الفصل العاشر

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران/104-105)

المراد من كلمة «الخير» الدين لأن دين الإسلام يتضمن كل خير للبشرية والمراد من «المعروف» الأعمال التي أمر الله ورسوله بها والمراد من «المنكر» كل ما نهى الله ورسوله عنه وكل هذه الأمور خير للإنسان فتبيَّن من هذه الآية أن الدعوة إلى الخير وتبليغ الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ على كل مسلم إما فرض عين أو فرض كفاية وإما وجوباً عقلياً أو وجوباً سمعياً ولكلٍ قائل به والحق أنه يجب عقلا وسمعاً على كل مسلم وعلى كل من يعتقد بحقيقة دين الإسلام وأن تعاليمه خير للبشرية، أن يقوم بواجب الدعوة والتبليغ لها وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي في منهج التوحيد أن هداية الضالين وإرشادهم من الواجبات العقلية. وفلاح المسلمين في الدنيا والآخرة منوط بهذه الدعوة والتبليغ للدين، وكل من يعتقد أن دينه حق وأفضل من سائر الأديان ويعتقد بواجب هداية الناس وإرشادهم تجب عليه الدعوة. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خدمة لله وعبادة له وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الأرْضِ وَخَلِيفَةُ كِتَابِهِ وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ » (83).

فكل من كان عالماً ولم يقم بهذا الواجب لم يكن خليفة الله ولا النبيّ ولا  القرآن. إن الدعوة والتبليغ خدمةٌ للنبي وللدين وللخلق ونشرٌ للمعارف الإلهية وإيجادٌ للرادع الخفي في قلوب العامة الذي يتوفر بفضله أمن الناس، وفوائده الدينية والأخروية والدنيوية أكثر من أن تُحصى. والآيات الكريمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة للغاية، وفي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسٍ بجميع الأنبياء والأولياء واتباعٌ لطريقتهم، وفي تركه تأس بالماديين والدهريين واتباعٌ لهم.

إن الحديث المذكور يدلُّ على أنه لما لم يكن هناك في هذا العصر أمر بمعروف ولا نهي عن منكر فإن الله ورسوله والقرآن لا خليفة لهم اليوم والعصر عصر جاهلية. وهي الجاهلية الثالثة نستجير بالله، وفي الحديث أيضاً: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ ليسلطنَّ الله عليكم جباراً لا يُوَقِّرُ كَبِيرَكُمْ، وَلا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ، ولا يستجيب لخياركم ومهما دعوتم وطلبتم النصرة واستغثتم بالله واستغفرتموه فلن يستجاب لكم»(84). ويروي حذيفة أنه «سيأتي على أمتي يوم تكون فيه جيفة حمار نتنة أحب إليهم من المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»(85) (وهذا هو حال أهل إيران خاصة طهران).

 

الهوامش:

(83) النوري الطبرسي، مستدرك ‏الوسائل ج 12/ ص 179، دون جملة «وخليفة كتابه»، ومن طرق أهل السنة رواه المتقي الهندي في كنز العمال (5564) وعزاه إلى الديلمي عن ثوبان. قلت: وأخرجه نعيم بن حماد (228هـ) في كتاب الفتن / باب معرفة الخلفاء من الملوك، حديث (‏238).‏

(84) لم أجده في أي من المصادر الشيعية بهذا اللفظ، والمشهور ما رواه الكليني في الكافي (ج 5/ص56): «عن أبي الحسن (ع): لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»، وروى الشيخ الطوسي في تهذيب ‏الأحكام (ج6/ص 181): «عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ نُزِعَتْ مِنْهُمُ الْبَرَكَاتُ وَسُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَاصِرٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ». أما من طرق أهل السنة فيوجد لفظ قريب لما ذكره المؤلف وهو ما أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ح (8) «عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فليسومنكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم».

(85) أخرج ابن أبي الدنيا في «العقوبات»/باب أسباب العقوبات وأنواعها، ح (‏76)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، ح (7023‏) بسنده عن مكحول، قال: «لا يأتي على الناس ما يوعدون حتى يكون عالمهم فيهم شراً من جيفة حمار».