الفصل التاسع

من مسؤوليات الحكومة الإسلامية المنتخبة تنفيذ الحدود والقصاص والعقوبات الإسلامية بكل حزم وجد دون رأفةٍ ومن دون مراعاةٍ لنسب أو حسب. ولا يجوز استثناء أحدٍ من حدود الله مهما كان عالياً في رتبته الاجتماعية أو متدنياً لأن القانون حافظٌ للناموس وحقوق الشعب وأجدر احتراماً من الأشخاص. وبالطبع هناك في كل قانون استثناءات يحددها القانون ذاته وليست تابعةً للميل والهوى الشخصي. إن تطبيق الحدود والقصاص والتعزيرات رادع للأشرار والمفسدين وجاذب لقلوب عامة الشعب نحو محور القانون لأن المساواة في الجزاء والعقاب تعطي الأمل للجميع وينتج عنها قهراً اتحاد القلوب، في حين أن التمييز في تطبيق الحدود بتطبيقها على الضعفاء والمساكين الذين لا ظهر لهم واستثناء أقرباء الحاكم ومعارفه وأصدقائه وسائر المترفين والمبذرين وحاشيته من المستبدين يؤدي إلى بذر بذور الكراهية والبغضاء بين الناس. وحتى لو فرضنا أن هناك قانوناً غير شرعي وحكماً ظالماً فمن المفيد والجيد أن يتم تنفيذه بشكل متساوٍ ودون تمييز لأن الظلم بالسوية عدلٌ كما أن الحكم الشرعي إذا طبق بتمييز وتفاوت كان ظلماً.

بعد استشهاد عليٍّ ومنذ زمن حكم معاوية وحتى اليوم لم يتم تنفيذ أي حدٍ على مقرَّبي حكّام المسلمين وأقربائهم وأرحامهم فكلهم اتَّبع سنَّة معاوية في عدم تطبيق الحدود الإلهية ولا شكَّ أن إثم تعطيل الحدود يقع على عاتق خال المؤمنين سواءً تذكر علماء العلماء التالون وكتبوا أو لم يكتبوا: «مَنْ سَنَّ فِى الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فله وِزْرها ووزر مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يوم القيامة » (82)

 اتضح إذن في الفصلين الثامن والتاسع أنه لم يتم تقسيم بيت المال بالسوية ولا تطبيق الحدود والقصاص على جميع الرعية التابعة للحكومة الإسلامية منذ زمن معاوية وحتى اليوم في أي سلطنة أو خلافة، أمويةً كانت أم عباسيةً أم غيرها. ولكن رغم ذلك قام العلماء الأعلام في بلاط الملوك والسلاطين بمدح الخلفاء والملوك إذا كانوا ينتمون إلى نفس مذهبهم وبالغوا في مدحهم حتى رفعوهم إلى أعلى المدارج واتخذوا أمر الله وكتابه ونبيه ظهرياً ولم يهتموا إلا بالتوافق المذهبي بينهم وبين الحاكم حتى اعتبروا جبابرة كل زمن أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، أي أن كل من تغلب على الحكم من خلال سفك الدماء ونهب الأموال وهتك الأعراض طار إليه الإجماع فوراً من المدينة الطيبة ووصل إليه بسرعةٍ سواءً كان في سمرقند أو بخارى أو الهند أو الشام وتعلق به وقال أيها الجبار الظالم أنا الإجماع جئتك وجعلتك من أولي الأمر القرآنيين فاطمأن بالا وقرّ عيناً.

 

الهوامش:

(82) النوري الطبرسي، مستدرك ‏الوسائل ج 12/ ص 229، ومن أهل السنة أخرجه بلفظ قريب من اللفظ المذكور: مسلم في صحيحه (1017) وابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده (4/361) وغيرهم.