بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

محو الموهوم وصحو المعلوم

أو

 

السـبيل إلى عودة العزَّة والعَظَمَة والسيادة الإسلامية

 

تأليف:

العلامة المجاهد حجة الإسلام السيد

أسد الله موسوي ميرإسلامي المعروف

بـ «أسد الله خرقاني»

(1254 - 1355هـ = 1839 – 1936م)

 

 

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سـعد محمـود رسـتم

 

 

 

 

 

 

P

 

 

صورة غلاف الكتاب بالفارسية

 

 

صورة الصفحة الأولى من الكتاب بالفارسية

 

 

مقدمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد،

يُعَدُّ العلامة السيد أسد الله مير إسلامي الخارقاني الموسوي من علماء القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) الأفذاذ والربانيين في إيران وأحد أوائل المنادين بالتصحيح والتجديد والاعتدال ومن أبكر من طرح إعادة النظر في عدد من العقائد الشيعية الإمامية الموروثة الخاطئة، وأحد المجاهدين الأعلام في سبيل إعادة مجد الإسلام وعظمة المسلمين وسؤددهم. وقد كان كتابه الحالي «محو الموهوم وصحو المعلوم» من أهم وآخر كتبه التي تركت تأثيراً كبيراً في أفكار العلماء الإصلاحيين ودعاة التصحيح والتجديد من بعده، فمن هو المؤلف؟ وما هي زبدة أفكاره في كتابه؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذه المقدمة:

نبذة عن حياة وسيرة المؤلف العلامة حجة الإسلام أسد الله خرقاني(1):

ولد السيد «أسد الله مير إسلامي الخرقاني» في الرابع من ذي الحجة عام 1254هـ (الموافق 1839م) في قرية «شيزند» جنوب «قزوين» الواقعة شمال غرب إيران، ويعود في أصله إلى قرية «خرقان» شمال مدينة «قزوين»، كما يعود في نسبه الشريف إلى السادات من آل مير سلام، إذْ كان أبوه السيد زين العابدين ابن السيد إسماعيل ابن السيد حسن خان من سلسلة السادات المعروفين من أهل «مراغه» التابعة لمدينة تبريز، وكان جده الأكبر المعروف بـ «مير سلام» من المقربين لسلاطين الصفوية.

ابتدأ المرحوم خرقاني بدراسة مقدمات اللغة العربية والنحو والصرف في قريته وانتقل في سن الخامسة عشرة إلى مدينة «قزوين» لمواصلة دراساته الدينية فيها، وبعد أن تعلم الفقه وأصوله على أيدي علمائها انتقل حوالي عام 1275 أو 1276هـ (1859م) إلى طهران وتعلم الفلسفة على يد المرحوم «ميرزا جلوه»، وفي أثناء ذلك درس أيضاً العلوم العصرية وتعلَّم اللغة الفرنسية التي كانت لغة الثقافة الغربيّة العصرية في زمنه، وفي عام 1284هـ (1867م) هاجر مع أسرته وعائلته إلى النجف الأشرف واشتغل بتحصيل العلوم الدينية هناك مدة 25 عاماً نال خلالها درجة الاجتهاد ثم عاد إلى طهران وابتدأ بالتدريس والتأليف.

دخل «خرقاني» مدةً معترك الجهاد السياسي الإسلامي والاجتماعي في بلاده (إيران) حيث كان من رجال ومناضلي الحركة الدستورية(2) وقد تعرض إبان كفاحه إلى الاعتقال والنفي إذْ نُفي إلى مدينة «رشت» ثم إلى «فومنات» وبعد النفي الأخير عاد إلى طهران وقرَّر أن ينصرف بكليته إلى البحث والتأليف وتدريس القرآن، فلم تعد له خلطةٌ سوى ببعض العلماء الفضلاء ومجموعة من طلاب القرآن الذين كانوا يتلقَّون علوم القرآن الكريم على يديه.

ترك «أسد الله خرقاني» كتباً وآثاراً قيمةً عديدة (بلغته الفارسية) طُبع بعضها أثناء حياته وبعضها الآخر بعد وفاته ومن جملتها:

1- مقررات قانون أساسي وديني (أحكام القانون الدستوري والديني).

2- روح التمدن وهويت الإسلام (روح الحضارة وجوهر الإسلام). نشره عام 1296هـ (1878م) وسعى فيه إلى البرهنة على أن الديمقراطية الإسلامية أتم وأكمل وأفضل بكثير من النظام الديمقراطي الغربي. وقال في إشارةٍ إلى الصراع بين الاستبدادية والدستورية (أي تقييد السلطات الملكية بالدستور) أن تلك النهضة الوطنية انتهت للأسف بإطلاق النار على جسد الإسلام المقدس، وقد طرح في كتابه هذا نوعاً من التفكير السياسي العصري الإسلامي أثبت من خلاله وجود الديمقراطية في الإسلام وتاريخ الفترة الإسلامية الأولى (عهد الخلفاء الراشدين). وكان رأيه أن المشروطة أي الحركة الدستورية لم تنجح في إيران وأن الحكم في إيران هو «ملكي دستوري بالاسم فقط أما عملياً فهو لا يزال حكماً استبدادياً اجتماعياً ولا يزال الهرج والمرج هما السائدان». وكان «خرقاني» يأمل أن يتم تطبيق الحكم والنظام الإسلامي في إيران يوماً ما وكان يقول: «أبشركم أن النظام الإسلامي والسياسة الإسلامية سيتم تطبيقهما في النهاية في إيران» وقال في موضع آخر من رسالته في لحنٍ يحمل التهديد ضد الحكم القائم: إذا تم فصل الإسلام عن الحكومة والدولة فسيتم إراقة دماء ساخنة في ساحة الجهاد الديني مما سيحث فدائيي الإسلام على النهوض. ونلاحظ في هذه العبارة أول طرح لعبارة فدائيي الإسلام وقد نشأت فعلاً جماعةٌ فيما بعد تحمل الاسم ذاته يتزعمها السيد نواب صفوي كما هو معروف.

3- قضا وشهادات ومحاكمات حقوقي ابدي اسلامي (القضاء والشهادات والمحاكمات القانونية الإسلامية الأبدية). في هذه الرسالة انتقد خرقاني بشدة تغيير الأحكام الإسلامية في قوانين القضاء ودعا إلى تدوين نظامٍ قانوني جديد مبتنٍ على أحكام الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية.

4-    برهان ساطع (البرهان الساطع).

5-    أصول عقايد (أصول العقائد).

6- تنقيد نظرية دارونيستها (نقد نظرية الداروينيين، أي نقد نظرية التطور عند داروين).

7-    تنقيد قوانين عدليه (نقد القوانين القضائية [الوضعية]).

8- رسالة «رد كشف الحجاب ووجوب الحجاب بحكم العقل وتصريحات الكتاب والسنة النبوية» نشرها عام 1335هـ وقد تكلَّم فيها عن شيوع البعد عن الدين والانكباب على الحياة الدنيا وزينتها كما انتقد وضع قانون النكاح والزواج في البلاد وأكد فيه على إجماع جميع الفرق والمذاهب الإسلامية على وجوب الحجاب وأن التشكيك بحكم الحجاب في الإسلام لا يمكنه أن يصدر إلا عن مصاب بـ «أمراض الدماغ واختلالات الفكر»!.

9- كتابه الحالي «محو الموهوم وصحو المعلوم يا راه تجديد عظمت وقدرت إسلامي» (أي محو الموهوم وصحو المعلوم أو سـبيل عودة العَظَمَة والسؤدد والاقتدار الإسلامي). والذي قدم له ونشره آية الله المجاهد العلامة السيد محمود طالقاني. في هذا الكتاب وجه خرقاني انتقادات شديدة للعلماء في عصره الساكتين الذين يلزمون الصمت أمام تغيير أحكام الشرع وإقصاء الإسلام عن الحكم كما وجه انتقادات لبعض الآراء والأفكار الشيعية الإمامية السائدة، وأبدى إعجابه الواضح بما كان عليه حال المسلمين لمدة أربعين سنة بعد رحيل النبيّ في فترة الخلفاء الراشدين واعتبر أن سبب انحطاط المسلمين تركهم العمل بأحكام الإسلام وشريعته وقواعده وأن السبيل إلى عودة العزة والسيادة للمسلمين هو استلهامهم من فترة الخلفاء الراشدين واتخاذها أسوةً وأن هذا كفيلٌ بنهوض المسلمين من هذا الانحطاط الذي وقعوا فيه. ودافع أيضاً عن النظام الجمهوري الإسلامي الذي ميزه تماماً عن النظام الجمهوري لدى سائر الشعوب والملل غير الإسلامية حيث أن النظام الجمهوري الإسلامي أساسه الدين وعبادة الله والمساواة الدينية والأخوة الإسلامية أما الجمهورية لدى الآخرين فهي انتخاب رئيس جمهور بهدف الرقي بالبلاد فقط مع الحفاظ على العقيدة المادية الدهرية، أي أن الهدف مادي محض. وفي خلال دفاعه عن صحة الجمهورية طرح خرقاني نظرية الانتخاب والاختيار للإمامة مخالفاً بذلك نظرية النص الإمامية الاثني عشرية حتى أنه شكك في دلالة واقعة الغدير وفي دلالة الآيات التي يستند إليها الإمامية لإثبات نظريتهم في الإمامة القائمة على النص والتعيين الإلهي لأولي الأمر. في الواقع لقد كان كتاب «محو الموهوم وصحو المعلوم» من الكتب التي اشتهرت في عصره وأثَّرت كثيراً في الأفكار اللاحقة بل إنه على معنى من المعاني كان الإرهاصة الأولى لحركات الإسلام السياسي والمنحى التجديدي في الفكر الديني والذي أثمر فيما بعد تنامي التيارات المطالبة بالحكم الجمهوري الإسلامي والتي تحقق لها النصر بعد قرابة نصف قرن من خلال انتصار الثورة في إيران عام 1979.

إضافة إلى مؤلفاته المذكورة نشرت له بعض الصحف والنشرات الصادرة في عصره – مثل صحيفة «إيران روز» أي إيران اليوم في أعداد سنة 1310هـ - مقالات بيَّن «خرقاني» فيها موقف الإسلام السياسي والاجتماعي من الأحداث الجارية، كما نُشِرَت له مقالات تحت عنوان السلام من وجهة نظر الإسلام في الفترة التي كان خطر الحرب العالمية يهدد الدنيا وكانت المجامع الدولية تطرح اقتراحات ومقالات وأبحاث حول موضوع الصلح والسلام.

نبذة مما ذكره العلامة السيد محمود طالقاني في مقدمته على كتاب «محو الموهوم» من سيرة ومجاهدات السيد «خرقاني»:

كتب آية الله الطالقاني في مقدمته على كتاب محو الموهوم يقول: كان المرحوم العلامة الكبير والمجاهد السيد أسد الله مير إسلامي خرقاني مؤلف هذا الكتاب من علماء الإسلام النابهين والرجال الأقوياء وقد حضرتُ بعض مجالسه العلمية في طهران عندما كنت أزورها أثناء تحصيلي العلوم الدينية في قم برفقة أبي حجة الإسلام والمسلمين السيد أبو الحسن الطالقاني، وتشهد مؤلفات هذا الرجل ومجاهداته وشدة اهتمامه وحرصه على عودة العزة والمنعة والسيادة للمسلمين ونضاله في تلك الفترة المفعمة بالاستبداد وخنق الحريات وتربيته لتلاميذ مؤمنين أقوياء، على مقامه العلمي وروحه الجهادية الإسلامية ووعيه بالأخطار والتحديات التي تواجه عالم الإسلام. لقد كان السيد خرقاني في النجف من أقرب الطلاب إلى المرجع الآخوند ملا كاظم الخراساني (صاحب الكفاية في الأصول) والناشطين في مؤسسته وقد ربَّى في تلك الحوزة العلمية عدداً من الطلاب الشباب الذين صاروا علماء متجددين كانوا من أبرز من لعبوا دوراً في الثورة الدستورية في إيران وقد أثنى عليه «ملك زاده» بوصفه من الإصلاحيين التجديديين وذكر مكانته القيادية بين علماء الدين المناضلين المتجددين. وقد شارك في الاجتماع الشهير الذي عُقد في عام 1322 هـ في حديقة «الميرزا سليمان خان ميكده» لقادة الحركة الدستورية التجديدية فاختاروه نائباً عنهم ضمن وفد من تسعة أشخاص انتخبوا للذهاب إلى النجف وإطلاع علمائها على مجريات الحركة الدستورية وما وصلت إليه. يقول «ملك زاده»: لقد أمضى السيد أسد الله خرقاني سنوات طويلة في النجف نال خلالها درجة الاجتهاد وكان يحظى باحترام بالغ بين علماء الدين والطلاب في حوزة النجف العلمية، وكان له نصيب من العلوم العصرية وسياسة الدنيا والفلسفة المعاصرة. ويقول ملك زاده في موضع آخر: لقد تأثر بالسيد أسد الله خرقاني كثيرٌ من الطلاب المثقفين والمتجددين في النجف ودانوا لزعامته وفُتِنوا بأفكاره المتجددة والعصرية والجريئة فنهضوا لدعم المطالبين بتقييد سلطات الملك في إيران. انتخب السيد خرقاني عضواً في مجلس الشورى الوطني (البرلمان) ممثلاً عن مدينة قزوين في الدورة الثالثة لذلك المجلس وقد دخل عند ذلك بشكل مباشر في الساحة السياسية وقرر حينها إنشاء حزب إسلامي باسم «الحزب الإسلامي الديمقراطي» وذلك عام 1299هـ ولكنه انصرف عن ذلك لاحقاً.

ما قاله بعض المؤرخين المعاصرين في إيران عن «أسد الله خرقاني»

يصنف بعض مؤرخي التاريخ المعاصر لإيران حركة خرقاني ونشاطه الفكري بوصفها حلقة من حلقات النقد الموجه ضد التراث الشيعي والشعائر والأعمال المميزة للمذهب الشيعي الإمامي في إيران والتي بدأت منذ قيام «رضا شاه» بإصلاحاته الدينية، ويضع هؤلاء المؤرخون «خرقاني» على الخط ذاته مع شريعت سنگلجي ثم أحمد كسروي وحكمي زاده ومن بعدهم في ما طرحوه من أفكار ناقدة للمذهب الشيعي اعتُبِرَت تأثراً بالدعوة الوهابية في الجزيرة العربية(3).

وينقل المؤرخ المعاصر «رسول جعفريان» عن أحد علماء الدين الشيعة المغالين المعاصرين لخرقاني ويُدعى آية الله لنكراني قوله إن أسد الله خرقاني تأثر بالمذهب الوهابي عندما قام بالحج فبدأ بالدعاية للأفكار الوهابية لدى عودته من الجزيرة العربية ثم استلم هذا الخط أو النهج منه «شريعت سنگلجي» وواصل ترويج «الوهابية»(!) في إيران!(4).

لبى «أسد الله خرقاني» نداء ربِّه في السابع من شهر صفر عام 1355هـ (1936م.) حيث دُفن إلى جانب قبر أستاذه المرحوم «الميرزا جلوه» وكتب أحد مريديه وطلابه الأبيات التالية باللغة العربية على حجرة جانب قبره:

يا خـير أسـتاذٍ ويا خيـر عالمٍ   لوصفك تُرِك الوصف والله أوقع

ألا فاعلموا ما مات في الدهر عالمٌ ومات هرقل ثم كسـرى وتُبَّـع

وثوبُ حيـاةٍ مُسـتعارٌ وإنّـما          إليه مصير الناس طراً وأجمـع

وأما الحجرة التي وضعت على قبره فقد نُقش عليها بالعربية ما يلي:

المرقد المقدس لحضرة حجة الإسلام علامة الدهر سياح آيات القرآن وكاشف أسرار الفرقان المنادي في حياته بالحماسة والمباهلة مع أهل الأديان صاحب التصنيفات والتأليفات الفذة السيد السند والبحر المعتمد السيد أسد الله الموسوي الخارقاني المُلقب بمير إسلامي ابن المرحوم السيد زين العابدين سرندي قد أجاب داعي الحق...

 تلخيص لأهم آراء المؤلف التصحيحية والناقدة لبعض العقائد والممارسات السائدة لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية في كتابه الذي بين أيدينا:

1- يردّ المؤلف تماماً على فكرة ترك الإصلاحات لحين قدوم إمام الزمان وإيكالها إليه باعتبارها من وظيفته فقط، وهي الفكرة التقليدية التي كانت رائجة بين أكثر الإمامية في عصره (ص 3-4).

2- يرى المؤلف أن الأمم التي فتحها الإسلام -بما في ذلك في إيران – أضفت على الدين أو أدخلت فيه عاداتها وتقاليدها كما فعل الإيرانيون عندما أدخلوا في الإسلام – طبقاً لقوله - الاحتفال بعيد النوروز وما يرافقه من رسوم وطقوس باقية من عهد ما قبل الإسلام، كما أدخلوا فيه لبس السواد ووضع الستائر والأقمشة السوداء على التكايا والمنابر وتعليق البسط ونصب الشمعدانات في مجالس العزاء وسائر أنواع الزينة والخرافات والحركات مثل رفع الأعلام وضرب الصنج، فهذه كلها بنظره من الطقوس والعادات الملية القديمة التي مزجت بالإسلام وأنه من الضروري التفكيك بين أصل الإسلام وبين العادات الرائجة الدخيلة التي أضيفت إليه وحسبها العامة جزءاً منه!! (المقدمة 5/ص 11).

3- يقرِّر المؤلف أن معيار معرفة الدين الأصيل النقي من الأمور الدخيلة ثلاثة أمور فقط وهي: (1) القرآن الكريم و(2) حديث النبي وسنته المتفق على صحتها بين الفرق، و(3) سيرة النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم -العطرة المتفق عليها كذلك (المقدمة 5/ص 11-12).

وهذا القول يعتبر نهجاً إصلاحياً تجديدياً ممتازاً يتجلّى في ثلاث أمور: أولاً: جعله القرآن الكريم المرجعية الأولى المقدمة على كل شيء، ومعنى ذلك أن القرآن قابل لفهم كل دارس وأن ظواهره حجة وأن كل ما يخالف القرآن فهو بدعة في الدين ودخيل فيه، ثانياً: اشتراطه لحجية الأحاديث والسنن ومرجعيتها أن تكون مما يتفق عليه المسلمون، مما يعني أن لا حجية فيما يتفرد به الشيعة عن سائر المسلمين من أخبار وروايات في هذا المجال. وثالثاً: أنه لا يجعل آراء وأحاديث وسير الأئمة الاثني عشر جزءاً من معيار معرفة الأصيل من الدخيل، فهي ليست مرجعاً في هذا الصدد. ولا يخفى ما في هذا النهج كله من إرساء لخط إصلاحي جديد تجديدي جذري كفيل باقتلاع الكثير من البدع والمحدثات والانحرافات التي امتزج بها الإسلام لدى الشيعة الإمامية.

4- يؤكد المؤلف بأشد العبارات جزماً على أساسية مرجعية القرآن الكريم وأنه أساس الإسلام، وأن القرآن هو النبيّ الصامت كما أن النبيَّ قرآنٌ ناطقٌ. وأن القرآن المجيد هو اللواء الأكبر والمنبر والوسيلة: فِيْهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً (ص 12).

5- يرى المؤلف أن سبب تأخر المسلمين وانحطاطهم ليس سوى تركهم العمل بسياسات الإسلام الراشدة التي كانت في الأربعين سنة الأولى بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الموضوع من الموضوعات المحورية في الكتاب التي كرَّرها في ثناياه (ص14 و19). إن المؤلف يشيد بكل صراحة ووضوح بالحكم الإسلامي العادل والسياسة الشرعية القويمة لدى الخلفاء الراشدين الأربعة ويبين معالمها ويعتبرها العصر الذهبي للإسلام الذي يجب العودة إليه (ص34-35)، ويضع عُمَرَ (رضي الله عنه) على قدم المساواة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ (ع) في كون حكومتهم تمثل حكومة العدل والمساواة والقسط والالتزام التام بالإسلام. ويذكر في أكثر من موضع أن أبا باكر وعمر عملا بنهج النبي في الحكم: انظر (ص87) و(ص146) و(ص148) و(ص151).

وهذا أيضاً رأي تجديدي إصلاحي اعتدالي وتصحيحي ضمن الشيعة الاثني عشرية الذين لا يرون في حكم الخلفاء الذين سبقوا علياً (رض) سوى فترة انحراف وغصب للخلافة من صاحبها.. الخ مما هو معروف.

6- يرى المؤلف أن من أهم أسباب ذل المسلمين وتبعيَّتهم للأجانب وسيطرة الأجانب عليهم هو اهتمام كل فرقة من فرق المسلمين بخصوصياتها المذهبية – ومن الواضح أن نظره هنا متجه بشكل خاص لفرقته الإمامية - وانشغال الفرق بصراعاتها مع الفرق المخالفة، مما جعلها تترك قضايا الإسلام الأساسية، فتحول الاجتماع الإسلامي إلى تشتت وتفرّق مذهبي، مما جعل المسلمين يصنعون أسباب ضعفهم بأيديهم ويقبلون التبعيَّة للأجانب (ص 15).

7- يقرِّر المؤلف أن من أسباب استمرار الخلاف وتواصل النزاع بين أبناء الفرق الإسلامية هو تقليد الآباء والأجداد في عقائد الدين، ويرى أنه لا يجوز للعاقل البالغ القادر على الفهم التقليدَ في دينه. ويرى أن من أسباب استمرار الخلاف وتواصل النزاع بين أبناء الفرق الإسلامية أن أرباب الفرق يقدمون المدلول على الدليل بمعنى أنهم يؤمنون بعقائدهم التي ورثوها عن الآباء والأجداد تقليداً (المدلول)، ثم يبحثون لها عما يثبتها من القرآن (الدليل)، مع أن الصحيح هو أن يأتوا للقرآن (الدليل) بأذهان صافية مجردة من العقائد السابقة ويتَّبعوا ما يرشدهم إليه (ص 15 – 16).

وقد وضع المؤلف ببيانه هذا اليدَ على الجرح – كما يُقال- فإذا كفّ أرباب الفرق – لاسيما الإمامية - عن التعصب لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ورجعوا بتجرد ودون أفكار مسبقة إلى القرآن الكريم والسنة العملية لصاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم فاستسلموا إليهما واسترشدوهما وذهبوا معهما حيث ذهبا كان هذا سبيلاً لزوال كل الخلافات التي وقعت بين المسلمين. فالعودة إلى القرآن الكريم والتمسك بحبل الله المتين هو السبيل الوحيد والأساس لوحدة المسلمين وزوال النزاعات والاختلافات بينهم. وبالتالي سبب لعزة المسلمين واعتلاء أمرهم.

8- يأخذ المؤلف على فرق المسلمين – ومن الواضح أن نظره متجه في هذا إلى قومه من الإمامية - انحصار اهتمامهم بكُتُبِهم الخاصة واقتصارهم في فهم الدين على أقوال علمائهم لإثبات أحقية مذهبهم والردّ على الفرق الأخرى، ويرى أن النتيجة الحتمية لذلك كانت صيرورة القرآن المجيد مهجوراً ومتروكاً بينهم. لذا يعيد التأكيد بشدة على العودة للقرآن الكريم بذهن خال مجرد والتمسك به واتباعه وتقديمه على أقوال العلماء أو فتاواهم أو أي شيء آخر في الدين، فهو أساس الإسلام والمعيار لمعرفة صحة وسقم كل قول وحديث. (ص 17).

9- يردّ المؤلف تماماً كلَّ غلوٍّ بالنبيّ والأئمة كنسبة الربوبية والإلهية والقدرة على الخلق إليهم بأدلة بسيطة وقاطعة من القرآن والعقل، ويؤكّد أن كل ما جاء من أخبار وروايات فيها شائبة تأليه أو رائحة غلوّ فيجب تأويله إن أمكن وإلا لا بد من رفضه وتركه. (ص 22 – 23).

10-     يشيد المؤلف بتوحيد القرآن الخالص وبإخلاص صحابة النبي وتضحياتهم لنشر الإسلام، ويرى أن مسلمي عصره – بما في ذلك قومه – قد ابتعدوا عنهما وصاروا في جاهلية جديدة (ص 30).

11-     يأخذ المؤلف على كتّاب كتب الفرق والنحل أنهم يثنون على نظرائهم في المذهب ويحطُّون من شأن مخالفيهم ويحكمون على الناس فيدخلون من شاؤوا في الجنة ومن شاؤوا في النار، ومؤدى كلامه هذا تخطئة علماء الإمامية وغيرهم الذين يحصرون النجاة في أتباع فرقتهم فحسب ويذهبون بأتباع الفرق الأخرى إلى النار! (ص 31- 32).

12-     بدلاً من نظرية الإمامة لدى الإثني عشرية القائمة على مبدأ النص، والتي اشتُقَّت منها فيما بعد نظرية ولاية الفقيه، يرى المؤلف أن الرئيس التنفيذي في الإسلام يُنتخب انتخاباً أي يختاره المسلمون ممن تتوفر فيه صفات ولي الأمر الصالح، فإن استقام استقاموا على طاعته وإن انحرف وجار وفسق عزله أهل الحل والعقد وانتخبوا غيره (ص 37-38).

أقول: وهذا رأي تجديديٌّ تصحيحيٌّ إصلاحيٌّ بارزٌ في مذهب الشيعة الإثني عشرية إذْ يقرِّر المؤلف– في الواقع - نظرية البيعة والاختيار السنية ويخالف تماماً النظرية الشيعية الإمامية في الحكم من جهتين: الأولى من جهة أن نظرية الإمامة الاثني عشرية ترى أن الإمامة منصب مكمِّلٌ للنبوَّة واستمرارٌ لها، وأنها ليست مفوَّضة للعامَّة، بل الله هو الذي يعين الإمام وينصبه. فالإمامة نصٌّ من الله عندهم. أما المؤلف فيخالف ذلك تماماً ويرى أن الإمامة مفوَّضة للمسلمين وهم الذين يعيِّنون الخليفة بالانتخاب. والجهة الثانية أن جميع علماء الاثني عشرية يفسِّرون «أولي الأمر» في آية سورة النساء التي تأمر بطاعتهم بأنهم الأئمة المعصومون، في حين يرفض المؤلف هذا التفسير ويرى أن «أولي الأمر» هم كل من تتوفر فيه شروط الإمامة من العدالة وأداء الأمانات لِـلَّهِ والرسول والعمل بالقرآن...الخ. وهذا هو عين رأي أهل السنة ونظريتهم في الإمامة.

13-     يرى المؤلف أنه لو عمل المسلمون من الفريقين بآية «أولي الأمر» بعد رحيل النبيِّ – صلى الله عليه وآله وسلم- فمن كان من الصحابة مصداقاً للآية انتخبوه خليفةً، لو عملوا بذلك لبقيت هذه السنَّة – سنة انتخاب من تتمثل فيه صفات أولي الأمر - حتى يوم القيامة ولصار رئيس المسلمين رئيساً منتخباً وعاملاً بالقرآن، ولارتفع عندئذ الاختلاف بين المسلمين (ص41).

ومن الواضح أن هذا يخالف تماماً نظرية النص الإلـهي على الأئمة والوصية عليهم التي تعد أهم العقائد المميزة للشيعة الإمامية الإثني عشرية، والتي ترى أن تكليف المسلمين بعد رحيل النبي كان الإذعان لإمامة وحكم الإمام علي (ع) المنصوص عليه من الله ورسوله فحسب. فنلاحظ أن المؤلف يؤكد أنه لا يوجد في القرآن نصٌّ على أحد بعينه مطلقاً، بل هناك بيان لوصف ولي الأمر الشرعي الواجب انتخابه.

14-     يقرِّر المؤلف أن معجزات الأنبياء ليست من صنعهم بل هي من صنع الله وحده أجراها على أيديهم تأييداً لرسالتهم وبرهاناً على صدقهم. (ص 54-55).

وفي هذا ردٌّ على كثيرٍ من علماء الإمامية بل معظمهم الذين يعتقدون بأن الأنبياء والأئمة يفعلون المعجزات بقدرتهم التي منحهم إياها الله بما يسمونه الولاية التكوينية.

15-     من أهم الآراء التصحيحية والإصلاحية الواضحة للمؤلِّف، بل لعلَّها أشدّ وأقوى نقد ذاتي قام به للعقيدة الاثني عشرية في الإمامة، نفيه الواضح والصريح للنص على الأئمة من آل الرسول بعد الإمام علي بن أبي طالب، ونفيه لدلالة أهم ما يتمسك به الإمامية منذ أكثر من ألف ومئتي عام من آيات القرآن لإثبات النص على عليٍّ والأئمَّة من أولاده، مثل تمسكهم بآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... (المائدة/3) وآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (المائدة/67) فيرى أن أيَّاً من هذه الآيات لا تدل على النص على علي والأئمة من أولاده وأن الاستدلال بها على ذلك مخالف لمدلول ألفاظ الآيات وسياقها وعمومها (ص 83 – 84).

أقول ولقد فتح المؤلف بهذا النقد الذاتي الطريق أمام من جاء بعده ممن كتب في نقد نظرية النص الإلـهي على الأئمة مثل حيدر علي قلمداران وآية الله البرقعي وحجت الله نيكوئي وغيرهم.

16-     رغم نقد المؤلف الشديد والحادّ لموقف السادة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم في ثورتهم ضد حكومة الإمام عليٍّ (ع) في واقعة الجمل إلا أن نقده بقي ضمن إطار المعالجة الفقهية والقرآنية للموضوع من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن المؤلف ترضَّى في النهاية في أحد المواضع على طلحة والزبير وعائشة (ص111)، وذكر في موضع آخر أن طلحة والزبير تابا وندما على ما فعلا واستشهدا (ص136)، فهو – مع إطالته في النقد الشديد واللاذع لموقفهما في خروجهما على عليٍّ عليه السلام- يعتبرهما رغم ذلك شهيدين.

17-     يقرِّر المؤلِّف قاعدة هامّة في نقد الحديث الشيعي وهي أنه إذا جاء حديثٌ يخالف نصَّ كتاب الله وجب تركه لأن المرجع والنص الأساس لدين الإسلام هو القرآن، والأخبار الصحيحة ليست سوى شرح لذلك النص، فمخالفة القرآن من سخائف الأوهام (ص78) و(ص118).

وقد فتح المؤلف بهذا الباب أمام غربلة التراث الروائي الشيعي من خلال عرض كل الأخبار والأحاديث على القرآن الكريم وأخذ ما وافقه منها وترك كل ما عارضه وناقضه.

18-     يؤكد المؤلف بشدة على واجب الحفاظ على الأخوة ووحدة الكلمة بين جميع المسلمين بغض النظر عن مذاهبهم وعقائدهم وأفكارهم وأن هذا تكليف شرعي من الله وأن لا سبيل لعلو شأن المسلمين وعزتهم إلا بوحدة صفّهم وعدم تنازعهم وعدم تفرقهم في الدين (ص 163 – 164).

19-     يقرّر المؤلف أن المسلم المؤمن والمتدين الحقيقي هو الذي يتَّبع النبيَّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله ويعمل بها ويطبقها في حياته، وبهذا يكون محباً للقرآن ومتبعاً لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقةً. ولا يهم بعد ذلك أن ينتمي إلى أي مذهب من مذاهب المسلمين المختلفة للوقوف على فروع الدين وجزئياته ودقائقه، فلا يهمُّ اللقب والعنوان المذهبي الذي يتسمَّى به (ص 171).

وهذا موقف إصلاحي اعتدالي منفتح وجرئ للمؤلف – خاصة إذا أخذنا عصره بعين الاعتبار – فهو لا يرى انحصار النجاة في مذهب الإمامية بل النجاة تكون لكل من يتمسك بأساس الإسلام والدين وهو – حسب قوله - اتباع القرآن وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وهو بذلك يؤكد نجاة جميع المسلمين أيا كانت عناوينهم المذهبية أو مدارسهم الفقهية الفرعية، ويرفض تعصب الإمامية بحصر النجاة باتّباع مذهبهم وطاعة فقه أئمتهم فقط.

20-     يؤكِّد المؤلف في أكثر من موضع من كتابه على وجوب التأدب مع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين الطاهرات، مهما وقع من بعضهم – حسب وجهة نظر الشيعة – من مخالفات خطيرة وشديدة، وأن الانتقاد يجب أن يوجه لأعمال أولئك البعض لا لأشخاصهم، حفاظاً على ناموس النبوة، واحتراماً لحق صحبته صلى الله عليه وآله وسلم، وينتقد ويطعن من طرف خفي - في أكثر من موضع من كتابه - فيمن ملؤوا الآفاق بالطعن واللعن فأوقعوا العداوة والبغضاء بين المسلمين وأثاروا الفرقة والإحن والتمزق بين صفوفهم مما استغله الأعداء فسيطروا على المسلمين -الذين أضعفهم التفرق والتمزُّق- واستعمروا بلدانهم واستعبدوهم. انظر مثلاً الصفحات (ص86) و(ص117) و(ص124) و(ص146).

تلك كانت أهم النقاط التي تتعلق بآراء المؤلف التصحيحية الناقدة في الجزء الذي ترجمناه من كتابه، وآخر دعوانا أن الحمد لِـلَّهِ رب العالمين.

المتـرجـم

30/10/2008

 

ملاحظة 1: هذه الترجمة هي لأول 160 صفحة فقط من كتاب «محو الموهوم» من أصل صفحاته البالغة 382 صفحة.

ملاحظة 2: جميع الحواشي الواردة في هذه الترجمة هي للمترجم، فلم يكن في كتاب المؤلف أي حاشية مطلقاً.

 

+                +             +

 

في سرّ انحطاط المسلمين وانحدار شأنهم

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم – ومن الله التوفيق وعليه التكلان..

القصد من تحرير هذه الرسالة بيان سبب انحطاط حال المسلمين، حيث يعلم أولو الألباب وذوو البصائر أن المسلمين كانوا حتى ألف ومئتي عام بعد الإسلام أصحاب قدرة وشوكة، أسياداً مستقلين في أوطانهم يبسطون سيطرتهم الكاملة على بلدانهم التي كانت تمتد من المحيط الأطلسي غرباً حتى تخوم الصين شرقاً، تُدارُ وَتُحْكَمُ بالسياسة الإسلامية، وأنهم كانوا في تلك العصور متفوقين في قوتهم على أغلب السلاطين والحكومات المعاصرة لهم أو على الأقلّ مساوين لهم في الدرجة.

نعم، هناك بعض طوائف البشر تعيش في بعض جزر أفريقيا وبعض نواحي الدنيا النائية يحكمها قانون الغاب وتعيش مستقلةً داخل مناطقها مثل شعوب أستراليا الأصليين وأهالي جزر جاوا وبحر أفريقيا ومناطق في أمريكا وغيرها. إن خضوع أمثال هذه الشعوب والقبائل لسيطرة الدول القوية ليس بالأمر العجيب لأنها كانت تعيش دون أي قانون وأساس لنظام يحكمها أو يدعوها لحكم غيرها، بل ربما كانت تبعيتها للدول ذات النظام والقانون أفضل لها لأنها تؤدي إلى انتظام أمرها ورقيها ورفاهيتها. أما المسلمون فليسوا مثل أولئك القبائل، لأن حكم وسيادة المسلمين على معظم العالم القديم إنما كان يرتكز إلى قاعدة سياسة الإسلام ونظامه.

فماذا حصل وماذا فعل المسلمون حتى تقدموا وارتقوا فيما مضى وماذا فقدوا أو ماذا فعلوا حتى انحطّت أحوالهم وانحدرت منزلتهم؟ إن توضيح هذا الأمر يحتاج إلى مجموعة من المقدمات ثم الفصول وهو مقصد رسالتنا هذه.

الغرض من هذه الرسالة بيان موضوع حكومة المسلمين وسيادتهم بشكل عام، ولن نتعرض فيها لخصوصيات الفرق الإسلامية، فقد كتب علماء كل فرقة كتباً ورسائل عديدة في بيان وشرح حقيقة مذهبهم وبطلان مذاهب الفرق الإسلامية الأخرى وبذلوا جهداً كبيراً في ذلك الأمر، ولعل هذا أحد أسباب انحدار الأمة الإسلامية بل هو أحد أسبابه يقيناً، فقد جَرَتْ بعض الأقلام بكثيرٍ من الكلام المفرط والجُزاف(5) في هذا المجال، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى عندما ينحصر فكر الكُتَّاب والمفكِّرين واهتمامهم في كتب ومضامين فرقتهم الخاصّة والدفاع عن عقائدها فإن بقية قضايا المجتمع الإسلامي تصبح منسية، أما لو اهتم الكُتَّاب بجوانب المجتمع الإسلامي الأساسية وما يتضمنه القرآن المجيد من تعاليم في هذا المجال لما جاءت كتاباتهم وما جرت به أقلامهم مخالفةً للمنطق ومنافيةً لأسس الإسلام، بل اقترنت بدلا من ذلك بالحقيقة، لأننا نجد أن هناك في جميع بلدان الإسلام، سواءً تلك الواقعة تحت نفوذ الأجانب وسيطرتهم كالهند والجزائر وتركستان وبلاد القوقاز وغيرها أم تلك التي تتمتع بشيءٍ من الاستقلال الصوري الظاهري مثل بعض المناطق الأخرى من بلاد المسلمين، دعايات علنية ضد الإسلام يقوم بها أتباع الأديان القديمة أو الجديدة أو الماديون الطبيعيون (الملاحدة)، ونجد خروج كثيرٍ من المسلمين تدريجياً من دائرة الإسلام أو فساد عقيدتهم أو تحوّلهم إلى دين آخر على أثر تلك الدعايات.

ولا شك أن هذه الأوضاع تؤدي إلى تضاؤل عدد المسلمين الحقيقيين كما هو مشاهد ومحسوس.

في الحقيقة إننا نجد في جميع مناطق وبقاع عالم الإسلام اصطفافاً ومواجهةً بين الإسلام والكفر، بل نجد صفوفاً كثيرةً من غير المسلمين يتحدّون الإسلام ويواجهونه بسلاح الإنكار والكفر ويبذلون في ذلك جهداً ومثابرةً. ورغم أن صفوف المسلمين كثيرة العدد بل هي أحياناً أضعاف غيرها عدداً إلا أنها لما كانت صامتةً لا تبدي حراكاً وكأن آيات الأمر بتبليغ الدين لم تنزل عليها فإن نتيجة المواجهة بين صفٍ مُجِدٍّ نشطٍ في الدعاية لمبدئه وصفوف كثيرةٍ تلتزم الصمت والسكوت ستكون بالطبع لصالح الطرف الأكثر نشاطاً وفعاليةً حتى لو كان عدد أفراده أقل بكثير... إن سبب هذا التقصير والإهمال الذي نجد المسلمين - رغم امتلاكهم لعقيدة إسلامية قويمة - واقعين فيه وهم يواجهون خصومهم المصطفين ضدهم، هو عدم اتفاق المسلمين وتفرقهم وقصور معرفتهم بأحكام الإسلام المتقنة الكفيلة بصيانة المجتمع الإسلامي والحفاظ عليه والرقي به (وسنشرح هذا الأمر في المقدمات والفصول التالية).

إن بعض فرق المسلمين التي لا تعتقد بظهور قائم شخصي تعزوا كل هذه الحوادث إلى تقديرات ما وراء الطبيعة وإلى المشيئة والإرادة الإلهية الخاصة، وبعض الفرق التي تعتقد بقيام قائم شخصي في آخر الزمن ترى أن العلاج الوافي لهذه الأوضاع هو وظيفة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه، ولا يرون أنفسهم مكلفين أو مأمورين بمواجهة تلك الدعايات العدائية ضد الإسلام. بل لا يرون أنفسهم مكلفين بتبليغ أحكام الإسلام وباختصار لا يرون أنفسهم مكلفين بتكاليف الإسلام العامة التي تختص بالأمة بشكل عام بل يرون أن كل ما هم مأمورون به هو حفظ واجباتهم الفردية من العبادات وغيرها. فهم يعملون بالأحكام السهلة ويتركون الأحكام الصعبة على عاتق القضاء والقدر أو مسؤولية إمام الزمان. فمثلا لسان حال جميع المسلمين يقول إن مشيئة الله وإرادته قضت أن يعمل المسلمون على ترويج أحكام الإسلام ونصرتها ونشرها في القرون السالفة وإن هذه الإرادة والمشيئة الإلهية ذاتها هي التي قضت بانحطاط المسلمين وانحدار شأنهم وذلتهم في هذه القرون الأخيرة (أي أن هذه المشكلة يقع حلها على عاتق على الملائكة الكروبيين!).

لو فرضنا صحة المقدمة التي تقول إن الأحكام والأوامر التشريعية مثلها مثل الأمور التكوينية والموجودات الطبيعية تخضع للقضاء والقدر وليس للإنسان وظيفة تجاهها، فعندئذٍ فقط سيكون المسلمين غير مسؤولين ولا مؤاخذين على سكوتهم! وعندئذٍ سيكون امتياز الإنسان عن سائر أنواع الحيوانات أمراً صعباً، ولكن إقامة الدليل والبرهان على تلك المقدمة دونه خرط القتاد.

بعد بعثة حضرة موسى (ع) في منطقة من بلاد الشام وحولها ومن خلال أسر بني إسرائيل، راجت تلك الديانة في بلاد فارس. واتسعت دائرة الدين بعد بعثة حضرة عيسى ابن مريم (ع). وبعد بعثة حضرة صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وآله وسلم وانتشار مبادئ الإسلام بسرعة في أقطار العالم القديم حيث كان ثلث اليابسة في ذلك الزمن خاضعاً للديانة البوذية والبرهمية (الهندوسية) (حقاً أو باطلا)، بدأت مذاهب الماديين والطبيعيين الدهريين بالذبول والاضمحلال كما أخذت الوثنية وعبادة الأصنام طريقها نحو الزوال النهائي في العالم القديم واختارت مناطق في أواسط أفريقيا وبعض الجزر منزلاً لها. في تلك الفترة حيث كان جمال الديانة يشع بنورانيته في العالم القديم بكل جلال وشوكة دون أن تستره الحُجُب، لم يكن الماديون يجرؤون على الظهور والتظاهر بعقيدتهم. ولكن في هذا القرن وبعد أن تمَّت الاكتشافات العلمية الخارقة حول قوانين الطبيعة وخواصها الأمر الذي هيأ للإنسان وسائل جديدة للعيش لم يكن يحلم بها في العصور الماضية حتى سُمِّيَ هذا القرن بالقرن الذهبي المتلألئ وقرن الحضارة والحرية بسبب الاكتشافات الخارقة مثل الطيران في الهواء والغوص في أعماق البحار واكتشاف الراديوم والاتصال اللاسلكي ونور الكهرباء وكيفية الشموس المعلقة في الفضاء اللامتناهي وأمثال ذلك, وفي الوقت ذاته بسبب ما جرت به الأقلام بالنسبة إلى الأديان العامة والحكومات وتبدُّل الأنظمة الملكية إلى جمهورية وشوروية، وأصبح القرن قرن عيد ومسَرَّةٍ للماديين, والإنصاف أن الأمر كان كذلك أيضاً بالنسبة إلى نظرية المادية البحتة وينبغي أن يكون كذلك. ولكن ينبغي أن نسمي ذلك القرن أيضاً قرن الانحدار والانحطاط بالنسبة إلى الأديان والتوحيد والمبدأ والمعاد(6) والأخلاق. حيث أدار الناس فوجاً فوجاً ظهورهم للدين ومالوا نحو الأخلاق والعادات المادية أكثر مما ينبغي.

في الحقيقة خرج ضياء الألوهية من الأذهان، واستُبْدلت حلاوة عبادة ما وراء الطبيعة(7) بحنظل المادية المر في أذهان أبناء هذا القرن فسمَّى عابدو الله هذا القرنَ بالقرن الخبيث والبشع, ومصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ!.

إن انحطاط المتدينين وكثرة الماديين برهان قاطع على أن جميع علماء الأديان لم يبذلوا سابقاً ولا يبذلون الآن جهداً وسعياً كافيين للردّ على الماديين. لقد كان من الواجب على علماء المسلمين وخاصة فرقة الإثني عشرية الناجية والنصارى واليهود والبراهمة والبوذيين أن يؤلفوا رسائل عديدة في الرد على الماديين ويطبعوها وينشروها. إن قضية المبدأ والمعاد مسلّمة ثابتة بشكلها الإجمالي وكذلك صحّة أصل النبوة وحقيقتها مسلمة لدى أديان العالم الخمسة(8) فكان عليهم أن يشمروا عن سواعد الهمة ويتعاونوا مع بعضهم [في إثبات هذه الحقائق]. إن أصل الأصول والركن الوثيق لجميع الأديان هو أصل المبدأ والمعاد والنبوّة المطلقة بشكل عام. ولا ندري ما السبب في سكوت علماء الملل الخمسة وما مستندهم في ذلك؟

مثلا هل أن الكتب السماوية والعياذ بالله ليست وافية من حيث البرهان والدليل, أم أن الكتب وافية وكافية لكن العلماء لا علم لهم بمحتويات كتبهم أنفسهم؟ أو احتمالٌ ثالثٌ أن تكون الكتب وافية والعلماء عارفون بها ولكنهم يخافون, هذا رغم أنه لا يزال عدد الإلهيين والمتدينين في وضع الدنيا الحالي أكثر من عدد الماديين. والاحتمال الرابع أن تكون عقائد كل فريق منهم في كتبه لم تصل إلى حد الكمال كي يجرؤوا على القيام بالردّ على الماديين. والاحتمال الخامس أن تكون الكتب السماوية حاوية على البراهين الوافية، والعلماء عالمون بها ولكنهم لم يعتادوا على القيام بمثل هذا العمل، وسكوتهم منطلق من إهمالهم، وناتجٌ عن اهتمامهم بذواتهم الأنانية وحياتهم الفردية التي اعتادت عليها جميع الملل الدينية وعلماء كل قوم, ولعلهم أوكلوا الدفاع عن حقيقة الدين والردّ على الماديين إلى القضاء والقدر وكائنات ما وراء الطبيعة.

القول الحق هو أننا لا يمكننا أن نعذر علماء الملل الخمسة على هذا السكوت. هل ما نشاهده في المتدينين من تقاعس عن القيام بالواجب الحتمي في الدفاع عن الدين وسكوتهم أمام هجمات الماديين قصور أم تقصير؟ لا شك أن في سكوتهم تأييد غير مباشر لهجمات الماديين، وبالتالي إذا اعتبر أحدهم سكوت العلماء في مثل هذه الظروف ذنباً لا يُغفر وخلافاً للمنطق فإنه لم يقل جزافاً، لأن كل إنسان يعتبر الدفاع عن حقه واجباً والقيام به حتمياً, فإذا تعرَّض أحدهم لماله هبَّ للدفاع عن ماله بكل قوَّة حتى لو كان ماله قليلا، فكيف إذا كان المقام مقام الاعتقاد بالله واليوم الآخر الذي هو أهم بألف درجة من سائر الأصول والحقوق ومقدم عليها؟! لكننا نجدهم رغم ذلك، في مقام الردّ على الهجوم على تينك العقيدتين المقدستين الأساسيتين، غارقين في بحر السكوت؟! ويبدو وكأنهم لا يعتبرون أن من الواجب عليهم أن ينهضوا للدفاع عن أنفسهم بل يرون أن السكوت فرض عين عليهم!

إن الواجب الحتمي على علماء الملل الخمسة أن يتَّفقوا على إطفاء نار المادية لأن أقدم وأكبر نزاع ابتدأ مع خلق البشر، والنزاع الذي تفوق أهميته أهمية جميع الخصومات الدينية والدنيوية الأخرى، هو النزاع بين الإلهية والمادية الذي ينبغي أن تُكتب فيه رسائل كثيرة وأن يقوم علماء الدين ومبلغوه بتبليغها للناس. إن كل شخص وكل طبقة وجماعة ممن يعتبرون أنفسهم على حق في قضية ما خاصة فيما يتعلق في الأمور المرتبطة بالدين وكل من يعتبر مذهبه حقاً ومذهب الآخرين باطلا, من الواجب الحتمي عليه ومن اللوازم التي لا تنفك لهذا الاعتقاد بحقيقة دينه ومذهبه ومسلكه أن يقوم بتبليغه وتوضيحه لأبناء ملَّته لينقذهم من الضياع والضلالة. فهناك تناقض صريح بين الاعتقاد بحقيقة مبدأ ما والسكوت عن تبليغه والدعوة إليه. وهذا من القضايا التي قياساتها معها. نعم إذا كان الذي يعتقد بحقيقة دين ما – مع كون ذلك الدين في ذاته حقاً - جاهلاً به وأبلهاً وأحمقاً، لم يكن مكلَّفاً بتبليغه نظراً لجهله وقصوره. وإلا فإن القول بأن ديني حق ومسلكي ومذهبي حق ولكنني لا أقوم بتبليغه وأقنع بالسكوت – كما هو ديدن [كثير من] العلماء والمتدينين – قول خاطئ، وقائله مغالط بل مشاغب، وكلامه أقرب إلى الشعوذة منه إلى العقل والمنطق والدين.

إن إظهار العقيدة المادية وإنكار المبدأ والمعاد عقيدة متطرّفة وجُزافٌ إذ إنه من اليقين أن القائلين بها ليس لهم أية إحاطة بجهات وحيثيات العوالم غير المحدودة كي يمكنهم أن يجزموا بهذا الإنكار استناداً إلى إحاطتهم التامة بكل الوجود, والأمر ذاته بالنسبة إلى الآخرين الذين تلقَّوا عنهم هذه العقيدة المادية وقبلوها، فهم لم يستطيعوا بالتأكيد أن يتصوروا المبدأ وما وراء الطبيعة في العالم ولا أن يدركوا كنه حقيقة هذا الأمر فلذا قاموا بإنكاره, وإنكار شيء بسبب الجهل به وعدم الإحاطة بحقيقته يتنافى مع حقيقة «العلم»، لأن حق «العلم» أنه عندما يعجز العالم عن تصور كنه شيء ما فإنه يدع هذا الشيء بحالة الإمكان فلا يذعن لوجوده ولا ينكره. أضف إلى ذلك أنه لو فرضنا أن شخصاً ما لا يؤمن بالمبدأ والمعاد، فإنه ينبغي عليه - لأجل انتظام أمر الدنيا وطمأنينة قلوب عامة أبناء البشر - أن لا يعارض هذين الأصلين لأن إنكاره للمبدأ [أي لوجود الله] مضر بحال الحضارة البشرية، لأن نشر وجود وحقية وصحة المبدأ والمعاد يمثل ناظماً باطنياً ومُخَوِّفاً قلبياً ومهدِّئاً روحياً وعاملا رادعاً للجهّال كي لا يقوموا في ظلام الليل وخلوة البيداء والبيت بإيذاء الآخرين، إذ إن أفضل وأكمل رادع باطني يمنع من ارتكاب القبائح هو الاعتقاد بحقيقة المبدأ والمعاد [أي: الله واليوم الآخر] وترسيخ هاتين العقيدتين في قلوب عامة بني البشر، لأن نشر العقيدة المادية المتطرفة والجُزاف يؤدي إلى إرخاء العنان للشر والسماح للأقوياء بالتعدي على الضعفاء مما يتنافى بحد ذاته مع دعوى الحضارة والإنسانية والمساواة والأخوّة. إذن من اللازم على كل حكيم وعاقل ومدَّع للإنسانية أن يروِّج للإيمان بالمبدأ والمعاد حتى لو لم يكن يعتقد ذاتاً بذلك.

إذا تأمّل الإنسان في حقيقة الأمر تأملاً فلسفياً متجرداً ونزيهاً ودرس الموضوع بدقة لرأى أن نشر العقيدة بوجود المبدأ والمعاد لا يتنافى أبداً مع أي حرفة قديمة أو جديدة أو أي اكتشافات خارقة في طيّ البحار والبيادي أو الطيران في الهواء أو الرقيّ فيما هو أعلى من ذلك. بل إن مثل هذه العقيدة تنظم هذه الأمور، بعكس عقيدة إنكار المبدأ والمعاد التي تتناسب مع الحيوانية التي هي «جنس» الإنسان ولا تتناسب مع الناطقية التي هي «فصله» المميز له(9). فناشرو عقيدة إنكار المبدأ والمعاد متوغلون في «الجنس» المشترك للإنسان فقط [أي حيوانيته التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات] ومعرضون عن لوازم «فصل» الإنسان الذي هو النطق. إنه من العجب العجاب أن يقوم الإنسان الذي يشكل النطق والإدراك صفته اللازمة التي لا تنفك عنه بالتضحية بهذه الصفة السامية في سبيل عقيدة مادية جاهلة وجُزاف ترتكز على الصفة الحيوانية للإنسان فقط أي التي تجمع بينه وبين الفيل والجمل ووحيد القرن وتجعلهم في درجة واحدة. فويلٌ لمن يُخاصمُ نفسَه وينكرُ فصلَه وفضله!!

عندما تدخل أيّة ديانةٍ إلى بلاد جديدة فإن العادات والرسوم الرائجة في تلك البلاد تنضم إلى ذلك الدين بتغيُّر جزئي وتغيِّر تدريجياً من ملامحه ثم تُعتبر بمرور الزمن - لدى العوام البسطاء - جزءاً من الدين.

فمثلا تأثَّر الإسلام في إيران والصين والهند والقوقاز بعادات أهالي تلك البلاد المختلفة مثل عيد النيروز الجمشيدي واحترام النار ويوم الأربعاء السوري وإشعال النار واستعمال الحناء في السابع والعشرين من رمضان ولبس السواد ووضع الستائر والأقمشة السوداء على التكايا والمنابر وتعليق البسط ونصب الشمعدانات في مجالس العزاء وسائر أنواع الزينة والخرافات والحركات مثل رفع الأعلام وضرب الصنج والألعاب النارية وأساليب التعظيم الرائجة مثل رفع القبعة احتراماً للشخص والمصافحة والمعانقة بدلاً من التحية الإسلامية. وفي النهاية يؤدي اختلاط أصل الديانة بالعادات الرائجة إلى خلق مشاكل إذْ يصبح من الصعب التمييز بينهما.

إن الميزان الصحيح والمحكم لتشخيص العادات العرفية وتمييزها عن أساس الشريعة ثلاثة أمور: الأول: القرآن المجيد، والثاني: السنة المتفق عليها بين فرق المسلمين المختلفة، والثالث: السيرة العمليّة لصاحب الرسالة (ص) خلال مدة 23 سنة من فترة إبلاغه أحكام الإسلام. بالرجوع إلى كل واحد من تلكم الأصول الثلاثة يتميَّز بشكل جيد الحق من الباطل والإيمان من الكفر والاتفاق من النفاق والصالح من الطالح، إذ من البديهي أن أحكام وتعاليم أي دين يجب أن تؤخذ وتحدد من مجموع أعمال وأقوال صاحب ذلك الدين، فالأصول الثلاثة هي جذع وجذر شجرة الإسلام المقدسة وكل ما عدا ذلك هو أغصان وأوراق وثمار تلك الشجرة. ومن البديهي أن شجرة التفاح واللوز والسفرجل لا تعطي ثمار الحنظل والزقوم، وأن غصنَ الورد يُنْبِتُ ورداً أينما زُرع. بعد رحلة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم جاء الوافدون إلى المدينة وسألوا أصحاب النبيّ وزوجاته عن عقائد النبيّ وأخلاقه وأعماله فأجابوهم جميعاً أن القرآن يحتوي على جميع تلك الأمور وأنه في الحقيقة أساس الإسلام، فالقرآن نبيٌّ صامتٌ كما أن النبيَّ قرآنٌ ناطقٌ.

إذن القرآن المجيد هو اللواء الأكبر والمنبر والوسيلة والعِلم المحمدي والشفاعة الأحمدية الكبرى: فِيْهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً.

خلال كل حياة البشرية كانت هناك عقيدتان تحكمان البشر بشكل مباشر: إحداهما الإيمان بالله واليوم الآخر ولوازمهما، وهو الإيمان الذي حمله ودعا إليه الأنبياء والعلماء والحكماء الإلهيون وبلّغوه ودافعوا عنه، والثانية العقيدة المادية وإنكار مبدأ العالم وإنكار الوجود الشاعر والقادر.

واليوم أيضاً أبرز شيطان الإلحاد رأسه من مراكز المادية وأخذ يصارع الإلهيين وخرج بصورة عفريت يسعى للسيطرة والسيادة وأخذ يملأ أسماع الدنيا وأبصارها بنفيره المنطلق من منابع الجهل والحيوانية ومراكز الأنانية والفردية وقد تمكن هذا الكائن ذو الخلقة العجيبة أن يجد طريقه إلى جماعات من الناس الوحشيين وجماعات ممن يعيش في الخيام ومن الفلاحين ويرأسهم باسم مختار القرية ورئيس القبيلة والسيد المطاع وخرج تدريجياً بصورة مدير حرس الحدود وقائد الجيش وفرعون ونمرود وقيصر وخاقان وملك الملوك والخليفة، وشغل بني الإنسان بذاته بدلا من عبادة الله، ولم يكن لهؤلاء من هدف وقصد سوى الرئاسة والحكم وإشباع الشهوات، وكانوا كل يوم يتلونون بلون: فإذا كانت جماهير الناس مادية خرج رئيسهم ليروج لهذا الفكر وإذا كانوا أصحاب دين لبس أولئك الزعماء مسوح الدين، وإذا كان الشعب من الفرقتين كان أولئك الزعماء مع فريقٍ نهاراً ومع الفريق الآخر ليلا، وقام أعوان أولئك الزعماء بمدحهم حتى ولو كانوا شياطين خنّاسين وقاموا بحبس وإعدام منافسيهم حتى ولو كانوا أمثال عيسى وزكريا ويحيى والسبطين الشهيدين – الحسنين- وبرصيصا العابد.

إن عصور الرئاسة المستبدة تجعل الإنسان العاقل والمتفكر يدرك أن لا مكان في دائرة الزعامة والرئاسة الاستبدادية للعقل والإنصاف والشرف والغيرة والحياء والناموس والعفة والعصمة والحلال وابن الحلال والحرام وأولاد الحرام والسعادة والشقاء والكفر والإيمان، والفتوّة والشهامة والسخاء والأدب والإنسانية، والمبدأ والمعاد (أي الله واليوم الآخر)، ولا اعتناء بأي من هذه الأمور، ولا يسود إلا الترف والزخارف ونفوذ السلطة والسيادة ولا يُسْمَح لقضية الله واليوم الآخر وللدين بحد ذاته أي العدل والمساواة والمواساة والإيمان والحق بالدخول إلى قصورهم. إن الصفة الأساسية لمثل تلك الرئاسات والزعامات المستبدة فقدان الأمور المذكورة، كما أن وجود تلك الأمور هو أهم شاخص ومميز للأنبياء وأتباعهم. لاحظوا وضع كسـرى (خسـرو برويز) قبل الإسلام والاثني عشر ألف فتاة شابة تحت قوس المدائن مروراً إلى وضع عبد الملك وهارون الرشيد والأمير تيمور... في زمن الإسلام، فهذه هي الصفة المميزة للزعماء التي تشمل الكل بدءاً من مقام مختار القرية وانتهاء بمقام خليفة مثل هارون الرشيد! طوبى وحبذا للقرآن المجيد الذي حطّم كل تلك الرئاسات تحت أخفاف إبل مجاهدي الإسلام ولم يعترف بأي رئاسة سوى الأخوة الإسلامية ولم يمجد السلاطين والملوك الجبابرة ولم يذكر اسمهم إلا وهو يبين استحقاقهم للعقوبة الأخروية.

لا يقتصر انحطاط حال المسلمين وانحدار شأنهم على فرقة واحدة من فرقهم، بل يعم الجميع، فقَبْل مئة وخمسين عاماً أو مئتي عام كان المسلمون في كل بقعة وإقليم في الأرض أصحاب سيادة ونفوذ واستقلال، ولكنهم بدؤوا منذ ذلك الزمن يسيرون نحو الانحطاط وتُسلب منهم سيادتهم ويصبحوا أتباعاً ورعايا لغيرهم وعبيداً يحملون الأثقال لأعداء دينهم. ويشترك في هذا الانحطاط وزوال السيادة جميع المنتمين للإسلام. إذن لا بد أن يكون السبب أمراً مشتركاً واحداً، وليس سوى ترك المسلمين للعمل بسياسات الإسلام الراشدة التي كانت في الأربعين سنة الأولى بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم بدأت بالتغير بعد ذلك (وتوضيح هذا الأمر من أهداف رسالتنا وسيأتي لاحقاً). ولما كانت فرق الإسلام الخمس شريكة في هذا الأمر فإن مخاطبنا هو جميع المسلمين وليس فرقة خاصة منهم.

لا ريب أن المسلمين فقدوا السيادة والرفعة على سائر الأمم، مع أن السيادة والرفعة من خصائص ولوازم الإيمان والإسلام للإنسان المسلم، وأصبحت التبعيّة والخضوع للآخرين الصفة الجامعة للمسلمين في جميع البقاع الإسلامية، حيث نجد أن ثلاثمئة مليون مسلم اليوم(10) محكومون للأجانب وتشملهم هذه التبعية جميعاً، وإذا وجدنا استقلالاً صورياً في بعض البلدان الإسلامية السبب الحقيقي لذلك كان تنافس القوى الأجنبية عليها الذي أدى إلى نجاة الفريسة من أيدي الصيادين وليس سببه حسن السياسة الداخلية لتلك البلاد.

لقد كان المسلمون في القرون الأولى وحتى مدة ألف ومئة عام [بعد ظهور الإسلام] أصحاب سيادة في جميع جوانب حياتهم السياسية الإسلامية، لكن المسلمين في القرن الحاضر (القرن التاسع عشر والعشرين) أصبحوا أذلاء بسبب تركهم العمل بسياسات الإسلام وأحكامه، ولا يزالون سادرين في غفلتهم ونومهم.. وبسبب أنسهم بخصوصياتهم المذهبية وصراعاتهم مع بعضهم البعض تركوا أساس الإسلام وتحول اجتماعهم الإسلامي إلى تشتت وتفرّق مذهبي مما جعلهم يصنعون أسباب ضعفهم بأيديهم ويقبلون بالتبعية للأجانب. لقد زالت السيادة ومرتبة الحكم المستقل الكامل عن المسلمين وانغمسوا في أمورهم الشخصية إلى درجة أفقدتهم شرفهم الديني والقومي. والعلاج هو العودة إلى الإسلام الأول والإقرار بكلمة الشهادة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله.

تؤمن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية بمذهبها وتتمسك به، ولكن الحقيقة الواضحة هي أن الجميع إنما أخذ حقيقة مذهبه من الأب والأم والمعلم ومن شركائهم في المذهب، فمما لا شك به أن أهل كل مذهب يقلدون منذ طفولتهم أقرانهم وأمثالهم في عقائدهم الدينية، وبالتالي فعقائد جميع المتدينين من البشر مبنية في البداية على التقليد. لكن عندما يكبر الإنسان ويتعلم لا يبقى هناك مبرّر لأن يستمر في كونه مقلداً في عقائده، لكن جماهير الناس وعوامهم من كل أمة يبقون دائماً حتى آخر عمرهم على العقيدة التقليدية ذاتها التي قلّدوا فيها أباءهم وأمهاتهم منذ الصغر. ويقوم علماء كل مذهب إسلامي ممن يتمسك بالقرآن بتقديم المدلول على الدليل فيبحثون عن أدلة لإثبات معتقداتهم التقليدية، وهذا هو السبب في استمرار الاختلاف بين الفرق الإسلامية رغم اتحادهم في أصول عقائدهم، وفي اتساع هذا الاختلاف يوماً بعد يوم.

إذا رحم علماء الأمة المرحومة الأعلام أنفسهم وشعوبهم المسلمة وأرادوا رفع اللواء المحمدي العظيم والشفاعة الكبرى وراية الإسلام مثلما كان عليه الأمر في القرون الأولى وأرادوا أن يرتفعوا ويرتقوا إلى مقام أعلى الأمم فعليهم أن يجتمعوا جميعاً ويشدوا عزيمتهم على التمسك بكتاب دينهم القرآن المجيد والسيرة العملية لحضرة صاحب الرسالة خلال ثلاثة وعشرين عاماً خاصة الأعوام العشر بعد هجرته – صلى الله عليه وآله - والتمسك بسنته المتفق عليها بين فرق المسلمين. عليهم أن يجعلوا هذه الأمور الثلاثة نصب أعينهم ويتخذوها منهجهم ودستورهم في حياتهم، وعلى جميع الفرق الإسلامية قاطبة أن تتّحد تحت راية هذه الأصول الثلاثة ويقوموا بالدعوة والتبليغ في هذا المجال ويفهموا المسلمين تلك الأصول الجامعة للشتات، ويضعوا أيديهم بأيدي بعضهم معتصمين بحبل الله المتين وعروة الإسلام الوثقى ويمزّقوا حبل العبودية للأجانب والرق للأعادي ويستعيدوا سيادتهم على أنفسهم التي فقدوها منذ زمن ولا يسمحوا لخير أمة أخرجت للناس – كما وصفها كتاب الله - أن تصبح أدنى الأمم ولا يفعلوا ما يوجب حزن النبي الأكرم يوم القيامة في محضر الأنبياء ويبذلوا كل جهدهم ويجتهدوا في اتباع تلك الأصول المذكورة والسير على منهاجها.

لقد تمسكت كل فرقة من فرق المسلمين بكُتُبِهَا الخاصة بها لإثبات أحقية مذهبها والرد على الفرق الأخرى، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الأمر أن أصبح القرآن المجيد مهجوراً ومتروكاً أو تمّ التمسُّك به أحياناً لأجل إلزام الآخر فقط وفي هذا تقديمٌ للمدلول على الدليل (كما ذكرنا في الفقرة 8 السابقة).

إن هذا الوضع مخالفٌ للنظم الطبيعي والترتيب الذاتي لديانة كل فرقة، حيث يجب على كل فرقة أن تثبت أحقيتها بالكتاب السماوي وأن تستدل بما ينص عليه الكتاب والسنة والسيرة العملية لصاحب الرسالة، كما هو شأن جميع الأديان وأتباع كل ملة تجاه كتابهم السماوي حيث يتمسكون بكتابهم وينقلون أقوال علمائهم لأجل تأييد وتوضيح الكتاب السماوي فقط لا أنهم يتمسكون بأقوال علمائهم في مقابل الكتاب كما هي طريقة بعض فرق المسلمين ممن يتمسك بفتاوى أو بحديث ضعيف أو بشعر منقول في مقابل آيات القرآن، ومثل هذا العمل يزيل بالضرورة هيمنة القرآن على القلوب، وهذه إحدى المصائب المؤسفة التي حلت بالمسلمين حيث أنهم يُضَعِّفُون منزلة كتاب الله رغم تديُّنهم ودراساتهم الدينية، ولقد نجم عن ذلك استحكام الخلاف والعداوة بين فرق المسلمين وضعفها جميعاً لانفرادها عن بعضها البعض وتحزبها، وأدى ذلك في النهاية إلى ضعف الأمة وتسلط الأعداء عليها كما حدث فعلاً. إن هذا الوضع نوع من الإهمال في حق القرآن المجيد، ولا أحد من المسلمين ولاسيما من علمائهم الأعلام يقوم بهذا الأمر متعِّمداً بل مثل هذا الأمر حدث دون قصد وبشكل قهري. والآن وقد شاهدت فرق المسلمين خطأ هذه الطريقة وما أدت إليه من نتائج وخيمة في اختلاف الكلمة وتشتت أبناء الإسلام وشق عصا طاعة القرآن وتسلط الأجانب عليهم، فعليها أن تـتنبَّه إلى ذلك وأن تعالج سبب ذلتها بالقرآن المجيد وبسيرة الصادع به - صلى الله عليه وآله - وبسنته المتفق عليها.

إن حفظ أحكام الإسلام وحدوده وظيفةٌ وواجبٌ حتمي على جميع المسلمين ولكن العلماء الأعلام والسادات الأشراف لهم درجة متقدمة في هذا المجال لأن جماهير العامة عوامٌ وغير منتسبين إلى النبيّ، أما العلماء فهم عارفون بمزايا الشرع، والسادات (أي ذوي النسب الشريف الذي ينتهي إلى النبي) منتسبون إلى صاحب الرسالة، ولهذا السبب فينبغي على العلماء والسادات أن يحملوا لواء الدعوة الإسلامية ويدعو الأمة المرحومة جميعاً للعمل بالقرآن والسنة القطعية وبما كان عليه المسلمون في الأربعين سنة الأولى من تاريخ الإسلام، كي يتخلص جميع المسلمين من سيطرة الأعادي عليهم وتبعيّتهم لهم.

يتساوى العالم والجاهل في أمر إقامة أحكام الإسلام الشخصية مثل أداء العبادات وقراءة الأدعية والقيام بالزيارات، أما في أمر حفظ وإحياء الأحكام الكبرى للإسلام التي تتعلق بحفظ أساس الدين ورفع راية الإسلام وعظمة المسلمين، فإن العلماء والسادات لهم السبق في ذلك وعليهم أن ينهضوا لأجل هذا الأمر وعلى جماهير الناس أن تتبعهم في ذلك، ولا شك أنه ينبغي أن يتفق العلماء والسادات على حفظ القرآن وتطبيق أحكامه وأن يعلِّموا تعاليم القرآن في مجالسهم الدينية ومن على منابرهم ويدعو الناس إلى الإسلام كما يفهم من القرآن الكريم. ثم عليهم أن يضعوا القرآن كرسالةٍ عمليةٍ إلهية متبعة في جميع الدوائر وجهات الحكم. إذا لم يقوموا بالوظيفة الأولى فلن يستطيعوا أن يقوموا بالوظيفة الثانية لأنه طالما لم يعمل المسلمون بالقرآن في مساجدهم ومجالسهم فلن يعملوا به في إدارة بلدانهم.

تهدف تعاليم الأنبياء بشكل عام إلى انتظام أمر الدنيا والآخرة. انتظام الدنيا يتعلق بالجانب الحيواني المادي من الإنسان وانتظام الآخرة يتعلق بالجانب المميز للإنسان عن الحيوان أي خاصية النطق والإدراك وهذا الجانب من الإنسان ذو أهمية بالغة في نظر الدين.

إن القسم الأول الذي هو عمران الدنيا وانتظامها إنما لوحظ كتابع ومقدمة لتكميل القسم الثاني، وهذا بديهي لأن انتظام العمر المؤقت لحياة الإنسان الدنيوية التي لن تتجاوز في الغالب مئة عام مقدمة للعمر الدائم والحياة الأخروية الأبدية وهو الجانب الذي بُعِثَ الأنبياء لأجل إثباته وتبليغه.

إذا أردنا الحديث بلغة الفلاسفة والمناطقة قلنا: قال الله وقال الرسول لأجل تربية وتقوية الفصل المميز لجنس الإنسان. وقال غير الله – أياً كان القائل والمقول – هو لأجل تربية وتقوية الجنس المشترك (الحيواني) للإنسان.

إن عامة الناس لا يلتفتون إلى هذه النقطة، ومن واجب العلماء والأديان أن ينبهوهم إليها كي لا يقوموا بالتضحية بما يميز الإنسان في سبيل طبيعته الحيوانية التي يشترك فيها مع الحيوانات.

لقد حلَّ بالمسلمين خطران مؤلمان وصادمان للعقل: الأول: زوال قدرتهم وقوتهم والثاني: تبعيتهم للأجانب وطاعتهم وائتمارهم بأمرهم. والثاني استبدال «قال الله تعالى» الذي يتعلّق بالنفس الناطقة بـ «قال غير الله» الذي يتعلّق بالجنس الحيواني المشترك في الإنسان. إن مواجهة هذه الأخطار والتحديات تستلزم اتفاق المسلمين ووحدتهم وهو أمر اختياري وسوء الاختيار فيه أن يتركوا الاتفاق ويميلوا إلى الكسل في هذا الأمر. ومن الجهة الأخرى فإن معظم المبلغين الجاهلين يقتصرون على دعوة الناس للتضرع والدعاء وهذا مؤداه أننا نضع ذنب الناس وأخطاءهم على عاتق الله والنبي والإمام، ولا نعتبر أنفسنا مقصرين. هيهات ضَعُفَ الطالب والمطلوب.

لما كان خالق جميع موجودات العالم هو حضرة الذات الأحدية جلَّ شأنه، فإنه من المُسلّمات والبديهيات لدى الإلهيين أنَّ القرآن المجيد وجميع الأحكام الإسلامية الصحيحة هي وحيٌ إلهي نزل على قلب سيد المرسلين، وبالتالي فلا بد أن تتفق كليات أحكام الإسلام مع الفطرة وخلق الموجودات لأن موجد العالم والشارع الحقيقي للأحكام ذاتٌ مقدّسةٌ واحدةٌ هي الله الأحد المتكلم والفاعل والقادر، ففعله وقوله لا بد أن يكونا متطابقين، لأن التخالف بينهما مستحيلٌ لأنه يدل إما على الجهل أو العجز أو الاحتياج أو الخوف وكل ذلك مما تتّنزه عنه ذات الباري المقدسة المنزهة عن كل نقص وعجز.

فتطابق التشريع والتكوين إذن إحدى مزايا الأحكام الإسلامية لأن الأمور التكوينية يجب أن تكون دليلا مرجِّحاً (أو مرجعاً) للتشريعات، فإذا كانت التشريعات مخالفة للتكوين فيجب تأويلها أو تركها والتوقف بشأنها.

أما الأمور التعبُّديَّة التي يُتَوَهَّم مخالفتها للأمور التكوينية فنقول:

أولا: نحن نتكلم عن كليات أحكام الإسلام والأمور التعبُّديَّة هي من الجزئيات. وثانياً: التعبُّد المحض لا يعني بالضرورة مخالفة التكوينيات بل هو أعم من موضوع مخالفتها أو موافقتها. ثالثاً: العبادات بشكل عام ثناءٌ على حضرة الذات الأحدية وخضوعُ العبد وخشوعه أمام ربه وخالقه الرزَّاق المحيي المميت، وهذا العمل روح التكوين وليس مخالفاً له، أما تعيين مصداقه كالصلاة أو اختلاف أعمالها من ركوع وسجود وقيام، أو الصوم والإمساك لأجل تكميل النفس والشعور بحال الجائعين أو الأدعية والزيارات والإنفاق وأمثالها فليس أيٌ منها مخالفٌ للتكوين بل القليل من التأمل يكشف أن كلياتها من مصاديق التكوين.

اليوم، وبعد الاكتشافات الخارقة في عالم التكوين، نحن في أشد الحاجة إلى إفهام البشر وتعليمهم البراهين والأدلة على الأحكام الشرعية ولا يكفي أن نقول إنَّها أحكامٌ تعبديّةٌ محضةٌ فلن يساعد ذلك على رواجها. نعم لقد ذكرت ترجيحات من غير التعبٌّد في باب الترجيحات ولكن هذا ليس بدليل على أنه لا يوجد غيرها لأن هذه الأخبار وردت في مقام الإجابة على أسئلة معينة فليس هذا دليلاً على أنه لا يوجد مرجِّحات أخرى غيرها أو بعبارة أخرى لا يُستفاد من تلك الأخبار السلب المطلق للأمور المذكورة.

إن جميع الآيات والأخبار الإسلامية الصحيحة التي تتعلق بمقام النبوة والولاية خاليةٌ من أي شائبةٍ من شوائب الغلوّ كنسبة الربوبية والإلهية والقدرة على الخلق إلى الأنبياء والأولياء. وأما عقلاً فإن الهيكل البشري لا يصلح إطلاقاً للربوبية والإلهية لأن ذات الحق البسيطة البحتة غير متناهية من حيث الوسعة والانبساط والقدرة والشدّة بل فوق ما لا يتناهى، وصفات الحق عين ذاته، أما الإنسان الممكن الحادث ذو العمر المؤقت فلا يملك الاستعداد لذلك المقام الأقدس المطلق.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (المائدة/77).

لقد وُجِّه هذا الخطاب إلى أهل الكتاب، لأنه بعد وفاة كل نبي كان أتباعه يغلون في حقِّه. أثناء حياة صلى الله عليه وآله وسلم لم يغلُ المسلمون بحقه، ولكن بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقع الاختلاف: هل مات النبيّ فعلا أم أنه لا يموت؟!

أضف إلى ذلك أن لدينا في الكتاب المجيد آيات واضحة في نفي الغلو: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (الكهف/110)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (الزمر/30) وقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى(8) (الضحى/6-8).

هذه الآيات ونظائرها تحدد حقيقة مقام النبوة. في الواقع بعد الدعوى الجزاف للنصارى بحق عيسى (ع) أنه ابن الله، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع أن يدعي الألوهية وكان سيصدقه في ذلك جماعات من الناس، وأحد المؤشرات على هذا الأمر أنه بعد رحلة النبيّ اختلف الأصحاب فقال بعضهم: "إن محمداً لم يمت وهو حي لا يموت"، ولكن النبيَّ لم يَدَّعِ شيئاً من ذلك بل عرّف نفسه بكل وضوح بأنه عبدٌ لِـلَّهِ، وهذا برهان واضحٌ على أن القرآن ليس كلام النبيِّ ذاته بل كلام الله، وطبقاً لقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو علينا كل ما ينزل عليه من الآيات بما في ذلك الآيات التي فيها تنبيهٌ له أو عتابٌ أو تأديب، فلو كان الكلام كلامه – كما توهم ذلك بعض الأعداء المغرضين الجاهلين – لما ذكر لنا الآيات التي فيها تأديبٌ له ولما نشرها، وانطلاقاً من هذا الأمر كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يبين هيمنة الذات الربوبية وجلالها غير المحدود ومقام عبوديته وانقياده الكامل لتلك الذات، كل ذلك طبقاً للمهمة التي بُعِثَ بها، فلم يكتم شيئاً من ذلك، وهذا بحد ذاته دليل تامٌ على حقيقة وصدق صاحب الرسالة – علا قدره وسما شأنه – وعلى أن القرآن المجيد كلام ما وراء الطبيعة وأن مقام الذات الأحدية الأقدس قادر وقاهرٌ وحاكمٌ على الأنبياء والأولياء.

إن مرجع هذه المقدمة إلى مرجعية القرآن المجيد الذي عرّف الأنبياء بالعبودية وسلب عن جميعهم صفة الربوبية والألوهية، وبناءً عليه فجميع المسائل الدينية سواءً كانت أخباراً أم من كلمات الأخيار التي يستشمُّ منها رائحة الألوهية أو شائبة الربوبية مؤولة بالضرورة أو ينبغي رفضها وتركها. وأما الاعتراض بأن هذا المُرجِّح لم يُذكَر في الأخبار العلاجية فقد تقدم جوابه بشكل إجمالي في المقدمة رقم 12.

لقد كانت السيرة الطبيعية بين القبائل والبلدان أن يُبْعَث دائماً نوعان من الرؤساء: النوع الأول الأنبياء والأولياء وخلفاؤهم الذين يقومون بتربية النفس الناطقة والجانب الروحاني من الإنسان لكي يسموا بالإنسان من رتبة الحيوانية الفانية إلى رتبة الناطقية الباقية ويسوقوه من الفناء إلى البقاء. وقد أُشرِبت قلوب الناس في مدرسة النبوة هذه بالإيمان بعالم ما وراء الطبيعة الروحاني. إن روحانية الإنسان لا تستـند إلى طبيعته الحيوانية والجسمية بل هي مستمدة من العالم الروحاني، ولما كان الإنسان شبيهاً في روحانيته بعالم الأرواح كان لا بد أن يُبْعَثَ الهداة والمبلِّغون مِنْ قِبَل ما وراء الطبيعة لأن خواص عالم الأرواح وآثاره ولوازمه لا يعلمها إلا الروحانيون، ولذلك فلا بُدَّ أن يكون مُرَبُّو النفس الناطقة من عالم الغيب كي يتمكَّنوا من تحرير الموجودات التي هي عرضة للفناء من مخالب الطبيعة ويجعلوها تأنس بمجرّدات عالم القدس.

أما النوع الثاني من الرؤساء فهم الرؤساء المستبدون برأيهم الذين يتمتّعون باستعداد دماغي خاص ليكونوا قادةً للآخرين وهذا الإحساس هو ذات الإحساس الموجود لدى الخرفان والجمال والخيول والبغال والأبقار والحمير التي يوجد في كل نوع منها من يتقدم في السير على قطيعه ويتبعه القطيع، وفي نوع الإنسان أيضاً يوجد أفرادٌ يتمتعون بالقوة والذكاء التي هي من خواص طبيعتهم الحيوانية مما يعطيهم رتبة الريادة، فتقوم الشعوب باتباعهم وتقليدهم والتأسي بهم، ورئاسة هذا النوع من الناس برهانٌ قاطع على ضعف عقل المرؤوسين وقلة علمهم وإيمانهم وعلى نفاقهم. وكما يقع الضعيف دائماً في عالم النباتات والحيوانات طعمةً للقوي وكما تعتدي الحيوانات القوية كالأسود والحيتان والذئاب والفهود على الحيوانات الضعيفة، وليس من شأن الله ولا رسوله أن يقوما برفع هذا التعدي؛ فكذلك ليس موكولاً إلى الله وخليفة الله دفع الناس ذوي الصفة الحيوانية والسبعية. فقيادة بعض الأشخاص وريادتهم وقهرهم للآخرين وإخضاعهم الجماهير المستغرقة في الحيوانية والأخلاق الذميمة، يرجع إلى تقصير تلك الجماهير ذاتها لأن الجهل والتنازع والتفرُّق الحياة الفردية غير الجماعية في هذه النشأة تستلزم بالضرورة ذهاب الريح والخضوع للآخرين والذلة(11)، لأن تلك الجماهير كانت تستطيع باتحادها وتعلُّمها ووعيها أن تدفع شر الأعداء وفي الوقت ذاته أن ترفع مستواها وتصعد بشأن ذاتها، فهذا الإهمال والكسل عملٌ متعمَّدٌ يستند إلى تقصيرها ذاتها، ومثل هذه المظلومية والحرمان ليس له أي أجر عند الله وثواب أخروي ولا تستحق لأجله القصاص الإلـهي من أعدائها أو الانتقام الإلـهي منهم، لأن هذه الجماهير المتنازعة والمتفرقة إذا اتحدت واتفقت لحفظت حقوقها، ولكنها لما أصرت على تنازعها وتفرقها وجهلها صارت محكومة وخاضعة لغيرها كما حصل ذلك فعلا وسيحصل دائماً.

ينسب بعض المتدينين تقصير الشعوب المتعمَّد هذا إلى الله ويأمرون الناس دائماً بدعاء الله والتضرع له، مع أنهم يرون أنهم ملؤوا فضاء عالم الإسلام منذ سنوات مديدة بالدعاء والتضرع ولم يتغير من حالهم شيئاً ولم يُستجب لهم، ورغم ذلك يواصلون سوق الناس إلى علاج لا أثر له ولا نتيجة. إن استبدال العلاج القطعي الذي يقوم على الاتفاق الاختياري بالدعاء والتضرع من العجائب. أجل لو كان خضوع الأمم وانهزامها ومصائبها لا تحصل بسبب سوء اختيارها بل بسبب أمور خارجة عن اختيارها مثل عدم هطول المطر والكوارث السماوية والزلازل، لكان المجال مجال التضرع والدعاء وكان الدعاء قمينٌ بالاستجابة. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه.

إن القرآن المجيد ليس كتاب عبادة فقط، بل هو كتابٌ سياسي وحقوقي واجتماعي أيضاً، وقد حرَّمَ الرهبانيةَ وقصّ علينا قصص الأمم الماضين لينبه اللاحقين، وكرَّر القصص لأجل التأكيد والإثبات وتنبيه الجاهلين، وفي الفقه نجد خمسة أبواب للعبادات وخمسة وأربعين باباً للأمور الاجتماعية السياسية، من المعاملات إلى سائر الحقوق بين الأفراد.

شرف ورفعة الإنسانَ قسمان: الأول: الشرف والرفعة الشخصيَّة الدنيويَّة والدينيَّة، والثاني: الشرف والرفعة العامَّة الدينيَّة والدنيويَّة، أما الشرف والرفعة الشخصيَّة فليست محل بحثنا، لأن مقصودنا هو الشرف والرفعة العامَّة [أي شرف ورفعة المجتمع والأمة ككل] التي تحفظ الأمة والمجتمع، وهذا القسم يتعلق بحِسّ السيادة والتفوق على الأمثال والنظراء والشعور بالانتقام والاقتصاص من أعداء النوع والأمة ككل، كما أن هذا القسم يعتمد على اتفاق أفراد الشعب لأن العمل الاجتماعي سواء كان دِينيَّاً أم دُنيويَّاً لا يمكن أن يقوم به فردٌ وحده، فإذا لم يوجد الاتفاق بل وجد التنازع والتشتُّت والفردية في أكمل صورها، كان معنى ذلك فقدان الشعور الاجتماعي، وبسبب هذا الفقدان للحس الاجتماعي لم يستقر في قلوب الإيرانيين بعد التطلُّع إلى الشرف والرفعة والعلو الديني والسياسي أي المتعلق بإدارة البلاد وحكمها، بل لا تزال آثار عكس ذلك موجودة بنحوٍ كامل، ولو كان حس سيادة الأمة واستحصال حقوقها العامة موجودا لانتهى ذلك إلى تحقق العدالة ولما فقدت المساواة في هذه البلاد. وكل قوم فقدوا شعورهم الاجتماعي فلا أمل في فلاحهم وصلاحهم الإنساني.

إن نعم الدنيا من نباتات وحيوانات لا تختص بالمؤمن أو الكافر. وكما أن الإيجاد من طرف الله مجانيٌّ وبلا مقابل، فالإمداد والرزق كذلك مجانيٌّ من طرفه وبلا مقابل. والحكمة من أمر الإنسان أن يكون شاكراً غير كفور لأنه بذلك يتم ترويض الإنسان الذي هو أشدُّ توحُّشاً من السباع ولأنه بذلك ينتبه الإنسان إلى عالم الغيب ولا يدَّعي الإلـهية كما لا ينحطّ إلى الوثنية، ولهذا تم وضع الجزاء الأخروي على الكفر والإيمان.

لا يوجد في عالم النبات والحيوان عدالةٌ بمعنى التساوي في الحقوق والأخوّة، بل إذا أخذنا الاختلاف في المخلوقات بعين الاعتبار لوجدنا أن العدالة بهذا المعنى محالة، فمثلا تقوم جذور وأوراق وظلال وترشحات الشجرة القوية بتجفيف الشجرة الضعيفة والقضاء عليها، كما أن الحيوانات القوية تقتات على الحيوانات الضعيفة التي تشكل فطورها وغداءها، والحوت يبتلع بحلقومه الواسع كل يوم مئات الأسماك، والسباع القوية تفترس كل يومٍ الغزلان الحوامل بأنيابها ومخالبها وتقطّعها إرباً. إن هذه الحيوانات لا تفهم الشكر والكفر وكل ما تفعله أنها تتحرك بغريزة حب البقاء وتفترس الآخرين لتستمر في حياتها. والأمر ذاته يظهر فيما يقع في البلدان الإسلامية، إن نزاع القوي والضعيف كان موجوداً منذ مئات القرون قبل خلق البشر في الغابات التي لا حصر لها على الكرة الأرضية بين النباتات وأنواع الحيوانات وسيبقى ذلك حتى زمن: وإذا الشمس كورت.

لقد نادى آلاف الأنبياء والسفراء الإلهيين خلال آلاف السنين على مسامع الناس أن: يا ابن آدم كن إنساناً، إنك لا تزال في مدرسة الإعداد للوجود الحقيقي، إن هيئتك مستعدةٌ للمعرفة والتوحيد والأخلاق الاجتماعية، إذا قمت بتربية نفسك الناطقة وتقويم صفاتك الباطنية كاستقامة قامتك الموزونة ستكون أهلاً عندئذٍ للبقاء الأبديّ وإلا ستكون عرضةً للفناء مثل النمل والضفادع ولن ترتفع عن كرة الأرض الترابية. إن سر العرش ينادي قائلاً: لقد نظر الإنسان بعينه اليمنى البصيرة إلى نفسه الناطقة فرأى أن صيرورته إنساناً تتطلب مشقةً ورياضاتٍ كثيرة، ونظر بعينه اليسرى إلى جسمه فاقترب منه ووَصَلَهُ وقرأ هذا الشعر:

پدرم روضه رضوان بدو گندم بفروخت

                    ناخلف باشم اگر من بجوى نفروشم

أي: لقد باع أبي جنة الرضوان بحبَّـتَيْ قمح

          وأكون عاقَّا (له) إن لم أبعها (أنا أيضاً) بحبَّة شعير!

وقال: أنا الآن مشغولٌ بخدمة الوطن الأم وعمارته، كي أخطو مثل الشعوب المتحضرة خطوات واسعة على طريق رقي وطني الأم.. وها هو المجلس الدولي أعلن السلام العام والتخلي عن الحرب...

فأجاب الهاتف: أيها الآسيوي الساذج البسيط إن مجلس الأمن العام ليس سوى طبل خالٍ ولباسٍ فُصِّل لأجل شعوب آسيا وأفريقيا والجزائر... افتح عين البصيرة لترى السلام العالمي جيداً في معامل المدافع والرشاشات والقنابل والبوارج الحربية التي تتكاثر كل يوم وانظر إلى بالونات النار.. أفلا يتناقض وجود كل مصانع صنع الأسلحة هذه مع دعوى السلام العالمي، أوليس هذا سخرية من الشعوب؟؟

إن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر الرفاهية والحرية بل عصر الجاهلية، لأن انتظار ظهور ولي العصر دليل كافٍ على أن زمن الغيبة زمن الجاهلية لأن انتظار الفرج هو لأجل الاستفادة التشريعية منه لا التكوينية لأن الواسطة التكوينية للانتظار لا ظهور لها – كما يعتقد فلاسفة الإشراق والفلاسفة المشائيين بالواسطة التكوينية- ولا معنى لظهور مثل هذه الواسطة أو انتظارها بل القول بمثل ذلك خطأ في خطأ.

إذا كان المقصود هو الواسطة التكوينية البشرية فهذا منقوض بجميع الموجودات والكواكب غير المتناهية التي يُعَدُّ الإمام واسطة تكوينية لها جميعاً، ولا معنى لظهوره في هذه الكرة الأرضية بحجمها المتناهي في الصغر، كما هو منقوض بالزمن غير المحدد الذي كان قبل وجود آدم حيث لم يكن الإمام الثاني عشر في قالب عنصري ولم يكن هناك أي نبي من الأنبياء، فمن الواضح أنه لا معنى للواسطة التكوينية الجسمانية قبل آدم. إذن من كان الواسطة في الواسطة في تلك الأزمنة؟ ثانياً: هذا منقوض بزمان شهادة ولي العصر حيث يجب [على هذا القول] أن تنتهي الدنيا بشهادته وأن تُفقد الأرض والنباتات والحيوانات والجمادات والبحار وتزول وعندئذ فستكون أخبار ظهور الأئمة ورئاستهم بعد شهادة حجة العصر موضع إشكال.

بناء على ذلك إن وجود الإمام عليه السلام مع عدم الاستفادة من فوائده التشريعية هو في حكم زمن الجاهلية التي تعد الجاهلية الثالثة(12)، وأوضح برهان على أن العصر عصر جاهلية: تشتت عقائد الشيعة الاثني عشرية بين المجتهدين والأخباريين والكشفيين والشيخية والعرفاء (الصوفية) والحكماء (الفلاسفة)، مع كل الاختلافات الواسعة الواقعة بينهم، يضاف إلى ذلك بعض المعاصي التي شاعت وراجت وأصبحت علنية في بعض البلدان الإسلامية، وبعضها بمثابة معاداة صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم وبعضها الآخر يتضمن وثنية وشركاً مما يخجل القلم ويستحي من شرحه، حيث أن مرتكبي تلك المعاصي ومروّجيها وحامليها والساعين إليها جميعهم مسلمون يدَّعُون التديُّن والإسلام، فهم يذبحون الإسلام باسم الإسلام ويضربون الشرع باسم الشرع.

إننا عندما نتدبر توحيد القرآن المجيد وإخلاص أصحاب النبيِّ وتضحياتهم في سبيل نشر أحكامه، ونقارن ذلك بما عليه أوضاع المسلمين الحاليَّة مع مطالعتنا لقصص وحكايات فترة الجاهلية الأولى والثانية نقطع أن هذا العصر الحالي أسوأ وأشد وأخبث من كلا الجاهليَّتين.

أيهما يدعم ويقوي أساس الإسلام أكثر: هل هو حكم وقضاء المسلم بغير شريعة الإسلام أم هو حكم وقضاء غير المسلم بشريعة الإسلام؟

لا شك أن القسم الثاني إسلام والقسم الأول يتنافى مع الإسلام، إذ إنه مما لا ريب فيه أن القانون أكثر أهمية واحتراماً من الأشخاص، فإذا قام الكافر والفاجر بتطبيق الشرع الإسلامي كان أقرب إلى حقيقة الإسلام وتحكيم آياته من المسلم الذي يطبق قانوناً غير إسلامي، وكان ذلك الكافر أفضل منه لأن حكومته حكومة إسلامية وحكومة هذا المنتسب إلى الإسلام غير إسلامية ومعادية للإسلام. من الواضح أن على جميع المسلمين أن يضحوا بأنفسهم لأجل الإسلام كي يبقى هذا الدين قائماً.

كتب الفرق الإسلامية تنظر خلال سعيها لإثبات أحقية كل فرقة إلى فريقين من الأشخاص بشكل عام: الفريق الأول: الأشخاص الذين يشاطرون المصنف عقيدته، والفريق الثاني الأشخاص الذين يخالفون عقيدة المصنف. الفريق الأول ينالون المدح والثناء والتمجيد من المصنِّف، والفريق الثاني ينالون التوبيخ والذمّ واللوم. ففريقٌ يُمدح بسبب عقائده والفريق الآخر يُلام بسبب عقائده. فريقٌ يتم إرساله إلى الجنة والفريقُ الآخر يساق إلى جهنم. وهكذا يقوم كل كاتب ومصنِّفٍ بإعطاء كل من الجنة والنار حصتها من الناس حسب اختياره، وقد أنتجت هذه الطريقة العداوة والخصومة وتفرّق أهل القرآن وجرّ ذلك إلى سقوط المسلمين من مرتبة أعلى الأمم مما نشاهده في هذا العصر ويموت له القلب كمداً.

مهما تفكَّرنا وتدبَّرنا في السبب الأساسي لانحطاط المسلمين لم نجد لذلك سبباً سوى اختلاف كلمة أعلامهم وتفرُّق آرائهم، ومن البديهي أن الأجانب والدول القاهرة لا يمكنها أن تقضي على الدين من خلال سوق الجيوش واستخدام القوة القاهرة، كما رأينا ذلك في واقعة جنكيزخان التي لم تستطع أن تقضي على الدين رغم نصف قرن من المذابح والحروب، حيث أنه بعد خمسين عاماً من حملاته اعتنق غازان الهولاكي مع مئتي ألف من فرسانه المغول الوثنيين الإسلامَ في «كوه لار» طهران على يد الشيخ إبراهيم الحمومي وزال خطر المغول على الإسلام إلى الأبد. أجل إن ما يمثل خطراً على الدين هو اختلاف أمزجة وآراء أهل العلم والمصنفين الذين تعاون جماعة منهم ممن يلبس لباس العلم مع القوى القاهرة وبدلاً من الدين الحقيقي تظاهروا بالدين، وقام جماعة أخرى من خلال مؤلفاتهم الدينية بإيجاد العداوة والبغضاء بين المسلمين وقام آخرون بالسكوت والصمت والانعزال. وقد أعطت هذه الاختلافات في الأمزجة والآراء الفرصة لطلاب الدنيا من أصحاب القدرة والقوة كي يدَّعوا بدورهم نصرة الإسلام وحمايته رغم مخالفتهم الصريحة لأحكام الإسلام الأساسية.

منذ زمن معاوية فما بعد قام جميع سلاطين المسلمين بتعيين وليِّ عهدٍ لهم حسب رغبتهم وهواهم وورث ولي العهد هذا بيت المال كما يرث الإنسان أباه وأمه، وتصرفوا فيه تصرفات غير مشروعة. لقد قضوا على قانون المساواة في الإسلام وأزالوا الأخوة بين المسلمين وبدؤوا أعمال كسرى وقيصر التي اعتبرها القرآن صراحةً نوعاً من الوثنية وراج بينهم الترف والفخفخة والأبَّهة والزخارف التي لا حصر لها والتبذير والإسراف واللهو واللعب والرقص والموسيقى وشرب الخمر ولعب الميسر وممارسة الفحشاء، وعُطلت الحدود الإلهية فلم تعد تطبق، وبعد شهادة علي عليه السلام لم تعد تطبق الحدود على أي شخص من المقربين إلى بلاط الخلافة وأقرباء وأرحام الخليفة، وتُركت بشكل عام جميع الأحكام الشرعية السياسية والعامة للإسلام واقتصر الأمر على بعض الأعمال السهلة غير ذات التأثير كصلاة الجماعة والصوم والأدعية المستحبة وحفظ بعض الآيات لاستخدامها في المناظرات الأدبية في مجالس رياء يغطون بها على أعمالهم، وقد صنعوا بهذه الأعمال حجاباً غليظاً حجب نور الإسلام عن أعين الأعلام وأعطى المجال للناقدين أن يطلقوا ألسنتهم في نقد الإسلام.

لو تمسك أولئك الحكّام بالقرآن المجيد منذ أول يوم لما صار - منذ زمن معاوية فما بعد - أمثال يزيد ومروان بن الحكم أولياء عهد ثم خلفاء، ولما عُطلت الحدود ولما أصبح بيت المال مأكلةً لساكني القصور من الملوك الجبابرة، ولما صُرفت ستون مليون دينار على عرس زبيدة ولما تحول الإسلام إلى تعظيم للأصنام وإلى أعمال وثنية. لقد كانت مراعاة من يتفق مع المؤلف أو العالم في مذهبه ويتحد معه في عقيدته من أغلظ الحجب التي تحجب عنه القرآن.

يجب على المسلم أن تكون جميع حركاته وسكناته مطابقة لتعاليم القرآن. وبما أنَّ القرآن حجة الله وحبله المتين فيجب أن تستند جميع اعتقادات المسلمين إليه فكل من طابق عمله القرآن يجب اعتباره مسلماً وكل من خالفت أعماله الإسلام يجب أن نعتبره متبعاً لهواه. وفي مجال تطبيق أحكام القرآن الأساسية والسياسية الضامنة لجعل أمة الإسلامية من أعلى الأمم لا بد أن نعتبر تطبيق أحكام الإسلام هو المعيار وليس الأعمال الشخصية والخاصة لأشخاص معينين. ولذلك فكما تدل عليه آية أولو الأمر بصراحة - كما أوضحنا في الفصل الرابع - كان الخلفاء الأربعة مصداقاً لأولي الأمر في الفترة التي أعقبت رحلة صاحب الرسالة وحتى شهادة علي عليه السلام، لأن أحكام القرآن كانت مطبقة في تلك الفترة وكان بيت المال يُقْسَمُ بالسوية وكان شخص الخليفة يأخذ سهمه مثله مثل أي فقير في الدولة ولم تكن هناك تلك الزينات المسرفة والزخارف القيصرية، وكانت بيوت الخلفاء على النحو الذي كان عليه بيت النبي وأهل بيته، لا تمتاز بشيء عن بيوت سائر المسلمين، وكانت الحدود الإلهية تطبق دون أي مهادنة أو مداهنة، وكان أقرباء وأرحام مقام الخلافة والمقربون منه عرضة لتطبيق الحدود عليهم مثلهم مثل أي فرد من المسلمين، ولم يقم أحد من أولئك الخلفاء الأربعة بنصب ابنه ولياً للعهد، وكان كل من دخل إلى مجلس الخليفة يُلْقِي السلام مثلما كان المسلمون يلقونه على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في عهد رسالته، ويجلسون حيث انتهى بهم المجلس في الحلقة، فلم تكن هناك تلك التعظيمات الكسروية والقيصرية ولم تبدأ روح الوثنية بعد. كلُّ مظلومٍ كان يستطيع أن يتظلّم لدى الخليفة مباشرة ودون وسطاء، ويطالب بالعدالة. كانت المساجد والأزقة والبيادي محكمة الخلفاء وكان كل شخص يستطيع الدخول عليهم والخروج من عندهم فلم تكن هناك خلوة خاصة للخليفة أو القاضي، وكانت الأخوة الإسلامية بين البشر هي السائدة في محضر الخليفة وكانت جملة «قال الله وقال رسول الله» مستند ومرجع كل الدعاوي والأحكام، وكان التشاور الذي أمر به القرآن وتبليغ أحكامه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بشرائطه قائمة على قدم وساق، ولم يكن هناك أي إهمال وتساهل في أصول الأحكام التي كان حفظها ونشرها وتبليغها جارياً وكانت تطبق دون ملاحظة لحسب أو نسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سنةً ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَه يكونُ مُلْكاً عضوضاً(13»)(14)،

وقال: «إِذَا بَلَغَ بَنُو الْعَاصِ ثَلاثِينَ يكون دِينُ اللَّهِ دَخَلاً (15) وَعِبَادُ اللَّهِ خَوَلا (16) وَمَالُ اللَّهِ دُوَلاً (17))(18).

هذان الحديثان الشريفان متمِّمان لهدف هذه الرسالة والأربعون سنة الأولى من تاريخ الإسلام لا ينبغي إهمالها أو عم الاعتناء بها بل لا بد من تمجيدها ومدحها، كل ما في الأمر أن ذلك لجهة تطبيق أحكام الإسلام وسريانها مع الإغماض عن الأحوال الشخصية لمجري تلك الأحكام وحالاتهم الشخصية التي وقع بشأنها الخلاف بين الفرق الإسلامية، ولكن هذا الاختلاف الشخصي والذي كان مختصاً بعدة أشخاص لم يعد له مصداق فيما بعد ويجب أن تبقى القضايا الدينية إلى يوم القيامة.

 منذ خلافة معاوية وإلى اليوم لم يوجد لأولي الأمر الذين ذكرهم القرآن أي مصداق ولم يطبق في أي بلاط من بلاط الملوك والسلاطين أي من الأحكام الأساسية الحافظة للأمة ولِمَنْزِلَةِ المجتمع الإسلامي أي الحافظة للإسلام، بل تمت مخالفة جميع أحكام الإسلام الأساسية: (1) المساواة في بيت المال، (2) المساواة في تطبيق الحدود، (3) المساواة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (4) الأخوة الإسلامية ووجوب الاتحاد والاتفاق وحرمة التفرق والنزاع، (5) حرمة انتهاك حرمة الحدود الإسلامية، (6) وجوب الدعوة والتبليغ، (7) وجوب مشاورة أهل الحلّ والعقد، (8) وجوب الجهاد.

ولقد قام بعض الخلفاء بفتوحات لكن شروط الجهاد لم تراعَ في تلك الفتوحات وكان الغالب عليها السعي لتوسعة رقعة البلاد والسيطرة على سائر البلدان وليس الجهاد الإسلامي، ولهذا السبب قال صادق العترة الطاهرة عليهم السلام: ليس هذا بالجهاد إن الجهاد يجب عندما يكون بإذن الإمام العادل الذي يعمل بشروط الجهاد، أما عمل أولئك الخلفاء فلم يكن جهاداً لأنه لم يُعمل فيه بشروط الجهاد.

إن شرط أولي الأمر: أولا: الإيمان، وثانياً: أداء الأمانات، وثالثاً: الحكم بالعدل. وقد اعتبر القرآن أن أولي الأمر هم الذين يمتلكون هذه الصفات، أي أن الذين يطبقون أحكام الإسلام هم الذين يشكلون مصداق أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، ولابد أن يمتلكوا تلك الصفات.

والرئيس التنفيذي للمسلمين يجب أن يُنتخب انتخاباً، وقد بين القرآن الكريم أوصافه، فعلى المسلمين في كل عصر وزمن أن ينتخبوا من يتحلى بتلك الصفات ويكون مصداقاً لها، أي على المسلمين أن يكونوا لسان القرآن الناطق كي يشخِّصوا من يمتلك تلك الصفات من بينهم فينتخبوه لرئاستهم.

إن القرآن ينفي بصراحة الرئاسة الوراثيَّة أو تلك التي تأتي بنص السابق على اللاحق. إن من تتوفر فيهم الأوصاف المذكورة هم الأمراء والرؤساء وأولو الأمر في كتاب الله، ولا دخل للنسب في هذا المقام أبداً. فعلى المسلمين أن يعينوا مصداق القرآن وينتخبوه ويعتبروا طاعته واجبة عليهم. وإذا قام هذا الرئيس عملياً خلال مدة رئاسته المنتخبة بمخالفة صريحة لأحكام القرآن كان لهم الحق في عزله كما حصل تجاه الخليفة الثالث. إذن لا يوجد في الإسلام رئاسة وراثية ولا تعيين لولي العهد وهذه الأمور من البدع الركيكة المخالفة بصراحة للقرآن الكريم فالحاكم والمعين وشخص الرئيس والأمير ومنفذ الأحكام هو القرآن ذاته كما سنذكر في الفصول اللاحقة.

إن المسلمين ينتخبون من ينفِّذُ أحكام القرآن، وبالتالي فالرئاسة الانتخابية للقرآن تختلف عن النظام الجمهوري الرائج لدى سائر شعوب العالم لأن الأساس في الإسلام هو الدين وعبادة الله والمساواة الدينية والأخوة، والتي من آثارها الحتمية رقي المسلمين إلى رتبة خير أمة أخرجت للناس، التي وعد بها القرآن بصراحة وليس مجرد انتخاب رئيس للجمهورية بهدف تقدم البلاد دون النظر لعقيدته حتى ولو كان معتقداً بالمادية دهريّاً ملحداً، حاشا وكلا، إن الإسلام المقدس منزّه عن أن يقتصر هدفه على الدنيا والتطور فيها فقط، كما هي النظرة المادية، أو أن يكون هدفه الآخرة فقط، كما هي النظرة الروحانية، بل الإسلام في قوانينه ناظر إلى كل من الدنيا والآخرة معاً. إن الرئيس الانتخابي الذي ينص عليه القرآن هو المنفذ والمطبق لأحكام القرآن وليس رئيس الجمهورية حسب ما هو رائج في سوق السياسة الحالية للعالم. فكل الذين وصلوا إلى سدة الرئاسة الإسلامية بالقوة والقهر والتغلب وكل الذين وصلوا إليها بتعيين أسلافهم مثل يزيد ومعاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك وأحمد السفاح والمنصور الدوانيقي، وهكذا الصفّاريون والسامانيون والسلاجقة والغزنويون والديالمة والخوارزميون والسرمديون سواء في الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر أم في تونس والجزائر وبلاد الأناضول أم في بلاد ما بين النهرين وإيران وأفغانستان والهند وغيرها، كل تلك الأسر الحاكمة التي وصلت إلى سدة الرئاسة من خلال السيف والتغلب وقتل الأنفس وهتك الأعراض والنواميس ثم قام كل سلطان بتعيين خلفه لولاية العهد ولقّبه بأمير المؤمنين وبالسردار (بقائد الجيش) أو الشاه، رئاستهم وولاية عهدهم مخالفة لنص القرآن ولعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الأربعة، كل هؤلاء خالفوا القرآن الكريم في رئاستهم وفي تعيينهم لولي عهدهم ولم تعاد أمة من الأمم كتابها السماوي بقدر معاداة المسلمين ومخالفتهم لكتابهم. وقد تجشم كل عالم من علماء المذاهب عناء تأليف كتب قام فيها بمدح وتمجيد السلاطين الذين ينتمون إلى مذهبه وذم وتقبيح السلاطين الذين ينتمون إلى المذاهب الأخرى. في كل تلك المؤلفات الدينية صرف المؤلفون أنظارهم عن القرآن وكأنه لا وجود له، لأن انتخاب السلاطين هو المقدمة الصغرى لمخالفة القرآن وكل مخالف للقرآن ليس المقدمة الكبرى لأولي الأمر فالنتيجة أن أياً من السلاطين والأمراء لم يكونوا أولي الأمر. وقد خالفوا قطعاً تلك الأحكام الثمانية التي تعتبر الأحكام الجوهرية والحافظة لأساس الإسلام وكانوا بحكم التاريخ وكما تدل عليه الكتب والمصنفات الأدبية والعقائدية يعملون بظاهر العبادات فإذا لم نجز لعنهم فلا نعتبرهم من أولي الأمر. لقد كانوا مسلمين عصاة ومبذرين ومسرفين ومطيعين لأهوائهم وذوي خصال حيوانية بهيمية وكانوا يعتبرون أرواح عباد الله وأموالهم وأعراضهم حلالا لهم ويعتبرون أنفسهم واجبي الطاعة والحائزين على مقام الإلهية الوثنية فكانوا بحد ذاتهم صنماً حقيقياً وكانت طاعتهم وثنية حقيقية. لقد أهمل هؤلاء القوم في أعمالهم القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسقطوهما من الاعتبار كما تسقط الهمزة من ألف الوصل وخالفوا بذلك صراحةً كتاب الله وسيرة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يستحق أمثال هؤلاء أن يكونوا من أولي الأمر.

لا مجال للاعتراض كثيراً على أعمال العواصم الإسلامية لأنه لم يكن لها علم بالدين ولا علم بالعلوم الأجنبية وقد تغلب فيهم الجانب الحيواني على الجانب المعنوي الناطق في الإنسان، ولكن التعجب من علماء الإسلام الأعلام فهل كانوا يميزون أركان الإسلام الحافظة لأصل بيضة الإسلام من الأعمال الشخصية السهلة إلا أنهم لا يقولون ذلك خوفاً أم أنهم لم يكونوا يعلمون ذلك؟ إذا كانوا جاهلين فهم معذورون أما إذا كانوا عالمين ولكنهم سكتوا عن بيان هذا الأمر المهم فقد ارتبكوا ذنباً لا يغفر. وإذا كانوا يخافون فكان بإمكانهم أن يكتبوا رسائل تكون دستوراً للمسلمين من بعدهم. بأي حق وصف علماء العهد العباسي ملوك بني أمية الجبابرة بأولي الأمر؟ هذا مع أنه لم يكن المقام مقام تقية. فالحكم بجهلهم أولى. وليت شعري بأي دليل قامت الطبقات التالية من العلماء بوصف الجبابرة المنقرضين السابقين بأنهم كانوا أولي الأمر خلافاً لنص القرآن؟!

بيَّن القرآن العبادات بشكل إجمالي كالصلاة والصوم وأوكل تفصيلها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال حضرته في مقام بيان الصلاة: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»(19). ولما كانت حقيقة العبادة خضوع العبد أمام الله فإن من قصّر فيها وأخطأ ثم تاب غفر الله له، هذا بخلاف حقوق العباد كالزكاة والخمس التي بيَّنَتْها الآية ولم يوكل الله تشريعها إلى صاحب الرسالة(20)، فإذا عرفنا هذه النقطة الدقيقة المستفادة من القرآن فكيف يمكن أن يوكل الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حقوق المسلمين ويفوضها إلى جبابرة القصور إلى يوم القيامة وأن يعتبرهم أولو الأمر! حاشا وكلا أن يحكم الدين بمثل هذا الحكم. وبهذا فإن إطلاق أولي الأمر على أولئك الجبابرة بعيد عن تعاليم الدين بعد السماء عن الأرض. لقد شاع هذا الخطأ بين المذاهب الإسلامية نتيجة لاعوجاج أفهامهم وقصورها وعدم التدبّر في كتاب الله، وأخطأت عامة الفرق الإسلامية في مسألة الخلافة لأنهم نسوا منذ أول يوم آية أولي الأمر، في حين كان من اللازم على الفريقين أن يعملوا بآية أولي الأمر بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكل من كان من الصحابة مصداقاً للآية صار خليفةً وبهذا كانت ستبقى هذه السنَّة حتى يوم القيامة ولصار رئيس المسلمين رئيساً منتخباً وعاملا بالقرآن، ولارتفع عندئذ الاختلاف بين المسلمين. ولكن مع الأسف الشديد لم يعتبر المسلمون منذ أول يوم آية القرآن دليلاً وحجَّةً وتمسَّك كل جماعة منهم بدليل غير القرآن وشيئاً فشيئاً بدأت تتحول الأقلام وآثار المصنِّفين من النزاع الذي كان عاماً دينيّاً وقرآنياً إلى نزاع شخصي وخاص(21) وخصومات غير دينية وهذا النزاع لا أثر له سوى ضعف المسلمين واختلاف طبقاتهم وتسلُّط الأجانب عليهم.

هل سكوت المتدينين من العلماء وغير العلماء في هذا القرن الرابع عشر الهجري، قرن هجوم الماديين على الإلهيين وسعيهم لاقتلاع أساس الإسلام، هو في مصلحة الإسلام والقرآن أم ضدّهما؟ وهل هذا السكوت لصالح المسلمين عاجلا وآجلا أم هو ضدّ مصلحتهم؟

يقول البعض إن السكوت من باب التقية! ولكن لا شبهة أنه لا مكان للتقية في أصول الدين، وإنما التقية في بعض الأحكام الجزئية الفرعية كالوضوء والغسل والمسح والتكبير والتكتف وإسبال اليدين في الصلاة وبعض فقرات الأذان والتشهد وغيرها. ولا تقية في تغيير أصول الدين، بل الوظيفة في هذه الحالة هي الجهاد لا غير.

هل سبب سكوتهم هو ترجيحهم لمصالحهم الشخصية وتقديمها على المصالح العامة المشتركة للديانات؟ هل سببه الاهتمام بالحياة الانفرادية والتشتت والتحزُّب أم لا؟ من الواضح بملاحظة عواقب الأمور أن هذا السكوت ليس لصالح الإسلام والقرآن بل ضدهما وضد مصلحة المسلمين.

لا شك أن سبب سكوت محبي الإسلام حين اصطفاف الكفر والإسلام في وجه بعضهما البعض سببه إما الجهل بأحكام القرآن السياسية أو عدم الاعتناء بها عن عمد، وحمل الأمر على جهل المسلمين أقرب بالطبع إلى مقام محبي الإسلام من حمل سكوتهم على التعمُّد!!

سؤال: هل يحق لمحبي الإسلام في هذا العصر الذي يشاهدون فيه هجمة الماديين وإغارة أتباع الملل الأخرى على الإسلام أن يصرفوا اهتمامهم إلى مجموعة من المستحبات في الدين من قبيل نوافل العبادات وزيارات المشاهد والأدعية والخضاب وقص الشارب وقص الأظافر وحلق العانة وأمثالها، هذا مع ما يرونه من اهتزاز أركان الإسلام والتبديل العلني لأحكامه باسم مقتضيات العصر، ومن سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الدعوة والتبليغ وعدم الاتحاد والاتفاق والتشاور وعدم المؤاخاة والمواساة الإسلامية وخروج الشباب من الإسلام – يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً – النزاع والخلاف الشديد بين المسلمين؟؟ هل يحق ويجوز لهم أن ينشغلوا بلعن فسّاق القرون السابقة كما هو شائع بين المذاهب الإسلامية كما يلعن الشيعة جيش يزيد ونظام ابن زياد الذين ذهبوا إلى الكوفة؟ هل في لعنهم ثواب أم لا؟

الجواب: لو كان مسلمو هذا القرن مثل مسلمي القرون السابقة لكان لذلك اللعن ثواب بلا شك، ولكن بعد التدبر الكثير والعميق يتبين مثلا أن الحسين بن علي عليهما السلام سورة [متحرِّكةً] من سور القرآن وهكذا سائر الأئمة كل منهم كان سورة من سور القرآن، وخاصة سيد الشهداء عليه السلام الذي تربى في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانت شهادته أمراً عظيماً، وإذا صرفنا النظر عن شهادة الرجال فإن أسر حفيدة النبيّ من قبل يزيد وابن زياد مع قرب نسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نظير لها في الدنيا، فلم يسبق أن قامت أمة من أمم العالم بأسر وقتل أولاد نبيها رغم معرفتها بفضلهم وقرب عهدها من زمن نبيها إلا ما فعله الأمويون بآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعمل يزيد هذا كان عملاً حيوانياً وشهوانياً صرفاً وكان من أعمال الانتقام الجاهلية وثأراً للمقتولين في بدر وأحد الذي سماه العلماء كفراً ونحن نعبر عنه بالوحشية. ولا ينبغي أن نتعجب من يزيد وحاشية بلاطه لأنهم كانوا جميعاً جاهلين بالكتاب والسنة، ولم يكن لمن تتغلب فيهم الصفة الروحانية على الصفة الجسمانية وجودٌ في الشام بل كان أعضاء بلاطه سباع متوحشة. ولكن التعجب هو من العلماء أصحاب المصنّفات والمؤلفات والكتب الدينية الذين اعتبروا يزيداً الفاسق والفاجرَ والمسرفَ والمبذِّرَ والخمّارَ والقمّارَ واللاعبَ بالكلاب وعدوَّ النبيّ الذي يأسر نساء أهل بيته بتهمة جرم رجالهم، أميراً للمؤمنين وخليفةً لرسول الله مع أن يزيداً - مثل أبيه معاوية- لم يكن يقيناً يعتقد بقول الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ولا قوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ أو قوله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.

ولنفرض أنه قتل الحسين بن علي (ع) بتهمة ادعائه الخلافة، فلماذا قام بأسر زينب الكبرى حفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن دراسة آيات الكتاب تبين أن أنصار يزيد وحُماتَهُ عنه يستحقون اللعنة لأن يزيداً طبقاً لآيات القرآن الصريحة ولوقائع التاريخ كان أكثر خبثاً ووحشيةً من السباع المفترسة، فواحسرتا على الأوراق والحبر الذي سُطِر فيه أن يزيداً كان إنساناً ومسلماً وخليفةً. لا يوجد دين من الأديان يجيز معاقبة امرأة بريئةٍ وأسرها وإذلالها بذنب أخيها، فيزيد خالف جميع الأديان ولم يكن معانداً للقرآن المجيد فقط، ولا نظير في تاريخ البشر لشناعة وقبح ما قام به. ولكن وبعد هذا الشرح نقول إن فِرَق المسلمين في هذا العصر لا يحق لها لعن يزيدٍ وجنودِهِ، ففي هذا العصر هناك عددٌ من المادِّيين الملحدين بدَّلوا شريعة الإسلام من أساسها وأحلُّوا محلَّها قوانين مادية وضعية، فهؤلاء الملاحدة أكثر شؤماً وأخبث كثيراً من يزيد. ولذلك فإن أعوان أولئك الملاحدة الذين ساعدوهم من خلال سكوتهم وانعزالهم رغم مشاهدتهم لخطر انقراض أحكام الإسلام وزوال شرائعه، وفضَّلوا العزلة والحياة الانفرادية على الاتحاد والتمسك بحبل الله المتين القرآن المجيد، لا يحق لهم لعن كفار وفساق القرون السالفة لأن الذين قاموا بإزالة أحكام الدين عدة قليلة من الناس لا يصل عددهم إلى عشر معشار عدد المتدينين، فسكوت المتدينين الكُثُر في مقابل الماديين القلة علامة على الرضا بفعلهم، طبقاً للحديث الشريف لأمير المؤمنين علي (ع) الذي قال فيه: «السَّاكِتُ أَخُو الرَّاضِي»(22) أو «السكوت أخو الرضا». ويدل على ذلك أيضاً قوله علي (ع) لِلأحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ: «يا أحنف! السَّاكِتُ أَخُو الرَّاضِي وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا كَانَ عَلَيْنَا» أي من لم يؤيدنا بفعل ولا قول ولم ينصرنا حتى بلسانه فإنه يكون قد عمل ضدنا، أي السكوت والقعود في مقام النصرة تأييدٌ للعدو.

 

+                +             +

 

في عظمة واتساع عالم الخليقة

أحد مصاديق الإمكان البُعد المجرد للموجودات الذي هو مصداق للكم المتصل بل هو عين الكم المتصل الممتد والمتسع بنحوٍ ذاتي والذي يطلقون عليه اسم «الفضاء»، وهو مكان جميع الأجسام الجامدة أو السائلة أو الغازية، فكل حيز من الفضاء يتطابق مع أقطار جسم ما يشكّل مكاناً حقيقاً لذلك الجسم. وهذا الفضاء هو الذي يحدد كل المساحات أو الطول أو العرض أو الارتفاع، وبعبارة أخرى فإن تعيين الطول والعرض والعمق هو تحديد لمقدارٍ ما من الفضاء، فإذا قلنا مثلا أن مستودعاً للقمح ارتفاعه كذا أو أن الماء أو الأرض طولها كذا وارتفاعها كذا فإن الذي يحدد هذا الطول والارتفاع ليس حبات القمح ولا تراب الأرض ولا ذرات الماء بل الفضاء. والفضاء غير محدود في أبعاده الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) فمهما فرضنا مقدار أبعاده كان من الممكن أن نفرض أن تكون هذه الأبعاد أكبر إلى ما لا نهاية، إذاً الفضاء موجود غير محدود ولا متناهي.

الثاني الزمان في الماضي والمستقبل. لا يمكننا أن نتصور للزمان نهاية لأوله ولا نهاية لآخره لأننا كلما تصورنا مثلا مئات مليارات السنين السابقة أمكننا أن نتصور زمناً قبلها مثل مئات آلاف المليارات السنين أو مليارات المليارات أو أضعافها وأضعاف أضعافها وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا ينطبق على الماضي والمستقبل. فلا يمكن تصور بداية للماضي ولا نهاية للمستقبل فالزمان كمٌ متصل أو هو متصل ذاتاً.

إن هذان الأمران غير المتناهيين – المكان والزمان – يشكلان الظرف المكاني والزماني للمادة غير المتناهية وكل ما يتفرع عنها وكل المسكونات التي لا حصر لها من الشموس والكواكب السيّارة والأقمار والمذنبات والشهب والنيازك، وطبقاً لنظرية التناسب الطبيعي بين الظرفين فعندما يكون عندنا ظرف غير متناهٍ ومظروف به فإن المظروف يجب أن يكون غير متناهٍ أيضاً وإلا لو كان المظروف متناهٍ للزم أن يكون الزمان والمكان موجودان دون أن يكون هناك مظروف بهما، وخلو هذين الأمرين (الزمان والمكان) لا يخلو إما أن يكون سببه عجز الواجب تعالى أو إهماله أو بخله وكل ذلك منشأٌ لانتزاع نقص الواجب تعالى.

فالمظروف أيضاً غير متناهٍ، إذن خُلقت الكواكب غير المتناهية من مادة غير متناهية منبسطة في الفضاء غير المتناهي، ولا يمكن جعل حركة الأجسام معياراً وميزاناً لتحديد المسافات بين الكواكب لذا جعلوا حركة النور هي الميزان والمعيار وهذا الميزان بيانٌ لعظمة المخلوقات غير المتناهية.

إن النور يقطع/300,000/ كم في الثانية أي حوالي 50,000 فرسخ وبالتالي فإنه يقطع ثلاثة ملايين فرسخ في الدقيقة، و180 مليون فرسخ في الساعة، فلكي يطوي النور محيط الأرض كله يحتاج إلى ثمن 1/8 ثانية فقط.

والنور يصل من الشمس إلى الأرض خلال زمنٍ قدره ثمانية دقائق ونصف أي 510 ثوان أما نور كوكب النبتون الذي يشكل جزءاً من مجموعتنا الشمسية فيحتاج إلى أربع ساعات ليصل إلينا أي إلى أكثر من/14,400/ ثانية، وأقرب النجوم (التي على شكل قنطورس) إلى عالمنا يحتاج نورها إلى أربع سنوات ليصل إلينا وأما نور الجدي من مجوعة الدب الأصغر فيحتاج إلى خمسين سنة ليصل إلينا.

وبسبب شدة بُعد الكواكب عنا، لم تعد الفراسخ كافية لحساب بعدها عنا أو المدة التي يستغرقها نورها ليصل إلينا لذلك قاموا باستخدام الحساب بالسنوات الضوئية فيقولون إن النجم الفلاني يبعد عنا عشرين سنة ضوئية والنجم الآخر يبعد عنا 200 أو 2000 سنة ضوئية وهكذا.

وقد بلغ عدد الكواكب الثابتة التي اكتشفت بفضل اختراع المراصد المتطورة حتى اليوم ما يزيد على/105/ ملايين نجم بل إن صحيفة «لو ماتان» الفرنسية ذكرت في عددها الصادر في 4 أيلول 1919 أن عدد الكواكب يبلغ 1500 مليون كوكب، في حين أن «ماريون» عالم الفلك الفرنسي يقول: "نحتاج حتى نصل إلى أقرب السحب المضيئة إلى مسافة خمسة ملايين سنة ضوئية" وهذه السحب الضوئية تُسمى الكواكب السحبية أو الغيمية.

يقول «كرتنكر» الألماني أن هذه السحب المضيئة مكونة من نجوم وأنها على قسمين الأول تجمع لكواكب كروية يبلغ عددها ثمانون وتبعد عنا مسافةً قدرها من ثلاثين ألفاً إلى عدة مئات من الآلاف من السنوات الضوئية، والقسم الثاني سحبٌ موشورية الشكل وقد أحصيت مئات منها وهي تبعد عنا من مليون ونصف إلى تسعة ملايين سنة ضوئية. وسبب تحديد المسافة بتسعة ملايين هو أنه لا سابقة بالنسبة إلى الناظرين لمثل هذا الأمر الذي يخالف المسموعات والمنظورات، وإلا فلو قال أحدهم أن هناك كواكب في الفضاء اللامتناهي وأن نورها يصل إلينا خلال زمن غير محدود وغير متناهٍ رغم سرعة النور الهائلة التي أشرنا إليها، لما قال باطلا ولا جزافاً، فهذه التحديدات هي لأجل إزالة تعجب قارئي الرسالة والناظرين فيها.

إذا أردنا أن نقيس أحوال الكرة الأرضية والإنسان الذي يعيش عليها بالنسبة إلى العوالم الموجودة المشهودة لقلنا: استناداً إلى أن الكواكب الثابتة (التي قُدر عددها بـ 1500 مليون والتي أمكن رصدها بالمراصد القوية) وإلى أن كل واحد من تلك الكواكب الشمسية شمسٌ مثل شمسنا وكل واحد منها يفوق حجمه حجم شمسنا أضعافاً مضاعفة كما أن لكلٍّ منها على الأقل عشرة كواكب تدور في فلكها وأقمار ومذنبات، فإن عدد الكرات المعلقة بالفضاء يصل إلى/300/ مليون.

عمر الأرض كما يقدره علماء الطبيعة يتراوح بين 9 ملايين إلى 150 مليون سنة، وأرضنا بحجمها الحالي وعمر ال 150 مليون سنة لا تعدو بالنسبة إلى عمر مثل هذه القطعة في الفضاء الذي تشاهده المراصد أكثر من موجةً في بحرٍ، كما أن حجم الأرض بالنسبة إلى حجم الكواكب المضيئة يماثل حجم الذرة التي هي أصغر شيء في الوجود والجزء الذي لا تتجزأ! وأما الإنسان فإذا بلغ عمره 200 عام، كان عمره بالنسبة إلى عمر الأرض مثل موجة بحرٍ، كما أن حجم بدن الإنسان بالنسبة إلى حجم كرتنا الأرضية مثل حجم الذرة أيضاً.

فإذا تأمل الإنسان صاحب العقل جيداً بأنه هو في حد ذاته مجرَّد ذرة لا تُرى بالنسبة إلى الأرض، وأرضه مجرَّد ذرة لا تكاد تُرى بالنسبة إلى عالم النجوم، فما محل هذه الذرة من الإعراب في نشأة عالم الوجود؟! هذا الإنسان الصوري إذا امتلك أخلاق الإنسان صاحب العقل لعرف حده الوجودي في تلك المقارنة ولتبين له مقام كل إنسان وأنه لا يشكل سوى ذرة بالنسبة إلى الأرض. هنا يتضح تماماً للعالمين والعارفين حال المدَّاحين والممدوحين.

هنا نفهم قصة الخليفة الثالث عثمان وأبو ذر الغفاري: كان الخليفة مشغولاً بالقيام بوظائف الخلافة في قصر دار الحكومة فجاءه شاعرٌ وجلس وابتدأ ينشد الأشعار في مدحه، وكان أبو ذر جالساً فأخذ شيئاً من الْحَصْبَاءَ الموجودة في الغرفة ورماها في وجه المداح. فقال عثمان متعجباً: ما شأنك؟! فأجابه أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «احْثُوا فِى وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.»(23). ونظراً إلى ثقة أبي ذر وصدق لهجته تلقَّى الحاضرون هذا الخبر بالقبول، لأن جميع المدائح المغرقة هي في الأساس نوع من الوثنية ونتيجةٌ للطمع واللذة البهيمية والحيوانية. ومن واجب كل نبيٍّ أن يمنع كل شكل من أشكال التعظيم لغير الله والوثنية والأعمال البهيمية والحيوانية. والقرينة والإمارات العقلية يدلان على صحة الحديث والقطع بصدوره من مقام الرسالة الأقدس لأن مضمون هذه الرواية يحيي جانب النطق الذي هو الفصل المميز للإنسان ويميت الجانب الجسمي الحيواني الذي يشكل الجنس المشترك بينه وبين الحيوان.

 

+                +             +

 

المقاصد

الفصل الأول :

لا بد أن نذكر هنا ثلاثة أمور:

1- إيجاد العوالم غير المتناهية.

2- هداية الموجودات العاقلة وبيان وظيفتها وتكليفها أي مقام التشريع.

3- بيان خواص الأشياء التي خلقها الله ووضع فيها خواصها، وليس صحيحاً أن الموجودات لا أثر لها ولا خاصية لأن هذا يلزم عنه اللغو في الخلق والإيجاد.

يجب أن نستنبط من هذا المقام حدود النبوّة ووظائفها كي يتضح إفراط الأمم وتفريطها بحق الأنبياء (عليهم السلام). فلقد قامت بعض الأمم بتأليه أنبيائها: إما اعتبرت نبيَّها عين الله وذاته، أو اعتقدت أن نبيها ابن الله أو تصورت نبيها شريكاً لِـلَّهِ، وكلُّ واحدٍ من هذه الأمم يردُّ على الآخر ويثبت نبوة نبيه.

إن أكبر نزاعٍ بين أتباع الديانات بعد موضوع الرد على الماديين والمنكرين، هو الاختلاف والنزاع حول موضوع حدود النبوة ووظائفها. فبعون الله تعالى وصونه وتأييد الربوبية الخاص: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (هود/156) نقول: إن أصل الأصول وأس الأساس في النبوة هو باب التوحيد، حيث النبوة ومالها من مقامات من شؤون إثبات الصانع:

الأمر الأول من تلك الأمور الثلاثة: هو إيجاد العوالم غير المتناهية والمخلوقات التي لا تحصى من الأزل إلى الأبد في أزمنةٍ غير متناهية وأمكنةٍ غير متناهية قبل إيجاد جنس البشر، هذا يشكل صفة ومقام الخالقيّة لِـلَّهِ تعالى، وهذه الصفة مختصة بذاته الأحدية فقط، لا يشاركه فيها أحد وليس لأيّ موجود من موجودات عالم الإمكان المحدودة منها أيُّ حظّ أو نصيب، لأن مرحلة الإيجاد تعود إلى هوية الذات الإلهية القدسية المتقدمة بالذات على جميع الموجودات تقدماً بالعلّيّة، ومشاركة المخلوق للخالق في الإيجاد لا معنى محصل لها، لأن الممكن قد وجد دون أن يشترك في إيجاد ذاته ومشاركة المعلول لعلته التامة في العلية شبيه بالهذيان، وحقيقة التوحيد ووحدانية ذات الحق المقدسة ترجع إلى هذا المقام والصفة، وهذا المقام لا يختص بذوي العقول مثل الملك والجن والإنس بل يشمل جميع الموجودات العاقلة منها وغير العاقلة من الكائنات البسيطة أو المركبة أو الكواكب التي لا حصر لها وكل ملحقاتها وكلها تقول بلسان الحال ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي كل الموجودات تضيف الرب إلى ذاتها وتقول: «رَبِّي» مقرَّةً بربوبية الله لها وأنه لما كان موجدها فهو ربها مباشرةً وليس بينه وبينها واسطة.

الثاني من تلك الأمور الثلاث أيضاَ أمر الحاكمية والتشريع التي مرجعها إلى التنظيمات العقلانية والروحانية. وأمر الحاكمية والتشريع يختص بالموجودات العاقلة الثلاث المذكورة (الملك والجن والإنس)، ولكن الغرض الأصلي من رسالتنا هذه هو الإنسان، فلن نخوض في أحوال الملائكة والجان في هذه الرسالة.

لا شك أن جميع الموجودات الممكنة استفادت لباس الوجود من المُوجِد تعالى بلا واسطة، يستوي في ذلك الإنسان وغير الإنسان، أي يستوي في هذا الأمر الحجر والشجر والعرش وجبريل. ولكن لا يستطيع جميع أفراد بني الإنسان – الذي هو موضوع بحثنا في هذه الرسالة – أن يستفيدوا الحكم والنظام بلا واسطة من الواجب تبارك وتعالى، بل لا بد لهم بحكم العقل والحسّ والعيان من واسطة تشريعية هي الأنبياء (ع). فشأن التشريع الخاص بالواجب تعالى، يقوم بالأنبياء والأولياء، أما الشارع الحقيقي بالذات واستقلالاً فهو الله وحده، والأنبياء مجرى ومصدر تشريع الحقّ.

والمرحلة الثانية أن النبيَّ والوليَّ مبيِّنان للخير والشر والصلاح والفساد ونظم الدنيا والآخرة، وهما الهداة إلى طريق الرشاد وإلى الله عز وجل، والفرقان الذي يميز الكفر من الإيمان والهداية من الضلال. أي أن الأنبياء هم حملة التشريع والحكم والنظام. لكن جماعة من عظماء الفلاسفة والحكماء الإلهيين قالوا بوجود القدرة على الخلق لدى بعض الموجودات المكرّمة استناداً إلى ظهور المعجزات منهم وبروز خوارق العادات، مثل الرسل المكرَّمين والأولياء المعظَّمين وبعض أهل السلوك- جزاهم الله عن الدين والإسلام – ولكنهم غفلوا عن أن الوجود المحدود الممكن الذي هو بذاته معلولٌ لغيره لا يمتلك الاستعداد والأهلية للخلق، فالقدرة على الخلق والإيجاد من مختصات ذات الباري غير المتناهية التي ليس لها حد رياضي أو منطقي، أما نزول الوحي وظهور الخوارق فمما لا شك فيه أنها لم تكن من أفعال الأنبياء (ع) الاختيارية أي لم تكن مثل أفعال الأكل والشرب والقيام والقعود والتكلم والسكوت والذهاب والإياب وغيرها، بل نزول الوحي وظهور الخوارق والمعجزات يعودان إلى الواجب تعالى فالوحي يتعلق بالأحكام والفرائض والسنن والتعاليم العملية لنوع الإنسان ونظم الدنيا والآخرة وبيان الصلاح والفساد، أما ظهور المعجزات فمتعلق بأفعال خارق العادات وكل من الاثنين فعلٌ إرادي واختياري لحضرة الحق تبارك وتعالى الذي أجراها على أيدي الأنبياء وألسنتهم. فالأحكام يُوحى بها إلى قلب النبي ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ..﴾ (البقرة/97). وما ورد إلى قلب النبيِّ من قبل الله يبلغه النبيُّ بلسانه إلى أمته. وأما المعجزات فهي أفعال جزئية تحصل بإرادةِ الله المبدع المخترع وتجري على يد النبيّ، وربما وقعت المعجزة وصدرت عن الأنبياء في حال نومهم، أو صدرت من قبورهم ومشاهدهم، فعالَمُ الوجود كلُّه من فعل الواجب تبارك وتعالى الإبداعي والاختراعي الذي يخلق بلا واسطة، فالمعجزة أيضاً من الأفعال الجزئية الشخصية الإبداعية والاختراعية للواجب تعالى التي تظهر وتجري على يد الأنبياء (ع)، أي أن الأنبياء يقعون في مجرى الإرادة الإلهية، فالوحي المعجزات ليست من أفعالهم الاختيارية إطلاقاً، فالأنبياء ليسوا شركاء لِـلَّهِ في خلاقيته (قدرته على الخلق). غاية ما في الأمر أن لهم شرف ظهور تلك الخوارق والمعجزات التي هي من صنع الربوبية على أيديهم وظهور الوحي على ألسنتهم، فلا تظهر المعجزات ولا الوحي على أيدي وألسنة غير الأنبياء (ع). وهناك آيات متواترة صريحة في هذا المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا (سبأ/28) وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (النحل/82)

لقد اتضح إذن أن وظيفة الأنبياء بيان التشريع والحكم وتبليغ أحكام الله إلى نوع البشر. والدليل على صدق رسالتهم هو المعجزات والخوارق لأنه من دون المعجزات لن يذعن الناس إلى إلهية مصدر التشريعات إذ إنهم قاصرون عن إدراك فضائل الأحكام ومزاياها فيحتاجون إلى برهان حسيّ عيانيّ هو المعجزات.

المقام الثالث: هذا المطلب يرجع إلى عرف العقلاء من البشر في ضروريات معاشهم، حيث اكتشف الإنسان الخواص الطبيعية للأشياء واستفاد منها. ولا بد من مثال لتوضيح الأمر: مثلا الماء مخلوق للحق وحكمه الشرعي أنه يحدث الطهارة والنورانية في الجهة الروحانية للإنسان ويرفع الحدث والخبث، وهذا العمل يدخل بواسطة النية في العبادات. أما البحث في أنه هل الماء بسيط أم مركب وما هي خواصه؟ فهذا مما يرجع إلى العلوم الطبيعية والاكتسابية. وكذلك الذهب والفضة يرجع إيجادها إلى الله تعالى وحكمها جواز التعامل بها وحرمة الربا وحرمة استخدامها للرشوة أو غصبها وسرقتها وجواز إقراضها قرضاً حسناً... الخ. فهذه الأمور ترجع إلى الشرائع والأنبياء. أما البحث في طبيعة الذهب والفضة وهل هي بسيطة أو مركبة وما هي خواصها فإنه يرجع إلى العلوم الطبيعية والاكتسابية. لذا إذا ميّزنا هذه الجهات الواقعية عن بعضها البعض اتضحت وظائف النبوة وصارت مبرهنةً. كما اتضحت الأخطاء والاشتباه والغلو والإفراط والتفريط الذي وقعت به أمم العالم بحق أنبيائها.

إذن كل دعاوي بُـنُوَّة الأنبياء لِـلَّهِ أو إلهية الأنبياء وكونهم ذات الله وعين غيب الغيوب، أو ادعاءات الثنوية وأن الأنبياء خالقو الخير والشرور، وادعاء نزول العقل المجرد السماوي بهيئة بشرية، وأمثال هذه الادعاءات كلها باطلةٌ وخاطئةٌ وأشبه بالهذيانات منها بالكلام المنطقي العِلْمي وذلك لأن وجود العوالم غير المتناهية – إذا سلمنا به – لا بد أن يصدر من الوجود اللامحدود والقدرة اللامتناهية غير المتغيرة والأزلية والأبدية لا من الوجود الحادث الذي حياته مؤقتة والمتبدل بالذات. وكذلك لا بد أن يكون إيجاد الأفعال الجزئية المعجزة والخارقة صادراً عن الوجود اللامحدود والأزلي والأبدي وأن يجري على يد ولسان النبي والولي فالنبي والولي مجرد مجرى لتلك الإرادة وليسا موجدين لتلك المعجزات. وبذلك فإن المعجزة تؤدي غرضين: الأول هي بحد ذاتها دليل على وجود ماوراء الطبيعة الذي هو العلة الموجدة للأمر المعجز. والثاني أنها دليل على صدق النبي وحقيقة رسالته حيث ظهرت المعجزة على يديه، ولا شك أن مدعي الألوهية لم يكن لهم علم بأحوال الشموس المضيئة المحسوسة ولا بأوضاع الكواكب ومخلوقات العالم بل كانوا ينكرون وجودها لكنها ثبتت اليوم بالمراصد والمكبرات. فكيف يمكن للخالق أن يكون غير مطلع على مخلوقاته بل منكراً لها؟! وإذا ادعوا الربوبية أو الإلهية على كرة الأرض فهذه الدعوى اعتراف منهم بتعدد الآلهة وهو من المذاهب السخيفة فإظهار جميع هذه الدعاوي ضربٌ من الجنون والجهل ونتيجة لحب الرئاسة، وأتباع أصحاب هذه الدعاوي من أجهل الناس وأحمقهم وأسفههم ممن لا يستأهل أن يُخاطب بالمسائل المنطقية.

وخلاصة ما سبق أنه لا بد من التمييز بين ثلاثة جوانب واقعية وفصلها عن بعضها البعض:

الأول: مرحلة الإيجاد والرزق والإماتة والإيحاء والإبقاء.

الثاني: مرحلة التشريع والحاكمية بين الموجودات العاقلة. وقد أوردنا بحمد الله أربعين آيةً كل منها قطعي الصدور والدلالة في هذه الرسالة ولا شك أن مخالفينا لا يستطيعون الإتيان بأربعين حديثاً ظني الصدور والدلالة وموهوم الصحة لإثبات مدعاهم الضعيف والخيالي.

الثالث: مرتبة كشف حقائق الموجودات وخواصها التي تدخل تحت إحاطة الإنسان.

فالمقام الأول: من مختصَّات الواجب تبارك وتعالى، والمقام الثاني: من واجبات الأنبياء والأولياء، والمقام الثالث: يرجع إلى العلوم الاكتسابية والصناعية.

اتضح إذن أن وظيفة الرسل المكرَّمين والأولياء المعظَّمين بيان الأحكام والواجبات وسنن الدين. والدليل على صدقهم ظهور المعجزات وخوارق العادات على أيديهم. وإذا بيّن الأنبياء أموراً ذات علاقة بالعلوم الاكتسابية والصناعية فإنهم يفعلون ذلك من باب التفضُّل واللطف لا من باب الوظيفة الواجبة. فمقام التشريع والتبليغ للأنبياء أدنى من مرتبة الإيجاد والخلق وأعلى من مقام العلوم الاكتسابية فهو مقام حاجز بين البحرين وبرزخ بين النشأتين. فالأنبياء واسطة التبليغ وإيصال الأحكام ولهم مقام التشريع وهذا هو معنى واسطتهم بين الله والإنسان. أما الواسطة التكوينية والإيجادية التي حاول بعض القدماء إثباتها لهم بأدلة عقلية ونقلية فإنها تستلزم تحديد الواجب تعالى والتحديد يتنافى مع وجوب الوجود تنافياً ذاتياً ويتناقض معه تناقضاً صريحاً وشرح هذا المطلب خارج عن قصد هذه الرسالة الوجيزة.

إن الاشتباه بين تلك المقامات الثلاثة يبعث على الحيرة وقد أدى إلى ضلال أمم وشعوب العالم وعَمَّقَ اختلافَها وقَوَّاهُ. والقضية هي أن حقيقة النبوة لم تُدرك خلال هذا النزاع بل ازدادت حيرة الأمم وضلالها بشأنها يوماً بعد يوم. وتمييز هذا المقام عن غيره وتعريف حقيقة التشريع وفصلها عن مقام الإيجاد وتمييزها عن مرتبة العلوم الاكتسابية أساسٌ للهداية ولزوال أسباب الضلالة، وجميع الرسائل والصحف التي كتبت خلافاً لما حررناه في هذا الفصل ينبغي تركها بل محوها لأن تمييز تلك المقامات الثلاثة عن بعضها روح هداية الأديان، وخلط هذه المقامات ببعضها روح الضلالة!!

إننا نعلم بالحس والتجربة أن جميع من ادُّعِيَت بحقِّهم الألوهية والربوبية والخالقية والبنوَّة لِـلَّهِ والعقل المنزَّل وغيرها، كانوا أفراداً مثل سائر أفراد البشر في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم وقطعوا مراحل التكوُّن العادي في بطون أمهاتهم بالاستفادة من مشيمة الأم إلى أن ولدوا فتغذوا بالرضاعة من حليب أمهاتهم وترعرعوا في أحضانهن حتى وصلوا إلى مرحلة الصبا ثم البلوغ إلى أن بلغوا سن الكهولة ثم مرحلة الشيخوخة والانحطاط وبعدها رحلوا عن عالم الدنيا وصعدوا إلى عالم البرزخ. ويشترك في هذه الأدوار الثلاثة النبات والحيوان مع سائر أفراد الإنسان وليت شعري هل كان أولئك الأفراد يمتلكون القدرة على الخلق وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم أم يمتلكونها لما كانوا ينمون في بطون أمهاتهم أم في سن النموّ أم في سن الانحطاط؟ وأي امتياز بشري أو جسمي كان يميزهم عن سائر أفراد نوعهم حتى صاروا أهلاً للألوهية وقابلين لها؟!

لا ينقضي العجب من هذه الشطحات التي تجرّ البشر من خلال الأوهام والخرافات إلى أودية الضلالة وطرق التيه التي تعتبر كلمات السكارى والمجانين جزءاً من الأديان المقدسة، وتبيع طريق التوحيد الناصع البيِّن ومشرب النبوة المعين الزلال بهذه الأوساخ والقذارات التي يطرحها حفنة من الجهلاء، والجاهل إما مُفرِط أو مفرِّط, إنهم يستبدلون العسل بالحنظل والسكر بالسم ولا يخجلون من نفسهم الناطقة الواعية!

إن ما ذكرناه عن مقام النبوة المقدس ولزوم الفصل بين المراحل الثلاث هو من لوازم الفصل المميز للإنسان الذي هو النطق ومن آثاره التي لا تنفك عنه لأن القوة المدركة للكليات والأمور الواقعية والتي تكتشف وتحقق وتصل إلى الحقائق هي هذه النفس الناطقة، وأما الكتب والبيانات المخالفة لذلك أياً كانت فإنها لا تخرج عن لسان هذا الفصل المميز لحقيقة الإنسان لذا لا تستحق الاهتمام فيها ولا التأمل بها.

ملاحظة: مرادنا من النفس الناطقة تلك الروح التي تتمتع بالتجرد والبقاء (إذا لم يكن فيها صفة التجرد والبقاء كانت مثل أنواع الحيوانات). إن جميع كلمات وأقوال الماديين والطبيعيين (الملحدين) وكل ما بقي عنهم من القديم أو الجديد، كله لسان الجانب الحيواني المشترك من الإنسان لأنهم ينكرون المبدأ والمعاد والتجرد وبقاء الروحانية الإنسانية، وبالتالي فإن كلماتهم لا تؤيد فصل الإنسان الذي نعتقد به نحن ولا ينبغي أن تؤيده، فكلماتهم تتعلق بالجانب الجسماني والدنيوي وبالصنائع والاختراعات وسهولة المعيشة والرفاه في هذه الدنيا فحسب.

هذا معنى قولهم إن الإنسان حيوان اجتماعي كالنمل والنحل وغيرها. أما لغة المتديِّنين وبيانهم (باستثناء أتباع الكتب السماوية كالقرآن المجيد) فرغم أن أغلبها أُلِّف باسمٍ جديد ويتمّ تدريسها وبيانها دينياً، ولكن بعد التدبُّر والتأمُّل الدقيق في متون الكتب السماوية يتَّضح أن قسم اللغة وبيانات التأليف والتصنيف للكتب الدينية ليس لغة الجنس الإنساني (الذي هو حيوان اجتماعي) فقسم منها يرجع إلى فصل الإنسان أي الجانب الناطق والواعي منه الذي يعشق البقاء الأبدي والحياة السرمدية وأغلب التي ينسبونها إلى الدين لا يمكن أن يكون لها أي دخل أبداً في بقاء الروح بل معظمها شرحٌ للمجهولات ونقلٌ للمتخيلات والموهومات والفرضيات.

 

 

+                +             +

 

الفصل الثاني

يمتلك شرع الإسلام الأنور ثمانية شؤون:

الأول: أصول الدين والتوحيد والنبوة والمعاد والكتب السماوية والتصديق بوجود الملائكة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (النساء/136).

الثاني: الأخلاق الروحية والاجتماعية ووجوب الاتِّـفاق والتشاور.

الثالث: العبادات والمناجاة والخطب والأدعية.

الرابع: التفاسير والوسائل العلمية بشكل عام.

الخامس: المعاملات بشكل عام.

السادس: المحاكمات ورفع الخصومات.

السابع: تبليغ الأحكام بشكل عام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الدعوة الهجومي والدفاعي والتبليغي والاقتصادي وتطبيق الحدود والقصاص والديات وتحصيل الأموال لبيت المال وصرفها في مصارفها المحددة في الشريعة.

الثامن: وظائف الهيئة الحاكمة الإسلامية بالنسبة إلى المحكومين والحقوق بين منفذي أحكام الإسلام والمحكومين بشكل عام، وحقوق أمير الجيش مع الأفراد، أي الواجبات بين كل من الحُكَّام والمحكومين، ومن ذلك تعبيد الطرق وتأمين الشوارع وتأمين وسائل العيش من قبل الزراعات والري وبناء السدود واستخراج المعادن وأمثالها. وبشكل عام تأمين المنافع والمصالح المشتركة للمسلمين ودفع المضار عنهم الذي هو مصداق لـ«سبيل الله».

في الواقع إن الإيمان والإسلام والدين عبارة عن أفعال وأقوال الكتاب والسنة وجميع حركات وأعمال وألبسة ونكاح وسفر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال مدة ثلاثة وعشرين عاماً والتي عبرنا عن كلياتها بعبارة الشؤون الثمانية لأجل تسهيل ضبطها. فالدين إذن مفهوم بسيط منتزع من الشؤون المذكورة أعلاه والتي تتضمن الأعمال التي تمت خلال ثلاثة وعشرين سنة. فعلى المتدينين بدين الإسلام أن يطبقوا تلك الشؤون جميعاً في حياتهم فإذا جرح شخص شخصاً أو قتله وجب عليه القصاص أو دفع الدية. فإذا قام آخر بجرحه أو قتله وجب على الآخر أيضاً القصاص أو دفع الدية (لأنه افتأت على الحاكم الشرعي)، ويجب على كل مسلم أن يقوم بتبليغ الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد الدفاعي والهجومي والجهاد بالمال واللسان أي الدعوة كي يكون مؤمناً متديناً حقيقياً. بعض تلك الواجبات يمكن أداؤها فردياً وبعضها لا تؤدَّى إلا جماعةً.

إذا أهمل شخص أو جماعة أو طائفة العمل ببعض تلك الأمور فمن الواضح أن ذلك الشخص أو الطائفة ليسوا متدينين بشكل كامل بل هم نصف متدينين أو عندهم بعض الدين فقط، وكل عالم وعامل بالشؤون الثمانية فهو عالم إسلامي ومصداق لأولي الأمر ومرجع في الأحكام بشكل كلي وإمام مقتدى، أما من عَلِمَ بأربعة أقسام من تلك الأقسام الثمانية فقط فهو نصف عالم وعنده نصف الدين. ومن علم بقسمين فقط فهو ربع عالم وربع متديِّن وإذا علم بواحد فقط من تلك الأقسام فهو ثُمْن عالم وثُمْن مُتديِّن. ولكلٍّ أجره ولكنه ليس مرجعاً للعامة ولا مصداقاً لأولي الأمر.

من هذا يتبين أن الإسلام دين حقوقي، ودين اجتماعي وسياسي ودين مساواة وعدالة واقتصاد وثروة. إن المعاملات من تجارات وزراعات ومساقات وفلاحات وتعبيد للطرق وتأمين للأمن الداخلي كي يعيش أفراد الشعب في ظل الأمن والرفاه ويشتغلوا بكسبهم وتجارتهم وفلاحهم وعمرانهم واستثمار أراضيهم كلها من شؤون دين الإسلام الأساسية.

تنقسم شؤون الإسلام الثمانية إلى قسمين: قسم سهل ويقوم به كل شخص لنفسه أي أن الشخص يستطيع أن يؤديه منفرداً وذلك مثل الصلاة والصوم والأدعية والمناجاة والخطب والزيارات والمعاملات والتجارات وتهذيب الأخلاق الفردية والعقائد والتفاسير والمسائل العلمية، فهذه يمكن أن يؤديها الأشخاص - في الجملة - على نحو فردي، بل إن هذه الأعمال يمكن أن يؤديها الأشخاص حتى في ظل حكومة غير إسلامية كما يفعل مسلمو الصين وغيرهم ممن يعيش تحت سلطان حكومات غير إسلامية حيث يحافظون على إسلامهم الشخصي.

القسم الثاني: الأعمال الاجتماعية الصعبة، كالأخلاق الاجتماعية ورفع الخصومات والمحاكمات وواجب تبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الدعوة وجهاد الدفاع والجهاد الاقتصادي وإقامة الحدود وتطبيق القصاص وإقامة الإمامة (الرئاسة) وجمع وتحصيل الأموال الشرعية لبيت المال وصرفها طبقاً لتعاليم الإسلام التي تنصّ على المساواة التامة بين أفراد المسلمين، وتطبيق الأحكام على جميع الطبقات العالي منها والداني والحاكم والمحكوم بشكل متساوٍ. فمثلاً الزاني والزانية لهما عقوبة مقررة في الإسلام. يقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور/2).

هذا القسم من الأحكام الذي يميِّز مجتمع المسلمين والحكومة الإسلامية عن غيرها هو من الأعمال الصعبة لأن تطبيق هذه الأحكام يتعارض مع أهواء الرؤساء ومع المصالح الشخصية والأنانية لحكام المسلمين ولذلك فقد تُرك هذا الجانب شيئاً فشيئاً وبدأ ترك هذه الأحكام منذ زمن رئاسة معاوية بن أبي سفيان.

حصل أول مرة أن قام عامله على البصرة بقتل شخص بغير وجه حق فكتب رؤساء البصرة إلى معاوية كتاباً يطلبون منه تطبيق القصاص العادل على واليه الجاني، فأجابهم معاوية: أنني لا أطبق القصاص على عمالي بل أدفع دية المقتول من بيت المال وأعطاهم الدية. فكانت هذه أول بدعة تقع في بلاط الخلافة، لأن القاتل المتعمِّد حكمه القصاص فتبديل الحكم إلى الدية من بيت مال المسلمين دون رضا أولياء المقتول رغم وجود القاتل بدعة وليس لأحد حق الدية من بيت مال المسلمين إذا كان القاتل موجوداً.

ثانياً: لقد دخل معاوية الإسلام بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة أي بعد 21 عاماً من البعثة المقدسة لنبيّ الإسلام فصحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سنتين، ورغم ذلك فإنه اخترع لنفسه في عهد رئاسته لقبين وروّج لهما: الأول أنه «كاتب الوحي»، مع أنه أمضى إحدى وعشرين سنةً في الكفر! والثاني: أنه «خال المؤمنين» مع أن محمدَ بنَ أبي بكر وأخاه عبدَ الرحمن ابنَ أبي بكر، وعبدَ الله بنَ عُمَر وعبيدَ الله بنَ عُمَر أولى منه بهذا اللقب، وكذلك يزيد بن أبي سفيان وعتبة بن أبي سفيان أخوا معاوية وجميع إخوة زوجات النبي الطاهرات أولى وأحق بهذا اللقب لخدماتهم الإسلامية. فمن الواضح أن هذين اللقبين استندا إلى القوة والجبروت والمال لا إلى نصوص الإسلام وميل المسلمين. إذن وُضع هذان اللقبان على معاوية للتغطية على قبائحه ولكي يخدع بها العوام وقد استفاد من هذا المسعى ونجح فيه أيّما نجاح.

ثالثاً: لقد بدَّل معاويةُ بيتَ مال المسلمين ببيت مال الله فاعترض عليه بقية المهاجرين والأنصار والتابعين في المدينة الطيبة ومكة المعظمة وكان غرض معاوية من عنوان مال الله أن يتصرف تصرف المالك في بيت المال وهذا ما حصل فعلاً. وتُرك تقسيم العطاء بالسوية الذي كان معمولاً به منذ عهد الرسالة واستُبدل بالتمييز بالعطاء والزيادة والإنقاص حسب إرادة معاوية ورغبته، وليس حسب الديانة كما كان العمل عليه في عهد الخلفاء الراشدين وعهد خليفة النبيِّ ووصيه، وكان الواجب أن يتم العمل على هذا النهج والطريقة.

رابعاً: فرض معاوية ولاية عهد ابنه يزيد على الأمّة، مع أن شرب يزيد للخمر كان أمراً معروفاً لدى الكل في زمن معاوية، حتى أنه في سفره إلى مكة شرب الخمر في المدينة الطيبة ودعا إلى ذلك رؤساء الأصحاب مثل عبد الله بن عباس وغيرهم فرفضوا ذلك (الكامل في التاريخ لابن الأثير)(24). وحتى لو لم يكن خماراً ولاعباً للقمار، لم يكن لمعاوية الحق في تعيينه لولاية العهد، وذلك لأن تعيين خليفة النبي وتطبيق أحكام الله وحفظ دين الإسلام الذي تكفَّل به اللهُ ونبيُّهُ، وبيَّـنه القرآن المجيد لا يحتاج إلى تعيين أمثال معاوية، فلا شك أن اللهَ ورسولَه يعلمان أفضل من أي أحد آخر من هو المطبّق للإسلام والحافظ لحدوده، فلا يصل الدور إلى تعيين أصحاب الحل والعقد والمتدينين للحاكم، فضلاً عن أن يعينه أمثال معاوية ومروان وعبد الملك والمنصور وهارون. إن القرآن المجيد ليس بحاجة إلى فضولي يحشر نفسه فيما ليس من شأنه. إن الوراثة والتوارث في المناصب الدينية أمر مخالف للدين وخاطئٌ وبدعة. ولو كان الأمر وراثياً لوجب أن يرث آل رسول الله أمر الخلافة بوراثتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا الأمويون والعباسيون والآخرون. ومن الواضح أن عنوان الخلافة كان ذريعة وحجة لرئاسة الأشخاص وليس لتطبيق أحكام الإسلام. نعم لقد قام عدد من الخلفاء والسلاطين ببعض الأعمال الإسلامية والسهلة كصلاة الجماعة والدعاء، لأجل التغطية على ظلمهم وفسقهم!

ورغم أن المناصب الدينية ليست وراثية بل ترجع إلى نص القرآن المجيد فقد بقيت بدعة معاوية في ترك أمر القرآن الصريح ونصب ولي العهد الوراثي معمولاً بها في حكومات سلاطين المسلمين وملوكهم، لذا يقع إثم ذلك كله على عاتق معاوية، ولم تصدر خيانة في تاريخ الإسلام عن أي أحد بدرجة تلك الخيانة فكل ما حصل في ملوك الإسلام من اتباع لهذه السنة يقع إثمه على معاوية.

خامساً: إلحاقه لابن الزنا «زياد بن أبيه» بنسب أبيه غير الشرعي: أبي سفيان(25)، كي يصبح زيادٌ أخا معاوية، وبالتالي ينال ولد الزنا نسباً إسلامياً صحيحاً ويصبح ابن حلال بعد أن كان ابن حرام، وحتى أن معاوية أمر إخوته وبناته أن لا يحتجبن من زياد. سبحان الله!! في السنة 34 هجرية من رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبح ابن الحرام الأجنبي واحداً من المحارم، والذي ارتكب هذا العمل القبيح والكبيرة يعتبر نفسه أمير المؤمنين ومن أولي الأمر (فماذا نتوقع بعد السنة 34 هجرية في بلاط سلاطين المسلمين!!).

رغم أن سلاطين وملوك جميع مذاهب الإسلام تتبع اسمياً محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً (ع) وعُمَرَ فإن جميعهم عملياً يتبعون مسلك معاوية ويتباهون بمذهبهم، ولا يستطيع أحد من العلماء من زمن معاوية إلى اليوم أن يدخل أحداً من ملوك الإسلام وسلاطينه اليوم تحت عنوان المحمدي أو العلوي أو العُمَري(26).

وقد جعل معاويةُ «زيادَ بن أبيه» أميراً للحج فلما سمعت بذلك أم حبيبة أخت معاوية ومن أمهات المؤمنين الطاهرات قالت: أنا لا أعتبر زياداً ابناً لأبي سفيان ولا اسمح له بالدخول عليّ فخاف زياد من الفضيحة وترك إمارة الحج. لقد أنكر معاوية [عملياً] آية أولو الأرحام.

سادساً: لقد أصدر معاوية تعميماً يأمر فيه بلعن عليّ (ع) على المنابر في خطب الجمعة والجماعات، مع أن كل جاهل يعلم أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام أول من أسلم، فإذا صرفنا النظر عن خلافته، وإصابته للحق في كل أفعاله، فإن ذلك الشخص الكريم لم يكن مستحقاً لكل سوء الأدب والتجرؤ على سبه، فلقد ارتكب معاوية هذا العمل القبيح بقوة سلطانه الجائر وبمساعدة عدد من القضاة وأدعياء العلم من طلاب الرئاسة. إن أول من بث لعن مسلم ورئيس للمسلمين هو معاوية وتأست به الناس. وبالطبع لم يتوانَ شيعة علي (ع) أيضاً في لعن معاوية وأمثاله فقد انتقموا لمدة خلافته الغاصبة وخلافة أمثاله في القرون المتتالية. ولا يحق لأهل السنة مع تلك الأعمال التي صدرت عن معاوية ويزيد أن يطعنوا بالشيعة بسبب هذا الأمر (لعن معاوية) لأنه إذا جاز لعن علي (ع) رغم كل سوابقه العظيمة في الإسلام ورغم كل مناقبه وخدماته وبسالته في الغزوات والآثار التي خلَّفها في التوحيد والأخلاق والمعارف وظهور المعجزات، وكان هذا اللعن يتم على مدى ستين عاماً أو أكثر على المنابر وفي الجمع والجماعات والخطب، فمعنى ذلك جواز لعن جميع أصحاب النبي – والعياذ بالله - من باب أولى! فالذين يعتبرون لاعن عليٍّ مسلماً وعادلاً وصالحاً لا يحقّ لهم أن يلوموا من يعلن معاوية ويزيد وبعض الآخرين. وبلعنه عليَّاً أنكر معاوية عملياً عشرة آيات من القرآن نزلت بحقِّ عليٍّ وسنذكر هذه الآيات لاحقاً.

سابعاً: نقل المسعودي في مروج الذهب في شرح حال الخليفة «المأمون» وسبب أمره بلعن معاوية، أنه في سنة 212هـ نادى منادي «المأمون»: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدّمه على أحد من أصحاب رسول اللهّ صلى الله عليه وآله وسلم. وتنازعَ الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية؛ فقيل في ذلك أقاويل: منها أن بعض سُمّاره حَدَّث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي - وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروف بـ «الموفقيات» التي صنفها للموفَّق-، قال (أي مطرف بن المغيرة بن شعبة): «وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنه ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشَاء، فرأيته مغتماً، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة. قال: يا بني، إني جئت من عند أخْبَثِ الناس، قلت له: وما ذاك؟!. قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عَدْلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصَلْتَ أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات!! مَلَكَ أخو تَيْمٍ [يعني أبا بكر] فعدل وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عَدِيٍّ [يعني عمر]، فاجتهد وشَمَّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجلٌ لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعلَ به، وإن أخا هاشم يُصْرَخُ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا لا أمَّ لك؟! والله ألا دفنا دفنا». وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا، وأنشئت الكتب إلى الآفاق بلعن معاوية على المنابر، فأعْظَمَ الناسُ ذلك وأكبروه، واضطربت العامة منه فأشير عليه بترك ذلك، فأعرض عما كان هَمَّ به(27).

إن ما رواه المسعودي عن مطرف دليل على أن معاوية كان شاكاً في أصل رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤيده إعطاء النبي معاويةَ وأباه من سهم المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين، مما يفيد أنهما لم يكونا مسلمَيْن مؤمنَيْن حقيقةً.

ثامناً: أرسل معاويةُ بُسْرَ بنَ أرطأة في مهمة لقتل شيعة علي والإغارة عليهم في الحجاز واليمن في المناطق التابعة والمبايعة لعلي (ع) كما أرسله للإغارة على الأنبار وأطراف الكوفة، أما عليٌّ فلم يرسل أبداً أي مأمور للإغارة على أهل الشام الذين كانوا خاضعين لرئاسة معاوية. وهذا الأمر يدل على أن معاوية لم يكن عملياً مؤمناً بقوله تعالى: ﴿..لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا..﴾ (البقرة/48) ولا قوله تعالى: ﴿..وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..﴾ (الأنعام/164)، ولا بالحديث الشريف الذي يقول: «لا يؤاخذ الابن بجرم أبيه»(28)، بل إن العقل الفطري المستقيم يحكم بأن الاقتصاص من زيد بدلاً من عَمْرو عملٌ قبيح ومخالف للعقل. إن مضمون الآيات والحديث والعقل من شؤون الجانب الروحي للإنسان المميز له عن الحيوان أي صفة النفس الناطقة التي بُعث جميع الأنبياء لتربيتها والرقي بها واستكمال إنسانيتها والارتفاع بها من حضيض الجانب الحيواني للإنسان إلى أوج الجانب الروحي، أي الناطقية المميزة للإنسان عن الحيوانات. لقد امتلك علي الناطقية الإنسانية الكاملة والتي يُعبَّر عنها بروح القدس والنفس الكاملة ولكن معاوية لم يكن يمتلك ذلك العقل الإنساني الذي يميز الإنسان عن الحيوانات وكان سلوكه مبنياً على الحيوانية المحضة وروح الفتك والتجبر وكان منغمساً باللذات الجنسية الحيوانية لذا كان يقوم – بغضاً منه وعدواةً لعلي بن أبي طالب- بالإغارة على الرعايا الأبرياء المساكين وقتلهم، فلم يكن مطيعاً للآيات والأحاديث ولا تابعاً للعقل وقد بقيت هذه البدعة الخبيثة عن معاوية في ملوك الإسلام وسلاطينهم الآخرين من السنة والشيعة وسرت إليهم حتى أنه إذا قام شخص ما بمنازعة رئيسٍ أو أميرٍ قام الأخير بالإغارة على كل قبيلته وعشيرته وقتل أفرادها، وكل تلك المعاصي يقع إثمها على معاوية [لأنه أول من سنَّها].

تاسعاً: كان حسان بن ثابت الأنصاري يهجو امرأةً من أقرباء معاوية بسبب كفرها وفسقها فسمع «يزيد» في زمن ملك أبيه «معاوية» أشعار حسان في هجوها فأمر الأخطل النصراني الذي كان شاعر بلاط معاوية أن يهجو جميع الأنصار(29) مع أنهم بنص القرآن المجيد من أركان المسلمين، فكتب الأنصار من المدينة إلى معاوية كتاباً طالبوه فيه بقتل الأخطل فقام معاوية بتوقيف الأخطل ولكن يزيداً تدخل وأوقف القصاص بحق الأخطل وهكذا تمت التضحية بكل مقامات الأنصار ومناقبهم فداً لامرأة فاسقة سفيانية! إذن هو لم يعتبر هجو المؤمنين أمراً قبيحاً حتى لو كان المهجُويين أنصارَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! إن هجو الأنصار مضادَّةٌ صريحةٌ للقرآن وكفرٌ محضٌ(30) وكان يزيد مباشِراً لهذا الكفر ومعاوية مسبباً له وبناء عليه فإن معاوية كان ينكر عملياً جميع الآيات التي نزلت في مدح الأنصار ولا شك أنه لو كان معاوية ويزيد يؤمنان بالقرآن والإسلام والإيمان لما رضوا بهجو الأنصار الذين كانوا ركن الإسلام والقرآن.

عاشراً: كتب مسلمو العراق كتاباً إلى الحسين بن علي عليه السلام بعد موت معاوية قالوا له فيه عن معاوية: «أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّكَ الجبّارَ العنيدَ الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزَّها أَمْرَهَا وغَصَبَهَا فيأها وتأمَّر عليها بغير رضاً منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مالَ الله دُوْلَةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْداً له كما بعدت ثمود. إنه ليس علينا إمام فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ»(31).

الحادي عشر: قام معاوية بقتل خواص شيعة علي (ع) مثل رشيد الهجري(32) وحجر بن عدي وعمرو بن حمق الخزاعي وغيرهم بأمره وأمر زياد ابن الزنا في العراق جبراً وصبراً، مع أن القرآن والعقل والعدل يحكم بأنه لا يجوز الحكم بقتل شخص بدلاً من آخر، فمثل هذا الفعل ليس سوى تجبر وقهر وعناد وبهيمية وحيوانية صرفة، كما قام معاوية بسمِّ مالك الأشتر والحسن المجتبى (عليه السلام) وفي هذا معاداة صريحة للآية التي تنص على حاكمية القرآن، ومن ذلك أيضاً قتله لمحمد بن أبي بكر ونظائر هذه الأمور. وتفصيل الكلام بحق معاوية خارج عن وضع هذه الرسالة.

الثاني عشر: دخل معاوية الإسلام أي أظهر الإسلام بعد فتح مكة سنة 8 للهجرة ولم يكن إسلامه إسلاماً حقيقياً بدليل أنه عند تقسيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغنائم حنين أعطى النبي أبا سفيان وابنه معاوية من سهم المؤلفة قلوبهم(33) وليس من سهم المسلمين، ولو كانوا من المسلمين لما أعطاهم من سهم المؤلفة قلوبهم، ومن نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة القرآن - حاشاه عن ذلك - فقد كفر، فإذن أدرك معاوية صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة سنتين بإسلامه الظاهري وكلَّفه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بمهام وإذا تصادف أن وُجد معاوية أحياناً في المحضر المقدس للنبي ونزلت عليه آيات من القرآن أمر معاوية بكتابتها، ولكن لما كان القرآن المجيد قد نزل تدريجياً وكان معاوية قبل ذلك ولمدة 21 سنة كافراً فلم يكن هناك داعٍ لأن يروج بعد خلافته بأنه كان كاتب الوحي، كذلك كان لأمهات المؤمنين إخوة ولم يشتهر أيٌّ منهم بلقب خال المؤمنين، فمن الواضح أن معاوية اخترع هذين اللقبين بقوة الخلافة والمال.

ولما أدرك معاوية صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصبح رئيس أموياً بعد عثمان وأصبح في الواقع رأس سلسلة بني أمية وشيخ خلفائهم، فإنه لا بد من تأمل تلك المزايا التي ادعاها معاوية لنفسه وروجها بين الناس كي نرى ما إذا كان معاوية مصداقاً لأولي الأمر الذين ذكرهم القرآن المجيد، وهل عمل بأحكام الإسلام مثلما فعل الخلفاء الراشدون الذين سبقوه أم لا؟ سوف تتضح الإجابة عندما نشرح معنى «أولي الأمر» في الفصول التالية.

 

+                +             +

 

الفصل الثالث: قضيّة «أولي الأمر» ولزوم طاعتهم

قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيراً (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/58-59).

ضمير «كُمْ» في صدر الآية خطاب للمؤمنين وأصحاب الأمانة وأهلها يشملون: الله والنبيّ والأئمة المعصومين وسائر طبقات الناس من أعلاهم إلى أدناهم مسلمهم وغير مسلمهم، أي كل من كان أهلاً لأن يكون صاحب أمانة [وجب أداء أمانته إليه]، وذلك لأن كلمة «الأمانات» جمع مُحَلَّى بالألف واللام، وظاهر الألف واللام الدلالة على الاستغراق وإفادة العموم.

فأمانة الله ورسوله الأوامر والنواهي والصلاة والزكاة والحج والجهاد وتقسيم أموال بيت المال بالسوية بين المسلمين والمعاملات المشروعة والإمامة والرئاسة والحدود والقصاص. وأمانات غير الله ورسوله جميع الأموال وغيرها أياً كانت التي يجب على الشخص الأمين أن يعيدها ويسلمها إلى أصحابها.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الأنفال/27) والمثال الواضح والصريح لفردٍ خان الله ورسوله: هو «معاوية».

وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ... (غافر/19)، وقال أيضاً: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (آل عمران/75).

ثم قال في بقية الآية (المذكورة في بداية الفصل): ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء/58). وهذه الجملة خطابٌ للحكام بين أهل الإيمان والمراد من «الناس» جميع الناس سواء كانوا المسلمين أم غير مسلمين. أي يا أيها المؤمنون! إذا حكمتم بين شخصين مسلم وغير مسلم فاحكموا بالعدل لأن المدَّعين يتساوون في الحقوق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ (ع): «سوِّ بين الخصمين في لحظك ولفظك»(34) أي لا تتحدث بغلظة مع أحد المتخاصمين وبِلِين مع المتخاصم الآخر ولا تنظر لأحدهما بعين الحب وإلى الآخر بعين البغض، بل ليكن تعاملك وسلوكك مع كليهما واحداً.

وأيضاً كتب طفلان خطاً وأتيا به إلى الحسن لكي يحكم أي الخطين أجود من الآخر فقال أمير المؤمنين (ع): «يا حسن! هذا حكم الله وهو سائلك عنه يوم القيامة»!.

وجاء في تتمة الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم ما يعظكم به الله حيث يأمركم بالخيرات والمعروف وينهاكم عن الشرور والمنكرات ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً وذكر صفتي السمع والبصر هنا غاية في الدقة واللطف وهي من باب النشر المشوش حيث أن صفة السمع ترجع إلى الحكم بين الخصمين الذي هو من الألفاظ وصفة البصر ترجع إلى أداء الأمانات الذي هو من الأفعال. أي أن الله تعالى يعلم الخائن من الأمين والظالم من العادل فهو خبير بالاثنين.

تنبيهات:

الأول: بيّنت هذه الآية الشريفة الحكام وأولو الأمر في الإسلام، فلم يُهمل الله تعالى ذكر هذا الموضوع في كتابه، وكيف يهمله وأساس دين الإسلام تعيين الحاكم الإسلامي، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام/38).

الثاني: بيّنت الآية الحاكم بصفته بشكل عام حيث أن وظيفته الأساسية وضع القوانين التي لا تختصّ بشخص أو طائفةٍ واحدة محددة، أي أنه لا يراعي النسب ولا يحابي منسوبيه على غيرهم، وفي ذلك إشعار بأن المناصب الإلهية والقانونية مرجعها إلى علم صاحب المنصب بالقانون وعمله به من أي طائفةٍ أو قبيلةٍ كان. قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (المؤمنون/101) وهكذا لما نُفخ في صور ختم النبوة وحكم القرآن في مكة المعظمة ووصل صوته لمسامع أهل العالم ذهبت الأنساب وحلّ محلها الاعتقاد والعلم والتبليغ والتقوى والورع سواء أكان صاحبها أبيضاً أم أسوداً.

الثالث: أن الأمر قُرِّر بجملتين مختصرتين فصيحتين وبليغتين بل أفصح وأبلغ من جميع كلمات الأنبياء والأولياء والحكماء الإلهيين وواضعي القوانين في الدنيا، وأوضح وأصرح مما يمكن لجميع أنواع الملك والبشر والجن بل جميع الموجودات الناطقة في عالم الوجود وساكني الكواكب التي لا حصر لها في الفضاء اللامتناهي واللامحدود أن ينطقوا به ويعبروا به. وقد بين الأمر بأوضح ما يكون وأصرح ما يكون: الأول وجوب أداء الأمانات وحرمة الخيانات والثاني وجوب الحكم بالعدل بين الناس وحرمة الجور والظلم والجفاء والحيف والميل في الحكم والقضاء. وهاتان الجملتان تتألفان بمجموعهما من أربعة عشر كلمة مع حروف الشرط والتأكيد وفي هاتين الآيتين تم بيان جميع وظائف الحكام حيث يمكن استنباط مئات آلاف الأحكام والواجبات المنوطة بالحاكم من تلك الكلمات الأربعة عشر ولا يمكن لأي لغة أن تبين هذا المطلب بمثل هذه السهولة والوضوح. فحبذا وطوبى لقائلها جل جلاله!

الرابع: من الواضح أن نص كتاب القانون السماوي للإسلام هو القرآن المجيد، وأن الأخبار النبوية وأحاديث الأئمة الإثني عشرية شرحٌ لذلك النص، وكلمات علماء الإسلام حاشية على ذلك النص وشروحه، ولما وقع اختلاف كثير بين المذاهب الإسلامية المختلفة في الشرح والحاشية وكان إصلاحها جميعاً يحتاج إلى مطالعة كثيرة لا يكفي لها عمر الإنسان كان من الضروري والحتمي الرجوع إلى نص الكتاب الإلهي المقدَّس فكل ما كان من الشرح والحواشي موافقاً لنص الكتاب تمَّ قبوله وكل ما كان مخالفاً وجب تركه. لقد بيّن القرآن المجيد في تلك الآية الحاكمَ المنصوبَ والمجعول من قبله باسم وعنوان أولي الأمر والحاكم، لأن تطبيق وتنفيذ جميع أحكام القرآن منوط بوجود أولي الأمر والحكام الموصوفين وطاعتهم، فهذه الآية الكريمة تمثل قلب القرآن ولب دماغه فلا بد أن تتم دراسة هاتين الآيتين وبحثهما وكل شخص من رؤساء الإسلام كان مصداقاً لأولي الأمر والحاكم الإسلامي كان من الواجب – طبقاً لهاتين الآيتين – إطاعته، ومن لم يكن مصداقاً لأولي الأمر كانت طاعته محرمة ومخالفة للقرآن. ولقد قال أمير المؤمنين: أن الآية الأولى [أي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ...] هي بحقّ الولاة وأولي الأمر المُطاعين [أي فعلى والحكام أن يحكموا بما أنزل الله، وأن يؤدُّوا الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، فإذا فعلوا ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا](35). وأن الآية الثانية [أي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ.. ] هي في حقِّ الرعيَّة المطيعين لأولي الأمر الذين وصفهم القرآن وأوجب طاعتهم على أفراد المسلمين.

إذن فأولو الأمر الذين وصفهم القرآن وأوجب طاعتهم على أفراد المسلمين يختلفون كثيراً عن أولي الأمر الذين تصفهم وتحدّدهم فرق المسلمين، والفرق بينهما شاسع كالفرق بين السماء والأرض، لأن أولي الأمر من أصول أحكام الدين التي عليها مدار بقاء القرآن والمسلمين في الدنيا وإلى يوم القيامة، بينما أولو الأمر الآخرون نزاع شخصي مؤقت لا علاقة له أبداً بالآية الشريفة لأن الآية جعلت إطاعة أولي الأمر على خط طاعة الله وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذه درجة منيعة فوق تصور العامة وفهمهم، وقصور الأفهام الذي هو من الأمور العامة يمنع من إدراك هوية هذا المقام وحقيقته، كما أن اكتشاف حقيقة النبوة والرسالة والعصمة يفوق طاقة عامة الناس. وأولو الأمر ثالث الله ورسوله ويعود تعيين أصوافهم مباشرةً إلى الشارع الأقدس، ولذلك بيّن القرآن المجيد بأصرح العبارات وأوضحها أن التمسك بالإجماع أجنبي تماماً عن تعيين من يطبق أحكام القرآن ومن يكون خليفة رسول الله.

وأما حديث «لا تجتمع أمتي على الخطأ»(36) فقد طُعِن في سنده، وحتى لو فرضنا صحته فإنه لا يصلح دليلا على هذا الأمر لأن الإجماع لا يفيد في تعيين الموضوعات وإنما يتعلق بالأحكام والمحمولات لا بالموضوعات، فمثلا لا معنى للقول بأن الإجماع انعقد على أن زيداً طبيبٌ وبكراً مهندسٌ وخالداً مجتهدٌ! لأن تعيين الموضوعات يتم من قبل أهل الخبرة وعلماء الفن، فالتمسُّك بالإجماع في مثل هذه الموارد مضحك، لأن تعيين أهمية شخص وأهليته، خاصة شخص الخليفة ومنفذ الأحكام، أمرٌ يفوق طاقة المجمعين، وقصور المجمعين الذاتي عن معرفة هذا الأمر برهانٌ مستقلٌ على أن الإجماع لا محل له في هذا المقام.

ثانياً: إن اتفاق أهل الحلّ والعقد ورأي المهاجرين والأنصار لا يعد إجماعاً للأمة. نعم بعد انعقاد الخلافة والبيعة للخليفة الأول وعدم مبايعة سيد الخزرج ونقيب رسول الله: سعد بن عبادة إياه، بقي عليٌّ وسائر المسلمين ساكتين إما اعتقاداً أو تقيةً، وسكوتهم يحتمل أن يكون عن رضا أو عن عدم رضا.

ثالثاً: إذا أغمضنا النظر عن الماضي وفرضنا تحقق الإجماع وصحة خلافة الخليفة [الأول] الذي تمَّ الإجماع عليه، فإن مدة خلافته كانت سنتان ونصف، ثم صار الخليفة الثاني خليفةً بنص الخليفة الأول وليس بالإجماع. وصار الخليفة الثالث خليفة استناداً إلى تعيين الثاني لمجلس تشاورٍ من ستة أشخاص وليس بالإجماع. وأما تعيين الرابع فقد تم بإجماع أهل المدينة والأصحاب «كانوا يهرولون علَى بيعة عليّ» باستثناء عددٍ من الصحابة مثل عبد الله بن عمرو وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن طلحة وحسان بن ثابت الشاعر، وبعد ذلك هاجر الإجماع من المدينة المنوَّرة إلى الشام فقام هناك بجعل معاوية ويزيداً ومروان وبني مروان أولي الأمر، ثم رحل الإجماع إلى بغداد على ظهر أبي مسلم المروزي والخراساني ثم عاد إلى الكوفة وأنبار الكوفة وجعل بني العباس خلفاء، ثم حَرَدَ(37) من العرب فرحل إلى أولاد الصفاريين ثم السامانيين والغوريين والديالمة والسلاجقة والغزنوية والخوارزمية والجنكيزخانية والتيموريين والأتابكة وبعدهم إلى الآق قوينلو والقرا قوينلو وبعدها إلى تركيا ومصر والزنكيين والأحباش والأيوبيين والصفويين وو و... الخ.

ويبدو أنه كلما وجد شخص سارق ناهب وظالم وسفاك للدماء وهتاك للأعراض وجبّار في بقعة ما جاء السيد «إجماع» وتزوج منه وأوصله فوراً إلى مقام أولي الأمر. إنهم لا يستحون من الله ورسوله والقرآن، إن الإجماع كان منذ رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الآن مشغولا بمحاربة القرآن المجيد وبإعطاء الخلافة إلى كل فاسق وفاجر إلى يومنا هذا!!

اشترط بعض العلماء قدس الله أرواحهم أن يكون أولو الأمر أصحاب شوكةٍ ونافذي الكلمة، وهذا الشرط أعجب من الإجماع ذاته لأن أغلب وأكثر ذوي الشوكة بل جميعهم ظالمون وفاجرون وفاسقون وسفاكون للدماء وهتاكون للأعراض وسارقون ناهبون، وطاعة من يتصف بمثل هذه الأوصاف ليست غير واجبة فحسب بل هي محرمة قطعاً حفاظاً على شرع الإسلام الظاهر. فكيف يمكن أن تكون طاعة الظالم والسفاك ثالث طاعة الله وثاني طاعة رسول الله؟ هذا ما تضحك به الأديان ويُضحك العقول ويصفق له الصبيان، وأين حق البشرية؟!

اتضح إذن أن دليل الإجماع ودليل ذوي الغلبة والسطوة لا يقوم إلا بجعل أهل الظلم عادلين وجعل من يجب اجتنابهم واجبي الطاعة! فلا قيمة له في مقام إثبات الخلافة ولا يمكن الاستناد إلى هذه الأدلة التي هي أوهن من بيت العنكبوت في مقام كشف حقائق القرآن المجيد وبيان الحكم الإسلامي المهم الباقي إلى يوم القيامة.

وإذا أغمضنا النظر عن سند الحديث وصحته واعتباره وقلنا إن الصِدِّيق صار خليفةً بإجماع الصحابة ولكن لما لم يقع هذا الإجماع للفاروق وذي النورين فإن مفاد الإجماع منحصر إذن بأبي بكر الصديق فهو إذن دليل على شخصٍ واحد ولا يقوم بتعيين الخلافة إلى يوم القيامة، فلا يمكن التمسك بالإجماع في شخص بخصوصه لدفع النزاع وتعيين من ينفذ أحكام القرآن إلى يوم القيامة، وتعيين الأشخاص الذين هم مفاد الإجماع نزاع شخصي وليس نزاعاً دينياً ولا كلياً ولا دائماً ولا يجب أن يُذكر في الكتب الدينية.

أما أدلة الاثني عشرية: أولاً آية سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا (المائدة/3)(38). فنقول: لا بدّ من ملاحظة الجملة التي جاءت قبلها في نفس الآية وهي: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ والآية التي جاءت بعدها أي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ... (المائدة/5) فهم لم يتمسكوا بالجملة الأولى ولا بالثالثة بل تمسكوا فقط بالثانية أي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... في حين أن سياق الآيات الثلاثة يمنع من هذا التمسك ويضعفه لأن كلمة «اليوم» التي وردت بعينها في الجمل الثلاث تتحدث عن يومٍ واحد ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، والمفسرين ذكروا أن الآيات نزلت في عرفات ومِنَى، فليس المُراد في كلمة «اليوم» الإشارة إلى يوم غدير خم أي 18 ذي الحجة من سنة حجة الوداع بل «اليوم» في الآيات الثلاث عبارة عن سنوات الهجرة الأخيرة التي تشكل أيام انتصار الإسلام وعلو شأنه بفضل جهاد المسلمين وغزواتهم، حيث يأس الكفار من انعدام المسلمين وانقراضهم.

ثانياً: الآية ذات عموم وإطلاق ولا تصرح بشيءٍ بشأن عليٍّ عليه السلام. والأمر ذاته ينطبق على استدلالهم بآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (المائدة/67) حيث قالوا إن المقصود من «مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» أي: «في عليٍّ»، مع أن الجملة ذات دلالة عامة ومطلقة تتعلق ببيان ما أنزل الله إليه من أحكام وليس فيها ما يقيد «ما أنزله الله إليه»، المطلوب إبلاغه، بشخص محدَّد. فمفسرو العامة ينكرون اختصاص الآية بعلي والإثني عشرية يثبتونه.

ثالثاً: حتى لو سلَّمنا بصراحة الآيتين المذكورتين واختصاصهما بعليٍّ (ع) فإن الآيتين عندئذ ستنحصران بشخصه ولن تشملا الأئمة الأحد عشر الباقين، مع أن مُدَّعَى الإماميةِ هو إثبات الأئمة الإثني عشر.

رابعاً: لنفرض أن الآية صريحة في عليٍّ عليه السلام وأنه لم يكن هناك خلفاء آخرون، فإذا كان الأمر كذلك فبعد رحلة عليٍّ (ع) بعد عمره الطبيعي سيتعطل أمر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر تطبيق أحكام الشرع بعده، لأنه لو فرضنا أن الآية مختصةٌ بعليٍّ فمعناها أنها لا تشمل غيره وأن الأئمة الباقين غير مشمولين بها، فحاصل الآيتين تعيين شخص واحد بخصوصه، ثم بعده يصبح الحال مجهولاً، وعلى كل حال إن اختصاص الآيتين بعلي (ع) يجعل النزاع شخصياً لا دينياً مثله مثل اختصاص الإجماع بأبي بكر الذي يجعل النزاع شخصياً لا دينياً..

أما حديث غدير خم فينكره علماء أهل السنة(39) ويثبته الشيعة، وقد أثبته العلامة «مير حامد حسين الهندي» في كتابه عبقات الأنوار من كتب أهل السنة ولا مجال لإنكاره بعد ذلك الكتاب، فإذا صح سنده فإنه يختص بعليٍّ فقط ولا يشمل بقية الأئمة، ومتن الحديث المتفق عليه هو: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ»(40).

هذا النص صريح ومختص بعليٍّ عليه السلام ولا يشمل غيره. فإن قيل بعد أن نُصِب عليٌ في منصب الخلافة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يحق له أن يعيِّن خليفةً له من بعده، قلنا: فعلى هذا الفرض لا ينبغي للإمامية أن يتمسكوا بالآيات ولا يستطيعون أن يفعلوا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً له الحق في تعيين خليفةٍ من بعده، فلا حاجة لنزول آيات لذلك وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأئمة التالين فكل واحد يعين التالي.

ثانياً: لو سلَّمنا أن رواية "غدير خم" والأحاديث النبوية والعلوية الأخرى تشمل الأئمة الإحدى عشر فعندئذٍ يصبح عدد خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنفذي أحكام الشرع اثني عشر نفراً ومدتهم 260 عاماً، فهنا أيضاً يصبح النزاع شخصياً(41) حول اثني عشر شخصاً بخصوصهم خلال مئتين وستين عاماً، وبعد هذه المدة تصبح الأمة المرحومة وأتباع القرآن من جديد بلا رئيس، وكلما ذُكِر خليفةٌ فإن الفريقين يعيدون ذكر أدلتهم ذاتها ويكررون النزاع الشخصي ويغتبطون بذلك، وبهذا تزداد العداوة والبغضاء بين فرق المسلمين يوماً بعد يوم وتتعالى صيحات اللعنة والتكفير من الأبواب والجدران والأزقة والأسواق وبيوت المسلمين وفي الكتب المصنفة لفرق المسلمين حول الخلافة الشخصية، ومن الواضح أن النزاع في الخلافة الشخصية ليس له ثمرة دينية وذلك لأنه ليس لهذه الأدلة في هذا القرن الذي نعيش فيه أي مصداق، والخلفاء الأربعة الذين كانوا مصاديق للأدلة رحلوا جميعاً، والنزاع حول صحة خلافتهم أو بطلانها لا يفيد أي فائدةٍ ولا يساعد على تعيين مصداق آية أولي الأمر في القرآن في عصرنا هذا وإلى يوم القيامة، بل بملاحظةٍ دقيقة يتبين أن ضرر هذا النزاع أكثر من فائدته. إن اختلاف كلمة المسلمين كانت مضرةً منذ أول يوم واليوم نجد أن ضررها أصبح علنياً وسبباً لزوال عزة المسلمين وسيادتهم في الدنيا حيث أن أهم نواحي الاختلاف بينهما قضية الخلافة لذا لا بد من القيام ببحث وافٍ في مصداق الآية الشريفة.

ولو فرضنا أننا سلمنا بأدلة الطرفين أي إجماع أهل السنة، والآيات وحديث غدير خم لدى الإثني عشرية، فإن هذا النزاع شخصي ويختص بزمان حياة أولئك الخلفاء ولا نتيجة له فيما بعد لأن جميع فرق المسلمين اليوم تعتقد بالقرآن وبالنبيّ وترجع إليهما ولكن ليس جميعهم يعتقد بدليل الإجماع أو بحديث "غدير خم". أضِف إلى ذلك أن هذا النزاع الشخصي حول الخلافة بمعزلٍ عن عدم وجود أية ثمرة دينية له فإن له أضراراً كثيرةً جداً مثل إضعاف المسلمين وإفقارهم وتشتتهم وضعفهم وتسلط الأجانب وأعداء الإسلام عليهم. إن النزاعات الشخصية لعلماء الفرق الإسلامية قد جرّت العالم الإسلامي إلى أن أصبح أسيراً للأجانب وأدَّت إلى ذل المسلمين وزوال سيادتهم التي نشاهدها اليوم بأم أعيننا، ولذلك فيجب على جميع المسلمين وجوباً حتمياً أن يرجعوا إلى القرآن المجيد ويتمسكوا بآياته ويحددوا ويعينوا الخليفة ومنفذ أحكام القرآن استناداً إلى القرآن المجيد، وأن يستبدلوا النزاعَ الشخصي الماضي بالزلال السلسبيل لصراحة آيات القرآن المباركة ويُحوِّلوا نزاع وخصام القرون السالفة الذي لا مبرر له إلى الوفاق والاتفاق والأخوة الإسلامية كي يستعيدوا إنشاء الله سيادتهم وتفوقهم على الأمم في ظل حقيقة القرآن. بعد شرح الآية المباركة بعون الله وصونه لا بد من إعمال النظر في تعيين مصداقها. وسنصرف النظر عن موضوع الخلفاء الثلاثة ففي عهدهم كان الجهاد الإسلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمساواة في تقسيم بيت المال وفي تطبيق الحدود والأخوة الإيمانية قائمةً ببركة قرب صحبتهم لرسول الله وتأثرهم بمعاشرته صلى الله عليه وآله وسلم واجتماع الصحابة ووحدتهم (رغم أن الخليفة الثالث أدى إلى إثارة بقية الأصحاب والمسلمين عليه بسبب تقديمه لبني أعمامه وتفضيله للأمويين وإطلاق أيديهم في بيت المال مما سبب هيجان الفتنة بين أهل العراقين ومصر والتي جرّت في النهاية إلى قتله).

ملاحظة: في عهد الرسالة كان خاتمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم منحوتٌ عليه عبارة: «محمد رسول الله» فكانت أوامره ورسائله إلى الأمراء والملوك تُخْتَم بهذا الخاتم. بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم صار ذلك الخاتم بإصبع أبي بكر وختمت به جميع أحكامه وأوامره وانتقل بعده إلى يد عمر ثم إلى يد عثمان وبقي كذلك حتى السنة السادسة من خلافته حيث في تلك السنة وقع الخاتم من يد عثمان في بئر المياه الذي كان قد وقفه على المسلمين في المدينة عندما كانوا يقومون بتنظيفه، فنزحوا المياه وبحثوا في الطين والتراب المجاوران فلم يجدوا الخاتم وفي الوقت ذاته توفي العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان من كبار القوم وممن يجتمع عليه الصحابة. بعد هاتين الواقعتين تصاعد نزاع أهل مصر والعراقين وعلا صوتهم ضد تعديات الحكام الأمويين وانتهى الأمر بمقتل عثمان. ولكن بالنظر إلى تطبيق أحكام الإسلام مدة أربعين عاماً كان من اللازم عدم التوقف حول خصائص الأشخاص وأوصافهم وأحوالهم الشخصية في هذا المقام وسنشرح في الوقت المناسب أحوال أولئك الخلفاء الثلاثة.

ومنذ عهد خلافة علي بن أبي طالب (ع) بدأت المعارك الداخلية بين المسلمين حيث وقعت معركة الجمل ثم صفين ثم النهروان. وأبدأ من صفين التي كانت الحرب الأهلية الوسطى.

سأضرب صفحاً عن كل ما كتبه مصنفو الفرق والمذاهب حول علي (ع) ومعاوية وسأفترض أن حديث غدير خم وسائر مناقب علي (ع) وفضائله المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها مزوَّرة، وسأصرف النظر عن جميع ما ذكر في الكتب من مثالب معاوية وسأجعل القرآن الحميد، الذي هو شفيع المسلمين في الدنيا والآخرة ومتفقٌ عليه بين المسلمين، الحكمَ بين الفريقين.

في هذه المقارنة لا بد من توضيح سيرة حياة كل من علي (ع) ومعاوية وعمرو بن العاص، فإذا بيّنا ذلك بشكل مفصل نقول: إذا ثبت أنَّ أحَدَ أولئك الثلاثة كان مصداقاً حقيقياً للآية الكريمة(42) ومن أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، والحاكم الشرعي الصحيح، ثبت أن الآخر [الذي نازعه] لم يكن مصداقاً للآية.

يمكننا تقسيم سيرة حياة علي (ع) إلى ثلاثة مراحل: الأولى من بداية البعثة النبوية وحتى الهجرة. الثانية: من الهجرة وحتى رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الثالثة: فترة خلافته وخصومته مع معاوية.

قبل البعثة، عندما بلغ عليٌّ (ع) الخامسة من عمره، وقع قحط شديد في مكة وكان أبو طالب فقيراً فتبرع أقرباؤه بأخذ أولاده إلى بيوتهم لمساعدته في إعالتهم. فكان جعفر من نصيب العباس وكان عليٌّ من نصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتربَّى عليٌّ في حجر النبيِّ وبيته حتى بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة، وكان عليٌّ حينها في السابعة أو التاسعة من عمره. وقد بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة يوم الإثنين وآمن عليٌ به يوم الثلاثاء. وقد كتب بعض العلماء أن علياً كان حين بعثة النبيِّ صغيراً..

والجواب: إن إيمان عليٍٍّ تم إما بدعوة النبيِّ له وتبليغه رسالة الإسلام فصدَّق النبيَّ وأسلم معه، هذا رغم أن بني عبد مناف كانوا أربعين رجلاً وكان لكلٍّ منهم كثيرٌ من الأولاد وأنه من المسلّم به أن النبيِّ لم يدعُ أيّاً من الأولاد الصغار لأعمامه وبني عمومته، ولم يدعُ إلا عليّاً، فاختصاص النبيِّ إيَّاهُ بالدعوة ليس إلا بسبب ما رآه فيه من القوة الملكوتية الكاملة التي كان يملكها في صغره وجعلته أهلاً لفهم دعوة الإسلام وإدراك حقيِّتها، مثله في ذلك مثل عيسى ويحيى عليهما السلام ولولا ذلك كان تخصيص النبيِّ له بالدعوة ترجيح بلا مرجح، فالنبيُّ دعا ابن أبي طالب إلى الإسلام ولكنه لم يدعُ ابن العباس ولا أولاد سائر أعمامه وبني عمومته وأولاد أخت خديجة.

أو أن إيمان عليٍّ وإسلامه حصلا دون دعوة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم له وتبليغه الإسلام فهذا يدل أكثر من الاحتمال الأول على اكتمال عقل عليٍّ لأن نبيَّ الإسلام قبل علياً وبقي خلال فترة الدعوة السرية يصلي به وبخديجة الكبرى صلاة الجماعة ثلاث سنوات. وعندما جاء عفيف الكندي بالتجارة إلى مكة وجلس إلى العباس رأى شاباً وطفلا وامرأة وقت الظهر واقفين أمام الكعبة، الشاب في الأمام ووراءه الصبي والمرأة وهم يصلون. فسأل عفيف أي دينٍ جديد هذا يتبعه هؤلاء الثلاثة؟ فأجابه العباس إن الشاب والغلام كلاهما ابني إخوتي وقد ادعى محمدٌ النبوة وآمن به عليٌ والمرأة زوجته خديجة ولا يوجد على وجه الأرض متدين بهذا الدين الجديد سوى هؤلاء الثلاثة(43).

في كلا الصورتين يعتبر تصديق النبي والإيمان به برهاناً قاطعاً على المقام الملكوتي لعلي (ع) قبل بلوغه مثلما كان لعيسى ويحيى في صغرهما. في مدة الثلاث سنوات هذه كان معاوية وعمرو بن العاص على الكفر وفي عداد المؤذين لرسول الله وفي نهاية هذه السنوات الثلاث للدعوة السرية نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الحجر/94-95) ونزل كذلك قوله تعالى:﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (الشعراء/214) وأمر النبي عليّاً أن يدعو له أربعين نفراً من بني عبد مناف إلى طعام الغداء، وطبخ لهم كتف خروف وشعيراً ولبناً ورغم أن الطعام لم يكن يكفي إلا لشخصٍ أو شخصين فإنه أشبع الأربعين وكانت تلك من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال أبو لهب: لقد دعانا محمد ليسحرنا، وتفرّقوا. ثم دعاهم مرة ثانية لنفس الدعوة وأكلوا كما في المرة السابقة وبعدها قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ في هذا الأمر فيكون خليفتي ووَصِيِّي ووَزِيرِي ووَارِثِي وقَاضِي دَيْنِي‏» فسكت القوم جميعاً سوى علي قام وقال: «يا رسول الله! أَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنّاً وأَعْمَشُهُمْ عَيْناً وأَحْمَشُهُمْ سَاقاً وأنا أؤازرك. فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله -: أَنْتَ خليفتي ووَزِيرِي ووَارِثِي وقَاضِي دَيْنِي‏»(44).

فقال بعضهم مثل أبي لهب وغيره لأبي طالب لقد صار ابنك أميراً عليك وقاموا وذهبوا. وهذه الواقعة تُعرف بـ«حديث الدار».

إذن يتبين أن علياً إما آمن في سن السابعة وتشرف بخلافة النبي ووزارته في سن العاشرة أو آمن في العاشرة وتشرف بخلافة النبي في سن الثالثة عشر. وكلا الأمرين دليلٌ قاطعٌ على أن علياً كان صغيراً في عمره البَشَرِيّ وغير بالغٍ في جسمه ولكنه كان بالغاً أكثر من الجميع في قوته الملكوتية وروحانيته اللاهوتية لذا نال خلافة خاتم الأنبياء.

أما معاوية وعمرو بن العاص فكانا يمضيان حياتهما في ذلك الحين بالجهل والشرك. وبعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية بدأت مرحلة الدعوة العلنية وآمن عدد من أفراد قريش وغيرهما وبدأ عدد المسلمين يزداد يوماً بعد يوم وكلما ازداد عدد المسلمين وعدّتهم ازداد حقد الكفار وحسدهم وبغضهم الجاهلي. وبعد ذلك هاجر الصحابة المكرَّمين مرتين إلى الحبشة فقام عمرو بن العاص وعبد الله بن أمية بحمل هدايا من قريش إلى النجاشي ليحملاه على عدم منح الجوار للمسلمين المهاجرين إليه، لكن النجاشي كان ذا فطرة حسنة وخلق كريم فأحضر المسلمين فقرأ عليه جعفر الطيار مطلع سورة كهيعص (مريم) فلما سمع النجاشي مضامين الآيات الكريمة ردّ عمرَو بن العاص وعبدَ الله بن أمية وأعاد لهم هداياهم وقبل المسلمين في جواره. لقد أخذ عمرو بن العاص الهدايا للنجاشي لكي يسلمه سبعين مسلماً كانوا قد هاجروا إليه كي يعيدهم إلى مكة ويقتلهم جميعاً أو يحبسهم ويعذّبهم. وقد لعن النبيُّ والمسلمون أيضاً عمرَو بن العاص مراتٍ عدة ودانوا فعله هذا.

وقد حُصِر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مدة سنتين أو ثلاث سنوات هو وأصحابه في شعب أبي طالب وعانوا الجوع والمشقات بسبب جهالة المشركين وأذاهم وكان عليٌ عليه السلام أحد الملازمين للنبيِّ والمشاركين له في تلك الشدائد. وكان عليٌّ طيلة الفترة المكية للرسالة التي دامت 13عاماً يدافع عن النبيِّ قدر استطاعته عندما كان أطفال مكة وشبابها يؤذون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص مشغولان بحياة الترف والفسق والنعيم وكؤوس الصهباء. وقد تأدب عليٌ ثلاثة عشر عاماً في بيت النبيّ بآدابه وتربى على يديه ويدي خديجة الكبرى وكان من فطانة علي وكياسته أنه كان يتعلَّم كل يوم عشر آيات وعشر أحكام من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على الأقل. ولا شك أنه تعلم خلال ثلاثة عشر عاماً جميع الآيات والأحكام الإسلامية التي نزلت حتى ذلك الحين، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص في عداد المشركين مشغولين بالجهالة والفحشاء والرقص والطرب وشرب الخمر وتضييع الوقت.

قيل لسيد الأنبياء إن أبا سفيان كان راكباً على الناقة وكان لجامها بيد معاوية يقودها وكان خلفهم حنظلة يسوق الناقة فقال رسول الله: «لعن الله الناقة وراكبها وسائقها وقائدها»(45) وهكذا فقد لعن النبي الأكرم شخص معاوية... وفي الواقع إن جميع آيات القرآن المكية التي يبلغ عددها حوالي ألف آية والتي لعنت كفار قريش وذمتهم كانت تشمل معاوية وعمرو بن العاص.

بعد انقضاء مدة ثلاثة عشر عاماً من الإقامة في مكة أُمِرَ الرسول الأكرم بالهجرة إلى المدينة فهاجر برفقة أبي بكر وعامر بن فهيرة ومساعدة عبد الله ابن أريقط وأمر علياً أن يبيت في فراشه ويغطي نفسه ببردة النبي الخضراء وأن يعيد أمانات الناس في اليوم التالي إلى أصحابها ثم يلحق به إلى المدينة.

ملاحظة: في الليلة التي غادر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها بيته ونام عليٌ في مكانه ذهب النبيُّ في اليوم التالي بعد الظهر إلى بيت أبي بكر ولكن المؤرخين ومفسري الإسلام لم يذكروا أين بات النبي تلك الليلة وأين كان حتى ظهر اليوم التالي حتى ذهب في عصره مع أبي بكر إلى الغار، في ذلك الحين كان لا يزال هناك عدد من المسلمين باقين في مكة بما في ذلك بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللواتي كُنّ جميعاً في مكة، كما كان أعمام النبي والعباس وغيره وبنو أعمامه وسائر الأصحاب في مكة أيضاً، ولكن النبيَّ لم يعتبر أياً منهم أميناً على ردَّ أمانات الناس إلى أصحابها بل اختار علياً فقط من بين الجميع ليرجع الأمانات إلى أصحابها في غيبة النبي ثم يلتحق به إلى دار الهجرة في المدينة، وكان يسير في الليل ويختفي في النهار حتى وصل إلى المدينة وقد تورمت قدماه وظهرت فيها الثآليل ولم يستطع أن يذهب إلى خدمة النبي فجاء النبي من مسجد قباء وعطف على علي وأخذ الماء من يده المباركة ودهن بها أقدام علي فشفيت بزمن قصير من الأورام ولم يعد يشكو من ألم القدمين حتى استشهاده.

عاش عليٌّ (ع) خمس سنوات قبل البعثة وثلاثة عشر عاماً بعد البعثة، في بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتربَّى وتأدَّب في حجره وتعلَّم منه مباشرةً العقائدَ والأخلاقَ والآدابَ النبويَّةَ والعلومَ الإلهيةَ والوحيَ السماويَّ، ودافع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقدر استطاعته مدة عشر سنوات وصلى مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ اليوم الثاني لبعثته وحفظ الآيات المكية وتعلمها وعمل بها وتحمل المصاعب والمشقات في شعب أبي طالب أثناء الحصار وفي النهاية بات في فراش النبي ليلة الهجرة ثم قام بإعادة الأمانات إلى أهلها بأمر النبي، ففي ليلة الهجرة كان عليٌّ (ع) مصداقاً تاماً وكاملاً لآية أولي الأمر أي أنه لم يكن أحد من أصحاب النبيِّ مصداقاً حقيقياً وواقعياً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سوى علي (ع)، فقد نال ليلة الهجرة مقام أولي الأمر في القرآن. وبحكم القرآن الصريح فإن جميع السور المكية التي فيها مدح للمؤمنين تشمل بعمومها عليَّاً قطعاً فهو بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفرد المسلم المؤمن الذي تنطبق عليه تلك الآيات بكل وضوح وبشكل قاطع. وفي الجهة المقابلة كل الآيات التي وردت في ذم وتوبيخ الكفار ولعنهم فإنها تشمل بعمومها معاوية وعمرو بن العاص في ذلك الوقت فهما فردان واضحان ومصداقان قطعيَّان لتلك الآيات.

ما ذُكر كان بشأن الأعمال الشخصية للطرفين أما من حيث الأب والأم فإن جميع المسلمين منذ صدر الإسلام وحتى اليوم يعلمون أنه بعد وفاة جدِّ النبيِّ عبد المطلب عاش النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في كنف وحماية وعناية عمِّه «أبي طالب» [والد عليِّ]، فلما تزوَّج النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من خديجةَ الكُبرى سلك أبو طالب معه سلوك الأب مع ابنه، وبعد البعثة كان أبو طالب وابنُه عليٌّ (ع) وجعفرُ حماةً للنبيِّ. وكانت «فاطمة بنت أسد» والدة عليٍّ الكريمة حاضنةً للنبيِّ ومربِّيَتَه حتى وفاة أبي طالب. وقد عانى أبو طالب وزوجته فاطمة من حصار الكفار ومضايقاتهم مدة سنتين أو ثلاث وقدموا كل المساعدة للنبي ولجميع المسلمين أثناء الحصار بسبب تعليق الصحيفة المشؤومة. فكانوا يدافعون معه ويقاومون عدوان وأذى أبي سفيان وزوجته هند وابنهما معاوية إذ كانت هند تهجو النبي والمؤمنين وتضرب الدف وترقص وكان صوت هجوها لا يزال يدوي في الفضاء ويدل ويبرهن على خدمات أبي طالب وجعفر الطيار وفاطمة بنت أسد المنضمة إلى مناقب ومفاخر شخص علي، وتلك الكفريات والأذى والتعديات التي كان أبو سفيان وهند ومعاوية ذاته يمارسانها ضد الإسلام تحط من أهلية معاوية لأن يكون مصداقا لأولي الأمر ومن أهلية عمرو بن العاص لمنصب [الولاية و] الوزارة على المسلمين.

تلك كانت مناقب وفضائل علي (ع) منذ بداية البعثة القدسية وحتى الهجرة المقدسة.

المرحلة الثانية: من الهجرة المقدسة لصاحب الرسالة إلى مغيب شمس السعادة الإسلامية برحيل صاحب الرسالة المقدَّسة. بعد ورود موكب مؤسس الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري بدأ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ (ع) والمهاجرون والأنصار ببناء المسجد والحجرات الطاهرة لبيت النبيِّ وبيت عليٍّ في الوقت الذي كان معاوية وعمرو بن العاص مشغولان بإعداد الجنود لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين. وبعد الانتهاء من بناء المسجد وبيوت النبوة بدأت الغزوات: غزوة الأبواء وودان وبواط والعشيرة والنخلة بين مكة والطائف، وكان علي (ع) أحد مجاهدي الإسلام في جميع تلك الغزوات في حين كان معاوية وعمرو بن العاص في جيش الكفار الذي كانت رئاسته غالباً لأبي سفيان. أما في غزوة بدر الكبرى التي قُتل فيها اثنان وسبعون من الكفار باتفاق أكثر المؤرخين فإن 36 منهم قُتلوا على يد علي (ع)، بل ذكر بعضهم أن عدد من قتل على ييده في بدر كان 42 مشركاً وبعضهم قال كانوا 35 مشركاً، في حين أن الملائكة المردفين الذين كان عددهم ألفين، وبقية الثلاثمئة وسبعة عشر صحابياً من المشاركين في بدر كانوا كلهم قتلوا 36 مشركاً فقط، أي أن علياً (ع) وحده قتل عدداً من المشركين مساوياً لعدد من قتله الآخرون جميعاً نفراً، فشجاعة علي في بدر تساوي شجاعة جميع المسلمين والملائكة المردفين ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، هذا في حين كان معاوية وعمرو بن العاص جزءاً من جيش الكفار، والأمر ذاته في غزوة أحد والأحزاب حيث كان عليٌّ (ع) سيفَ الله المسلول ومصداقَ لـ«لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار»، وعندما فرّ المسلمون بعد هجمات قريش فإن مما يتفق عليه جميع مؤرخي الإسلام أن علياً علي (ع) بقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكر بعضهم أن أبا بكر وأبا قتادة وأبا دجانة أيضاً بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفروا مع الفارين، وعلى فرض صدق هذا القول فإنه من المسلمات أن علياً بقي وكان يحمل على الكُفَّار تارةً ويدافع عن النبيِّ طوراً وقد تحمل في هذا السبيل جراحاً كثيرة فكان يعالج جراحاته أحياناً ويحمل الماء في ترسه للنبيِّ أحياناً أخرى. وكانت فاطمة الزهراء تحرق الحصير وتذر رماده الحار على جرح وجه النبي الشريف صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا فقد كان عليُّ بن أبي طالب بهذه المشقات وذلك النَّصَب الذي أصابه في سبيل الله قد أدى الأمانة إلى الله ورسوله وبذل أقصى ما يمكن من التضحيات لهما، فكان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجاهد تحت رايته وهو يعاني العطش والجوع، هذا في حين كان معاوية في خدمة والدته هند يتفرّج على قلادة أمه التي صنعتها من كبد حمزة سيد الشهداء الذي قُطِّعَ إرباً إرباً وأعضائه التي مُثِّل بها! وكان يقول مرحى لوحشي قاتل حمزة! ولما صاح أبو سفيان بأعلى صوته [عند انتهاء معركة أي معركة أحد]: «يا محمد! إنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، يَوْمٌ بِيَوْمِ، أُعْلُ هُبَلُ!» أي الحرب يوم لنا ويوم علينا، كان معاوية وعمرو بن العاص يشاركان أبا سفيان أرجوزته تلك من خلال مكائهما وتصديتهما (أي تصفيقهما وتصفيرهما). أما في غزوة الخندق فقد جمع أبو سفيان من قبيلة قريش ويهود أطراف المدينة 14 ألف مقاتل وقدم لمحاربة النبي والقرآن والمسلمين، وكان معاوية حامل لواء أبيه في هذه المعركة في حين كان عمرو بن العاص يرتجز تحت علم الكفار حتى حاصروا المدينة وكانوا كل ليلة يضربون الدف والطنبور وينشدون الأشعار في هجو المسلمين وكانت هند ترقص مع النساء الأخريات أمام أعين صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي إلى مسامعه الشريفة بهجائيات شعراء قريش. وعندما قفز عمرو بن عَبْد وُدّ العامري مع وهب بن هبيرة بفرسهما فوق الخندق نحو المسلمين وصاح عمرو بن عَبْد وُدّ فيهم: «من يُبارز»؟ فلزم جميع المسلمين الصمت رعباً وخوفاً حتى قال رسول الله: «من يكفينا هذا الكلب»؟ فنهض علي (ع) وقال «أنا أكفيكه يا رسول الله»، وبعد تكرار السؤال والجواب ألبس النبي علياً درعه ذات الفضول ووضع سيفه ذا الفقار على خاصرته وربط العمامة على رأسه ودعا له وأرسله نحو عمرو وما لبث عليٌّ أن ضربه ضربة قضى بها عليه عندها قال رسول الله «لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ يومَ الخَنْدَق أفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْن‏»(46) وبقيت هذه الكلمة مشهورة لدى جميع المسلمين إلى يوم القيامة. وبعد قتل عمرو تحول رقص هند ومكاء وتصدية معاوية وعمرو بن العاص إلى حزن وعزاء ثم هبت ريح عاصفة «ولله جنود من الريح» وقذفت بالحصباء على رؤوس قريش وألقى سعيد بن النعمان(47) الخلاف بين يهود المدينة وقريش فعادت قريش خائبة خاسرة.

وأما في خيبر فعندما فشل عدة قادة من المسلمين(48) ممن أُرسلوا لفتح قلاع وحصون خيبر لاسيما حصن «عموص» (49) قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» فتطلَّعَ الجميعُ ليوم غد كلٌّ يتمنى أن يكون صاحب لواء فتح خيبر، فكان اللواء نصيب عليٍّ(50) وفي ذلك اليوم قُتل مَرْحَب الخيبري بيد علي (ع) وفُتحت القلعة وانتهت معركة خيبر بالنصر.

لقد أدى عليٌّ (ع) بهذه التضحيات الأمانةَ التي كانت في ذمته لِـلَّهِ وللقرآن وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللإسلام، حيث اتسعت قوة الإسلام سواء من ناحية كثرة عدد المسلمين أم من ناحية اتساع الأراضي الإسلامية فأصبحت خيبر بعد ذلك الفتح جزءاً من بلاد الإسلام. في حين أنه في ذلك التاريخ ذاته كان معاوية وعمرو بن العاص ويبذلان جهدهما ويسعيان كل سعيهما في إعانة أبي سفيان ومعاضدته على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعدام القرآن وذبح المسلمين وغزو المدينة المنوَّرة ومضايقة أهلها.

أما فتح مكة فكانت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد سيد الخزرج سعد بن عبادة الذي نادى لدى وروده مكة: «اليوم يوم الملحمة اليوم تُسبى الحرمة»، فلما وصل هذا الرجز إلى صاحب الرسالة أمر علياً (ع) أن يأخذ لواء الفتح من سعد وأن يحمل راية فتح مكة(51)، في حين كان معاوية وعمرو بن العاص(52) يختبئان في شق صخور الشِّعب خوفاً من سيوف المسلمين وبعد غلبة الحق وصيرورة أهل مكة أسرى مسترقّين بيد سيد البشر، قام صلى الله عليه وآله وسلم بتحريرهم جميعاً احتراماً للحرم وعُرف أهلُ مكة منذ ذلك الوقت باسم «الطلقاء» أي الذين حررَّهم النبي وأطلق سراحهم [وعفا عنهم]، إذْ قال رسول الله: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ».

ملاحظة: أولاً- في أيام فتح مكة كان معاوية ومروان بن الحكم ابن أبي العاص في مكة وكانا جزءاً من الطلقاء فمع وجود المهاجرين والأنصار لم يكن هناك أي حق في الخلافة للطلقاء فمعاوية ومروان وأولادهما كانا غاصبين لذلك المقام تماماً وما كان لهم حق في الخلافة. «وهذا كلام حق بديع لم يجر عليه أقلام علماء الإسلام قاطبة وغفلوا عنه غفلة دائمة».

أما «عثمان» فرغم أنه كان من بني أمية إلا أنه كان من المهاجرين ولم يكن من الطلقاء، وكذلك أُسر «العباس» في معركة بدر ثم كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمان سنين في المدينة، فهذان كان لهما حق في الخلافة. أما معاوية ومروان فلم يكن لهما حق في الخلافة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهما: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» فمع وجود الأحرار المهاجرين والأنصار لا يصل حق الخلافة إليهما. وفي هذه القضية أيضاً استُخدم الإجماع بكل وقاحة وجرأة لمعارضة كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومساعدة الطلقاء، ليجعل من معاوية الذي كان يوماً طليقاً ويجعل مروان بن الحكم الذي كان يوماً ما طليقاً وطريداً لرسول الله خلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم!

ثانياً- كانت مكة حتى يوم الفتح دار كفر فكانت الهجرة منها واجبة ولكنها أصبحت بعد الفتح دار الإسلام وانتفى موضوع الهجرة منها. قال رسول الله: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»(53) وقال لعمه العباس: «أنت آخر المهاجرين وَأَنَا آخِرُ الأَنْبِيَاءِ»(54). وهذا الحديث نص على أن آية خاتم النبيين بكسر التاء والقراءة بفتح التاء خاطئة.

ثالثاً- بعد فتح مكة اتجه النبي وأصحابه إلى فتح هوازن وحنين والطائف وقد غنموا غنائم لا حصر لها فقام النبيُّ بإعطاء جماعة من رؤساء مكة بما في ذلك أبي سفيان ومعاوية حظاً وافراً منها باسم سهم المؤلفة قلوبهم ولم يعطهم من السهام المتساوية مع بقية المسلمين، فهذا النحو من تقسيم الغنائم يفيد أن الرسول الأكرم لم يكن مطمئناً في ذلك اليوم إلى إيمان أبي سفيان ومعاوية وغيرهما من معاندي قريش وإلا لوجب أن يعطيهم سهماً مساوياً لسهام بقية المسلمين لا أن يعطيهم من سهم المؤلفة قلوبهم.

فتح مكة في السنة 8 للهجرة: في فتح مكة أظهر معاوية الإسلام وبعد سنتين رحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جوار ربّه، مما يعني أن معاوية خلال مدة نبوة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التي طالت 23 عاماً لم يدرك صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً إلا سنتين فقط، وخلال هاتين السنتين لم يكن يصاحب النبيَّ في أكثر الأوقات حتى يستحق لقب كاتب الوحي، ولم يذكر أيٌّ من المؤرخين أن معاوية لازم خدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنتين الأخيرتين من حياته.

أما عليٌّ فإنه خلال سنوات الهجرة الثمانية كان ملازماً لخدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الليل والنهار والسفر والحضر، وبتصديق جميع المؤرخين كان يكتب كل ما ينزل من الآيات والأحكام ويحفظها، فكان عليٌّ (ع) وعثمان، كلاهما، من كتبة الوحي، أما معاوية فلم يكن في ذلك الزمن من كتبة الوحي فلقب كاتب الوحي وخال المؤمنين إنما اصطنعه لنفسه في فترة خلافته بقوة السلطان والمال وليس من باب الحقيقة الدينية، وعلى فرض أنه كتب الوحي فقد كتب عبد الله بن أبي سرح الوحي أيضاً ثم ارتد بعد ذلك.

أما عمرو بن العاص فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر السنة السابعة للهجرة برفقة خالد بن الوليد وأسلما معاً في يوم واحد وكان حسب التواريخ الإسلامية كالأخ لمعاوية وكان بينهما انسجام كامل سواء بالجهل بالأحكام [الشرعية] أو بالعلم بسياسة المدن وتدبير الأمور والمكر والدهاء، فكانا كلاهما من دهاة العرب، وهذه السياسة المكارة يعتبرها القرآن نفاقاً وأن السياسة على هذا النحو مرادفة للنفاق، وكان معاوية نموذجاً كاملاً لها.

وفي السُنَّة النبويَّة اعتُبر هذا النوع من السياسة حيلةً ومكراً وخداعاً وشيطنةً: (السائس مرآة الشيطان!!).

وحتى عمرو بن العاص نفسه يعترف بما ندعيه من أفضلية علي على معاوية، فعندما انتقل أمير المؤمنين من المدينة إلى البصرة ووقعت معركة الجمل وقُتل فيها طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام ورجعت عائشة أم المؤمنين إلى المدينة ذهب عليٌّ بعد إنهاء أمر البصرة إلى لكوفة وخرج عدد من الأصحاب من المدينة وكان أحدهم عمرو بن العاص مع أولاده الثلاثة وغلامه وردان، وعندما وصلوا إلى مفترق طريقين سأل عمرو بن العاص غلامه وردان إلى أين يذهب الطريقان فأجابه: الطريق الأيمن يؤدي إلى الجنة والطريق الأيسر يؤدي إلى النار!! فسأله عمرو بن العاص مستغرباً ماذا تقصد بذلك؟ فقال الغلام: الطريق الأيمن يؤدي إلى العراق إلى علي (ع) والطريق الأيسر يؤدي إلى الشام إلى معاوية، وكان أولاد عمرو بن العاص مائلون للسفر إلى العراق لا إلى الشام وبعد السؤال والجواب قال عمرو بن العاص: «اعلموا أن ابن أبي طالب بحر بحر ذو فضائل ومناقب وكمالات روحانية ودينية ومهما كنا معه وقمنا بخدمته لم يكن ذلك في نظره سوى قطرة من بحر، أما معاوية فرجل جاهل وأحمق وطالب رئاسة وبقليل من نصرته وخدمته يعطينا ولاية مصر فجرى الحق على لسانه!!».

 

+                +             +

 

فضائل علي (ع) القرآنية(55)

الفضيلة الأولى: آية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ..﴾ (آل عمران/61)، فجلمة: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ تعتبر عليَّاً نفسَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتالي تلوه، وآية المباهلة هذه تدل بالالتزام(56) لا بدلالتها اللفظية لأن الدلالة اللفظية منتقضة بـ: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ إن الاتحاد الذي يقولونه في الخمسة الطاهرة لا يقولون بمثله في حق النصارى، فالدلالة في آية المباهلة هي بالالتزام، وكلمة أبنائنا فعلية بأن النبيّ أخذ أشخاصاً إلى المباهلة معصومين مثل نفسه فلم يتلبَّسوا بحالة الكفر والشرك بل كانوا معصومين ومستجابي الدعوة وأقرب الناس إليه وأبعدهم عن الكبر والغرور والعجب بالنفس فلم يكن في المدينة سوى علي (ع) وفاطمة والحسن والحسين بهذه الأوصاف وإلا لأخذهم معه إلى المباهلة.

الآية الثانية: آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (الأحزاب/33)، وعلي (ع) وفاطمة والحسنين مصداق الآية أو على أقل تقدير وبالقدر المتيَّن داخلون فيها، ولا يضرّ في ذلك دخول الزوجات الطاهرات معهم أيضاً فيها كما يشهد لذلك سياق الآيات أي سابقها ولاحقها.

الفضيلة الثالثة: أخذ سورة براءة من أبي بكر وحملها وقراءتها في موسم الحج على الكفار بإخبار جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يبلِّغ عنك إلا أنت أو رجل منك وهذا نصٌّ على أن علياً إما مثل النبيِّ أو أنه من النبيِّ، وأن أبا بكر لم يكن كذلك، وإلا لما استرد منه صورة براءة لأمر الله وإخبار جبريل كما جاء في الخبر.

الفضيلة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (الإنسان/8). ولما كان إطعامهم الطعام لوجه الله لا يريدون جزاءاً من الناس ولا شكوراً أثابهم الله عليها الجنة فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (الإنسان/11)

الفضيلة الخامسة: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (الشعراء/214)

الفضيلة السادسة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (المائدة/55).

كتب جماعة من المؤرخين أن أول ما فعله علي (ع) بعد خلافته كان تقسيمه لما بقي من عهد الخليفة الثالث من أموال في بيت المال بين الناس بالسوية كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسّم بين الناس بالسوية وكما فعل أبو بكر أيضاً. وذكروا أنه [أي علياً] حكم حتى آخر خلافته بالعدل وحتى أنه اختلف مع نصراني حول درعه فذهب إلى شريح القاضي ليحكم بينهما. ولم ينسب أي مؤرِّخٍ أيَّ جنف أو جور في الحكم والقضاء لعليٍّ؛ لذا فإن المخالف والموافق يقرون أن علياً كان حاكماً بالعدل وأنه كان أقضى الناس لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن علياً أقضاكم»(57). فتكذيب قضاء علي تكذيب للنبي، فلم يصدر عن علي منذ بداية خلافته وحتى آخرها أي حكم يبرر مخالفة معاوية وأمثاله لحكمه خاصة في بداية أمر علي حيث لم يصدر منه ما يبرر نقض طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام لبيعتهما له، ولم يكن هناك أي سبب شرعي لنقض البيعة والتحاقهما بأم المؤمنين عائشة ولا أي اعتراض ديني وقرآني على خلافته، بل لم يكن هناك أي اعتراض أخلاقي أو منطقي عليها.

بعد أن هرول أهل المدينة لبيعة علي (ع) لم يعط أولئك الحضرات الثلاثة أي فرصة له للحكم وتطبيق الأحكام وإرسال جنود الإسلام إلى الحدود والثغور وبدء الجهاد الهجومي بل سارعوا إلى نقض البيعة وذهبوا على عجل ودون مبرر وبإفراط في العمل ليلتحقوا بأم المؤمنين ويسوقوا القوات نحو البصرة، وأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي عليها الذي كان من البدريين والأُحُدِيين فنتفوا لحيته شعرة شعرة، فإذا كانت بدر وأحد والسوابق في الإسلام محترمة في نظرهم فلماذا قاموا بهذا العمل القبيح مع عثمان بن حنيف وبأي دليل؟ ثم إن معاقبة عامل علي (ع) بدلا من علي (ع) مخالف لصريح القرآن الذي يقول: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وإذا لم تكن بدريته وأحديته واجبة الرعاية فإن طلحة والزبير أنفسهما لن يكونا واجبا الاحترام ولازما الرعاية. في الواقع كان ينبغي أن تحجزهما مشاركتهما في بدر وأحد عن التجرؤ على ذلك العمل والتصرف بما يخالف صريح العقل والقرآن.

وقد روى أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب»(58)، «الحوأب» منزل بين مكة والبصرة تقطنه قبيلة بني كلاب وردته عائشة عندما خرجت إلى معركة الجمل. وقول أم سلمة لعائشة «لو أقول لك ما سمعت من رسول الله لتنهش نهشة السليم» ولكننا نضرب صفحاً عن هذه الروايات ولا نتمسك بأي منها ولا نجيز التفوه بأي تعبير يسيء إلى حضرات الثلاثة طلحة والزبير وعائشة صيانة لناموس النبوة، ولكننا نسأل منهم أنفسهم ومن روح إيمانهم ومن حُمَاتِهِم الذين دافعوا عنهم منذ ذلك الزمن وحتى اليوم وكتبوا في ذلك كُتُباً لا حصر لها وقام أعاظم علماء المذاهب الإسلامية المختلفة بتدوين كتب حملوا فيها على بعضهم البعض وكفَّروا ولعنوا بعضهم بعضاً، إننا نصرف النظر عن كل ذلك ونسأل بلغة قرآنية بسيطة من أولئك الثلاثة وحماتهم: ما هو دليل طلحة والزبير من القرآن المجيد على نقضهم لعهدهم؟ وماذا كان عمل أم المؤمنين في البصرة ويوم الجمل؟ ما هو دليلها من القرآن المجيد والسنة لنبوية على ما فعلت؟ وبأي برهان قامت زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإحداث معركة وفتنة أودت بحياة المسلمين وما حجتها فيما فعلت؟

لقد قسَّمنا أحوال وسيرة حياة علي (ع) إلى ثلاثة أقسام من بعثة النبي إلى هجرته ومن الهجرة إلى رحيل النبي ومن بداية خلافة علي وحتى استشهاده وصرفنا النظر في كل قسم عن أقوال الشيعة بشكل عام، وكل ما نقلناه كان من كتب أهل السنة. فهل كان لأحد اعتراض على أعمال علي (ع) خلال إقامته في مكة أو خلال إقامته في المدينة بعد الهجرة وقبل الوفاة. وإذا كان اعتراضهم عليه على ما فعله بعد بيعة الناس له بالخلافة فإن ما قاموا به كان في أول بداية خلافته حيث لم يكن قد قام بأي عمل بعد يستدعي النقد، إن أولئك النفر الثلاثة لم يكن لأي منهم اعتراض على علي (ع) أو نقد له، حتى يستجيزوا رفع راية الخصام وشق عصا المسلمين، أما عائشة فكان لديها سابقة عداوة وبغض تجاه علي فقد جاء في الحديث أنه بعد العودة من غزوة بني المصطلق وتخلف عائشة عن جيش المسلمين ووصول صفوان بن المعطل السلمي وإتيانه بعائشة إلى المدينة ومرضها وذهابها إلى بيت أبيها وانتشار خبر استشارة النبيِّ أسامةَ بن زيد وعليَّ بن أبي طالب بشأن أمر عائشة، أما أسامة فدعا لها بالخير، وأما علي (ع) فلم يستجِز الخيانة في مشورته لذا قال: يا رسول الله! النساء كثر واسأل الخادمة تصدقك. فنادى النبيُّ بريرةَ خادمة عائشة فقام عليٌّ بضربها وقال لها اصدقي رسول الله فقالت صدقاً. وكان ضرب بريرة هذا لحملها على قول الصدق سبباً تاماً لمعاداة عائشة لعليّ وفاطمة والحسنين عليهم السلام، وبعد ذلك لم تقع أي واقعة ولم يسجل أهل السير أي حادثة تفسر أسباب عداوة أم المؤمنين لعلي والحال أن ذلك الموقف من علي [في حادثة الإفك] كان خدمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس خيانة لعائشة، فباحتمال أنه ربما يقع حديث الإفك فلا يكون مناسباً لناموس الرسالة، ولكن أم المؤمنين غفلت عن هذه اللطيفة الدقيقة ومالت إلى بغض علي ولكن سوق امرأة لجيش بدعوى المطالبة بالانتقام لدم عثمان وإتلاف نفوس وأموال المسلمين وهتك ناموس النبوة من أعجب العجائب والواقعات في جميع الأديان. وأول ثلمة كبيرة حلَّت في الإسلام لم يكن أكبر منها هي واقعة الجمل وإنها لتبعث على الحيرة الشديدة خاصة أنها صدرت عن صحابة حضرة صاحب الرسالة الذين كانوا مأنوسين بالوحي والإلهام وعارفين بذلك!!

أما طلحة والزبير فلم يكن هناك من سبب ودليل لنقضهم بيعة علي (ع) والتحاقهم بعائشة والذهاب إلى البصرة وإعلان الحرب على علي (ع) سوى هوى الخلافة والرئاسة، ولم يستطع أهل السير حتى الآن أن يجدوا سبباً لمعركة البصرة. (ذهبت عائشة أثناء محاصرة عثمان من المدينة إلى مكة، وكان معها أمهات المؤمنين الطاهرات وكانت عائشة تقول: اقتلوا نعثلاً فقد كفر!(59) وبعد قتل عثمان الذي كان حسب قولها كافراً واجب القتل انطلقت راجعةً من مكة وفي أثناء الطريق علمت بأن البيعة تمت لعلي بالخلافة فهيجت عداوة ضرب بريرة الخادمة في نفسها الغضب واسترجعت قائلة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وعادت أدراجها إلى مكة ومهما اعترضوا على عملها قائلين ألم تكوني أنت تكفّرين عثمان فكيف الآن تطالبين بالثأر لدمه؟! فأجابت إن قولي الأخير هو الصحيح، ورجعت إلى مكة والتحق طلحة والزبير بها في مكة. ووصلوا إلى البصرة ومهما نصحها بقية أمهات المؤمنين قائلين إن قتال المرأة منافٍ لناموس النبوة لم تؤثر نصيحتهنَّ فيها، وسار بعض المسلمين من مكة إلى منزل ذات عرق وهناك انفصل طريق البصرة عن المدينة، وقد اعتبر المسلمون نساء ورجالا أن سفر عائشة وطلحة والزبير برفقة ثلاثة آلاف مقاتل سبب لضعف الإسلام وهتك ناموس الدين، وبدؤوا بالبكاء على الإسلام وامتلأ الفضاء من صوت البكاء ولم يكن لذلك نظير في تاريخ الإسلام وسُمِّيَ يوم ذات العرق بيوم النحيب(60) (يا ليت المسلمين اليوم يبكون على الإسلام ويندبونه) إن يوم النحيب هذا إنما كان نتيجة إقدام أم المؤمنين وطلحة والزبير، وفي وقعة ذات عرق ويوم النحيب هذا تمت مخالفة القرآن في عدة أمور:

أولاً: في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.. (آل عمران/103) التي نهت المسلمين عن التفرق واعتبرت تنازعهم وتفرقهم من المعاصي الكبيرة والفسق.

ثانياً: في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..﴾ (الشورى/13).

ثالثاً: في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ..﴾ (المائدة/2) ومن المعلوم أن سوق الجيش بدون دليل شرعي من أكبر الإثم والتعاون على العدوان ومعاداة الإسلام.

رابعاً في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ..﴾ (البقرة/ 44) إذ إنه مما لا ريب فيه أن طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم(61) كانوا يأمرون الناس بالإحسان ولكنهم في الوقت ذاته خالفوا أنفسهم هذا الأمر ولم يكن للسيدة أم المؤمنين ولا طلحة الذي كان من بني تيم أي قرابة نسبية ولا مصاهرة لعثمان الذي كان من بني أمية فما فعلوه لم يكن مستنداً للقرآن والدين بل من أفعال جبابرة الدنيا الذين يريقون الدماء لأدنى سبب كي يصلوا إلى مقصدهم ولو كان لهؤلاء النفر الثلاثة اعتراض واضح على خلافة علي (ع) لقالوا ذلك في ذات عرق ويوم النحيب ولأوقفوا بكائهم ونحيبهم. ولكن لما لم يكن لهم أي دليل وكانت حربهم افتراء وارتجالاً كان أولئك النفر الثلاثة أول ثلمة كبيرة في الإسلام وبالتالي كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(62) شاملاً لعائشة وطلحة والزبير.

 

+                +             +

 

الفصل الرابع

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/59).

تتحدث هذه الآية عن الحاكم ووَلِيِّ الأمر في الإسلام بعدما بينت أوصافه - بشكل عام - بأصرح عبارة [في الآية التي قبلها]. حيث بينت أن من صفات الحاكم في الإسلام أن يؤدى الأمانة لِـلَّهِ وللرسول(63)، أي لكلٍّ في مقامه، وأن يحكم بين الناس بالعدل، والناس تشمل المسلمين وغير المسلمين، فلا بد أن يحكم الحاكم الإسلامي بالعدل لا بالظلم والجور. إذن أولو الأمر والحاكم في الإسلام يعني منفذ هاتين الآيتين من القرآن اللتين تبينان وظيفة الحاكم المسلم، وأما طاعة من لا ينفذ أحكام الإسلام فهي محرمةٌ على المؤمن والمسلم تحت أي عنوان كان، أي أن الذي يحكم المسلمين بغير [شريعة] الإسلام خصمٌ للإسلام وإطاعة مثل هذا الحاكم معادةٌ للإسلام أما إذا نفذ شريعة الإسلام فيكون عندئذٍ مصداقاً لأولي الأمر وتكون طاعته طاعةً لِـلَّهِ ولرسوله، فإذا لم ينفذ شرع الإسلام لم يكن من أولي الأمر وحرمت طاعته.

لا شك أن هناك في كل عصر وزمان أشخاصاً مؤهلين وجديرين وأشخاصاً غير أهل وغير جديرين، يسعون لمنصب الرئاسة الإسلامية، والقرآن الكريم هو الذي يحدد ويشخص من الأهل ومن هو غير الأهل لهذا المنصب، وعلى العلماء أن يبينوا ذلك لعامة الناس ويفهموهم إياه، وعلى الناس أن ينتخبوا مصداق أولي الأمر طبقاً للقرآن أي عليهم أن ينتخبوا لرئاسة المسلمين الشخص الذي بيّن القرآن أوصافه، فليس في الإسلام ملكٌ أو ملك ملوك (شاهنشاه)، بل الإسلام يريد منفذاًَ لأحكامه، والقرآن عيّن [صفات] هذا الشخص، فالعلماء الذين قالوا إن الإسلام فيه سلطان وخليفةٌ وأميرٌ وسردارٌ ليس لهم إطلاع على القرآن، بل على المسلمين أن ينتخبوا منفذاً لأحكام الإسلام الذي حدده القرآن وعيّن أوصافه.

وبناءً على ذلك فإنه منذ زمن معاوية وحتى اليوم فإن جميع رؤساء المسلمين تصدّوا لمنصب الحكم خلافاً لنص القرآن، ورغم ادعائهم لإمارة المؤمنين كانوا في الواقع خصوماً للقرآن وأغلبهم لم يكن مصداقاً لأولي الأمر القرآنيين بل مصداقاً للجبابرة الظلمة والفتاكين الهتاكين الناهبين المسرفين والمبذرين، ولذلك فمن حق الرعية وواجبهم أن يأخذوا على عاتقهم طاعة الله ورسوله وأولو الأمر المنتخبين وبهذا الشرط فقط يكونون مصداقاً للأمة المرحومة وإلا فالله يعلم أنهم لا يكونون كذلك!!

ملاحظة: هاتان الآيتان(64) أصل الأصول ولب الألباب في تنفيذ جميع أحكام الإسلام ومفتاح عزة المسلمين وعلو شأنهم وباب صيرورتهم أفضل أمةٍ وأعلاها، لأنه لو قام أصحاب الحل والعقد في جميع العهود والعصور بتعيين حاكمٍ من أولي الأمر طبقاً لتعاليم القرآن لما وجدت الحكومات المستبدة طريقها إلى رئاسة الإسلام ولما نشأت بدعة تعيين ولي العهد الخبيثة القاتلة للإسلام التي ابتدعها معاوية، ولما تحول الحكم الإسلامي إلى حكم قيصري وكسروي، ولما وجدت الحاجة للتقية ولما وجدت المذاهب المختلفة المتشتتة في ديانة الإسلام الحقة، فالعمل بتينك الآيتين سبيلٌ لإزالة الاستبداد وإيجاد الشعور الاجتماعي لدى أفراد المسلمين وسببٌ لرقيهم من رتبة الجهالة البهيمية وحالة قطيع الغنم، وهذا بالطبع عندما يصبح عموم الناس طبقاً لتعاليم القرآن أصحاب رأيٍ وأسياداً على أنفسهم ويمنعون التعديات وأنواع الظلم، ولكن عندما يصل الحاكم المستبد إلى سدة الحكم عبر القهر والتغلب ثم يقوم علماء السوء على الفور بإضفاء لقب ولي الأمر عليه ويصدرون الفتاوى طبقاً لرغباته، كيف يستطيع القرآن المسكين الذي لا لسان له والشعب الجاهل، معارضةَ مثل هذا الشخص الظالم المقتدر الناهب؟ وهل يتعامل هذا المستبد عندئذٍ مع العامة إلا كتعامله مع قطيع الأغنام والجمال؟!!

يقول الله ورسوله في هاتين الآيتين: يا عبادي ويا أمتي! اعملوا بهاتين الآيتين وشخِّصوا الرئيس الأفضل الذي تتمثل فيه الصفات التي عيَّنها القرآن كي تطيعوا الله ورسوله وتكونوا بيض الوجوه في الدنيا والآخرة، وغلِّبُوا الجانب الإنساني الناطق فيكم على الجانب المادي الحيواني وأحرزوا حقكم الإنساني كي لا يتعامل رئيسٌ مستبدٌ معكم تعامله مع قطيع الأغنام. إذا قمتم بأنفسكم بانتخاب وتعيين رئيسكم، وساهمتم في عزله وتنحيته إذا جار وظلم، فإنكم بهذا تسدُّون باب الظلم وتكونون سبباً لتطبيق أحكام الإسلام فيكم ولرقي المسلمين وتقدمهم. ولكن وا حسرتاه! ووا أسفاه! إن العلماء الزُهاد والمترهبنون اقتنعوا بباب العبادات فلم يتجاوزوه، وليس لهم باعٌ في سياسات الدين بل هم غافلون ومهملون لهذا الجانب الأساسي من الإسلام!!

وأما جماهير الشعب فقد نسوا بجهلهم الآية كلياً وشكلوا حكومات مستبدة عصراً بعد عصر وضحوا بملايين الجهال من الناس فداءً لحاكم مستبدٍ مَظْهَرٍٍ للشيطان لكي تقوم جماعةٌ من الجهلة والفساق من حاشيته بالسلب والنهب وقد تمسك هؤلاء الذين يبيعون الدين بالدنيا بكلمة «المأمور معذور» لتبرير ظلمهم ونهبهم للمظلومين.

لقد مضت قرونٌ عديدة هُجِرت فيها أحكام الإسلام العامة الأساسية منذ زمن معاوية وأصبحت تعديات السلاطين عامة البلوى، واكتفى العلماء بدعوة الناس للدعاء والتضرع ليرفع عنهم البلاء غافلين عن أن المجتمع الإسلامي عالمه وجاهله ومقصره وقاصره خالفوا علناً أمر الله ورسوله فبأي وجهٍ يتضرعون إلى ربهم وهم يخالفونه وكيف يتوقعون استجابة دعائهم؟؟ إن هذا لمن غرائب الأمور!!

إن الحاكم القرآني الذي يؤدي الأمانات لله ولرسوله وللناس ويحكم بين الخلق بالعدل هو مصداق أولي الأمر الذي تجب طاعتهم على عامة المسلمين والرعية وتحرم مخالفتهم، ومثل هذا الحاكم مرجعٌ لجميع أحكام الإسلام، أما الحاكم الذي لا يكون مصداقاً للآية فطاعته حرامٌ ومخالفته واجبة وهو ليس مرجعاً لأي حكم من الأحكام. هذا هو مفاد الآيتين. عزة المسلمين وصعودهم إلى مراتب أعلى الأمم رهينٌ بتطبيق تينك الآيتين وذل المسلمين وتبعيتهم وعبوديتهم للأجانب وبقاؤهم في الظلمات والتخلف رهينٌ بمخالفتهما.

كتب بعض علماء المذاهب الإسلامية وبعض المتلبسين بلباس أهل العلم الذين لا علم لهم بالقرآن في كتب عديدة أن كل من وصل إلى مقام الرئاسة في الإسلام وحاز منصب حكم المسلمين كان حاكماً [شرعياً] وكان بالضرورة مصداقاً لأولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم ومرجعاً لجميع الأحكام الإسلامية ولو كان وصوله لسدة الحكم عبر سفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال. إن صدور هذا الكلام من لسان أهل القرآن من أعجب الأمور، فكيف يكتب من يتلبس بلباس أهل القرآن أمراً يخالف القرآن بصراحة وينشره في بلاد المسلمين ثم يقف المسلمون كالخشب المسندة أمام هذا الكلام وينظرون إليه مبهوتين!! لقد حثّ القرآن المجيد المؤمنين في أكثر من ألف آية على العلم وأمرهم بالتفكُّر والتذكُّر والتدبُّر والتأمُّل؛ فمن المستحيل أن ينصب القرآن حاكماً جاهلا ظالماً جباراً أو يؤيد حكومته. إنه مما يتنافى مع روح الهداية والإرشاد أن يأمر الله المؤمنين بطاعة جاهل ظالم. ومثل هذه الدعوى الجزاف والمفرطة يكذِّبها العقل السليم الإنساني وفلسفة الأخلاق النبوية ومنطق الديانة وحس الإنسانية.

إن مثل هؤلاء العلماء يروجون للوثنية باسم القرآن والإسلام ويدعون المسلمين إلى الكفر والشرك ولا شك أن صاحب مثل هذا القول شريك للظالمين والأصنام في ظلمهم بل هو أخبث وأشقى وأجهل منهم بمراتب عديدة لأن هذا العالِمَ يعارضُ القرآنَ ويخالفُهُ بدعوى العلم والذين يباشرون الحكم ويمسكون بزمام الأمور أكثرهم جهلة ولكن جهلهم بسيط (غير مركب)، أما العلماء الذين يصدقونهم على ظلمهم وفسادهم فجهلهم مركب(65) أو هم معاندون للقرآن المجيد ومخالفون بكل صراحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه المحقين. ومن العجائب أنه بعد رحيل حضرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم تحاور وتناقش جماعة علماء الإسلام وأصحاب النبي كثيراً حول باب الخلافة، وبدأت تدريجياً تُكتب كتب عديدة من المذاهب المختلفة في رد وتكذيب بعضها بعضاً، وكم من الدماء أُريقت وكم من اللعن والطعن إلى ما شاء الله صدر عن أقلام الأعلام – جزاهم الله عن الإسلام – ولم نجد في أي من كتب المذاهب تمسكاً بهاتين الآيتين في هذا الأمر، ولا شك أنهم جميعاً كانوا مؤمنين وقد بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الإسلام ولكنهم غفلوا عن التمسك بهاتين الآيتين، وكان حق مرجعية القرآن المجيد وحجيته المسلمة لدى فرق المسلمين أن يجتمع الصحابة بعد رحيل نبيِّ الإسلام ويجعلوا من هاتين الآيتين - اللتين تبيِّنان واجبات الحاكم وماهية أولي الأمر وواجبات المحكومين بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ - نبراسهم ودستور حياتهم، فينتخبوا أي واحدٍ من الصحابة ممن تتوفر فيه صفات أولي الأمر ويرفضون الآخرين ممن لا تتوفر فيهم، ويصبح هذا النهج دستوراً للمسلمين إلى يوم القيامة وبالتالي يرتفع النزاع بين المسلمين كليةً أو يتضاءل إلى حدٍ كبير، ولكن مع الأسف الشديد لم يتم العمل بهذا الأمر في ذلك اليوم.

إن كل ما نقله الأصحاب من أتباع المذاهب المختلفة من استدلالات كله روايات مخالفةٌ للآيات الصريحة فلا حجية فيها لأن تلك الاستدلالات كلها من باب الاجتهاد في موضع النص. فعندما يكون القرآن ناطقاً صريحاً فلا مورد للتوسل بغير القرآن، وبالتالي فإن إعمال الرأي والاجتهاد الذي قامت به المذاهب والفرق الإسلامية في الموارد التي كان كلام الله فيها صريحاً عملٌ خاطئٌ وغلطٌ محضٌ. كيف لا وإذا جاءنا حديثٌ يخالف نص كتاب الله وجب تركه لأن الكتاب والنص الأساسي لدين الإسلام هو القرآن، والأخبار الصحيحة ليست سوى شرح لذلك النص، فمخالفة القرآن من سخائف الأوهام. وإنه لمن الوهم أن يقول قائلٌ إن أصحاب الرسول الأكرم كان أكثرهم ممن شارك في بدرٍ وأحد ويجب إبعاد أي نقدٍ عن مقامهم الشامخ. فنقول: من المسلم به أن عزوة بدرٍ الكبرى كانت أول مظهر لشوكة الإسلام ورعب الأعراب المشركين وأول مرحلةٍ لظهور الإيمان وقد كانت نتيجةً لتضحيات عظيمة للصحابة السعداء. ولكن مع كمال احترامنا وحفظنا لشؤونهم ومقاماتهم إذا وجدنا في الجملة تجاوزاً لمقام القرآن المقدس فعلينا أن نقدم ونرجح ناموس القانون السماوي على حدود الأشخاص. وما العمل؟ لقد طبق صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم حد القذف على صحابيين من أهل بدرٍ وأحد أحدهما مسطح ابن أثاثة، والثاني حسان بن ثابت الشاعر الأنصاري في قضية الإفك، وعلى حمنة بنت جحشٍ أخت زينب أم المؤمنين التي كانت من المهاجرين الأوائل. وكذلك قام السادة طلحة والزبير الذين كانوا أنفسهم من أهل بدر وأحد بأخذ عثمان بن حنيف في البصرة الذي كان من الأنصار ممن أسلم قبل الهجرة على يد مصعب بن عمير وشارك في جميع الغزوات من بدرٍ إلى آخر غزوة، ولا شك أن أم المؤمنين عائشة كانت عالمة بالمقام الشامخ والعالي لأهل بدر، ورغم ذلك أخذوا «عثمان بن حنيف» وهو في سن الشيخوخة ونتفوا شعر لحيته شعرةً شعرة وأرسلوه إلى المدينة أصلعاً أمرداً مع أنه لا يجوز في حدود الإسلام نتف لحية مسلم وشعر رأسه شعرة شعرة وتجب على من يفعل ذلك الدية، فقد خالف من عمل بهذا الظلم بحق «عثمان بن حنيف» وسبَّبَ وقوع معركة الجمل قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (البقرة/48)(66) وقوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود/18)(67).

وهذه المعنى [أي من الظلم المحرَّم معاقبة شخص بجريرة غيره] تكرر في عديد من آيات القرآن، حيث ذكر الله فيها - امتناناً منه على البشر وانطلاقاً من صفاته وعدله الذي تختص به ذاته القدسية - أنه لا يجازي شخصاً بعمل آخر، ولا توجد مسألةٌ في القرآن أوضح من هذه.

إن التقاص والانتقام من عليٍٍّ الذي لا ذنب له من خلال أخذ وتعذيب «عثمان بن حنيف» البريء مخالفةٌ صريحةٌ لآيات القرآن المتواترة وهذا العمل من أعمال الجبابرة والظالمين وليس من أعمال أتباع القرآن، إن القرآن هو الذي أصبح خصماً للبدريين من أصحاب الجمل وهو الذي يشكوهم إلى الله وليس عليٌّ وأتباعه. إن رسالتنا هذه لا تعدو النطق بالقرآن والتكلُّم بلسانه.

وكذلك كان سعد بن أبي وقاص من أول عشرةٍ أسلموا في مكة أو من ثاني عشرة وكان أيضاً بدرياً وأحدياً وشارك في جميع الغزوات وكان فاتح بلاد فارس والمدائن في معركة القادسية وباني الكوفة. ورغم ذلك في سنة 20 هجرية اشتكاه أهل الكوفة إلى الخليفة الثاني (عمر) بأنه لا يحسن الصلاة فقام الخليفة بعزله عن إمارة الكوفة وأحضره إلى المدينة(68). وماذا نقول بشأن إصدار معاوية ويزيد وسائر ملوك بني أمية الجبابرة الأمر بلعن علي بن أبي طالب عليه السلام قرابة مائة عام(69) مع أن عليَّاً كان قبل خمس سنوات من البعثة وحتى وفاة حضرة صاحب الرسالة فدائي النبي صلى الله عليه وآله وسلم [الأول] وكان من أهل بدرٍ والعشيرة وأحد والأحزاب وخندق وخيبر وحنين وفاتح فتح مكة وحاضراً في جميع الغزوات، ورغم تلك المجاهدات وما تحمَّله من أذى ومشقة في سبيل الله استجاز جبابرة الأمويين أن يسبوه ويلعنوه علناً في المساجد والمنابر، ولم يخافوا من تصريحات القرآن التي تفيد أن عليّاً كان مصداقاً كاملاً لأولي الأمر، بل واصلوا ترويج هذه البدعة القبيحة بالقوة والإكراه؛ فبأي دليل شرعي وبأي نصٍ قرآني صريح أو غير صريح أو كنائي اعتبر علماء الفرق الإسلامية ملوك بني أمية الذين صدر عنهم مثل ذلك الظلم خلفاء للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمراء للمؤمنين؟!

إذا كان لعن البدريين والصحابة غيرُ جائزٍ فلماذا قام به الأمويون؟ ولماذا صدَّقهم في ذلك العلماء اللاحقون وسعوا في تبرئتهم؟

مثلا نجد الشيخ [أبا حامد] الغزالي «رحمة الله عليه»(70) يعتبر في كتابه «إحياء علوم الدين» أنه في النزاع بين علي (ع) ومعاوية كان كلاهما على حقٍ! فعليّ اجتهد في تأخير الاقتصاص من قتلة عثمان ومعاوية اجتهد في وجوب الإسراع بالاقتصاص منهم!! فالأمر مجرد اجتهادين في مقابل بعضهما البعض.

إن أرباب التحقيق لم يدلوا بشيءٍ بشأن علي في هذا النزاع. وخلاصة واقعة عثمان كانت أن أهل البصرة والكوفة ومصر قدموا إلى عثمان شاكين من ولاته الأمويين فأبدى عثمان استبداداً في الرأي ولم يقبل شكايتهم فتزايد عدد الشاكين وعدّتهم، وفي النهاية وبعد اجتماع المعترضين وتفرقهم عدة مرات في المدينة المنورة ويأسهم من استجابة عثمان انتهى الأمر بمحاصرة عثمان ثم قام شخصان أو ثلاثة أو خمسة من أراذل الناس بالهجوم على عثمان وقتله رحمة الله عليهم جميعاً. ألم يكن حق المطالبة بالقصاص أو الدية من قتلة عثمان خاصَّاً بورثته؟ عندما يكون أولياء الدم راشدين بالغين ذكوراً أو إناثاً يكون لهم حق التقاص بحكم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا (الإسراء/33)، فبوجود أولياء المقتول لا حق للآخرين بدعوى المطالبة بالاقتصاص لدمه. فكل من طالب بدم عثمان من أصحاب النبيِّ من غير ورثة عثمان أنكر عملياً الآية المذكورة ووقع في مخالفة القرآن ومعارضته الظاهرة. ولا يجوز لأي مسلم ذي شعور ومحب للقرآن أن يتأمل أدنى تأمل في هذا الأمر. فهذا الموضوع من ناحية وجهه الخاص يرجع بالضرورة إلى ورثة عثمان لا إلى غيرهم، وأما من ناحية وجهه العام [أي الحق العام] وكون ذلك القتل إخلالا بالأمن وبالنظم العام وكون الثورة الداخلية تؤدي إلى تضعيف أحكام الشرع، فإن المعاقبة على مثل هذا [الجُرْم] ترجع إلى مقام وليّ الأمر فقط، أي أن تنفيذ الأحكام الجزائية العامة يختص بالحاكم المتصديٍ لزمام أمور المسلمين وصاحب ولاية تنفيذ أحكام القرآن وهذا ما يدل عليه القرآن نفسه.

نحن نعتبر أصحاب الجمل سواءً حضرة أم المؤمنين عائشة وحضرات الزبير وطلحة من أصحاب حضرة صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم ولا نسيء الكلام بحقهم. ولكن بعد رحيل صاحب الرسالة انقطع لسان الوحي الذي كان الحاكم المطلق وأصبح الحاكم المطلق هو القرآن المجيد والحميد، فلا بد أن نرجع في معضلات الأمور الإسلامية إلى القرآن لأن القرآن نبيٌ صامت كما أن النبي قرآنٌ ناطق. والآية القرآنية الصريحة تقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا أي أن المطالبة بالدية والقصاص والانتقام لدم عثمان هو من حق أوليائه أي ورثته الذكور والإناث الكبار فقط؛ وبناءً عليه فمن الناحية الخاصة [لموضوع قتل عثمان] فإن السيدة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وعموم الأمويين خاصموا القرآن المجيد [بمطالبتهم بدمه دون أولياء الدم الشرعيين]، ومن الناحية العامة فإن مرجع الحكم والأمارة المطلقة لجهة انتظام أمور البلاد وحماية تنفيذ الحدود وغيرها عليٌّ الذي انتخب بإجماع أهل الحل والعقد خليفةً. فالثورة ضد علي ثورةٌ ضد إجماع أهل السنة ومعارضةٌ للقرآن لأن علياً كان مصداقاً مسلماً به لآية أولي الأمر التي تأمر بطاعته والرجوع إليه، ولا يرجع أمر تطبيق ذلك الحق العام [في قتل عثمان] إلى أصحاب الجمل وصفين ولم يكن أي من أولئك الأشخاص الخمسة المذكورين مرجعاً شرعياً في تنظيم أمور البلاد. إذن كان الإقدام على معركة الجمل وصفين إضعافاً للقرآن المجيد وإهانةً له وظلماً فاحشاً لمنصب الخلافة النبوية وظلماً لأنفس فاعليه وتعدياً لحدود الإسلام.

وإذا صرفنا النظر عن كل ما ذكر فإن عثمان كان شخصاً مسلماً قام بقتله شخصان أو ثلاثة أو خمس من المسلمين، فكم دية يوجب شرع الإسلام أن تُعطى جراء قتل عثمان لأوليائه؟ من المُسلّم به أنها ديةٌ واحدة قال تعالى: ﴿النفسُ بالنفسِ فإذا كان القاتل واحداً يُقتل، وإذا كان القاتلون عدة فإن الدية الزائدة على الواحدة تُقسم على الورثة ويتم قتل المشاركين في القتل. فما هو الدليل الذي استندت إليه السيدة أم المؤمنين وطلحة والزبير في قيامهم بحرب الجمل لأجل [الثأر لِـ] شخصٍ مسلم واحد، فأودوا بحياة عشرين ألف مسلم! وكذلك ما هو الدليل الذي استند إليه معاوية وعمرو بن العاص (اللذان لم يسلما إلا مدة سنتين أوثلاث [على الترتيب، زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم]) في إراقتهما دماء أربعين ألف مسلم في صفين؟!. لم يكن لعثمان أكثر من دية واحدة أما مُدَّعو الاقتصاص لدم عثمان في معركتي الجمل وصفين فقد قتلوا ستين ألف مسلم وشقوا عصا المسلمين. ونحن وبعد ألف وثلاثمائة عام لا نجد أي مستند شرعي من آية قرآنية ولا من أي حديث لتينك المعركتين. إننا نصون حرمة صحبة أولئك النفر الخمس على قدر ما نستطيع، ولكن أي ظلم أكبر من هدر دم ستين ألف مسلم بدعوى غير محقة للاقتصاص لدم مسلم واحد. الحق والإنصاف أن عمل الجمل وصفين لم يكن بأمر القرآن وفي المقابل لم يُذكر أي خطأ لعلي وينبغي على المسلم أن تكون حركته وسكونه كلها مطابقة لأمر القرآن.

قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة/124).

إذا قام علماء العامة باستخدام قوة القلم وتصريف الكلام باختراع الأدلة لتبرير صحة ادعاء المطالبين بدم عثمان من مسببي وقعة الجمل ومعركة صفين، فإن سفك الدماء الذي قام به موقِدو نار تلك المعركتين الذي يعد من أوضح مصاديق الظلم والعدوان والتجبر، يجعل الآية الكريمة المذكورة تنفي صحة دعواهم لأن عَهْدَ اللهِ لا يَنَالُ الظَّالِمِينَ.

فإن قيل إن علياً أيضاً شارك في قتل المسلمين في معركتي الجمل وصفين فنقول لا شك أن علياً وجنده كان لهم دخلٌ في تلك المعركتين ولكن المسببين للجمل وصفين كانوا هم المهاجمين وكان عليٌّ مدافعاً والمسؤولية والمؤاخذة إنما تقع على المهاجمين لا على المدافعين، وعليٌّ كان حائزاً على مقام الخلافة بإجماع الأمة وكان صاحب الدار أما المسببون للجمل وصفين فكانوا أجنبيين عن ذلك المقام [مقام الخلافة] فكل ما أريق من دماء المسلمين يقع على ذمتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من ابتدأ في ظلم وفي نزع كان وزره ووزر صاحبه عليه»(71). وينبغي أن نقول إن كل من قُتل من جيش علي كان مدافعاً وشهيداً بحكم قول رسول الله: «من قُتِل دون نفسه وماله وعرضه قتل شهيداً»(72). فجميع هؤلاء الشهداء كان لهم حق الدية والقصاص من قاتليهم أما الذين قتلوا من جند الجمل وأصحاب صفين فلم يكونوا شهداء وليس لهم حق في دية ولا قصاص، لأنهم هم الذين بادروا إلى الظلم فإذا كانوا قاصرين كانوا معذورين وإن كانوا مقصِّرين فسوف يكونون من المعذَّبين. لقد علق معاوية بعد قتل عثمان قميص عثمان الملطخ بالدماء على المنبر في الشام وبكى أربعون ألف شيخ تحت هذا المنبر وهم ينوحون وا خليفتاه، وأخذوا يطالبون بالانتقام لدم عثمان ولما كان سبب عصيان المسلمين وشغبهم وثورتهم على عثمان هو ظلم ولاته وتعديات عماله الذين كانوا في أغلبهم من أقربائه من الأمويين وكان عثمان قد أحسن إلى عماله وبني أعمامه فاجتمعوا جميعاً في الشام وتحمل معاوية وعمال عثمان المعزولين مصاريف أربعين ألف شيخ، فإن هذا من الأدلة الواضحة على مخالفتهم لشرع الإسلام حيث نهبوا بيت مال المسلمين واستخدموه لتهييج الفتنة وسفك دماء المسلمين. وحاصل الكلام أنه حتى اليوم لم يستطع حماة مسببي حربي الجمل وصفين أن يأتوا بدليل شرعي واحد من القرآن والسنة والعقل والأخلاق الإسلامية على صحة ما فعلوه وعلى العكس من ذلك هناك أدلةٌ كثيرة على مخالفة مسببي تينك المعركتين الصريحة للقرآن والسنة والعقل.

لما كان عثمان قد أطلق أيدي الأمويين – [ومنهم معاوية الذي كان والياً من قبله على الشام] - في بيت مال المسلمين ليأخذوا منه ما شاؤوا، تمكَّنقام معاوية من ادخار وكنز مئات آلاف الدنانير لخلافته ولتجهيز الجيوش وقتل المسلمين، وكان كنز وادخار تلك الأموال في تلك الأيام عملا مخالفاً لعمل النبيِّ وأصحابه لأن بيت المال ملكٌ لجميع المسلمين وليس ملكاً لمعاوية. ففي الحقيقة كان عمل معاوية سرقةٌ كاملة. ولا شك أن الأربعين ألف شخص من حماته لم يكونوا يلطمون صدورهم لأجل عثمان بدون الحصول على المال. فإذا علمنا أن مهد الأمويين في الأصل هو مكة ومن هاجر منهم كان مسكنه المدينة، عرفنا أنه لم يكن في الشام منهم سوى معاوية، وبالتالي فإن معاوية جَمَعَ المال من سرقة مال المسلمين وصَرَفَهُ على قتل المسلمين أنفسهم وقد أحسن الاجتهاد في هذا حسب قول الشيخ الغزالي!! بل إن الجمل ووسائل القتال التي استخدمتها السيدة أم المؤمنين ونقلتها من مكة إلى البصرة كانت من أموال العمال وولاة عثمان المعزولين، أضف إلى ذلك أن معاوية قام في عهد خلافة عليٍّ (ع) بالإغارة على الكوفة ونواحي الموصل وأطراف اليمن حيث يوجد شيعة عليٍّ ونهب وسلب ما استطاع من أموالهم وقام بقتل محمد بن أبي بكر وعمر بن حمق الخزاعي ورشيد الهجري ومالك الأشتر الذين كانوا من شيعة علي وأصحابه ظلماً وعدواناً، وأنالهم الشهادة واحداً تلو الآخر، مع أن أكثرهم كان من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (البقرة/48). لقد كان شيعةُ عليٍّ وأنصارُهُ مسلمين فبأي حقٍ يُقتَلون بحجة معاداة عليٍّ وبأيِّ حقٍ يتم قطع صلة وعطايا بني هاشم بسبب معاداة عليٍّ؟؟ أمَّا عليٌّ فلم يقطع عطايا بني أمية في خلافته. والحاص إن أعمال معاوية تدل على أنه لم يكن يعتقد عملياً بالقرآن وقد مزَّق معاهدته مع الإمام الحسن بعد الصلح مع أن نقض العهد محرمٌ في القرآن ومحرمٌ لدى جميع الأنبياء، ففي خلافة الحسن بن علي (ع) قام معاوية بأعمالٍ تمثل مخاصمةً لجميع الأنبياء لا للقرآن ونبيِّ المسلمين فقط. وبعد تسلطه قام معاوية في مدة خلافته بإقطاع مروان بن الحكم الأموي أرض فدك التي كانت من أراضي الصلح وكانت للنبيِّ خاصة حيث كان يصرف حاصلاتها على أبناء السبيل والمحتاجين وفعل فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الأمر ذاته، فكان عمل معاوية هذا معاداةً للنبيِّ ولدين الإسلام. وإذا دققنا في سيرة معاوية اتضح إلينا أنه لو كان دهرياً ملحداً لما أمكنه أن يفعل أكثر مما فعل. فلا ندري أي أثر كان للدين في معاوية وأي علامة من علامات الدِّين كانت فيه؟ لقد ارتكبت جميع سلاسل أسر السلاطين والملوك الذين حكموا بلاد الإسلام حتى اليوم كل نوعٍ من المحرمات الدينية في سبيل الوصول إلى الرئاسة والملك، ولا يزالون يفعلون ذلك ولم يكن لمعاوية أي امتياز عليهم في هذا الأمر ولم نجده راعى الإسلام في أيٍ من أعماله. وإذا كان قد قام بفتوحات فإن ذلك كان للاستيلاء على البلدان وتوسعة رقعة مملكته ولم يكن جهاداً إسلامياً بالمعنى الصحيح لأنه لم يكن يعمل بشروط الجهاد الشرعية في أيٍّ من الحروب التي خاضها.

إذن قول [أبي حامد] الغزالي بأن عمل عليٍّ ومعاوية كان اجتهاداً في مسألة البطء أو الإسراع في الاقتصاص من قتلة عثمان، قولٌ باطل وفارغ ولا معنى له لأن الاقتصاص من قتلة عثمان له جانبان جانب خصوصي يتعلق بورثة عثمان وهؤلاء لم يأتوا إلى علي ويطلبوا منه القصاص، فعندما لا يقوم المدعي بالمطالبة بحقه لا يُلزَم القاضي أو الخليفة، شرعاً، بإقامة الدعاوى الخاصَّة، والجانب الآخر جانبٌ عمومي وهو جانب الحق العام وهو يتعلق بمقام الخلافة ولكن السادة طلحة والزبير والسيدة عائشة أحدثوا ثورة في مكة والمدينة وقام ولاة عثمان المعزولين انطلاقاً من حقدهم القديم ضد بني هاشم وعلي بتزكية نار الفتنة وقام طلحة والزبير بكتابة رسائل لأهل البصرة والكوفة ودعوا شيعة بني أمية للثورة معهم واجتمع أربعون ألف شخص تحت منبر الشام الذي علق عليه قميص عثمان المضرج بالدم لدى معاوية وهم يلطمون بكاءً على الخليفة المقتول ويطالبون بالاقتصاص من قتلته وغرضهم ثورة البصرة والكوفة ومصر فأصبح علي في بداية خلافته يواجه ثلاثة أعداء متربصين به وكان طلحة والزبير ومعاوية يريدون أن يشتغل علي بهذه المراكز الثلاثة الكبيرة كي يستولوا على الخلافة منه دون تعب وكانت تلك القضية أيضاً ليست في صالح المسلمين، والحاصل أن معاوية لم يكن مرجعاً ولا ارتباط له لا بالجانب الخاص ولا بالجانب العام من قضية قتل عثمان. فمن أين جاء الاجتهاد الذي يتحدث عنه الغزالي [وأمثاله]؟ ألم يكن أولى بمقام «الغزالي» العلمي أن يتمسك بآيات القرآن بدلا من ادعائه الاجتهاد لمعاوية في مواجهة نص القرآن؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء/59) فهذه الآية دستور تشريعي للأمة المرحومة إلى يوم القيامة حيث تقول إن كل شيء يتنازع فهي المسلمون يجب أن يُرْجِعُوه إلى الله ورسوله إذا كانوا يؤمنون حقاً بالله ورسوله ويوم القيامة.

إن الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، والنزاع بين شخصين في أمر مشترك هو من باب الحقوق المشتركة بين الناس والآية تأمر بالرجوع في مثل هذا الأمر إلى قانون الشرع الإلهي لحل الخصومات لأن الله ورسوله أعلم من كل مشرع بشري في بيان الحكم العادل بين المتخاصمين وأبعدهما عن الغرض والحاجة، لذا فإن قانون الشرع الإلهي له الأولوية المتعينة للمرجعية في رفع الخصومات وحلها، فكلُّ مؤمن مكلف أن يرجع إلى الله ورسوله في نزاعاته مع الآخرين، وإذا لم يرجع إليهما لم يكن مؤمناً بالله ورسوله، وبعبارة أخرى فإن من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر الرجوع في النزاعات الحقوقية إلى الله ورسوله، فالصفة المميزة للمؤمن التي تميزه عن الكافر هي أن المؤمن يرجع في الدعاوى الحقوقية ويتحاكم إلى الله ورسوله أما غير المؤمن فلا يملك هذه الصفة المميزة فلا يتقيد بحكم الله وشرعه وقانونه، بل يترافع إلى قانون وضعي.

لقد كان مقتضى الاعتقاد والتسليم بالآية الأخيرة وبما سبق ذكره من الآيات أن يحضر السادة طلحة والزبير والسيدة عائشة ومعاوية وعمرو بن العاص جميعاً إلى المدينة المنورة ويجتمعوا في الروضة المطهرة ليتدارسوا ما يأمر به القرآن والسنة في شأن قضية مقتل عثمان، ويرجعوا في ذلك إلى رأي علماء الصحابة بحضور عليٍّ لينهوا هذا النزاع المدمِّر للإسلام ليكونوا مصداقاً للعمل بآية: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، لأن المدينة كانت مركز الدين والمرجع في رفع الخصومات وكان عليٌّ حاضراً فيها. لكنهم لما رأوا أن اجتماعهم في المدينة ومناقشتهم هذا النزاع سيُخْرِجُ علياً بريء الذمة منه ذهب جماعة إلى الجمل وجماعة إلى صفين وأقدموا على مقاتلة المؤمنين. اللهُ أمر بالرجوع في النزاعات الحقوقية إلى الله ورسوله وإلى شريعته لكن القوم رجعوا بدلا من ذلك إلى السيف وسفك الدماء، ودفعهم بغضهم لعليٍّ إلى مخالفة القرآن الصريحة وشق عصا المسلمين وابتداع تلك البدعة الخبيثة، وأصابوا الإسلام ودماء أهله التي أُمِروا بصيانتها وحقنها بثلمة عظيمة، وتركوا لمن بعدهم هذه البدع في الإسلام، فمنذ ذلك اليوم الذي انتقل فيه الاحتكام إلى القرآن والشرع في المدينة إلى الاحتكام إلى السيوف وسفك الدماء في البصرة وصِفِّين سرت هذه السنَّة السيِّئة لجواز ترك العمل بالقرآن إلى جميع ملوك وسلاطين الإسلام واستُبْدِلَت بالعدالة الإسلامية والحقوق والمساواة التي أمر بها الدين الحكمُ المُتجبِّرُ والكِسْرَوِيُّ: «فَلَهُ وِزْرها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامة».

إن جميع الصراعات السياسية والسلطانية في الدنيا ونزاعات الشعوب غير الإسلامية في عصور التاريخ لم تتحول إلى قتال وسفك للدماء إلا لعدم وجود مرجعية لديها لحلّ النزاعات فكان مرجعها دائماً السيف. فكم كان من الخير أن يتبع مسببو الجمل وصفين القرآن والشريعة لحل نزاعهم بدلا من اتباعهم طريقة الشعوب الأخرى والدهريين! حقيقة الدين كانت تقضي أن يقوم أصحاب الجمل وصفين بإنهاء خصومتهم ونزاعهم بشأن قتل عثمان بواسطة الاحتكام إلى حكم القرآن.

مثلا لو كان النصارى قد وضعوا قانوناً للقضاء وحل النزاعات لما قاموا بخيانة عيسى والأناجيل، حيث كان إيمانهم بالإنجيل هو خاصيَّتهم التي تميِّزهم عن الملل الأخرى. ولمَّا لم يتضمَّن الإنجيل قانوناً لحل النزاعات فكان من الواجب على النصارى أن يقوموا أنفسهم بوضع مثل هذا القانون وعندئذٍ لن يتجه إليهم النقد الديني. وهذا خلاف لحال المسلمين الذين يمتلكون في شريعة الإسلام قانوناً للقضاء والمحاكمات تم بيانه بشكلٍ وافٍ وذُكِرَتْ فيه طريقة حل النزاعات الحقوقية، فإذا لم يعد المسلمون إلى القانون الإلهي الشرعي يكونون قد خانوا الله والقرآن ومُسخوا وسلبوا عن أنفسهم أهم خاصية تميزهم عن بقية الأمم.

ينقسم الذين فقدوا صفة الإيمان التي تميز المسلم عن غير المسلم من الماضين والحاضرين والآتين في المستقبل إلى عدَّة فرقٍ:

1- القسم الأول: الذين تركوا شخصياً الرجوع إلى أحكام الإسلام وتمردوا على مرجعيته، لكن تمرَّدهم هذا تمَّ بصورة فردية، فالتارك [للحكم بما أنزل الله] من هؤلاء إن كان مقصِّراً عالماً وعامداً كان كافراً، وإن كان قاصراً كان فاسقاً، والفسق والكفر هنا شخصيان.

2- القسم الثاني: الذين قاموا بوضع قوانين في مقابل القانون الإلهي. هؤلاء الجماعة أشقى وأكفر من النمط الأول. لأنهم إضافةً إلى فقدانهم صفة الإيمان التي تميز المسلم عن غير المسلم، فإنهم سببوا أيضاً فقدان الآخرين أيضاً لهذه الصفة المميزة: «من سنَّ سنة سيئةً...».

3- القسم الثالث: الذين عملوا بالقوانين الوضعية وترافعوا إليها فهؤلاء شركاء مع النمط الثاني في الفسق والكفر حيث أنهم باختيارهم الحرّ سلبوا عن أنفسهم صفة الإيمان المميزة للمسلم عن غير المسلم.

4- القسم الرابع: المتفرجون الحياديون الذين يلزمون السكوت والصمت: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (الأنفال/22) وهؤلاء غالباً ما يعتبرون أنفسهم زُهَّاداً وعُبَّاداً وورعين وأتقياء ويفتخرون بأنفسهم كثيراً، ومعظم أفراد الأمة الإسلامية من هذا النمط. ونظراً إلى أهمية الدين البالغة في إصلاح دنيا المتدينين وآخرتهم فإن الجهاد الدفاعي واجبٌ على هذه الفئة لكنهم رغم ذلك جلسوا صامتين متفرجين [على تبديل أحكام الشرع] لا يحرِّكون ساكناً، ويُضاف إلى ذلك إن الفئة الثانية تُلزِم هؤلاء بالعمل بالقوانين الوضعية المناقضة للإسلام وترك العمل بما أنزل الله من شرع.

عندما تُزال عن المسلمين الخاصية التي تميز هويتهم وهي الإيمان [والعمل بشرع الله] فإن سكوت أهل الإيمان وصمتهم مضرٌ بالإسلام والإيمان بل فيه نوعٌ من التأييد والمساعدة للذين أزالوا تلك الخاصية المميزة لهوية المسلمين، وللذين اتبعوهم في ذلك وعملوا ضد إيمانهم وأهانوا الله ورسوله. وهؤلاء لا يقلون عن الفئة الثانية والثالثة في معاداتهم لما أنزل الله ومخاصمتهم لشرعه، فضررهم على الإسلام أكثر من نفعهم.

5- القسم الخامس: الهمج الرعاع الذين يتْبَعون كل ناعق ويعشقون بطونهم وينقادون لأصحاب القوة الفعلية في كل زمن، ولا يفرقون بين الإيمان والكفر ولا يميزون الحق من الباطل، يخلطون القبيح بالحسن ويمزجون المعروف بالمنكر في قَِدْرٍ واحدة، ولا يفرقون بين المعجزة والأسطورة ويخلطون بين الصدق والكذب ويظنون الشعوذة معجزةً فيروِّجون لها بلا تأمل أو تفكير، ويتبعون أصحابها دون تدبر إيماني ويساعدون كل ظالمٍ على استبداده وسلبه ونهبه ويقدِّمون أرواحهم آلافاً مؤلفة لصالح كلِّ متَّبعٍ لهواه، ويصبحون بسبب جهلهم الفطري وانغماسهم في الحيوانية عبَّاداً للحيوانات فيبتعدون عن صفة الناطقية التي تميز هوية الإنسان عن سائر الحيوانات. إن العقل ليتحير عندما يلاحظ حالة هذا الفريق، وتأخذه الدهشة والعجب ويتساءل في حيرةٍ وتشويش: يا بارئ النسم هل مرجع هذا الفريق إلى جنات النعيم أم إلى دركات الجحيم؟ أم سيكونون طعاماً للثعابين والحشرات ويصبحون تراباً رميماً؟ في الواقع طبقاً للأصول ولوجوب تبليغ الأحكام للجاهلين، الذي يعد من واجبات العلماء الحتمية، يقع وزر معاصي هذه الفئة الخامسة على عاتق الأقسام الأربعة السابقة.

إذا عرفنا ذلك نقول: كم من القبيح أن يرتد المسلمون عن مضمون الإيمان الذي يميزهم عن الآخرين ويتخلوا عن الأحكام الإلهية الشرعية التي تؤيد جانب النطق أي الجانب الروحي منهم، ويجعلوا من القوانين المادية بدلا من الشرع الإلهي دستوراً لحياتهم وينسلخون عن حلية الإيمان والناطقية ويندرجون في عداد الجنس المشترك للإنسان الذي هو الحيوانية المحضة فقط التي يشتركون فيها مع الوزغ(73) والعظايا(74). وكيف يجرؤ هؤلاء وهم على هذه الخصومة العلنية للقرآن وأحكام شرع الله على الذهاب إلى المساجد ورفع أكفهم بالتضرع والدعاء وطلب حوائجهم الدنيوية والشفاعة الأخروية من الصادع الأقدس بالإسلام؟! لا شك أن هذه الأدعية لن تُستجاب، فهم خارج المسجد يعادون الله ورسوله وداخل المسجد يطلبون الحاجات منه.

لقد اتضح أن واضعي القوانين المضادة للإسلام والعاملين بها والمنفذين لها والساكتين الحياديين الذين لا يحركون ساكناً كلهم في عداد الخصوم للقرآن المجيد، ارتدوا عن امتياز وشرف الإيمان بـ«قال الله وقال رسول الله» إلى حضيض الكفر وذلة قال فلان، وانحطوا عن فصل الناطقية المميز للإنسان عن الحيوان إلى جنس الحيوانية المشترك بين الإنسان والحيوان. لقد أدى هذا التغيير والتبديل لقانون الإسلام ونسخه واستبداله بغيره إلى اختلاف الكلمة وشق عصا المسلمين وإلى المزيد من إضعافهم وتسلط الأجانب عليهم ونفوذهم فيهم. لو أن المسلمين الذين انقسموا فرقاً في تعيين الخلافة النبوية بعد رحيل النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم رجعوا في ذلك اليوم إلى القرآن وأسسوا أساساً محكماً لتعيين الخلفاء ورئيس السياسة الإسلامية ووضعوا نهجاً ونظاماً مقرراً واحداً إلى يوم القيامة لحياة المسلمين [لكان حالهم غير الحال التي هم عليها الآن] ولكن واحسراتاه لقد هُجِرَ القرآن في ذلك اليوم مثلما تُرك وهجر اليوم وتم استبدال «قال الله وقال رسول الله» بـ قال فلان. وتم نسخ ومسخ الجانب الروحاني والتوحيدي والأخلاقي والإيماني والأخروي في الإنسان والانصراف عن النفس الناطقة وعن الوحدة إلى الكثرة وعن الإنسانية إلى الحيوانية، إلى الدنيا المؤقتة الزائلة، والمسخ الروحاني عن أسرار الأنبياء والأولياء الكرام حيث أصبح العامة لا يعلمون شيئاً سوى ما يتعلق بالجانب الجسمي وأصبحوا غير قادرين على تمييز الإنسان الإنساني عن الإنسان الحيواني.

ملاحظة: لقد قلنا في قسم المقدمات في هذه الرسالة أن بحثنا هو حول موافقة كتاب الله ومخالفته، فنمدح الأول ونذم الثاني، وأننا لن نتدخل في النسب والحسب والقبيلة والعرب والعجم والتُّرك والديلم، وأن ما يهمنا هو البحث فيمن يقبل بآيات القرآن ومن يردها. ولا تخفى أهمية معركة الجمل وصفين بالنسبة إلى جميع المعارك الإسلامية لأنها كانت أول حربٍ أهليةٍ بين المسلمين أنفسهم وكانت ابتداء هتك ناموس الخلافة وأول مرةٍ أهدرت فيها دماء المسلمين انطلاقاً من الميول والأهواء الشخصية. وقد عرضنا هاتين المعركتين ومسببيهما على القرآن المجيد الناطق بالحق والمنادي بالصدق وقلنا إن أصحاب صفين ومعاوية خالفوا بصراحة الآيات التالية:

﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا...﴾ (الأنعام/160)،

﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص/84)

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ...﴾ (غافر/17)

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا...﴾ (البقرة/48)

﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يس/54)

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (فصلت/46)

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...﴾ (المائدة/45)

إن أصحاب الجمل وصفين شركاء في مخالفتهم للآيات المذكورة، وكلهم نسبَ إلى عليٍّ كذباً أن له يداً في قتل عثمان، ولكن نظراً إلى طول صحبة «طلحة والزبير» لصاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم واعتقادهما بحقائق القرآن، فإنهما بعد لقائهما بعليٍّ (ع) في المعسكر وتذكريهما بما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تابا وندما على ما فعلا واستشهدا، كما أن السيدة أم المؤمنين قامت بعدهما بتحريكٍ من عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم بالحرب فلما هزمت وغلبت اضطرت إلى العودة إلى المدينة! ولكن بملاحظة الآثار المشؤومة لمعركة الجمل وما حدث فيها من أحداث واقتتال بين المسلمين وإهانة لمقام الخلافة وإراقة لدماء المسلمين وإقدام أم المؤمنين على الحرب واتهام عليٍّ بدم عثمان، هل يمكن التوبة من ذلك العمل مع كل تلك الآثار التي ترتبت عليه؟ لقد نقلوا عن السيدة أم المؤمنين توبتها وإنابتها عما فعلته من إقامة حرب الجمل وهتكها لمقام أم المؤمنين، ولا شك أن للقلم الحق في تحرير ذلك إلى الحد الذي لا ينثلم فيه استناد الزوجة المخدّرة للمقام النبوي الأقدس!

أما معاوية وقواته في صفين فقد خالفوا جميعاً تلك الآيات مخالفةً علنيةً وكانت السيدة أم المؤمنين مصرَّةً جداً في اتهامها لعليٍّ وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الجاثية 7/8) فقد كانت السيدة أم المؤمنين ومعاوية مصرين على ذلك الافتراء والكذب المبين حتى النهاية ولم يلقوا بالا لكتاب الله والآيات المذكورة.

ولقد قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الجاثية/21). وقال: ﴿... وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية/28).

لم ينسب أي مؤرخ من مؤرخي الإسلام قتل عثمان إلى عليٍّ وكان أول من افترى هذه الفرية أصحاب الجمل، ولما كان مطمح وقرة عين معاوية الوصول إلى مسند رئاسة الإسلام وكان مفتاح هذه الرئاسة بيد السيدة أم المؤمنين وكانت هي التي رفعت علم هذه التهمة والإفك بحقه، استخدم معاوية القرآن والشريعة وسيلةً للوصول للرئاسة!

﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (البقرة/101). بالطبع لم تكن هناك فائدةٌ من دعوة معاوية وأصحاب صفين إلى الاحتكام إلى القرآن لأن من ينكر عملياً إحدى عشر آية صريحة من القرآن لا يمكنه أن يعتبر نفسه من أهل القرآن حتى يدعو إلى الاحتكام إلى القرآن، فيكون القرآن شفيعه وهاديه. إن كل من تجرد للحق من أتباع المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة وترك جانباً الحب والبغض والعصبية والتقليد واللجاج الصرف، وأراد أن يسلك سلوكاً متطابقاً مع نص آيات القرآن وأن يميز بين الحسن والقبيح والخير والشر ويعتبر أن معيار القرآن وميزانه هو المعيار المسّلم به في الفرقان بين الكفر والإيمان والضلال والهداية يرى في أعمال معاوية مخالفة للقرآن وبعد انتهاء حساب الأمم وعبور الأمة المرحومة على الصراط يستحيل أن يكون للقرآن أي شأن بمعاوية. ومخالفة معاوية لم تقتصر على الآيات الإحدى عشر السابقة بل إن معاندته لآياتٍ كثيرةٍ أخرى بعد شهادة عليٍّ معاندة واضحة وأكيدة.

[نعود إلى ذكر فضائل علي (ع) في القرآن]:

الآية الثانية: «وأنذر عشيرتك»، والآية الثالثة: آية التطهير، والآية الرابعة آية «هل أتى على الإنسان»، والآية الخامسة آية التصدق بالخاتم (إنما وليكم الله)، والآية السادسة حمل سورة براءة للإعلان بها. والآية السابعة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة/67)، وعموم الآيات التي نزلت بحق المؤمنين بالقرآن والمصدقين بالرسالة ووعدتهم بالجنة تشمل بعمومها عَلِيَّاً الذي يُعدُّ أحد أفرادها الواضحين والمسلم بهم. وكذلك كافة آيات الجهاد التي نزلت بشأن مجاهدي الإسلام خلال مدة ثلاثة وعشرين عاماً والتي تزيد على مائة آية بحق المؤمنين والمهاجرين والأنصار جميعها - قطعاً ويقيناً وبتصريح علماء فن التفسير ومؤرخي والإسلام قاطبةً - تشمل عَلِيَّاً بالضرورة، ولم يمر على عليٍّ أي يوم في حياته في الكفر أو الشرك والوثنية. وإسلامه قبل سن البلوغ منقوش على منصة لوح القضاء والقدر، وقد كان وجوده كله ترويجاً للقرآن، في حين كان معاوية بتمام جوارحه يسعى في معاداة القرآن ومعارضته. ومع كون عليٍّ مصداقاً لآية المباهلة وآية التطهير وآية «هل أتى» لا يمكن لأي مادي وطبيعي ودهري أن يجرؤ على الطعن بعليٍّ ولعنه فكيف اجترأ معاوية على مخالفة مائة آية من القرآن ولعن أحد أبرز مصاديقها؟

وكل نقدٍ وإدانةٍ لمعاوية يتجه أضعافه إلى جماعة من العلماء ممن يعتبر نفسه متبحراً في التفسير وأنه تجشم مشقاتٍ كبيرة في العلم [ممن يدافع عن أعمال معاوية ويبررها]، لأن العلماء هؤلاء الأعلام لم يفهموا المسلمين حقائق القرآن بعد انقراض بني أمية. إن قيام معاوية ويزيد وسائر بني أمية بلعن عليٍّ وذمهم لأصحاب الكساء الذين كانوا مصداقاً لآية التطهير أبين من الشمس في رابعة النهار. فسلاطين بني أمية الجبابرة منذ زمن معاوية وحتى مروان الحمار باستثناء عمر بن عبد العزيز كانوا جميعاً عديمي الدين ودهريين عبَّاداً للمادة لأن ادعاء الإسلام والاعتقاد بالقرآن يتنافى منافاة تامة ويباين مباينة صريحةً لعن أصحاب المباهلة أي الخمسة الطيبين.

والخلاصة إن معاوية في معاداته لعلي عادى وخاصم جميع آيات القرآن التي نزلت بحق المؤمنين بشكل عام [وتشمل بعمومها علي] أو بحق علي (ع) بشكل خاص، وجميع الآيات التي تدل على عدل الله. ورغم ذلك لا يستجيز راقم هذه السطور المزيد من سوء التعبير بحقه وحفظاً لناموس الإسلام لن أسمح لقلمي بمزيد من الاسترسال في التوبيخ رغم تلك الأعمال ضد القرآنية والسلوك المتوحش المحض، والمقدار الذي ذكرته لم يكن طعناً بشخص معاوية كشخص بل هو حديث عن موضوع موافقة القرآن المجيد ومخالفته كي ينتبه أهل القرآن إلى أن كل من وجد قوة وشوكة وقهراً فقام بغصب حقوق المسلمين والتضحية بنفوسهم في سبيل وصوله إلى الرئاسة واعتبر نفسه بالظلم والفتك من أولي الأمر وأميراً للمؤمنين فإن القرآن لا يصدقه في ذلك. إن المعيار والمناط هو تصديق القرآن وتكذيبه وليس رأي العلماء ولا إجماع أهل الحل والعقد.

إن أحد خصائص ومزايا عليٍّ (ع) أنه بعد أن ضربه أشقى الناس ابن ملجم المرادي قال في وصيته المقدسة لابنه الحسن: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلا لا تَقْتُلُنَّ بِي إِلا قَاتِلِي. انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ»(75) أي اضربوه ضربةً واحدة دون أية زيادة كما ضربني ضربة واحدة كي يكون القصاص شرعياً.

لم يشهد تاريخ البشر أحداً حكم بمثل هذا العدل إلا علياً (ع) فكان عليٌّ إذن مصداقاً كاملا لآية أولي الأمر ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء/58).

منذ نزول هذه الآية وحتى زمن تحرير هذه الأوراق كان مصداق الحكم بالعدل هو هذا فقط، ولم يأتِ أي مصداقٍ أوضح لمثل هذا الحكم العادل في الإسلام.

 

الفصل الخامس

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (النساء/60-61).

ذكروا في شأن نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف(76). وإنما كان اليهودي يريد التحاكم إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أولا: لأنه يعلم أنه لا يقبل الرشوة فقد حرَّمها أشد التحريم. وثانياً: لأن النبيَّ لا يجور في حكمه، فالقضاء النبوي العادل لا يختص بالمسلمين بل يشمل جميع الناس سواءً كانوا مسلمين أم يهوداً أم نصارى أم مشركين، في حين كان العربي المنافق يميل إلى التحاكم إلى كعب بن أشرف اليهودي لأنه يعلم أنه يقبل الرشوة...

تنبيهات:

أولا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية وإن كانت قد نزلت بشأن شخصين فإن حكمها عامٌ ولا يختص بذلك المورد بل يشمل كل متخاصمين يريد أحدهما أن يرجع إلى الله ورسوله ويريد الآخر أن يرجع إلى غير الله ورسوله.

ثانياً: لا يختص الطاغوت والشيطان والمنافق بوقت نزول الآية بل مصاديق هؤلاء الثلاثة موجودون في الدنيا دائماً، ففي زماننا أيضاً يوجد الطواغيت والشياطين والمنافقون ويجب أن نميّزهم بقوة الإيمان وبفهم القرآن.

ثالثاً: الطاغوت مبالغةٌ من الطغيان وهو كلُّ مَنْ كَانَ يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه سَوَاء كَانَ صَنَمًا أَوْ شَيْطَانًا جِنِّيًّا أَوْ آدَمِيًّا وهذا الطاغوت يُعبَّر عنه أحياناً بعبارة «رجسٌ من عمل الشيطان» ويُعبَّر عنه أحياناً أخرى بالشيطان وأحياناً بالصنم والوثن، والمُراد من الجبت والطاغوت والصنم والوثن كلُّ حاكم يحكم بغير الحق ويتحاكم الناس إليه. والمثال الواضح والمصداق المسلّم به للطاغوت: القوانين المُخالفة لشرع الله، فالتحاكم إلى هذه القوانين هو في الواقع وثنية واتباع للطاغوت والمراد من «الضلال البعيد» اتباع أحكام الطاغوت والشيطان، والمراد من الهداية اتباع أحكام الأنبياء التي أنزلها الله عليهم، والمراد من المنافق، الذي هو أسوء من الكافر، رجال السياسة والدبلوماسية الذين يتبعون قانوناً غير شرع الله والحاكم الذي يحكم بين الناس بغير ما أنزل الله. وطبقاً لهذه الآية الكريمة فإن من يشرّع القانون المضاد لحكم الله عابد صنم ومن يتبع هذا القانون عابدُ صنمٍ أيضاً. فواضع مثل هذه القوانين ومنفذها ومطيعها كلهم عبدة طاغوت وهم الذين لعنهم جميع الأنبياء، كما أن المجتمع والشعب الذي يرضى بالقانون غير الإلهي ويتبعه هو مجتمع وثني وعابد للشيطان. ولا شك أن دعاء مثل هذا المجتمع الوثني لن يكون مستجاباً وأن الفيوضات الملكوتية ستُقطع عن مثل هذا المجتمع. ويجب على العلماء أن يُفهِمُوا عامة الناس هذه الآيات.

رابعاً: الآية صريحةٌ في بيان التناقض الواضح بين عقيدتين إحداهما الإيمان والإذعان إلى ما أُنزل على النبي والأنبياء، والثاني الرجوع إلى غيرهم والتحاكم إلى الطاغوت، لأن العمل الأول مأمورٌ به والعمل الثاني منهيٌ عنه، وبين المأمور به والمنهي عنه تناقضٌ واضح. إضافةً إلى ذلك اعتبرت الآية الرجوع إلى غير ما أنزل الله من فعل الشيطان فادعاء الإذعان لِـلَّهِ والرسول يتناقض ويتنافى مع التحاكم إلى الطاغوت فادعاء فاعل ذلك للإيمان ادعاءٌ كاذب. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (البقرة/256)

خامساً: الشيطان مقابلٌ (ندٌّ) للرحمن أي أن الباطل مقابلٌ للحق. أحد الأمثلة البارزة والمسلّم بها للشيطان هي إبليس الذي رفض السجود لآدم، ولكن الأمثلة والأفراد الآخرين للشيطان موجودون إلى ما شاء الله فكل نفسٍ إنسانيةٍ لها شيطانها، قال رسول الله: «لكل نفسٍ شيطانٌ. قيل حتى أنت يا رسول الله؟ قال: نعم لكن شيطاني أسلم بيدي»(77).

من البديهي أن حب الرئاسة والتجمُّل والجاه والفخفخة والتعدي على أموال الناس ظلماً والبهيمية والاستبداد واتباع الهوى وعدم الإذعان إلى شرع الله حيوانية محضة وشيطنةٌ صرفة، وتختلف مراتب الشيطانية تبعاً لشدة الأعمال البهيمية أو ضعفها، فالنموذج الكامل هو الرئاسة المطلقة والحكم الاستبدادي مطلقُ العنان وهو يمثل النقطة المقابلة تماماً للديانة والنبوة والشريعة. فعدد الشياطين بعدد نفوس البشر.

إن أعمال المسلمين الحالية من مراكش إلى الصين تخالف هذه الآية الكريمة بكل معناها ومدلولها الصريح. وهذه قضيةٌ عجيبة ومدهشة أن تكون أعمال المجتمع الإسلامي مخالفة لتصريحات الكتاب السماوي والشرع الإلهي بشكلٍ كامل ورغم ذلك لا نجد لا العامة ولا الخاصة ملتفتين إلى ذلك! فمتى بدأت هذه الغفلة؟ لقد كانت نتيجة هذه المخالفات في عهدنا ذل أمة الإسلام وانحدارها وانحطاطها من مرتبة السيادة والعلو على الأمم إلى قعر دركات جهنم التبعية للغير. ولا زال عقلاء الأمة وعلماؤها غير قادرين على إدراك الأمر ولم يبدؤوا بالتفكير بسياسة أنفسهم الدنيوية والأخروية وكأن مجتمع المسلمين قد سحر وضربه الجن ﴿لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...﴾ (البقرة/275). وابتُلِي بسباتٍ عميق كسبات الحيوانات ذوات الدم البارد في فصل الشتاء!! والعجيب أنه كلما زاد ذلّ المسلمين في عهدنا وفقرهم وشقاؤهم ونزاعاتهم وتفرّقهم، وكلما ازدادت تبعيتهم وتقديم أوطانهم وثرواتهم للأجانب، قلَّ وعيهم وتشبثوا بكل وسيلةٍ إلا التمسك بكتاب الله القرآن المجيد ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ...﴾ (البقرة/101). ولما لم تعمل الأمة بالقرآن قطع صاحب القرآن إفاضاته الملكوتية الغيبية عنهم. إن وجود ما وراء الطبيعة ينادي بنداء التشريع القرآني في الفضاء الإسلامي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (البقرة/40) ما لم تعملوا بالقرآن لن استجيب لدعائكم.

 

+                +             +

 

الفصل السادس

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (الفتح/29)

بيّنت هذه الآية أيضاً الصفة المميزة للإيمان عن الكفر وخاصية الإيمان التي تُعَدُّ من لوازمه التي لا تنفك عنه: وهي أن المؤمن والمصدِّق بالتوحيد والنبوَّة الخاتمة ويوم القيامة، يجب أن يكون شديداً على الكفار يسلك معهم سلوك الاستعلاء بالإيمان فإن لم يكن كذلك فعلى الأقل يسلك معهم سلوك الندّ للندّ لا سلوك التملّق والمداهنة والخدمة والتبعيّة والرعيّة والعبوديّة. ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ (المائدة/54). ولكن العادة المشؤومة لبعض مسلمي عصرنا هي على عكس [ما وصفه] القرآن المجيد تماماً فهم أسودٌ سباعٌ متكبرون على المسلمين الذين تحت أيديهم ومتملِّقون ومتذلِّلون ومصادقون بكلِّ مسكنةٍ ولينٍٍٍ للكفار لاسيما المترفين منهم والفاسدين. إن هذه الآية دستور بقاء سيادة المسلمين وجلالهم وعزتهم إذ تأمر مجتمع المسلمين أن يسلكوا مع أعدائهم سلوك الرجال الشجعان الأعزاء ذوي الجرأة والرجولة كي لا يتسلَّطوا علينا ويمدُّوا أيديهم إلى دين المسلمين وأوطانهم وثرواتهم. كلنا يعلم أن التنافس والتسابق بين ملل العالم ودولهم جعل الأرض مثل رقعة شطرنج وقمار فكل دولة عظمى من أولئك تسعى لإرعاب الدول الضعيفة وإدخالها ضمن رعاياها، فعلى المسلمين أن يتعاملوا مع خصومهم تعامل الندّ للندّ كي لا يتخلّفوا في حبّ الدين والوطن عن دول العالم وأممه، أما لو سلكوا مع خصومهم بالمداهنة والتملُّق والمسكنة والحاجة فسيكونون أُكْلَةً ولُقْمَةً سائغةً لهم كما نجد اليوم أن أكثر بلدان المسلمين أصبحت نهبةً للأجانب وطعمةً لها وفقدت استقلالها وشخصيتها.

أما سلوك أمم المسلمين تجاه شعوبهم والتي كان ينبغي أن تكون مبنية على الأخوة والعطف والرحمة وأن يرحمَ الأغنياءُ الفقراءَ والأقوياءُ الضعفاءَ والأصحاءُ المرضى ويهتمُّوا لأحوالهم كي يجتذبوا قلوب عامة الناس ويؤمِّنوا الاتفاق والوحدة الداخلية، ويحفظوا في ظل الوحدة الوطنية سيادتهم واستقلالهم، فهو – في بلاد المسلمين خاصةً وبلاد الشرق عامة – عكس ذلك تماماً، فقد عملوا عكس ما تأمر به هذه الآية.

 

 

الفصل السابع

من الأمور التي كان العمل عليها في الأربعين سنة الأولى من الإسلام ثم تُركت تدريجياً بعد استشهاد علي بن أبي طالب (ع) وتأسيس البلاط الأموي والعباسي والتركستاني... الأخوة والمساواة والمواساة الإسلامية التي قال عنها الله ﴿إنما المؤمنون إخوة وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...﴾ (آل عمران/103)، فكل من أسلم وآمن صار تلقائياً أخاً مساوياً لكل مؤمن، أي أنه من بركات الكلمة الطيبة، كلمة الشهادتين، أنها تزيل الشؤون والألقاب الشخصية وتجعل صفة الإيمان حاكمة على سائر الجوانب الشخصية ويصبح جميع المؤمنين إخوة يتمتعون بأخوة شرفية وأخلاقية وتوحيدية. عندما يلتقي المسلمان لا بد أن يتسابقا إلى إلقاء التحية تحية السلام فيقولا «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وليس في هذا الأمر كبيرٌ وصغيرٌ وامرأةٌ ورجلٌ فقد كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يسابق الجميع بإلقاء السلام وكان علي بن أبي طالب (ع) يلقي السلام أيام خلافته على الرجال المسنِّين والنساء العجائز، أما العادة الرائجة الآن بأن يلقي الأدنون السلام على الأعلين، فهي من بدع القرون التالية. إن هذه التحية الإسلامية والإيمانية والعقلية والتشريفية والافتخارية هي طريقة الإنسانية والآدمية والناطقية لا غير، أما التحيات الأخرى المعتادة بين بني البشر: فأحدها: تعظيم الأدنين والرعية للأعلين وللسادة للمترفين والمبذرين والجبابرة والظلام السفاكين والهاتكين لمن تحت أيديهم، هذه التحية الطاغوتية والصنمية والوثنية والتي تعتبر مثالا واضحاً لعبادة الطواغيت والأصنام تواصلت بعد هلاك هؤلاء الجبابرة حيث تمَّ صنع تماثيل لهم من الخشب والحجر والمعادن وتمَّ تعظيمها. فعلة عبادة الجمادات وهياكل الأجسام والأصنام عديمة الروح ليست سوى عبادة الجبابرة أثناء حياتهم، وكذلك وضع اليد على الصدر والوقوف باستقامة أمام الجبابرة وهياكل الطواغيت. وثانيها [أي التحيات الأخرى المعتادة بين بني البشر]: رفع اليد ورفع القبَّعة عن الرأس تعظيماً للداخل، فهذه التحية حيوانية صرفة. إن فلسفة الأخلاق والآداب البشرية وروح المنطق التي تعرِّف الإنسان بأنه حيوان ناطق تعتبر التحيات من القسم الثاني والثالث من لوازم الناحية الطبيعية أو الحيوانية في الإنسان (التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات)، والتحية الإسلامية من لوازم ناحية الناطقية الإنسانية التي تميز الإنسان عن الحيوانات الحية. قال الله تبارك وتعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (يونس/10)

أي أن تحية الملائكة للمؤمنين هي «السلام عليكم». إذا كانت تحية الوثنين وعبَّاد الجبت والطاغوت هي التحيات الحيوانية التي ليس فيها جانب روحي فهذا ليس بالأمر العجيب ولكن التعجب من المسلمين الذين يمتلكون بنص القرآن هذه التحية الإسلامية الحسنة واللطيفة فيتركونها إلى تحية أهالي الغابات والحيوانات الحية. في الحقيقة إن هذا نوعٌ من المعاداة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللقرآن والإسلام. ثم بعد ذلك يأملون بالشفاعة من الله ورسوله في الدنيا والآخرة، إن هذا لأمر عجيب!!

إن تقسيم بيت المال بين موظفي الدولة الإسلامية ينبغي أن يكون طبقاً للعدل والمساواة، أما غنائم الجهاد فحكمها أن يُصرف خمسها لأمور الخلافة وتُقسم أربعة أخماسها بين مجاهدي الإسلام على أساس أن يكون للراجل سهمٌ وللفارس سهمان أياً كان، ولا امتياز في ذلك بين أمير الجيش والقواد الشجعان الفاتحين أو المقاتلين الضعفاء. وأما الخمس الذي هو من نصيب مقام الخلافة فينبغي أن يُقسّم على حاشية الخليفة والعاملين في عاصمة المملكة الإسلامية بالمساواة، وكذلك الزكاة التي وجبت في السنة الثانية للهجرة حيث كان أمين الصدقات يقوم بجمعها منذ السنة الثالثة للهجرة وكانت تقسم على المحتاجين بالسوية. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يقوم بتقسيم خمس الغنائم والزكاة بين نفسه وبين من يقومون على رعاية إبله وسار الخلفاء من بعد على هذا النهج، إلا أن عثمان في السنوات الستة الأخيرة من خلافته وبتحريض من مروان بن الحكم تصرف بعض التصرفات الزائدة في أموال المغانم وكان نتيجة ذلك أن وقع الخلاف بين المسلمين لأن الإسلام دينٌ سياسيٌّ واجتماعيٌّ وقانونيٌّ ورئاسةٌ عامَّةٌ. ولا شك أن هناك مصارف اجتماعية أخرى تتعلق في تأسيس الرئاسة العامة ورتق الأمور وفتقها وكلها تقع على عاتق بيت المال مثل بناء المساجد والسدود والجسور وتعبيد الطرق وتأمينها وشراء الأسلحة وكل ما يلزم من شراء المراكب كالخيل والجمال والبغال ودفع أجور رعاتها وشراء السفن ودفع أجور ملاحيها وتأسيس المدن (كالبصرة والكوفة وغيرها) فكل ما يلزم لإدارة البلاد يقع على عاتق بيت المال بما في ذلك خمس الغنائم أو أموال الزكاة أو مال الجزية أو الضرائب التي تؤخذ من أهل الكتاب التابعين لدولة الإسلام. ففي خلافة أبي بكر مثلا كان مضيف الخلافة يصرف كل يوم رأساً من الغنم وديناراً من الذهب وفي خلافة عمر صارت مصاريف دار الضيافة رأسين من الغنم ودينارين تؤخذ من بيت المال، وفي الفترة الأخيرة من خلافة عثمان لم يعد هناك نظم لهذا الصرف وكان يُصرف لدار ضيافة أمير المؤمنين على نحو مستقل وكان مقدار الصرف مساوياً تقريباً لمقدار مصاريف دار ضيافة الخليفة الثاني، وبمثل ذلك يتم إعطاء أجرة عامل الصدقات والساعي فيها ورواتب أمناء بيت المال ومسؤول الخزانة العامة والموظفين والولاة والمعلمين والعمال والوافدين والواردين من عشائر الأقوام والبلاد الأخرى الذين يأتون إلى عاصمة دولة الخلافة فكل هؤلاء كان يُصرف لهم من بيت المال وهذا من اللوازم الطبيعية لكل تشكيلات حكومية ورئاسية بما في ذلك الحكومة الإسلامية وهي مصارف تختلف حسب الزمان وحسب اختلاف الصناعات وتتغير يومياً وتزيد وتنقص.

لكن أساس الإسلام هو التسوية بين المسلمين في المصارف والرواتب والأجور وأن يُعطى كل ذي حق حقه فللفارس سهمان وللراجل سهم دون تمييز بين الناس لأن هذه العطية هي من مال المسلمين العام وبيت مال المسلمين فيجب أن يكون موظفو الحكومة الإسلامية متساويين من حيث اللباس والطعام. إن حكم الله والعقل والشرع ومنطق الإنسانية وفلسفة الأخلاق والعدالة ووحدة نوع البشر والإنصاف تقضي أن تكون هناك مساواة في الطعام واللباس بين مستخدمي الحكومة فعلى رئيس الحكومة مثل ذات صاحب الرسالة الأقدس وخلفائه أن يساووا بين أنفسهم وبين أدنى الناس (أي أضعفهم وأفقرهم) في اللباس والطعام، فإذا اتّبع الحاكم الإسلامي ورئيس المسلمين هذا السلوك كانت أوامره ونواهيه الإسلامية مُطاعة ومُتَّبَعة وإلا كان من الواجبات الدينية الحتمية على مجتمع المسلمين أن يأخذوا على يديه ويعزلوه لأنه لا يجوز لمحبي القرآن وأتباعه أن يكونوا أتباعاً للجبابرة كي لا يعملون بهم بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله.

أما تفضيل جماعةٍ على جماعة في اللباس والطعام فهو من الأخلاق السبعية ومن أخلاق أكلة الجيف من سباع البهائم حيث يقع أقوياء السباع على الجيفة ويختصون أنفسهم بها كلها ولا يتركون شيئاً لضعفاء جنسهم فهذه الأخلاق السبعية هي بذاتها الحكم الاستبدادي والجبار المحض.

لو سأل أحدهم حضرة جناب الشيطان (!!) أي ذلك الشر المحض والضال والمضل (الذي يُسمى في التوراة مار وفي الإنجيل بعلزبول وفي الزند وأفستا ديف وأهريمن، وفي الفرنسية ديابل، وفي القرآن يُقال له الشيطان): أيها السيد الشيطان هل يجب أن يُعطى مستخدمو دائرة من دوائر الدولة من مال الشعب العام أي بيت المال لأجل لباسهم وطعامهم بشكل متساوٍ أم بشكل متفاوتٍ زيادة ونقصاناً؟ فيلبس أهالي الطبقات الدنيا الكادحين الخيش والمسح الخشنة ويأكلوا الخبز الحاف أو الحساء الذي ليس فيه لحم ولا سمن في حين يلبس الأعلون الحرير والديباج ويأكلوا لذائذ الطعام من اللحم المشوي والطعام ذي الإدام الدسم وغيره؟ قطعاً إن حضرة الشيطان الأجل (!!) نفسه سيجيب على هذا السؤال بالنفي وسوف يقول إن مال الشعب العام يجب أن يُعطى لمستخدمي الشعب بشكل متساوٍ بحكم اتحادهم في النوع، إن الحكم بالتفاوت في الإعطاء ليس مني ولا من رئيس الشياطين ولا من جنود الخناسين بل منشؤه السبعية والبهيمية وأعمال حيوانات الغاب المتوحشة، منذ زمن آدم الذي لم أسجد له وأصبحت مطروداً من قبل الحضرة الإلهية وحتى الآن لم يصدر عني ولا عن جنودي إضلال بهذا القبح ولن يصدر حتى يوم القيامة مثل هذا الإضلال، إن الشيطان يشتكي ويقول أنا تمردت مرة واحدة على أمر الله ولم أسجد لآدم والناس يلعنوني من عهد آدم وحتى اليوم مع أنني لا أضل إلا الأفراد ولا أضل الجنس البشري كجنس. أما أولئك الأشخاص الذين يقومون بظلم عمومي لجنس البشر وإضلالٍ نوعي لهم فإن الناس تقوم بتعظيمهم وتكرمهم وتُرْسل إليهم بالتحية؟ إن مثلي ومثل رؤساء بلاط القصور مثل خروف وعنزة والقفز فوق النهر حيث ضحكت العنزة من الخروف وقالت له عندما تقفز فوق النهر يظهر مخرجك وأسفلك فقال الخروف للعنزة إن مخرجك وأسفلك ظاهران دائماً، أنتم تلومونني على تمردٍ قمت به مرة واحدة وتلعنونني ولكنكم تطأطئون رؤوسكم تعظيماً للطغاة دائماً!

أما بالنسبة إلى واجب رئيس الإسلام في تقسيم بيت المال: فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوي في قسمة الأموال بين نفسه وبين رعاة إبله، ويسوِّي بين زوجاته وبناته الطاهرات وبين نساء المهاجرين والأنصار، ويُسَوّي بين الحسنين وبين أطفال المهاجرين والأنصار. واستمر الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وعمر وخلافة علي حتى أن علياً أحمى حديدة لأخيه عقيل ومسه بها لما جاء يطلب منه بضعة دراهم زيادة عن حصته من بيت المال، ولما وجد أن ابنته استعارت من أمين بيت المال «ابن رافع» عقداً كعارية مضمونة غضب عليها وزجرها، وقام أحد أطفال عمر بأخذ درهمٍ من بيت المال أثناء تقسيم عمر له ووضعه في فمه وهرب، فلحقه عمر ووضع إصبعه في فم طفله واستخرج الدرهم وأعاده إلى بيت المال، ولم يُوَرِّث النبيُّ ولا أبو بكر ولا عُمَرُ ولا عليٌّ أيَّ مال من بيت المال لأن بيت المال ملك للمسلمين، وليس ملكاً شخصياً للخليفة حتى يرث أبناؤه منه. ولكن منذ زمن معاوية وحتى اليوم لم يتأسَ أحدٌ – باستثناء عمر بن عبد العزيز – من ملوك عواصم الإسلام بالنبيِّ وأبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ في تقسيم بيت المال بل بنوا جميعاً قصورهم العالية وزخارفهم الفاخرة من دم وعرق الشعب، فما كانوا في تقسيم المال من أمة النبي ولا من شيعة علي ولا عمر بل عملوا بالمادية والكسروية والقيصرية لا بالإسلام.

 كانت الضرائب والأموال التي تُجبى إلى بيت المال منذ أوائل الهجرة المقدسة وحتى شهادة علي: أولا: الزكاة وسائر الصدقات، وثانياً: غنائم دار الحرب وثالثاً: الخراج والفيء والجزية وهذا بشرط وجود شروط الذمة حيث كان الفاتحون أو الحكام يعقدون عقد الذمة مع أهل الكتاب سواءً أكانت الأراضي مفتوحةً عنوةً أم صلحاً. وكل هذه الموارد الثلاثة يجب أن تُقسم بين المسلمين بالسوية، لأنها جمعت بحكم الإسلام فيجب أن تقسم بالسوية بحكم الإسلام.

إن معاش ومصاريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ طفولته وحتى زمن بعثته ومنذ بعثته وحتى هجرته لم تكن من مال المسلمين العام، بل كان أعمامه وبنو أعمامه يصرفون عليه [لما كان صغيراً] ثم كان يعيش من كسب يده أو من مال خديجة من هدايا أصحابه حتى بداية الهجرة المقدسة وهذا مما لا يختلف عليه أحد. ولكن البحث منذ بداية وصول الصدقات والغنائم بعد الهجرة: فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقسم تلك الأموال الشرعية طيلة مقامه في المدينة بالسوية فيساوي بين عطائه وبين عطاء رعاة إبله ويساوي بين عطاء زوجاته وبناته الطيبات وبين عطاء نساء المهاجرين والأنصار، ولذلك لما زاد الخليفة الثاني قبل إنشاء الديوان وبعده سهم أمهات المؤمنين الزوجات الطاهرات من عطاء بيت المال وفضَّلَهم على نساء المهاجرين والأنصار أرسل أمهات المؤمنين إليه من يقول له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفضلنا بالعطاء على نساء المهاجرين والأنصار فعملك هذا خلافٌ لسنة النبيّ.

إن تقسيم بيت المال بين أفراد الحكومة الإسلامية أحد الأحكام الإسلامية المتقنة وركنٌ وثيقٌ وأساس في دين الإسلام وبرهانٌ ساطع على أن رئيس المسلمين يجب أن يتأسى بصادع الإسلام الأقدس وأن يتصرف بأموال الضرائب والفيء طبقاً لحكم الدين وهذا العمل يدل على صدق الحاكم في إسلامه والتخلف عن هذا الحكم الأساسي دليل على ضعف العقيدة الإسلامية للرئيس وحاشيته.

كما أن صرف بيت المال في غير جهاته المحددة إن لم يكن دليلا على الكفر فهو دليل على الفسق والبهيمية والسبعية لمرتكب مثل هذا الأمر والرئيس وحاشيته وحماته الذين يقومون بمثل ذلك. إن دفتر القضاء التشريعي للإسلام مختوم بخاتم الأخوة والمساواة في صرف بيت المال بين أهل الإسلام وتنفيذ هذا الأمر حتمي ولازم، ولكن بعد رحيل صاحب الرسالة تطاولت أيدي المنغمرين في الشهوات الحيوانية على بيت المال ولا بد كف أيديهم عنهم. من البديهي أن التفضيل والتمييز في العطاء مغاير للتأسي بالنبي ويتنافى مع الطاعة الدينية والانقياد لأمر الله. كما أن الرسول الأكرم لم يكنز مالا ويدخره من بيت المال وهذا أمرٌ يتفق عليه جميع المسلمين وهو يدل على حرمة الادخار من بيت المال أو على الأقل أن ذلك كان جائزاً ومُباحاً وقد ترك النبي هذا المباح لما هو أفضل منه. ولكن التأمل في كيفية جعل الزكاة وأخذها يبين حرمة الادخار والكنز لمال بيت المال لأن أنواع الناس الذين يعطون الزكاة والأموال الشرعية إنما يفعلون ذلك لأجل معيشة المحتاجين والمجاهدين وغيرهم، فلو أباح الشرع أن يتم ادخار أموال الناس وكنزها لكان أخذ الزكاة لغواً وباطلا.

كما أننا نستنبط من زهد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وقناعته وتقشفه - حتى أنه كان أحياناً يمر عليه شهران ولا يُطبخ في بيته طعام - حرمَةَ الإسراف والتبذير في الإنفاق من بيت المال فضلا عن ادِّخاره وكنزه.

ولقد تأسَّى الخلفاء [الراشدون] بالنبيِّ في مساواته في توزيع العطاء وفي عدم الكنز وفي عدم توريث بيت المال وقد اجتنب كثيرٌ من العلماء والزهَّاد والعبَّاد في القرون الماضية أخذ أي سهم من بيت المال، وقد َأَحْمَى عليٌّ لأخيه عقيل حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَاهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا [لما كرَّر مطالبته بزيادة من العطاء من بيت المال عن حصة الآخرين](78)، ورأى عليٌّ على ابنته عقدَ لؤلؤٍ فقال لها: مِنْ أَيْنَ صَارَ إِلَيْكِ هَذَا الْعِقْدُ؟ فَقَالَتْ: اسْتَعَرْتُهُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ خَازِنِ بَيْتِ مَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لأتَزَيَّنَ بِهِ فِي أيام الْعِيدِ الثلاثة ثُمَّ أَرُدُّهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وقَالَ له: أَتَخُونُ الْمُسْلِمِينَ يَا ابْنَ أَبِي رَافِعٍ؟! كَيْفَ أَعَرْتَ بِنْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِقْدَ الَّذِي فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِي وَرِضَاهُمْ؟؟ فقال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهَا ابْنَتُكَ وَسَأَلَتْنِي أَنْ أُعِيرَهَا إِيَّاهُ تَتَزَيَّنُ‏ بِهِ فَأَعَرْتُهَا إِيَّاهُ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً مَرْدُودَةً فَضَمِنْتُهُ فِي مَالِي وَعَلَيَّ أَنْ أَرُدَّهُ سَلِيماً إِلَى مَوْضِعِهِ، قَالَ فَرُدَّهُ مِنْ يَوْمِكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا فَتَنَالَكَ عُقُوبَتِي، ثُمَّ قَالَ: أَوْلَى لابْنَتِي لَوْ كَانَتْ أَخَذَتِ الْعِقْدَ عَلَى غَيْرِ عَارِيَةٍ مَضْمُونَةٍ مَرْدُودَةٍ لَكَانَتْ إِذَنْ أَوَّلَ هَاشِمِيَّةٍ قُطِعَتْ يَدُهَا فِي سَرِقَةٍ(79). وقام شخص بسرقة شراك نعلٍ (رباط الحذاء) أو كُبة غزلٍ (كرة من خيط الغزل) من غنائم حنين وهوازن قبل أن يقوم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بتقسيمها فلما سمع سيد الأنبياء بهذا توعد فاعله بالنار حتى جاء وأعاد كبة الغزل وشراك النعل إلى بيت المال. كان أخذ أي شيءٍ من مال الغنائم والتصرف به قبل تقسيمه على المسلمين - ويسمى الغلول - محرماً بشدة زمن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى المجاهدين الذين كانوا يستحقون أربعة أخماس الغنائم كان يُحرّم عليهم أن يأخذوا ولو خيطاً منها قبل أن تقسم. وقد استمر الأمر على هذا النحو بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي أيام خلافة الشيخين ومدَّةَ خلافة عليٍّ إلا أنه في عهد عثمان وبسبب تدخل مروان بن الحكم في أمور المسلمين أنثلم هذا الحكم المقدس وشرع الولاة من بني أمية بالتصرف ببيت المال تصرفَ المالك بماله، ولقد كان بنو أمية في ذلك العهد يتصرفون في تقسيم بيت المال طبقاً لدين مزدك فكانوا يعتبرون بيت مال المسلمين مُباحاً وحلالا لهم وحراماً على غيرهم وفي زمن عثمان كان لا يزال هناك تمسكٌ بنزاهة التصرف في بيت المال ولكن في السنوات الست الأخيرة من حكمه وفي بداية ملك معاوية راج نهج المزدكية في عواصم المملكة الإسلامية في التصرف في بيت المال وانتهى تحريم التصرف الشخصي فيه وحل محله استحلال التصرف فيه وتواصل هذا النهج إلى اليوم ولم ينكر ذلك مفسرو الإسلام وبعضهم سكت ولزم الصمت أخذاً برخصة التقية.

حسب اطلاع راقم هذه السطور، فإن المسلمين في الدنيا ثلاثة أصناف: الصنف الأول المحمديون وأتباع القرآن، والصنف الثاني أتباع الصديق والفاروق وهم أهل السنة وهم أكثرية المسلمين، والصنف الثالث العلويون الشيعة. ولم يتبع [حُكَّام] أيٍّ من هؤلاء الفرق نبيَّهم ومقتداهم في موضوع التصرُّفات في بيت المال بل اتبعوا جميعاً طريقة معاوية وبني أمية، وهذا دليل قاطع بل دليل حسي وعياني مشهود بأنه منذ زمن معاوية فإن جميع الحكومات والرئاسات كانت حكومات ظالمة ورئاسات متجبرة ونكرر ذكر الحديث الشريف التالي دليلا على ما نقول: «الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سنةً ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَه يكونُ مُلْكاً عضوضاً»(80).

طبقاً لهذا الحديث الشريف جميع حكومات أمة الإسلام ملكٌ عضوض وليس أيٌ منها حكومة قرآنيةً مجاهدةً، لأنهم لم يعملوا بأحكام الإسلام وقواعده في الجهاد الإسلامي وفي تقسيم بيت المال فجميعهم ليسوا مصداقاً لأولي الأمر، وطاعتهم ليس عليها لها دليل مجوزٌ شرعي وعقلي وانقياد المسلمين لهم مستندٌ إلى الجهل والنفاق والطمع الدنيوي وإلا فإن اتباع الجبارين حرامٌ بحكم العقل وبتصريح القرآن المجيد.

نعم لقد كان أكثر أولئك الحكام الجبابرة بل جميعهم مسلمين وقاموا بفتوحات كبيرة وأتوا بغنائم من الكفار إلى بلاد المسلمين وأسلم أهالي الممالك المفتوحة تدريجياً ولا شك أن في هذا ثواب وأجر وهو أمرٌ مطلوب للشارع ولكن هذا لا يعطي لفتوحاتهم عنوان الجهاد الإسلامي، وإسلام الكفار كان نتيجةً قهريةً لما فعله الحكام، ولو كان للأفعال القهرية غير الاختيارية ثوابٌ في الآخرة لكانوا مثابين على إسلام هؤلاء ويدخلون الجنة بسبب ذلك لأن الحق في مسألة اجتماع الأمر والنهي وامتناعه هو جواز الاجتماع(81)، ثم يُسَجَّلُ لكل من الأمرين ثوابه وإثمه ويوزنان [فيرجح الأثقل وزناً]. ثم إن مسألة الثواب والعقاب الأخروي وهل الإنسان من أهل الجنة والنار أمرٌ ومسألة أولي الأمر واستحقاقهم للطاعة أمر آخر، وبحثنا هو في الأمر الثاني لا الأول. وبناءً على ذلك لا محل للبحث في حليّة جوائز السلطان وهل يجوز أخذها أو عدم أخذها لأنه إذا أعطى الجوائز من بيت المال فهي محرمةٌ قطعاً لأنه من المسلَّم به أن التصرف في بيت المال بغير إذن الشرع حرام. وإذا كان التصرف في ملك الإنسان الحلال فهو حلال قطعاً، وفي حالة الاشتباه بين الأمرين يتعين اجتناب التصرف لأن دفع المضرَّة مقدَّمٌ بحكم العقل على جلب المنفعة والحرمة أحوط وأقوى.

 

 

+                +             +

 

الفصل الثامن: حول الأخوة والأمومة الإسلامية

كما أن أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمومةٌ تنزُّليَّةٌ تُحَرِّم نكاحَهُنَّ وليست أمومةً حقيقيةً توجب التوارث، فكذلك الأخوة الإسلامية تنزيلية وليست حقيقية توجب التوارث بل الوحدة والمساواة بين الأخوة تكون في الأمور الإسلامية التالية:

1- الاشتراك والمساواة في بيت المال.

2- المساواة في التكاليف الشرعية فلا مزية لأحد على أحد. ففي الإسلام لا يوجد سيد وعبد ولا يجوز اختراع أرباب للمسلمين لأن كل مسلم ينبغي أن يكون متذللا رحيماً بإخوانه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ (المائدة/54) و﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح/29). وهذان الحكمان (المساواة في بيت المال والأخوة بين المسلمين يوجبان اتفاق أفراد المجتمع والصعود بمجتمع المسلمين إلى مرتبة السيادة وأعلى الأمم وتركهما موجبٌ للنزاع والاختلاف والعداوة بين المسلمين وتسلط الأجانب عليهم.

 

 

+                +             +

 

الفصل التاسع

من مسؤوليات الحكومة الإسلامية المنتخبة تنفيذ الحدود والقصاص والعقوبات الإسلامية بكل حزم وجد دون رأفةٍ ومن دون مراعاةٍ لنسب أو حسب. ولا يجوز استثناء أحدٍ من حدود الله مهما كان عالياً في رتبته الاجتماعية أو متدنياً لأن القانون حافظٌ للناموس وحقوق الشعب وأجدر احتراماً من الأشخاص. وبالطبع هناك في كل قانون استثناءات يحددها القانون ذاته وليست تابعةً للميل والهوى الشخصي. إن تطبيق الحدود والقصاص والتعزيرات رادع للأشرار والمفسدين وجاذب لقلوب عامة الشعب نحو محور القانون لأن المساواة في الجزاء والعقاب تعطي الأمل للجميع وينتج عنها قهراً اتحاد القلوب، في حين أن التمييز في تطبيق الحدود بتطبيقها على الضعفاء والمساكين الذين لا ظهر لهم واستثناء أقرباء الحاكم ومعارفه وأصدقائه وسائر المترفين والمبذرين وحاشيته من المستبدين يؤدي إلى بذر بذور الكراهية والبغضاء بين الناس. وحتى لو فرضنا أن هناك قانوناً غير شرعي وحكماً ظالماً فمن المفيد والجيد أن يتم تنفيذه بشكل متساوٍ ودون تمييز لأن الظلم بالسوية عدلٌ كما أن الحكم الشرعي إذا طبق بتمييز وتفاوت كان ظلماً.

بعد استشهاد عليٍّ ومنذ زمن حكم معاوية وحتى اليوم لم يتم تنفيذ أي حدٍ على مقرَّبي حكّام المسلمين وأقربائهم وأرحامهم فكلهم اتَّبع سنَّة معاوية في عدم تطبيق الحدود الإلهية ولا شكَّ أن إثم تعطيل الحدود يقع على عاتق خال المؤمنين سواءً تذكر علماء العلماء التالون وكتبوا أو لم يكتبوا: «مَنْ سَنَّ فِى الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فله وِزْرها ووزر مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يوم القيامة»(82)

 اتضح إذن في الفصلين الثامن والتاسع أنه لم يتم تقسيم بيت المال بالسوية ولا تطبيق الحدود والقصاص على جميع الرعية التابعة للحكومة الإسلامية منذ زمن معاوية وحتى اليوم في أي سلطنة أو خلافة، أمويةً كانت أم عباسيةً أم غيرها. ولكن رغم ذلك قام العلماء الأعلام في بلاط الملوك والسلاطين بمدح الخلفاء والملوك إذا كانوا ينتمون إلى نفس مذهبهم وبالغوا في مدحهم حتى رفعوهم إلى أعلى المدارج واتخذوا أمر الله وكتابه ونبيه ظهرياً ولم يهتموا إلا بالتوافق المذهبي بينهم وبين الحاكم حتى اعتبروا جبابرة كل زمن أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، أي أن كل من تغلب على الحكم من خلال سفك الدماء ونهب الأموال وهتك الأعراض طار إليه الإجماع فوراً من المدينة الطيبة ووصل إليه بسرعةٍ سواءً كان في سمرقند أو بخارى أو الهند أو الشام وتعلق به وقال أيها الجبار الظالم أنا الإجماع جئتك وجعلتك من أولي الأمر القرآنيين فاطمأن بالا وقرّ عيناً.

 

 

+                +             +

 

الفصل العاشر

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران/104-105)

المراد من كلمة «الخير» الدين لأن دين الإسلام يتضمن كل خير للبشرية والمراد من «المعروف» الأعمال التي أمر الله ورسوله بها والمراد من «المنكر» كل ما نهى الله ورسوله عنه وكل هذه الأمور خير للإنسان فتبيَّن من هذه الآية أن الدعوة إلى الخير وتبليغ الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ على كل مسلم إما فرض عين أو فرض كفاية وإما وجوباً عقلياً أو وجوباً سمعياً ولكلٍ قائل به والحق أنه يجب عقلا وسمعاً على كل مسلم وعلى كل من يعتقد بحقيقة دين الإسلام وأن تعاليمه خير للبشرية، أن يقوم بواجب الدعوة والتبليغ لها وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي في منهج التوحيد أن هداية الضالين وإرشادهم من الواجبات العقلية. وفلاح المسلمين في الدنيا والآخرة منوط بهذه الدعوة والتبليغ للدين، وكل من يعتقد أن دينه حق وأفضل من سائر الأديان ويعتقد بواجب هداية الناس وإرشادهم تجب عليه الدعوة. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خدمة لله وعبادة له وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الأرْضِ وَخَلِيفَةُ كِتَابِهِ وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ»(83).

فكل من كان عالماً ولم يقم بهذا الواجب لم يكن خليفة الله ولا النبيّ ولا القرآن. إن الدعوة والتبليغ خدمةٌ للنبي وللدين وللخلق ونشرٌ للمعارف الإلهية وإيجادٌ للرادع الخفي في قلوب العامة الذي يتوفر بفضله أمن الناس، وفوائده الدينية والأخروية والدنيوية أكثر من أن تُحصى. والآيات الكريمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة للغاية، وفي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسٍ بجميع الأنبياء والأولياء واتباعٌ لطريقتهم، وفي تركه تأس بالماديين والدهريين واتباعٌ لهم.

إن الحديث المذكور يدلُّ على أنه لما لم يكن هناك في هذا العصر أمر بمعروف ولا نهي عن منكر فإن الله ورسوله والقرآن لا خليفة لهم اليوم والعصر عصر جاهلية. وهي الجاهلية الثالثة نستجير بالله، وفي الحديث أيضاً: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ ليسلطنَّ الله عليكم جباراً لا يُوَقِّرُ كَبِيرَكُمْ، وَلا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ، ولا يستجيب لخياركم ومهما دعوتم وطلبتم النصرة واستغثتم بالله واستغفرتموه فلن يستجاب لكم»(84). ويروي حذيفة أنه «سيأتي على أمتي يوم تكون فيه جيفة حمار نتنة أحب إليهم من المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»(85) (وهذا هو حال أهل إيران خاصة طهران).

 

+                +             +

 

الفصل الحادي عشر

قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران/105)

هذه الآية تدل على وجوب الاجتماع والاتحاد وحرمة التفرق والاختلاف والانفراد وقد شبهت المسلمين الذين يتفرقون ويختلفون في عقائدهم باليهود الذين فقدوا عزتهم وسيادتهم واستقلالهم في بلدانهم بسبب اختلافهم وما وقع بينهم من تفرق وعداوة (رغم أن اليهود أصبحوا اليوم بفضل حسن صناعاتهم واكتسابهم للحرف ونشاطهم وقناعتهم من الأغنياء وأصحاب الثروات الكبرى في الدنيا خلافاً للمسلمين الذين يعمل تجارهم بالسمسرة للأجانب والبقية يعملون بزراعة ناقصة وعمالة وشحاذة وسرقة وليس لديهم إجادة لسبل تحصيل الثروة سواء في داخل بلدانهم أم في خارجها). أجل لقد أوجبت الآية الاجتماع والوفاق وحرَّمت التفرق والاختلاف. إن عامة المسلمين اليوم قد تركوا هذا الواجب الديني باختلافاتهم وتفرُّقهم وارتكبوا ما حرَّم الله وكلهم مشارك في هذا الفسق والمعصية الكبيرة. ولما كانت الدعوة الدينية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة على جميع المسلمين فرداً فرداً فلا يجوز لكل فرد أن يقول: ماذا عساي أن أفعل وحدي، فهذه الكلمة حجة لطلب الراحة والكسل وعذر لمن يريدون أن يبقوا في غفلة سبات السناجب وقد دعونا بلسان الدين مئات الأشخاص وتكلمنا في مئات الاجتماعات الصغيرة عن ضرورة تبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال الجميع: نحن جاهزون لهذا الأمر لكن الآخرين غير مستعدين، في حين أنه لو اجتمع جميع هؤلاء القائلين لحصلت النتيجة التي يريدها الله ورسوله على أيديهم ولكن جميع أعذارهم لا تعدو حججاً لتحميق السامعين.

قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (الشورى/13).

وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (آل عمران/103).

في هاتين الآيتين المباركتين يأمر الله تعالى المسلمين بالاجتماع والتوحُّد والاتفاق وإقامة الدين والاعتصام بحبل الله المتين ويوجب تطبيق الأحكام الاجتماعية العامة للإسلام ويحرّم التفرُّق في الدين. وهذا يعني أن اتفاق المسلمين وعدم اختلافهم حول إقامة الدين واجبان مستقلان لا ارتباط لهما بالواجبات العقلية في العقائد والضروريات وسائر أحكام الإسلام المسلم بها. كما أن الاعتقاد بالتوحيد وبالنبوة وبالمعاد في أصول الدين وأداء الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد في فروع الدين كل منها واجب مستقل بذاته كذلك الاتفاق ووحدة الكلمة واجب مستقل(86). وكما أن الظلم والسرقة والخيانة والكذب والنميمة محرمة فكذلك اختلاف كلمة المسلمين في إقامة الدين محرمة. وبقدر مخالفة هذين الحكمين ينتشر الفسق والمعصية والخيانة بين المسلمين. فاليوم نجد أنه لا يوجد مسلم واحد محرم الغيبة فقد أصبحنا جميعاً ممن تجوز غيبته!

إن العقل الفطري الإيماني السليم يؤيد ما تأمر به هذه الآيات الكريمة، فلا شك أن إقامة أحكام الدين التي تتميز عن عقائد وأحكام الملل الأخرى ونشرها وتبليغها ليس واجب شخص واحد بل هو واجب الجميع، كما أن المحسوس والمشاهد من حكم تاريخ الأديان وطبيعة الشرع يؤيد هذا الأمر أيضاً، فلما كان الإسلام متميِّزاً عن أديان وعقائد البشرية الأخرى فلا يمكن أن يقوم شخص واحد بنشره وتبليغه بل لا بد من اتفاق محبي الإسلام واجتماعهم على هذا الهدف تماماً كما يتم الأمر لدى جميع الأديان وأحزاب الدنيا، فمزايا وفوائد الاتفاق في الأمور العامَّة مثل حفظ الدين والوطن ثابتة عقلاً وحساً، ولما كان الدين خيراً واقعياً فإن الاتفاق على حفظه أمر محبوب عند الله وعند رسوله وباعث للبركة والنعمة في الدنيا، والأمة المتفقة تصل إلى مرتبة أعلى الأمم والأمة المتفرقة المتناحرة تنحدر إلى مرتبة أذل الأمم وأرذل الملل كما أن الوحدة والاتفاق تؤدي لنيل درجات الآخرة العالية والنزاع والتفرق يؤدي لخسران الدنيا والآخرة. والحاصل لا يوجد عاقل ينكر الحسن الذاتي للاتفاق، فالاتفاق إذن يدل على الحكمة والعقل والنزاع والتفرق يدل على السفاهة والجهل.

 

 

الفصل الثاني عشر

قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل/125)

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة/122)

إن أحد النماذج الواضحة والمسلم بها لوجوب التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تبليغُ الجاهلينَ من أبناء الأمة أحكامَ الدين وتبليغُها جميعَ الملل أيضاً، كما كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يدعو المشركين ويدعو أهل الكتاب إلى الإسلام. فالواجب على جميع المسلمين وخاصة على العلماء أن يتأسوا بالنبي في تبليغ الدين. ومن المسلم به أن التبليغ كان واجباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة حياته الكريمة وعلى المسلمين أيضاً، وبقي الأمر كذلك بعد رحيله فلا عذر لأي فرقة من فرق المسلمين في ترك الدعوة والتبليغ. إضافة إلى ذلك فإن الدليل العقلي يحكم بأنه من الواجب على كل عالم يعتبر دينه ومذهبه حقاً ويعتقد بأن دينه سببٌ للنجاة ووسيلةٌ لهداية الناس ورشادهم ويعتقد أن هداية شخص ضال أفضل عند الله مما طلعت عليه الشمس وأن من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً وأن إحياء نفس أفضل من عبادة مئة سنة، من الواجب عليه بحكم العقل والمنطق والفطرة أن يقوم بتبليغ أحكام الدين الحق لهداية البشر، ولو لم يفعل ذلك لكان خائناً لعقيدته، أي أن عدم التبليغ يكشف عن الجهل أو عدم الإيمان الواقعي. إن هذه الأحكام الأربعة: (1) الأمر بالمعروف، (2) اتحاد المسلمين واتفاقهم، (3) وجوب تبليغ أحكام الدين، (4) وجوب الشورى بين المسلمين، مرتبطة ومتشابكة بعضها ببعض، ولا ينفك أحدها عن الآخر ولكن وا حسرتاه! لقد تخلى المسلمون عن جميع هذا الأمور الأربعة ونسوها فأصيبوا بذل التبعية للأجانب ولا زالوا في غفلتهم سادرين.

 

+                +             +

 

الفصل الثالث عشر

تدل آيات القرآن الصريحة على أن الجهاد واجب على أهل القرآن بجميع أنواعه. إن التشكيك في وجوب الجهاد تشكيك في بديهيات الدين. أما بالنسبة إلى جهاد الدعوة والجهاد الهجومي فلم يعد له مكان بالنسبة إلى معظم بلدان المسلمين اليوم لأسباب عديدة، وأما الجهاد الدفاعي فهو واجب عقلي وشرعي على عامة محبي القرآن المجيد ودين الإسلام. أما الوجوب الشرعي للدفاع فتدل عليه أعمال حضرة صاحب الرسالة الأقدس وأوامره في غزوة الأحزاب حيث وضع نساء المسلمين فوق أسطح المنازل كي يرمين كفار قريش واليهود الذين حاصروا المدينة بالحجارة والأخشاب إذا عبروا الخندق ودخلوا إلى المدينة ويدافعن عن المسلمين بهذه الطريقة، ومن جملة ذلك أن صفيَّة عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم الزبير بن العوام كانت تقوم بوظيفة الحراسة فوق سطح منزل وكان معهم حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومجموعة من النساء الأخريات، وفي هذه الأثناء عبر يهوديٌّ الخندق ودخل فنزلت صفية وضربت ذلك اليهود بخشبة ضربة قاضية قضت بها عليه، وأمْرُ النبيِّ هذا كاف لإثبات الوجوب الشرعي للجهاد الدفاعي. أما الوجوب العقلي للجهاد الدفاعي فإن جميع العلماء يتفقون على وجوب الدفاع على جميع المسلمين رجالاً ونساءً. إن السؤال المحيِّر هو أنه هل الهدف من هذه الفتوى التي دُوِّنت في الكتب ويتدارسها المتدينون والعلماء في مجالس العلم والتي تقول إن الجهاد الدفاعي واجب عقلي على جميع المسلمين ويتم ذكر ذلك بعبارات منمَّقة ومسجَّعة ومقفَّاة من ذلك، هو مجرد كتابتها في الكتب وتدارسها في المجالس وإظهار فضل العلم ومنافسة الأقران به أم أن ذلك مقدمة للعمل به؟ ومعنى الجهاد الدفاعي أنه عندما يقع هجوم من قبل خصوم الإسلام في الداخل والخارج على تعاليم الإسلام فيجب على العلماء أن يتفقوا فيما بينهم ويدعون أفراد الشعب للاتفاق والتعاون ويقومون عملياً بالدفاع والتصدي للهجمات المعادية للإسلام. فهل الغرض من هذه الفتوى مجرد الدراسة أم أنها مقدمة للعمل، كي يقوم العالم والجاهل بالعمل الدفاعي، أم أن كتابة وتدارس تلك الفتاوى جزء من ذخائر عالم البرزخ يستخدم هنالك؟!

 

+                +             +

الفصل الرابع عشر

من الواجبات الإسلامية المهمة تشاور المسلمين مع بعضهم البعض في سبيل حفظ الدين وتطبيق أحكامه وتحكيم الأخوَّة والاتفاق، وحلّ النزاعات وإزالة الشقاق والاختلاف والقضاء على الحياة الانفرادية المتشتتة، وإنهاء ترجيح المصلحة الخاصّة على المصالح العامة. والتشاور لا يكون في الأحكام ذاتها التي أوحى الله بها لأن التشاور بشأن الأحكام الصريحة الواضحة بعد الوحي معاداةٌ لِـلَّهِ ولرسوله.

قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.. (آل عمران/159)

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (الشورى/38)

إن هذه الأحكام الثمانية التي ذكرناها في الفصول من السادس إلى الرابع عشر تشكل أركان حفظ الإسلام الاجتماعي العام والعلة التامة لهيمنة الإسلام وبقائه وعزة المسلمين وسيادتهم كي يصبحوا في الدنيا أعلى الأمم وينالوا الفوز والفلاح في الآخرة. إن أهلية دخول الجنة لهذه الأمة المرحومة رهينة بالعمل بهذه الأحكام لأنها تشكل الأحكام العامة والكلية الأساسية للإسلام وتتعلق بالاتحاد حولها.

القسم الأول الذي هو الأخوة الإسلامية يمثل أول درجة في سلم ارتقاء المسلمين. وهذه الأخوة لن تتحقق إلا إذا قام مسلمو هذا العصر بتجديد بيعة القرآن المجيد، كما فعل المسلمون في زمن النبي عندما بايعوا رسول الله تحت شجرة الرضوان في الحديبية حيث بايعوه على العمل بأوامره ونواهيه. إن جميع أوامر النبي والقرآن المجيد ونواهيهما طبقاً لضرورة الدين واتفاق المسلمين مدونة في السنة المقدسة فلم توجد كلمة من أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتم تسجيلها وتدوينها، ومضامين القرآن المجيد متطابقة مع عقائد النبي وأخلاقه وأعماله، فالقرآن المجيد محمَّدٌ صامت ومحمَّدٌ قرآن ناطق. وكان العرب يتوافدون إلى المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوا أصحابه وزوجاته الطاهرات عن عقائده وأخلاقه وأعماله فكانوا يجيبونهم جميعاً: اقرؤوا القرآن وافهموه فالقرآن نبيٌّ صامتٌ والنبيُّ قرآنٌ ناطقٌ وجميع أعمال النبيِّ متطابقة مع ما جاء في القرآن.

سؤال: ما هو الدين؟

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. فالدين هو الإسلام وصاحب ديانة الإسلام والصادع الأقدس بها حضرة صاحب الرسالة. فالدين هو الإسلام والإيمان به عبارة عن العقائد والأخلاق والأفعال والأقوال والحركة والسكون واللباس والطعام والسفر والحضر والجهاد الهجومي والدفاعي والاقتصادي والدعوي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الحدود وتحكيم الأخوة الإسلامية بين المسلمين والمساواة في توزيع بيت المال والأخلاق الاجتماعية والجمعة والجماعات والعيدين والصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها. فالدين مفهوم بسيط وحداني يُنتَزع من جميع أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وحركاته وسكناته. والمتدين بدين الإسلام هو الشخص الذي يتَّبِعُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله كي ينال السعادة في الدارين، وأما الذي لم يعمل بأيٍّ من تلك الأعمال فهو عديم الدين وخارج عن الإسلام وكلما ترك العمل بأمر من أمور الإسلام نقص من دينه جزء بهذا المقدار. فإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن ننظر أنه في عهدنا هذا الذي هو محل بحثنا، بأي من هذه الأحكام يعمل المسلمون وبأيها لا يعملون. وهدفنا أن نزن حالة المجتمع لنرى هل أن الأمور الرائجة والمعمول بها حالياً في مجتمع المسلمين تطبيق لجميع الأحكام المذكورة أم لبعضها فقط؟ لقد اتضح أن الدين له معنى بسيط جامع يشتمل على جميع آثار وفضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أقواله وحركاته وسكناته حتى إطلاق اللحية وحلق الشارب وتقليم الأظافر والتطهر واستعمال العطر وغيرها. وهذا المعنى من أوضح معاني الدين أي أنه اتباع سنة صاحب ومؤسس ومقنن الدين، فهذا المفهوم بعد تصوره وتصديقه الكامل مفتاح لباب السعادة وميزان الحق والباطل والفسق والعدالة، ويجب أن توزن أعمال جميع المسلمين بهذا الميزان فكل من طابقت أعماله ذلك الميزان كان مؤمناً وإلا فهو غير مؤمن. إن هذه الموازنة سهلة جداً وميسورة لكل شخص:

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر/7)، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب/21) وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/31) وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (النساء/80).

 إن هذا الدين محمديٌّ والعامل بهذا الدين سيكون في ظل لواء الحمد وتحت ساق منبر الوسيلة ومشمولا بالشفاعة الكبرى أما تارك هذا الدين فإنه في وادي الحرمان والندامة يردِّد قائلاً: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (النبأ/40) و﴿رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ..﴾ (المؤمنون/99-100) فالعامل بهذا الدين صائرٌ إلى جنان النعيم والتارك للعمل مصيره دركات الجحيم.

وأما الصنف الآخر من الناس الذي يعمل ببعض الأحكام ويترك بعضها الآخر كمن يصوم ولا يصلي، أو يدفع الخمس ولا يدفع زكاته، أو يترك شرب الخمر ولا يأكل الربا ولا المال الحرام ولكنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فإن لكل عمل جزاؤه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/7-8)، وقال كذلك: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا (الكهف/49)

فالمتدين هو الذي يتَّبع النبيَّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله التي صدرت عنه خلال ثلاثة وعشرين عاماً من فترة رسالته -سما قدره- ويعمل بها ويطبقها في حياته، وبهذا يكون مصداقاً للمسلم ومحباً للقرآن ومتبعاً لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقةً. فإذا صار مصداقاً للمؤمن فلا حرج عليه بعد ذلك أن ينتمي إلى أي مذهب من مذاهب المسلمين المختلفة للوقوف على فروع الدين وجزئياته ودقائقه، ولا يهمُّ اللقب والعنوان الذي يتسمَّى به(87).

بعد تأسيس الأخوة الإسلامية واتباع القرآن الذي هو وجود صامت ونموذج مكتوب عن صاحب الرسالة الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم فإن الدرجة الثانية هي التشاور في سبيل صيانة المجتمع الإسلامي وحفظه. وهذا التشاور يتخذ صوراً مختلفة حسب اختلاف الزمان ومقتضياته. فعلى المسلمين في جميع البلدان والقرى والعشائر أن يتشاوروا كي يحفظوا في هذا القرن والزمان حدود الإسلام وحقوقه ويحموها من هجوم خصوم الدين كي لا يصاب الدين بثلمة ويحفظون أنفسهم أيضاً في ظل صيانة وتداوم أحكام السيادة والتفوق والرفعة على الأمم كي يتخلصوا من حمل أثقال التبعية لخصوم القرآن المجيد. فوا أسفاه على الإسلام وذلاً للمسلمين إذْ تنازلوا عن السيادة وشرف أسمى الأمم في ظل أحكام القرآن وألقوا على أعناقهم نير عبودية غير المسلمين وعبودية أعدائهم.

بعد إرساء الأخوة الإسلامية وبيعة القرآن وتأسيس الشورى الدينية يأتي الدور لمسألة اتفاق واتحاد جميع أتباع القرآن المجيد كي يتفقوا على إقامة الدين وحفظ أحكامه وتطبيقها وعلى حرمة الاختلاف والنزاع والبغضاء وحرمة الإهمال والسكوت حفاظاً على مصالحهم الشخصية [أمام هجوم أعداء الدين عليه أو تبديل الحكام لأحكامه]، فإذا وجدوا خلافاً شرعياً أثناء حفظ الدين سعوا إلى رفعه. وإذا قام شخص بالأمر بالمعروف فيجب على الآخرين أن يعاونوه وإذا سكتوا ولم يعاونوه فقد ارتكبوا كبيرة بل خانوا الله ورسوله والقرآن والدين والشريعة.

إن الأمر في تينك الآيتين(88) اللتين تأمران بإقامة الدين والتمسك به وعدم الاختلاف والتفرق في طريق حفظه وتطبيق أحكامه هو أمر تعبُّديٌّ مَوْلَوِيٌّ، وفي الوقت ذاته هو أمر إرشاديٌّ وعقليٌّ أيضاً(89). فوجوب الاتفاق وحرمة التنازع والاختلاف بالأحكام وجوب تعبُّديٌّ مَوْلَوِيٌّ والحرمة مولويَّةٌ، وأما سيادة المسلمين وصيرورتهم أعلى الأمم وكونهم أسياداً على بلدانهم وثرواتهم الدنيوية للمسلمين فهو وجوب إرشاديٌّ.

إذن تفرق جميع المسلمين وعدم اجتماعهم خيانة للدين ومخالفةٌ لِـلَّهِ ورسوله وسببٌ للذلة والهوان وتسلط الأجانب لأن كل شعب تفرق وتنازع وافتقر واشتغل بمدح نفسه فهو محكوم بعبودية الأجانب وبزوال الشوكة.

 

+                +             +

 

 

الهوامش

(1) مصدر هذه الترجمة بشكل أساسي كتابان: الأول: ترجمة حياة المؤلف التي كتبها «غلام حسين نور محمدي» الذي قام بطباعة ونشر كتاب «محو الموهوم» في مقدمته على الكتاب. والثاني: ترجمة المؤلف التي كتبها المؤرخ الإيراني المعاصر: رسول جعفريان في كتابه «جريان‌ها وسازمان‌هاي سياسي ايران» (أي التيارات والمنظمات السياسية في إيران), طهران، نشر مؤرخ، ط 8، 1386 هجرية شمسية (2007م)، الفصل الثامن: التيارات المطالبة بإعادة النظر في عقائد الشيعة، ص 816- 822.

(2) الحركة الدستورية: حركة سياسية إصلاحية قامت ضد النظام الملكي الاستبدادي المطلق في إيران في عهد الأسرة القاجارية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، بعد أن استشرت مفاسد الملوك من آل قاجار وتردّت الأوضاع الاجتماعية في عهدهم وتفشت الأمراض وانتشر الفقر إلى جانب تصاعد الصراع الروسي البريطاني على النفوذ في إيران، فقامت الثورة تطالب بإصلاح الأوضاع وبتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية بتقييد سلطات الشاه بمجلس للأعيان، وقد تكللت الثورة بالانتصار عام 1906م، لكن انتصارها لم يدم طويلاً إذ سرعان ما عاد الاستبداد بعد خمس سنوات بثوب جديد وأصبح المجلس الوطني ألعوبة بيد الملك، وسيطر الليبراليون المتغرِّبون على المجلس وتم إقصاء الأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام وضعية، فعاد الصراع مجددا بين علماء الدين المناضلين - ومنهم المؤلف - والنظام الملكي الجديد.

(3) رسول جعفريان، «جريان ها وسازمان هاي مذهبي – سياسي إيران»، صفحة 46.

(4) المصدر السابق ص 748.

(5) الكلام الجُزاف: الكلام الذي تُجْهل حقيقته ويُقال جُزافاً دون دليل. (قال في لسان العرب: الجِزافُ والجَزْفُ: المَجْهولُ القَدْر، مَكِيلا كان أَو مَوْزوناً).

(6) يكثر المؤلف من استخدام هذا التعبير والمصطلح الكلامي، والمقصود من المبدأ هو الله، ومن المعاد: اليوم الآخر. فالإيمان بالمبدأ والمعاد يعني الإيمان بالله واليوم الآخر.

(7) يستخدم المؤلف هذا التعبير بكثرة ويقصد به الله عز وجل.

(8) يقصد بها الهندوسية والبوذية واليهودية والنصرانية والإسلام.

(9) يستخدم المؤلِّف كثيراً اصطلاحي «الجنس» و«الفصل» المنطقيين، وهما من كليات إيساغوجي الخمسة، فـ«الجنس» هو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالحقيقة، كماهية الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس والثعلب والقرد..الخ، أما «الفصل» فهو جزء من مفهوم الماهية المختص بها الذي يميزها عن جميع ما عداها، مثل: الناطقية للإنسان والصاهل للفرس وهكذا... أما «النوع» فهو الماهية المشتركة بين الجزئيات المتكثرة بالعدد فقط لا بالحقيقة، مثل «إنسان» بالنسبة إلى زيد وعمرو وخالد.

(10) كان هذا في زمن المؤلف الذي عاش في القرنين 13 و14 الهجريين (التاسع عشر وبداية العشرين الميلاديين) (1254 - 1355هـ = 1839 – 1936م)، أما اليوم فقد زاد عدد المسلمين عما ذكره بكثير فأصبح يقارب المليار ونصف.

(11) كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..﴾ (الأنفال/46) فـ«الفشل» هو انحطاط القوة والضعف والهزيمة، و«ذهاب الريح» ذهاب القوة والدولة ونفوذ الأمر.

(12) الجاهلية الأولى هي ما كان قبل عيسى وقيل ما كان بين إدريس ونوح، والجاهلية الثانية ما كان قبل الإسلام (أي بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما).

(13) هذا الحديث تركيب من حديثين واردين من طرق أهل السنة هما: «الْخِلافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» رواه الترمذي في سننه – وحسَّنه – وتتمته: «ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ أَمْسِكْ خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ وَخِلافَةَ عُمَرَ وَخِلافَةَ عُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ لِي أَمْسِكْ خِلافَةَ عَلِيٍّ قَالَ فَوَجَدْنَاهَا ثَلاثِينَ سَنَةً قَالَ سَعِيدٌ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلافَةَ فِيهِمْ قَالَ كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ. قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.. ». انتهى. ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه كلهم عن سفينة، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3341). والثاني عن حذيفة بن اليمان: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ.. الحديث» رواه أحمد في مسنده (4/273) وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: إسناده حسن، وروى نحوه البيهقي في السنن الكبرى (8/159) والطيالسي في مسنده.

(14) عَضُوضَاً – وفي رواية عاضَّاً – قال ابن الأثير في النهاية: ««ثم يكونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ» أي يُصِيبُ الرَّعيَّة فيه عسْفٌ وظُلْم كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا. والعَضُوضُ: من أبْنية المُبالغة. وهو جمع عِضٍّ بالكسر وهو الخَبيثُ الشَّرِسُ».

(15) دَخَلا: قال ابن الأثير في النهاية: «الدَّخَلُ بالتحريك: العَيْبُ والغِشُّ والفَسادُ. ومنه حديث أبي هريرة: [إذا بلغ بَنُو أبي العاص ثلاثين كان دينُ اللّه دَخَلا وعبادُ اللّه خَوَلا] وحقيقتُه أن يُدْخِلوا في الدين أُموراً لم تَجْرِ بها السُّنَّةُ».

(16) خَوَلا: الخول الخدم والعبيد.

(17) دُوَلا: جمع دُوْلَةَ بالضم، وهو ما يُتداول من المال فيكون لقوم دون قوم.

(18) ذكره المجلسي بلفظ مشابه في عدة مواضع من بحار الأنوار، مثل: ج31/ص 177، نقلاً عن السَّيِّد المرتضى علم الهدى فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْج‏ البلاغة، من رواية الواقدي عن أبي ذر ولفظه: «إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلاثِينَ رَجُلا جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلا، وَدِينَ اللَّهِ دَخَلا، ثُمَّ يُرِيحُ اللَّهُ الْعِبَادَ مِنْهُمْ.». والحديث ورد من طرق أهل السنة عن أبي سعيد الخدري في مسند أحمد (3/80) وفي المستدرك للحاكم (4/527) وفي مسند أبي يعلى، وعن أبي ذر الغفاري في المستدرك للحاكم (4/526)، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ورواه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (419).

(19) انظر المجلسي، بحار الأنوار، ج 82/ص279 وقد نقله عن مصادر أهل السنة. وأخرجه من طرق أهل السنة: البخاري في صحيحه والدارمي في سننه وابن حبان في صحيحه وغيرهم، كلهم عن مالك بن الحويرث.

(20) في تفريق المؤلف بين الصلاة بقوله إن الله فوض للنبي تشريع ركعاتها وكيفياتها، بخلاف الزكاة التي اختص القرآن ببيان تفصيلها ولم يوكل ذلك للنبي، أقول في هذا التفريق نظر لأن كلا الأمرين تشريع من الله، والرسول فصل أحكام الزكاة كما فصل أحكام الصلاة وكل ذلك بوحي وإلهام من الله . فلا وجه للتفريق بينهما.

(21) النزاع الديني هو النزاع على العقائد والأفكار والمبادئ الدينية: مثل أن يؤمن فريق فريق بوحدانية الله وعدم جواز عبادة غيره وينكر فريق آخر ذلك، أو يعتقد باليوم الآخر وحشر الأجساد إلى الله يوم القيامة وينكر فريق ذلك، أو يرى فريق وجوب الحكم بما أنزل الله من شرع وبالعدل والسوية، ولا يرى فريق ذلك..الخ. أما النزاع الشخصي [وقد يعبر عنه بالنزاع السياسي] فهو أن يتفق فريقان على كل مبادئ الدين وعقائده وعلى وجوب الحكم بما أنزل الله والعدل والمساواة.. الخ ولكنهما يختلفان على الشخص الذي سيتولى هذا الأمر، أو يختلفان بشأن شخص تولى الخلافة في الماضي هل كان صالحاً عادلاً أم لا، فهنا لا اختلاف على المبادئ كمبادئ بل الاختلاف شخصيٌّ أو سياسيٌّ.

(22) الشيخ المفيد، الإرشاد، 1/ 303، وبحار الأنوار، المجلسي، ج 74 / ص 324.

(23) الحديث من دون ذكر القصة: رواه الشيخ الصدوق في الأمالي، ص 426، ورضى الدين الحسن بن الفضل الطبرسى‏ في «مكارم الأخلاق»، ص 428. ورُوِيَ من طرق أهل السنة مع ذكر القصة مدح الشاعر إلا أن الرامي للمداح بالحصباء لم يكن أبا ذر بل كان المقداد: والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (3002) وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم، وأحمد في المسند (6/5).

(24) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 64هـ، وعبارته: «وقال عمر بن سبينة: حج يزيد في حياة أبيه، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين، فقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه! فما هذا؟ قال: هو طيب يصنع بالشام، ثم دعا بقدح فشربه، ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبد الله. فقال له الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فقال يزيد: ألا يا صاح للعجب ... دعوتك ولم تجب ... إلى الفتيات والشهوا ... ت والصهباء والطرب..... الخ».

(25) خلافاً لقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

(26) وضع المؤلف لِعُمَرَ (رض) على قدم المساواة مع النبيّ (ص) وعليّ (ع) في كون حكومتهم تمثل حكومة العدل والمساواة والقسط والالتزام التام بالإسلام، جدير بالانتباه.

(27) انظر المسعودي، مروج الذهب، باب ذكر جمل من أخباره (أي المأمون).

(28) لم أجد له أصلاً، وإن كان معناه صحيحاً ولكنه ليس بحديث، والله تعالى أعلم.

(29) أصل القصة مشهور ذكرته كتب الأدب في ترجمة الشاعر «الأخطل» كما في كتاب: الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (15/103) والشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري والعقد الفريد لابن عبد ربه وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي وغيرهم، بيد أن الشاعر الذي هجا أو بالأحرى شبب بالمرأة – وهي رملة بنت معاوية – لم يكن حسان بن ثابت بل كان «عبد الرحمن بن حسان»، وقد أراد معاوية قطع لسان الأخطل بسبب ذلك، فشفع له يزيد، وأما القصيدة التي أنشدها الأخطل – لعنه الله - في هجو الأنصار رضوان الله عليهم بأمرٍ مِن يزيد فكان فيها: خلُّوا المكارمَ لَسْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا ... وخُذُوا مساحيكم بَنى النَّجَّارِ... إن الفوارس يعلمون ظهوركم ... أولاد كل مقبح أكار... ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ بالمَكَارمِ وَالعُلا ... واللُّؤْمُ تَحْتَ عَمَائِم الأَنصارِ... الخ.

(30) ورد في الحديث المتفق عليه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ».

(31) تاريخ الطبري، ج4/ص261، والإمامة والسياسة لابن قتيبة، ج2/ص4، و«الإرشاد» للمفيد، ص182، ومقتل الخوارزمي، ج1/ص194.

(32) انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، 4/310-311، وابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين 1/298، وابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، حيث ذكروا أن زياد بن أبيه قطع لسان «رشيد الهجري» وصلبه لأنه حدَّث بحديث يتضمن إيمانه بحياة عليٍّ عليه السلام ورجعته بعد موته.

(33) انظر السهيلي، الروض الأنف (في شرح سيرة ابن هشام)، 4/270، وابن عبد البر في «الدرر في اختصار المغازي والسير»، باب قسمة غنائم حنين، تسمية المؤلفة قلوبهم. وابن حزم الأندلسي في «جوامع السيرة»، ص 245.

(34) لقد وَهَمَ المؤلفُ في نسبة هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو من كلامٍ لعمر بن الخطاب (رض) كتب به إلى معاوية في أمر القضاء، كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج17/ص63. ولفظه: «.."وَ آسِ بَيْنَ الخُصُومِ فِي لَحْظِكَ وَلَفْظِكَ"».

(35) روى المفسرون كالطبري والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور وغيرهم، ذيل تفسيرهم للآية 58 المذكورة من سورة النساء، مثل هذا التفسير عن علي، وفيه أنه قال: «حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدِّيَ الأمانة، وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا».

(36) الوارد هو «لا تجتمع أمتي على ضلالة» انظر بحار الأنوار ج 5 /ص 20 و68 (نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي وتحف العقول لابن شعبة الحراني)، وهو اللفظ الوارد في كتب حديث أهل السنة أيضاً كالذي رواه ابن ماجه في سننه (ج2/ص1303) عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله (ص) يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة, فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم». وسنده ضعيف، كما قال البوصيري في الزوائد، ومثله رواية الترمذي في سننه (ج4/ص466) عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَى ضَلالَةٍ...» وقال هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه.

(37) جاء في لسان العرب: حَرَدَ يَحْرِدُ حُروداً أَي تنحَّى وتحوّل عن قومه ونزل منفرداً لم يخالطهم؛ ورجل حَرْدانُ: متنحٍّ معتزل، والحَرْدُ الغيظ والغضب.

(38) وجه استدلال الإمامية الإثني عشرية بالآية أنهم يرَوْن إنها نزلت يوم 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة بعد خطبة يوم الغدير التي أعلن فيها رسول الله ولاية علي (ع) وينقلون في ذلك حديثاً يرويه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بعد نزول الآية: «اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى إِكْمَالِ الدِّينِ وإِتْمَامِ النِّعْمَةِ ورِضَى الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَوَلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدِي». انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي (76هـ)، ص828، وكتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى لعماد الدين الطبري (بعد 553هـ؟)، ص211، وبحار الأنوار للمجلسي،: ج37/ ص156. والواقع أن هذا الحديث ليس له أي سند صحيح متصل أو معتبر.

(39) أصل الحديث – أي جملة «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاهُ» وارد بطرق متواترة في كتب حديث أهل السنة، فهم لا ينكرونه، ولعل المؤلف قصد بقوله «ينكره أهل السنة» أي ينكرون دلالته على نصب عليٍّ حاكماً وخليفةً بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً.

(40) الجملة الأولى حتى كلمة «عاداه» مروية في مصادر كثيرة لأهل السنة مثل سنن الترمذي وسنن النسائي الكبرى وسنن الدارمي ومسند أحمد وصحيح ابن حبان والمستدرك للحاكم والمعجم الكبير للطبراني.. الخ. أما الحديث الكامل بجملته الأخيرة أي وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ فقد رواها عدد من المحدثين مثل أحمد في مسنده: 1/118 و1/119، وابن أبي شيبة في المصنف، ح (32118)، 6/372، والبزار في مسنده: 1/460 وغيرهم عن علي بن أبي طالب (ع).

(41) راجع ص 42 من هذا الكتاب لمعرفة الفرق بين النزاع الشخصي والنزاع الديني.

(42) يقصد الآيتين 58-59 من سورة النساء اللتين ذكرهما في بداية الفصل، واللتان تبينان صفة أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، وحديثه كله في الفصل يدور حولهما.

(43) الحديث مروي في عديد من مصادر الحديث السنية، مثل مسند أحمد (1/209) والمستدرك للحاكم (3 / 201)، ح 4842، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو، وقال الذهبي: صحيح. والمعجم الكبير للطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي ومسند أبي يعلى الموصلي (1547)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 9/ ص 103) وقال: «رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات، ويأتي حديث ابن مسعود كذلك في مناقب خديجة» انتهى. وأخرجه الإمام البخاري في التاريخ الكبير: ج 7 / ص 74 باب عفيف، ح 341.

(44) هذا الحديث رواه الشيعة والسنة بألفاظ متعددة متفاوتة وبزيادة ونقصان، انظر: الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 582-583، وفرات ابن إبراهيم الكوفي في تفسيره، ص303، والمجلسي، بحار الأنوار ج18/ص44-45 نقلاً عن كتاب الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي (573هـ). ومن طرق أهل السنة أخرجه البزار في مسنده مختصراً مقتصراً على جملة «من يقضي عني دنيي»، ورواه مختصراً كذلك ابن جرير الطبري في تفسيره (19/410)، وروى نحوه البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» (6/131) وابن كثير في تفسيره (6/170) وقال عن أحد طرقه: «تفرَّد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة رحمهم الله.» ثم ذكر له طرقاً أخرى وقال: «فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي، رضي الله عنه.». كلهم ذيل تفسيرهم لآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾.

(45) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 113) ولفظه: «وعن سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً فمر رجلٌ على بعير وبين يديه قائد وخلفه سائق، فقال: «لعن الله القائد والسائق والراكب.»». ثم قال الهيثمي: رواه البزار ورجالة ثقات.

(46) انظر: السيد ابن طاوس (664هـ)، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2/ص519، وإقبال الأعمال، ص467، والمجلسي، بحار الأنوار، ج 39 /ص2.

(47) هذا من أوهام المؤلف فلا يوجد شخص بهذا الاسم، والذي أوقع الخلاف بين يهود بني قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق هو باتفاق أرباب السير: «نُعَيم بن مَسْعود الغطفاني الأشجعي» (انظر على سبيل المثال: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2/69، و73).

(48) منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كما ذكر ذلك أرباب السير، انظر على سبيل المثال: ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/ 334.

(49) هكذا في المتن، والصحيح أنه حصن «قموص» وليس «عموص»، ولعله خطأ مطبعي. قال الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي (942هـ) في كتابه الضخم حول السيرة: «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» (5/124): «لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصون النطاء، والشق انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة، وأعظم حصونها القموص، وكان حصناً منيعاً. ذكر موسى بن عقبة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصره قريباً من عشرين ليلة..».

(50) انظر ابن هشام، السيرة النبوية، 2/ 334. والحديث مشهور رواه البخاري في صحيحه والنسائي في سننه وأحمد في مسنده وغيرهم.

(51) انظر ابن هشام، السيرة النبوية، 2/406، والواقدي، المغازي، ص 821.

(52) هذه زلّة قلم من المؤلف لأنه من المعروف أن عمرو بن العاص كان قد أسلم هو وخالد بن الوليد قبل فتح مكة، باتفاق أرباب السير، فذكروا أن إسلامهما كان بعد الحديبية سنة 6هـ وقيل سنة 7 هـ وقيل بل أسلما أول سنة 8 هـ. وقد أقرّ المؤلف ذاته بالنسبة إلى إسلام عمرو بن العاص بهذا الأمر بعد 3 صفحات!.

(53) الحديث متفق عليه رواه الستة (الشيخان البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة).

(54) الجملة الأولى، أي قوله للعباس: «أنت آخر المهاجرين» لم أجد لها أصلاً، أما الجملة الثانية أي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «وَأَنَا آخِرُ الأنْبِيَاءِ» فهي جملة نبوية صحيحة ومتواترة المعنى وجزء من عدة أحاديث صحيحة روتها الشيعة والسنة، انظر بحار الأنوار، 14/334، و60/241. ومن طرق أهل السنة أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الحج، ح (2550) وآخرون كُثُر: «فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد». وأخرج ابن ماجه في سننه (4074) والحاكم في المستدرك (8620) وغيرهما: «.. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم».

(55) لا يخفى ما في هذا التعبير من تجوُّز، إذْ ليس في ألفاظ ما ذكره من الآيات بحد ذاتها ذكر لعليٍّ (عليه السلام) بشكل خاصّ، وإنما يُسْتَدَلُّ بالآيات بالاستعانة بالأحاديث والأخبار والروايات الواردة في تفسيرها، فرجع الأمر إلى الاستدلال بالأخبار والروايات لا بلفظ الآيات، فالأولى القول فضائل علي (عليه السلام) الحديثية والروائية.

(56) دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى تَنْحَصِرُ فِي ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ هِيَ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنُ وَالالْتِزَامُ، فالمطابقة دلالة اللفظ على تمام مسماه، والتضمن دلالة اللفظ على ما يدخل في مسماه، والالتزام دلالة غير لفظية، وهي أن يكون للفظ معنى لازمٌ له من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان فإن هذا المعنى لا يصح إلا إذا أضمرنا فيه «الحكم الشرعي»، وكقول الشخص والله لأعتقن هذا العبد فإنه يلزمه تحصيل الملك له إذْ لا يصح قوله إلا إذا كان مالكاً للعبد.

(57) حديث «وأقضاكم علي»، ورد نحوه من طرق أهل السنة لدى ابن ماجه في سننه، ح (154)، ج1/ ص 55 وقال الألباني: صحيح. ولفظه: «عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب... ». وأخرجه عدد من الحفاظ مثل الطبراني في المعجم الصغير، ح (557)، والآجري في الشريعة ح(1435) وغيرهما.

(58) رواه الصدوق، معاني الأخبار، باب معنى الحوأب والجمل الأدبب، ص 305، و«من لا يحضره الفقيه»، ج 3/ص 75، ورواه الطبرسي، إعلام الورى، ص23. ومن طرق أهل السنة، روت عديد من المصادر السنية الجملة الثانية بسند صحيح مثل: مسند أحمد (6/97) وصحيح ابن حبان (15/126) ومسند إسحق بن راهويه ومصنَّف ابن أبي شيبة (37771) والمستدرك للحاكم (4613) وغيرها، وأما الحديث بالصورة التي نقلها المؤلف فأقرب ما وجدته إليها ما أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، ح (4897) بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب, تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثير، ثم تنجو بعدما قد كادت".

(59) تاريخ الطبري، 3/477، والكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث سنة 36هـ، ذكر ابتداء وقعة الجمل. و(النَّعْثَل) - كما يقول ابن الأثير في النهاية في غريب الأثر- «كان أعداء عثمان يسمّونه نَعْثَلاً تشبيهاً برجل من مِصر كان طويل اللحية اسمُه نَعْثَل، وقيل: النَّعْثَل: الشيخ الأحْمَقُ ومنه حديث عائشة [ اقتُلوا نَعْثَلا قَتَل اللَّه نَعْثَلا ] تَعْني عثمان. وهذا كان منها لمَّا غاضَبَتَهْ وذَهَبَتْ إلى مكة» انتهى.

(60) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 36هـ، ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار، ج 32/ ص 145.

(61) ترضي المؤلف على طلحة والزبير وعائشة جدير بالانتباه رغم خلفيته الشيعية دليل على إنصافه وعدم تعصبه، وأنه من دعاة الإصلاح ونبذ الطائفية والغلو الشيعي وهو أمر جدير بالتقدير والتحسين. بل قد ذكر بعد ذلك (ص 136) بأن طلحة والزبير تابا وندما على ما فعلا واستشهدا، فهو – رغم انتقاده الشديد لموقفهما - يعتبرهما شهيدين.

(62) جزء من حديث رواه الفريقان، فرواه الشيخ المفيد في «الفصول المختارة» ص 136، مرسلاً دون سند، وكذلك المجلسي في بحار الأنوار، ج71 /ص 204. ومن أهل السنة روى نحوه مسلم في صحيحه (1017) والنسائي في سننه (2554) وابن ماجه في سننه (207) وأحمد في مسنده (2/504 و4/357). وهو مشهور ولفظه: «مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» مرويٌّ عن جرير بن عبد الله ونحوه عن أبي هريرة وعن أنس بن مالك بألفاظ مشابهة.

(63) إشارة إلى الآية التي وردت قبلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ..﴾ (النساء/58).

(64) يقصد الآيتين 58 و59 من سورة النساء.

(65) الجهل المركب هو أن تجهل وتجهل أنك تجهل بل تظن نفسك عالماً، أما الجهل البسيط فهو أن تجهل وتعلم أنك غير عالم فلا تدعي العلم.

(66) كان الأولى بالمؤلف أن يأتي هنا بقوله تعالى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام/164).

(67) ذكر المؤلف هنا جملة ﴿ألا لعنةٌ على القوم الظالمين﴾ بوصفها آية! ولكنه أخطأ في ذلك فليس في القرآن مثل هذه الجملة أصلاً!.

(68) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، أيام عمر بن الخطاب، 2/155، وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (597هـ)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: حوادث سنة 17هـ.

(69) هذا ليس بدقيق لأن المعروف الذي ذكره المؤرخون أن عمر بن العزيز (رح) أوقف لعن علي (ع) على المنابر وكتب بذلك إلى الآفاق (انظر على سبيل المثال: اليعقوبي، ج2/ ص 305)؛ وبما أن عمر بن عبد العزيز ولي الخلافة سنة 99هـ، وكان معاوية قد وليها سنة 40هـ فلعن علي عليه السلام على المنابر دام قرابة ستين عاماً وليس مائة.

(70) هذا الترحم عين عبارة المؤلف، وترحمه على الغزالي السني رغم نقده لرأيه دليلٌ على إنصاف المؤلف واعتداله وعدم تعصبه وجدير بالتحسين.

(71) ليس حديثاً نبوياً، ورُوِيَ ما يشبهه عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (ع) ونصُّه: «.. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (ع) فِي رَجُلَيْنِ يَتَسَابَّانِ فَقَالَ: الْبَادِي مِنْهُمَا أَظْلَمُ ووِزْرُهُ ووِزْرُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمَظْلُومُ» (رواه الكليني في الكافي، ج2/ص322).

(72) هذا المعنى مشهور وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة منها ما أخرجه الكليني في الكافي(5/52): «عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلِمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. ثُمَّ قَالَ (أبو جعفر): يَا أَبَا مَرْيَمَ! هَلْ تَدْرِي مَا دُونَ مَظْلِمَتِهِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! الرَّجُلُ يُقْتَلُ دُونَ أَهْلِهِ وَدُونَ مَالِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا أَبَا مَرْيَمَ! إِنَّ مِنَ الْفِقْهِ عِرْفَانَ الْحَقِّ». وروى الكليني أيضاً عن رسول الله (ص): «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهِيد»، وروى الطوسي في التهذيب عن رسول الله (ص) قوله: «مَنْ قُتِلَ دُونَ عِيَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». والحديث وارد في كثير من دواوين حديث أهل السنة كما في سنن أبي داود (4772) وصححه الألباني، وفي سنن الترمذي (1421) ولفظه: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وقَالَ الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه بقية أصحاب السنن وأصحاب المسانيد.

(73) الوزغ: هو سام أبرص من الزواحف ذات الأربع ويُسمى باللغة الشامية: أبو بريص.

(74) العظايا: دويبة ملساء من الزواحف ذات الأربع تُعرف في سواحل الشام بالسقّاية تعدو وتتردد كثيراً وتشبه الوزغ.

(75) نهج البلاغة، ص 422.

(76) انظر المجلسي، بحار الأنوار 9/75. وهذا السبب للنزول ذكرته أيضا كل تفاسير أهل السنة، مثل الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم ذيل تفسيرهم للآية المذكورة.

(77) أخرج نحوه مسلم في صحيحه (2815) وأحمد في مسنده (6/115) عن عائشة ولفظه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلا قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ»، وأخرجه بلفظ مشابه لما ورد في المتن ابن حبان في صحيحه (6417) والبيهقي في دلائل النبوة، عن عبد الله بن مسعود.

(78) نهج البلاغة، ص 346-347، وفيه أن علياً (ع) قال لأخيه: «ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟؟ أتَئِنُّ مِنَ الأذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظَى؟؟».

(79) الشيخ الطوسي، تهذيب ‏الأحكام ج 10 / ص 152، باختصار.

(80) تقدم تخريجه في ص 36 من هذا الكتاب فراجعه.

(81) جواز اجتماع الأمر والنهي في عمل واحد هو من المسائل التي تبحث في علم أصول الفقه، حيث ذهب الجمهور إلى جواز ذلك فِي العمل الْوَاحِدِ ذِي الْجِهَتَيْنِ كَالصَّلاةِ فِي الأرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَتَجِبُ لِكَوْنِهَا صَلاةً وَتَحْرُمُ لِكَوْنِهَا غَصْبًا فيكون الفاعل مُطِيعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِعْلَهُ صَلاةٌ عَاصِيًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَصْبٌ، وخالف في ذلك الإمام أحمدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْجُبَّائِيُّ فقالوا لا يجتمع الأمر والنهي في عمل واحد فلا تصح الصلاة في المثال المذكور ولا تجزئ.

(82) النوري الطبرسي، مستدرك ‏الوسائل ج 12/ ص 229، ومن أهل السنة أخرجه بلفظ قريب من اللفظ المذكور: مسلم في صحيحه (1017) وابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده (4/361) وغيرهم.

(83) النوري الطبرسي، مستدرك ‏الوسائل ج 12/ ص 179، دون جملة «وخليفة كتابه»، ومن طرق أهل السنة رواه المتقي الهندي في كنز العمال (5564) وعزاه إلى الديلمي عن ثوبان. قلت: وأخرجه نعيم بن حماد (228هـ) في كتاب الفتن / باب معرفة الخلفاء من الملوك، حديث (‏238).‏

(84) لم أجده في أي من المصادر الشيعية بهذا اللفظ، والمشهور ما رواه الكليني في الكافي (ج 5/ص56): «عن أبي الحسن (ع): لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»، وروى الشيخ الطوسي في تهذيب ‏الأحكام (ج6/ص 181): «عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ نُزِعَتْ مِنْهُمُ الْبَرَكَاتُ وَسُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَاصِرٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ». أما من طرق أهل السنة فيوجد لفظ قريب لما ذكره المؤلف وهو ما أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ح (8) «عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فليسومنكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم».

(85) أخرج ابن أبي الدنيا في «العقوبات»/باب أسباب العقوبات وأنواعها، ح (‏76)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، ح (7023‏) بسنده عن مكحول، قال: «لا يأتي على الناس ما يوعدون حتى يكون عالمهم فيهم شراً من جيفة حمار».

(86) ما يريد المؤلف قوله هو أن أمر الله تعالى للمسلمين بوحدة الكلمة وعدم التفرق تكليف شرعي قائم بذاته بغض النظر عن كون عقائد هذه الفرقة أو المذهب من المسلمين صحيحة أم فيها بدع وانحرافات، وهو بهذا يأمر قومه من الشيعة أن لا يكونوا من الذين فرقوا دينهم ونابذوا سائر المسلمين العداء بل عليهم أن يحافظوا على وحدة الكلمة والأخوة مع سائر المسلمين لأنها مطلوبة لذاتها ومفروضة من الله تعالى على كل مسلم.

(87) هذا موقف منفتح وجرئ للمؤلف – خاصة إذا أخذنا عصره بعين الاعتبار – فهو لا يرى انحصار النجاة في مذهب الإمامية مطلقا بل النجاة تكون لمن يتمسك بأساس الإسلام والدين والمتمثل باتباع القرآن وسنّة النبيّ (ص) فقط، ولا يهم بعد ذلك أيا كانت مدرسته الفقهية في الفروع أو اسمه المذهبي جعفرياً كان أم حنبليا أم شيعيا أم سنّيا أم زيديا أم سلفياً أم غير ذلك.

(88) يقصد الآيتين اللتين أوردهما في الفصل 11، أي: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ و﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.

(89) تقسيم الأوامر في الشريعة إلى أوامر تعبدية مولوية، وأوامر إرشادية، من مصطلحات علم أصول الفقه لدى الإمامية، ويُقصد بالأمر المولوي التعبدي الأمر الذي ينفع قصده في وقوع متعلقه عبادياً، أما الأمر الإرشادي فهو الأمر بشيء بداعي النصح والإرشاد والتنبيه على أفضليته، مع أن الحكم بوجوبه أو استحبابه ثابت بالحس معروف بالعقل. فالأمر المولوي هو أمر الشارع بما هو مولى وسيد والأمر الإرشادي هو أمر الشارع بما هو ناصح ومرشد. وكلا الأمران قد يكونا واجبين أو مستحبين حسب متعلقهما. وللتوضيح أكثر نقول: الفرق بينهما هو أن الأمر الإرشادي ما كان ناشئا عما في متعلقه من المنفعة والمصلحة بحيث لا يترتب على موافقته سوى تلك المنفعة وعلى مخالفته سوى عدم تلك المنفعة، فهو في الحقيقة بيان لحال المتعلق بأن فيه هذه المنفعة لأن تصير باعثة على الفعل بخلاف الأمر المولوي فإنه وإن كان ناشئاً عن المصلحة الكامنة في الفعل بناء على مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، إلا أنه لا يترتب على موافقته ومخالفته سوى المصلحة الكامنة في الفعل والمفسدة الكامنة في الترك التي هي عبارة عن المثوبة والعقوبة، فليس الغرض منه بيان حال المتعلق بأن فيه المصلحة، بل الغرض منه أن يصير باعثاً للمكلف على الفعل لو لم يكن له باعثٌ آخر. (انظر: كتاب «وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول» تقرير أبحاث السيد أبو الحسن الأصفهاني، تأليف الميرزا حسن السيادتي السبزواري المتوفي سنة 1385هـ، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419هـ، ص 599.).

 

+                +             +

 

 

 

 

 

 

 

 

 

B