الفصل السادس

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (الفتح/29)

بيّنت هذه الآية أيضاً الصفة المميزة للإيمان عن الكفر وخاصية الإيمان التي تُعَدُّ من لوازمه التي لا تنفك عنه: وهي أن المؤمن والمصدِّق بالتوحيد والنبوَّة الخاتمة ويوم القيامة، يجب أن يكون شديداً على الكفار يسلك معهم سلوك الاستعلاء بالإيمان فإن لم يكن كذلك فعلى الأقل يسلك معهم سلوك الندّ للندّ لا سلوك التملّق والمداهنة والخدمة والتبعيّة والرعيّة والعبوديّة. ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ (المائدة/54). ولكن العادة المشؤومة لبعض مسلمي عصرنا هي على عكس [ما وصفه] القرآن المجيد تماماً فهم أسودٌ سباعٌ متكبرون على المسلمين الذين تحت أيديهم ومتملِّقون ومتذلِّلون ومصادقون بكلِّ مسكنةٍ ولينٍٍٍ للكفار لاسيما المترفين منهم والفاسدين. إن هذه الآية دستور بقاء سيادة المسلمين وجلالهم وعزتهم إذ تأمر مجتمع المسلمين أن يسلكوا مع أعدائهم سلوك الرجال الشجعان الأعزاء ذوي الجرأة والرجولة كي لا يتسلَّطوا علينا ويمدُّوا أيديهم إلى دين المسلمين وأوطانهم وثرواتهم. كلنا يعلم أن التنافس والتسابق بين ملل العالم ودولهم جعل الأرض مثل رقعة شطرنج وقمار فكل دولة عظمى من أولئك تسعى لإرعاب الدول الضعيفة وإدخالها ضمن رعاياها، فعلى المسلمين أن يتعاملوا مع خصومهم تعامل الندّ للندّ كي لا  يتخلّفوا في حبّ الدين والوطن عن دول العالم وأممه، أما لو سلكوا مع خصومهم بالمداهنة والتملُّق والمسكنة والحاجة فسيكونون أُكْلَةً ولُقْمَةً سائغةً لهم كما نجد اليوم أن أكثر بلدان المسلمين أصبحت نهبةً للأجانب وطعمةً لها وفقدت استقلالها وشخصيتها.

أما سلوك أمم المسلمين تجاه شعوبهم والتي كان ينبغي أن تكون مبنية على الأخوة والعطف والرحمة وأن يرحمَ الأغنياءُ الفقراءَ والأقوياءُ الضعفاءَ والأصحاءُ المرضى ويهتمُّوا لأحوالهم كي يجتذبوا قلوب عامة الناس ويؤمِّنوا الاتفاق والوحدة الداخلية، ويحفظوا في ظل الوحدة الوطنية سيادتهم واستقلالهم، فهو – في بلاد المسلمين خاصةً وبلاد الشرق عامة – عكس ذلك تماماً، فقد عملوا عكس ما تأمر به هذه الآية.