الفصل السابع

من الأمور التي كان العمل عليها في الأربعين سنة الأولى من الإسلام ثم تُركت تدريجياً بعد استشهاد علي بن أبي طالب (ع) وتأسيس البلاط الأموي والعباسي والتركستاني... الأخوة والمساواة والمواساة الإسلامية التي قال عنها الله ﴿إنما المؤمنون إخوة وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...﴾ (آل عمران/103)، فكل من أسلم وآمن صار تلقائياً أخاً مساوياً لكل مؤمن، أي أنه من بركات الكلمة الطيبة، كلمة الشهادتين، أنها تزيل الشؤون والألقاب الشخصية وتجعل صفة الإيمان حاكمة على سائر الجوانب الشخصية ويصبح جميع المؤمنين إخوة يتمتعون بأخوة شرفية وأخلاقية وتوحيدية. عندما يلتقي المسلمان لا بد أن يتسابقا إلى إلقاء التحية تحية السلام فيقولا «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وليس في هذا الأمر كبيرٌ وصغيرٌ وامرأةٌ ورجلٌ فقد كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يسابق الجميع بإلقاء السلام وكان علي بن أبي طالب (ع) يلقي السلام أيام خلافته على الرجال المسنِّين والنساء العجائز، أما العادة الرائجة الآن بأن يلقي الأدنون السلام على الأعلين، فهي من بدع القرون التالية. إن هذه التحية الإسلامية والإيمانية والعقلية والتشريفية والافتخارية هي طريقة الإنسانية والآدمية والناطقية لا غير، أما التحيات الأخرى المعتادة بين بني البشر: فأحدها: تعظيم الأدنين والرعية للأعلين وللسادة للمترفين والمبذرين والجبابرة والظلام السفاكين والهاتكين لمن تحت أيديهم، هذه التحية الطاغوتية والصنمية والوثنية والتي تعتبر مثالا واضحاً لعبادة الطواغيت والأصنام تواصلت بعد هلاك هؤلاء الجبابرة حيث تمَّ صنع تماثيل لهم من الخشب والحجر والمعادن وتمَّ تعظيمها. فعلة عبادة الجمادات وهياكل الأجسام والأصنام عديمة الروح ليست سوى عبادة الجبابرة أثناء حياتهم، وكذلك وضع اليد على الصدر والوقوف باستقامة أمام الجبابرة وهياكل الطواغيت. وثانيها [أي التحيات الأخرى المعتادة بين بني البشر]: رفع اليد ورفع القبَّعة عن الرأس تعظيماً للداخل، فهذه التحية حيوانية صرفة. إن فلسفة الأخلاق والآداب البشرية وروح المنطق التي تعرِّف الإنسان بأنه حيوان ناطق تعتبر التحيات من القسم الثاني والثالث من لوازم الناحية الطبيعية أو الحيوانية في الإنسان (التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات)، والتحية الإسلامية من لوازم ناحية الناطقية الإنسانية التي تميز الإنسان عن الحيوانات الحية. قال الله تبارك وتعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (يونس/10)

أي أن تحية الملائكة للمؤمنين هي «السلام عليكم». إذا كانت تحية الوثنين وعبَّاد الجبت والطاغوت هي التحيات الحيوانية التي ليس فيها جانب روحي فهذا ليس بالأمر العجيب ولكن التعجب من المسلمين الذين يمتلكون بنص القرآن هذه التحية الإسلامية الحسنة واللطيفة فيتركونها إلى تحية أهالي الغابات والحيوانات الحية. في الحقيقة إن هذا نوعٌ من المعاداة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللقرآن والإسلام. ثم بعد ذلك يأملون بالشفاعة من الله ورسوله في الدنيا والآخرة، إن هذا لأمر عجيب!!

إن تقسيم بيت المال بين موظفي الدولة الإسلامية ينبغي أن يكون طبقاً للعدل والمساواة، أما غنائم الجهاد فحكمها أن يُصرف خمسها لأمور الخلافة وتُقسم أربعة أخماسها بين مجاهدي الإسلام على أساس أن يكون للراجل سهمٌ وللفارس سهمان أياً كان، ولا امتياز في ذلك بين أمير الجيش والقواد الشجعان الفاتحين أو المقاتلين الضعفاء. وأما الخمس الذي هو من نصيب مقام الخلافة فينبغي أن يُقسّم على حاشية الخليفة والعاملين في عاصمة المملكة الإسلامية بالمساواة، وكذلك الزكاة التي وجبت في السنة الثانية للهجرة حيث كان أمين الصدقات يقوم بجمعها منذ السنة الثالثة للهجرة وكانت تقسم على المحتاجين بالسوية. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يقوم بتقسيم خمس الغنائم والزكاة بين نفسه وبين من يقومون على رعاية إبله وسار الخلفاء من بعد على هذا النهج، إلا أن عثمان في السنوات الستة الأخيرة من خلافته وبتحريض من مروان بن الحكم تصرف بعض التصرفات الزائدة في أموال المغانم وكان نتيجة ذلك أن وقع الخلاف بين المسلمين لأن الإسلام دينٌ سياسيٌّ واجتماعيٌّ وقانونيٌّ ورئاسةٌ عامَّةٌ. ولا شك أن هناك مصارف اجتماعية أخرى تتعلق في تأسيس الرئاسة العامة ورتق الأمور وفتقها وكلها تقع على عاتق بيت المال مثل بناء المساجد والسدود والجسور وتعبيد الطرق وتأمينها وشراء الأسلحة وكل ما يلزم من شراء المراكب كالخيل والجمال والبغال ودفع أجور رعاتها وشراء السفن ودفع أجور ملاحيها وتأسيس المدن (كالبصرة والكوفة وغيرها) فكل ما يلزم لإدارة البلاد يقع على عاتق بيت المال بما في ذلك خمس الغنائم أو أموال الزكاة أو مال الجزية أو الضرائب التي تؤخذ من أهل الكتاب التابعين لدولة الإسلام. ففي خلافة أبي بكر مثلا كان مضيف الخلافة يصرف كل يوم رأساً من الغنم وديناراً من الذهب وفي خلافة عمر صارت مصاريف دار الضيافة رأسين من الغنم ودينارين تؤخذ من بيت المال، وفي الفترة الأخيرة من خلافة عثمان لم يعد هناك نظم لهذا الصرف وكان يُصرف لدار ضيافة أمير المؤمنين على نحو مستقل وكان مقدار الصرف مساوياً تقريباً لمقدار مصاريف دار ضيافة الخليفة الثاني، وبمثل ذلك يتم إعطاء أجرة عامل الصدقات والساعي فيها ورواتب أمناء بيت المال ومسؤول الخزانة العامة والموظفين والولاة والمعلمين والعمال والوافدين والواردين من عشائر الأقوام والبلاد الأخرى الذين يأتون إلى عاصمة دولة الخلافة فكل هؤلاء كان يُصرف لهم من بيت المال وهذا من اللوازم الطبيعية لكل تشكيلات حكومية ورئاسية بما في ذلك الحكومة الإسلامية وهي مصارف تختلف حسب الزمان وحسب اختلاف الصناعات وتتغير يومياً وتزيد وتنقص.

لكن أساس الإسلام هو التسوية بين المسلمين في المصارف والرواتب والأجور وأن يُعطى كل ذي حق حقه فللفارس سهمان وللراجل سهم دون تمييز بين الناس لأن هذه العطية هي من مال المسلمين العام وبيت مال المسلمين فيجب أن يكون موظفو الحكومة الإسلامية متساويين من حيث اللباس والطعام. إن حكم الله والعقل والشرع ومنطق الإنسانية وفلسفة الأخلاق والعدالة ووحدة نوع البشر والإنصاف تقضي أن تكون هناك مساواة في الطعام واللباس بين مستخدمي الحكومة فعلى رئيس الحكومة مثل ذات صاحب الرسالة الأقدس وخلفائه أن يساووا بين أنفسهم وبين أدنى الناس (أي أضعفهم وأفقرهم) في اللباس والطعام، فإذا اتّبع الحاكم الإسلامي ورئيس المسلمين هذا السلوك كانت أوامره ونواهيه الإسلامية مُطاعة ومُتَّبَعة وإلا كان من الواجبات الدينية الحتمية على مجتمع المسلمين أن يأخذوا على يديه ويعزلوه لأنه لا يجوز لمحبي القرآن وأتباعه أن يكونوا أتباعاً للجبابرة كي لا  يعملون بهم بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله.

أما تفضيل جماعةٍ على جماعة في اللباس والطعام فهو من الأخلاق السبعية ومن أخلاق أكلة الجيف من سباع البهائم حيث يقع أقوياء السباع على الجيفة ويختصون أنفسهم بها كلها ولا يتركون شيئاً لضعفاء جنسهم فهذه الأخلاق السبعية هي بذاتها الحكم الاستبدادي والجبار المحض.

لو سأل أحدهم حضرة جناب الشيطان (!!) أي ذلك الشر المحض والضال والمضل (الذي يُسمى في التوراة مار وفي الإنجيل بعلزبول وفي الزند وأفستا ديف وأهريمن، وفي الفرنسية ديابل، وفي القرآن يُقال له الشيطان): أيها السيد الشيطان هل يجب أن يُعطى مستخدمو دائرة من دوائر الدولة من مال الشعب العام أي بيت المال لأجل لباسهم وطعامهم بشكل متساوٍ أم بشكل متفاوتٍ زيادة ونقصاناً؟ فيلبس أهالي الطبقات الدنيا الكادحين الخيش والمسح الخشنة ويأكلوا الخبز الحاف أو الحساء الذي ليس فيه لحم ولا سمن في حين يلبس الأعلون الحرير والديباج ويأكلوا لذائذ الطعام من اللحم المشوي والطعام ذي الإدام الدسم وغيره؟ قطعاً إن حضرة الشيطان الأجل (!!) نفسه سيجيب على هذا السؤال بالنفي وسوف يقول إن مال الشعب العام يجب أن يُعطى لمستخدمي الشعب بشكل متساوٍ بحكم اتحادهم في النوع، إن الحكم بالتفاوت في الإعطاء ليس مني ولا من رئيس الشياطين ولا  من جنود الخناسين بل منشؤه السبعية والبهيمية وأعمال حيوانات الغاب المتوحشة، منذ زمن آدم الذي لم أسجد له وأصبحت مطروداً من قبل الحضرة الإلهية وحتى الآن لم يصدر عني ولا عن جنودي إضلال بهذا القبح ولن يصدر حتى يوم القيامة مثل هذا الإضلال، إن الشيطان يشتكي ويقول أنا تمردت مرة واحدة على أمر الله ولم أسجد لآدم والناس يلعنوني من عهد آدم وحتى اليوم مع أنني لا أضل إلا الأفراد ولا أضل الجنس البشري كجنس. أما أولئك الأشخاص الذين يقومون بظلم عمومي لجنس البشر وإضلالٍ نوعي لهم فإن الناس تقوم بتعظيمهم وتكرمهم وتُرْسل إليهم بالتحية؟ إن مثلي ومثل رؤساء بلاط القصور مثل خروف وعنزة والقفز فوق النهر حيث ضحكت العنزة من الخروف وقالت له عندما تقفز فوق النهر يظهر مخرجك وأسفلك فقال الخروف للعنزة إن مخرجك وأسفلك ظاهران دائماً، أنتم تلومونني على تمردٍ قمت به مرة واحدة وتلعنونني ولكنكم تطأطئون رؤوسكم تعظيماً للطغاة دائماً!

أما بالنسبة إلى واجب رئيس الإسلام في تقسيم بيت المال: فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوي في قسمة الأموال بين نفسه وبين رعاة إبله، ويسوِّي بين زوجاته وبناته الطاهرات وبين نساء المهاجرين والأنصار، ويُسَوّي بين الحسنين وبين أطفال المهاجرين والأنصار. واستمر الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وعمر وخلافة علي حتى أن علياً أحمى حديدة لأخيه عقيل ومسه بها لما جاء يطلب منه بضعة دراهم زيادة عن حصته من بيت المال، ولما وجد أن ابنته استعارت من أمين بيت المال «ابن رافع» عقداً كعارية مضمونة غضب عليها وزجرها، وقام أحد أطفال عمر بأخذ درهمٍ من بيت المال أثناء تقسيم عمر له ووضعه في فمه وهرب، فلحقه عمر ووضع إصبعه في فم طفله واستخرج الدرهم وأعاده إلى بيت المال، ولم يُوَرِّث النبيُّ ولا أبو بكر ولا  عُمَرُ ولا عليٌّ أيَّ مال من بيت المال لأن بيت المال ملك للمسلمين، وليس ملكاً شخصياً للخليفة حتى يرث أبناؤه منه. ولكن منذ زمن معاوية وحتى اليوم لم يتأسَ أحدٌ باستثناء عمر بن عبد العزيز من ملوك عواصم الإسلام بالنبيِّ وأبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ في تقسيم بيت المال بل بنوا جميعاً قصورهم العالية وزخارفهم الفاخرة من دم وعرق الشعب، فما كانوا في تقسيم المال من أمة النبي ولا من شيعة علي ولا عمر بل عملوا بالمادية والكسروية والقيصرية لا بالإسلام.

 كانت الضرائب والأموال التي تُجبى إلى بيت المال منذ أوائل الهجرة المقدسة وحتى شهادة علي: أولا: الزكاة وسائر الصدقات، وثانياً: غنائم دار الحرب وثالثاً: الخراج والفيء والجزية وهذا بشرط وجود شروط الذمة حيث كان الفاتحون أو الحكام يعقدون عقد الذمة مع أهل الكتاب سواءً أكانت الأراضي مفتوحةً عنوةً أم صلحاً. وكل هذه الموارد الثلاثة يجب أن تُقسم بين المسلمين بالسوية، لأنها جمعت بحكم الإسلام فيجب أن تقسم بالسوية بحكم الإسلام.

إن معاش ومصاريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ طفولته وحتى زمن بعثته ومنذ بعثته وحتى هجرته لم تكن من مال المسلمين العام، بل كان أعمامه وبنو أعمامه يصرفون عليه [لما كان صغيراً] ثم كان يعيش من كسب يده أو من مال خديجة من هدايا أصحابه حتى بداية الهجرة المقدسة وهذا مما لا يختلف عليه أحد. ولكن البحث منذ بداية وصول الصدقات والغنائم بعد الهجرة: فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقسم تلك الأموال الشرعية طيلة مقامه في المدينة بالسوية فيساوي بين عطائه وبين عطاء رعاة إبله ويساوي بين عطاء زوجاته وبناته الطيبات وبين عطاء نساء المهاجرين والأنصار، ولذلك لما زاد الخليفة الثاني قبل إنشاء الديوان وبعده سهم أمهات المؤمنين الزوجات الطاهرات من عطاء بيت المال وفضَّلَهم على نساء المهاجرين والأنصار أرسل أمهات المؤمنين إليه من يقول له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفضلنا بالعطاء على نساء المهاجرين والأنصار فعملك هذا خلافٌ لسنة النبيّ.

إن تقسيم بيت المال بين أفراد الحكومة الإسلامية أحد الأحكام الإسلامية المتقنة وركنٌ وثيقٌ وأساس في دين الإسلام وبرهانٌ ساطع على أن رئيس المسلمين يجب أن يتأسى بصادع الإسلام الأقدس وأن يتصرف بأموال الضرائب والفيء طبقاً لحكم الدين وهذا العمل يدل على صدق الحاكم في إسلامه والتخلف عن هذا الحكم الأساسي دليل على ضعف العقيدة الإسلامية للرئيس وحاشيته.

كما أن صرف بيت المال في غير جهاته المحددة إن لم يكن دليلا على الكفر فهو دليل على الفسق والبهيمية والسبعية لمرتكب مثل هذا الأمر والرئيس وحاشيته وحماته الذين يقومون بمثل ذلك. إن دفتر القضاء التشريعي للإسلام مختوم بخاتم الأخوة والمساواة في صرف بيت المال بين أهل الإسلام وتنفيذ هذا الأمر حتمي ولازم، ولكن بعد رحيل صاحب الرسالة تطاولت أيدي المنغمرين في الشهوات الحيوانية على بيت المال ولا بد كف أيديهم عنهم. من البديهي أن التفضيل والتمييز في العطاء مغاير للتأسي بالنبي ويتنافى مع الطاعة الدينية والانقياد لأمر الله. كما أن الرسول الأكرم لم يكنز مالا ويدخره من بيت المال وهذا أمرٌ يتفق عليه جميع المسلمين وهو يدل على حرمة الادخار من بيت المال أو على الأقل أن ذلك كان جائزاً ومُباحاً وقد ترك النبي هذا المباح لما هو أفضل منه. ولكن التأمل في كيفية جعل الزكاة وأخذها يبين حرمة الادخار والكنز لمال بيت المال لأن أنواع الناس الذين يعطون الزكاة والأموال الشرعية إنما يفعلون ذلك لأجل معيشة المحتاجين والمجاهدين وغيرهم، فلو أباح الشرع أن يتم ادخار أموال الناس وكنزها لكان أخذ الزكاة لغواً وباطلا.

كما أننا نستنبط من زهد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وقناعته وتقشفه - حتى أنه كان أحياناً يمر عليه شهران ولا يُطبخ في بيته طعام - حرمَةَ الإسراف والتبذير في الإنفاق من بيت المال فضلا عن ادِّخاره وكنزه.

ولقد تأسَّى الخلفاء [الراشدون] بالنبيِّ في مساواته في توزيع العطاء وفي عدم الكنز وفي عدم توريث بيت المال وقد اجتنب كثيرٌ من العلماء والزهَّاد والعبَّاد في القرون الماضية أخذ أي سهم من بيت المال، وقد َأَحْمَى عليٌّ لأخيه عقيل حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَاهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا [لما كرَّر مطالبته بزيادة من العطاء من بيت المال عن حصة الآخرين](78)، ورأى عليٌّ على ابنته عقدَ لؤلؤٍ فقال لها: مِنْ أَيْنَ صَارَ إِلَيْكِ هَذَا الْعِقْدُ؟ فَقَالَتْ: اسْتَعَرْتُهُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ خَازِنِ بَيْتِ مَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لأتَزَيَّنَ بِهِ فِي أيام الْعِيدِ الثلاثة ثُمَّ أَرُدُّهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وقَالَ له: أَتَخُونُ الْمُسْلِمِينَ يَا ابْنَ أَبِي رَافِعٍ؟! كَيْفَ أَعَرْتَ بِنْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِقْدَ الَّذِي فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِي وَرِضَاهُمْ؟؟ فقال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهَا ابْنَتُكَ وَسَأَلَتْنِي أَنْ أُعِيرَهَا إِيَّاهُ تَتَزَيَّنُ‏ بِهِ فَأَعَرْتُهَا إِيَّاهُ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً مَرْدُودَةً فَضَمِنْتُهُ فِي مَالِي وَعَلَيَّ أَنْ أَرُدَّهُ سَلِيماً إِلَى مَوْضِعِهِ، قَالَ فَرُدَّهُ مِنْ يَوْمِكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا فَتَنَالَكَ عُقُوبَتِي، ثُمَّ قَالَ: أَوْلَى لابْنَتِي لَوْ كَانَتْ أَخَذَتِ الْعِقْدَ عَلَى غَيْرِ عَارِيَةٍ مَضْمُونَةٍ مَرْدُودَةٍ لَكَانَتْ إِذَنْ أَوَّلَ هَاشِمِيَّةٍ قُطِعَتْ يَدُهَا فِي سَرِقَةٍ(79). وقام شخص بسرقة شراك نعلٍ (رباط الحذاء) أو كُبة غزلٍ (كرة من خيط الغزل) من غنائم حنين وهوازن قبل أن يقوم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بتقسيمها فلما سمع سيد الأنبياء بهذا توعد فاعله بالنار حتى جاء وأعاد كبة الغزل وشراك النعل إلى بيت المال. كان أخذ أي شيءٍ من مال الغنائم والتصرف به قبل تقسيمه على المسلمين - ويسمى الغلول - محرماً بشدة زمن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى المجاهدين الذين كانوا يستحقون أربعة أخماس الغنائم كان يُحرّم عليهم أن يأخذوا ولو خيطاً منها قبل أن تقسم. وقد استمر الأمر على هذا النحو بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي أيام خلافة الشيخين ومدَّةَ خلافة عليٍّ إلا أنه في عهد عثمان وبسبب تدخل مروان بن الحكم في أمور المسلمين أنثلم هذا الحكم المقدس وشرع الولاة من بني أمية بالتصرف ببيت المال تصرفَ المالك بماله، ولقد كان بنو أمية في ذلك العهد يتصرفون في تقسيم بيت المال طبقاً لدين مزدك فكانوا يعتبرون بيت مال المسلمين مُباحاً وحلالا لهم وحراماً على غيرهم وفي زمن عثمان كان لا يزال هناك تمسكٌ بنزاهة التصرف في بيت المال ولكن في السنوات الست الأخيرة من حكمه وفي بداية ملك معاوية راج نهج المزدكية في عواصم المملكة الإسلامية في التصرف في بيت المال وانتهى تحريم التصرف الشخصي فيه وحل محله استحلال التصرف فيه وتواصل هذا النهج إلى اليوم ولم ينكر ذلك مفسرو الإسلام وبعضهم سكت ولزم الصمت أخذاً برخصة التقية.

حسب اطلاع راقم هذه السطور، فإن المسلمين في الدنيا ثلاثة أصناف: الصنف الأول المحمديون وأتباع القرآن، والصنف الثاني أتباع الصديق والفاروق وهم أهل السنة وهم أكثرية المسلمين، والصنف الثالث العلويون الشيعة. ولم يتبع [حُكَّام] أيٍّ من هؤلاء الفرق نبيَّهم ومقتداهم في موضوع التصرُّفات في بيت المال بل اتبعوا جميعاً طريقة معاوية وبني أمية، وهذا دليل قاطع بل دليل حسي وعياني مشهود بأنه منذ زمن معاوية فإن جميع الحكومات والرئاسات كانت حكومات ظالمة ورئاسات متجبرة ونكرر ذكر الحديث الشريف التالي دليلا على ما نقول: «الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سنةً ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَه يكونُ مُلْكاً عضوضاً » (80).

طبقاً لهذا الحديث الشريف جميع حكومات أمة الإسلام ملكٌ عضوض وليس أيٌ منها حكومة قرآنيةً مجاهدةً، لأنهم لم يعملوا بأحكام الإسلام وقواعده في الجهاد الإسلامي وفي تقسيم بيت المال فجميعهم ليسوا مصداقاً لأولي الأمر، وطاعتهم ليس عليها لها دليل مجوزٌ شرعي وعقلي وانقياد المسلمين لهم مستندٌ إلى الجهل والنفاق والطمع الدنيوي وإلا فإن اتباع الجبارين حرامٌ بحكم العقل وبتصريح القرآن المجيد.

نعم لقد كان أكثر أولئك الحكام الجبابرة بل جميعهم مسلمين وقاموا بفتوحات كبيرة وأتوا بغنائم من الكفار إلى بلاد المسلمين وأسلم أهالي الممالك المفتوحة تدريجياً ولا شك أن في هذا ثواب وأجر وهو أمرٌ مطلوب للشارع ولكن هذا لا يعطي لفتوحاتهم عنوان الجهاد الإسلامي، وإسلام الكفار كان نتيجةً قهريةً لما فعله الحكام، ولو كان للأفعال القهرية غير الاختيارية ثوابٌ في الآخرة لكانوا مثابين على إسلام هؤلاء ويدخلون الجنة بسبب ذلك لأن الحق في مسألة اجتماع الأمر والنهي وامتناعه هو جواز الاجتماع(81)، ثم يُسَجَّلُ لكل من الأمرين ثوابه وإثمه ويوزنان [فيرجح الأثقل وزناً]. ثم إن مسألة الثواب والعقاب الأخروي وهل الإنسان من أهل الجنة والنار أمرٌ ومسألة أولي الأمر واستحقاقهم للطاعة أمر آخر، وبحثنا هو في الأمر الثاني لا الأول. وبناءً على ذلك لا محل للبحث في حليّة جوائز السلطان وهل يجوز أخذها أو عدم أخذها لأنه إذا أعطى الجوائز من بيت المال فهي محرمةٌ قطعاً لأنه من المسلَّم به أن التصرف في بيت المال بغير إذن الشرع حرام. وإذا كان التصرف في ملك الإنسان الحلال فهو حلال قطعاً، وفي حالة الاشتباه بين الأمرين يتعين اجتناب التصرف لأن دفع المضرَّة مقدَّمٌ بحكم العقل على جلب المنفعة والحرمة أحوط وأقوى.

 

الهوامش:

(78) نهج البلاغة، ص 346-347، وفيه أن علياً (ع) قال لأخيه: «ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟؟ أتَئِنُّ مِنَ الأذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظَى؟؟».

(79) الشيخ الطوسي، تهذيب ‏الأحكام ج 10 / ص 152، باختصار.

(80) تقدم تخريجه في ص 36 من هذا الكتاب فراجعه.

(81) جواز اجتماع الأمر والنهي في عمل واحد هو من المسائل التي تبحث في علم أصول الفقه، حيث ذهب الجمهور إلى جواز ذلك فِي العمل الْوَاحِدِ ذِي الْجِهَتَيْنِ كَالصَّلاةِ فِي الأرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَتَجِبُ لِكَوْنِهَا صَلاةً وَتَحْرُمُ لِكَوْنِهَا غَصْبًا فيكون الفاعل مُطِيعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِعْلَهُ صَلاةٌ عَاصِيًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَصْبٌ، وخالف في ذلك الإمام أحمدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْجُبَّائِيُّ فقالوا لا يجتمع الأمر والنهي في عمل واحد فلا تصح الصلاة في المثال المذكور ولا تجزئ.