الفصل الحادي عشر

قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران/105)

هذه الآية تدل على وجوب الاجتماع والاتحاد وحرمة التفرق والاختلاف والانفراد وقد شبهت المسلمين الذين يتفرقون ويختلفون في عقائدهم باليهود الذين فقدوا عزتهم وسيادتهم واستقلالهم في بلدانهم بسبب اختلافهم وما وقع بينهم من تفرق وعداوة (رغم أن اليهود أصبحوا اليوم بفضل حسن صناعاتهم واكتسابهم للحرف ونشاطهم وقناعتهم من الأغنياء وأصحاب الثروات الكبرى في الدنيا خلافاً للمسلمين الذين يعمل تجارهم بالسمسرة للأجانب والبقية يعملون بزراعة ناقصة وعمالة وشحاذة وسرقة وليس لديهم إجادة لسبل تحصيل الثروة سواء في داخل بلدانهم أم في خارجها). أجل لقد أوجبت الآية الاجتماع والوفاق وحرَّمت التفرق والاختلاف. إن عامة المسلمين اليوم قد تركوا هذا الواجب الديني باختلافاتهم وتفرُّقهم وارتكبوا ما حرَّم الله وكلهم مشارك في هذا الفسق والمعصية الكبيرة. ولما كانت الدعوة الدينية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة على جميع المسلمين فرداً فرداً فلا يجوز لكل فرد أن يقول: ماذا عساي أن أفعل وحدي، فهذه الكلمة حجة لطلب الراحة والكسل وعذر لمن يريدون أن يبقوا في غفلة سبات السناجب وقد دعونا بلسان الدين مئات الأشخاص وتكلمنا في مئات الاجتماعات الصغيرة عن ضرورة تبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال الجميع: نحن جاهزون لهذا الأمر لكن الآخرين غير مستعدين، في حين أنه لو اجتمع جميع هؤلاء القائلين لحصلت النتيجة التي يريدها الله ورسوله على أيديهم ولكن جميع أعذارهم لا تعدو حججاً لتحميق السامعين.

قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (الشورى/13).

وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (آل عمران/103).

في هاتين الآيتين المباركتين يأمر الله تعالى المسلمين بالاجتماع والتوحُّد والاتفاق وإقامة الدين والاعتصام بحبل الله المتين ويوجب تطبيق الأحكام الاجتماعية العامة للإسلام ويحرّم التفرُّق في الدين. وهذا يعني أن اتفاق المسلمين وعدم اختلافهم حول إقامة الدين واجبان مستقلان لا ارتباط لهما بالواجبات العقلية في العقائد والضروريات وسائر أحكام الإسلام المسلم بها. كما أن الاعتقاد بالتوحيد وبالنبوة وبالمعاد في أصول الدين وأداء الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد في فروع الدين كل منها واجب مستقل بذاته كذلك الاتفاق ووحدة الكلمة واجب مستقل(86). وكما أن الظلم والسرقة والخيانة والكذب والنميمة محرمة فكذلك اختلاف كلمة المسلمين في إقامة الدين محرمة. وبقدر مخالفة هذين الحكمين ينتشر الفسق والمعصية والخيانة بين المسلمين. فاليوم نجد أنه لا يوجد مسلم واحد محرم الغيبة فقد أصبحنا جميعاً ممن تجوز غيبته!

إن العقل الفطري الإيماني السليم يؤيد ما تأمر به هذه الآيات الكريمة، فلا شك أن إقامة أحكام الدين التي تتميز عن عقائد وأحكام الملل الأخرى ونشرها وتبليغها ليس واجب شخص واحد بل هو واجب الجميع، كما أن المحسوس والمشاهد من حكم تاريخ الأديان وطبيعة الشرع يؤيد هذا الأمر أيضاً، فلما كان الإسلام متميِّزاً عن أديان وعقائد البشرية الأخرى فلا يمكن أن يقوم شخص واحد بنشره وتبليغه بل لا بد من اتفاق محبي الإسلام واجتماعهم على هذا الهدف تماماً كما يتم الأمر لدى جميع الأديان وأحزاب الدنيا، فمزايا وفوائد الاتفاق في الأمور العامَّة مثل حفظ الدين والوطن ثابتة عقلاً وحساً، ولما كان الدين خيراً واقعياً فإن الاتفاق على حفظه أمر محبوب عند الله وعند رسوله وباعث للبركة والنعمة في الدنيا، والأمة المتفقة تصل إلى مرتبة أعلى الأمم والأمة المتفرقة المتناحرة تنحدر إلى مرتبة أذل الأمم وأرذل الملل كما أن الوحدة والاتفاق تؤدي لنيل درجات الآخرة العالية والنزاع والتفرق يؤدي لخسران الدنيا والآخرة. والحاصل لا يوجد عاقل ينكر الحسن الذاتي للاتفاق، فالاتفاق إذن يدل على الحكمة والعقل والنزاع والتفرق يدل على السفاهة والجهل.

 

الهوامش:

(86) ما يريد المؤلف قوله هو أن أمر الله تعالى للمسلمين بوحدة الكلمة وعدم التفرق تكليف شرعي قائم بذاته بغض النظر عن كون عقائد هذه الفرقة أو المذهب من المسلمين صحيحة أم فيها بدع وانحرافات، وهو بهذا يأمر قومه من الشيعة أن لا يكونوا من الذين فرقوا دينهم ونابذوا سائر المسلمين العداء بل عليهم أن يحافظوا على وحدة الكلمة والأخوة مع سائر المسلمين لأنها مطلوبة لذاتها ومفروضة من الله تعالى على كل مسلم.