الفصل الرابع عشر

من الواجبات الإسلامية المهمة تشاور المسلمين مع بعضهم البعض في سبيل حفظ الدين وتطبيق أحكامه وتحكيم الأخوَّة والاتفاق، وحلّ النزاعات وإزالة الشقاق والاختلاف والقضاء على الحياة الانفرادية المتشتتة، وإنهاء ترجيح المصلحة الخاصّة على المصالح العامة. والتشاور لا يكون في الأحكام ذاتها التي أوحى الله بها لأن التشاور بشأن الأحكام الصريحة الواضحة بعد الوحي معاداةٌ لِـلَّهِ ولرسوله.

قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.. (آل عمران/159)

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (الشورى/38)

إن هذه الأحكام الثمانية التي ذكرناها في الفصول من السادس إلى الرابع عشر تشكل أركان حفظ الإسلام الاجتماعي العام والعلة التامة لهيمنة الإسلام وبقائه وعزة المسلمين وسيادتهم كي يصبحوا في الدنيا أعلى الأمم وينالوا الفوز والفلاح في الآخرة. إن أهلية دخول الجنة لهذه الأمة المرحومة رهينة بالعمل بهذه الأحكام لأنها تشكل الأحكام العامة والكلية الأساسية للإسلام وتتعلق بالاتحاد حولها.

القسم الأول الذي هو الأخوة الإسلامية يمثل أول درجة في سلم ارتقاء المسلمين. وهذه الأخوة لن تتحقق إلا إذا قام مسلمو هذا العصر بتجديد بيعة القرآن المجيد، كما فعل المسلمون في زمن النبي عندما بايعوا رسول الله تحت شجرة الرضوان في الحديبية حيث بايعوه على العمل بأوامره ونواهيه. إن جميع أوامر النبي والقرآن المجيد ونواهيهما طبقاً لضرورة الدين واتفاق المسلمين مدونة في السنة المقدسة فلم توجد كلمة من أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتم تسجيلها وتدوينها، ومضامين القرآن المجيد متطابقة مع عقائد النبي وأخلاقه وأعماله، فالقرآن المجيد محمَّدٌ صامت ومحمَّدٌ قرآن ناطق. وكان العرب يتوافدون إلى المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوا أصحابه وزوجاته الطاهرات عن عقائده وأخلاقه وأعماله فكانوا يجيبونهم جميعاً: اقرؤوا القرآن وافهموه فالقرآن نبيٌّ صامتٌ والنبيُّ قرآنٌ ناطقٌ وجميع أعمال النبيِّ متطابقة مع ما جاء في القرآن.

سؤال: ما هو الدين؟

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. فالدين هو الإسلام وصاحب ديانة الإسلام والصادع الأقدس بها حضرة صاحب الرسالة. فالدين هو الإسلام والإيمان به عبارة عن العقائد والأخلاق والأفعال والأقوال والحركة والسكون واللباس والطعام والسفر والحضر والجهاد الهجومي والدفاعي والاقتصادي والدعوي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الحدود وتحكيم الأخوة الإسلامية بين المسلمين والمساواة في توزيع بيت المال والأخلاق الاجتماعية والجمعة والجماعات والعيدين والصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها. فالدين مفهوم بسيط وحداني يُنتَزع من جميع أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وحركاته وسكناته. والمتدين بدين الإسلام هو الشخص الذي يتَّبِعُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله كي ينال السعادة في الدارين، وأما الذي لم يعمل بأيٍّ من تلك الأعمال فهو عديم الدين وخارج عن الإسلام وكلما ترك العمل بأمر من أمور الإسلام نقص من دينه جزء بهذا المقدار. فإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن ننظر أنه في عهدنا هذا الذي هو محل بحثنا، بأي من هذه الأحكام يعمل المسلمون وبأيها لا يعملون. وهدفنا أن نزن حالة المجتمع لنرى هل أن الأمور الرائجة والمعمول بها حالياً في مجتمع المسلمين تطبيق لجميع الأحكام المذكورة أم لبعضها فقط؟ لقد اتضح أن الدين له معنى بسيط جامع يشتمل على جميع آثار وفضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أقواله وحركاته وسكناته حتى إطلاق اللحية وحلق الشارب وتقليم الأظافر والتطهر واستعمال العطر وغيرها. وهذا المعنى من أوضح معاني الدين أي أنه اتباع سنة صاحب ومؤسس ومقنن الدين، فهذا المفهوم بعد تصوره وتصديقه الكامل مفتاح لباب السعادة وميزان الحق والباطل والفسق والعدالة، ويجب أن توزن أعمال جميع المسلمين بهذا الميزان فكل من طابقت أعماله ذلك الميزان كان مؤمناً وإلا فهو غير مؤمن. إن هذه الموازنة سهلة جداً وميسورة لكل شخص:

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر/7)، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب/21) وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/31) وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (النساء/80).

 إن هذا الدين محمديٌّ والعامل بهذا الدين سيكون في ظل لواء الحمد وتحت ساق منبر الوسيلة ومشمولا بالشفاعة الكبرى أما تارك هذا الدين فإنه في وادي الحرمان والندامة يردِّد قائلاً: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (النبأ/40) و﴿رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ..﴾ (المؤمنون/99-100) فالعامل بهذا الدين صائرٌ إلى جنان النعيم والتارك للعمل مصيره دركات الجحيم.

وأما الصنف الآخر من الناس الذي يعمل ببعض الأحكام ويترك بعضها الآخر كمن يصوم ولا يصلي، أو يدفع الخمس ولا يدفع زكاته، أو يترك شرب الخمر ولا يأكل الربا ولا المال الحرام ولكنه لا يأمر بالمعروف ولا  ينهى عن المنكر فإن لكل عمل جزاؤه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/7-8)، وقال كذلك: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا (الكهف/49)

فالمتدين هو الذي يتَّبع النبيَّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله التي صدرت عنه خلال ثلاثة وعشرين عاماً من فترة رسالته -سما قدره- ويعمل بها ويطبقها في حياته، وبهذا يكون مصداقاً للمسلم ومحباً للقرآن ومتبعاً لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقةً. فإذا صار مصداقاً للمؤمن فلا حرج عليه بعد ذلك أن ينتمي إلى أي مذهب من مذاهب المسلمين المختلفة للوقوف على فروع الدين وجزئياته ودقائقه، ولا يهمُّ اللقب والعنوان الذي يتسمَّى به(87).

بعد تأسيس الأخوة الإسلامية واتباع القرآن الذي هو وجود صامت ونموذج مكتوب عن صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم فإن الدرجة الثانية هي التشاور في سبيل صيانة المجتمع الإسلامي وحفظه. وهذا التشاور يتخذ صوراً مختلفة حسب اختلاف الزمان ومقتضياته. فعلى المسلمين في جميع البلدان والقرى والعشائر أن يتشاوروا كي يحفظوا في هذا القرن والزمان حدود الإسلام وحقوقه ويحموها من هجوم خصوم الدين كي لا يصاب الدين بثلمة ويحفظون أنفسهم أيضاً في ظل صيانة وتداوم أحكام السيادة والتفوق والرفعة على الأمم كي يتخلصوا من حمل أثقال التبعية لخصوم القرآن المجيد. فوا أسفاه على الإسلام وذلاً للمسلمين إذْ تنازلوا عن السيادة وشرف أسمى الأمم في ظل أحكام القرآن وألقوا على أعناقهم نير عبودية غير المسلمين وعبودية أعدائهم.

بعد إرساء الأخوة الإسلامية وبيعة القرآن وتأسيس الشورى الدينية يأتي الدور لمسألة اتفاق واتحاد جميع أتباع القرآن المجيد كي يتفقوا على إقامة الدين وحفظ أحكامه وتطبيقها وعلى حرمة الاختلاف والنزاع والبغضاء وحرمة الإهمال والسكوت حفاظاً على مصالحهم الشخصية [أمام هجوم أعداء الدين عليه أو تبديل الحكام لأحكامه]، فإذا وجدوا خلافاً شرعياً أثناء حفظ الدين سعوا إلى رفعه. وإذا قام شخص بالأمر بالمعروف فيجب على الآخرين أن يعاونوه وإذا سكتوا ولم يعاونوه فقد ارتكبوا كبيرة بل خانوا الله ورسوله والقرآن والدين والشريعة.

إن الأمر في تينك الآيتين(88) اللتين تأمران بإقامة الدين والتمسك به وعدم الاختلاف والتفرق في طريق حفظه وتطبيق أحكامه هو أمر تعبُّديٌّ مَوْلَوِيٌّ، وفي الوقت ذاته هو أمر إرشاديٌّ وعقليٌّ أيضاً(89). فوجوب الاتفاق وحرمة التنازع والاختلاف بالأحكام وجوب تعبُّديٌّ مَوْلَوِيٌّ والحرمة مولويَّةٌ، وأما سيادة المسلمين وصيرورتهم أعلى الأمم وكونهم أسياداً على بلدانهم وثرواتهم الدنيوية للمسلمين فهو وجوب إرشاديٌّ.

إذن تفرق جميع المسلمين وعدم اجتماعهم خيانة للدين ومخالفةٌ لِـلَّهِ ورسوله وسببٌ للذلة والهوان وتسلط الأجانب لأن كل شعب تفرق وتنازع وافتقر واشتغل بمدح نفسه فهو محكوم بعبودية الأجانب وبزوال الشوكة.

 

الهوامش:

(87) هذا موقف منفتح وجرئ للمؤلف – خاصة إذا أخذنا عصره بعين الاعتبار – فهو لا يرى انحصار النجاة في مذهب الإمامية مطلقا بل النجاة تكون لمن يتمسك بأساس الإسلام والدين والمتمثل باتباع القرآن وسنّة النبيّ (ص) فقط، ولا يهم بعد ذلك أيا كانت مدرسته الفقهية في الفروع أو اسمه المذهبي جعفرياً كان أم حنبليا أم شيعيا أم سنّيا أم زيديا أم سلفياً أم غير ذلك.

(88) يقصد الآيتين اللتين أوردهما في الفصل 11، أي: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ و﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.

(89) تقسيم الأوامر في الشريعة إلى أوامر تعبدية مولوية، وأوامر إرشادية، من مصطلحات علم أصول الفقه لدى الإمامية، ويُقصد بالأمر المولوي التعبدي الأمر الذي ينفع قصده في وقوع متعلقه عبادياً، أما الأمر الإرشادي فهو الأمر بشيء بداعي النصح والإرشاد والتنبيه على أفضليته، مع أن الحكم بوجوبه أو استحبابه ثابت بالحس معروف بالعقل. فالأمر المولوي هو أمر الشارع بما هو مولى وسيد والأمر الإرشادي هو أمر الشارع بما هو ناصح ومرشد. وكلا الأمران قد يكونا واجبين أو مستحبين حسب متعلقهما. وللتوضيح أكثر نقول: الفرق بينهما هو أن الأمر الإرشادي ما كان ناشئا عما في متعلقه من المنفعة والمصلحة بحيث لا يترتب على موافقته سوى تلك المنفعة وعلى مخالفته سوى عدم تلك المنفعة، فهو في الحقيقة بيان لحال المتعلق بأن فيه هذه المنفعة لأن تصير باعثة على الفعل بخلاف الأمر المولوي فإنه وإن كان ناشئاً عن المصلحة الكامنة في الفعل بناء على مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، إلا أنه لا يترتب على موافقته ومخالفته سوى المصلحة الكامنة في الفعل والمفسدة الكامنة في الترك التي هي عبارة عن المثوبة والعقوبة، فليس الغرض منه بيان حال المتعلق بأن فيه المصلحة، بل الغرض منه أن يصير باعثاً للمكلف على الفعل لو لم يكن له باعثٌ آخر. (انظر: كتاب «وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول» تقرير أبحاث السيد أبو الحسن الأصفهاني، تأليف الميرزا حسن السيادتي السبزواري المتوفي سنة 1385هـ، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419هـ، ص 599).