الفصل الخامس

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (النساء/60-61).

ذكروا في شأن نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف(76). وإنما كان اليهودي يريد التحاكم إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أولا: لأنه يعلم أنه لا يقبل الرشوة فقد حرَّمها أشد التحريم. وثانياً: لأن النبيَّ لا يجور في حكمه، فالقضاء النبوي العادل لا يختص بالمسلمين بل يشمل جميع الناس سواءً كانوا مسلمين أم يهوداً أم نصارى أم مشركين، في حين كان العربي المنافق يميل إلى التحاكم إلى كعب بن أشرف اليهودي لأنه يعلم أنه يقبل الرشوة...

تنبيهات:

أولا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية وإن كانت قد نزلت بشأن شخصين فإن حكمها عامٌ ولا يختص بذلك المورد بل يشمل كل متخاصمين يريد أحدهما أن يرجع إلى الله ورسوله ويريد الآخر أن يرجع إلى غير الله ورسوله.

ثانياً: لا يختص الطاغوت والشيطان والمنافق بوقت نزول الآية بل مصاديق هؤلاء الثلاثة موجودون في الدنيا دائماً، ففي زماننا أيضاً يوجد الطواغيت والشياطين والمنافقون ويجب أن نميّزهم بقوة الإيمان وبفهم القرآن.

ثالثاً: الطاغوت مبالغةٌ من الطغيان وهو كلُّ مَنْ كَانَ يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه سَوَاء كَانَ صَنَمًا أَوْ شَيْطَانًا جِنِّيًّا أَوْ آدَمِيًّا وهذا الطاغوت يُعبَّر عنه أحياناً بعبارة «رجسٌ من عمل الشيطان» ويُعبَّر عنه أحياناً أخرى بالشيطان وأحياناً بالصنم والوثن، والمُراد من الجبت والطاغوت والصنم والوثن كلُّ حاكم يحكم بغير الحق ويتحاكم الناس إليه. والمثال الواضح والمصداق المسلّم به للطاغوت: القوانين المُخالفة لشرع الله، فالتحاكم إلى هذه القوانين هو في الواقع وثنية واتباع للطاغوت والمراد من «الضلال البعيد» اتباع أحكام الطاغوت والشيطان، والمراد من الهداية اتباع أحكام الأنبياء التي أنزلها الله عليهم، والمراد من المنافق، الذي هو أسوء من الكافر، رجال السياسة والدبلوماسية الذين يتبعون قانوناً غير شرع الله والحاكم الذي يحكم بين الناس بغير ما أنزل الله. وطبقاً لهذه الآية الكريمة فإن من يشرّع القانون المضاد لحكم الله عابد صنم ومن يتبع هذا القانون عابدُ صنمٍ أيضاً. فواضع مثل هذه القوانين ومنفذها ومطيعها كلهم عبدة طاغوت وهم الذين لعنهم جميع الأنبياء، كما أن المجتمع والشعب الذي يرضى بالقانون غير الإلهي ويتبعه هو مجتمع وثني وعابد للشيطان. ولا شك أن دعاء مثل هذا المجتمع الوثني لن يكون مستجاباً وأن الفيوضات الملكوتية ستُقطع عن مثل هذا المجتمع. ويجب على العلماء أن يُفهِمُوا عامة الناس هذه الآيات.

رابعاً: الآية صريحةٌ في بيان التناقض الواضح بين عقيدتين إحداهما الإيمان والإذعان إلى ما أُنزل على النبي والأنبياء، والثاني الرجوع إلى غيرهم والتحاكم إلى الطاغوت، لأن العمل الأول مأمورٌ به والعمل الثاني منهيٌ عنه، وبين المأمور به والمنهي عنه تناقضٌ واضح. إضافةً إلى ذلك اعتبرت الآية الرجوع إلى غير ما أنزل الله من فعل الشيطان فادعاء الإذعان لِـلَّهِ والرسول يتناقض ويتنافى مع التحاكم إلى الطاغوت فادعاء فاعل ذلك للإيمان ادعاءٌ كاذب. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (البقرة/256)

خامساً: الشيطان مقابلٌ (ندٌّ) للرحمن أي أن الباطل مقابلٌ للحق. أحد الأمثلة البارزة والمسلّم بها للشيطان هي إبليس الذي رفض السجود لآدم، ولكن الأمثلة والأفراد الآخرين للشيطان موجودون إلى ما شاء الله فكل نفسٍ إنسانيةٍ لها شيطانها، قال رسول الله: «لكل نفسٍ شيطانٌ. قيل حتى أنت يا رسول الله؟ قال: نعم لكن شيطاني أسلم بيدي » (77).

من البديهي أن حب الرئاسة والتجمُّل والجاه والفخفخة والتعدي على أموال الناس ظلماً والبهيمية والاستبداد واتباع الهوى وعدم الإذعان إلى شرع الله حيوانية محضة وشيطنةٌ صرفة، وتختلف مراتب الشيطانية تبعاً لشدة الأعمال البهيمية أو ضعفها، فالنموذج الكامل هو الرئاسة المطلقة والحكم الاستبدادي مطلقُ العنان وهو يمثل النقطة المقابلة تماماً للديانة والنبوة والشريعة. فعدد الشياطين بعدد نفوس البشر.

إن أعمال المسلمين الحالية من مراكش إلى الصين تخالف هذه الآية الكريمة بكل معناها ومدلولها الصريح. وهذه قضيةٌ عجيبة ومدهشة أن تكون أعمال المجتمع الإسلامي مخالفة لتصريحات الكتاب السماوي والشرع الإلهي بشكلٍ كامل ورغم ذلك لا نجد لا العامة ولا الخاصة ملتفتين إلى ذلك! فمتى بدأت هذه الغفلة؟ لقد كانت نتيجة هذه المخالفات في عهدنا ذل أمة الإسلام وانحدارها وانحطاطها من مرتبة السيادة والعلو على الأمم إلى قعر دركات جهنم التبعية للغير. ولا زال عقلاء الأمة وعلماؤها غير قادرين على إدراك الأمر ولم يبدؤوا بالتفكير بسياسة أنفسهم الدنيوية والأخروية وكأن مجتمع المسلمين قد سحر وضربه الجن ﴿لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...﴾ (البقرة/275). وابتُلِي بسباتٍ عميق كسبات الحيوانات ذوات الدم البارد في فصل الشتاء!! والعجيب أنه كلما زاد ذلّ المسلمين في عهدنا وفقرهم وشقاؤهم ونزاعاتهم وتفرّقهم، وكلما ازدادت تبعيتهم وتقديم أوطانهم وثرواتهم للأجانب، قلَّ وعيهم وتشبثوا بكل وسيلةٍ إلا التمسك بكتاب الله القرآن المجيد ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ...﴾ (البقرة/101). ولما لم تعمل الأمة بالقرآن قطع صاحب القرآن إفاضاته الملكوتية الغيبية عنهم. إن وجود ما وراء الطبيعة ينادي بنداء التشريع القرآني في الفضاء الإسلامي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (البقرة/40) ما لم تعملوا بالقرآن لن استجيب لدعائكم.

 

الهوامش:

(76) انظر المجلسي، بحار الأنوار 9/75. وهذا السبب للنزول ذكرته أيضا كل تفاسير أهل السنة، مثل الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم ذيل تفسيرهم للآية المذكورة.

(77) أخرج نحوه مسلم في صحيحه (2815) وأحمد في مسنده (6/115) عن عائشة ولفظه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلا قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ»، وأخرجه بلفظ مشابه لما ورد في المتن ابن حبان في صحيحه (6417) والبيهقي في دلائل النبوة، عن عبد الله بن مسعود.