بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

فتــح البيـــان

فيما روي عن عليٍّ من تفسير القرآن

 

 

تأليـف العـلامـة المجتهد
مصطفى الحسيني الطبطبائي

 

 

ترتيب ومراجعة وإضافات وحواشي
أ/ سعــــد رستـــــم

مـاجستـير فـي التفسير والحديـث

ماجستير فلسفة في الدراسات الإسلامية

 


 

 

 

 

 

صفحـة مـن القـرآن الكريم بالخط الكوفي منسـوبة
للإمام الربَّاني
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام

 


 

 

 

 

 

عَلِيُّ مَعَ القُرْآنِ والقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَنْ يَفْتَرِقَا...

خاتم النبيين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

 

 

إنَّ الكتَابَ لمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُنْذُ صَحِبْتُهُ...

أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

 

 

إنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حقيقةً، وعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوْرَاً، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوا بِهِ، ومَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ.

أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

 

+++

فهرس المحتويات

+++

فهرس المحتويات.. 4

مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ.. 6

الباب الأول عليٌّ والقرآن. 8

عليٌّ عليه السلام والقرآن. 8

كلامُ عليٍّ عليه السلام في وَصْفِ القرآن. 17

كلامُ عليٍّ عليه السلام في ذَمِّ تفسير القرآن بالرَّأيِ. 19

ظَاهِرُ القُرْآنِ وباطِنُهُ في كَلامِ عَلِيٍّ عليه السلام 22

تَيْسير فَهْمِ القُرْآن ورأيُ عَلِيٍّ عليه السلام في ذلك.. 22

تَرْتِيْبُ سُوَرِ القُرْآنِ في مُصْحَفِ عليٍّ عليه السلام 25

ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في تفسير فاتحة الكتاب.. 28

ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في آية الكرسي. 34

ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المقَطَّعَة 34

ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في مُتَشابِهاتِ القُرْآن. 36

ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ في تفْسِير تَكْليمِ اللهِ تَعَالى. 39

ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في تفسِيْرِ سُورةِ التَّوْحِيْدِ. 40

في تفسيره قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ. 42

تفسير عليٍّ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾. 43

ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام من تفسير "وَجْهِ الله" 44

في تفسيره قوله تعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾. 43 46

في تفسيره قوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ﴾. 43 47

في تفسيره قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾. 43 48

في تفسيره قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾  43 49

في تفسيره لقوله العزيز: ﴿ ..فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. 43 49

تفسيره قوله تعالى: ﴿ ..إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾. 43  وقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾  43  51

الباب الثاني فيما روي عن عليٍّ عليه السلام  من تفسيرٍ لبعض آيات الأحكام والعبادات.. 52

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تعظيم أمر الصلاة 52

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في آية الوضوء 53

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير الصلوة الوسطى. 55

رأيُ الإمامِ عليه السلام في سَبَبِ نُزُولِ سُوْرَةِ بَرَاءَةَ مِنْ دُوْنِ التَّسْمِيَةِ 56

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في كيفية الصلاة  على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. 56

ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في تفسير ما يَتَعَلَّقُ بالدُّعَاءِ 57

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آداب الصلوة 59

ممَّا روي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام فيما يَتَعَلَّقٌ بصلوة الجُمُعَةِ 61

عزائم السجود في القرآن عند عليٍّ عليه السلام 64

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في بيان نوافل الصبح والمغرب.. 65

ما روى عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في بيان ملازمة الصلوة والزكوة 66

مما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام فيما يتعلَّق بآي الصيام 67

مما روي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام فيما يتعلَّق بآي الحجّ. 69

مما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في آيِ الجهادِ في سَبِيلِ اللهِ. 73

مما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في آيِ الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المُنْكَرِ 76

ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آية كفّارة الحنث باليمين. 77

مما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آيِ النِّكاحِ والطَّلاقِ. 78

مما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آيِ الوصية والميراث.. 82

الباب الثالث ما روى عن علي عليه السلام  في تفسير المتفرقات من مسائل القرآن. 83

الباب الرابع اقتباسات الإمام علي عليه السلام من القرآن الكريم. 101

قائمة المراجع والمصادر 115

 


 

+++

مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ

+++

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ذي النعم المتتابعة والآلاء المتواترة والآيات اللامعة والحجج البالغة، حمداً نتوسل به إلى سعة غفرانه ونقترب به إلى عظيم رضوانه، ونسأله أن يصلى على من اصطفاه لتبليغ أمره وأداء رسالته واجتباه لإكمال دينه وإتمام نعمته، محمد الذي ختم به النبيين وأرسله رحمة للعالمين، وعلى آله الهداة المهديين، لاسيما على يعسوب المؤمنين علي إمام المتقين ما طلع نجم في السماء وتعاقب الصباح والمساء وبعد،

لقد من الله تعالى على هذه الأمة إذ أرسل إليهم رسولاً ذا خلق عظيم وأنزل عليه ﴿ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر:28] كتاباً مبيناً ﴿ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾  43 [المائدة:16] ﴿ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾  43 [الزمر:23] ولو أنزله سبحانه تعالى ﴿ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾  43 [الحشر:21]. وقد نزله - جل ذكره - على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ليتدبر الناس آياته وليتعظ أرباب العقول بمواعظه، فقال عز من قائل: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾  43 [ص:29]. فكان ممن سارع في أمر ربه وسابق إلى طاعة مولاه, علي بن أبي طالب الذي كان ذا ﴿ أُذُنٍ وَاعِيَةٍ ﴾  43 لكلام الله، وقلب عقول لفهم كتابه، فصار عليه السلام عارفاً بمحكمه, مؤمناً بمتشابهه, عاملاً بأمره, نائياً عن نهيه, قاتل على تأويله كما قاتل رسوله الله عليه وآله وسلم على تنزيله، فهو إمام المفسرين بعد رسول رب العالمين. اقتبس منه علم التفسير ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأخذ المفسرون عن ابن عباس وهم عيال عليه في تفسير القرآن. إلا أن جميع آثاره عليه السلام في التفسير لم تصل إلينا، ولم نجد إلا قليلاً منها متفرقاً في الكتب كالدرر المنثورة، فأحببت أن أذكر - بعون الله العظيم - في كتاب، مكانة الإمام عليه السلام من القرآن، واهتمامه بحفظه وجمعه وقراءته وتفسيره وتعليمه، وأن أشرح نبذةً من طرائف تفسيره، وظرائف تعبيره، حيث كان عليه السلام من أمراء الكلام وفرسان ميادين البيان(1)، وشرطت على نفسي أن لا أجمع من الروايات إلا ما وافق منطوق القرآن أو مفهومه وتركت منها ما لا يوافق ظاهر الكتاب مما رواه الوضاعون والغلاة، فهذا هو المعيار الأول والمقياس الأهم في قبول الآثار ومعرفة صحيح الأخبار، كما روي عن الأئمة الأبرار عليهم السلام متواتراً(2).

وقد تساهل العلماء في رواية التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث وإنما تساهلوا في الأخذ عنهم لأن ما فسروا به ألفاظه، تشهد به لغات العرب، وما شرطت على نفسي من موافقة ظاهر القرآن وسياقه أوثق من شرطهم، وهم أوردوا ما روي عن الكلبي ومقاتل والضحاك وأشباههم في كتبهم، وأنا ذاكر بعض ما روي عن رباني هذه الأمة والإمام المتفق على عظيم منزلته ورفيع قدره علي بن أبي طالب عليه السلام الذي أخذ القرآن والعلم عن فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال عليه السلام عندما سئل: مالك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثا؟ فقال: إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني(3).

أسأل الله - تقدست أسماؤه - أن ينفع بكتابي هذا كل من طلب الهدى من القرآن فآثره على ما سواه، وعصمني الله سبحانه من الزيغ والزلل في القول والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

 

كتبـه بيمنـاه الداثـرة

مصطفى الحسيني الطباطبائي

عفي عنه

+                      +                    +

 

 


الباب الأول
عليٌّ والقرآن

+++

عليٌّ عليه السلام والقرآن

+++

كان علي عليه السلام من كتبة الوحي النبوي وكان واعيا للقرآن الكريم قد تمكن كتاب الله عز وجل في صدره، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾  43 [العنكبوت:49] فتجلى القرآن في عمله وحكمه وحروبه. وإليك لمعة مما أشرق من القرآن في شؤون حياته عليه السلام:

1- روى أبو جعفر الطبري في تفسيره بإسناده عن على بن حوشب، قال: سمعت مكحولاً(4) يقول: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾  43 ثم التفت إلى علي، فقال: "سألت الله أن يجعلها أذنك"، قال علي رضي الله عنه: فما سمعت شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته»(5).

2- روى "محمد بن سعد" في كتاب الطبقات الكبرى بإسناده عن سليمان الأحمسي عن أبيه قال: قال علي عليه السلام: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت(6)، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقاً»(7).

3- وإنا لنجد في كتاب الله تعالى آية لم يعمل بها أحد من هذه الأمة إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناده عن مجاهد(8)، في قوله: ﴿ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾  43 قال: «نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدم دينارا فتصدق به، ثم أنزلت الرخصة في ذلك»، وروى بإسناده عن مجاهد أيضاً قال: قال علي رضي الله عنه: «إن في كتاب الله عز وجل لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾  43 [المجادلة:12] قال: فرضت، ثم نسخت»(9).

4- أخرج "ابن أبي داود" في كتاب "المصاحف" من طريق ابن سيرين(10) قال: «لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقسم علي عليه السلام أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل».

أقول: قد رأى محمد بن إسحق النديم هذا المصحف في زمانه عند أبي يعلى حمزة الحسني وشهد على ذلك في كتابه المسمى بـ"الفهرست" وسيأتي بيان ترتيب السور في هذا المصحف إن شاء الله.

5 - صوب علي عليه السلام رأي عثمان في المصاحف بعدما حضر مجلسه ودخل في ملأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روى أبو جعفر الطبري في تاريخه عن سويد غفلة الجعفي(11) قال: لا أحدثكم إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي من علي بن أبي طالب عليه السلام سمعته يقول: «لا تسموا عثمان شقاق المصاحف فوالله ما شققها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد ولو وليتها لعملت فيها مثل الذي عمل»(12).

6- اهتم علي عليه السلام بتصحيح كتابة القرآن كما روي في "المناقب" لابن شهر آشوب: أن زيد بن ثابت لما قرأ "التابوة" قال علي عليه السلام: اكتبه "التابوت" فكتبه كذلك(13).

7- قيل أن أفصح القراءات قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي وعاصم قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام.

8- العدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام فإنه سمع ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو علي الطبرسي في "مجمع البيان": «روى الأستاذ أحمد الزاهد في كتاب "الإيضاح" بإسناده عن سعيد بن المسيب(14) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن؟ فأخبرني بثواب سوره سورةً سورةً على نحو ما نزلت من السماء (إلى أن قال)، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفا، لا يرغب في تعلم القرآن إلا السعداء ولا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن)»(15).

9- إن علياً عليه السلام كان يعلم الناس القرآن، وهم يقرؤون عليه لتقويم قراءتهم، كما روي عن أبي مريم زر بن حبيش(16) قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره في المسجد الجامع بالكوفة على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام(17). وكما روي عن رزين بن حصين(18) رضي الله عنه قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما بلغت الحواميم، قال لي: قد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت اثنتين وعشرين آية من ﴿ حم عسق ﴾  43 بكى ثم قال: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ورجوت رحمتك والفوز بالجنة والنجاة من النار، ثم قال: يا رزين، إذ ختمت فادع بهذه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن ﴾  43 (19).‏

وروى السيوطي في الدر المنثور قال: «أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت أقرئ الحسن والحسين، فمر بي علي بن أبي طالب وأنا أقرئهما فقال لي: «أقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء».‏

10- إن علياً عليه السلام لم يكتف بتعليم القراء،بل كان يمشي في الأسواق وحده، وهو بذاك يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليهم القرآن ويقرأ: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾  43 [القصص:83](20).

11- وكان علي عليه السلام يستنبط استنباطات دقيقة من القرآن تعكس فهمه العميق المتميز لكتاب الله وفقهه النير الذي لا يبارى في القرآن الكريم، وهو فقه خصه الله تعالى به وفتح به عليه، وقد حدث بهذه النعمة الإلهية، فكان يقول لمن سأله فيما إذا كان لديهم أهل البيت كتاب خاص من رسول الله أو وحي سوى القرآن، وغير ما لدى سائر المسلمين؟؟، فيقول: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة(21)»(22) أو يقول: «لا! ما عندنا إلا ما في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، إلا أن يعطي الله عز وجل عبداً فهماً في كتابه»(23).

ومن أمثلة استنباطاته اللطيفة والدقيقة من القرآن الكريم استنباطه عليه السلام، أقل مدة الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾  43 [الأحقاف:15] وقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾  43 [البقرة:233]، لأننا إذا طرحنا سنتي الرضاعة من الثلاثين شهرا المذكورة لكلي الحمل والفطام من الرضاعة بقيت ستة أشهر مدة الحمل!

و روى المفسرون أن رجلاً تزوج من امرأة فولدت له تماما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان (وفي بعض الروايات أنه انطلق إلى عمر بن الخطاب) فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ قال علي عليه السلام: أما سمعت الله تعالى يقول ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾  43 [الأحقاف:15] وقال: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾  43 [البقرة:233] فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟(24).

12- وكان علي عليه السلام يحاج أعداءه بالقرآن كما أثبت المؤرخون احتجاجاته مع الخوارج وغيرهم. من ذلك ما رواه الدينوري في "الأخبار الطوال": حيث يقول: قالت الخوارج لعلي عليه السلام: «إنا كفرنا حين رضينا بالحكمين وقد تبنا إلى الله من ذلك فإن تبت كما تبنا فنحن معك وإلا فأذن بحرب فإنا منابذوك على سواء! فقال لهم علي عليه السلام: أشهد على نفسي بالكفر؟! ﴿ ..قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين   43 [الأنعام:56]، ثم قال عليه السلام: ليخرج إلي رجل منكم ترضون به حتى أقول ويقول، فإن وجبت علي الحجة أقررت لكم وتبت إلى الله، وإن وجبت عليكم فاتقوا الذي مردكم إليه. فقالوا: لعبد الله بن الكواء - وكان من كبرائهم-: اخرج إليه حتى تحاجه! فخرج إليه. فقال علي عليه السلام: يا ابن الكواء! ما الذي نقمتم علي؟ بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي؟! فهلا برئتم مني يوم الجمل؟! قال ابن الكواء: لم يكن هناك تحكيم. فقال علي عليه السلام: يا ابن الكواء! أنا أهدى أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ابن الكواء: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما سمعت قول الله عز وجل: ﴿ ...فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ   43 [آل عمران:61] أكان الله يشك أنهم كاذبون؟ قال: إن ذلك كان احتجاجاً عليهم وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين! فنحن أحرى أن نشك فيك! قال علي عليه السلام: وإن الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ﴾  43 [سورة القصص:49]، قال ابن الكواء: ذلك أيضاً احتجاج منه عليهم! فلم يزل علي عليه السلام يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه. قال ابن الكواء: أنت صادق في جميع ما تقول غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين!»(25).

وزاد الطبري في تاريخه: فقال علي عليه السلام: «إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال» قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟؟ قال: «ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، أدخلوا مصركم رحمكم الله!»(26).

13- وكان علي عليه السلام يستشهد في مكاتباته بأي القرآن كما أورد اليعقوبي في تاريخه نبذةً منها، ومن ذلك كتابه عليه السلام إلى "يزيد بن قيس الأرحبي"(27): أما بعد، فإنك أبطأت بحمل خراجك، وما أدري ما الذي حملك على ذلك. غير أني أوصيك بتقوى الله وأحذرك أن تحبط أجرك وتبطل جهادك بخيانة المسلمين، فاتق الله ونزه نفسك عن الحرام، ولا تجعل لي عليك سبيلا، فلا أجد بداً من الإيقاع بك، وأعزز المسلمين ولا تظلم المعاهدين، ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾  43 [القصص:77](28).

14- وكان عليه السلام إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته وقال: الحمد لله رب العالمين على نعمه علينا وفضله العظيم ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾  43 [الزخرف:13و14] ثم يوجه دابته إلى القبلة ثم يرفع يديه إلى السماء ثم يقول: «اللهم إليك نقلت الأقدام وأفضت القلوب ورفعت الأيدي وشخصت الأبصار، نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ﴾  43 [الأعراف:89] سيروا على بركة الله!»(29).

15- وكان عليه السلام إذا أراد الغزو حرض أصحابه على القتال بآي القرآن فقال: «إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب وتشفي بكم على الخير، إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر، فأخبركم بالذي يحب فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾  43 [الصف:4]»(30).

16- وكان عليه السلام إذا أبصر بعض أصحابه، بشره بقراءة القرآن، كما روي أنه: أتى سليمان بن صرد الخزاعي(31) علياً أمير المؤمنين عليه السلام ووجهه مضروب بالسيف، فلما نظر إليه علي عليه السلام قال: ﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً   43 [الأحزاب:23] فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل(32).

17- وكان عليه السلام يكتب إلى أمراء الأجناد فيذكرهم بالقرآن فكتب:  ...فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان وخذوا على أيدي سفهائكم واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاءنا فإن الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً   43 [الفرقان:77](33).

18- وربما أنشد أحد الشعر عند علي أمير المؤمنين علي عليه السلام فأمره أن يقرأ القرآن مكان شعره، كما روي أنه عليه السلام لما انتهى إلى مدينة بهرسير (في مسير صفين) إذا رجل من أصحابه يقال له "حر بن سهم بن طريف" من بني ربيعة بن مالك، ينظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي(34)

جرت الرياح على مكان ديارهم                فكـأنـمـا كـانوا على ميعاد

فقال علي عليه السلام: «أفلا قلت: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ﴾  43 [الدخان:25-29] إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين. إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية. إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم»(35).

19- وربما أعذر أحد عنده فعذره عليه السلام ورفع عنه اللوم بآية من القرآن كما روي أنه لما رجع من صفين وانتهى إلى النخيلة رأى شيخاً في ظل بيت على وجهه أثر المرض فسلم عليه فرد رداً حسناً فسأله عن حاله وبشره برحمة الله وغفرانه وقال له: «هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى بي من لحب الحمى خذلني عنها. قال علي: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾  43 [التوبة:91](36).

20- وكان علي عليه السلام يكثر من مدح القرآن ويثني على أهله خيراً بأبلغ بيان وأحسن الكلام وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

21- وكان من وصيته عليه السلام لما حضره الموت أنه قال: «..والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم!»(37).

هكذا كان علي مع القرآن والقرآن مع علي كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. روى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فرأيتها تبكي وتذكر علياً! قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة»(38).

 

*     *    *

*     *

 

+++

كلامُ عليٍّ عليه السلام في وَصْفِ القرآن

+++

إن عليا عليه السلام كثيراً ما ندب أصحابه إلى القرآن، وبين فضله بأبلغ البيان، فما نرى أحداً من العلماء وصف القرآن كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام، لأن علياً كان قلبه مرآة القرآن وعمله ثمرةً لهذه الشجرة المباركة، فينبغي لنا أن نسكت في هذا المقام ونفوض نعت القرآن إلى علي عليه السلام (وفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل!)؛ فاستمع إلى كلام تشد الرحال فيما دونه:

1-  قال عليه السلام: «بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ومن طاعة الشيطان إلى طاعته بقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه، وليقروا به بعد إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم، وأراهم عفوه كيف عفا، وأراهم قدرته كيف قدر، وخوفهم من سطوته، وكيف خلق ما خلق من الآيات، وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات، وكيف رزق وهدى وأعطى»(39).

2-  وقال عليه السلام: «واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدًى أو نقصان من عمًى. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنىً؛ فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاءً من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله، واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق»(40).

3-  وقال عليه السلام: «وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والري الناقع، والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق، لا يعوج فيقام، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع، من قال به صدق، ومن عمل به سبق»(41).

4-  وقال عليه السلام: «وإن الله سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره»(42).

5-  وقال عليه السلام: «فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه، أخذ عليه ميثاقهم وارتهن عليهم أنفسهم، أتم نوره وأكمل به دينه، وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به»(43).

6-  وقال عليه السلام: «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، ولكن أخبركم عنه: إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم»(44).

7-  وقال عليه السلام: «تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص»(45).

8-  وقال عليه السلام: «وكتاب الله بين أظهركم، ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه»(46).

9-      وقال عليه السلام: «وفي القرآن نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم»(47).

10-        وقال عليه السلام: «إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به»(48).

 


+++

كلامُ عليٍّ عليه السلام في ذَمِّ تفسير القرآن بالرَّأيِ

+++

قسم الإمام علي عليه السلام العباد في كلامه إلى فئتين، فئة قامعة لهواها، تابعة لكلام ربها تحل حيث حل القرآن، فالقرآن إمامها وقائدها. وأخرى من أهل الزيغ والهوى، وتحميل الرأي على القرآن، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم! فقال في وصف رجل من الفئة الأولى:

«قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غايةً إلا أمها ولا مظنةً إلا قصدها قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ثقله وينزل حيث كان منزله»(49).

 ثم وصف عليه السلام رجلاً آخر من الفئة الثانية فقال: «و آخر قد تسمى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه»(50).

وقال عليه السلام أيضاً: «و إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي‏ء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه! ولا في البلاد شي‏ء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا، فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره، ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فريةً وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة(51)».

أقول: أصل هذا الكلام مروي عن رسول الله فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام شطراً منه وبينه بأفضل بيان وتفصيل. روى الكليني في الروضة من الكافي بسنده عن أبي عبد الله الصادق قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود»(52).

وقال عليه السلام أيضا في النهي عن تفسير القرآن بالرأي: «فإنه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلًى في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم واتهموا عليه آراءكم واستغشوا فيه أهواءكم»(53).

أقول: لا ريب أن القرآن الكريم نزل من عند الله رب العالمين ليتدبر الناس آياته وليهتدوا به، فالمراد من التفسير بالرأي المنهي عنه في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، تحميل الرأي المتخذ من المسالك المختلفة على القرآن كما هو معمول به عند أرباب المذاهب:

فكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى         وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا

وأما من ترك تأويلات الصوفية ونسي الآراء الفلسفية وأعرض عن الأقوال الكلامية وأمثالها وتمسك بحبل القرآن وطلب حل مشكل القرآن من نفسه وفسر آيةً منه بآية أخرى، أو بسنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد هدي إلى صراط مستقيم. هذا هو المنهج الحق في تفسير القرآن المبين وقد أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه فقال:

«كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله»(54)

وقال عليه السلام: «و اردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ ﴾  43: فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة»(55).

فعلى المفسر أن يسير إلى ما يتجه إليه القرآن ويسكت فيما سكت الله عنه فلا يتكلف نفسه في صرف مدلولات الآيات عن ظواهرها، ولا يجاوز حدود الله سبحانه في كلامه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها»(56).

وذلك هو المنهج العلوي في تفسير الذكر الحكيم.

 

*     *    *

*     *


 

+++

ظَاهِرُ القُرْآنِ وباطِنُهُ في كَلامِ عَلِيٍّ عليه السلام

+++

المشهور بين المسلمين أن للقرآن الكريم ظهراً وبطناً، كما وجدنا هذا المعنى في كلام أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول:

«.. وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به»(57).

فتعلقت طائفة بهذا الكلام وصرفوا معنى القرآن عن وجهه فوضعوه في غير موضعه، وأتوا في تأويل باطن الكتاب بما لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمثاله، ولا عن الصحابة والتابعين أشباهه! والصواب أن المراد من ظاهر القرآن هو فصيح لغته وعجيب نظمه، وغريب أسلوبه، والمقصود من باطن القرآن عمق معناه ولطف مفهومه كما رووا عن علي عليه السلام أنه قال:

«ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة والباطن الفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العبد بها»(58).

فباطن القرآن كما صرح به في هذه الرواية هو عمق مفاهيمه، وذلك يدرك بالتدبر والتأمل. وأما ما حكي في الروايات الشاذة عن باطن القرآن مما لا يدل عليه الكتاب بوجه من الوجوه، فليس من باطن كتاب الله عز وجل، فكيف يعد من معاني القرآن ما لا يدل القرآن عليه بدلالة لفظية ولا معنوية؟! والأقرب أن تلك الروايات الشاذة من وضع الباطنية والفرق الضالة، وضعوها للتغرير بالناس ودعوتهم إلى مذاهبهم المبتدعة.

تَيْسير فَهْمِ القُرْآن ورأيُ عَلِيٍّ عليه السلام في ذلك

ذهبت طائفة من المسلمين إلى أن القرآن الكريم بعيد معناه عن فهم البشر لا يدركه إلا النبي الخاتم والإمام المعصوم. وهذا رأي غير سديد وظاهر البطلان يخالف دعوة الله تعالى عباده إلى التفكر في القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم، ويضاد حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك كما رواه عنه علي بن أبي طالب عليه السلام: فأما دعوة الله تعالى فتجدها في قوله العزيز: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾  43 [القمر:17-22-32-40].

وقوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾  43 [ص:29].

وقوله عز شأنه: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾  43 [النساء:82]. ومثله قوله تعالى: ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾  43 [محمد:24].

وأما حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد رواه "الحارث الأعور" عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يلي: «عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ﴾  43، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور»(59).

رواه من أهل السنة الترمذي والدارمي في سننهما، ومن الإمامية محمد بن مسعود العياشي في تفسيره مع اختلاف يسير في ألفاظه.

وفي الحديث ما يدل على أن طائفة من الجن قد فهموا القرآن، حيث علموا أنه: ﴿ يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ ﴾  43 وآمنوا به، فكيف لا يفهمه البشر وقد نزل القرآن بلسانهم؟!

والحديث أيضاً شاهد على أن الذين يطلبون الهدى في غير القرآن فلا يهديهم الله إلى صراط مستقيم، فهل يجوز أن يقال الرجوع إلى القرآن لطلب الهدى باطل أو عبث بلا فائدة؟!

فالحق أن القرآن نزل بياناً للناس ليفهموا معالمه وليعرفوا مقاصده، ومع ذلك جائز أن يقال: إن لفهم دقائق القرآن ومعرفة نكته، درجات ومراتب، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى درجته، وعلي عليه السلام في مرتبة سامية منه، ولهذا لما سئل: هل عندكم (أهل البيت)كتاب؟ (أي كتاب خاص بكم) قال: «لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟...الحديث» رواه البخاري في صحيحه(60)، ورواه الكاشاني في تفسيره ولفظه: «إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن»(61).

وهذا يدل على جواز استخراج العبد المسلم من القرآن ما لم يفهمه غيره.

و روي أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «من فهم القرآن فسر جمل العلم»(62).

وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه السلام:

«ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين! قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره. ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه»(63).

فحاصل الكلام أن القرآن الكريم قد نزل من عند الله جل وعلا ليعرفه الناس ويتدبروه ويهتدوا به، فمن كان سعيه في هذا المجال أكثر، كان حظه من القرآن أوفر. وذلك ما عرفناه من كلام أمير المؤمنين سلام الله عليه ورحمته وبركاته.

 

 


 

+++

َرْتِيْبُ سُوَرِ القُرْآنِ في مُصْحَفِ عليٍّ عليه السلام

+++

ترتيب الآيات في كل سورة من القرآن كان بتعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيفه، ولم يكن مجالاً للرأي والاجتهاد فيه، وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن، فلم يكن توقيفياً كله، بل كان كثير منه باجتهاد من الصحابة، يدل عليه أن مصاحف الصحابة مثل مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه ومصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومصحف علي بن أبي طالب عليه السلام كانت مختلفة في ترتيب السور. والمصاحف تكتب لأجل تلاوتها فكما يجوز أن تتلى السور في المصاحف على غير ترتيب نزولها فكذلك جائز كتابتها على غير ذلك الترتيب.

ومع هذا فإن احترام ترتيب السور على النمط الذي نراه اليوم أمر واجب لأنه وقع عن إجماع الصحابة، ووافقهم على ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

فأما مصحف علي عليه السلام الذي كتبه بخطه فقد رآه من المصنفين الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام من أئمة الزيدية، الذي توفى سنة 298 من الهجرة, فذكر في كتابه المسمى بـ"الأحكام" أنه وجد مصحف علي عليه السلام عند عجوز من آل الحسن (سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم) عليه السلام فكان على ما في أيدي الناس(64). وفي المائة الرابعة قد رأى محمد بن إسحاق النديم أيضاً مصحفاً بخط علي بن أبي طالب عليه السلام عند أبي يعلى الحسني وأخبر بذلك في كتابه المسمى بـ"الفهرست" فقال:

"ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف(65)..".

ومما يستدعي الأسف فقدان ذكر ذلك الترتيب من كتاب "الفهرست" في جميع النسخ التي وصلت إلينا ومع هذا يوجد ترتيب نزول السور برواية أمير المؤمنين علي عليه السلام في آثار المتأخرين من العلماء كما جاء في تفسير "مجمع البيان" لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (من علماء الإمامة في القرن السادس) وفي تفسير "مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار" لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني (من أعلام المائة السادسة) وفي كتب غيرها على اختلاف في ترتيب بعض السور.

و نحن نرجح الترتيب الذي روي عن علي عليه السلام في الجزء الأول من كتاب "مقدمتان من علوم القرآن" على غيره لأن مصنفه قد أورد رواية الإمام عليه السلام من دون تقطيعها، بخلاف الشيخ أبي علي الطبرسي، فإنه ذكر شطراً منها وحذف الباقي(66). وأما رواية الشهرستاني عن مقاتل بن سليمان عن علي عليه السلام ففيها أخطاء كثيرة تمنعنا عن الاعتماد عليها.

فالمصنف المشار إليه (وهو أحد علماء المغاربة) روى بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: «سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب كل سورة على نحو ما أنزلت من السماء وبأن أول ما أنزل عليه بمكة فاتحة الكتاب, ثم: إقراء باسم ربك, ثم: ن والقلم, ثم: يا أيها المدثر, ثم: يا أيها المزمل, ثم: إذا الشمس, ثم: سبح اسم ربك, ثم: والليل, ثم: والفجر, ثم: والضحى, ثم: ألم نشرح, ثم والعصر, ثم: والعاديات, ثم: الكوثر, ثم: ألهاكم, ثم: أرأيت, ثم: الكافرون, ثم ألم(67)، ثم: الفلق, ثم: الناس, ثم: الإخلاص, ثم: عبس, ثم: إنا أنزلناه, ثم: والشمس, ثم: البروج, ثم: والتين, ثم: لإيلاف, ثم: القارعة, ثم: القيامة, ثم: همزة, ثم: المرسلات, ثم: البلد, ثم: الطارق, ثم: الساعة, ثم: ص, ثم: المص, ثم: قل أوحى, ثم: يس, ثم: الفرقان, ثم: الملائكة, ثم: كهيعص, ثم: طه, ثم: الواقعة, ثم: الشعراء, ثم: النمل, ثم: القصص, ثم: سبحان, ثم: يونس, ثم: هود, ثم: يوسف, ثم: الحجر, ثم: الأنعام, ثم: الصافات, ثم: لقمان, ثم: سبأ, ثم: الزمر, ثم: الحواميمات يتبع بعضها بعضاً, ثم: الذاريات, ثم: الغاشية, ثم: الكهف, ثم: النخل, ثم: إنا أرسلنا, ثم: إبراهيم, ثم: الأنبياء, ثم: المؤمنون, ثم: الم السجدة, ثم: والطور, ثم: الملك, ثم: الحاقة, ثم: سأل سائل, ثم: عم يتساءلون, ثم: النازعات, ثم: انفطرت, ثم: الروم, ثم: العنكبوت, ثم: المطففين, ثم: انشقت.

وما أنزل بالمدينة أول سورة: البقرة, ثم: الأنفال, ثم: آل عمران, ثم: الأحزاب, ثم: الممتحنة, ثم: النساء, ثم: إذا زلزلت, ثم: الحديد, ثم: سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ثم: الرعد, ثم: الرحمن, ثم: هل أتى, ثم: الطلاق, ثم: لم يكن, ثم: الحشر, ثم: إذا جاء نصر الله, ثم: النور, ثم: الحج, ثم: المنافقون, ثم: المجادلة, ثم: الحجرات, ثم: التحريم, ثم: الجمعة, ثم: التغابن, ثم: الفتح, ثم: المائدة, ثم: التوبة, ثم: النجم, فهذا ما أنزل بالمدينة(68) الحديث»(69).

أقول: إن هذه الرواية من أهم الروايات في ترتيب السور القرآنية كما أنزلت من السماء، ومع الأسف قد وقع فيها نقص وخلل، حيث لا يوجد فيها سورة المسد (ومكانها بعد المزمل)(70) وسورة الصف (وموضعها بعد التغابن) (71) ووضعت سورة "النجم" في آخرها وهي مكية نزلت بعد سورة الإخلاص كما روي في مجمع البيان(72) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه وقد نزلت سورة هود أيضاً قبل سورة يونس كما يشهد عن ذلك بعض آياتهما(73).

وفي ظني أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام جمع القرآن مرتين، مرة جمعه على ترتيب نزوله وأخرى على النمط الذي نراه اليوم في المصاحف كما شهد عليه الهادي يحيى بن الحسين في المائة الثالثة وقال كان مصحفه عليه السلام على ما في أيدي الناس.

وروى اليعقوبي جمعاً ثالثاً لأمير المؤمنين عليه السلام جزء فيه القرآن على سبعة أجزاء(74). والله تعالى أعلم.

 


 

+++

ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في تفسير فاتحة الكتاب

+++

سورة الفاتحة أول سورة مكية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما وجدناه في رواية الإمام علي عليه السلام حيث قال: «أول ما أنزل عليه صلى اله عليه وآله وسلم في مكة فاتحة الكتاب»(75).

وإليك ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في شأن هذه السورة المباركة:

1-        أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثانى فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾  43، فقيل له إنما هي ست آيات! فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم آية»(76).

أقول: يؤيد هذا القول ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرؤا ﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ   43 إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها ﴾  43 أخرجه الدارقطني وصححه، والبيهقي في السنن»(77).

ومن طريق الإمامية روى محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي بإسناده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله عز وجل قال لي: يا محمد! ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾  43 (78)، فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم، وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش»(79).

قلت ويؤيد ذلك أيضا جهر علي عليه السلام بالبسملة في الفاتحة وفي كل سورة كما رواه السيوطي في الدر المنثور فقال:

وأخرج البزار والدارقطني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب، وعمار يقولان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات بـ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم   43 في فاتحة الكتاب.

وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: "كان النبي يجهر ب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم   43 في السورتين جميعا. وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي"كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟ قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين   43 قال: قل ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم   43 (80).

وروى ابن بابويه القمي في كتاب "التوحيد" أن رجلاً سأل علي بن الحسين عليهما السلام عن معنى " ﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ   43؟ فقال: حدثني أبي عن أخيه الحسن عليه السلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أن رجلاً قام إليه فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن بسم الله الرحمن الرحيم ما معناه؟ فقال: إن قولك «الله» أعظم اسم من أسماء الله عز وجل، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمى به غير الله، ولم يتسم به مخلوق ﴾  43. فقال الرجل: فما تفسير قوله «الله»؟ قال: ﴿ هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه وتقطع الأسباب من كل من سواه، وذلك أن كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وإن عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه أما تسمع الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ أرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ   43، فقال الله عز وجل لعباده أيها الفقراء إلى رحمتي إني قد ألزمتكم الحاجة إلي في كل حال وذلة العبودية في كل وقت فإلي فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته فإني إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم وإن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم فأنا أحق من سئل وأولى من تضرع إليه فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم بسم الله الرحمن الرحيم أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا يحق العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث، المجيب إذا دعي، الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين وجعله سهلاً خفيفاً، وهو يرحمنا بتميزنا من أعدائه. ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حزنه أمر تعاطاه فقال بسم الله الرحمن الرحيم وهو مخلص لله يقبل بقلبه إليه لم ينفك من إحدى اثنتين إما بلوغ حاجته في الدنيا وإما يعد له عند ربه يدخر لديه وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين»(81).

 أقول: الرحمن والرحيم كلمتان مأخوذتان من الرحمة، والرحيم أرق من الرحمن، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "فالرحيم أرق من الرحمن وكلاهما رفيقان(82)". وهذا المعنى بين في كلام الإمام عليه السلام، حيث حمل معنى الرحمن على الذي يرحمنا ببسط الرزق علينا، والرحيم على من يرحمنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا بالتسهيل علينا والتخفيف عنا، كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا   43 [النساء:28].

ولا يخفى أن الرقة من صفات الخلق ولا يوصف بها الخالق فالمراد بالرقة في الحديث: آثارها من الإنعام والتخفيف والعفو كما قال الإمام علي عليه السلام في شأنه سبحانه: «بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة»(83).

2-        روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: «الرحمن الرحيم ينفي بهما القنوط عن خلقه»(84).

3-        وأخرج البيهقي عن علي قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سريةً من أهله فقال: اللهم لك علي إن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك. فما لبثوا أن جاؤا سالمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله» على سابغ نعم الله. فقلت: يا رسول الله! ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره، فقال: أو لم أفعله؟!».

أقول: المراد من "الحمد" الشكر الكامل تارةً، والثناء التام تارةً أخرى، كما روي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليس شيء أحب إلى الله تعالى من الحمد ولذلك أثنى على نفسه فقال: الحمد لله»(85).

4- قال أبو الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسير قوله تعالى: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ   43 (رووا عن أمير المؤمنين عليه السلام أن معناه: ثبتنا»  43(86).

5-   وقال الطبرسي: قيل في معنى "الصراط المستقيم" وجوه:

أحدها: أنه "كتاب الله" وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(87).

أقول: أشار الشيخ أبو علي إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رواية علي عليه السلام حيث قال: «..كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، (إلى قوله):...وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم»(88).

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ   43 [الإسراء:9]

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا   43 [الأنعام:126]

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ   43 [الأنعام:153].

وقد فسر "الصراط المستقيم"، في كتاب الله عز وجل، بالعبودية الخالصة كما قال سبحانه: ﴿ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ   43 [يس:61]. ولما قال إبليس لعنه الله: