نبذة عن حياة وسيرة المؤلف العلامة حجة الإسلام أسد الله خرقاني(1)

ولد السيد «أسد الله مير إسلامي الخرقاني» في الرابع من ذي الحجة عام 1254هـ (الموافق 1839م) في قرية «شيزند» جنوب «قزوين» الواقعة شمال غرب إيران، ويعود في أصله إلى قرية «خرقان» شمال مدينة «قزوين»، كما يعود في نسبه الشريف إلى السادات من آل مير سلام، إذْ كان أبوه السيد زين العابدين ابن السيد إسماعيل ابن السيد حسن خان من سلسلة السادات المعروفين من أهل «مراغه» التابعة لمدينة تبريز، وكان جده الأكبر المعروف بـ «مير سلام» من المقربين لسلاطين الصفوية.

ابتدأ المرحوم خرقاني بدراسة مقدمات اللغة العربية والنحو والصرف في قريته وانتقل في سن الخامسة عشرة إلى مدينة «قزوين» لمواصلة دراساته الدينية فيها، وبعد أن تعلم الفقه وأصوله على أيدي علمائها انتقل حوالي عام 1275 أو 1276هـ (1859م) إلى طهران وتعلم الفلسفة على يد المرحوم «ميرزا جلوه»، وفي أثناء ذلك درس أيضاً العلوم العصرية وتعلَّم اللغة الفرنسية التي كانت لغة الثقافة الغربيّة العصرية في زمنه، وفي عام 1284هـ (1867م) هاجر مع أسرته وعائلته إلى النجف الأشرف واشتغل بتحصيل العلوم الدينية هناك مدة 25 عاماً نال خلالها درجة الاجتهاد ثم عاد إلى طهران وابتدأ بالتدريس والتأليف.

دخل «خرقاني» مدةً معترك الجهاد السياسي الإسلامي والاجتماعي في بلاده (إيران) حيث كان من رجال ومناضلي الحركة الدستورية(2) وقد تعرض إبان كفاحه إلى الاعتقال والنفي إذْ نُفي إلى مدينة «رشت» ثم إلى «فومنات» وبعد النفي الأخير عاد إلى طهران وقرَّر أن ينصرف بكليته إلى البحث والتأليف وتدريس القرآن، فلم تعد له خلطةٌ سوى ببعض العلماء الفضلاء ومجموعة من طلاب القرآن الذين كانوا يتلقَّون علوم القرآن الكريم على يديه.

ترك «أسد الله خرقاني» كتباً وآثاراً قيمةً عديدة (بلغته الفارسية) طُبع بعضها أثناء حياته وبعضها الآخر بعد وفاته ومن جملتها:

1- مقررات قانون أساسي وديني (أحكام القانون الدستوري والديني).

2- روح التمدن وهويت الإسلام (روح الحضارة وجوهر الإسلام). نشره عام 1296هـ (1878م) وسعى فيه إلى البرهنة على أن الديمقراطية الإسلامية أتم وأكمل وأفضل بكثير من النظام الديمقراطي الغربي. وقال في إشارةٍ إلى الصراع بين الاستبدادية والدستورية (أي تقييد السلطات الملكية بالدستور) أن تلك النهضة الوطنية انتهت للأسف بإطلاق النار على جسد الإسلام المقدس، وقد طرح في كتابه هذا نوعاً من التفكير السياسي العصري الإسلامي أثبت من خلاله وجود الديمقراطية في الإسلام وتاريخ الفترة الإسلامية الأولى (عهد الخلفاء الراشدين). وكان رأيه أن المشروطة أي الحركة الدستورية لم تنجح في إيران وأن الحكم في إيران هو «ملكي دستوري بالاسم فقط أما عملياً فهو لا يزال حكماً استبدادياً اجتماعياً ولا يزال الهرج والمرج هما السائدان». وكان «خرقاني» يأمل أن يتم تطبيق الحكم والنظام الإسلامي في إيران يوماً ما وكان يقول: «أبشركم أن النظام الإسلامي والسياسة الإسلامية سيتم تطبيقهما في النهاية في إيران» وقال في موضع آخر من رسالته في لحنٍ يحمل التهديد ضد الحكم القائم: إذا تم فصل الإسلام عن الحكومة والدولة فسيتم إراقة دماء ساخنة في ساحة الجهاد الديني مما سيحث فدائيي الإسلام على النهوض. ونلاحظ في هذه العبارة أول طرح لعبارة فدائيي الإسلام وقد نشأت فعلاً جماعةٌ فيما بعد تحمل الاسم ذاته يتزعمها السيد نواب صفوي كما هو معروف.

3- قضا وشهادات ومحاكمات حقوقي ابدي اسلامي (القضاء والشهادات والمحاكمات القانونية الإسلامية الأبدية). في هذه الرسالة انتقد خرقاني بشدة تغيير الأحكام الإسلامية في قوانين القضاء ودعا إلى تدوين نظامٍ قانوني جديد مبتنٍ على أحكام الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية.

4- برهان ساطع (البرهان الساطع).

5- أصول عقايد (أصول العقائد).

6- تنقيد نظرية دارونيستها (نقد نظرية الداروينيين، أي نقد نظرية التطور عند داروين).

7- تنقيد قوانين عدليه (نقد القوانين القضائية [الوضعية]).

8- رسالة «رد كشف الحجاب ووجوب الحجاب بحكم العقل وتصريحات الكتاب والسنة النبوية» نشرها عام 1335هـ وقد تكلَّم فيها عن شيوع البعد عن الدين والانكباب على الحياة الدنيا وزينتها كما انتقد وضع قانون النكاح والزواج في البلاد وأكد فيه على إجماع جميع الفرق والمذاهب الإسلامية على وجوب الحجاب وأن التشكيك بحكم الحجاب في الإسلام لا يمكنه أن يصدر إلا عن مصاب بـ «أمراض الدماغ واختلالات الفكر»!.

9- كتابه الحالي «محو الموهوم وصحو المعلوم يا راه تجديد عظمت وقدرت إسلامي» (أي محو الموهوم وصحو المعلوم أو سـبيل عودة العَظَمَة والسؤدد والاقتدار الإسلامي). والذي قدم له ونشره آية الله المجاهد العلامة السيد محمود طالقاني. في هذا الكتاب وجه خرقاني انتقادات شديدة للعلماء في عصره الساكتين الذين يلزمون الصمت أمام تغيير أحكام الشرع وإقصاء الإسلام عن الحكم كما وجه انتقادات لبعض الآراء والأفكار الشيعية الإمامية السائدة، وأبدى إعجابه الواضح بما كان عليه حال المسلمين لمدة أربعين سنة بعد رحيل النبيّ في فترة الخلفاء الراشدين واعتبر أن سبب انحطاط المسلمين تركهم العمل بأحكام الإسلام وشريعته وقواعده وأن السبيل إلى عودة العزة والسيادة للمسلمين هو استلهامهم من فترة الخلفاء الراشدين واتخاذها أسوةً وأن هذا كفيلٌ بنهوض المسلمين من هذا الانحطاط الذي وقعوا فيه. ودافع أيضاً عن النظام الجمهوري الإسلامي الذي ميزه تماماً عن النظام الجمهوري لدى سائر الشعوب والملل غير الإسلامية حيث أن النظام الجمهوري الإسلامي أساسه الدين وعبادة الله والمساواة الدينية والأخوة الإسلامية أما الجمهورية لدى الآخرين فهي انتخاب رئيس جمهور بهدف الرقي بالبلاد فقط مع الحفاظ على العقيدة المادية الدهرية، أي أن الهدف مادي محض. وفي خلال دفاعه عن صحة الجمهورية طرح خرقاني نظرية الانتخاب والاختيار للإمامة مخالفاً بذلك نظرية النص الإمامية الاثني عشرية حتى أنه شكك في دلالة واقعة الغدير وفي دلالة الآيات التي يستند إليها الإمامية لإثبات نظريتهم في الإمامة القائمة على النص والتعيين الإلهي لأولي الأمر. في الواقع لقد كان كتاب «محو الموهوم وصحو المعلوم» من الكتب التي اشتهرت في عصره وأثَّرت كثيراً في الأفكار اللاحقة بل إنه على معنى من المعاني كان الإرهاصة الأولى لحركات الإسلام السياسي والمنحى التجديدي في الفكر الديني والذي أثمر فيما بعد تنامي التيارات المطالبة بالحكم الجمهوري الإسلامي والتي تحقق لها النصر بعد قرابة نصف قرن من خلال انتصار الثورة في إيران عام 1979.

إضافة إلى مؤلفاته المذكورة نشرت له بعض الصحف والنشرات الصادرة في عصره – مثل صحيفة «إيران روز» أي إيران اليوم في أعداد سنة 1310هـ - مقالات بيَّن «خرقاني» فيها موقف الإسلام السياسي والاجتماعي من الأحداث الجارية، كما نُشِرَت له مقالات تحت عنوان السلام من وجهة نظر الإسلام في الفترة التي كان خطر الحرب العالمية يهدد الدنيا وكانت المجامع الدولية تطرح اقتراحات ومقالات وأبحاث حول موضوع الصلح والسلام.

نبذة مما ذكره العلامة السيد محمود طالقاني في مقدمته على كتاب «محو الموهوم» من سيرة ومجاهدات السيد «خرقاني»:

كتب آية الله الطالقاني في مقدمته على كتاب محو الموهوم يقول: كان المرحوم العلامة الكبير والمجاهد السيد أسد الله مير إسلامي خرقاني مؤلف هذا الكتاب من علماء الإسلام النابهين والرجال الأقوياء وقد حضرتُ بعض مجالسه العلمية في طهران عندما كنت أزورها أثناء تحصيلي العلوم الدينية في قم برفقة أبي حجة الإسلام والمسلمين السيد أبو الحسن الطالقاني، وتشهد مؤلفات هذا الرجل ومجاهداته وشدة اهتمامه وحرصه على عودة العزة والمنعة والسيادة للمسلمين ونضاله في تلك الفترة المفعمة بالاستبداد وخنق الحريات وتربيته لتلاميذ مؤمنين أقوياء، على مقامه العلمي وروحه الجهادية الإسلامية ووعيه بالأخطار والتحديات التي تواجه عالم الإسلام. لقد كان السيد خرقاني في النجف من أقرب الطلاب إلى المرجع الآخوند ملا كاظم الخراساني (صاحب الكفاية في الأصول) والناشطين في مؤسسته وقد ربَّى في تلك الحوزة العلمية عدداً من الطلاب الشباب الذين صاروا علماء متجددين كانوا من أبرز من لعبوا دوراً في الثورة الدستورية في إيران وقد أثنى عليه «ملك زاده» بوصفه من الإصلاحيين التجديديين وذكر مكانته القيادية بين علماء الدين المناضلين المتجددين. وقد شارك في الاجتماع الشهير الذي عُقد في عام 1322 هـ في حديقة «الميرزا سليمان خان ميكده» لقادة الحركة الدستورية التجديدية فاختاروه نائباً عنهم ضمن وفد من تسعة أشخاص انتخبوا للذهاب إلى النجف وإطلاع علمائها على مجريات الحركة الدستورية وما وصلت إليه. يقول «ملك زاده»: لقد أمضى السيد أسد الله خرقاني سنوات طويلة في النجف نال خلالها درجة الاجتهاد وكان يحظى باحترام بالغ بين علماء الدين والطلاب في حوزة النجف العلمية، وكان له نصيب من العلوم العصرية وسياسة الدنيا والفلسفة المعاصرة. ويقول ملك زاده في موضع آخر: لقد تأثر بالسيد أسد الله خرقاني كثيرٌ من الطلاب المثقفين والمتجددين في النجف ودانوا لزعامته وفُتِنوا بأفكاره المتجددة والعصرية والجريئة فنهضوا لدعم المطالبين بتقييد سلطات الملك في إيران. انتخب السيد خرقاني عضواً في مجلس الشورى الوطني (البرلمان) ممثلاً عن مدينة قزوين في الدورة الثالثة لذلك المجلس وقد دخل عند ذلك بشكل مباشر في الساحة السياسية وقرر حينها إنشاء حزب إسلامي باسم «الحزب الإسلامي الديمقراطي» وذلك عام 1299هـ ولكنه انصرف عن ذلك لاحقاً.

ما قاله بعض المؤرخين المعاصرين في إيران عن «أسد الله خرقاني»

يصنف بعض مؤرخي التاريخ المعاصر لإيران حركة خرقاني ونشاطه الفكري بوصفها حلقة من حلقات النقد الموجه ضد التراث الشيعي والشعائر والأعمال المميزة للمذهب الشيعي الإمامي في إيران والتي بدأت منذ قيام «رضا شاه» بإصلاحاته الدينية، ويضع هؤلاء المؤرخون «خرقاني» على الخط ذاته مع شريعت سنگلجي ثم أحمد كسروي وحكمي زاده ومن بعدهم في ما طرحوه من أفكار ناقدة للمذهب الشيعي اعتُبِرَت تأثراً بالدعوة الوهابية في الجزيرة العربية(3).

وينقل المؤرخ المعاصر «رسول جعفريان» عن أحد علماء الدين الشيعة المغالين المعاصرين لخرقاني ويُدعى آية الله لنكراني قوله إن أسد الله خرقاني تأثر بالمذهب الوهابي عندما قام بالحج فبدأ بالدعاية للأفكار الوهابية لدى عودته من الجزيرة العربية ثم استلم هذا الخط أو النهج منه «شريعت سنگلجي» وواصل ترويج «الوهابية»(!) في إيران!(4).

لبى «أسد الله خرقاني» نداء ربِّه في السابع من شهر صفر عام 1355هـ (1936م.) حيث دُفن إلى جانب قبر أستاذه المرحوم «الميرزا جلوه» وكتب أحد مريديه وطلابه الأبيات التالية باللغة العربية على حجرة جانب قبره:

يا خـير أسـتاذٍ ويا خيـر عالمٍ    لوصفك تُرِك الوصف والله أوقع

ألا فاعلموا ما مات في الدهر عالمٌ    ومات هرقل ثم كسـرى وتُبَّـع

وثوبُ حيـاةٍ مُسـتعارٌ وإنّـما             إليه مصير الناس طراً وأجمـع

وأما الحجرة التي وضعت على قبره فقد نُقش عليها بالعربية ما يلي:

المرقد المقدس لحضرة حجة الإسلام علامة الدهر سياح آيات القرآن وكاشف أسرار الفرقان المنادي في حياته بالحماسة والمباهلة مع أهل الأديان صاحب التصنيفات والتأليفات الفذة السيد السند والبحر المعتمد السيد أسد الله الموسوي الخارقاني المُلقب بمير إسلامي ابن المرحوم السيد زين العابدين سرندي قد أجاب داعي الحق...

 تلخيص لأهم آراء المؤلف التصحيحية والناقدة لبعض العقائد والممارسات السائدة لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية في كتابه الذي بين أيدينا:

1- يردّ المؤلف تماماً على فكرة ترك الإصلاحات لحين قدوم إمام الزمان وإيكالها إليه باعتبارها من وظيفته فقط، وهي الفكرة التقليدية التي كانت رائجة بين أكثر الإمامية في عصره (ص 3-4).

2- يرى المؤلف أن الأمم التي فتحها الإسلام -بما في ذلك في إيران – أضفت على الدين أو أدخلت فيه عاداتها وتقاليدها كما فعل الإيرانيون عندما أدخلوا في الإسلام – طبقاً لقوله - الاحتفال بعيد النوروز وما يرافقه من رسوم وطقوس باقية من عهد ما قبل الإسلام، كما أدخلوا فيه لبس السواد ووضع الستائر والأقمشة السوداء على التكايا والمنابر وتعليق البسط ونصب الشمعدانات في مجالس العزاء وسائر أنواع الزينة والخرافات والحركات مثل رفع الأعلام وضرب الصنج، فهذه كلها بنظره من الطقوس والعادات الملية القديمة التي مزجت بالإسلام وأنه من الضروري التفكيك بين أصل الإسلام وبين العادات الرائجة الدخيلة التي أضيفت إليه وحسبها العامة جزءاً منه!! (المقدمة 5/ص 11).

3- يقرِّر المؤلف أن معيار معرفة الدين الأصيل النقي من الأمور الدخيلة ثلاثة أمور فقط وهي: (1) القرآن الكريم و(2) حديث النبي وسنته المتفق على صحتها بين الفرق، و(3) سيرة النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم -العطرة المتفق عليها كذلك (المقدمة 5/ص 11-12).

وهذا القول يعتبر نهجاً إصلاحياً تجديدياً ممتازاً يتجلّى في ثلاث أمور: أولاً: جعله القرآن الكريم المرجعية الأولى المقدمة على كل شيء، ومعنى ذلك أن القرآن قابل لفهم كل دارس وأن ظواهره حجة وأن كل ما يخالف القرآن فهو بدعة في الدين ودخيل فيه، ثانياً: اشتراطه لحجية الأحاديث والسنن ومرجعيتها أن تكون مما يتفق عليه المسلمون، مما يعني أن لا حجية فيما يتفرد به الشيعة عن سائر المسلمين من أخبار وروايات في هذا المجال. وثالثاً: أنه لا يجعل آراء وأحاديث وسير الأئمة الاثني عشر جزءاً من معيار معرفة الأصيل من الدخيل، فهي ليست مرجعاً في هذا الصدد. ولا يخفى ما في هذا النهج كله من إرساء لخط إصلاحي جديد تجديدي جذري كفيل باقتلاع الكثير من البدع والمحدثات والانحرافات التي امتزج بها الإسلام لدى الشيعة الإمامية.

4- يؤكد المؤلف بأشد العبارات جزماً على أساسية مرجعية القرآن الكريم وأنه أساس الإسلام، وأن القرآن هو النبيّ الصامت كما أن النبيَّ قرآنٌ ناطقٌ. وأن القرآن المجيد هو اللواء الأكبر والمنبر والوسيلة: فِيْهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً (ص 12).

5- يرى المؤلف أن سبب تأخر المسلمين وانحطاطهم ليس سوى تركهم العمل بسياسات الإسلام الراشدة التي كانت في الأربعين سنة الأولى بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الموضوع من الموضوعات المحورية في الكتاب التي كرَّرها في ثناياه (ص14 و19). إن المؤلف يشيد بكل صراحة ووضوح بالحكم الإسلامي العادل والسياسة الشرعية القويمة لدى الخلفاء الراشدين الأربعة ويبين معالمها ويعتبرها العصر الذهبي للإسلام الذي يجب العودة إليه (ص34-35)، ويضع عُمَرَ (رضي الله عنه) على قدم المساواة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ (ع) في كون حكومتهم تمثل حكومة العدل والمساواة والقسط والالتزام التام بالإسلام. ويذكر في أكثر من موضع أن أبا باكر وعمر عملا بنهج النبي في الحكم: انظر (ص87) و(ص146) و(ص148) و(ص151).

وهذا أيضاً رأي تجديدي إصلاحي اعتدالي وتصحيحي ضمن الشيعة الاثني عشرية الذين لا يرون في حكم الخلفاء الذين سبقوا علياً (رض) سوى فترة انحراف وغصب للخلافة من صاحبها.. الخ مما هو معروف.

6- يرى المؤلف أن من أهم أسباب ذل المسلمين وتبعيَّتهم للأجانب وسيطرة الأجانب عليهم هو اهتمام كل فرقة من فرق المسلمين بخصوصياتها المذهبية – ومن الواضح أن نظره هنا متجه بشكل خاص لفرقته الإمامية - وانشغال الفرق بصراعاتها مع الفرق المخالفة، مما جعلها تترك قضايا الإسلام الأساسية، فتحول الاجتماع الإسلامي إلى تشتت وتفرّق مذهبي، مما جعل المسلمين يصنعون أسباب ضعفهم بأيديهم ويقبلون التبعيَّة للأجانب (ص 15).

7- يقرِّر المؤلف أن من أسباب استمرار الخلاف وتواصل النزاع بين أبناء الفرق الإسلامية هو تقليد الآباء والأجداد في عقائد الدين، ويرى أنه لا يجوز للعاقل البالغ القادر على الفهم التقليدَ في دينه. ويرى أن من أسباب استمرار الخلاف وتواصل النزاع بين أبناء الفرق الإسلامية أن أرباب الفرق يقدمون المدلول على الدليل بمعنى أنهم يؤمنون بعقائدهم التي ورثوها عن الآباء والأجداد تقليداً (المدلول)، ثم يبحثون لها عما يثبتها من القرآن (الدليل)، مع أن الصحيح هو أن يأتوا للقرآن (الدليل) بأذهان صافية مجردة من العقائد السابقة ويتَّبعوا ما يرشدهم إليه (ص 15 – 16).

وقد وضع المؤلف ببيانه هذا اليدَ على الجرح – كما يُقال- فإذا كفّ أرباب الفرق – لاسيما الإمامية - عن التعصب لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ورجعوا بتجرد ودون أفكار مسبقة إلى القرآن الكريم والسنة العملية لصاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم فاستسلموا إليهما واسترشدوهما وذهبوا معهما حيث ذهبا كان هذا سبيلاً لزوال كل الخلافات التي وقعت بين المسلمين. فالعودة إلى القرآن الكريم والتمسك بحبل الله المتين هو السبيل الوحيد والأساس لوحدة المسلمين وزوال النزاعات والاختلافات بينهم. وبالتالي سبب لعزة المسلمين واعتلاء أمرهم.

8- يأخذ المؤلف على فرق المسلمين -ومن الواضح أن نظره متجه في هذا إلى قومه من الإمامية- انحصار اهتمامهم بكُتُبِهم الخاصة واقتصارهم في فهم الدين على أقوال علمائهم لإثبات أحقية مذهبهم والردّ على الفرق الأخرى، ويرى أن النتيجة الحتمية لذلك كانت صيرورة القرآن المجيد مهجوراً ومتروكاً بينهم. لذا يعيد التأكيد بشدة على العودة للقرآن الكريم بذهن خال مجرد والتمسك به واتباعه وتقديمه على أقوال العلماء أو فتاواهم أو أي شيء آخر في الدين، فهو أساس الإسلام والمعيار لمعرفة صحة وسقم كل قول وحديث. (ص 17).

9- يردّ المؤلف تماماً كلَّ غلوٍّ بالنبيّ والأئمة كنسبة الربوبية والإلهية والقدرة على الخلق إليهم بأدلة بسيطة وقاطعة من القرآن والعقل، ويؤكّد أن كل ما جاء من أخبار وروايات فيها شائبة تأليه أو رائحة غلوّ فيجب تأويله إن أمكن وإلا لا بد من رفضه وتركه. (ص 22 – 23).

10- يشيد المؤلف بتوحيد القرآن الخالص وبإخلاص صحابة النبي وتضحياتهم لنشر الإسلام، ويرى أن مسلمي عصره – بما في ذلك قومه – قد ابتعدوا عنهما وصاروا في جاهلية جديدة (ص 30).

11- يأخذ المؤلف على كتّاب كتب الفرق والنحل أنهم يثنون على نظرائهم في المذهب ويحطُّون من شأن مخالفيهم ويحكمون على الناس فيدخلون من شاؤوا في الجنة ومن شاؤوا في النار، ومؤدى كلامه هذا تخطئة علماء الإمامية وغيرهم الذين يحصرون النجاة في أتباع فرقتهم فحسب ويذهبون بأتباع الفرق الأخرى إلى النار! (ص 31- 32).

12- بدلاً من نظرية الإمامة لدى الإثني عشرية القائمة على مبدأ النص، والتي اشتُقَّت منها فيما بعد نظرية ولاية الفقيه، يرى المؤلف أن الرئيس التنفيذي في الإسلام يُنتخب انتخاباً أي يختاره المسلمون ممن تتوفر فيه صفات ولي الأمر الصالح، فإن استقام استقاموا على طاعته وإن انحرف وجار وفسق عزله أهل الحل والعقد وانتخبوا غيره (ص 37-38).

أقول: وهذا رأي تجديديٌّ تصحيحيٌّ إصلاحيٌّ بارزٌ في مذهب الشيعة الإثني عشرية إذْ يقرِّر المؤلف– في الواقع - نظرية البيعة والاختيار السنية ويخالف تماماً النظرية الشيعية الإمامية في الحكم من جهتين: الأولى من جهة أن نظرية الإمامة الاثني عشرية ترى أن الإمامة منصب مكمِّلٌ للنبوَّة واستمرارٌ لها، وأنها ليست مفوَّضة للعامَّة، بل الله هو الذي يعين الإمام وينصبه. فالإمامة نصٌّ من الله عندهم. أما المؤلف فيخالف ذلك تماماً ويرى أن الإمامة مفوَّضة للمسلمين وهم الذين يعيِّنون الخليفة بالانتخاب. والجهة الثانية أن جميع علماء الاثني عشرية يفسِّرون «أولي الأمر» في آية سورة النساء التي تأمر بطاعتهم بأنهم الأئمة المعصومون، في حين يرفض المؤلف هذا التفسير ويرى أن «أولي الأمر» هم كل من تتوفر فيه شروط الإمامة من العدالة وأداء الأمانات لِـلَّهِ والرسول والعمل بالقرآن...الخ. وهذا هو عين رأي أهل السنة ونظريتهم في الإمامة.

13- يرى المؤلف أنه لو عمل المسلمون من الفريقين بآية «أولي الأمر» بعد رحيل النبيِّ – صلى الله عليه وآله وسلم- فمن كان من الصحابة مصداقاً للآية انتخبوه خليفةً، لو عملوا بذلك لبقيت هذه السنَّة – سنة انتخاب من تتمثل فيه صفات أولي الأمر - حتى يوم القيامة ولصار رئيس المسلمين رئيساً منتخباً وعاملاً بالقرآن، ولارتفع عندئذ الاختلاف بين المسلمين (ص41).

ومن الواضح أن هذا يخالف تماماً نظرية النص الإلـهي على الأئمة والوصية عليهم التي تعد أهم العقائد المميزة للشيعة الإمامية الإثني عشرية، والتي ترى أن تكليف المسلمين بعد رحيل النبي كان الإذعان لإمامة وحكم الإمام علي (ع) المنصوص عليه من الله ورسوله فحسب. فنلاحظ أن المؤلف يؤكد أنه لا يوجد في القرآن نصٌّ على أحد بعينه مطلقاً، بل هناك بيان لوصف ولي الأمر الشرعي الواجب انتخابه.

14- يقرِّر المؤلف أن معجزات الأنبياء ليست من صنعهم بل هي من صنع الله وحده أجراها على أيديهم تأييداً لرسالتهم وبرهاناً على صدقهم. (ص 54-55).

وفي هذا ردٌّ على كثيرٍ من علماء الإمامية بل معظمهم الذين يعتقدون بأن الأنبياء والأئمة يفعلون المعجزات بقدرتهم التي منحهم إياها الله بما يسمونه الولاية التكوينية.

15- من أهم الآراء التصحيحية والإصلاحية الواضحة للمؤلِّف، بل لعلَّها أشدّ وأقوى نقد ذاتي قام به للعقيدة الاثني عشرية في الإمامة، نفيه الواضح والصريح للنص على الأئمة من آل الرسول بعد الإمام علي بن أبي طالب، ونفيه لدلالة أهم ما يتمسك به الإمامية منذ أكثر من ألف ومئتي عام من آيات القرآن لإثبات النص على عليٍّ والأئمَّة من أولاده، مثل تمسكهم بآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... (المائدة/3) وآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (المائدة/67) فيرى أن أيَّاً من هذه الآيات لا تدل على النص على علي والأئمة من أولاده وأن الاستدلال بها على ذلك مخالف لمدلول ألفاظ الآيات وسياقها وعمومها (ص 83 – 84).

أقول ولقد فتح المؤلف بهذا النقد الذاتي الطريق أمام من جاء بعده ممن كتب في نقد نظرية النص الإلـهي على الأئمة مثل حيدر علي قلمداران وآية الله البرقعي وحجت الله نيكوئي وغيرهم.

16- رغم نقد المؤلف الشديد والحادّ لموقف السادة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم في ثورتهم ضد حكومة الإمام عليٍّ (ع) في واقعة الجمل إلا أن نقده بقي ضمن إطار المعالجة الفقهية والقرآنية للموضوع من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن المؤلف ترضَّى في النهاية في أحد المواضع على طلحة والزبير وعائشة (ص111)، وذكر في موضع آخر أن طلحة والزبير تابا وندما على ما فعلا واستشهدا (ص136)، فهو – مع إطالته في النقد الشديد واللاذع لموقفهما في خروجهما على عليٍّ عليه السلام- يعتبرهما رغم ذلك شهيدين.

17- يقرِّر المؤلِّف قاعدة هامّة في نقد الحديث الشيعي وهي أنه إذا جاء حديثٌ يخالف نصَّ كتاب الله وجب تركه لأن المرجع والنص الأساس لدين الإسلام هو القرآن، والأخبار الصحيحة ليست سوى شرح لذلك النص، فمخالفة القرآن من سخائف الأوهام (ص78) و(ص118).

وقد فتح المؤلف بهذا الباب أمام غربلة التراث الروائي الشيعي من خلال عرض كل الأخبار والأحاديث على القرآن الكريم وأخذ ما وافقه منها وترك كل ما عارضه وناقضه.

18- يؤكد المؤلف بشدة على واجب الحفاظ على الأخوة ووحدة الكلمة بين جميع المسلمين بغض النظر عن مذاهبهم وعقائدهم وأفكارهم وأن هذا تكليف شرعي من الله وأن لا سبيل لعلو شأن المسلمين وعزتهم إلا بوحدة صفّهم وعدم تنازعهم وعدم تفرقهم في الدين (ص 163 – 164).

19- يقرّر المؤلف أن المسلم المؤمن والمتدين الحقيقي هو الذي يتَّبع النبيَّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله ويعمل بها ويطبقها في حياته، وبهذا يكون محباً للقرآن ومتبعاً لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقةً. ولا يهم بعد ذلك أن ينتمي إلى أي مذهب من مذاهب المسلمين المختلفة للوقوف على فروع الدين وجزئياته ودقائقه، فلا يهمُّ اللقب والعنوان المذهبي الذي يتسمَّى به (ص 171).

وهذا موقف إصلاحي اعتدالي منفتح وجرئ للمؤلف – خاصة إذا أخذنا عصره بعين الاعتبار – فهو لا يرى انحصار النجاة في مذهب الإمامية بل النجاة تكون لكل من يتمسك بأساس الإسلام والدين وهو – حسب قوله - اتباع القرآن وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وهو بذلك يؤكد نجاة جميع المسلمين أيا كانت عناوينهم المذهبية أو مدارسهم الفقهية الفرعية، ويرفض تعصب الإمامية بحصر النجاة باتّباع مذهبهم وطاعة فقه أئمتهم فقط.

20- يؤكِّد المؤلف في أكثر من موضع من كتابه على وجوب التأدب مع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين الطاهرات، مهما وقع من بعضهم – حسب وجهة نظر الشيعة – من مخالفات خطيرة وشديدة، وأن الانتقاد يجب أن يوجه لأعمال أولئك البعض لا لأشخاصهم، حفاظاً على ناموس النبوة، واحتراماً لحق صحبته صلى الله عليه وآله وسلم، وينتقد ويطعن من طرف خفي - في أكثر من موضع من كتابه - فيمن ملؤوا الآفاق بالطعن واللعن فأوقعوا العداوة والبغضاء بين المسلمين وأثاروا الفرقة والإحن والتمزق بين صفوفهم مما استغله الأعداء فسيطروا على المسلمين -الذين أضعفهم التفرق والتمزُّق- واستعمروا بلدانهم واستعبدوهم. انظر مثلاً الصفحات (ص86) و(ص117) و(ص124) و(ص146).

تلك كانت أهم النقاط التي تتعلق بآراء المؤلف التصحيحية الناقدة في الجزء الذي ترجمناه من كتابه، وآخر دعوانا أن الحمد لِـلَّهِ رب العالمين.

المتـرجـم

30/10/2008

 

ملاحظة 1: هذه الترجمة هي لأول 160 صفحة فقط من كتاب «محو الموهوم» من أصل صفحاته البالغة 382 صفحة.

ملاحظة 2: جميع الحواشي الواردة في هذه الترجمة هي للمترجم، فلم يكن في كتاب المؤلف أي حاشية مطلقاً.

 

الهوامش:

(1) مصدر هذه الترجمة بشكل أساسي كتابان: الأول: ترجمة حياة المؤلف التي كتبها «غلام حسين نور محمدي» الذي قام بطباعة ونشر كتاب «محو الموهوم» في مقدمته على الكتاب. والثاني: ترجمة المؤلف التي كتبها المؤرخ الإيراني المعاصر: رسول جعفريان في كتابه «جريان‌ها وسازمان‌هاي سياسي ايران» (أي التيارات والمنظمات السياسية في إيران), طهران، نشر مؤرخ، ط 8، 1386 هجرية شمسية (2007م)، الفصل الثامن: التيارات المطالبة بإعادة النظر في عقائد الشيعة، ص 816- 822.

(2) الحركة الدستورية: حركة سياسية إصلاحية قامت ضد النظام الملكي الاستبدادي المطلق في إيران في عهد الأسرة القاجارية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، بعد أن استشرت مفاسد الملوك من آل قاجار وتردّت الأوضاع الاجتماعية في عهدهم وتفشت الأمراض وانتشر الفقر إلى جانب تصاعد الصراع الروسي البريطاني على النفوذ في إيران، فقامت الثورة تطالب بإصلاح الأوضاع وبتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية بتقييد سلطات الشاه بمجلس للأعيان، وقد تكللت الثورة بالانتصار عام 1906م، لكن انتصارها لم يدم طويلاً إذ سرعان ما عاد الاستبداد بعد خمس سنوات بثوب جديد وأصبح المجلس الوطني ألعوبة بيد الملك، وسيطر الليبراليون المتغرِّبون على المجلس وتم إقصاء الأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام وضعية، فعاد الصراع مجددا بين علماء الدين المناضلين - ومنهم المؤلف - والنظام الملكي الجديد.

(3) رسول جعفريان، «جريان ها وسازمان هاي مذهبي – سياسي إيران»، صفحة 46.

(4) المصدر السابق ص 748.