ذاته حقاً - جاهلاً به وأبلهاً وأحمقاً، لم يكن مكلَّفاً بتبليغه نظراً لجهله وقصوره. وإلا فإن القول بأن ديني حق ومسلكي ومذهبي حق ولكنني لا أقوم بتبليغه وأقنع بالسكوت – كما هو ديدن [كثير من] العلماء والمتدينين – قول خاطئ، وقائله مغالط بل مشاغب، وكلامه أقرب إلى الشعوذة منه إلى العقل والمنطق والدين.

إن إظهار العقيدة المادية وإنكار المبدأ والمعاد عقيدة متطرّفة وجُزافٌ إذ إنه من اليقين أن القائلين بها ليس لهم أية إحاطة بجهات وحيثيات العوالم غير المحدودة كي يمكنهم أن يجزموا بهذا الإنكار استناداً إلى إحاطتهم التامة بكل الوجود, والأمر ذاته بالنسبة إلى الآخرين الذين تلقَّوا عنهم هذه العقيدة المادية وقبلوها، فهم لم يستطيعوا بالتأكيد أن يتصوروا المبدأ وما وراء الطبيعة في العالم ولا أن يدركوا كنه حقيقة هذا الأمر فلذا قاموا بإنكاره, وإنكار شيء بسبب الجهل به وعدم الإحاطة بحقيقته يتنافى مع حقيقة العلم، لأن حق العلم أنه عندما يعجز العالم عن تصور كنه شيء ما فإنه يدع هذا الشيء بحالة الإمكان فلا يذعن لوجوده ولا ينكره. أضف إلى ذلك أنه لو فرضنا أن شخصاً ما لا يؤمن بالمبدأ والمعاد، فإنه ينبغي عليه - لأجل انتظام أمر الدنيا وطمأنينة قلوب عامة أبناء البشر - أن لا يعارض هذين الأصلين لأن إنكاره للمبدأ [أي لوجود الله] مضر بحال الحضارة البشرية، لأن نشر وجود وحقية وصحة المبدأ والمعاد يمثل ناظماً باطنياً ومُخَوِّفاً قلبياً ومهدِّئاً روحياً وعاملا رادعاً للجهّال كي لا يقوموا في ظلام الليل وخلوة البيداء والبيت بإيذاء الآخرين، إذ إن أفضل وأكمل رادع باطني يمنع من ارتكاب القبائح هو الاعتقاد بحقيقة المبدأ والمعاد [أي: الله واليوم الآخر] وترسيخ هاتين العقيدتين في قلوب عامة بني البشر، لأن نشر العقيدة المادية المتطرفة والجُزاف يؤدي إلى إرخاء العنان للشر والسماح للأقوياء بالتعدي على الضعفاء مما يتنافى بحد ذاته مع دعوى الحضارة والإنسانية والمساواة والأخوّة. إذن من اللازم على كل حكيم وعاقل ومدَّع للإنسانية أن يروِّج للإيمان بالمبدأ والمعاد حتى لو لم يكن يعتقد ذاتاً بذلك.

إذا تأمّل الإنسان في حقيقة الأمر تأملاً فلسفياً متجرداً ونزيهاً ودرس الموضوع بدقة لرأى أن نشر العقيدة بوجود المبدأ والمعاد لا يتنافى أبداً مع أي حرفة قديمة أو جديدة أو أي اكتشافات خارقة في طيّ البحار والبيادي أو الطيران في الهواء أو الرقيّ فيما هو أعلى من ذلك. بل إن مثل هذه العقيدة تنظم هذه الأمور، بعكس عقيدة إنكار المبدأ والمعاد التي تتناسب مع الحيوانية التي هي جنس الإنسان ولا تتناسب مع الناطقية التي هي فصله المميز له(9). فناشرو عقيدة إنكار المبدأ والمعاد متوغلون في الجنس المشترك للإنسان فقط [أي حيوانيته التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات] ومعرضون عن لوازم فصل الإنسان الذي هو النطق. إنه من العجب العجاب أن يقوم الإنسان الذي يشكل النطق والإدراك صفته اللازمة التي لا تنفك عنه بالتضحية بهذه الصفة السامية في سبيل عقيدة مادية جاهلة وجُزاف ترتكز على الصفة الحيوانية للإنسان فقط أي التي تجمع بينه وبين الفيل والجمل ووحيد القرن وتجعلهم في درجة واحدة. فويلٌ لمن يُخاصمُ نفسَه وينكرُ فصلَه وفضله!!

عندما تدخل أيّة ديانةٍ إلى بلاد جديدة فإن العادات والرسوم الرائجة في تلك البلاد تنضم إلى ذلك الدين بتغيُّر جزئي وتغيِّر تدريجياً من ملامحه ثم تُعتبر بمرور الزمن - لدى العوام البسطاء - جزءاً من الدين.

فمثلا تأثَّر الإسلام في إيران والصين والهند والقوقاز بعادات أهالي تلك البلاد المختلفة مثل عيد النيروز الجمشيدي واحترام النار ويوم الأربعاء السوري وإشعال النار واستعمال الحناء في السابع والعشرين من رمضان ولبس السواد ووضع الستائر والأقمشة السوداء على التكايا والمنابر وتعليق البسط ونصب الشمعدانات في مجالس العزاء وسائر أنواع الزينة والخرافات والحركات مثل رفع الأعلام وضرب الصنج والألعاب النارية وأساليب التعظيم الرائجة مثل رفع القبعة احتراماً للشخص والمصافحة والمعانقة بدلاً من التحية الإسلامية. وفي النهاية يؤدي اختلاط أصل الديانة بالعادات الرائجة إلى خلق مشاكل إذْ يصبح من الصعب التمييز بينهما.

إن الميزان الصحيح والمحكم لتشخيص العادات العرفية وتمييزها عن أساس الشريعة ثلاثة أمور: الأول: القرآن المجيد، والثاني: السنة المتفق عليها بين فرق المسلمين المختلفة، والثالث: السيرة العمليّة لصاحب الرسالة (ص) خلال مدة 23 سنة من فترة إبلاغه أحكام الإسلام. بالرجوع إلى كل واحد من تلكم الأصول الثلاثة يتميَّز بشكل جيد الحق من الباطل والإيمان من الكفر والاتفاق من النفاق والصالح من الطالح، إذ من البديهي أن أحكام وتعاليم أي دين يجب أن تؤخذ وتحدد من مجموع أعمال وأقوال صاحب ذلك الدين، فالأصول الثلاثة هي جذع وجذر شجرة الإسلام المقدسة وكل ما عدا ذلك هو أغصان وأوراق وثمار تلك الشجرة. ومن البديهي أن شجرة التفاح واللوز والسفرجل لا تعطي ثمار الحنظل والزقوم، وأن غصنَ الورد يُنْبِتُ ورداً أينما زُرع. بعد رحلة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم جاء الوافدون إلى المدينة وسألوا أصحاب النبيّ وزوجاته عن عقائد النبيّ وأخلاقه وأعماله فأجابوهم جميعاً أن القرآن يحتوي على جميع تلك الأمور وأنه في الحقيقة أساس الإسلام، فالقرآن نبيٌّ صامتٌ كما أن النبيَّ قرآنٌ ناطقٌ.

إذن القرآن المجيد هو اللواء الأكبر والمنبر والوسيلة والعِلم المحمدي والشفاعة الأحمدية الكبرى: فِيْهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً.

خلال كل حياة البشرية كانت هناك عقيدتان تحكمان البشر بشكل مباشر: إحداهما الإيمان بالله واليوم الآخر ولوازمهما، وهو الإيمان الذي حمله ودعا إليه الأنبياء والعلماء والحكماء الإلهيون وبلّغوه ودافعوا عنه، والثانية العقيدة المادية وإنكار مبدأ العالم وإنكار الوجود الشاعر والقادر.

واليوم أيضاً أبرز شيطان الإلحاد رأسه من مراكز المادية وأخذ يصارع الإلهيين وخرج بصورة عفريت يسعى للسيطرة والسيادة وأخذ يملأ أسماع الدنيا وأبصارها بنفيره المنطلق من منابع الجهل والحيوانية ومراكز الأنانية والفردية وقد تمكن هذا الكائن ذو الخلقة العجيبة أن يجد طريقه إلى جماعات من الناس الوحشيين وجماعات ممن يعيش في الخيام ومن الفلاحين ويرأسهم باسم مختار القرية ورئيس القبيلة والسيد المطاع وخرج تدريجياً بصورة مدير حرس الحدود وقائد الجيش وفرعون ونمرود وقيصر وخاقان وملك الملوك والخليفة، وشغل بني الإنسان بذاته بدلا من عبادة الله، ولم يكن لهؤلاء من هدف وقصد سوى الرئاسة والحكم وإشباع الشهوات، وكانوا كل يوم يتلونون بلون: فإذا كانت جماهير الناس مادية خرج رئيسهم ليروج لهذا الفكر وإذا كانوا أصحاب دين لبس أولئك الزعماء مسوح الدين، وإذا كان الشعب من الفرقتين كان أولئك الزعماء مع فريقٍ نهاراً ومع الفريق الآخر ليلا، وقام أعوان أولئك الزعماء بمدحهم حتى ولو كانوا شياطين خنّاسين وقاموا بحبس وإعدام منافسيهم حتى ولو كانوا أمثال عيسى وزكريا ويحيى والسبطين الشهيدين – الحسنين- وبرصيصا العابد.

إن عصور الرئاسة المستبدة تجعل الإنسان العاقل والمتفكر يدرك أن لا مكان في دائرة الزعامة والرئاسة الاستبدادية للعقل والإنصاف والشرف والغيرة والحياء والناموس والعفة والعصمة والحلال وابن الحلال والحرام وأولاد الحرام والسعادة والشقاء والكفر والإيمان، والفتوّة والشهامة والسخاء والأدب والإنسانية، والمبدأ والمعاد (أي الله واليوم الآخر)، ولا اعتناء بأي من هذه الأمور، ولا يسود إلا الترف والزخارف ونفوذ السلطة والسيادة ولا يُسْمَح لقضية الله واليوم الآخر وللدين بحد ذاته أي العدل والمساواة والمواساة والإيمان والحق بالدخول إلى قصورهم. إن الصفة الأساسية لمثل تلك الرئاسات والزعامات المستبدة فقدان الأمور المذكورة، كما أن وجود تلك الأمور هو أهم شاخص ومميز للأنبياء وأتباعهم. لاحظوا وضع كسـرى (خسـرو برويز) قبل الإسلام والاثني عشر ألف فتاة شابة تحت قوس المدائن مروراً إلى وضع عبد الملك وهارون الرشيد والأمير تيمور... في زمن الإسلام، فهذه هي الصفة المميزة للزعماء التي تشمل الكل بدءاً من مقام مختار القرية وانتهاء بمقام خليفة مثل هارون الرشيد! طوبى وحبذا للقرآن المجيد الذي حطّم كل تلك الرئاسات تحت أخفاف إبل مجاهدي الإسلام ولم يعترف بأي رئاسة سوى الأخوة الإسلامية ولم يمجد السلاطين والملوك الجبابرة ولم يذكر اسمهم إلا وهو يبين استحقاقهم للعقوبة الأخروية.

لا يقتصر انحطاط حال المسلمين وانحدار شأنهم على فرقة واحدة من فرقهم، بل يعم الجميع، فقَبْل مئة وخمسين عاماً أو مئتي عام كان المسلمون في كل بقعة وإقليم في الأرض أصحاب سيادة ونفوذ واستقلال، ولكنهم بدؤوا منذ ذلك الزمن يسيرون نحو الانحطاط وتُسلب منهم سيادتهم ويصبحوا أتباعاً ورعايا لغيرهم وعبيداً يحملون الأثقال لأعداء دينهم. ويشترك في هذا الانحطاط وزوال السيادة جميع المنتمين للإسلام. إذن لا بد أن يكون السبب أمراً مشتركاً واحداً، وليس سوى ترك المسلمين للعمل بسياسات الإسلام الراشدة التي كانت في الأربعين سنة الأولى بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم بدأت بالتغير بعد ذلك (وتوضيح هذا الأمر من أهداف رسالتنا وسيأتي لاحقاً). ولما كانت فرق الإسلام الخمس شريكة في هذا الأمر فإن مخاطبنا هو جميع المسلمين وليس فرقة خاصة منهم.

لا ريب أن المسلمين فقدوا السيادة والرفعة على سائر الأمم، مع أن السيادة والرفعة من خصائص ولوازم الإيمان والإسلام للإنسان المسلم، وأصبحت التبعيّة والخضوع للآخرين الصفة الجامعة للمسلمين في جميع البقاع الإسلامية، حيث نجد أن ثلاثمئة مليون مسلم اليوم(10) محكومون للأجانب وتشملهم هذه التبعية جميعاً، وإذا وجدنا استقلالاً صورياً في بعض البلدان الإسلامية السبب الحقيقي لذلك كان تنافس القوى الأجنبية عليها الذي أدى إلى نجاة الفريسة من أيدي الصيادين وليس سببه حسن السياسة الداخلية لتلك البلاد.

لقد كان المسلمون في القرون الأولى وحتى مدة ألف ومئة عام [بعد ظهور الإسلام] أصحاب سيادة في جميع جوانب حياتهم السياسية الإسلامية، لكن المسلمين في القرن الحاضر (القرن التاسع عشر والعشرين) أصبحوا أذلاء بسبب تركهم العمل بسياسات الإسلام وأحكامه، ولا يزالون سادرين في غفلتهم ونومهم.. وبسبب أنسهم بخصوصياتهم المذهبية وصراعاتهم مع بعضهم البعض تركوا أساس الإسلام وتحول اجتماعهم الإسلامي إلى تشتت وتفرّق مذهبي مما جعلهم يصنعون أسباب ضعفهم بأيديهم ويقبلون بالتبعية للأجانب. لقد زالت السيادة ومرتبة الحكم المستقل الكامل عن المسلمين وانغمسوا في أمورهم الشخصية إلى درجة أفقدتهم شرفهم الديني والقومي. والعلاج هو العودة إلى الإسلام الأول والإقرار بكلمة الشهادة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله.

تؤمن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية بمذهبها وتتمسك به، ولكن الحقيقة الواضحة هي أن الجميع إنما أخذ حقيقة مذهبه من الأب والأم والمعلم ومن شركائهم في المذهب، فمما لا شك به أن أهل كل مذهب يقلدون منذ طفولتهم أقرانهم وأمثالهم في عقائدهم الدينية، وبالتالي فعقائد جميع المتدينين من البشر مبنية في البداية على التقليد. لكن عندما يكبر الإنسان ويتعلم لا يبقى هناك مبرّر لأن يستمر في كونه مقلداً في عقائده، لكن جماهير الناس وعوامهم من كل أمة يبقون دائماً حتى آخر عمرهم على العقيدة التقليدية ذاتها التي قلّدوا فيها أباءهم وأمهاتهم منذ الصغر. ويقوم علماء كل مذهب إسلامي ممن يتمسك بالقرآن بتقديم المدلول على الدليل فيبحثون عن أدلة لإثبات معتقداتهم التقليدية، وهذا هو السبب في استمرار الاختلاف بين الفرق الإسلامية رغم اتحادهم في أصول عقائدهم، وفي اتساع هذا الاختلاف يوماً بعد يوم.

إذا رحم علماء الأمة المرحومة الأعلام أنفسهم وشعوبهم المسلمة وأرادوا رفع اللواء المحمدي العظيم والشفاعة الكبرى وراية الإسلام مثلما كان عليه الأمر في القرون الأولى وأرادوا أن يرتفعوا ويرتقوا إلى مقام أعلى الأمم فعليهم أن يجتمعوا جميعاً ويشدوا عزيمتهم على التمسك بكتاب دينهم القرآن المجيد والسيرة العملية لحضرة صاحب الرسالة خلال ثلاثة وعشرين عاماً خاصة الأعوام العشر بعد هجرته – صلى الله عليه وآله - والتمسك بسنته المتفق عليها بين فرق المسلمين. عليهم أن يجعلوا هذه الأمور الثلاثة نصب أعينهم ويتخذوها منهجهم ودستورهم في حياتهم، وعلى جميع الفرق الإسلامية قاطبة أن تتّحد تحت راية هذه الأصول الثلاثة ويقوموا بالدعوة والتبليغ في هذا المجال ويفهموا المسلمين تلك الأصول الجامعة للشتات، ويضعوا أيديهم بأيدي بعضهم معتصمين بحبل الله المتين وعروة الإسلام الوثقى ويمزّقوا حبل العبودية للأجانب والرق للأعادي ويستعيدوا سيادتهم على أنفسهم التي فقدوها منذ زمن ولا يسمحوا لخير أمة أخرجت للناس – كما وصفها كتاب الله - أن تصبح أدنى الأمم ولا يفعلوا ما يوجب حزن النبي الأكرم يوم القيامة في محضر الأنبياء ويبذلوا كل جهدهم ويجتهدوا في اتباع تلك الأصول المذكورة والسير على منهاجها.

لقد تمسكت كل فرقة من فرق المسلمين بكُتُبِهَا الخاصة بها لإثبات أحقية مذهبها والرد على الفرق الأخرى، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الأمر أن أصبح القرآن المجيد مهجوراً ومتروكاً أو تمّ التمسُّك به أحياناً لأجل إلزام الآخر فقط وفي هذا تقديمٌ للمدلول على الدليل (كما ذكرنا في الفقرة 8 السابقة).

إن هذا الوضع مخالفٌ للنظم الطبيعي والترتيب الذاتي لديانة كل فرقة، حيث يجب على كل فرقة أن تثبت أحقيتها بالكتاب السماوي وأن تستدل بما ينص عليه الكتاب والسنة والسيرة العملية لصاحب الرسالة، كما هو شأن جميع الأديان وأتباع كل ملة تجاه كتابهم السماوي حيث يتمسكون بكتابهم وينقلون أقوال علمائهم لأجل تأييد وتوضيح الكتاب السماوي فقط لا أنهم يتمسكون بأقوال علمائهم في مقابل الكتاب كما هي طريقة بعض فرق المسلمين ممن يتمسك بفتاوى أو بحديث ضعيف أو بشعر منقول في مقابل آيات القرآن، ومثل هذا العمل يزيل بالضرورة هيمنة القرآن على القلوب، وهذه إحدى المصائب المؤسفة التي حلت بالمسلمين حيث أنهم يُضَعِّفُون منزلة كتاب الله رغم تديُّنهم ودراساتهم الدينية، ولقد نجم عن ذلك استحكام الخلاف والعداوة بين فرق المسلمين وضعفها جميعاً لانفرادها عن بعضها البعض وتحزبها، وأدى ذلك في النهاية إلى ضعف الأمة وتسلط الأعداء عليها كما حدث فعلاً. إن هذا الوضع نوع من الإهمال في حق القرآن المجيد، ولا أحد من المسلمين ولاسيما من علمائهم الأعلام يقوم بهذا الأمر متعِّمداً بل مثل هذا الأمر حدث دون قصد وبشكل قهري. والآن وقد شاهدت فرق المسلمين خطأ هذه الطريقة وما أدت إليه من نتائج وخيمة في اختلاف الكلمة وتشتت أبناء الإسلام وشق عصا طاعة القرآن وتسلط الأجانب عليهم، فعليها أن تـتنبَّه إلى ذلك وأن تعالج سبب ذلتها بالقرآن المجيد وبسيرة الصادع به - صلى الله عليه وآله - وبسنته المتفق عليها.

إن حفظ أحكام الإسلام وحدوده وظيفةٌ وواجبٌ حتمي على جميع المسلمين ولكن العلماء الأعلام والسادات الأشراف لهم درجة متقدمة في هذا المجال لأن جماهير العامة عوامٌ وغير منتسبين إلى النبيّ، أما العلماء فهم عارفون بمزايا الشرع، والسادات (أي ذوي النسب الشريف الذي ينتهي إلى النبي) منتسبون إلى صاحب الرسالة، ولهذا السبب فينبغي على العلماء والسادات أن يحملوا لواء الدعوة الإسلامية ويدعو الأمة المرحومة جميعاً للعمل بالقرآن والسنة القطعية وبما كان عليه المسلمون في الأربعين سنة الأولى من تاريخ الإسلام، كي يتخلص جميع المسلمين من سيطرة الأعادي عليهم وتبعيّتهم لهم.

يتساوى العالم والجاهل في أمر إقامة أحكام الإسلام الشخصية مثل أداء العبادات وقراءة الأدعية والقيام بالزيارات، أما في أمر حفظ وإحياء الأحكام الكبرى للإسلام التي تتعلق بحفظ أساس الدين ورفع راية الإسلام وعظمة المسلمين، فإن العلماء والسادات لهم السبق في ذلك وعليهم أن ينهضوا لأجل هذا الأمر وعلى جماهير الناس أن تتبعهم في ذلك، ولا شك أنه ينبغي أن يتفق العلماء والسادات على حفظ القرآن وتطبيق أحكامه وأن يعلِّموا تعاليم القرآن في مجالسهم الدينية ومن على منابرهم ويدعو الناس إلى الإسلام كما يفهم من القرآن الكريم. ثم عليهم أن يضعوا القرآن كرسالةٍ عمليةٍ إلهية متبعة في جميع الدوائر وجهات الحكم. إذا لم يقوموا بالوظيفة الأولى فلن يستطيعوا أن يقوموا بالوظيفة الثانية لأنه طالما لم يعمل المسلمون بالقرآن في مساجدهم ومجالسهم فلن يعملوا به في إدارة بلدانهم.

تهدف تعاليم الأنبياء بشكل عام إلى انتظام أمر الدنيا والآخرة. انتظام الدنيا يتعلق بالجانب الحيواني المادي من الإنسان وانتظام الآخرة يتعلق بالجانب المميز للإنسان عن الحيوان أي خاصية النطق والإدراك وهذا الجانب من الإنسان ذو أهمية بالغة في نظر الدين.

إن القسم الأول الذي هو عمران الدنيا وانتظامها إنما لوحظ كتابع ومقدمة لتكميل القسم الثاني، وهذا بديهي لأن انتظام العمر المؤقت لحياة الإنسان الدنيوية التي لن تتجاوز في الغالب مئة عام مقدمة للعمر الدائم والحياة الأخروية الأبدية وهو الجانب الذي بُعِثَ الأنبياء لأجل إثباته وتبليغه.

إذا أردنا الحديث بلغة الفلاسفة والمناطقة قلنا: قال الله وقال الرسول لأجل تربية وتقوية الفصل المميز لجنس الإنسان. وقال غير الله – أياً كان القائل والمقول – هو لأجل تربية وتقوية الجنس المشترك (الحيواني) للإنسان.

إن عامة الناس لا يلتفتون إلى هذه النقطة، ومن واجب العلماء والأديان أن ينبهوهم إليها كي لا يقوموا بالتضحية بما يميز الإنسان في سبيل طبيعته الحيوانية التي يشترك فيها مع الحيوانات.

لقد حلَّ بالمسلمين خطران مؤلمان وصادمان للعقل: الأول: زوال قدرتهم وقوتهم والثاني: تبعيتهم للأجانب وطاعتهم وائتمارهم بأمرهم. والثاني استبدال قال الله تعالى الذي يتعلّق بالنفس الناطقة بـ قال غير الله الذي يتعلّق بالجنس الحيواني المشترك في الإنسان. إن مواجهة هذه الأخطار والتحديات تستلزم اتفاق المسلمين ووحدتهم وهو أمر اختياري وسوء الاختيار فيه أن يتركوا الاتفاق ويميلوا إلى الكسل في هذا الأمر. ومن الجهة الأخرى فإن معظم المبلغين الجاهلين يقتصرون على دعوة الناس للتضرع والدعاء وهذا مؤداه أننا نضع ذنب الناس وأخطاءهم على عاتق الله والنبي والإمام، ولا نعتبر أنفسنا مقصرين. هيهات ضَعُفَ الطالب والمطلوب.

لما كان خالق جميع موجودات العالم هو حضرة الذات الأحدية جلَّ شأنه، فإنه من المُسلّمات والبديهيات لدى الإلهيين أنَّ القرآن المجيد وجميع الأحكام الإسلامية الصحيحة هي وحيٌ إلهي نزل على قلب سيد المرسلين، وبالتالي فلا بد أن تتفق كليات أحكام الإسلام مع الفطرة وخلق الموجودات لأن موجد العالم والشارع الحقيقي للأحكام ذاتٌ مقدّسةٌ واحدةٌ هي الله الأحد المتكلم والفاعل والقادر، ففعله وقوله لا بد أن يكونا متطابقين، لأن التخالف بينهما مستحيلٌ لأنه يدل إما على الجهل أو العجز أو الاحتياج أو الخوف وكل ذلك مما تتّنزه عنه ذات الباري المقدسة المنزهة عن كل نقص وعجز.

فتطابق التشريع والتكوين إذن إحدى مزايا الأحكام الإسلامية لأن الأمور التكوينية يجب أن تكون دليلا مرجِّحاً (أو مرجعاً) للتشريعات، فإذا كانت التشريعات مخالفة للتكوين فيجب تأويلها أو تركها والتوقف بشأنها.

أما الأمور التعبُّديَّة التي يُتَوَهَّم مخالفتها للأمور التكوينية فنقول:

أولا: نحن نتكلم عن كليات أحكام الإسلام والأمور التعبُّديَّة هي من الجزئيات. وثانياً: التعبُّد المحض لا يعني بالضرورة مخالفة التكوينيات بل هو أعم من موضوع مخالفتها أو موافقتها. ثالثاً: العبادات بشكل عام ثناءٌ على حضرة الذات الأحدية وخضوعُ العبد وخشوعه أمام ربه وخالقه الرزَّاق المحيي المميت، وهذا العمل روح التكوين وليس مخالفاً له، أما تعيين مصداقه كالصلاة أو اختلاف أعمالها من ركوع وسجود وقيام، أو الصوم والإمساك لأجل تكميل النفس والشعور بحال الجائعين أو الأدعية والزيارات والإنفاق وأمثالها فليس أيٌ منها مخالفٌ للتكوين بل القليل من التأمل يكشف أن كلياتها من مصاديق التكوين.

اليوم، وبعد الاكتشافات الخارقة في عالم التكوين، نحن في أشد الحاجة إلى إفهام البشر وتعليمهم البراهين والأدلة على الأحكام الشرعية ولا يكفي أن نقول إنَّها أحكامٌ تعبديّةٌ محضةٌ فلن يساعد ذلك على رواجها. نعم لقد ذكرت ترجيحات من غير التعبٌّد في باب الترجيحات ولكن هذا ليس بدليل على أنه لا يوجد غيرها لأن هذه الأخبار وردت في مقام الإجابة على أسئلة معينة فليس هذا دليلاً على أنه لا يوجد مرجِّحات أخرى غيرها أو بعبارة أخرى لا يُستفاد من تلك الأخبار السلب المطلق للأمور المذكورة.

إن جميع الآيات والأخبار الإسلامية الصحيحة التي تتعلق بمقام النبوة والولاية خاليةٌ من أي شائبةٍ من شوائب الغلوّ كنسبة الربوبية والإلهية والقدرة على الخلق إلى الأنبياء والأولياء. وأما عقلاً فإن الهيكل البشري لا يصلح إطلاقاً للربوبية والإلهية لأن ذات الحق البسيطة البحتة غير متناهية من حيث الوسعة والانبساط والقدرة والشدّة بل فوق ما لا يتناهى، وصفات الحق عين ذاته، أما الإنسان الممكن الحادث ذو العمر المؤقت فلا يملك الاستعداد لذلك المقام الأقدس المطلق.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (المائدة/77).

لقد وُجِّه هذا الخطاب إلى أهل الكتاب، لأنه بعد وفاة كل نبي كان أتباعه يغلون في حقِّه. أثناء حياة صلى الله عليه وآله وسلم لم يغلُ المسلمون بحقه، ولكن بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقع الاختلاف: هل مات النبيّ فعلا أم أنه لا يموت؟!

أضف إلى ذلك أن لدينا في الكتاب المجيد آيات واضحة في نفي الغلو: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (الكهف/110)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (الزمر/30) وقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى(8) (الضحى/6-8).

هذه الآيات ونظائرها تحدد حقيقة مقام النبوة. في الواقع بعد الدعوى الجزاف للنصارى بحق عيسى (ع) أنه ابن الله، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع أن يدعي الألوهية وكان سيصدقه في ذلك جماعات من الناس، وأحد المؤشرات على هذا الأمر أنه بعد رحلة النبيّ اختلف الأصحاب فقال بعضهم: "إن محمداً لم يمت وهو حي لا يموت"، ولكن النبيَّ لم يَدَّعِ شيئاً من ذلك بل عرّف نفسه بكل وضوح بأنه عبدٌ لِـلَّهِ، وهذا برهان واضحٌ على أن القرآن ليس كلام النبيِّ ذاته بل كلام الله، وطبقاً لقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو علينا كل ما ينزل عليه من الآيات بما في ذلك الآيات التي فيها تنبيهٌ له أو عتابٌ أو تأديب، فلو كان الكلام كلامه – كما توهم ذلك بعض الأعداء المغرضين الجاهلين – لما ذكر لنا الآيات التي فيها تأديبٌ له ولما نشرها، وانطلاقاً من هذا الأمر كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يبين هيمنة الذات الربوبية وجلالها غير المحدود ومقام عبوديته وانقياده الكامل لتلك الذات، كل ذلك طبقاً للمهمة التي بُعِثَ بها، فلم يكتم شيئاً من ذلك، وهذا بحد ذاته دليل تامٌ على حقيقة وصدق صاحب الرسالة – علا قدره وسما شأنه – وعلى أن القرآن المجيد كلام ما وراء الطبيعة وأن مقام الذات الأحدية الأقدس قادر وقاهرٌ وحاكمٌ على الأنبياء والأولياء.

إن مرجع هذه المقدمة إلى مرجعية القرآن المجيد الذي عرّف الأنبياء بالعبودية وسلب عن جميعهم صفة الربوبية والألوهية، وبناءً عليه فجميع المسائل الدينية سواءً كانت أخباراً أم من كلمات الأخيار التي يستشمُّ منها رائحة الألوهية أو شائبة الربوبية مؤولة بالضرورة أو ينبغي رفضها وتركها. وأما الاعتراض بأن هذا المُرجِّح لم يُذكَر في الأخبار العلاجية فقد تقدم جوابه بشكل إجمالي في المقدمة رقم 12.

لقد كانت السيرة الطبيعية بين القبائل والبلدان أن يُبْعَث دائماً نوعان من الرؤساء: النوع الأول الأنبياء والأولياء وخلفاؤهم الذين يقومون بتربية النفس الناطقة والجانب الروحاني من الإنسان لكي يسموا بالإنسان من رتبة الحيوانية الفانية إلى رتبة الناطقية الباقية ويسوقوه من الفناء إلى البقاء. وقد أُشرِبت قلوب الناس في مدرسة النبوة هذه بالإيمان بعالم ما وراء الطبيعة الروحاني. إن روحانية الإنسان لا تستـند إلى طبيعته الحيوانية والجسمية بل هي مستمدة من العالم الروحاني، ولما كان الإنسان شبيهاً في روحانيته بعالم الأرواح كان لا بد أن يُبْعَثَ الهداة والمبلِّغون مِنْ قِبَل ما وراء الطبيعة لأن خواص عالم الأرواح وآثاره ولوازمه لا يعلمها إلا الروحانيون، ولذلك فلا بُدَّ أن يكون مُرَبُّو النفس الناطقة من عالم الغيب كي يتمكَّنوا من تحرير الموجودات التي هي عرضة للفناء من مخالب الطبيعة ويجعلوها تأنس بمجرّدات عالم القدس.

أما النوع الثاني من الرؤساء فهم الرؤساء المستبدون برأيهم الذين يتمتّعون باستعداد دماغي خاص ليكونوا قادةً للآخرين وهذا الإحساس هو ذات الإحساس الموجود لدى الخرفان والجمال والخيول والبغال والأبقار والحمير التي يوجد في كل نوع منها من يتقدم في السير على قطيعه ويتبعه القطيع، وفي نوع الإنسان أيضاً يوجد أفرادٌ يتمتعون بالقوة والذكاء التي هي من خواص طبيعتهم الحيوانية مما يعطيهم رتبة الريادة، فتقوم الشعوب باتباعهم وتقليدهم والتأسي بهم، ورئاسة هذا النوع من الناس برهانٌ قاطع على ضعف عقل المرؤوسين وقلة علمهم وإيمانهم وعلى نفاقهم. وكما يقع الضعيف دائماً في عالم النباتات والحيوانات طعمةً للقوي وكما تعتدي الحيوانات القوية كالأسود والحيتان والذئاب والفهود على الحيوانات الضعيفة، وليس من شأن الله ولا رسوله أن يقوما برفع هذا التعدي؛ فكذلك ليس موكولاً إلى الله وخليفة الله دفع الناس ذوي الصفة الحيوانية والسبعية. فقيادة بعض الأشخاص وريادتهم وقهرهم للآخرين وإخضاعهم الجماهير المستغرقة في الحيوانية والأخلاق الذميمة، يرجع إلى تقصير تلك الجماهير ذاتها لأن الجهل والتنازع والتفرُّق الحياة الفردية غير الجماعية في هذه النشأة تستلزم بالضرورة ذهاب الريح والخضوع للآخرين والذلة(11)، لأن تلك الجماهير كانت تستطيع باتحادها وتعلُّمها ووعيها أن تدفع شر الأعداء وفي الوقت ذاته أن ترفع مستواها وتصعد بشأن ذاتها، فهذا الإهمال والكسل عملٌ متعمَّدٌ يستند إلى تقصيرها ذاتها، ومثل هذه المظلومية والحرمان ليس له أي أجر عند الله وثواب أخروي ولا تستحق لأجله القصاص الإلـهي من أعدائها أو الانتقام الإلـهي منهم، لأن هذه الجماهير المتنازعة والمتفرقة إذا اتحدت واتفقت لحفظت حقوقها، ولكنها لما أصرت على تنازعها وتفرقها وجهلها صارت محكومة وخاضعة لغيرها كما حصل ذلك فعلا وسيحصل دائماً.

ينسب بعض المتدينين تقصير الشعوب المتعمَّد هذا إلى الله ويأمرون الناس دائماً بدعاء الله والتضرع له، مع أنهم يرون أنهم ملؤوا فضاء عالم الإسلام منذ سنوات مديدة بالدعاء والتضرع ولم يتغير من حالهم شيئاً ولم يُستجب لهم، ورغم ذلك يواصلون سوق الناس إلى علاج لا أثر له ولا نتيجة. إن استبدال العلاج القطعي الذي يقوم على الاتفاق الاختياري بالدعاء والتضرع من العجائب. أجل لو كان خضوع الأمم وانهزامها ومصائبها لا تحصل بسبب سوء اختيارها بل بسبب أمور خارجة عن اختيارها مثل عدم هطول المطر والكوارث السماوية والزلازل، لكان المجال مجال التضرع والدعاء وكان الدعاء قمينٌ بالاستجابة. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه.

إن القرآن المجيد ليس كتاب عبادة فقط، بل هو كتابٌ سياسي وحقوقي واجتماعي أيضاً، وقد حرَّمَ الرهبانيةَ وقصّ علينا قصص الأمم الماضين لينبه اللاحقين، وكرَّر القصص لأجل التأكيد والإثبات وتنبيه الجاهلين، وفي الفقه نجد خمسة أبواب للعبادات وخمسة وأربعين باباً للأمور الاجتماعية السياسية، من المعاملات إلى سائر الحقوق بين الأفراد.

شرف ورفعة الإنسانَ قسمان: الأول: الشرف والرفعة الشخصيَّة الدنيويَّة والدينيَّة، والثاني: الشرف والرفعة العامَّة الدينيَّة والدنيويَّة، أما الشرف والرفعة الشخصيَّة فليست محل بحثنا، لأن مقصودنا هو الشرف والرفعة العامَّة [أي شرف ورفعة المجتمع والأمة ككل] التي تحفظ الأمة والمجتمع، وهذا القسم يتعلق بحِسّ السيادة والتفوق على الأمثال والنظراء والشعور بالانتقام والاقتصاص من أعداء النوع والأمة ككل، كما أن هذا القسم يعتمد على اتفاق أفراد الشعب لأن العمل الاجتماعي سواء كان دِينيَّاً أم دُنيويَّاً لا يمكن أن يقوم به فردٌ وحده، فإذا لم يوجد الاتفاق بل وجد التنازع والتشتُّت والفردية في أكمل صورها، كان معنى ذلك فقدان الشعور الاجتماعي، وبسبب هذا الفقدان للحس الاجتماعي لم يستقر في قلوب الإيرانيين بعد التطلُّع إلى الشرف والرفعة والعلو الديني والسياسي أي المتعلق بإدارة البلاد وحكمها، بل لا تزال آثار عكس ذلك موجودة بنحوٍ كامل، ولو كان حس سيادة الأمة واستحصال حقوقها العامة موجودا لانتهى ذلك إلى تحقق العدالة ولما فقدت المساواة في هذه البلاد. وكل قوم فقدوا شعورهم الاجتماعي فلا أمل في فلاحهم وصلاحهم الإنساني.

إن نعم الدنيا من نباتات وحيوانات لا تختص بالمؤمن أو الكافر. وكما أن الإيجاد من طرف الله مجانيٌّ وبلا مقابل، فالإمداد والرزق كذلك مجانيٌّ من طرفه وبلا مقابل. والحكمة من أمر الإنسان أن يكون شاكراً غير كفور لأنه بذلك يتم ترويض الإنسان الذي هو أشدُّ توحُّشاً من السباع ولأنه بذلك ينتبه الإنسان إلى عالم الغيب ولا يدَّعي الإلـهية كما لا ينحطّ إلى الوثنية، ولهذا تم وضع الجزاء الأخروي على الكفر والإيمان.

لا يوجد في عالم النبات والحيوان عدالةٌ بمعنى التساوي في الحقوق والأخوّة، بل إذا أخذنا الاختلاف في المخلوقات بعين الاعتبار لوجدنا أن العدالة بهذا المعنى محالة، فمثلا تقوم جذور وأوراق وظلال وترشحات الشجرة القوية بتجفيف الشجرة الضعيفة والقضاء عليها، كما أن الحيوانات القوية تقتات على الحيوانات الضعيفة التي تشكل فطورها وغداءها، والحوت يبتلع بحلقومه الواسع كل يوم مئات الأسماك، والسباع القوية تفترس كل يومٍ الغزلان الحوامل بأنيابها ومخالبها وتقطّعها إرباً. إن هذه الحيوانات لا تفهم الشكر والكفر وكل ما تفعله أنها تتحرك بغريزة حب البقاء وتفترس الآخرين لتستمر في حياتها. والأمر ذاته يظهر فيما يقع في البلدان الإسلامية، إن نزاع القوي والضعيف كان موجوداً منذ مئات القرون قبل خلق البشر في الغابات التي لا حصر لها على الكرة الأرضية بين النباتات وأنواع الحيوانات وسيبقى ذلك حتى زمن: وإذا الشمس كورت.

لقد نادى آلاف الأنبياء والسفراء الإلهيين خلال آلاف السنين على مسامع الناس أن: يا ابن آدم كن إنساناً، إنك لا تزال في مدرسة الإعداد للوجود الحقيقي، إن هيئتك مستعدةٌ للمعرفة والتوحيد والأخلاق الاجتماعية، إذا قمت بتربية نفسك الناطقة وتقويم صفاتك الباطنية كاستقامة قامتك الموزونة ستكون أهلاً عندئذٍ للبقاء الأبديّ وإلا ستكون عرضةً للفناء مثل النمل والضفادع ولن ترتفع عن كرة الأرض الترابية. إن سر العرش ينادي قائلاً: لقد نظر الإنسان بعينه اليمنى البصيرة إلى نفسه الناطقة فرأى أن صيرورته إنساناً تتطلب مشقةً ورياضاتٍ كثيرة، ونظر بعينه اليسرى إلى جسمه فاقترب منه ووَصَلَهُ وقرأ هذا الشعر:

پدرم روضه رضوان بدو گندم بفروخت

                              ناخلف باشم اگر من بجوى نفروشم

أي: لقد باع أبي جنة الرضوان بحبَّـتَيْ قمح

              وأكون عاقَّا (له) إن لم أبعها (أنا أيضاً) بحبَّة شعير!

وقال: أنا الآن مشغولٌ بخدمة الوطن الأم وعمارته، كي أخطو مثل الشعوب المتحضرة خطوات واسعة على طريق رقي وطني الأم.. وها هو المجلس الدولي أعلن السلام العام والتخلي عن الحرب...

فأجاب الهاتف: أيها الآسيوي الساذج البسيط إن مجلس الأمن العام ليس سوى طبل خالٍ ولباسٍ فُصِّل لأجل شعوب آسيا وأفريقيا والجزائر... افتح عين البصيرة لترى السلام العالمي جيداً في معامل المدافع والرشاشات والقنابل والبوارج الحربية التي تتكاثر كل يوم وانظر إلى بالونات النار.. أفلا يتناقض وجود كل مصانع صنع الأسلحة هذه مع دعوى السلام العالمي، أوليس هذا سخرية من الشعوب؟؟

إن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر الرفاهية والحرية بل عصر الجاهلية، لأن انتظار ظهور ولي العصر دليل كافٍ على أن زمن الغيبة زمن الجاهلية لأن انتظار الفرج هو لأجل الاستفادة التشريعية منه لا التكوينية لأن الواسطة التكوينية للانتظار لا ظهور لها – كما يعتقد فلاسفة الإشراق والفلاسفة المشائيين بالواسطة التكوينية- ولا معنى لظهور مثل هذه الواسطة أو انتظارها بل القول بمثل ذلك خطأ في خطأ.

إذا كان المقصود هو الواسطة التكوينية البشرية فهذا منقوض بجميع الموجودات والكواكب غير المتناهية التي يُعَدُّ الإمام واسطة تكوينية لها جميعاً، ولا معنى لظهوره في هذه الكرة الأرضية بحجمها المتناهي في الصغر، كما هو منقوض بالزمن غير المحدد الذي كان قبل وجود آدم حيث لم يكن الإمام الثاني عشر في قالب عنصري ولم يكن هناك أي نبي من الأنبياء، فمن الواضح أنه لا معنى للواسطة التكوينية الجسمانية قبل آدم. إذن من كان الواسطة في الواسطة في تلك الأزمنة؟ ثانياً: هذا منقوض بزمان شهادة ولي العصر حيث يجب [على هذا القول] أن تنتهي الدنيا بشهادته وأن تُفقد الأرض والنباتات والحيوانات والجمادات والبحار وتزول وعندئذ فستكون أخبار ظهور الأئمة ورئاستهم بعد شهادة حجة العصر موضع إشكال.

بناء على ذلك إن وجود الإمام عليه السلام مع عدم الاستفادة من فوائده التشريعية هو في حكم زمن الجاهلية التي تعد الجاهلية الثالثة(12)، وأوضح برهان على أن العصر عصر جاهلية: تشتت عقائد الشيعة الاثني عشرية بين المجتهدين والأخباريين والكشفيين والشيخية والعرفاء (الصوفية) والحكماء (الفلاسفة)، مع كل الاختلافات الواسعة الواقعة بينهم، يضاف إلى ذلك بعض المعاصي التي شاعت وراجت وأصبحت علنية في بعض البلدان الإسلامية، وبعضها بمثابة معاداة صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم وبعضها الآخر يتضمن وثنية وشركاً مما يخجل القلم ويستحي من شرحه، حيث أن مرتكبي تلك المعاصي ومروّجيها وحامليها والساعين إليها جميعهم مسلمون يدَّعُون التديُّن والإسلام، فهم يذبحون الإسلام باسم الإسلام ويضربون الشرع باسم الشرع.

إننا عندما نتدبر توحيد القرآن المجيد وإخلاص أصحاب النبيِّ وتضحياتهم في سبيل نشر أحكامه، ونقارن ذلك بما عليه أوضاع المسلمين الحاليَّة مع مطالعتنا لقصص وحكايات فترة الجاهلية الأولى والثانية نقطع أن هذا العصر الحالي أسوأ وأشد وأخبث من كلا الجاهليَّتين.

أيهما يدعم ويقوي أساس الإسلام أكثر: هل هو حكم وقضاء المسلم بغير شريعة الإسلام أم هو حكم وقضاء غير المسلم بشريعة الإسلام؟

لا شك أن القسم الثاني إسلام والقسم الأول يتنافى مع الإسلام، إذ إنه مما لا ريب فيه أن القانون أكثر أهمية واحتراماً من الأشخاص، فإذا قام الكافر والفاجر بتطبيق الشرع الإسلامي كان أقرب إلى حقيقة الإسلام وتحكيم آياته من المسلم الذي يطبق قانوناً غير إسلامي، وكان ذلك الكافر أفضل منه لأن حكومته حكومة إسلامية وحكومة هذا المنتسب إلى الإسلام غير إسلامية ومعادية للإسلام. من الواضح أن على جميع المسلمين أن يضحوا بأنفسهم لأجل الإسلام كي يبقى هذا الدين قائماً.

كتب الفرق الإسلامية تنظر خلال سعيها لإثبات أحقية كل فرقة إلى فريقين من الأشخاص بشكل عام: الفريق الأول: الأشخاص الذين يشاطرون المصنف عقيدته، والفريق الثاني الأشخاص الذين يخالفون عقيدة المصنف. الفريق الأول ينالون المدح والثناء والتمجيد من المصنِّف، والفريق الثاني ينالون التوبيخ والذمّ واللوم. ففريقٌ يُمدح بسبب عقائده والفريق الآخر يُلام بسبب عقائده. فريقٌ يتم إرساله إلى الجنة والفريقُ الآخر يساق إلى جهنم. وهكذا يقوم كل كاتب ومصنِّفٍ بإعطاء كل من الجنة والنار حصتها من الناس حسب اختياره، وقد أنتجت هذه الطريقة العداوة والخصومة وتفرّق أهل القرآن وجرّ ذلك إلى سقوط المسلمين من مرتبة أعلى الأمم مما نشاهده في هذا العصر ويموت له القلب كمداً.

مهما تفكَّرنا وتدبَّرنا في السبب الأساسي لانحطاط المسلمين لم نجد لذلك سبباً سوى اختلاف كلمة أعلامهم وتفرُّق آرائهم، ومن البديهي أن الأجانب والدول القاهرة لا يمكنها أن تقضي على الدين من خلال سوق الجيوش واستخدام القوة القاهرة، كما رأينا ذلك في واقعة جنكيزخان التي لم تستطع أن تقضي على الدين رغم نصف قرن من المذابح والحروب، حيث أنه بعد خمسين عاماً من حملاته اعتنق غازان الهولاكي مع مئتي ألف من فرسانه المغول الوثنيين الإسلامَ في كوه لار طهران على يد الشيخ إبراهيم الحمومي وزال خطر المغول على الإسلام إلى الأبد. أجل إن ما يمثل خطراً على الدين هو اختلاف أمزجة وآراء أهل العلم والمصنفين الذين تعاون جماعة منهم ممن يلبس لباس العلم مع القوى القاهرة وبدلاً من الدين الحقيقي تظاهروا بالدين، وقام جماعة أخرى من خلال مؤلفاتهم الدينية بإيجاد العداوة والبغضاء بين المسلمين وقام آخرون بالسكوت والصمت والانعزال. وقد أعطت هذه الاختلافات في الأمزجة والآراء الفرصة لطلاب الدنيا من أصحاب القدرة والقوة كي يدَّعوا بدورهم نصرة الإسلام وحمايته رغم مخالفتهم الصريحة لأحكام الإسلام الأساسية.

منذ زمن معاوية فما بعد قام جميع سلاطين المسلمين بتعيين وليِّ عهدٍ لهم حسب رغبتهم وهواهم وورث ولي العهد هذا بيت المال كما يرث الإنسان أباه وأمه، وتصرفوا فيه تصرفات غير مشروعة. لقد قضوا على قانون المساواة في الإسلام وأزالوا الأخوة بين المسلمين وبدؤوا أعمال كسرى وقيصر التي اعتبرها القرآن صراحةً نوعاً من الوثنية وراج بينهم الترف والفخفخة والأبَّهة والزخارف التي لا حصر لها والتبذير والإسراف واللهو واللعب والرقص والموسيقى وشرب الخمر ولعب الميسر وممارسة الفحشاء، وعُطلت الحدود الإلهية فلم تعد تطبق، وبعد شهادة علي عليه السلام لم تعد تطبق الحدود على أي شخص من المقربين إلى بلاط الخلافة وأقرباء وأرحام الخليفة، وتُركت بشكل عام جميع الأحكام الشرعية السياسية والعامة للإسلام واقتصر الأمر على بعض الأعمال السهلة غير ذات التأثير كصلاة الجماعة والصوم والأدعية المستحبة وحفظ بعض الآيات لاستخدامها في المناظرات الأدبية في مجالس رياء يغطون بها على أعمالهم، وقد صنعوا بهذه الأعمال حجاباً غليظاً حجب نور الإسلام عن أعين الأعلام وأعطى المجال للناقدين أن يطلقوا ألسنتهم في نقد الإسلام.

لو تمسك أولئك الحكّام بالقرآن المجيد منذ أول يوم لما صار - منذ زمن معاوية فما بعد - أمثال يزيد ومروان بن الحكم أولياء عهد ثم خلفاء، ولما عُطلت الحدود ولما أصبح بيت المال مأكلةً لساكني القصور من الملوك الجبابرة، ولما صُرفت ستون مليون دينار على عرس زبيدة ولما تحول الإسلام إلى تعظيم للأصنام وإلى أعمال وثنية. لقد كانت مراعاة من يتفق مع المؤلف أو العالم في مذهبه ويتحد معه في عقيدته من أغلظ الحجب التي تحجب عنه القرآن.

يجب على المسلم أن تكون جميع حركاته وسكناته مطابقة لتعاليم القرآن. وبما أنَّ القرآن حجة الله وحبله المتين فيجب أن تستند جميع اعتقادات المسلمين إليه فكل من طابق عمله القرآن يجب اعتباره مسلماً وكل من خالفت أعماله الإسلام يجب أن نعتبره متبعاً لهواه. وفي مجال تطبيق أحكام القرآن الأساسية والسياسية الضامنة لجعل أمة الإسلامية من أعلى الأمم لا بد أن نعتبر تطبيق أحكام الإسلام هو المعيار وليس الأعمال الشخصية والخاصة لأشخاص معينين. ولذلك فكما تدل عليه آية أولو الأمر بصراحة - كما أوضحنا في الفصل الرابع - كان الخلفاء الأربعة مصداقاً لأولي الأمر في الفترة التي أعقبت رحلة صاحب الرسالة وحتى شهادة علي عليه السلام، لأن أحكام القرآن كانت مطبقة في تلك الفترة وكان بيت المال يُقْسَمُ بالسوية وكان شخص الخليفة يأخذ سهمه مثله مثل أي فقير في الدولة ولم تكن هناك تلك الزينات المسرفة والزخارف القيصرية، وكانت بيوت الخلفاء على النحو الذي كان عليه بيت النبي وأهل بيته، لا تمتاز بشيء عن بيوت سائر المسلمين، وكانت الحدود الإلهية تطبق دون أي مهادنة أو مداهنة، وكان أقرباء وأرحام مقام الخلافة والمقربون منه عرضة لتطبيق الحدود عليهم مثلهم مثل أي فرد من المسلمين، ولم يقم أحد من أولئك الخلفاء الأربعة بنصب ابنه ولياً للعهد، وكان كل من دخل إلى مجلس الخليفة يُلْقِي السلام مثلما كان المسلمون يلقونه على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في عهد رسالته، ويجلسون حيث انتهى بهم المجلس في الحلقة، فلم تكن هناك تلك التعظيمات الكسروية والقيصرية ولم تبدأ روح الوثنية بعد. كلُّ مظلومٍ كان يستطيع أن يتظلّم لدى الخليفة مباشرة ودون وسطاء، ويطالب بالعدالة. كانت المساجد والأزقة والبيادي محكمة الخلفاء وكان كل شخص يستطيع الدخول عليهم والخروج من عندهم فلم تكن هناك خلوة خاصة للخليفة أو القاضي، وكانت الأخوة الإسلامية بين البشر هي السائدة في محضر الخليفة وكانت جملة قال الله وقال رسول الله مستند ومرجع كل الدعاوي والأحكام، وكان التشاور الذي أمر به القرآن وتبليغ أحكامه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بشرائطه قائمة على قدم وساق، ولم يكن هناك أي إهمال وتساهل في أصول الأحكام التي كان حفظها ونشرها وتبليغها جارياً وكانت تطبق دون ملاحظة لحسب أو نسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سنةً ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَه يكونُ مُلْكاً عضوضاً(13)(14)،

وقال: إِذَا بَلَغَ بَنُو الْعَاصِ ثَلاثِينَ يكون دِينُ اللَّهِ دَخَلاً (15) وَعِبَادُ اللَّهِ خَوَلا (16) وَمَالُ اللَّهِ دُوَلاً (17))(18).

هذان الحديثان الشريفان متمِّمان لهدف هذه الرسالة والأربعون سنة الأولى من تاريخ الإسلام لا ينبغي إهمالها أو عم الاعتناء بها بل لا بد من تمجيدها ومدحها، كل ما في الأمر أن ذلك لجهة تطبيق أحكام الإسلام وسريانها مع الإغماض عن الأحوال الشخصية لمجري تلك الأحكام وحالاتهم الشخصية التي وقع بشأنها الخلاف بين الفرق الإسلامية، ولكن هذا الاختلاف الشخصي والذي كان مختصاً بعدة أشخاص لم يعد له مصداق فيما بعد ويجب أن تبقى القضايا الدينية إلى يوم القيامة.

 منذ خلافة معاوية وإلى اليوم لم يوجد لأولي الأمر الذين ذكرهم القرآن أي مصداق ولم يطبق في أي بلاط من بلاط الملوك والسلاطين أي من الأحكام الأساسية الحافظة للأمة ولِمَنْزِلَةِ المجتمع الإسلامي أي الحافظة للإسلام، بل تمت مخالفة جميع أحكام الإسلام الأساسية: (1) المساواة في بيت المال، (2) المساواة في تطبيق الحدود، (3) المساواة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (4) الأخوة الإسلامية ووجوب الاتحاد والاتفاق وحرمة التفرق والنزاع، (5) حرمة انتهاك حرمة الحدود الإسلامية، (6) وجوب الدعوة والتبليغ، (7) وجوب مشاورة أهل الحلّ والعقد، (8) وجوب الجهاد.

ولقد قام بعض الخلفاء بفتوحات لكن شروط الجهاد لم تراعَ في تلك الفتوحات وكان الغالب عليها السعي لتوسعة رقعة البلاد والسيطرة على سائر البلدان وليس الجهاد الإسلامي، ولهذا السبب قال صادق العترة الطاهرة عليهم السلام: ليس هذا بالجهاد إن الجهاد يجب عندما يكون بإذن الإمام العادل الذي يعمل بشروط الجهاد، أما عمل أولئك الخلفاء فلم يكن جهاداً لأنه لم يُعمل فيه بشروط الجهاد.

إن شرط أولي الأمر: أولا: الإيمان، وثانياً: أداء الأمانات، وثالثاً: الحكم بالعدل. وقد اعتبر القرآن أن أولي الأمر هم الذين يمتلكون هذه الصفات، أي أن الذين يطبقون أحكام الإسلام هم الذين يشكلون مصداق أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، ولابد أن يمتلكوا تلك الصفات.

والرئيس التنفيذي للمسلمين يجب أن يُنتخب انتخاباً، وقد بين القرآن الكريم أوصافه، فعلى المسلمين في كل عصر وزمن أن ينتخبوا من يتحلى بتلك الصفات ويكون مصداقاً لها، أي على المسلمين أن يكونوا لسان القرآن الناطق كي يشخِّصوا من يمتلك تلك الصفات من بينهم فينتخبوه لرئاستهم.

إن القرآن ينفي بصراحة الرئاسة الوراثيَّة أو تلك التي تأتي بنص السابق على اللاحق. إن من تتوفر فيهم الأوصاف المذكورة هم الأمراء والرؤساء وأولو الأمر في كتاب الله، ولا دخل للنسب في هذا المقام أبداً. فعلى المسلمين أن يعينوا مصداق القرآن وينتخبوه ويعتبروا طاعته واجبة عليهم. وإذا قام هذا الرئيس عملياً خلال مدة رئاسته المنتخبة بمخالفة صريحة لأحكام القرآن كان لهم الحق في عزله كما حصل تجاه الخليفة الثالث. إذن لا يوجد في الإسلام رئاسة وراثية ولا تعيين لولي العهد وهذه الأمور من البدع الركيكة المخالفة بصراحة للقرآن الكريم فالحاكم والمعين وشخص الرئيس والأمير ومنفذ الأحكام هو القرآن ذاته كما سنذكر في الفصول اللاحقة.

إن المسلمين ينتخبون من ينفِّذُ أحكام القرآن، وبالتالي فالرئاسة الانتخابية للقرآن تختلف عن النظام الجمهوري الرائج لدى سائر شعوب العالم لأن الأساس في الإسلام هو الدين وعبادة الله والمساواة الدينية والأخوة، والتي من آثارها الحتمية رقي المسلمين إلى رتبة خير أمة أخرجت للناس، التي وعد بها القرآن بصراحة وليس مجرد انتخاب رئيس للجمهورية بهدف تقدم البلاد دون النظر لعقيدته حتى ولو كان معتقداً بالمادية دهريّاً ملحداً، حاشا وكلا، إن الإسلام المقدس منزّه عن أن يقتصر هدفه على الدنيا والتطور فيها فقط، كما هي النظرة المادية، أو أن يكون هدفه الآخرة فقط، كما هي النظرة الروحانية، بل الإسلام في قوانينه ناظر إلى كل من الدنيا والآخرة معاً. إن الرئيس الانتخابي الذي ينص عليه القرآن هو المنفذ والمطبق لأحكام القرآن وليس رئيس الجمهورية حسب ما هو رائج في سوق السياسة الحالية للعالم. فكل الذين وصلوا إلى سدة الرئاسة الإسلامية بالقوة والقهر والتغلب وكل الذين وصلوا إليها بتعيين أسلافهم مثل يزيد ومعاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك وأحمد السفاح والمنصور الدوانيقي، وهكذا الصفّاريون والسامانيون والسلاجقة والغزنويون والديالمة والخوارزميون والسرمديون سواء في الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر أم في تونس والجزائر وبلاد الأناضول أم في بلاد ما بين النهرين وإيران وأفغانستان والهند وغيرها، كل تلك الأسر الحاكمة التي وصلت إلى سدة الرئاسة من خلال السيف والتغلب وقتل الأنفس وهتك الأعراض والنواميس ثم قام كل سلطان بتعيين خلفه لولاية العهد ولقّبه بأمير المؤمنين وبالسردار (بقائد الجيش) أو الشاه، رئاستهم وولاية عهدهم مخالفة لنص القرآن ولعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الأربعة، كل هؤلاء خالفوا القرآن الكريم في رئاستهم وفي تعيينهم لولي عهدهم ولم تعاد أمة من الأمم كتابها السماوي بقدر معاداة المسلمين ومخالفتهم لكتابهم. وقد تجشم كل عالم من علماء المذاهب عناء تأليف كتب قام فيها بمدح وتمجيد السلاطين الذين ينتمون إلى مذهبه وذم وتقبيح السلاطين الذين ينتمون إلى المذاهب الأخرى. في كل تلك المؤلفات الدينية صرف المؤلفون أنظارهم عن القرآن وكأنه لا وجود له، لأن انتخاب السلاطين هو المقدمة الصغرى لمخالفة القرآن وكل مخالف للقرآن ليس المقدمة الكبرى لأولي الأمر فالنتيجة أن أياً من السلاطين والأمراء لم يكونوا أولي الأمر. وقد خالفوا قطعاً تلك الأحكام الثمانية التي تعتبر الأحكام الجوهرية والحافظة لأساس الإسلام وكانوا بحكم التاريخ وكما تدل عليه الكتب والمصنفات الأدبية والعقائدية يعملون بظاهر العبادات فإذا لم نجز لعنهم فلا نعتبرهم من أولي الأمر. لقد كانوا مسلمين عصاة ومبذرين ومسرفين ومطيعين لأهوائهم وذوي خصال حيوانية بهيمية وكانوا يعتبرون أرواح عباد الله وأموالهم وأعراضهم حلالا لهم ويعتبرون أنفسهم واجبي الطاعة والحائزين على مقام الإلهية الوثنية فكانوا بحد ذاتهم صنماً حقيقياً وكانت طاعتهم وثنية حقيقية. لقد أهمل هؤلاء القوم في أعمالهم القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسقطوهما من الاعتبار كما تسقط الهمزة من ألف الوصل وخالفوا بذلك صراحةً كتاب الله وسيرة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يستحق أمثال هؤلاء أن يكونوا من أولي الأمر.

لا مجال للاعتراض كثيراً على أعمال العواصم الإسلامية لأنه لم يكن لها علم بالدين ولا علم بالعلوم الأجنبية وقد تغلب فيهم الجانب الحيواني على الجانب المعنوي الناطق في الإنسان، ولكن التعجب من علماء الإسلام الأعلام فهل كانوا يميزون أركان الإسلام الحافظة لأصل بيضة الإسلام من الأعمال الشخصية السهلة إلا أنهم لا يقولون ذلك خوفاً أم أنهم لم يكونوا يعلمون ذلك؟ إذا كانوا جاهلين فهم معذورون أما إذا كانوا عالمين ولكنهم سكتوا عن بيان هذا الأمر المهم فقد ارتبكوا ذنباً لا يغفر. وإذا كانوا يخافون فكان بإمكانهم أن يكتبوا رسائل تكون دستوراً للمسلمين من بعدهم. بأي حق وصف علماء العهد العباسي ملوك بني أمية الجبابرة بأولي الأمر؟ هذا مع أنه لم يكن المقام مقام تقية. فالحكم بجهلهم أولى. وليت شعري بأي دليل قامت الطبقات التالية من العلماء بوصف الجبابرة المنقرضين السابقين بأنهم كانوا أولي الأمر خلافاً لنص القرآن؟!

بيَّن القرآن العبادات بشكل إجمالي كالصلاة والصوم وأوكل تفصيلها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال حضرته في مقام بيان الصلاة: صلُّوا كما رأيتموني أصلي(19). ولما كانت حقيقة العبادة خضوع العبد أمام الله فإن من قصّر فيها وأخطأ ثم تاب غفر الله له، هذا بخلاف حقوق العباد كالزكاة والخمس التي بيَّنَتْها الآية ولم يوكل الله تشريعها إلى صاحب الرسالة(20)، فإذا عرفنا هذه النقطة الدقيقة المستفادة من القرآن فكيف يمكن أن يوكل الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حقوق المسلمين ويفوضها إلى جبابرة القصور إلى يوم القيامة وأن يعتبرهم أولو الأمر! حاشا وكلا أن يحكم الدين بمثل هذا الحكم. وبهذا فإن إطلاق أولي الأمر على أولئك الجبابرة بعيد عن تعاليم الدين بعد السماء عن الأرض. لقد شاع هذا الخطأ بين المذاهب الإسلامية نتيجة لاعوجاج أفهامهم وقصورها وعدم التدبّر في كتاب الله، وأخطأت عامة الفرق الإسلامية في مسألة الخلافة لأنهم نسوا منذ أول يوم آية أولي الأمر، في حين كان من اللازم على الفريقين أن يعملوا بآية أولي الأمر بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكل من كان من الصحابة مصداقاً للآية صار خليفةً وبهذا كانت ستبقى هذه السنَّة حتى يوم القيامة ولصار رئيس المسلمين رئيساً منتخباً وعاملا بالقرآن، ولارتفع عندئذ الاختلاف بين المسلمين. ولكن مع الأسف الشديد لم يعتبر المسلمون منذ أول يوم آية القرآن دليلاً وحجَّةً وتمسَّك كل جماعة منهم بدليل غير القرآن وشيئاً فشيئاً بدأت تتحول الأقلام وآثار المصنِّفين من النزاع الذي كان عاماً دينيّاً وقرآنياً إلى نزاع شخصي وخاص(21) وخصومات غير دينية وهذا النزاع لا أثر له سوى ضعف المسلمين واختلاف طبقاتهم وتسلُّط الأجانب عليهم.

هل سكوت المتدينين من العلماء وغير العلماء في هذا القرن الرابع عشر الهجري، قرن هجوم الماديين على الإلهيين وسعيهم لاقتلاع أساس الإسلام، هو في مصلحة الإسلام والقرآن أم ضدّهما؟ وهل هذا السكوت لصالح المسلمين عاجلا وآجلا أم هو ضدّ مصلحتهم؟

يقول البعض إن السكوت من باب التقية! ولكن لا شبهة أنه لا مكان للتقية في أصول الدين، وإنما التقية في بعض الأحكام الجزئية الفرعية كالوضوء والغسل والمسح والتكبير والتكتف وإسبال اليدين في الصلاة وبعض فقرات الأذان والتشهد وغيرها. ولا تقية في تغيير أصول الدين، بل الوظيفة في هذه الحالة هي الجهاد لا غير.

هل سبب سكوتهم هو ترجيحهم لمصالحهم الشخصية وتقديمها على المصالح العامة المشتركة للديانات؟ هل سببه الاهتمام بالحياة الانفرادية والتشتت والتحزُّب أم لا؟ من الواضح بملاحظة عواقب الأمور أن هذا السكوت ليس لصالح الإسلام والقرآن بل ضدهما وضد مصلحة المسلمين.

لا شك أن سبب سكوت محبي الإسلام حين اصطفاف الكفر والإسلام في وجه بعضهما البعض سببه إما الجهل بأحكام القرآن السياسية أو عدم الاعتناء بها عن عمد، وحمل الأمر على جهل المسلمين أقرب بالطبع إلى مقام محبي الإسلام من حمل سكوتهم على التعمُّد!!

سؤال: هل يحق لمحبي الإسلام في هذا العصر الذي يشاهدون فيه هجمة الماديين وإغارة أتباع الملل الأخرى على الإسلام أن يصرفوا اهتمامهم إلى مجموعة من المستحبات في الدين من قبيل نوافل العبادات وزيارات المشاهد والأدعية والخضاب وقص الشارب وقص الأظافر وحلق العانة وأمثالها، هذا مع ما يرونه من اهتزاز أركان الإسلام والتبديل العلني لأحكامه باسم مقتضيات العصر، ومن سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الدعوة والتبليغ وعدم الاتحاد والاتفاق والتشاور وعدم المؤاخاة والمواساة الإسلامية وخروج الشباب من الإسلام – يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً – النزاع والخلاف الشديد بين المسلمين؟؟ هل يحق ويجوز لهم أن ينشغلوا بلعن فسّاق القرون السابقة كما هو شائع بين المذاهب الإسلامية كما يلعن الشيعة جيش يزيد ونظام ابن زياد الذين ذهبوا إلى الكوفة؟ هل في لعنهم ثواب أم لا؟

الجواب: لو كان مسلمو هذا القرن مثل مسلمي القرون السابقة لكان لذلك اللعن ثواب بلا شك، ولكن بعد التدبر الكثير والعميق يتبين مثلا أن الحسين بن علي عليهما السلام سورة [متحرِّكةً] من سور القرآن وهكذا سائر الأئمة كل منهم كان سورة من سور القرآن، وخاصة سيد الشهداء عليه السلام الذي تربى في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانت شهادته أمراً عظيماً، وإذا صرفنا النظر عن شهادة الرجال فإن أسر حفيدة النبيّ من قبل يزيد وابن زياد مع قرب نسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نظير لها في الدنيا، فلم يسبق أن قامت أمة من أمم العالم بأسر وقتل أولاد نبيها رغم معرفتها بفضلهم وقرب عهدها من زمن نبيها إلا ما فعله الأمويون بآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعمل يزيد هذا كان عملاً حيوانياً وشهوانياً صرفاً وكان من أعمال الانتقام الجاهلية وثأراً للمقتولين في بدر وأحد الذي سماه العلماء كفراً ونحن نعبر عنه بالوحشية. ولا ينبغي أن نتعجب من يزيد وحاشية بلاطه لأنهم كانوا جميعاً جاهلين بالكتاب والسنة، ولم يكن لمن تتغلب فيهم الصفة الروحانية على الصفة الجسمانية وجودٌ في الشام بل كان أعضاء بلاطه سباع متوحشة. ولكن التعجب هو من العلماء أصحاب المصنّفات والمؤلفات والكتب الدينية الذين اعتبروا يزيداً الفاسق والفاجرَ والمسرفَ والمبذِّرَ والخمّارَ والقمّارَ واللاعبَ بالكلاب وعدوَّ النبيّ الذي يأسر نساء أهل بيته بتهمة جرم رجالهم، أميراً للمؤمنين وخليفةً لرسول الله مع أن يزيداً - مثل أبيه معاوية- لم يكن يقيناً يعتقد بقول الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ولا قوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ أو قوله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.

ولنفرض أنه قتل الحسين بن علي (ع) بتهمة ادعائه الخلافة، فلماذا قام بأسر زينب الكبرى حفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن دراسة آيات الكتاب تبين أن أنصار يزيد وحُماتَهُ عنه يستحقون اللعنة لأن يزيداً طبقاً لآيات القرآن الصريحة ولوقائع التاريخ كان أكثر خبثاً ووحشيةً من السباع المفترسة، فواحسرتا على الأوراق والحبر الذي سُطِر فيه أن يزيداً كان إنساناً ومسلماً وخليفةً. لا يوجد دين من الأديان يجيز معاقبة امرأة بريئةٍ وأسرها وإذلالها بذنب أخيها، فيزيد خالف جميع الأديان ولم يكن معانداً للقرآن المجيد فقط، ولا نظير في تاريخ البشر لشناعة وقبح ما قام به. ولكن وبعد هذا الشرح نقول إن فِرَق المسلمين في هذا العصر لا يحق لها لعن يزيدٍ وجنودِهِ، ففي هذا العصر هناك عددٌ من المادِّيين الملحدين بدَّلوا شريعة الإسلام من أساسها وأحلُّوا محلَّها قوانين مادية وضعية، فهؤلاء الملاحدة أكثر شؤماً وأخبث كثيراً من يزيد. ولذلك فإن أعوان أولئك الملاحدة الذين ساعدوهم من خلال سكوتهم وانعزالهم رغم مشاهدتهم لخطر انقراض أحكام الإسلام وزوال شرائعه، وفضَّلوا العزلة والحياة الانفرادية على الاتحاد والتمسك بحبل الله المتين القرآن المجيد، لا يحق لهم لعن كفار وفساق القرون السالفة لأن الذين قاموا بإزالة أحكام الدين عدة قليلة من الناس لا يصل عددهم إلى عشر معشار عدد المتدينين، فسكوت المتدينين الكُثُر في مقابل الماديين القلة علامة على الرضا بفعلهم، طبقاً للحديث الشريف لأمير المؤمنين علي (ع) الذي قال فيه: السَّاكِتُ أَخُو الرَّاضِي(22) أو السكوت أخو الرضا. ويدل على ذلك أيضاً قوله علي (ع) لِلأحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ: يا أحنف! السَّاكِتُ أَخُو الرَّاضِي وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا كَانَ عَلَيْنَا أي من لم يؤيدنا بفعل ولا قول ولم ينصرنا حتى بلسانه فإنه يكون قد عمل ضدنا، أي السكوت والقعود في مقام النصرة تأييدٌ للعدو.

 

الهوامش:

(5) الكلام الجُزاف: الكلام الذي تُجْهل حقيقته ويُقال جُزافاً دون دليل. (قال في لسان العرب: الجِزافُ والجَزْفُ: المَجْهولُ القَدْر، مَكِيلا كان أَو مَوْزوناً).

(6) يكثر المؤلف من استخدام هذا التعبير والمصطلح الكلامي، والمقصود من المبدأ هو الله، ومن المعاد: اليوم الآخر. فالإيمان بالمبدأ والمعاد يعني الإيمان بالله واليوم الآخر.

(7) يستخدم المؤلف هذا التعبير بكثرة ويقصد به الله عز وجل.

(8) يقصد بها الهندوسية والبوذية واليهودية والنصرانية والإسلام.

(9) يستخدم المؤلِّف كثيراً اصطلاحي الجنس والفصل المنطقيين، وهما من كليات إيساغوجي الخمسة، فـالجنس هو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالحقيقة، كماهية الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس والثعلب والقرد..الخ، أما الفصل فهو جزء من مفهوم الماهية المختص بها الذي يميزها عن جميع ما عداها، مثل: الناطقية للإنسان والصاهل للفرس وهكذا... أما النوع فهو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالعدد فقط لا بالحقيقة، مثل إنسان بالنسبة إلى زيد وعمرو وخالد.

(10) كان هذا في زمن المؤلف الذي عاش في القرنين 13 و14 الهجريين (التاسع عشر وبداية العشرين الميلاديين) (1254 - 1355هـ = 1839 – 1936م)، أما اليوم فقد زاد عدد المسلمين عما ذكره بكثير فأصبح يقارب المليار ونصف.

(11) كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..﴾ (الأنفال/46) فـالفشل هو انحطاط القوة والضعف والهزيمة، وذهاب الريح ذهاب القوة والدولة ونفوذ الأمر.

(12) الجاهلية الأولى هي ما كان قبل عيسى وقيل ما كان بين إدريس ونوح، والجاهلية الثانية ما كان قبل الإسلام (أي بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما).

(13) هذا الحديث تركيب من حديثين واردين من طرق أهل السنة هما: الْخِلافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ رواه الترمذي في سننه – وحسَّنه – وتتمته: ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ أَمْسِكْ خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ وَخِلافَةَ عُمَرَ وَخِلافَةَ عُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ لِي أَمْسِكْ خِلافَةَ عَلِيٍّ قَالَ فَوَجَدْنَاهَا ثَلاثِينَ سَنَةً قَالَ سَعِيدٌ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلافَةَ فِيهِمْ قَالَ كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ. قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.. . انتهى. ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه كلهم عن سفينة، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3341). والثاني عن حذيفة بن اليمان: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ.. الحديث رواه أحمد في مسنده (4/273) وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: إسناده حسن، وروى نحوه البيهقي في السنن الكبرى (8/159) والطيالسي في مسنده.

(14) عَضُوضَاً – وفي رواية عاضَّاً – قال ابن الأثير في النهاية: ثم يكونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ أي يُصِيبُ الرَّعيَّة فيه عسْفٌ وظُلْم كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا. والعَضُوضُ: من أبْنية المُبالغة. وهو جمع عِضٍّ بالكسر وهو الخَبيثُ الشَّرِسُ.

(15) دَخَلا: قال ابن الأثير في النهاية: الدَّخَلُ بالتحريك: العَيْبُ والغِشُّ والفَسادُ. ومنه حديث أبي هريرة: [إذا بلغ بَنُو أبي العاص ثلاثين كان دينُ اللّه دَخَلا وعبادُ اللّه خَوَلا] وحقيقتُه أن يُدْخِلوا في الدين أُموراً لم تَجْرِ بها السُّنَّةُ.

(16) خَوَلا: الخول الخدم والعبيد.

(17) دُوَلا: جمع دُوْلَةَ بالضم، وهو ما يُتداول من المال فيكون لقوم دون قوم.

(18) ذكره المجلسي بلفظ مشابه في عدة مواضع من بحار الأنوار، مثل: ج31/ص 177، نقلاً عن السَّيِّد المرتضى علم الهدى فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْج‏ البلاغة، من رواية الواقدي عن أبي ذر ولفظه: إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلاثِينَ رَجُلا جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلا، وَدِينَ اللَّهِ دَخَلا، ثُمَّ يُرِيحُ اللَّهُ الْعِبَادَ مِنْهُمْ.. والحديث ورد من طرق أهل السنة عن أبي سعيد الخدري في مسند أحمد (3/80) وفي المستدرك للحاكم (4/527) وفي مسند أبي يعلى، وعن أبي ذر الغفاري في المستدرك للحاكم (4/526)، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ورواه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (419).

(19) انظر المجلسي، بحار الأنوار، ج 82/ص279 وقد نقله عن مصادر أهل السنة. وأخرجه من طرق أهل السنة: البخاري في صحيحه والدارمي في سننه وابن حبان في صحيحه وغيرهم، كلهم عن مالك بن الحويرث.

(20) في تفريق المؤلف بين الصلاة بقوله إن الله فوض للنبي تشريع ركعاتها وكيفياتها، بخلاف الزكاة التي اختص القرآن ببيان تفصيلها ولم يوكل ذلك للنبي، أقول في هذا التفريق نظر لأن كلا الأمرين تشريع من الله، والرسول فصل أحكام الزكاة كما فصل أحكام الصلاة وكل ذلك بوحي وإلهام من الله . فلا وجه للتفريق بينهما.

(21) النزاع الديني هو النزاع على العقائد والأفكار والمبادئ الدينية: مثل أن يؤمن فريق فريق بوحدانية الله وعدم جواز عبادة غيره وينكر فريق آخر ذلك، أو يعتقد باليوم الآخر وحشر الأجساد إلى الله يوم القيامة وينكر فريق ذلك، أو يرى فريق وجوب الحكم بما أنزل الله من شرع وبالعدل والسوية، ولا يرى فريق ذلك..الخ. أما النزاع الشخصي [وقد يعبر عنه بالنزاع السياسي] فهو أن يتفق فريقان على كل مبادئ الدين وعقائده وعلى وجوب الحكم بما أنزل الله والعدل والمساواة.. الخ ولكنهما يختلفان على الشخص الذي سيتولى هذا الأمر، أو يختلفان بشأن شخص تولى الخلافة في الماضي هل كان صالحاً عادلاً أم لا، فهنا لا اختلاف على المبادئ كمبادئ بل الاختلاف شخصيٌّ أو سياسيٌّ.

(22) الشيخ المفيد، الإرشاد، 1/ 303، وبحار الأنوار، المجلسي، ج 74 / ص 324.