الفصل الثاني عشر

قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل/125)

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة/122)

إن أحد النماذج الواضحة والمسلم بها لوجوب التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تبليغُ الجاهلينَ من أبناء الأمة أحكامَ الدين وتبليغُها جميعَ الملل أيضاً، كما كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يدعو المشركين ويدعو أهل الكتاب إلى الإسلام. فالواجب على جميع المسلمين وخاصة على العلماء أن يتأسوا بالنبي في تبليغ الدين. ومن المسلم به أن التبليغ كان واجباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة حياته الكريمة وعلى المسلمين أيضاً، وبقي الأمر كذلك بعد رحيله فلا عذر لأي فرقة من فرق المسلمين في ترك الدعوة والتبليغ. إضافة إلى ذلك فإن الدليل العقلي يحكم بأنه من الواجب على كل عالم يعتبر دينه ومذهبه حقاً ويعتقد بأن دينه سببٌ للنجاة ووسيلةٌ لهداية الناس ورشادهم ويعتقد أن هداية شخص ضال أفضل عند الله مما طلعت عليه الشمس وأن من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً وأن إحياء نفس أفضل من عبادة مئة سنة، من الواجب عليه بحكم العقل والمنطق والفطرة أن يقوم بتبليغ أحكام الدين الحق لهداية البشر، ولو لم يفعل ذلك لكان خائناً لعقيدته، أي أن عدم التبليغ يكشف عن الجهل أو عدم الإيمان الواقعي. إن هذه الأحكام الأربعة: (1) الأمر بالمعروف، (2) اتحاد المسلمين واتفاقهم، (3) وجوب تبليغ أحكام الدين، (4) وجوب الشورى بين المسلمين، مرتبطة ومتشابكة بعضها ببعض، ولا  ينفك أحدها عن الآخر ولكن وا  حسرتاه! لقد تخلى المسلمون عن جميع هذا الأمور الأربعة ونسوها فأصيبوا بذل التبعية للأجانب ولا زالوا في غفلتهم سادرين.