بسم الله الرحمن الرحيم

 

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾

 

 

مفتاح فهم القرآن

 

 

تأليف المرحوم

 المصلح الشهير والعلامة المُعَظَّم آية الله

شــريعت ســنكلجي

(1308 - 1362هـ = 1890 – 1943م)

الطبعة الخامسة

 

تعريب وتقديم وتحقيق

سـعد رسـتم

 

 

 

 

 

 

 

P

 

مقدِّمة المترجم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لِـلَّهِ رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الطيِّبين الطاهرين، وصحبه الأخيار الميامين، وبعد،

فمما لا شك فيه أن الابتعاد عن القرآن الكريم أهم سبب من أسباب انتشار الأفكار الخاطئة والبدع المضلة بين المسلمين، وأهم سبب لوقوع الفرقة والاختلاف بينهم؛ كما أنه مما لا ريب فيه أن العودة إلى كتاب الله تعالى والاستظلال بظله والاعتصام بحبله هو السبيل الوحيد للخلاص من كل ما شاب عقائد المسلمين وممارساتهم من شوائب بعيدة عن روح الإسلام، وهو الطريق الكفيل بإيجاد الاتحاد من جديد بين أبناء الأمة، وهذا ما بينه الله عز وجل بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا...﴾ [آل عمران/103]، حيث فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حبلَ الله بالقرآن فقال: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض»(1)، كما أمر الله عزَّ وجلَّ بالعودة إلى القرآن عند التنازع والاختلاف بوصفه العصمة من الضلال فقال: ﴿..فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء/59]، فهذه الآية الكريمة تحدِّد بشكل كلِّيٍّ المرجع الذي يجب أن يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف والتنازع، وهو الرد إلى الله والرسول، فالردُّ إلى الله، الأخذ بمحكم كتابه، والردُّ إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرّقة.

وقد ورد مثل هذا التفسير عن سيد العترة النبوية وأميرها أسد الله الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال: «وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ الحَبْلُ المَتِينُ، وَالنُّورُ المُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ، لا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ ووُلُوجُ السَّمْعِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ..»(2). وقال أيضاًَ: «إنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حقيقةً، وعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوْرَاً، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوا بِهِ، ومَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ(3).

فالعودة إلى القرآن والاعتصام بحبل الله هو طريق الهداية والنجاة، وسبيل النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة؛ فعلى المسلمين جميعاً أن يرجعوا إلى القرآن ويَعْرِضُوا عقائدهم وآراءهم جميعاً عليه فبهذا سيبتعدون، بفضل الاعتصام والاستمساك بكتاب الله، عن كل زيغ وانحراف وكل تفرق واختلاف.

وفي هذا الإطار شهد القرن الميلادي العشرين منذ بداياته (أوائل القرن الهجري الرابع عشر) ظهور عدد من المصلحين المجدِّدين بين علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في إيران دعوا إلى النقد الذاتي وإعادة النظر في بعض العقائد الشيعية التقليدية الموروثة، على ضوء القرآن الكريم، وكان إرهاصة هذا الخط التجديدي الإصلاحي وصاحب السبق فيه «آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سنگلجي» (المتوفى سنة 1943م) وقد أطلق بعض المعاصرين(4) على أصحاب هذا التيار الإصلاحي اسم «القرآنيين الشيعة» لأن أصحابه أحسّوا بـشيء من تغييب النص القرآني في الثقافة الشيعية لصالح الروايات والأخبار، لذا عملوا - من جهة - على ترسيخ المرجعية القرآنية، ولاسيما فكرة إمكان فهم النص القرآني البيِّن والواضح بذاته، دون الحاجة للروايات والأخبار لفهمه، كما عملوا - من جهة أخرى - على غربلة التراث الروائي الشيعي الذي امتلأ عبر الزمن بالأخبار الدخيلة، فنبذوا كل ما وجدوه مخالفاً لكتاب الله اتباعاً منهم للقاعدة التي وضعها أئمة أهل البيت عليهم السلام في عرض كل ما ورد عنهم على كتاب الله فما وافقه قُبلَ وما خالفه وجب تركه، من هنا يمكن اعتبار آية الله الشيخ شريعت سنگلجي «مؤسّس المدرسة السلفية القرآنية الشيعية الحديثة».

وكتاب «مفتاح فهم القرآن» الذي بين أيدينا والذي نقدم له، يُعَدُّ من أهم ما ألَّفه المرحوم سنگلجي في هذا الإطار، وقد كتبه بعد تأليفه لكتابه الشهير «توحيد العبادة»، وكان من آخر ما ألفه قبل أن ينتقل إلى جوار ربه.

في هذا الكتاب يظهر بوضوح منهج الشيخ سنگلجي الإصلاحي حين يـصرِّح فيه أن المسلمين هجروا القرآن، فكان نصيبهم الفشل والخسران، وأن الحّل الوحيد يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم. إلاّ أنّ السؤال كيف يمكن فهم القرآن؟ هذا ما يجيب عنه «شريعت سنگلجي» بأخذ الدين عن السلف لا عن الخلف، أولئك - أي الخلف - الذين جاؤوا مع الفلسفة والتصوّف والاعتزال(5). ولكي يؤسّس لمرجعية القرآن ودور السنّة الشـريفة طرح في كتابه أفكاراً أساسيةً هامَّةً حول القرآن الكريم وحجيّة ظواهره والطريق الصحيح لتفسيره وفهمه، بعيداً عن تأويلات أصحاب الفرق والمذاهب والأهواء وتحريفات الغالين.

وأول ما افتتح به سنگلجي بحثه إثبات أن النص القرآني غير محرّف، فذكر أدلّته القاطعة على ذلك، ثم بيَّن أن القرآن قابلٌ للفهم تماماً، لا يحتاج إلى غيره، وأنه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي أي بالعقائد والآراء المأخوذة من غير القرآن، أو بالاستناد إلى أخبار تصرف الآيات عن معناها اللغوي الظاهر، وأن هذا من قبيل التفسير الباطني الباطل، وقد بين شروط التفسير حتى يكون صحيحاً، وبين أهمية معرفة أسباب النزول ومعرفة أحوال العرب في الجاهلية لفهم القرآن فهماً صحيحاً. ثم عقد فصولاً ممتازة في بيان المعنى الصحيح المراد من «البطن» في مقولة إن للقرآن ظهراً وبطناً، وشَرَحَ كيف أن شرط فهم باطن القرآن أن يوافق لغة العرب ويشهد له الشرع، وبيَّن بطلان تأويلات فرق الباطنية وكيف أنهم حرّفوا معاني القرآن توصُّلاً إلى مقاصدهم. ثم بيَّن سنگلجي أن القرآن مستوعبٌ لتمام قضايا الدين الأساسية، وهو أفضل دليل على عقائد الدين وأصوله، وبراهين القرآن تمتاز وتعلو على ما تذكره كتب المتكلمين أو الفلاسفة في الاحتجاج على أصول الدين. ويرى سنگلجي أن السنة دورها تفصيل ما أجمل الكتاب ذكره من أمور الشرعيات والفروع، أما العقائد الأساسية التي عليها مدار النجاة والهلاك فالقرآن هو الذي تكفَّل ببيانها وبيانه في ذلك واضح وكاف(6).

ولا نريد هنا أن نلخِّصَ كل مباحث الكتاب، ونقول باختصار إن الشيخ «شريعت سنگلجي» قدَّم في هذا الكتاب وفي غيره من كتبه رؤية عصرية للإسلام في إيران استحق أن ينال عليها لقب المصلح الأكبر من قبل أتباعه؛ حتى أن بعض الباحثين الإيرانيين شبَّه حركة الشيخ «شريعت سنگلجي» التصحيحية بحركة «مارتن لوتر» و «جان كالفن» اللذين كانا يريدان العودة بالمسيحية إلى أصولها الأولية وتخليصها مما لحق بها من خرافات وبدع.

هذا وقبل الانتهاء من هذه المقدمة أذكر نبذة مختصرة عن مؤلف الكتاب:

+            +             +

نبذة مختصرة
عن المؤلف المرحوم آية الله شريعت سنگلجي

ولد الشيخ «شريعت سنگلجي» في مدينة طهران عاصمة إيران عام 1269هـجرية شمسية (يقابل 1308هـ ق. أو 1890م)(7) في بيت علم ودين، فقد كان والده الحاج الشيخ «حسن شريعت» وجدّه الحاج «رضا قلي» كلاهما من علماء الدين وفقهاء الشرع المعروفين في عصرهم؛ فدرس «شريعت سنگلجي» منذ نعومة أظفاره مقدّمات العلوم الشرعية، ثم بدأ بتحصيل علوم الفقه على يد الحاج الشيخ عبد النبي المجتهد النوري (1344هـ)، ودرس الفلسفة على يد الشيخ الميرزا حسن الكرمانشاهي (1334هـ) وأخذ علوم الباطن والعرفان (أي الفلسفة الصوفية) على يد الشيخ الميرزا هاشم الإشكوري (1332هـ)، كما تتلمذ على الشيخ علي النوري والشيخ الشهيد الشهير فضل الله النوري (1330هـ).

في عام 1287 هجرية شمسية (1326هـ)، رحل «شريعت سنگلجي» إلى النجف لإكمال دراسته الدينية، حيث تتلمذ هناك على كبار علماء الحوزة العلمية فيها مثل السيد ضياء الدين العراقي (1361هـ)، والعلامة والمرجع الكبير آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ).

بعد أن أمضى سنوات في تحصيل العلوم الشرعية في النجف عاد سنگلجي إلى طهران عام (1340هـ)، واشتغل بالوعظ والخطابة الدينية وهو في الثلاثين من عمره، فكان يلقي دروساً في ليالي الجمعة في مسجد والده الحاج الشيخ حسن سنگلجي، وفي الوقت ذاته كان يحضر مجلس دروس التفسير لآية الله العلامة السيد أسد الله خرقاني (1355هـ) وقد تأثر بمنهجه الإصلاحي التوحيدي.

اتسعت مجالس تدريس وخطابة الشيخ سنگلجي يوماً بعد يوم ولم يعد يتّسع لها مسجد حي «سنگلج» الصغير الذي أصبح مركزاً لتجمُّع الشباب المتدين والمثقف واتخذ عنوان «دار التبليغ الإسلامي» وتحول إلى قاعة كبيرة، ثم انتقل نشاط دار التبليغ هذه إلى مكان يقع في شارع «فرهنگ» جنوب طهران.

نحى الشيخ «شريعت سنگلجي» منحى إصلاحي تجديدي في دروسه وأصبح من أعلام حركة التنوير والتجديد والإصلاح الديني في إيران التي يطلق عليها المؤرخون بالفارسية لقب «نوگرايي دينى» والتي كان أهم ما يميزها المناداة بالعودة إلى القرآن ونبذ الغلو الخرافات الكثيرة التي علقت بالدين عبر الأزمنة وتراكمت عليه كالغبار الكثيف فذهبت بجماله ونضارته ونقائه ونفَّرت المثقفين منه.

تحوّل سنگلجي إلى تيار في إيران، إذ وقع تحت تأثيره جماعة، واستمرّ تياره في النفوذ والتنامي داخل الوسط الديني حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين حين طغت عليه الأحداث السياسية للثورة الإيرانية، فغاب عن الواجهة. لكن عديداً من المثـقَّفين المتنوِّرين لا يزالون يهتمّون بكتاباته وكتابات المجدِّدين ودعاة تصحيح العقائد أمثاله وينشرونها خاصّة في العقدين الأخيرين.

أنجب «شريعت سنگلجي» ولدين هما «محمد باقر» و«عبد الله». وانتقل إلى رحمة الله في طهران عام 1322 هجرية شمسية (الموافق لـ 1362هـ و1943م) عن عمر لم يتجاوز ال 53 عاماً، فرحمه الله وغفر له(8).

 

المترجم

غرَّة جمادى الأولى 1430هـ ق

ملاحظة: لقد ذيَّلْتُ حواشي التحقيق التي أضفتُها للكتاب برمز: (تر)، أي للمترجم (كاتب هذه السطور)، لتمييزها عن كلام المؤلف نفسه.

+            +             +

 

صورة لأول صفحة من كتاب «مفتاح فهم القرآن» باللغة الفارسية

Keleide Fahme ghoran1

صورة لثاني صفحة من كتاب «مفتاح فهم القرآن» باللغة الفارسية

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(9) ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(10) ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ المُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ(11) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ(12) ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾(13) ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(14) ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(15) ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(16) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا(17).

 

توطئة

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟!﴾ [محمد/24].

لقد نبَّهتني هذه الآية وأيقظتني قبل أربعة عشر عاماً إلى ضرورة التدبُّر في كتاب الله والدستور السماوي وأن فهم الدين والعمل بشريعة سيد المرسلين رهنٌ بتدبُّر آيات القرآن والتعمُّق في كلام الله سبحانه؛ فالقرآن كتاب دينيٌّ وفلسفيٌّ واجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ وحقوقيٌّ ولا يجوز الاكتفاء بقراءة ظاهره بل لا بد أن يتعلم الإنسان جميع شؤون الحياة من القرآن، لأن فلاح الدنيا والآخرة منوط بتعلُّم القرآن، لذا فتدبُّر القرآن واجبٌ على كل فرد مسلم، ولكن القرآن أصبح في زماننا مهجوراً ومتروكاً تماماً وهذا هو السبب في شقاء المسلمين وهو عدم أخذهم دينَهُم من القرآن وعدم تعمُّقهم في آياته بل اتَّخذَ كلُّ فريق منهم عقائده وآراءه من مصادر غير القرآن مما أوقع خلافات عجيبة بين المسلمين.

والتدبُّر في القرآن يعتمد على تحصيل مقدمات مثل البحث في أحوال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة لغة العرب زمن الجاهلية ومعرفة أسباب نزول الآيات والاطلاع على أحوال العرب في عصر الرسالة والرجوع إلى تفاسير السلف الصالح، وقد بذلتُ جهوداً مُضنيةً في تحصيل هذه المقدمات وطالعتُ الكتب المدونة التي تتعلق بهذه الموضوعات، فرأيت أن هذه المقدمات لا تكفي لفهم القرآن بل لا بد من أن يبتعد الإنسان بنفسه عن كل تقليد وأن يدع كل تعصب جانباً وأن لا يتلقَّى فهم القرآن وتفسيره من مفسري الفرق الذين اتخذ كل منهم عقيدة ومذهباً ورأياً وذلك لأن مذاهب الإسلام المختلفة إنما نشأت بعد القرن الثاني وفسَّر كل واحد من أتباعها القرآنَ بما يوافق مذهبه وهواه، فإذا أراد الإنسان أن يفهم القرآن من هذه التفاسير المختلفة وقع في حيرة وضياع، فواحد منهم معتزليّ وآخر أشعريّ وثالث باطنيّ وآخر من الغلاة وَمُفسِّـِرٌ جُهَمِيّ وآخرُ ظاهريٌّ ومفسِّـرٌ زيديٌّ وآخرُ إسماعيليٌّ وَمُفسِّـِرٌ أخباريٌّ وآخرُ أصوليٌّ، وَمُفسِّـِرٌ صوفيٌّ وآخرُ فلسفيٌّ وَمُفسِّـِرٌ قاديانيٌّ وآخر مُرجئيُّ وغير ذلك وبينهم اختلافات كثيرة في فهم الآيات وتفسيرها إلى درجة أنه لو أراد أحد أن يبني عقيدته ورأيه على هذه التفاسير لتاه واحتار وضاع في متاهات الضلال، وربما جرّه هذا الضياع -نعوذ بالله- إلى الإلحاد والخروج من الدين!.

ثم إن الجمود على التفاسير والتعبُد بأقوال المفسِّرين هو في حدِّ ذاته نوع من التقليد في الدين والعقيدة وهو حرام بنص القرآن الذي قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف/23]. ولما كان الفرار من التقليد والتخلي عن الأفكار المسبقة أمراً صعباً، لذا توجهت إلى مسبب الأسباب ومسهل الأمور الصعاب، فوفَّقني الله بحمده لكشف أمر هام وفتح أمامي طريقاً لفهم الدين وتدبر القرآن المبين وهو وجوب أخذ الدين من السلف لا من الخلف، وبعبارة أوضح لا بد أن نرى كيف كان فهم مسلمي الصدر الأول للقرآن وأي دين كان لدى المسلمين قبل أن تنشأ الفلسفة والتصوف والأشعرية والاعتزال؟ أما لو قام من يريد أن يتدبر القرآن بفهم القرآن من كتابات الخلف - لا سمح الله- ولم يولي أي عناية لفهم السلف الصالح فإنه سيقع أسيراً بلا ريب لإحدى تلك الفرق، نعوذ بالله من الضلال.

بعد أن تفطنت لهذا المعنى وهداني الله إلى طريق الصواب قَطَعْتُ -بحول الله وقوَّته- مرَّةً وإلى الأبد قيود التقليد ومزَّقْتُ حُجُبُ التعصُّب والأوهام، وألقيتُ عن كاهلي حِمْلَ الخرافات الثقيل، وأخذتُ -بعناية الله -الدينَ عن السلف الصالح واهتديتُ بخير الحديث كتابِ اللهِ تعالى واهتديت بهداية القرآن، وقلتُ ﴿الْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ...[الأعراف/43].

إحدى المؤيدات التي ساعدتني على فهم الدين ومعرفة حقيقة شريعة سيد المرسلين وعرفتني بحقائق القرآن هجوم حوادث الزمان وما اعترضني من جفاء الدهر! وذلك بمفاد «السعادة بنت المتاعب»، فلقد أُوذيت مِنْ قِبَلِ أبناء الزمان وتحمَّلت من أذاهم الكثير من العناء، وسَبَبُ ذلكَ أنَّني أُصِبْتُ بحسد الأقران لما أكرمني الله به من بعض نعمه ومن علم وعمل، فقام بعض الحُسَّاد بإيذائي بكل نوع من أنواع الأذى، وكالوا لي كلَّ تُهْمَةٍ وافْتِرَاء وإهانة لم يقع مثلها لـ«يزيد» و«شِمْر»! بل حاولوا قتلي مرتين لكن الله حفظني من شرهم، وكانوا يظنون أن الله يسلم عباده إلى أيدي الحساد ولم يدروا أن القلوب بيد مقلب القلوب والعز والذل والحياة والموت بيد قدرته وحده:

﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران/26].

والسبب الآخر لعداء الأقران وأبناء الزمان لي أن الله تعالى هداني لمعرفة دينه، فرأيت أن هناك خرافات كثيرة دخلت الدين وأن هناك أباطيل وأوهام كثيرة أُلصقت بالقرآن، ورأيتُ أن مبادئ الأديان الباطلة وخرافات الأمم السالفة قد حلَّتْ في مجتمعنا محلَّ تعاليم دين الإسلام، حتى لم يعد هناك امتياز بين الإسلام والخرافات، وازدهرت آلاف الأنواع من الشـرك وعبادة الأصنام باسم الدين والتوحيد! وراجت آلاف الأنواع من البدع والخرافات باسم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم! ولو واصل المسلمون هذا الطريق ولم يميزوا بين الحقيقة والزيف والحق والباطل فلن يبقى أي عاقل ومثقف متعلِّمٍ في هذا الدين، لذا رأيت لزاماً عليّ، طبقاً لأمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال: «إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَه‏ وَ إِلَّا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ»(18)، أن أقوم ببيان ما علَّمني الله من أمر الدين وأن أفصل بين الخرافات والقرآن الكريم، وأن أُعَرِّفَ المسلمين بالدين الحقيقي، لا أطلب في ذلك سوى رضا حضـرة الرحمن، وحفظ القرآن ومتابعة السلف الصالح وأداء أمانة السلف للخلف، ولا تأخذني في ذلك لومة لائم:

أجدُ الملامة في هواك لذيذةً         حباً لذكرِكَ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ

لكن لما وجد أنصار الخرافات والجهل أنهم لا يستطيعون مواجهتي بالدليل والقرآن، أخذوا يثيرون العوام ضدِّي، ولم يتوانوا عن أي افتراء وإهانة في حقي ونسبوا إلي مذاهب وآراء باطلة، بل سعوا بالوشاية ضدي، ولولا حفظ الله لي لكانت مساعيهم كفيلة بالقضاء عليّ وعلى حياتي وأسرتي.

والخلاصة لقد فعلوا كل ما استطاعوا فعله ولم يكن لي في كل ذلك أي مدد ونصير سوى الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ! [الطلاق/3].

لا شك أن تلك الضغوط والمصاعب كانت مفيدة لي وأوقفتني أكثر على عيوبي، وفي النتيجة قطعتُ تعلُّقَ القلب بالخَلْق ووصلتُهُ بالخالق فقط، ولا شك أن الانقطاع عن الخلق يورث في النفس ضياءاً ونوراً، وأن الله تعالى يحل للإنسان مشاكله، وأن التمسُّكَ بعروة التوحيد الوُثْقى يهدي الإنسان إلى طريق الحقِّ والصواب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران/101].

إذن فقد استفدت من ذلك الإيذاء، فهل استفاد أقراني من ذلك أيضاً أم لا؟ الله وحده يعلم.

يا من هو أقرب من حبل وريدي

 

في حبك فارقت قريبي وبعيدي

قطعت القلب عن الأغيار ووصلته بك يا ربّ

 

لأن مفتاح قفل القلب بيدك يا إلهي

إحسانك قد تمّ وإنعامك قد عمّ

 

غفرانك يا ربي بنا غير بعيد

لقد وصلتَ ما قطعتُهُ بجهلي
 

 

ومزَّْقتَ ما وصلناه بجهلنا

لا أثر لهمتنا مع همتك

 

أوكلتُ إليك الهمة فاجعلني مريدا لك

نعم، لقد انشرح قلبي واستنار عقلي واهتديتُ بفهم القرآن ووجدت توحيد الإسلام الحقيقي وكتبتُ مؤخراً كتاباً في هذا الباب باسم «توحيد العبادة» وأهديته لروح خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وطلبت القبول والأجر من الله ولم أخف من إهانات الناس. واليوم اهتممت بتحرير هذا الكتاب والغرض منه بيان طريق فهم القرآن، لأن أدعياء الباطل قد سدُّوا على الناس - بواسطة الآثام التاريخية - طريق فهم القرآن، ولم يَدَعُوا أحداً يرد إلى نبع التوحيد الزلال وبحر الحقائق العذب، فأوضحتُ للناس بحمد الله الطريقَ وفتحتُهُ للمسلمين كي يتمكَّنُوا من الورود إلى سلسبيل التوحيد وكوثر الفضائل.

ولما رأيت أنني لو لم أكتب ما أفاض الله تعالى علي من فضله فستتعرض هذه المعلومات للنسيان، شرعت في الكتابة بقلمي هذا المتواضع ورغم قلة براعتي بالفارسية، وكان هدفي الأول أن لا تُنسى هذه الموضوعات وهدفي الثاني أن أجعل اهتداء الناس إلى القرآن، بفضل هذا الكتاب، ذخيرةً لي يوم المعاد: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.

 

شريعت سنگلجي

 

 

القرآن لم يُـحَرَّف

الدليل على أن القرآن لم يصبه أي تحريف عدة أمور:

1- قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/9].

هذه الآية الكريمة نصٌّ صريحٌ في أن الله حافظٌ للقرآن وبالتالي فلا يمكن تَصَوُّر أي زيادة أو نقصان فيه:

وعدَ اللهُ المصطفى
 

 

إن متَّ فلن يموت هذا الكتاب

أنا حافظ للكتاب والمعجزة

 

أنا رافض للزيادة في القرآن والنقيصة

أنا رافع شأنك في العالمَين

 

أنا دافع للطغاة عن حديثك

لا أحد يستطيع الزيادة أو النقصان فيه

 

لا تبحث عن حافظ آخر غيري

2- قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت/42]. في هاتين الآيتين تصريح بعدم طروء أي تحريف على القرآن كما أن هاتين الآيتين كافيتان في الدلالة على عدم نقصانه.

3- لو دققنا في تاريخ تدوين القرآن لأدركنا أنه من المستحيل أن يقع في كتاب الله أي تحريف.

فالقرآن جُمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت كلما نزلت آيةٌ قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ضعوا هذه الآية في الموضع الفلاني، وكلما نزلت سورةٌ أمر النبيُّ بوضعها إلى جانب السورة الفلانية، ويقول أنس بن مالك: «جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ أُبَىُّ بنُ كَعْب، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.»(19). إلا أن القرآن لم يُجمع في عهده صلى الله عليه وآله وسلم بين دفتين، لكن كثيراً من الصحابة كانوا ملتزمين بحفظ القرآن، فكانوا يحفظون كل آية تنزل، كما كانت عادة العرب بحفظ الأنساب والتواريخ والشعر، وكان جماعة من الصحابة يكتبون ما ينزل من الآيات على الرقاع وألواح الأكتاف وعُسْب(20) النخل فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتفرّق حفظة القرآن خاف الصحابة من أن يضيع القرآن إذا قُتل الحفظة أو ماتوا فقرروا أن يجمعوه بين دَفَّتَيْن.

فقد روى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ(21) قَالَ أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ في ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ... فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ... فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ(22)، إلى أن أرسل عثمان في خلافته شخصاً إِلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ الْتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ. فَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَيْهِ حَفْصَةُ فَأَمَرَ عُثْمَانُ: «زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ» وَ«سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ» وَ«عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ» وَ«عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ» أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى كُتِبَتِ المَصَاحِفُ، ثُمَّ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ (أي مدينةٍ) بِمُصْحَفٍ..(23).

ويقول زيدٌ: رأيتُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: نِعْمَ مَا صَنَعَ عُثْمَانُ. و قال عليٌّ (عَلَيْهِ السَّلامُ): لو ولِّتُ الأمر لفعلت مثلما فعل عثمان.

4- انتشر الإسلام في الجزيرة العربية في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلت راية «لا إله إلا الله» في كل المنطقة الممتدَّة من بحر قزوين إلى سواحل اليمن ومن الخليج الفارسي إلى نهر الفرات، وكانت في جزيرة العرب مدن وقرى كثيرة كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طيء وبلاد مضر وربيعة وقضاعة والطائف ومكة وكان جميع أهل تلك البلدان والمدن والقرى مسلمين وقد بنوا المساجد ولم تكن هناك قرية ولا مدينة إلا ويجتمع فيها المسلمون للصلاة ويقرؤون القرآن ويعلِّمُون القرآنَ لأطفالهم ونسائهم ورجالهم، فكان القرآن الكريم إذن في متناول أيدي الناس في جميع أنحاء الجزيرة العربية زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يعتنون كل العناية بضبطه وحفظه، ولما كان القرآن كتاباً دينياً وأخلاقياً وحقوقياً وسياسياً كان مرجع الناس الأوحد في شؤون دينهم ومجتمعهم.

بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَلِيَ أبو بكر الخلافة سنتين وستة أشهر وحارب فيهما فارس والروم وفتح اليمامة ولم يكن بين المسلمين أي خلاف بشأن القرآن وكانت مرجعيتهم منحصرة بالقرآن وقد جمع بعض الصحابة في ذلك الزمن القرآن بين دفتين مثل علي عليه السلام وعمر وعثمان وزيد وأبي زيد وابن مسعود وغيرهم من الناس في المدن فلم تبقَ مدينةٌ إلا وكان القرآن رائجاً ومنتشراً بين أهلها.

بعد وفاة أبي بكر وَلِيَ عُمَرُ الخلافة وفتح جميع مدن بلاد فارس والشام وبين النهرين ومصر ولم تبقَ مدينة إلا وقد بنى المسلمون فيها مسجداً ونسخوا من القرآن نسخاً وكان أئمة الجماعات يقرؤون القرآن للناس في صلواتهم وفي غير صلواتهم، ويعلِّمون الأطفالَ القرآن في الكتاتيب، وكان الناس يقرؤون القرآن في المساجد، وقد دامت خلافة عمر عشر سنوات وبضعة أشهر وعند وفاة عمر كان هناك أكثر من مئة ألف نسخة من القرآن منتشرة في أطراف العالم الإسلامي.

وكذلك في خلافة عثمان التي دامت اثنتي عشرة سنة لم يكن للمسلمين مرجع وكتاب آخر سوى القرآن المجيد ولم يكن لهم قانون وتشـريع سوى القرآن فكانوا يبحثون عن جميع حاجاتهم الدينية والدنيوية فيه.

وخلاصة الكلام أن المسلمين، - بعد الإيمان بالله - لم تكن بينهم وبين الله من واسطة وارتباط سوى تلاوة القرآن والعمل بأحكامه وتعاليمه، فإذا كان الأمر كذلك وكانت عناية المسلمين بحفظ القرآن متواصلة منذ عصـر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى خلافة عثمان، فكيف يمكن أن نتصور أن تنقص آية من القرآن أو يضيع ثلث القرآن من أيدي المسلمين [كما تدَّعي بعض الروايات المُخْتَلَقة]؟؟ إننا لو تأملنا الموضوع بدقّة لعرفنا أنه كان من المستحيل أن يستطيع أحد إنقاص سطر واحدٍ من القرآن.

5- أحد الأدلة الواضحة على عدم النقصان والتحريف في القرآن، تقرير إمام المتقين علي - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فقد تولَّى أمير المؤمنين الخلافة وحكم المسلمين خمس سنوات وتسعة أشهر وكان من صفاته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل والتقوى ولم يكن يمنعه شيء من ذلك ولم تكن تأخذه في قول الحقّ لومة لائم لا يخشى أحداً سوى ربه تبارك وتعالى، وكان خشناً في ذات الله لا يتوانى لحظة واحدة عن رفع الظلم وإقامة العدل حتى أنه لم يرضَ أن يبقى معاوية في حكم الشام يوماً واحداً وقال إني لا أرضى أن يحكم ظالمٌ على مظلوم لحظةً واحدةً حتى لو زالت الخلافة من يدي، وقد خاض حروباً دموية لأجل عزل معاوية وإزالة الظلم، وكذلك في معركة النهروان، كم تحمَّل من البلايا والشدائد للقضاء على الظلم حتى انجرّ الأمر في النهاية إلى استشهاده.

فإذا كان كذلك فعلينا أن ننظر بإنصاف وتجرُّد ونسأل أولئك الذين يدَّعون أنَّ أمير المؤمنين أخفى القرآن الصحيح لديه وسلَّمه إلى الإمام من بعده وانتقل من يد إمام إلى يد الإمام الذي تلاه حتى وصل إلى يد إمام الزمان وحَرَم بذلك الناس من الاهتداء بالقرآن الصحيح، أليس في هذا الكلام إهانة للمقام المقدس لأمير المؤمنين؟ هل يجوز أن نفتري مثل هذا الافتراء بأن ندعي أن علياً الذي كان خليفة للنبيِّ في حكم المسلمين قرابة ست سنوات كان فيها الحاكم المطلق على عالم الإسلام وكان يرى أن المسلمين يتعاملون في مساجدهم ومدارسهم مع قرآن ناقص ومحرف، ويعلم أن لا ضلال أكثر من هذا الضلال لأن القرآن عماد الإسلام، ومع ذلك لا يعير اهتماماً -والعياذ بالله- لهذا الأمر ولا يسعى في إصلاحه، في حين يبذل كل تلك التضحيات لعزل معاوية! هل يمكن لأمير المؤمنين الذي لم يكن يرضى بقاء حكومة معاوية لحظةً واحدة ًحتى لو عرَّض خلافته للخطر أن يرضى ببقاء قرآن ناقص أو محرف بين أيدي المسلمين؟!

وكذلك توسَّد الإمام الحسن سُدَّة الخلافة وحكم المسلمين ستة أشهر فلماذا لم يضع القرآن الصحيح بين أيدي الناس؟ وكذلك الإمام الحسين الذي كان من أعبد العباد لِـلَّهِ وأشجع أهل الدنيا وأكثر أهلها تديُّناً وتضحيةً لماذا لم يُعَرِّف الناس يوم عاشوراء بالقرآن الصحيح، ولم يكن الحسين يمارس التقية لأنه ضحى بنفسه وبأولاده في سبيل الله وكان يكفيه لفضح أعدائه أن يقول: أيها الناس! إن هؤلاء غيروا القرآن وحرفوا كتاب الله وقتلوا أبي وأخي وأولادي والآن يريدون قتلي.

إننا نسأل أولئك الذين يقولون بوقوع التحريف في القرآن: أليست هذه المقالة -إضافة إلى كونها خطأً علمياً وعقلياً وتاريخياً- كفراً؟ ألا يُعَدُّ من يقول بمثل هذا القول كافراً؟ وذلك لأنه بقوله هذا ينكر القرآن الذي يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/9]. وثانياً يهين المقام المقدس لأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، أليس من يضعف من شأن القرآن ويفتري على أئمة الإسلام خارجاً عن شريعة سيد المرسلين؟

لو عرف القائلون بالتحريف أن هذا القول إنما نشـره الملاحدة والزنادقة والباطنية في الإسلام لما قالوا بمثل هذه الترهات والأباطيل أبداً ولكن ما العمل؟! ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا(24) ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(25).

6- إن كبار علماء الإمامية و محققي الفرقة الجعفرية يعتقدون بأن كتاب الله لم يُحَرَّف أبداً بأي شكل من الأشكال، وتأكيداً لهذه الحقيقة سنذكر فيما يلي أقوالهم:

1- قال الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه القمي) في كتابه «الاعتقادات»: «اعتقادنا: أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك.... ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب.»(26).

2- وقال الشيخ «المفيد» في أواخر فصل الخطاب من كتابه «أوائل المقالات»: «وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين u من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله..»(27).

3- وقال السيد المرتضى أن القرآن لم ينقص منه شيء وأن: «من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يُعْتَدُّ بخلافهم»(28).

4- وقال الشيخ الطوسي في أول تفسيره «التبيان»: «وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا..»(29).

5- ويصرِّح الشيخ الطَبرسي في تفسيره «مجمع البيان» أن الصحيح عدم نقص أي شيء من القرآن(30).

6- وقال العلامة الحلي(31) في باب القراءة في الصلاة في كتابه الفقهي «تذكرة الفقهاء» إن القرآن الموجود مطابق لمصحف أمير المؤمنين.

7- وقال المرحوم الشيخ جعفر كاشف العطاء(32) في كتابه «كشف الغطاء» (ص 299) ما نصه: «المبحث السابع في زيادته: لا زيادة فيه من سورة ولا آيةٍ من بسملة وغيرها لا كلمة ولا حرف وجميع ما بين الدفتين مما يتلى، كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين وإجماع المسلمين، المبحث الثامن في نقصه: لا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان كما دلّ صريح القرآن وإجماع العلماء في جميع الأزمان.».

8- وصرّح الفاضل الجواد [الكاظمي] (33) في شرح الزبدة بتماميّة القرآن.

9- وقال المولى صالح المازندراني(34) بعدم التحريف.

10 - وقال المحدث البحراني(35) في كتاب «اللؤلؤة» بأن الحر العاملي صاحب الوسائل ألف كتاباً مستقلاً في عدم النقيصة من القرآن.

11- وقال القاضي «نور الله الشوشتري»(36) في كتابه «مصائب النواصب»: «ما نسب إلى الشيعة الإمامية بوقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنما قال به شرذمةٌ قليلةٌ منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم»(37).

12- وقال «الشيخ البهائي»(38): «الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظٌ عن التحريف، زيادةً كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/9]. وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرسولُ بَلّغ ما أُنْزِل إليكَ - في عليّ - ﴾ وغير ذلك، فهو غير معتبرٍ عند العلماء»(39).

13- وَصنَّف الشيخ «علي بن عبد العال الكركي»(40) رسالةً مستقلّةً في نفى النقيصة من القرآن وردَّ ما ورد في بعض الروايات من نقص في القرآن قائلاً «بأن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه»(41).

14 - وقال المحقق المقدّس البغداديّ السيد محسن(42) في «شرح الوافية»: «اتفق علماء الإسلام على عدم الزيادة في القرآن وإنما الكلام في النقيصة والمعروف بين أصحابنا، حتى حُكِيَ عليه الإجماع، عدمُ النقيصة أيضاً، وخالف في هذه المسألة علي بن إبراهيم القمي الذي ذهب في تفسيره إلى وقوع التحريف، فتابعه على ذلك بعض المتأحرين.».

ومما يؤيد عدم النقيصة في القرآن، إجماع الإمامية على أنه لا بد من قراءة سورة كاملة في الصلاة [المفروضة] وإذا قرأ المصلي السورة ناقصة بطلت صلاته، فإذا كان ثلث القرآن قد سقط، وكانت السور ناقصة، صارت جميع الصلوات باطلة!! وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

القرآن قابلٌ للفهم

من الأمور المُسَلَّم بها أنه لا توجد في كتاب الله آية واحدة يعجز جميع الخلائق عن فهمها بل القرآن كله قابل للتدبر والفهم، والشاهد على هذا الأمر هو أولاً آيات من القرآن وعدد من الأخبار والأحاديث وثانياً العقل.

الآيات

1- قوله تعالى:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد/24].

أمرنا الله تعالى في هذه الآية بتدبر القرآن فلو كان في القرآن آية غير مفهومة فكيف يأمرنا الله بالتدبر فيها؟

2- قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء/82].

أي أنه لو كان القرآن من عند غير الله أي من اختراع عقل النبيّ ولم يكن هناك وحي إلهي أو كان هناك بشر علمه للنبي، أي لو كان القرآن كلام مخلوق كما كان الكفار والمنافقون يظنون، لوجد فيه أولو الألباب وأهل الاستدلال اختلافات وتناقضات كثيرة.

لو تأملنا بدقة لرأينا أن هذه الآية تبين لنا أحد وجوه إعجاز القرآن ودليلاً على أن القرآن وحي من الله، وذلك أنه رغم كون القرآن كتاباً كبيراً ويتضمن علوماً كثيرة لا نجد بين آياته أي تناقض أو اختلاف.

وتقرير هذا البرهان هو أن الاختلاف لفظة مشتركة بين عدة معان مختلفة وليس المراد من عدم وجود الاختلاف نفي اختلاف الناس في فهم آياته بل المراد نفي الاختلاف في ذات آيات القرآن كما أنه عندما يقال أن الكتاب الفلاني مختلف فمعناه أن أوله لا يشبه آخره في الفصاحة أو أنه أوله يختلف في مقصده عن آخره فقسم منه يدعو إلى الدين وقسم آخر يدعو إلى الدنيا، أو أنه مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف.

أما كلام الله فهو منزّه عن كل اختلاف وتناقض فأوله متناسب مع آخره وكله يدعو إلى غاية واحدة وهي الدعوة إلى الله الواحد وإصلاح النفس، وكل آياته على أعلى درجة من درجات الفصاحة.

أما كلام الآدمي فيشتمل على جميع هذه الاختلافات، ويشهد لذلك أننا لو نظرنا بدقة في كتب العلماء ودواوين الشعراء والمترسلين لوجدنا فيها جميع أنواع الاختلافات تلك، فنرى أن قسماً منها فصيح وقسم آخر منزحف ونرى أن الأغراض والأهداف مختلفة فترى جزءاً من القصيدة يذم الدنيا وجزءاً يمدحها وإذا كان الشاعر مسروراً وجدته حسن الظن بالدنيا في شعره ومتفائلاً، وعندما يكون مكتئباً تجده يلوم الدنيا والدهر، وتجده يمدح الجبن أحياناً ويسمِّيه حزماً ويذمّه طوراً ويسميه ضعفاً، أو يمدح الشجاعة أحياناً ويسمّيها صرامةً ويذمُّها طوراً ويعتبرها تهوُّراً، ولا يمكن لكلام الآدمي أن يخلو من اختلافٍ وتناقض لأن منشأ هذا الاختلاف هو عقائد البشر واختلاف أحوالهم وأعراضهم، وللإنسان أحوال مختلفة كل يوم، وأفكاره دائمة التقلب، والفرح أو الهمّ والغمّ وتغيير البيئة وتبدل المعيشة وشدائد الدهر وحوادث الزمن كلها عوامل قوية تؤثر في تغيُّر الأفكار، فللإنسان عند فرحه أفكار تختلف عن أفكاره عند حزنه، كما أن هناك عوامل أخرى مؤثرة في أقوال الإنسان وأفكاره، ولذلك إذا قرأنا دواوين الشعراء تبيَّن لنا بوضوح صحة ما نقول وأن الإنسان كلَّ يوم يكون في شأن، وفي كل قصيدة يفكر بطريقة، و كم من اختلافات نجدها في الكتب التي صنفها العلماء الكبار.

يقول العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غُيِّر هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر».

فإذا كان الأمر كذلك فلنلاحظ كيف أن رجلاً أمياً لم يقرأ ولم يكتب أتى بكلام على مدى ثلاثة وعشرين عاماً وسُجِّلت كلماته جميعاً وكان في مواجهته أعداء أقوياء ومع ذلك لم يستطيعوا أن يجدوا في كلامه كله أي اختلاف وتناقض بين الآيات، أليس هذا بحد ذاته دليل محكم على أن تلك الكلمات لم تكن من عند النبي لأن النبيَّ بشر وللبشر حالات مختلفة ومتنوعة، وبالتالي يمكننا أن نجزم بشكل قاطع أن هذه الكلمات وحي من عند رب العالمين جل جلاله وعمَّ نواله.

3- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء/192-195].

ولو كان القرآن غير مفهوم لما كان هناك معنى لإنذار النبي بالقرآن، كما أن الله أكَّد أن القرآن نزل بلسان عربي مبين أي واضح ومفهوم فلو لم يكن القرآن مفهوماً لكان هذا القول كذباً نعوذ بالله من غضب الله. فتبين أن القرآن في منتهى درجة الوضوح وأن فهم البشر له ميسر وسهل.

4- قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل/89].

فلو كان القرآن غير مفهوم فلماذا يقول الله إن القرآن بيان لكل شيء وكيف يكون القرآن هدى وبشرى مع أنه لا يمكن الاستفادة منه؟!

5- قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة/185]، وقوله كذلك: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة/2].

6- قوله تعالى: ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/57].

فكيف يكون القرآن شفاء لما في الصدور في حين أنه لا يمكن لأحد أن يفهم وصفة العلاج هذه؟!

7- قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة/15].

8- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت/51].

ومعنى الآية: ألا يكفي أولئك المكذبين والمعاندين حجّةً ظاهرةً ومعجزةً واضحةً باهرةً أننا أنزلنا عليك القرآن بلغتهم تتلوه عليهم وهم أفصح الناس ولا تخفى عليهم أسرار البلاغة والفصاحة، وقد تحدَّيتهم بأن يأتوا بمثل أقصر سورة من سور القرآن، وهم قد جيشوا الجيوش وبذلوا أموالهم وأنفسهم في حربك ولكنهم لم يستطيعوا معارضة كتابك، فأي معجزة أوضح من هذا؟!

إن هذه الآية تصرح أن المشركين كانوا يفهمون القرآن ولأنهم لم يستطيعوا معارضة كلماته حاربوه بالأسنة والرماح. فيا للعجب! المشـركون يفهمون القرآن والمؤمنون يعجزون عن فهمه، أفلا يستحي مِنَ الله الذين يدعون أن القرآن غير قابل للفهم؟!!

9- قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ [إبراهيم/52].

فكيف يكون القرآن بلاغاً للناس وإنذاراً لهم وهو غير مفهوم ولا معلوم وكيف يتّعظ منه أولو الألباب والحال أنهم لا يمكنهم أن يفهموه؟!

10- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء/174- 175].

كيف يكون القرآن برهاناً ونوراً مبيناً يجب التمسّك به والاعتصام به وطلب الهداية منه وهو غير مفهوم؟!

11- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء/9].

فكيف يكون القرآن هادياً ومرشداً إلى الطريقة المثلى والصـراط المستقيم والقويم والحال أنه غير مفهوم لأحد؟!

12- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر/17].

واعجباه!! بعد تصريح الله تعالى في هذه الآية بأن فهم القرآن سهل وميسـر، كيف يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه لا يمكن فهم القرآن؟ والأعجب من ذلك أن هذه الآية المباركة تكرَّرت أربع مرات في سورة القمر المباركة!

تلك كانت بعض آيات القرآن التي تدل ّبكل وضوح على أن القرآن قابل للفهم ويوجد نظائر كثيرة لهذه الآيات في القرآن وما ذكرناه كافٍ للمنصف المُتَدَبِّر.

وأما الأحاديث

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتي أو وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»(43).

فكيف يمكن التمسّك بالقرآن إذا كان غير مفهوم.

وقد رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «عليكُم بِكِتَابِ الله فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ. هُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ وَالصّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الّذِي لاَ تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الألْسِنَةُ، وَلاَ تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلى كَثْرَةِ الرّدّ، وَلاَ تَنْقَضَي عَجَائِبُهُ، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَن خاصَمَ به فلَجَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ..»(44).

فكيف يمكن لمثل هذا القرآن الموصوف بكل هذه الأوصاف المذكورة أن لا يكون قابلاً للفهم. وفي هذا الحديث الشريف تصريح بأن كل من طلب الهداية من غير القرآن أضله الله، في حين أنه لو كان القرآن غير قابل للفهم فمن البديهي أن على الإنسان أن يطلب الهداية من غيره وبالتالي فسوف يضل! وهذا أوضح دليل على أن ضلال المسلمين يكمن في اهتدائهم بغير القرآن وفي سماحهم لآرائهم وأفكارهم البشرية أن تتدخل في الدين وفي ما يقومون به من مجادلات أوصلت حال الإسلام والمسلمين إلى حد قيام كل فرقة بتكفير الأخرى حتى لم يعد هناك أي اتفاق بين المسلمين الذين يزيد عددهم على أربعمئة مليون. أما لو جعل جميع المسلمين القرآن مرجعهم في الدين وأخذوا منه دينهم وعقيدتهم لتحول شقاؤهم الحالي إلى سعادة ولتبدلت فرقتهم إلى وحدة.

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران/103].

وأما دليل العقل

1- لو كان في القرآن آيات وكلمات لا يفهمها أحد لكانت مخاطبة اللهِ الناسَ بالقرآن مماثلةً لمخاطبة أتراكٍ باللغة الفارسية وتبليغهم بالفارسية التي لا يفهمون منها شيئاً! وهذا أمر في غاية السفاهة ولا ينسجم مع القرآن الذي يقول عن نفسه ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ..﴾ [آل عمران/138]، فكيف يكون بياناً ولا أحد يفهمه؟ وكيف يمكن تصور أن يتكلم الله الحكيم بكلمات لا يفهمها أحد؟ حقاً إن من يدعي مثل هذا الأمر يكشف عن حماقته الكبيرة أو عن كفره وسعيه لانتزاع القرآن من أيدي الناس لينشر مكانه أباطيله.

2- إن القصد من التكلم هو إفهام المخاطب، فإذا كان الكلام غير مفهوم كانت المخاطبة عبثاً وسفاهةً لا تليق بالشخص الحكيم.

3- لقد اعتبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن معجزته الكبرى وتحدى الناس أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة من مثله، ولو كان القرآن غير مفهوم لكان هذا التحدي خاطئاً من أساسه.

ولكن قال جماعةٌ خلاف ذلك

واستدل جماعةٌ على أن القرآن غير قابل للفهم بعدة وجوه:

1- قالوا إن في القرآن آيات متشابهة ولا أحد يفهم معنى المتشابهات سوى الحق تعالى.

والجواب: إن المتشابهات أيضاً قابلة للفهم بل إن المتشابهات إنما نزلت لهداية الجاهلين وعامة الناس كما سيأتي تحقيقه لاحقاً.

2- قالوا إن الأعمال التي كلفنا الله تعالى بها على قسمين: القسم الأول أفعال ندرك مصلحتها كالصلاة والصوم والزكاة، فالصلاة تواضع محض والصوم إمساك عن الشهوات والزكاة سعيٌ لرفع حاجات المساكين والفقراء، والقسم الثاني أفعال لا نعلم المصلحة فيها مثل أفعال الحج حيث لا نعلم الحكمة من رمي الجمرات أو القصد من السعي بين الصفا والمروة. ويتفق المحققون على أنه كما يحسن بشأن الحق تعالى أن يأمر عباده بالقسم الأول من الأفعال فإنه يحسن أيضاً أن يأمرهم بالقسم الثاني، لأن القسم الأول لا ينطوي على كمال الانقياد والطاعة لأنه من المحتمل أن يدفع العقل الإنسان إلى العمل بها حيث يدرك مصلحته ومنفعته فيها. أما القسم الثاني الذي لا يعلم ماهية المصلحة والحكمة فيه فإن في طاعة العبد لِـلَّهِ بامتثال أمره في القيام بها كمال الانقياد وغاية التسليم له تعالى حيث تتضمن هذه الأعمال انقياداً محضاً وطاعة صرفة.

فإذا جازت طاعة الله في أفعال لا نعلم وجه المصلحة فيها فلماذا لا يجوز مثل ذلك في الأقوال أي أن يقول الله كلاماً نفهم بعضه ولا ندرك معنى بعضه الآخر ولا مرماه لكننا نتعبد بتلاوته انقياداً وطاعة لِـلَّهِ.

ونقول في الإجابة عن ذلك: إن هذا الكلام قياس مع الفارق الكبير إلى درجة تثير الضحك. ففرق كبير بين الأفعال والأقوال لأن الغاية من الأفعال العمل والطاعة، في حين أنَّ الغاية من الأقوال الفهم والتدبّر. وبما أن المقصود من الأفعال العمل فمن الممكن للإنسان أن يعمل بما لا يفهم معناه ويطيع أمر الله في ذلك طاعة عمياء، أما المقصود من الأقوال فهو تنوير العقل، وما لم يُفهَم القول فلن يترتب عليه أي أثر، إذ كيف يمكن تصور أي أثر لكلماتٍ لا يفهمها الإنسان؟

3- الوجه الثالث: وهو أعجب من جميع الوجوه، وهو قولهم: لو وقف الإنسان على معنى القرآن وتمكَّن من الإحاطة بدقائقه لما كان في ذلك أي منزلة وقيمة له، أما إذا لم يقف على مقاصد القرآن وهو يقطع بأن المتكلِّم هو أحكم الحاكمين لكان دائم التفكر والتذكُّر، ولتحقق بذلك لُبُّ التكليف الذي هو اشتغال القلب بذكر الله.

والجواب: هذا الدليل دليل في غاية الجهل إلى درجة تُضحك الثكلى، فأي تفكّر هذا الذي يكون في كلام لا يمكن فهمه أبداً وأي ذكر هذا؟ إن الغرض من التفكر هو الانتقال من المعلوم التصوري أو التصديقي إلى المجهول واستنارة العقل بإدراك الحقائق. سبحان الله كيف تكون الحيرة كمالاً وعدم الفهم سعادةً؟! الحَمْدُ لِـلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

فهم القرآن يعتمد على معرفة أسباب النزول:

يدُلُّ على ضرورة معرفة أسباب النزول لأجل الفهم الصحيح لآيات القرآن أمران:

الأول: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطبين وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة وعمدتها مقتضيات الأحوال وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط فهي من المهمات في فهم الكتاب(45).

و الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل مُوقِعٌ في الشبه والإشكالات ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع، ويُوَضِّح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال فزجره عُمَر وانتهره، فانصـرف ابن عباس. ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه فقال: أعد عليَّ ما قلتَ! فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه.(46)

أقول: والشواهد على هذا الأمر كثيرةٌ في كتاب الله:

أ- لفظ القنوت، حيث للقنوت معان متعددة مثل: الخشوع وعدم الالتفات والذكر وغيرها:

يقول تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِـلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة/238]، فهنا معنى القنوت: السكوت وعدم كلام المصلين مع بعضهم أثناء صلاتهم، وقد قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي قرآن وتسبيح»(47)، وكانوا المسلمون يتكلمون أثناء الصلاة قبل نزول تلك الآية، فنهاهم رسول الله عن ذلك، ففهم معنى كلمة «القنوت» في هذه الآية يعتمد على معرفة سبب نزولها.

ب- استعمل عُمَرُ «قدامةَ بن مظعون» على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: مَن يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على أقول، فقال عمر: يا قدامة! إني جَالِدُك، قال: واللهِ لو شربت كما يقول ما كان لك أن تجلدني، (وفي رواية: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله!). قال عمر: ولمَ؟ قال: لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ(48) [المائدة/93]. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقو وأحسنوا، شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدراً، وأُحُداً، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزلت عذراً للماضين وحُجَّة على الباقين، لأن الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِـرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة/90].(49)

ج- «جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بن مسعود رَجُلٌ فَقَالَ تَرَكْتُ فِى المَسْجِدِ رَجُلاً يُفَسِّـرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان/10-12]. قَالَ يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ اللهُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشًا لَـمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَقَالَ: «لِمُضَـرَ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ». قَالَ فَدَعَا اللهَ لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قَالَ فَمُطِرُوا فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ - قَالَ - عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ - قَالَ - فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قَالَ يَعْنِى يَوْمَ بَدْرٍ.»(50).

فهم القرآن يحتاج إلى معرفة أحوال العرب في عصر نزوله:

لما ثبت وجوب معرفة أسباب النزول على المتدبِّر للقرآن، فإنه مما يستتبع ذلك ضرورة معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجارى أحوالها حالة التنزيل،لأن القرآن إنما نزلت بلغة العرب، و كان المخاطبون المباشرون له هم العرب، ومن دون معرفة أحوال العرب [في الجاهلية] لن يكون من الممكن فهم بعض آيات القرآن، فهذا العلم لا بد منه لمن أراد الخوض في علم القرآن وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، وسنذكر فيما يلي بعض الشواهد على ذلك:

1- قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة/286]. نُقِلَ عن أبي يوسف أن ذلك في الشرك لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر فيريد أحدهم التوحيد فيهم فيخطئ بالكفر فعفا لهم عن ذلك كما عفا لهم عن النطق بالكفر عند الإكراه قال فهذا على الشرك ليس على الأيمان في الطلاق والعتاق والبيع والشـراء، لم تكن الأيمان بالطلاق والعتاق فى زمانهم.

 2- قوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل/50]، وكذلك: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك/17]، وأشباه هذه الآيات.

لما كان المشركون يتخذون إضافة إلى إله العالمين الواحد آلهةً في الأرض، جاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتّة.

3- ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم/49]. سبب ذكر هذا الكوكب بالذات أن أبا كبشة دعا قبيلة خزاعة إلى عبادة كوكب «الشعرى»، ولم تعبد العرب من الكواكب غيرها فلذلك عُيِّنتْ(51).

القرآن يتضمّن كلّ ما يتعلّق بالدين والشريعة:

الدليل على أن القرآن يحتوي على كلّ ما يتعلق بالدين والشريعة ثلاثة أمور:

1- نصوص القرآن الكريم شاهدة على هذا المدعى كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة/3]. وقوله أيضاً: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل/89]، وأمثال هذه الآيات.

2- الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة. وفيما يلي بعضها:

رُوِيَ في «الكافي» [للكُلَيْنِيّ] بإسناده عن أبي عبد الله [الإمام الصادق] - عَلَيْهِ السَّلامُ - قال: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى وَاللهِ مَا تَرَكَ اللهُ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ فِيهِ»(52).

وبإسناده عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ [الإمام الباقر] - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَدّاً وَجَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ حَدّاً»(53).

وبإسناده عَنْ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَفِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ»(54).

وبإسناده عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشـَيْ‏ءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللهِ ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَهَى عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَفَسَادِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللهِ قَالَ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً﴾ وَقَالَ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾»(55).

3- ومنها التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلاً وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس -وكذلك الإمامية- ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل من القرآن في مسألة من المسائل. وقال ابن حزم الظاهري: كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل فى الكتاب والسنة نعلمه والحمد لِـلَّه.

والتحقيق في مسألة أن القرآن بيان لكل شيء هو: أن المراد من ذلك بيان ما هو متعلق بالدين والشريعة، لأن للإنسان عقلين عقل نظري وعقل عملي، وبعبارة أخرى للإنسان قوة علّامة وقوة عمّالة، فالقوة العلامة هي منشأ آراء وعقائد الإنسان والقوة العمالة مبدأ أعماله وأفعاله، وإنما تحصل عقائد الإنسان وأعماله بواسطة هاتين القوتين، ولا يمكن لأي فرد أن يعيش بلا عقيدة وعمل، وإذا كانت آراء الإنسان وأعماله حقاً وحسناً أوصلته إلى السعادة الكبرى، وإذا كانت باطلاً وقبحاً أورثته شقاء في الدنيا والآخرة.

إن القرآن كتاب سماوي نزل على القلب الطاهر للنبي الأكرم لأجل تصحيح العقائد وتعديل أعمال العباد وأفعالهم، وهدف القرآن أن يخرج العقائد الباطلة والأوهام والخرافات من أدمغة البشر ويحل محلها العقائد الصحيحة والآراء الحقة، كما أن القرآن يولي كمال عنايته بإصلاح الأعمال، فينهى عن الأعمال السيئة ويأمر بالأعمال الصحيحة والعدل والإنصاف، فالقرآن كله ينطوي على إصلاح العلم والعمل، وفي هذا يقول الرب تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [الأعراف/157].

وخلاصة الكلام أن القرآن جامع لمسائل الدين والشريعة، فإن قيل إن القرآن بيان لكلّ شيء فمعنى ذلك أنه بيان لكل شيء مما يتعلّق بالدين والشـريعة فقط، فالقرآن كتاب تربية وتعليم وشفاء لأمراض الروح، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ [الإسراء/82]، ووظيفة الرسل بيان الدين وتشـريع الأحكام، فالقرآن نزل لتربية نفوس البشر وتقوية عقل الإنسان، وليس كتاباً في علوم الطبيعة أو الرياضيات أو التاريخ، وعندما يقوى العقل وتتحلّى النفس بالأخلاق الفاضلة يتّجه الإنسان إلى تحصيل العلوم وتعلّم الصناعات حسب احتياجه، فهذا هو المراد من كون القرآن بيان لكل شيء وليس المراد من كل شيء أن القرآن يبين خواص جميع الأشياء فيبين الجبر والرياضيات أو علم الجراثيم أو يعلّم كيفية صناعة المدافع والسيّارات والكهرباء، إذ ليس من وظيفة الأنبياء بحث هذه العلوم، ومقام هذه العلوم أدنى من رتبة القرآن. إن القرآن صانع للإنسان وهدف القرآن هو أن يوصل الإنسان إلى الرشد الحقيقي، فإذا رشد الناسُ تعلموا كل عمل صحيح وعلم مفيد لهم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة/2].

ومن المفيد أن نذكر هنا مثالاً بسيطاً ليتضح الكلام بنحو جيد. إذا قال أبُقراط أبو الطب أنني أوضحت في كتابي «قرابادين» كل شيء، فلا شك أن مراده أنه أوضح كل شيء يتعلق بالطب والعلاج، فإذا جئتَ تبحث في كتاب أبُقراط عن فن النجارة أو الفقه أو سياسة المدن كان ذلك دليلاً على أنك لم تفهم كلامه ولا أدركت قصده من كتابه. إن أبُقراط بيَّن ما له علاقة بالطب والعلاج فقط.

وكذلك عندما يقول القرآن إن فيه تبياناً لكل شيء ينبغي أن نفهم أن قصده كل شيء يتعلق بهداية البشر وإصلاح علمهم وعملهم، فإذا قام شخص بالبحث في القرآن عن علم الجراثيم أو علم الفلك أو فن التاريخ وغيره فقد تنكَّب الصواب واتجه اتجاهاً خاطئاً ولم يدرك وظيفة الرسل. نعم يتكلم القرآن أحياناً عن خلق النجوم والشمس والقمر والجبال والنباتات والبحار والأنوار، ولكن ينبغي أن تعلم أنه إنما يفعل ذلك بوصف تلك الأمور شواهد تدل على الربوبية فهو يثبت الصانع بهذه الطريقة ويوجه الناس إلى خالق العالم والبشر بدعوتهم إلى النظر والتأمل في الكون وخلق الإنسان، وليس مراده بيان التاريخ الطبيعي أو شرح علم التشريح أو علم النباتات، فالغاية الذاتية هي دعوة الخلائق إلى خالق العالم وتطهير النفوس من رجس المعاصي وبث روح الإنسانية في نفوس البشـر وإحياء الإنسان من موت الجهل ورذائل الأخلاق. يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِـلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ...﴾ [الأنفال/24] وأيضاً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل/97].

أحكام الشريعة في القرآن مجملة وتحتاج إلى السنة:

يثبت الاستقراء المعتبر أن معظم الأحكام التي وردت في كتاب الله أحكام كلية مجملة تحتاج إلى تفصيل لإجمالها، والسنة هي التي تبيِّن ما أجمله كتاب الله وتشـرح كلّيّاته، فلا يمكن فهم القرآن دون سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل/44]، وهذا هو السـرّ في جامعية القرآن رغم اختصاره، حيث أن القرآن يشتمل على الكليات وقد اكتمل الدين والشريعة باكتمال القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة/3].

إن نظرة بسيطة إلى القرآن تكشف بوضوح الحاجة الشديدة إلى السنة، فمثلاً نلاحظ أن تفاصيل الصلاة والصوم والزكاة وأمثالها ليست مُبَيَّنَة في القرآن وكذلك الأمر بالنسبة إلى فروع أحكام المعاملات والسياسات كالنكاح والعقود والقصاص والديات والحدود وغيرها. إذن من المسلم به أنه ينبغي على السُنَّة أن تُبيِّن تفاصيل الأحكام ولا يمكن العمل بكتاب الله دون السنة النبوية.

والدليل على حجية السنة واضحٌ في كتاب الله، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ[الحشر/7]، فالاستنباط من القرآن دون النظر إلى شرحه في السنة لا يجوز، بل لا بد في فهم القرآن من الرجوع إلى السنة ولذلك قال الرسول الأكرم: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتي. أو وَعِتْرَتِي(56).

والمراد من العترة الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن العترة تبين السنة وفي الواقع هي عين السنة وهذا هو معنى الحديث المأثور في أن علم القرآن هو عند آل محمد أي المراد هو أن بيان سنة النبي موجود لدى أهل بيته.

 وهاهنا موضوع يجدر توضيحه وهو أننا بحاجة إلى السنة في فهم الشـريعة والأحكام، أما في المسائل الاعتقادية مثل إثبات صانع العالم والتوحيد والنُبُوَّة والمعاد فلما كان القرآن قد تعرَّض لإثباتها بكل تفصيل وأقام عليها براهين ساطعة لم نعد بحاجة إلى الرجوع إلى السنة في هذا المجال.

فإذا عرفنا أن مباحث القرآن كلّيّة ومجملة وأنه لا يمكننا أن نفهمها دون الرجوع إلى السنة اتضح لنا بطلان قول من يسعون إلى تخريب الإسلام وليس لهم في الآخرة نصيب وهم خارجون عن جماعة المسلمين الذين يقولون إن في القرآن بيان لكل شيء وأننا لسنا بحاجة إلى السنة، ثم قاموا بتأويلات باردة للقرآن واتبعوا أهواءهم وآراءهم في فهم كتاب الله. والمراد من السنة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله وتقريره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب/21]، والمراد من فعل النبي وقوله واضح والمراد من تقريره أن يصدر عن شخص فعل أو قول في محضر النبي ويعلم النبي الأكرم بذلك ويكون قادراً على نهيه ومنعه فلا يفعل، فيكون هذا تقريراً منه على جواز ذلك الفعل أو القول. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

للقرآنِ ظهرٌ و بطنٌ:

من الناس من زعم أن للقرآن ظاهراً وباطناً وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار، فعن الحسن مما أرسله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَا أنزل اللهُ آيَةً إِلَّا وَ لَهَا ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ»(57)، وفي رواية أخرى: «إن للقرآن ظهراً و بطناً و لبطنه بطن إلى سبعة أبطن»(58).

إذا كان المراد بالظاهر هو المفهوم العربي وبالباطن فهم مراد الله تعالى من تنزيل كتابه ومن كلامه وخطابه، وبعبارة أخرى أن المراد بالباطن هو الوقوف على مراد المتكلِّم و فهم المقصود من الخطاب فإن هذا القولَ قولٌ صحيحٌ وسديدٌ وفي غاية الإتقان ولا نزاع فيه.

أما إذا كان المراد من باطن القرآن إثبات معنىً زائد على ما كان معلوماً عند صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما تدبَّره التابعون من بعدهم، فلا بد من دليل قطعيٍّ يثبت هذه الدعوى لأنها أصلٌ يُحكم به على تفسير الكتاب فلا يكون ظنياً، وسنبيِّن للقرَّاء الكرام ههنا حقيقة هذا الأمر بما يرضي الله ورسوله:

1- الأحاديث التي وردت في هذا الباب والتي تقول إن للقرآن سبعة أبطن أو سبعين بطناً كلها أحاديث مرسلة وليس لدينا أي حديث صحيح واحد في هذا الأمر أبداً.

2- هذه الأحاديث من وضع الإسماعيلية ومختلقات فرقة الباطنية، لذا نجدها مذكورة في تفاسير الإسماعيلية وكتبهم، كما نجد في رسائل إخوان الصفاء الذين كانوا من زعماء الباطنية أن الكتب السماوية لها تنزيل ظاهري وهو معاني ألفاظها، ولها تأويلات خفية وهي المعاني المعقولة. وزعموا كذلك أن لواضعي الشـرائع [الأنبياء والرسل] أحكام ظاهرية وجلية، ولهم أسرار باطنية وخفية. وجاء في خطط المقريزي في الدعوة السادسة من دعوات الإسماعيلية التسع أنه عندما يصل المدعو إلى الرتبة الخامسة يبدأ الداعي بتفسير معاني شرائع الإسلام له من صلاة وصوم وزكاة وحج وطهارة وغيرها من الفرائض بأمور تخالف ظاهرها، وإذا طال زمن الدعوة وآمن المدعو بأن وضع أحكام الشريعة كان على سبيل الرمز الذي لوحظت فيه السياسة العامة وأن للشرائع معان غير معناها الظاهري، بدأ الداعي بدعوة المدعو إلى أقوال أفلاطون وأرسطو وفيثاغورث.

يقول الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية»: «إن رتبة هذه الفرقة أخسّ من رتبة كل فرقة من فرق الضلال، إذ لا نجد فرقةً يُنقض مذهبها بنفس المذهب سوى هذه! إذ مذهبها إبطال النظر وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرموز وكل ما يُتصوَّر أن ينطلق به لسانهم إما نظرٌ أو نقلٌ: أمَّا النظر فقد أبطلوه، وأما اللفظ فقد جوَّزوا أن يُراد باللفظ غير موضوعه فلا يبقى لهم معتصمّ».

ويقول أيضاً في كتابه ذاك: «والقول الوجيز فيه أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها واستفادوا بما انتزعوه من نفوسهم من مقتضـى الألفاظ إبطال معاني الشـرع، وبما زخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم للمبايعة والموالاة وأنهم لو صرحوا بالنفي المحض والتكذيب المجرد لم يحظوا بموالاة الموالين..».

وقد أخذ الباطنية اعتقادهم بأن للقرآن ظهر وبطن من فرقة من فرق «اليهود» كما قال الشهرستاني -وهو يتكلم عن فرق اليهود -: «المقاربة واليوذعانية: نسبوا إلى يوذعان من همدان، وقيل: كان اسمه يهوذا، كان يحث على الزهد وتكثير الصلاة وينهى عن اللحوم والأنبذة، وفيما نقل عنه تعظيم أمر الداعي، وكان يزعم أن للتوراة ظاهراً وباطناً وتنزيلاً وتأويلاً وخالف بتأويلاته عامة اليهود، وخالفهم في التشبيه ومال إلى القدر...»(59).

وتأويلات الكاشي(60) المعروف بتفسير محيي الدين، كلها تأويلات للقرآن بمعان صوفية لا علم لأحد من أصحاب النبي والسلف الصالح بها.

وإذا دققنا النظر بشكل صحيح أدركنا أن التأويلات الباردة التي ابتدعها الباطنية وبعض المتصوّفة واتبعهم في ذلك جماعة من أخباريي الإمامية عن علم أو عن جهل قد وجَّهت ضربة كبيرة للإسلام وسبَّبت وجود مهديين كُثُر وفي النتيجة أضعفت الإسلام وشتَّـتَتْ المسلمين.

وخلاصة الكلام أنه إذا أريد بالباطن ذلك البيان الذي تذكره الباطنية خلافاً للعقل والمنطق والحقيقة فهو كفر وضلال، وأما إذا أُريد بالباطن معرفة مقصد القرآن ومراده فهذا معنى صحيح ومقبول.

المراد بالظاهر هو المفهوم العربي وبالباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه:

كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها؛ فهو داخل تحت الظاهر، ويتضح هذا الأمر بذكر أمثلة من كتاب الله، فمن ذلك مثلاً الفرق بين «الضيق» و «الضائق» في قوله تعالى ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام/125]، وقوله سبحانه ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود/12]، حيث أن «ضَيِّق» صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام بخلاف «ضَائِقٌ» الذي هو اسم فاعل دال على الحدوث والتجدد، وأنه أمر عارض له صلى الله عليه وآله وسلم. ومن ذلك الفرق بين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مدنية خاصة و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا مكية خاصة، و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ و﴿يَا بَنِي آَدَمَ التي خوطب بها جميع الناس كافة. ومثله الفرق بين الرفع في ﴿قَالَ سَلامٌ [هود/69]، والنصب فيما قبله من قوله: ﴿قَالُوا سَلامًا [هود/69]، وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخّري أهل البيان، فإذا حصل فهم ذلك كلُّه على ترتيبه في اللسان العربي؛ فقد حصل فهم ظاهر القرآن.

وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية، والإقرار لِـلَّهِ بالربوبية؛ فذلك هو الباطن المراد والمقصود الذي أُنزل القرآن لأجله، لأن هدف القرآن وقصده بث روح الإنسانية لدى البشر و توجيه الخلائق نحو خالق العالم. ويتضح هذا المطلب بذكر عدد من الأمثلة:

لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة/245]، قال أبو الدحداح: إن الله كريمٌ وغنيٌّ وقد استقرض منّا ما أعطانا، ففهم باطن الآية ومقصدها، وقالت اليهود: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران/181]؛ ففهمُ أبي الدحداح هو الفقه، وهو الباطن المراد، وفهمُ اليهود لم يزد على مجرد القول العربي الظاهر، ثم حمل استقراض الرب الغني على استقراض العبد الفقير، عافانا الله من ذلك.

ومن ذلك أن العبادات المأمور بها، بل المأمورات والمنهيات كلها إنما طلب بها العبد شكرًا لما أنعم الله به عليه، ألا ترى قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل/78]، وفي الأخرى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف/10]. والشكر ضد الكفر؛ فالإيمان وفروعه هو الشكر، فإذا دخل المكلف تحت أعباء التكليف بهذا القصد؛ فهو الذي فهم المراد من الخطاب، وحصَّل باطنه على التمام، فإذا كانت الصلاة تشعر بإلزام الشكر بالخضوع لِـلَّهِ والتعظيم لأمره والخشوع أمام خالق العالم؛ فمن دخلها عُريًّا من الخشوع كيف يُعَدُّ مِـمَّن فهم باطن القرآن ومقصده؟

وكذلك باطن آيات الزكاة وقصد الشارع من تشـريعها هو إنفاق المال أولاً وإصلاح نفس شخص الغني و تربية ملكة السخاء والكرم في نفسه، و وقايته من رذيلة الشح والبخل، وثانياً القصد منها ترفيه حال الفقراء والمحرومين، وإعانة المساكين مما له نفع كبير في الدارين، إلى فوائد كثيرة أخرى لا نحتاج إلى ذكرها ههنا.

فإذا احتال شخصٌ له مال قد حال عليه الحول، فوهبه لابنه عند رأس الحول فرارًا من أدائها إلى مستحقيها كان عمله هذا مخالفاً لباطن القرآن وقصده.

 وكذلك من يضارّ الزوجة لتنفكّ له من المهر على غير طيب نفس لا يُعَدُّ عاملاً بالقرآن بل كان بعمله هذا مخالفاً للدِّين ومقصد سيد المرسلين.

ومن هذا القبيل ما يقومون به من حيل شرعية لأكل الربا وأكل أموال الناس ويحسبون أن هذه الوسائل تجعل الربا حلالاً! ولسوء الحظ إن هذا الأمر الشنيع الذي يناقض مقاصد القرآن وباطن الدين منتشر بأسوأ صورة لدينا بين مُدِّعي التَدَيُّن والتقوى!!

وكذلك لم يفهم الخوارج باطن الكتاب ومقصده عندما كفَّرُوا أميرَ المؤمنين عليَّ بنَ أبي طالب و قالوا: إنه حَكَّمَ الخلق في دين الله، واللهُ يقول: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِـلَّهِ [الأنعام/57]، وقالوا أيضاً: إنه محا نفسه من إمارة المؤمنين؛ فهو إذن أمير الكافرين! ولو تدبَّر الخوارج في كتاب الله و فهموا مراد القرآن وقصده لعرفوا جواز تحكيم الخلق في الدين كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة/95]، وقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء/35]، ولفهموا أن قوله تعالى ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِـلَّهِ لا يخالف التحكيم ولما اجترؤوا على مقام أمير المؤمنين ولما أوقعوا عالم الإسلام في تلك المصائب.

وكذلك، وبسبب عدم تدبرها بعمق في آيات الكتاب وجمودها على ظواهر الكلام وعدم فهمها لباطن القرآن ومقصده قامت فرقة المجسِّمة (المشبهة) بحمل الآيات الواردة في القرآن حول صفات الله على معناها الظاهري، فأثبتت لِـلَّهِ يداً وعيناً وأذناً ووجهاً وقاست الرب بذلك على الخلق، فوقعت في التجسيم وأخذت بالمتشابهات ولم ترجع إلى المحكم حيث قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11].

وخلاصة الكلام أن المراد من باطن القرآن مقاصده ومراميه. فياللعجب! لقد قام بعض الناس باختلاق مراد من الباطن على صورة أخرى جعلوا فيها آيات القرآن تابعة لأهوائهم وأغراضهم الشخصية والسياسية وذلك كقولهم إن المراد من البعوضة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة/26] هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب! وكذلك أن المراد من الإبل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية/17] هو عَلِيٌّ أيضاً! فقاموا بهذه الترهات والأوهام بتحريفٍ غريب للدين ولمعاني القرآن وألصقوا بالقرآن كل منكر وقبيح.

لكل من ظاهر القرآن وباطنه شرط، فشرط الظاهر أن يوافق لغة العرب ولا يخالف الشرع:

كون الظاهر هو المفهوم العربي مجردًا لا إشكال فيه؛ لأن الموالف والمخالف اتفقوا على أنه منزل بلسان عربي واضح مبين قال تعالى:﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل/103]. وبناءً عليه لم يختلف أحد في فهم الظاهر العربي للقرآن وأما ما اختُلف فيه فهو باطن القرآن ومقصده، وشرط فهم ظاهر القرآن أن يكون جارياً على مقتضى اللغة العربية المحضة، فكل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي؛ فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك؛ فهو في دعواه مبطل.

ومن أمثلة ذلك ما ادعاه «بيان بن سمعان»(61)، حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ...﴾ [آل عمران/138]!

 ومثله فرقة «المنصورية» الذين ادَّعى زعيمهم «أبو منصور»(62) أنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور/44].

وحكى بعض العلماء أن عُبَيْدَ الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملك أفريقية واستولى عليها؛ كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره، وكان أحدهما يسمى بنصر الله، والآخر بالفتح؛ فكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكركما الله في كتابه فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ [النصر/1] قالوا: وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى؛ فبدل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران/110] بقوله (كتامة خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)!! و مثل ذلك ما فعله البابية والبهائية والأزلية الذين أوَّلوا آيات القرآن بتأويلات منكرة و باردة و وطبقوها على أشخاص معينين.

وقال بعض من لا علم له بوضع لغة العرب في مثنى وثلاث ورباع بجواز نكاح الرجل من تسع نسوة حرائر مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [النساء/3].

منهم من يرى شحم الخنزير وجلده حلالًا؛ لأن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة/3]، فلم تحرِّم الآية شيئًا من أعضاء الخنزير غير لحمه!

وكذلك فسَّر بعضهم كلمة «غوى» في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه/121] بمعنى أنه تخم من أكل الشجرة، من قول العرب: «غوي الفصيل يغوي غوىً» إذا بشم من شرب اللبن، وهو فاسد، لأن غَوِيَ الفصيلُ «فَعِلَ» بفتح فكسـر، من باب فَرِحَ، والذي في القرآن على وزن «فَعَلَ» أي بالفتح.

وكذلك فسـَّر بعضهم كلمة «خليلاً» في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء/125]، بمعنى: فقيراً إلى رحمته، من الخَلَّة بفتح الخاء بمعنى المسكنة!.

فهذه الجماعة لما لم يكن لها علم كامل بلغة العرب و قواعد الأدب العربي تمسكوا بتلك الأوهام و فسروا كتاب الله بآرائهم واتبعوا في ذلك أهواءهم وقد أدَّى بهم ذلك إلى تحريف كلام الله وتفسيره حسب هواهم وبما لا يشهد له اللسان العربي.

وخلاصة الكلام، كل معنى يُراد أخذه من ألفاظ القرآن لا بد أن يكون موافقاً لقواعد الكلام العربي وأن يكون معنىً يفهمه المخاطبون، كما أنه إذا كان العرب يستعملون لفظة معينة في معنى خاص لم يجز أن يُعطى لتلك اللفظة معنى آخر اتِّباعاً للهوى.

 

شرط فهم باطن القرآن أن يوافق لغة العرب ويشهد له الشرع، وتأويلات فرق الباطنية باطلة:

هناك شرطان لازمان لفهم باطن القرآن أي المراد من الخطاب فيه وحقيقة قصده وهما:

الشرط الأول: أن يصح ذلك المعنى الباطن على مقتضى الظاهر المقرَّر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية. والدليل على ذلك أنه من الواضح أن القرآن عربيٌّ، فلو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب؛ لم يوصف بكونه عربيّاً بإطلاق، فكل معنى ليس في ألفاظ القرآن ما يدل عليه، لم يصح أن ينسب إليه أصلًا، بل هو معنى مخترع ومصطنع.

ولأنه لو صح أن نفسر القرآن بمعان لا يدل عليها لفظه العربيّ أبداً، لجاز أن يفسره غيرنا بضد المعاني التي فسَّرناهُ بها، ولا مرجّح يدل على أحدهما؛ فإثبات أحدهما تحكُّمٌ وتقوُّلٌ على القرآن ظاهرٌ، ولأنه عندما لا نهتم أصلاً بالألفاظ واستعمالاتها في اللغة العربية فإنه يمكننا أن ننسب للقرآن أي معنى نريده وذلك مثل من زعموا في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس/1] أن المراد من «الشمس» النبي الأكرم، والمراد من «ضحاها» أمير المؤمنين علي بن أبي طالب! ويوجد الكثير من مثل هذه التفسيرات في تفاسير الأخبارية من الشيعة.

أولاً: ينبغي أن ننظر هل يفهم العرب من كلمة الشمس معنى الرسول الأكرم؟ أم هل يوجد في أي كتاب من كتب اللغة أن أحد معاني الضحى هو أمير المؤمنين؟ لا شك أنه لا يوجد مثل ذلك إطلاقاً. وثانياً إن مثل هذه التفسيرات هي في الواقع لعب بالقرآن وافتراء على الله والقيام بذلك إثم كبير وفتح للباب أمام الدجالين وأدعياء الباطل ليدَّعوا مَعَان للقرآن ما أنزل الله بها من سلطان!

والشرط الثاني: أن يكون لهذا المعنى شاهدٌ نصّاً أو ظاهراً في محل آخر من القرآن يشهد لصحته من غير معارض، أو أن تشهد له سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

بهذين الشرطين فقط: موافقة لغة العرب و وجود شاهد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يمكن فهم باطن القرآن. فتبين من ذلك أن المعاني التي يفسر بها الباطنية كتاب الله كلها أباطيل وأوهام، وذلك مثل قولهم في «الجنابة»: إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى «الغسل» تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى «الطهور» هو التبرّي والتطهُّر من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، و«التيمُّم» الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام، و«الصيام» الإمساك عن كشف السر، و«الكعبة» النبيّ، و«الباب» عليّ، و«الصفا» هو النبيّ، و«المروة» عليّ، و«التلبية» إجابة الداعي، و«الطواف سبعًا» هو الطواف بمحمد -عليه الصلاة والسلام- إلى تمام الأئمة السبعة، و«الصلوات الخمس» أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام، و«نار إبراهيم» هو غضب نمرود لا النار الحقيقية، وذبح «إسحاق» هو أخذ العهد عليه، و«عصا موسى» حجته التي تلقفت شبه السحرة، و«انفلاق البحر» افتراق علم موسى -عليه السلام- فيهم، و«البحر» هو العالم، و«تظليل الغمام» نصب موسى الإمام لإرشادهم، و«المن» علمٌ نزل من السماء، و«السلوى» داع من الدعاة، و«الجراد والقمل والضفادع» سؤالات موسى وإلزاماته التي تسلَّطت عليهم، و«تسبيح الجبال» رجال شداد في الدين، و«الجن الذين ملكهم سليمان» باطنية ذلك الزمان، و«الشياطين» هم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال الشاقة، إلى سائر ما نقل من خطابهم الذي هو عين الخبال، وضحكة السامع، نعوذ بالله من الخذلان(63).

هذه التأويلات الباردة، البعيدة عن المعاني الحقيقية للألفاظ وعن المنطق والعقل والدين، شاعت بين المسلمين إلى درجة أصبح إنكارها ومنع القول بها عملاً في غاية الصعوبة، حتى أن جماعة الأخباريين من الإمامية رغم مخالفتهم للباطنية في الأصول والفروع أوردوا أمثال تلك التأويلات في كتبهم!

هذه التأويلات وأمثالها هي التي كانت السبب في نشأة فرق ضالة كالقاديانية والبابية والأزلية والبهائية وملاحدة الصوفية. أعاذنا الله وجميع المؤمنين من شرور أنفسنا.

التفسير بالرأي وتقسيمه إلى جائز و ممنوع

لا شك أن تفسير الإنسان لآيات القرآن برأيه الشخصي وعقائده الذاتية يُعَدُّ عملاً مذموماً في الشرع المقدس يعرِّض فاعله لعذاب النار، ويكفي في ذم هذا العمل الحديث النبوي الشريف الذي يقول: «مَن فسَّر القرآن برأيه فليتبوَّأْ مقعدهُ من النار»(64)، وقد أُثِرَ عن الأئمة الهادين عليهم السلام أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح، والنصِّ الصريح.

والتحقيق في هذا المبحث هو أن التفسير إذا تم على نحو مطابق لكلام العرب وموافقٍ للكتاب والسنَّة فلا يمكن القول بأن مثل هذا التفسير منهيٌّ عنه وممنوع، وذلك لعدَّة وجوه:

1- لقد أمر الله تعالى بالتدبُّر في كتابه لفهم مراده واستنباط الأحكام منه، ولم يصل إلينا من المعصوم تفسير جميع آيات القرآن، في حين أن الحاجات والحوادث تزداد يوماً بعد يوم، وبالتالي فإمَّا أن نتوقَّف عن العمل بالقرآن ونعطل الأحكام وهذا غير ممكن، أو أن نجتهد في فهم القرآن ونستخرج منه الحكم بشأن الحوادث المستجدَّة والحاجات المتجدِّدة.

2- لو كان تعلُّمُ كتاب الله وتدبُّرُ آياته عملاً غير جائز، ولو كان الاجتهاد في فهم القرآن وتفسيره بالرأي المحمود حراماً مطلقاً لكان من اللازم أن يفسِّر الرسول الأكرم والأئمة الطاهرين جميع آيات القرآن كي لا يحتاج أحدٌ إلى إعمال النظر والفكر فيها، ومن المسَلَّم به أن الرسول والأئمَّة قد بيَّنوا معاني الآيات التي لا سبيل لعقل الإنسان أن يدرك مراميها، ولكنهم أوكلوا إلى عقول علماء الأمة المرحومة واجتهاد الراسخين في العلم فَهْمَ وتفسير أغلب الآيات وأكثرها، وبناء عليه ليس من الضروري أن يُؤثر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين تفسير جميع آيات القرآن وكلماته.

3- كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالاحتياط من غيرهم وأجدر بالامتناع عن تفسير معاني آيات القرآن لو كان ذلك ممنوعاً، هذا في حين أننا نجد أنهم كانوا يفسـرون القرآن بما يفهمونه ومعظم التفاسير وصلت إلينا عن طريقهم:

أما لو كان إبداء الرأي والاجتهاد في تفسير آيات القرآن غير مطابق للغة العرب ولا للأدلة الشرعية من الكتاب والسنة فلا شك أنه تفسير بالرأي المذموم واجتهاد خاطئ مرفوض وافتراء على الله، وقد منع الشارع مثل هذا التفسير بالرأي منعاً مؤكداً.

إذن للنهي عن الرأي في القرآن وجهان:

الوجه الأول: أن يكون للمفسر رأي في شيء وله إليه ميلٌ من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج به على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

وهذا الوجه من التفسير بالرأي المذموم على عدة أقسام:

القسم الأول: أن يكون هذا التفسير بالرأي مع العلم. كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك ولكن يلبِّس به على خصمه. وهذا مثل صنيع الفرق الضالة التي تفسِّـر آيات القرآن طبقاً لأهوائها لإضلال الناس.

والقسم الثاني: أن يحصل هذا التفسير بالرأي على جهلٍ من صاحبه، أي أن يتخيل صاحبه أنه يفهم القرآن مع أنه جاهل بمعناه، فإذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسَّر برأيه، أي أن رأيَهُ هو الذي يحمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه(65).

لو دقَّقْنا النظر في كثير من التفاسير الموجودة لرأينا أن كثيراً منها اعتمد على آراء صاحبه الشخصية دون أن يكون لتفسيره أي علاقة بكتاب الله. فمثلاً نرى أن شخصاً معتزلياً يفسر آيات القرآن طبقاً لعقائد المعتزلة، مثل تفسير الكشاف، أو نرى مفسراً أشعرياً قد اتخذ آراءه وعقائده من أدلة غير كتاب الله، ثم أتى إلى القرآن فأخذ يفسّـر آياته طبقاً لعقائده الأشعرية وذلك مثل تفسير البيضاوي وتفسير الفخر الرازي، أو نرى فيلسوفاً يؤمن بآراء الفلاسفة وعقائدهم فيفسر القرآن طبقاً لعقائده الفلسفية وذلك مثل صدر المتألِّـهين الشيرازي الذي فسر القرآن طبقاً لفلسفته، أو نرى شخصاً باطنياً قد بنى عقائده وآراءه من مصادر غير القرآن، ثم أتى إلى القرآن فأخذ يؤوله طبقاً لآراء الباطنية، وذلك مثل الملا عبد الرزاق الكاشي (أو الكاشاني)، أو نرى شخصاً صوفياً أخذ عقائده الصوفية من غير القرآن ثم لما أراد أن يفسر القرآن فسره طبقاً لآراء الصوفية وعقائدهم، والأمر ذاته ينطبق على بقية المذاهب والفرق المختلفة التي نشأت في الإسلام حيث قامت كل فرقة بتطبيق القرآن على عقائدها مما أوقع الإسلام والمسلمين في الاختلاف والتشتت وجعل أربعمئة مليون مسلم خاضعين لسيطرة الأمم الأخرى ووقع عليهم ما وقع!.

والقسم الثالث من الوجه الأول للتفسير المذموم بالرأي: أنه قد يكون للشخص غرضٌ صحيحٌ فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدلُّ عليه مما يعلم أنه ما أريد به! كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله عز وجل: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه/24] ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه - أي القلب القاسي- هو المراد بفرعون! أو كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَحَّرُوا فإن في السحور بركة»(66) ويزعم أن المراد به التسحُّر بالذكر وهو يعلم أن المراد به التسحُّر بالأكل. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع وهو ممنوع لأنه من التفسير بالرأي الذي نهى عنه الشـرع المقدَّس نهياً أكيداً (67).

والوجه الثاني من التفسير المذموم بالرأي: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير رجوع إلى أسباب النزول و تاريخ العرب في الجاهلية و سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودون استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدّلة وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير. فمن لم يحكم بظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية دون مراجعة النقل والسنَّة والسماع، كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسّـِر بالرأي الذي بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتبوَّأ مقعده من النار.

الطريقة المثلى لتفسير كتاب الله وفهمه: من أراد أن يفسِّـر القرآن فعليه أن يبحث عن تفسير القرآنُ في القرآنِ نفسه لأن القرآن يفسِّر بعضه بعضاً، فما أُجْمِلَ في مكَانٍ قد بُسِطَ في مَوْضِعٍ آخرَ، فإن أعْياهُ فَعَلَيْهِ بسُّنَّة النبي؛ فإنها شَارِحةٌ للقُرْآنِ وَمُوَضِّحةٌ له، وحِينَئذٍ إذا لم يَـجِدِ التفْسِيرَ فِي القُرآنِ ولا في السُّنةِ رَجَعَ في ذلك إلى أهل بيت النبيِّ عَليهِمُ السَّلام وإلى أَقْوالِ الصَّحابةِ؛ فالرجوع إلى أهل البيت طريقٌ مرضيٌّ للغاية لأن أهل البيت أدرى بما فيه، والرجوع إلى الصحابة طريق صحيح أيضاً لأنهم أدْرَى بذلك لما شَاهَدُوا من القَرائِنِ والأحْوالِ حين نزول القرآن.

وبالنسبة إلى الاستفادة من التفاسير والرجوع إليها فإن أفضل التفاسير التفسير الكبير لابن جرير الطبري، وتفسير مجمع البيان [للطبرسي] و مفردات غريب القرآن للراغب الأصفهاني، إذ إن معرفة معاني ألفاظ القرآن معينة جداً على فهمه. اللهم ارزقنا فهم القرآن برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

تقسيم موضوعات القرآن وبيان محتوياته:

سرُّ القرآن ومقصوده الأقصى دعوة الخلائق إلى خالقهم وخالق العالم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات/56]. والغاية المطلوبة للقرآن هي الرقي بالعبد من حضيض النقصان إلى أوج الكمال والعرفان، وسوق الناس إلى كعبة الكمال والإيمان، فهذا الكتاب يبحث في كيفية السفر نحو الله ومجاورة المقربين من ساحة قدسه في طبقات الجنان وكيفية النجاة من الشقاء ومن دركات الجحيم، ولهذا تنحصر فصول القرآن وأبوابه وسوره وآياته في ثلاثة مقاصد تشكل أركان القرآن وأصوله الهامة الأساسية وثلاثة مقاصد أخرى متفرعة عنها ومتممة لها.

أما الأصول الثلاثة المهمة:

1- معرفة مبدأ العالم بالربوبية وبيان صفات الربوبية وكيفية عبادة رب العالمين، وبيان توحيد الذات والصفات وتوحيد الإلهية وتوحيد العبادة ونبذ الأنداد، وقد بينا هذا الموضوع بشكل كامل في رسالتنا «توحيد العبادة» التي طُبعت في طهران.

2- معرفة الصراط المستقيم وطريقة معرفة الله والطريق الذي يوصل الإنسان إلى الله.

3- معرفة المعاد -أي الآخرة- وكيفيتها وبيان حال العباد في تلك النشأة.

وأشرف هذه الأصول العلم بالله وباليوم الآخر: ﴿آَمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ [النساء/39]. وبعد ذلك معرفة الصراط المستقيم: ﴿اهْدِنَا الصِّـرَاطَ المُسْتَقِيمَ [الفاتحة/6]. والمراد من الصراط المستقيم معرفة كيفية تزكية النفس وتنوير القلب وتخليص النفس من شوائب الطبيعة وكثافة عالم المادة.

وأما الأصول الثلاثة التابعة والمتممة:

1- أحوال الرجال الذين سلكوا الطريق إلى الله ووصلوا إلى غاية المقصود من الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين.

2- أحوال الذين أعرضوا عن الله وانحرفوا عن طريق الإنسانية المستقيم فوقعوا أسرى الشياطين وتاهوا في أودية الشرك والجهالة وهلكوا في الدنيا والآخرة مثل فرعون وقارون وأصحاب لوط وقوم نوح وأمثالهم.

3- بيان معالم الطريق وكيف يمكن للإنسان أن يُحصّل زاد السفر.

وبيان ذلك باختصار أن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله، والبدن هو مَرْكَب الإنسان فلا تجوز الغفلة عن تدبير المنزل والمركب، ولا يمكن لهذا السفر أن يتم وينتهي إلا بحفظ الدين وبقاء النوع، فالإنسان محتاج إلى قانون يدير حياته، وجميع آيات الأخلاق في القرآن وأبواب الفقه فيه من طهارات وعبادات ومعاملات وسياسات ونكاح وطلاق وإرث وكتاب أطعمة وأشربة هي بيان لمعالم الطريق.

لقد أعطى القرآن للإنسان دستوراً كاملاً للحياة منذ انعقاد نطفته وحتى لحظة وفاته، والمراد من بيان معالم الطريق هو هذا الأمر، ولما كانت هذه الرسالة مبنية على قاعدة الاختصار فإننا نحجم هنا عن بيان دقائق الأحكام ونحيل القرّاء الكرام إلى كتاب مفصل ألّفته عن سر التشريع. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

مقاصد القرآن من تشريع الشريعة والأحكام

قبل الشروع في المقصود لا بد من مقدمة كلامية مسلمة في هذا الموضوع:وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً، والقرآن أمر بما فيه مصلحة العباد ونهى عما فيه مفسدتهم، و وظيفة الرسل هي بيان المصالح والمفاسد وهذا هو سبب الحاجة للرسل.

والشاهد على ذلك الآيات الواردة في كتاب الله والتي ذكرت الغايات والمصالح التي لأجلها شرع الله الشرائع.

1- قال تعالى مبينا الغاية والمصلحة من بعثة الرسل بشكل عام: ﴿رُسُلاً مُبَشّـِرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء/165]، وقال أيضاً بشأن بعثة الرسول الأكرم خاصَّةً:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء/107].

2- وقال تعالى في بيان الحكمة والمصحة من أصل الخلقة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود/7]، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات/56]، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [المُلك/2].

وأما تعليلات تفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة، فأكثر من أن تحصـى، ونكتفي هنا بذكر بعضها:

1- قال تعالى بعد آية الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة/6].

2- وقال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة/183]

3- وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت/45].

4- وقال في القبلة: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة/150].

5- وفي الجهاد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج/39]

6- وفي القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ [البقرة/179].

7- وفي التقرير على التوحيد: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف/172]، والمقصود التنبيه.

وإذا دل الاستقراء على هذا، وكانت مثل هذه القضية مفيدة للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة.

مقاصد الشريعة ضروريَّة و حاجيَّة و تحسينيَّة:

أما الضروريات، فهي التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين، مثلها في ذلك مثل الماء والهواء اللذين إذا لم يوجدا امتنع التنفس واستحالت حياة الإنسان، فكذلك المقاصد الضرورية إذا لم تتم مراعاتها استحالت حياة الدنيا والآخرة.

أما الحاجيات، فمعناها أنها مُفتقرٌ إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. فالحاجيات يُقصد منها ترفيه العباد والتيسير عليهم مثل قصـر الصلاة والإفطار من الصوم في السفر وأكل الميتة في المخمصة، يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج/78].

أما التحسينيات، فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.

الضروريات خمسة:

ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.

1- حفظ الدين: لأن أول شيء يدعو الأنبياءُ والرُّسُلُ البشَرَ إليه هو الدين، والمراد من الدين الاعتقاد بالمبدأ والمعاد وربط الخلائق بالله، وغاية خلقة الإنسان عبادة الله الواحد الأحد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات/56]، وهذه العبادة وربط الخلق بالحق تمثل جوهر الحياة ولب المعرفة والغاية القصوى لسير الإنسانية، فما لم يعرف الناسُ اللهَ وما لم يعبدوه ويتقربون إليه زُلفى لن يحيوا، فأهم أصل في القرآن حفظ الدين وربط الخلق برب العالمين، وبناء عليه أَمَرَ اللهُ في القرآن بسلسلة من أحكام الشريعة التي تهدف إلى حفظ هذا الأصل، أي تقريب الإنسان من الله وإيجاد روح الطاعة والعبودية في نفسه لِـلَّهِ، كالصلاة والصوم والزكاة والصدقات وأمثالها. كما نهى القرآن الإنسانَ عن كل ما يبعده عن الله كالشرك الأكبر والأصغر وطاعة غير الله وطلب الحوائج من غيره والأمن من مكر الله واليأس من روحه وأمثالها.

2- حفظ العقل: غرض القرآن الآخر من وضع الشريعة حفظ العقل. يجب على الأنبياء والرسل أن يحفظوا عقول الناس وما لم يتم حفظ عقل الناس وقيام الناس باستخدام عقلهم وإرادتهم فلن يكون من الممكن أن يصلوا إلى الرقي والتكامل وتحصيل سعادة النشأتين. فالقرآن يخاطب العقلاء فلا بد أن يضع أحكاماً تحفظ للإنسان عقله كي ينتبه إلى كعبة الكمال.

ولذلك أمر القرآن بما يحفظ العقل كالتدبُّر في آيات الله ومطالعة عالم الخليقة والتفكُّر والتعلُّم وأمثالها. كما نهى عما يخرب العقل مثل تقليد الآباء وطاعة الكبراء والرهبان والأحبار واتباع الظن، ومثل تحريمه لشـرب الخمر والمسكرات وأمثالها حفظاً لعقول الناس.

3- حفظ البدن: لما كانت الدنيا مزرعة الآخرة وكان الإنسان في حالة سفر، فما لم يتم حفظ المركب لن يصل الإنسان إلى المقصد، لذا اعتنى القرآن بشكل كامل بحفظ النفوس. فأمر القرآن بكل ما يحفظ النفس ونهى عن كل ما يهلكها كالقتل والضرب والظلم والجور والجرائم وأمثالها.

4- حفظ النسل: لما كان أفراد البشر غير خالدين في الدنيا وكان دوام الإنسان ببقاء نسله فقد أمر القرآن بما يحفظ النوع من طريق التناسل ونهى عما يهلك النسل ويقطعه كالزنا واللواط وأمثالها.

5- حفظ المال: بما أن الإنسان لا يستطيع طي منازل الحياة إلا إذا امتلك المال؛ أمر القرآن بما يحفظ المال ونهى عما يتلفه فنهى عن الإسراف والسـرقة والخيانة والإضرار بالآخرين وأمثال ذلك.

وخلاصة الكلام إن الغاية من الشـريعة حفظ هذه الأصول الخمسة وقد ذكرناها هنا على سبيل الإشارة لأن تفصيل هذا المجمل يحتاج إلى كتاب مفصل وبناؤنا في هذه الرسالة على الاختصار لذا أعرضنا عن بيان تفاصيل هذه الأمور، وأحيل القُرّاء إلى كتابي المفصل في الفقه الذي كتبتُهُ حول هذا الموضوع وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإصلاحه وطبعه ونشره.

الناسخ والمنسوخ في القرآن:

النسخ في أصل اللغة معناه إبطال الشيء وإزالته وإحلال شيء آخر محله، وفي اصطلاح المحققين هو انتهاء مصلحة الحكم الأول. وقد بينا سابقاً أن أحكام الشرائع والديانات إنما وُضعت لأجل جلب المصالح للعباد وما من حكم شرعه الله إلا وفيه مصلحة للناس، فالشارع المقدس يلاحظ المصلحة أولاً ثم يشرع لتحقيقها ذلك الحكم، ولما كانت مصالح العباد تختلف حسب الأزمنة والأمكنة، كما أن نظام أمور الجمهور يختلف حسب الأزمنة فقد وقع النسخ في الشـرائع من هذه الجهة. ونكتفي هنا بذكر مثال يوضِّح هذا الأمر، وهو أن نقول إن أوامر الشارع ونواهيه تشبه أوامر الطبيب ونواهيه؛ فعندما يذهب المريض إلى الطبيب فيقول له الطبيب عليك أن تتناول مسهلاً أو تأخذ الدواء الفلاني أو يقول له عليك أن تجتنب أكل الحامض، فإن أمر الطبيب هذا ونهيه محدودان في الواقع بزمان خاص، لكن المريض قد يتصور أن هذا الأمر والنهي دائمان، ولا شك أن الطبيب أراد من ذلك الأمر والنهي جلب المنفعة ودفع المضرة عن المريض، وعندما يتم إحراز هذه المصلحة وإزالة تلك المفسدة يتم نسخ حكم الطبيب أي لا تعود هناك مصلحة في تناول ذلك الدواء أو الحمية من الحوامض، فَنَسْخُ أحكامَ الشرع هو على هذا المنوال بمعنى أن مصلحة الحكم قد انتهت وليس معناه أن الحكم من أساسه رُفع. إذا عرفت معنى النسخ وحقيقته فإننا نبين لك أمرين لفهم النسخ في القرآن والشريعة:

1- من المسلمات أن الأمور التي نزل القرآن للدعوة إليها في بداية الإسلام والتي تكفَّلت بذكرها السور المكية هي الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين؛ فأول ما دعا القرآنُ الخلائقَ إليه هو الإيمانُ بالله وبرسوله وباليوم الآخر، ثم شرع بعد ذلك الصلاة ونهى عن الشرك والكفر وتوابعهما كالذبح لغير الله وأمثال ذلك نهياً أكيداً، كما دعا إلى مكارم الأخلاق كالعدل والإنسان وأمر بالوفاء بالعهد والإعراض عن الجاهل والدفع بالتي هي أحسن وخوف الله والصبر والشكر. ونهى عن الأخلاق الرذيلة وعن الفحشاء والمنكر والبغي والقول بغير علم والتطفيف في الكيل والوزن والفساد في الأرض والزنا والقتل ووأد البنات وأمثالها من الأمور التي كانت رائجة في دين أهل الجاهلية. إذن تكفَّلت الآيات المكية بالكليات. ثم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة بدأ إكمال تلك القواعد:

2- من البديهيات الأولية أن الأحكام العقلية الكلية لا تقبل النسخ والتخصيص، فمثلاً القاعدة العقلية التي تقول إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، أو إن الكل أعظم من الجزء، لا يمكن تصور نسخها بأي شكل من الأشكال، وقد ذكرنا في الفصل السابق أن القرآن حافظ للضـروريات والحاجيات والتحسينيات، وأن الضروريات هي حفظ الدين والعقل والبدن والنسل والمال، وكليات الشرائع كليات عقلية لا تقبل النسخ والتخصيص، وقد جاءت جميع الشرائع السماوية لحفظ هذه الأصول، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى/13].

ففي هذه الآية المباركة تصريح بأن جميع الأنبياء دعوا إلى أصول واحدة ولا اختلاف بين الرسل في ذلك، قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة/285]. إذن، اختلاف الشـرائع هو في الأمور الجزئية فقط والنسخ في الشرائع هو في الجزئيات فحسب، فناسخ القرآن ومنسوخه ليس في الكليات العقلية لأنها لا تقبل النسخ أبداً: «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(68).

وخلاصة الكلام إن النسخ في الديانات وكذلك النسخ في بعض أحكام القرآن إنما هو في الأمور الجزئية فقط وبعبارة أوضح نسخ الأحكام هو في الأمور التحسينية والشكلية في الشريعة والدين وليس في الكليات وقواعد الشريعة، وذلك مثل تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة أو تغيير حكم طلاق المرأة الذي كان في بداية الأمر غير محدود بعدد ثم حُدِّد بثلاث طلقات، أو أن الظهار كان يُعَدُّ طلاقاً ثم لم يَعُدْ يُعْتَبَر طلاقاً وأمثال ذلك. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

المحكم والمتشابه في القرآن وبيان حقيقته:

مبحث محكم القرآن ومتشابهه من مشكلات فن علوم القرآن وقد وُجِدَتْ فيه آراء وأهواء متضادة، ولما لم يأتِ الناسُ هذا الأمرَ من أبوابه الصحيحة تشتَّتَتْ أفكارُهم، ولذلك فإننا سنقوم ببيان مخ هذا المطلب ولب حقيقته مستمدين المدد لذلك من رب العالمين، فنقول وبالله التوفيق:

إن القرآن يصرح في بعض مواضعه أنه محكمٌ كلُّه ويصرح في موضع آخر أنه متشابه كلُّه، و يبين لنا في موضع ثالث أن بعضه محكم وبعضه متشابه.

أما الآيات التي تدل على أنه محكمٌ كلُّه فقوله تعالى: ﴿الر. تِلْكَ آَيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ [يونس/1]، وقوله ﴿الر. كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ [هود/1].

أما الموضع الذي يقول فيه أنه متشابهٌ كلُّه فهو قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[الزمر/23].

أي: أن الله أنزل أحسن الحديث كتاباً يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز وجودة الألفاظ وصحة المعاني والحسن والجمال والهداية والبلاغة ويصدق بعض الكتاب بعضه الآخر، وقد أشار تعالى إلى هذا الأمر في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء/82].

والمراد من المثاني أن حوادث الزمان لا تُبلي القرآن، فكل شيء يندرس ويضمحل مع الزمن إلا القرآن، ويمكن أن يكون المراد من المثاني أن للقرآن فوائد متجددة يكتشف الناس منه كل يوم فوائد لم يدركها السابقون، والقرآن يعين على تكامل البشر ورقيهم، وهذا القرآن خالد. وفسر بعضهم المثاني أن القرآن مشتمل على أزواج من المعاني مثل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والرحمة والعذاب، والجنة والنار، والمؤمن والكافر.

وأما الآيات التي تدل على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه، وهي موضع بحثنا، فهي قوله تعالى في الآية المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ [آل عمران/7].

تصرح هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن فيه محكم ومتشابه ولأجل تحقيق المحكم والمتشابه سنحتاج إلى بيان بعض المباحث التالية:

1- المحكم: العرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت، ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث النَّخَعِيّ: «أَحْكِمِ اليتيمَ كما تُحْكِم وَلَدك» أي امْنَعه من الفساد كما تمنع ولدك. وقال جرير: أحكموا سفهاءكم، أي امنعوهم، وبناءٌ محكمٌ أي وثيقٌ يمنع من تعرَّض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي(69).

2- المتشابه: الشِّبه والشَّبَه والشبيه حقيقتها في المماثلة من جهة الكيفية كاللون والطعم وكالعدالة والظلم، والشُّبْهَة هو أن لا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عيناً كان أو معنىً، قال: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة/25] أي يشبه بعضه بعضا لوناً لا طعماً وحقيقةً، وقيل متماثلاً في الكمال والجودة، وقوله: (تشابهت قلوبهم) أي في الغيّ والجهالة، قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران/7] والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى(70).

3- أم الكتاب: يُقَال لكل ما كان أصلاً لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه أمٌّ، قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أمَّاً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف/4]: أي اللوح المحفوظ وذلك لكون العلوم كلها منسوبة إليه ومتولدة منه. وقيل لمكة أم القرى وذلك لما روى أن الدنيا دحيت من تحتها، وأم النجوم المجرَّة(71).

4- التأويل: يقول الراغب الأصفهاني: «التأويل من الأَوْل أي الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاً، ففي العلم نحو: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..﴾ [آل عمران/7]. وفى الفعل كقول الشاعر: * وللنوى قبل يوم البين تأويلُ * وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ..﴾ [الأعراف/53]: أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه.».

وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره: «القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا» يريد تفسيره.

 وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل، والتأويل على معنى صرف اللفظ عن ظاهره هو الذي فتح الباب لدخول البدع والخرافات إلى الإسلام.

ومن أقسام لتأويل الباطل تأويل أهل الشام لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة»(72)، حيث أوّل أهل الشام كلام النبي هذا بقولهم لم نقتل عماراً وإنما قتله الذين أتوا به إلى الحرب، لكن هذا التأويل مخالف لحقيقة اللفظ وظاهره لأن ظاهر اللفظ يدل على أن المراد من باشر قتل عمار لا من طلب منه النصرة، ولو صح هذا التأويل لوجب اعتبار الرسول الأكرم قاتل حمزة سيد الشهداء -والعياذ بالله- لأن النبي أتى به إلى أحد فنال الشهادة بسيف المشركين.

وسنذكر فيما يلي بعض الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة «تأويل» لرفع الشبهة وإبطال ما ذكره المتأخرون في تفسير مصطلح التأويل وما ادعوه له من معنى:

1- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء/59].

قال مجاهد وقتادة أن المراد من التأويل هنا الثواب والجزاء. وذهب السديّ وابن زيد وابن قتيبة والزجاج إلى أن المراد بالتأويل في الآية عاقبة الأمر، وكلا المعنيين يتضمن معنى المآل. لكن المعنى الثاني أعم ويشمل حسن المآل في الدنيا، إذ كثيراً ما يقع التنازع في الأمور الدنيوية فيكون مآل الرجوع إلى كتاب الله وإلى شخص الرسول زمن حياته أو إلى سنته بعد وفاته، وفاقاً وسلامة من البغضاء والعداوة. ولا يمكن أبداً تفسير «التأويل» في الآية بمعنى صرف الكلام عن معناه الظاهر، لأن الكلام في الآية يدور حول التنازع وحول حسن عاقبة الرد إلى الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

2- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأعراف/52-53].

يقول ابن عباس إن المراد من التأويل في هذه الآية التصديق بالوعد والوعيد، أي معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ.. أي يوم يظهر صدق ما وُعِدُوا به من أمر الآخرة.

عن قتادة أن المراد من «تأويله»: ثوابه. وعن مجاهد: جزاؤه. وعن السدي: عواقبه، وعن ابن زيد: قال: تحقيقه أو حقيقته. وهذه المعاني كلها قريبة من بعضها البعض والمراد منها: ما يؤول إليه حال الشـيء وما يقع فيما بعد مما أخبر عنه القرآن.

3- وفي سورة يونس وبعد أن يبيِّن الله تعالى أن القرآن مصدق للتوراة والإنجيل ومنزَّه عمَّا يدعيه المشركون من أنه مفترىً وبعد أن يبـيِّن عجز المشـركين عن الإتيان بسورةٍ مثله، يقول: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَـمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس/39].

فسّر أهل التفسير والأخبار لفظةَ «التأويل» في الآية بمعنى المآل، أي أن ما أخبر الله تعالى به سيقع كما أخبر وسيظهر صدق القرآن، وكما أن عاقبة مكذبي الرسل هي الهلاك فكذلك عاقبة المكذبين بالقرآن هي الهلاك.

4- وفي سورة يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف/6]. وكذلك قوله تعالى قاصاً قصة صديقي السجن اللذين قالا ليوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف/36]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف/37]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ [يوسف/44]. وقوله كذلك: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف/101].

فالمراد بتأويل الأحاديث والأحلام في كل تلك الآيات الأمر الوجودي الذي سيتحقق في الخارج، وليس المراد القول أو اللفظ كما نجد ذلك صريحاً في قوله: ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف/37]، فإنباؤه إياهما بتأويل ذلك هو إخباره عن الأمر الذي سيقع عليهم في المستقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف/100]، أي أن الأمر الذي وقع في الخارج يعني سجود أبي يوسف وأمه وإخوته الأحد عشر أمام يوسف هو الأمر الواقعي الذي هو تأويل رؤيا يوسف الذي أُشير إليه في بداية سور يوسف في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشـَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف/4].

5- وفي سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء/35]. أي هذا العمل أحسن عاقبةً وجزاءً.

6- وفي سورة الكهف ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف/78]. فلما أخبر الخضر موسى عن حقيقة ومآل الأعمال التي قام بها قال له: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف/82].

إذن تبين مما ذكرناه من آيات كريمة ومن نص أهل اللغة أن كلمة «التأويل» ليس معناها أبداً صرف اللفظ عن ظاهره كما شاع لدى الخلف، بل معناه مآل الأمر سواء كان بمعنى وقوعه الخارجي أو التصديق به.

التحقيق في بيان المحكم والمتشابه:

إذا تدبرنا ما ذكرناه من مباحث أعلاه سَهُلَ علينا أن نفهم المقصود من المحكم والمتشابه، لكن توضيح ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمتين:

المقدمة الأولى: من المسلمات والضروريات أن القرآن يشتمل على دعوة العامة والخاصة كلاهما، بل إن مخاطبي الأنبياء والرسل أولاً وبالذات هم العوام والمراد إصلاح شأنهم، لأنه إذا صلح عامة الناس صلح الرجال والعلماء والملوك والأشراف الذين ينشؤون في الأساس من عامة الناس، عل عكس الفلاسفة الذين لا يستهدفون في دعوتهم إصلاح الشعب والعامة بل ينحصر ما يقومون به من تربية وتعليم، بصفوة المجتمع ونخبته من أصحاب الفهم، ولو تأملنا بدقة لرأينا أن عمل الفلاسفة هذا لا يفيد المجتمع كثيراً، لأنه إذا صلح في المجتمع عشـرة أشخاص أو مئة شخص فقط وصاروا ذوي أخلاق فاضلة فإن هذا لن يؤثر في المجتمع، بل إن هؤلاء الرجال الأفاضل سيعانون الشقاء لعيشهم في مجتمع يعج بالجهل وسوء الأخلاق، وسيطردهم الناس من مجتمعهم، مثل حالنا في مجتمعنا الحالي وما يعانيه الفضلاء في مجتمعنا من شقاء بسبب غلبة الجهل والأخلاق الرذيلة.

وهذا الأمر الذي ذكرناه من أن الأنبياء يستهدفون في الدرجة الأولى عوام الناس، قد أشار إليه الله تعالى في كتابه وهو يقص علينا قصة قوم نوح الذين قالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء/111]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود/27].

ومخاطبة عوام الناس وطبقاتهم الدنيا أمر ليس باليسير، كما أن تعريفهم بحقائق الأمور أمر عسير جداً ولذا قال الرسول الأكرم: «شيَّبَتْني هود»(73)، والمراد قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود/112].

إذن تربية جهال الناس وأراذلهم أمر في غاية الصعوبة ورياضة مهمة ومن هنا قالوا «البلاء للولاء».

ولما كانت إدراكات عوام الناس محدودة وطبائعهم عاجزة عن فهم الحقائق وكان سلطان الحس غالباً عليهم ولا يستطيعون تصور شيء سوى المحسوس، فكيف يمكن للأنبياء والرسل أن يبينوا لهم حقائق عالم الغيب ودقائق نشأة الآخرة ودرجات الرقي، ودركات تنزل النفس كما هي على حقيقتها، لذلك ليس أمامهم إلا مراعاة عقول مخاطبيهم كما ورد في الحديث الشريف: «نحن معاشر الأنبياء أُمِرْنا أن نكلِّمَ الناس على قدر عقولهم»(74).

بناء عليه من الأصلح للناس أن تبين لهم الحقائق المجردة والمسائل المعقولة في قالب عبارات وكلمات يمكن أن يستفيد الجاهلون منها كما يستفيد العقلاء.

مثلاً عندما يسمع الشخص العامي أن عليه أن يتوجه إلى كائن ليس بجسم ولا مكان له ولا يحيط به زمان ولا لون له ولا يمكن الإشارة إليه بالحواس فإن هذا الشخص العامي يتصور أن ما يطلب منه التوجه إليه معدوم وليس موجوداً! إذ كيف يمكن أن يكون هناك شيء موجود ولا يكون له جسم وليس له زمان ولا مكان إذن نفي هذه الأمور سيؤدي إلى نفي الله. لذا فإن الأنبياء يشبهون هذه الحقائق بالمحسوسات كي يقوم عامة الخلق المنهمكين في عالم الحس بعبادة الحق تعالى في قالب التشبيه لأنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى مقام التنزيه، ولهذا السبب ذكر القرآن الكريم صفات لرب العالمين مثل: البصير والسميع والمستولي على العرش ويد الله ووجه الله وأمثال هذه العبارات التي تعرف الحق تعالى للناس الجاهلين الغارقين في عالم الحس بلباس عبارات ظاهرة التشبيه، وبذلك يستفيد أولئك العامة من التشبيه الاستفادة ذاتها التي يستفيدها العقلاء من التنزيه.

المقدمة الثانية: وهي أن عالم الوجود يحتوي على عوالم عدة لكن أصول العوالم ثلاثة عالم الإله وعالم الغيب وعالم الشهادة، وكل من عالمي الغيب والشهادة يشتمل عل عوالم عديدة:

أنت تظن أن لا عالم غير هذا

 

ولا أرض ولا سماء غير هذه
ج

الدودة داخل التفاحة أيضاً
ج

 

أرضها وسماؤها هي التفاحة

يقول تعالى: «عالم الغيب والشهادة».

إن للغيب غيم وماء آخر

 

وله سماء وشمس أخرى

لا يظهر إلا للخاصة من الناس

 

والباقون في لبس من خلق جديد

وعوالم الوجود متطابقة ونشآت عالم الكون متحاذية، ونسبة العالم الأدنى إلى العالم الأعلى كنسبة الشيء الصافي إلى الكدر ونسبة اللب إلى القشـر، وكذلك مثل نسبة الفرع إلى الأصل والظل إلى الشخص، ونسبة الشخص إلى الطبيعة ونسبة المثال إلى الحقيقة، فكل ما هو في الدنيا لا بد أن يكون له أصل وإلا لكان سراباً باطلاً وخيالاً عاطلاً، وكل ما كان في الغيب والآخرة لا بد أن يكون له في الدنيا مثال، وإلا لكان مقدمة بدون نتيجة وشجرة بلا ثمر وعلة بلا معلول وجواداً من غير جود. ولما كانت الدنيا عالَمَ الشهادة والمُلْك والآخرةُ عالَمَ الغيب والملكوت، وكان لكل إنسان دنيا وآخرة، والمراد من الدنيا حالته قبل الموت الإنساني والمراد من الآخرة حالته بعد موته، فدنيا الإنسان وآخرته من جملة حالاته ودرجاته، فالحالة والدرجة القريبة تسمى الدنيا (من الدنو بمعنى القرب) والحالة المتأخرة والبعيدة تسمى الآخرة.

وليس تقدم الدنيا على الآخرة بحسب الواقع ونفس الأمر بل هو تقدم إضافي لأن الإنسان في البداية يحدث ويظهر في عالم الحس والشهادة ثم يتحرك بالتدريج لينتقل إلى عالم الآخرة. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الإنشقاق/6].

إذن بالنسبة إلى الإنسان: الدنيا أوله والآخرة آخره، وكما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في مرتبة الوجود ولكنها في الرؤيا هي أول، كذلك الدنيا حكاية لعالم الغيب.

والناس في هذا المقام صنفان: الأول أولئك الذين استطاعوا العبور من عالم المُلْك والوصول إلى عالم المَلَكُوت وكذلك من الشهادة إلى الغيب وهذا العبور يطلقون عليه اسم «العبرة» كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ [آل عمران/13]، وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر/2].

والصنف الثاني العميان والمحبوسون في سجن الطبيعة وأسرى عالم الحس والمحسوس، ويقولون ليس وراء مدينة عبادان قرية و لا وراء جسم الإنسان المادّيّ شيء آخر، وقد سيطر عليهم الحس والخيال وعالم المادة والزمان إلى درجة أصبحوا معها غير قادرين على فهم العالم المجرد فلم يعد لهم طريق إلى عالم الحقائق، فسُلَّمُهم الحس وهو سلم لا يوصل إلى سطح الحقيقة ولا يتناسب معها.

ومعظم القرآن شرح لحقائق عالم الربوبية والآخرة والغيب، ولا يمكن تقرير عالم الغيب للبشر إلا بالتمثيل كما يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ [العنكبوت/43].

حيث المراد من «العالمون» في هذه الآية الأشخاص الذين عبروا عالم الحس والمحسوس وتجاوزوه ووصلوا إلى عالم العقل والمعقول.

ولما كان الخيال حاكماً في هذا العالم على معظم الناس وكلهم يتحركون بنوع من الخيال كما قال الشاعر:

صُلحُهُم وحربُهُم من الخيال         وشهرتهم وعارهم من الخيال

فمثلهم مثل شخص نائم كما قال أمير المؤمنين علي (ع): «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا»(75).

فما يقع في اليقظة لا يظهر في الحلم إلا بنحو المثال الذي يحتاج إلى التفسير، كما أن ما يظهر في يقظة الآخرة لا يظهر في ليل الدنيا الظلماني إلا في لباس المثال، وعلماء تفسير الأحلام يعبرون من عالم المثال ويصلون إلى عالم الحقيقة. ولأجل توضيح هذا الأمر نذكر هنا بعض الأمثلة من تفسيرات ابن سيرين للأحلام، والعقل تكفيه الإشارة والغبي لا يغنيه ألف عبارة.

جاء شخص إلى ابن سيرين وقال: رأيت في الحلم أن خاتماً في يدي وأنني أختم به أفواه الناس وفروجهم. قال ابن سيرين: ستصبح مؤذناً وستؤذن قبل الفجر في شهر رمضان.

وذهب شخص آخر إلى ابن سيرين وقال: رأيت نفسي أضع الدرّ على رقبة خنزير. قال ابن سيرين إنك شخص تعلم العلم لمن ليس له أهل، وكذلك إذا رأى شخص في حلمه حيواناً مفترساً يهجم عليه فتفسيره في اليقظة أنه عدو، أو إذا رأى أنه يشرب حليباً فتفسيره في اليقظة أنه يأخذ العلم، وأمثال هذه الأمور.

إذن في عالم الأحلام يقوم الملك الموكل بالنوم بإظهار الحقائق في لباس أمثلة وتشبيهات، لأن الشخص النائم يرى الحقائق بعين الخيال، وتفسير الأحلام من أوله إلى آخره مثالٌ للطريقة التي يُفهم منها المثل.

وكما أن الحقائق يتم إظهارها في الحلم على نحو المثال والتجسيم، ولا يوجد طريقة غير ذلك، فكذلك لا يمكن لسلسلة الرسل أن يشرحوا للناس المنهمكين في الحس والطبيعة عالمَ الغيب والآخرة إلا بالتمثيل، لأن الرسل مكلفون بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، وقد قال كبار العلماء: إن الدنيا دار المنام والأحياء فيها مثل الشخص النائم الذي لا يفهم الحقائق إلا بالتمثيل، فإذا مات صار بصـره حديداً وانتبه وعرف الحقائق، وأدرك تفسير الحلم الذي كان فيه. وإذا نظرنا إلى صورة الحلم وجدناها شيئاً آخر، أما عندما ننتبه إلى حقيقتها فيظهر لنا معناها الحقيقي. مثلاً يرى الشخص في الحلم أن حيواناً مفترساً يتَّجه نحوه يريد أن يفترسه فإذا استيقظ لم يجد أي حيوان مفترس، ولكن عندما يرى عدوَّه متَّجهاً نحوه يريد القضاء عليه فإن صاحب الحلم يدرك عندئذٍ أن هذا العدو هو ذلك الحيوان المفترس الذي رآه في منامه وبهذا يظهر له تأويل رؤياه.

النتيجة:

 إذا فُهمت هاتان المقدمتان وإذا دققنا جيداً في المباحث السابقة علمنا أن المراد من المتشابه في القرآن هو أن الحقائق المعقولة في مبدأ العالم والدقائق المحسوسة من اللذات والآلام في المعاد، والمعاني والحقائق التي لا يستطيع الناس المتوغلون في عالم الحس والخيال أن يدركوها، يتم تنزيلها في قوالب الأمثلة والعبارات وإظهارها في لباس الكنايات والاستعارات والتشبيهات، كي يسهُل على الناس الجاهلين فهمها ويتم إرشادهم من خلالها إلى الحقيقة وإلى معرفة الله كي يتخلَّقوا بالأخلاق الفاضلة.

إذن لم تنزل المتشابهات على النبيِّ كي لا يفهمها أحد إلا الله وكي يعجز حتى الأنبياء والأولياء والعلماء عن إدراكها، بل نزول المتشابه هو لأجل هداية الجاهلين وعامة الناس.

ومتشابهات القرآن منحصرة في بيان صفات خالق الكون مثل وصفه بالأذن والعين واليد والوجه والاستواء على العرش وأمثالها، وكذلك في بيان كيفية القيامة والمعاد من مجيء الله والملائكة وكيفية الجنة والحور والقصور والأشجار والأنهار والسندس والإستبرق والأكواب والأباريق وبيان كيفيات جهنم من النار والغسلين والصديد وطبقات الجحيم ودركاتها وأمثال ذلك.

والأمر ذاته قصص القرآن التي ليس الغرض منها بيان التاريخ الصرف بل كلها عبرة لأولي الألباب.

ومن متشابهات القرآن الأخرى كيفية خلق آدم وحواء والخروج من الجنة، وكلها حقائق تجلت في عالم العبارات والكنايات يعلمها الراسخون في العلم.

أما الآيات التي تتكلَّم عن الشـريعة وأحكامها وعن الحقوق والسياسات والأخلاق والمعاملات الاجتماعية وتدبير المنزل والمدن، فليست من المتشابهات أبداً، وكذلك الأمر في آيات إثبات المبدأ والمعاد والنبوَّة، بل كلها آيات محكمة وأم الكتاب وليس أي منها من المتشابهات.

وخلاصة الكلام إن القرآن يشتمل على الآيات المحكمة التي هي آيات واضحة بينة وهي أصل وأساس الكتاب وأم القرآن ومرجع ومآل الآيات المتشابهة. والناس في المتشابهات قسمان: قسم وقفوا عند المتشابه ولم يرجعوا إلى أم الكتاب ومحكماته فهؤلاء ضلوا وأضلوا.

والقسم الآخر الراسخون في العلم، والمراد من الراسخين في العلم الذين يميزون المحكمات عن المتشابهات ويعلمون أن المحكم هو الأصل وأم الكتاب ويجب إرجاع المتشابهات إليه، وتأويل المتشابه هو أن يتم إرجاعه إلى المحكم، أي أننا يجب أن نرى مآل المتشابه في المحكم.

وسنبين فيما يلي بعض الأمثلة من القرآن على المحكم والمتشابه، وسنذكر طريقة تأويل المتشابه وإرجاعه إلى المحكم كي يكون في ذلك تبصـرةً لقرَّاء الكتاب والمتدبرين في القرآن الكريم.

أمثلة على المحكم والمتشابه وطرق تأويل المتشابه

1- آيات الصفات: من قبيل الأذن والعين واليد والوجه الاستواء على العرش وأمثالها التي توهم التجسيم، والواقع أن آيات الصفات هذه هي تشبيه لحقائق الغيب المجرد بأمور محسوسة، فكما قلنا لا يستطيع عوام الناس أن يتصوروا موجوداً مجرداً صرفاً يحيط بالمسموعات دون حاسة سمع يسمع بها ويحيط بالمبصـرات دون عين يبصر بها، كما أن عامة الناس لا يستطيعون إدراك القدرة دون يد، فآيات الصفات تعبر عن إحاطة الحق بجميع المحسوسات وعلمه بها بتعبير السميع والبصير، وهي توجه الناس في هذه التشبيهات العلمية إلى حقيقة أن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات والكليات ولكن على نحو يفهمه العامة لأنه مما لا ريب فيه أن الله بصير دون [حاسة] بصـر وسميع دون [حاسة] سمع وقادر دون يد، وهذه التعبيرات هي لأجل إفهام الناس الجاهلين وغير المستعدين لعالم الغيب وهي لأجل تعريف الحقّ إلى الخلق الجاهلين، فمن المُسلَّم به أنه من الواجب أن تقوم محكمات الكتاب بتفهيم وتأويل آياته الموهمة للتجسيم، وأن تُعَاد الآيات المتشابهات إلى أم الكتاب، أي إلى آيات من قبيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى/11]، و﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيْرُ [الأنعام/103]. وإلى مثل سورة الإخلاص المباركة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص/1-4]، وآية: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة/255]، والحديث الشـريف: «إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم»(76).

فمحكمات القرآنِ تُعَرِّفُ اللهَ تعالى بأعلى مراتب التنزيه، وآيات الصفات تقرِّر صفات الحق بلباس التشبيه لعامة أهل الحس والخيال، والشخص الراسخ في علمه بالله يعبد الله بالتنزيه الصرف والتجريد البحت راداً الآيات المتشابهة إلى المحكمة.

وطبقاً لمفاد قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران/30]، التي يحذِّر اللهُ تعالى فيها طلاب تصور الحقيقة من طلب المحال؛ ينبغي على الراسخين في العلم أن يتَّبعوا الطريقة الصحيحة التي يقول الرسول الأكرم فيها: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ وَلا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَه»(77).

2- الآيات الواردة في كيفية إضلال الشيطان: يتَّبع أهل الزيغ هذا المتشابه ويقولون في تصورهم الخاطئ إن الشيطان موجود مستقل في مقابل الرحمن، وكما أن الرحمن يهدي، وكل الخيرات من عنده، فكذلك الشيطان يُضِلُّ وكلُّ الشرور بسببه، وهذه في الحقيقة عقيدة الثنوية عينها الذين قالوا بأصلين للعالم أي يزدان [الله] والشيطان (أهريمن)، فاعتبروا يزدان أصل كل خير والشيطان مبدأ كل شر. لاحظوا كيف أن الوقوف عند المتشابه والجمود عليه وعدم إرجاعه إلى المحكم جر ملة الإسلام نحو الثنوية ولوَّث توحيد الإسلام بلوثة الفكر الثنوي.

إن مراد القرآن من الشيطان كل مبدأ ومنشأ للشر والأخلاق الرذيلة من الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ. مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس/1-6].

وقال أيضاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام/112].

فبناء على نص هاتين الآيتين ليس الشيطان شخصاً متفرداً بل هو نوع من الأشخاص يضم أفراداً من الجن والإنس وليس مُوجِدَاً مستقلاً نِدّاً لرب العالمين بحيث أن الله يريد الخير، والشيطان يعارضه ويمنعه ويحقِّق الشر! بل يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم/93].

فلا بد من التدبر في الكتاب كي نرى ما هي الآيات المحكمة التي يجب أن نرد إليها الآيات المتشابهة التي تقول إن الشيطان مضل والذي يلزم عنه أن البشر مجبرون على المعصية، كي لا يُجر المسلمون المساكين نحو الثنوية؟

إن الآية المحكمة في هذا الأمر هي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسـِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي...﴾ [يوسف/53].

ففي هذه الآية تصريح بأن نفس الإنسان الشـريرة تأمره بالسوء وتسبب أن يمدّها شياطين الإنس والجن في الضلالة، فالشيطان ليس مؤثراً مستقلاً، بل مبدأ الشرور هو نفس الإنسان الأمارة بالسوء، والشيطان يؤيدها ويدعمها بوسوسته، كما يصـرِّح الله تعالى بذلك في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ؟ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء/221-223].

فالقرآن يعتبر مرجعَ الشـرور في عالم البشـرية الإنسانَ ذاتَه، كما يقول سبحانه: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم/41]. ويقول كذلك: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد/11]. أي إن الله لا يغير النعمة والعافية التي كان يرفل بها قوم من الأقوام إلا عندما يقومون هم أنفسهم بتغيير ما بأنفسهم أي عندما تتبدل أحوالهم الصالحة إلى الأخلاق الرذيلة.

وخلاصة الكلام، إن الآيات التي تتكلَّم عن الشيطان هي من المتشابه التي يقوم الراسخون في العلم بتأويلها بالمحكم الذي هو أم الكتاب فلا يخافون من الشيطان بل يخافون من أنفسهم وأخلاقهم الرذيلة ولا يُبتلى بعقيدة الثنوية.

3- الآيات التي تتكلَّم عن كيفية الجنة من حور وقصور وأنهار حليب وعسل وخمر، وسندس وإستبرق، وأنواع فاكهة الجنة كلها من باب المتشابه لأن لذّات الآخرة ودرجات الجنة المعنوية أكمل بكثير وألذ من الحليب والعسل الذي يتصوره الناس، كما يصرِّح القرآن بذلك في قوله إن خمر الآخرة ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ و﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ وأن في الجنة ﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي لا يفسد ولا يتعفن، فهذه الآيات تمثيل وتشبيه لأهل الحس عن مراتب ودرجات المؤمنين وإلا فإن حقيقة الأمر أعلى من ذلك بكثير ولا يمكن للإنسان أن يتصورها والآية المحكمة في هذا الباب هي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَـهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلونَ﴾ [السجدة/17]. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَـرٍ. فَأقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..»(78).

إننا لا نريد القول بأنه لا توجد لذات حسية أو جسمية في الجنة -والعياذ بالله- بل ما نريد قوله أن اللذائذ الحسية في الآخرة أعلى بكثير وأكمل من الحس والمحسوسات في هذا العالم وهذه النشأة.

وكذلك الآيات التي تتكلم عن جهنم وتذكر الصديد والغسلين والنار، حيث أن جميع الآلام والمصائب التي ستحل بالعصاة في الآخرة بأشد صورة، يتم تنزيلها إلى عالم الدنيا بصورة ثعابين وعقارب وكلاب وذئاب مفترسة، ونار وصديد وظلام وأمثال ذلك مع أن الواقع أن الآلام أصعب مما يمكننا أن نتصوره لأنه في عالم الدنيا يمكننا أن نقتل الثعبان والذئب والعقرب كما يمكننا أن نطفئ نار الدنيا بالماء، لكن ثعابين وعقارب ونار الآخرة لا يمكن إزالتها اللهم إلا بعفو الله ورحمته. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ [الهمزة/6-7]، وذئب وكلب الأخلاق الرذيلة لا يمكن قتلها بأي سم من السموم.

اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

4- ومن متشابهات القرآن قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة كما ذهب إلى ذلك جماعة من المحققين والتحقيق في هذه المسألة يحتاج إلى توضيح عدد من الأمور:

1. ليس لدينا في القرآن نص صريح بأن آدم كان نبياً بل مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء/163]، هو أن نوح كان أول الأنبياء الذين أُوْحِيَ إليهم وَبُعِثُوا بالرسالة، وتؤيد ذلك الآية المباركة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد/26]. ونلاحظ أيضاً أن الله تعالى لم يذكر في السور التي ذكر فيها أسماء الأنبياء مثل سورة هود ومريم والأنبياء والشعراء والصافات والقمر أي إشارة إلى نبوَّة آدم.

وقد قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره لآية ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أن السبب في ابتداء الله تعالى بذكر نوح هو أنه كان أول نبي يبعث بالرسالة، وقد تابعه على ذلك النيشابوري وأبو السعود والخازن وجماعة آخرون من المفسرين.

2. يعتبر المليون [أي أتباع الأديان السماوية] أن آدم هو أبو البشـر ويقولون إن آدم خُلِق قبل ستة آلاف عام، وقد ذُكر في كتب المسيحيين أن المدة بين طوفان نوح وعيسى ثلاثة آلاف وثلاثمئة وثمان سنوات وما بين عيسى وآدم أربعة آلاف وأربعمئة سنة فالفترة التي بيننا وبين آدم -حسب عقيدتهم- لن تزيد على خمسة آلاف وستة عشر سنة.

أما الفلاسفة فيُخَطِّئون هذا الحساب ويقولون إن الاختلاف الشديد الذي نشاهده بين أصناف البشر كاختلافهم في لغاتهم ودياناتهم وأجسامهم وصورهم لا يكفي لحصوله ستون قرن، وإن أقدم الآثار والنقوش المصرية التي يعود زمنها إلى حوالي أربعة آلاف سنة قبل الآن تظهر اختلاف أشكال شعوب إفريقيا وسوريا ومصـر على نحو مشابه لاختلافهم اليوم، أي أن الشعوب المذكورة تختلف في الشكل والجمجمة والدماغ والأعضاء الأخرى، فمن هذه الآثار المذكورة يتَّضح تماماً أنه لا يمكن أبداً أن تنشأ خلال ألفي سنة فقط كل هذه الاختلافات في الشعوب المتحدِّرة جميعاً عن أب وأم واحدَيْن.

لقد شغل تاريخ وجود الإنسان على الأرض أفكار العلماء وأهل البحث دائماً رغم أن كل ما قيل حتى الآن في هذا الصدد لا يعدو التخمين والظن.

طلب ملك مصر اليوناني بطليموس فيلادلف من كبير علماء عصـره «منتيون» الذي كان في القرن الثاني قبل الميلاد أن يحدد له أقدم عصور المصـريين القدماء، فكانت نتيجة بحث وتحقيق ذلك العالم هي أن تاريخ قدماء المصـريين يعود إلى 35 ألف سنة ماضية.

أما ديودور المؤرخ اليوناني في القرن الميلادي الأول فاعتبر أن أقدم عصر للمصريين يعود إلى 23 ألف وخمسمائة سنة.

أما فلاسفة القرون المعاصرة فاعتمدوا في تحديد تاريخ وجود الإنسان الأول على علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) حيث يحسبون مدة تراكم طبقات الأرض على الهياكل البشرية التي تقع في أعمق نقاط الأرض. وقد أصبح حساب التشكل التدريجي لطبقات الأرض اليوم أمراً سهلاً وميسوراً للعلماء، وإن لم يصل إلى حد إعطاء معلومات قطعية ويقينية، وذلك لأن رسوبات الأرض لا تخضع في كل مكان إل قاعدة موحدة، ولكن هذه الطريقة تبقى من أفضل الطرق لتحديد عمر الإنسان على الأرض ولو على وجه التقريب.

وقامت جمعية إنجليزية بإرسال السيد هورنو في مهمة علمية إلى أرض مصر لكي يقوم باستكشاف تاريخ بناء مسلة عين شمس بوصفها منطلقاً لمعرفة تاريخ الشعب المصري، وقد بُنيت هذه المسلة حوالي 2300 عام قبل الميلاد، ولما تمت إزالة الأتربة المحيطة بها تبين أنها كانت مطمورة بتراب ارتفاعه حوالي إحدى عشر قدماً إنجليزياً ثم قاموا بحساب أعمق نقاط الأرض التي بقيت فيها آثار وبقايا إنسانية فوجدوا أن هناك آثاراً إنسانية في عمق 39 قدماً تحت الأرض فاستنتجوا من ذلك أن عمر الإنسان على الأرض يعود إلى حوالي 30 ألف عام.

ووجدت في أمريكا جمجمة قديمة في أعماق الأرض قام العالم الأمريكي «بونت دونون» بحساب تاريخها وقال إنها تعود إلى ما لا يقل عن 85 ألف عام وهي المدة اللازمة لكي تتراكم تلك الرسوبات المتوالية بهذا العمق إلى سطح الأرض.

هذا هو مقدار الاختلاف بين أتباع الأديان السابقة والفلاسفة في تاريخ ظهور الإنسان على الأرض ولذلك فعلينا أن نحل هذا الاختلاف على نحو يتطابق مع روح الإسلام.

لذا نقول ليس في القرآن والسنة الصحيحة أي خبرٍ بشأن تاريخ وجود آدم فوق الأرض، وما ذكره المفسرون في هذا المجال هو من الإسرائيليات المأخوذة عن كتب اليهود، في حين أنه توجد في الكتب الإسلامية أقوال تلائم روح العلوم الجديدة وتتوافق معها أو على الأقل يستطيع رجال العصـر الحالي أن يصدقوا أن الإسلام يستوعب مثل هذه الآراء العصرية الجديدة.

ذكر علاء الدين البسنويّ(79) في كتابه محاضرة الأوائل الذي ألفه سنة 988 هـ أنه قد ورد في الخبر أنه لما خُلق آدم قالت له الأرض: يا آدم عندما وضعت قدمك عليّ كانت نضارتي وشبابي قد انتهت وهرمتُ واهترأتُ. ثم قال وقد ورد في بعض التواريخ إنه كان قبل آدم مخلوقات ذات جسم ولحم ودم على الأرض والقرآن يشهد على هذا في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟؟﴾ [البقرة/30]. فالملائكة إنما قالوا ذلك استناداً إلى ما عرفوه من صنيع من كانوا قبل آدم من البشر وقد أرسل الله لهم نبياً باسم يوسف فأخذوه وقتلوه.

و من طرق الإمامية أورد الصدوق في كتابه جامع الأخبار في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً جاء فيه أن الله خلق قبل آدم ثلاثين آدماً بين كل آدم وآدم ألف سنة، ثم أصبحت الدنيا دماراً وخراباً مدَّةً تقرب من خمسين ألف سنة ثم عُمرت خمسين ألف سنة أخرى ثم خُلق بعدها أبونا آدم!

وروى ابن بابويه [الصدوق] في كتاب «التوحيد» عن الإمام الصادق (ع) حديثاً طويلاً جاء فيه قول الإمام: «تَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ الْوَاحِدَ؟ وَتَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ بَشَراً غَيْرَكُمْ؟ بَلَى وَاللهِ لَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَلْفَ أَلْفِ عَالَمٍ وَأَلْفَ أَلْفِ آدَمٍ، أَنْتَ فِي آخِرِ تِلْكَ الْعَوَالِمِ وَأُولَئِكَ الْآدَمِيِّينَ».

كما روى ابن بابويه في كتابه الخصائص حديثاً يُفهم منه مثل هذا التعدُّد للعوالم حيث قال فيه الإمام الصادق: «إِنَّ لِـلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ مَا يَرَى عَالَمٌ مِنْهُمْ أَنَّ لِـلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَالَماً غَيْرَهُمْ...»(80).

ويقول الشيخ محي الدين في «الفتوحات المكية» حول حدوث العالم: لقد طفت الكعبة مع أقوام لا أعرفهم وقالوا لي بيتين حفظت أحدهما ونسيت الآخر والبيت المحفوظ هو:

لقد طفتم كما طفنا سنينا       بهذا البيت طراً أجمعون

فسألت أحدهم من أنتم؟ فقال نحن من أجدادكم الأوائل فقلت: كم تسبقونا من مدة، فقال: قرابة أربعين ألف عام ونيِّف، فقلت له: لا يوجد من الآدميين القريبين إلينا من هو بهذا السن! فقال: أيُّ آدمٍ تقصد؟ هل الذين هم أقرب إليك أم الآخرين؟ فتأملت في إجابته وبُهِتُّ وتذكَّرْتُ حديثاً رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله خلق قبل آدم المعروف مئة ألف آدم آخر!»(81).

ويذكر الشيخ أيضاً في الفتوحات المكية أنه اجتمع مع إدريس في عالم الأرواح وسأله عن صحة هذه المكاشفة والخبر الوارد في هذا الباب فقال له إدريس: شهودك صحيح ومكاشفتك صحيحة والخبر الذي سمعته صادق ونحن معشر الأنبياء نؤمن بحدوث العالم ولكنَّ علمنا منقطع عن مبدأ الموجودات والأعيان.

يقول الشيخ إن تاريخ بداية العالم مجهول، والأنبياء والعلماء والمجتهدون يؤمنون بحدوث العالم، في حين يذهب بعض الفلاسفة القدماء والمتأخرين إلى قِدَمِ العالم ولا يؤمنون بحدوثه. وفي هذا الباب لا ينبغي الاعتماد على أقوال المؤرخين الجاهلين.

النتيجة:

إذا علمت هذه المقدمات تبين لك بكل وضوح أن قصة آدم وحواء وعصيانهما وهبوطهما إلى الأرض ليست على ظاهرها الحرفي، وقد ذهب المسلمون بهذا الشأن مذهبين:

1- طريقة السلف الصالح الذين يقولون بالتنزيه الكامل لِـلَّهِ تعالى ويفوضون الأمر إليه ويقولون إن ما كانت حقائقه مجهولة بالنسبة إلينا فإننا نكله إلى الله العليم القدير، ويقولون إن حقيقة الواقع في قضية آدم مجهولة لنا ونحن نؤمن بما جاء به النبيّ ونكل العلم بحقيقته إلى الله، وفي حكاية هذه القصة فوائد للإنسان في الأخلاق والأعمال والأحوال وقد قرّب الله تعالى لعقول البشر بعض الحقائق والمعاني من خلال هذه القصة.

2- طريقة الخلف وهي التأويل. يقولون لما كان الإسلام يقوم على المنطق والعقل ولم يكن فيه أي مجافاة أو ابتعاد عن صريح العقل، فحيثما جزم العقل بـشيء على نحو قاطع ثم ظهر في ظاهر النقل ما يخالفه، كان صريح العقل قرينةً قطعيةً على أن ظاهر النقل غير مُراد على الحقيقة بل هذا النقل محمول على معنى يوافق العقل وهذا لا يتم إلا بالتأويل.

أما نحن، فعلى طريقة السلف إن شاء الله، وكل ما يتعلق بالله وصفاته وما يتعلق بعالم الغيب نفوِّض حقيقته إلى الحق تعالى. ولكن لكي نبين ونوضح الأمور للناس ونذكِّر العلماء نشير هنا إلى خلاصة طريقة المتأخرين فنقول:

حاصل كلامهم إنه ليس المراد من «آدم» في [قصة آدم في القرآن] آدمٌ شخصـيٌّ واحدٌ بل المراد آدمُ النوعيّ [أي نوع البشر] وأن الله تبارك وتعالى خلق نوع الإنسان وجعله قابلاً لكمالاتٍ لا نهاية لها. ويقولون إن كل الآيات الواردة في هذا الباب تقصُّ علينا حقائق تم بيانها بصورة التمثيل والاستعارة، وأنه لا ينبغي الجمود على المتشابه بل ينبغي أن نرده إلى محكم الكتاب حيث تبين الآية المحكمة التالية أن المراد من آدم هو النوع الإنساني وليس شخصاً محدداً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ...﴾ [الأعراف/11].

بعد أن بحثنا موضوع المحكم والمتشابه ومعنى التأويل وكيف يجب ردّ المتشابه إلى المحكم وطريقة الراسخين في العلم في ذلك، وذكرنا على ذلك أمثلة من الكتاب، نفسِّر الآن الآية الأساسية حول هذا الموضوع كي لا يبقى أي إشكال في الأمر:

يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ [آل عمران/7].

قال بعضهم لا يعلم أحد بالآيات المتشابهة غير الله، أما نحن فقد بينا أن «الراسخين في العلم» يعلمون بها، ولو كان قول من ينفون علمهم بها صحيحاً، للزم منه أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً لا يعلم بالآيات المتشابهة وهذا القول كفر، لأنه إذا كانت ذات الرسول المقدسة نفسه لا يفهم متشابهات القرآن فكيف يمكنه أن يكون هادياً للناس؟ وإذا دار الأمر بين أن لا يفهم الرسول الأكرم المتشابهات، وبين ما بيناه من أن العامة الجاهلين يستفيدون من متشابهات القرآن، والراسخون في العلم يؤولون المتشابهات بالمحكمات فلا شك أن المعنى الثاني هو المعنى الأصح والمقطوع به، وقد أثبتنا سابقاً بالأدلة المتقنة من الكتاب والسنة والدليل العقلي أن جميع القرآن قابل للفهم ولكن بالشروط التي ذُكرت. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

أقسام القرآن

أقسم الله تعالى في القرآن المجيد بأشياء من مخلوقاته والسبب في ذلك أمران:

1- كان الكفّار أحياناً يعترفون بأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قادر على إقامة البراهين بأكمل وجه لكنهم يقولون إن الرسول الأكرم مُجِيدٌ لفن الجدل وهو يعلم أن ما يقوله فاسد في ذاته، وإنما يتغلَّب علينا بما أوتيه من قوة الجدل لا لصحَّة مقاله. ومثل هذا الأمر نشاهده أحياناً لدى بعض الناس الذين يفحمهم خصمهم بالأدلة الواضحة، ويجدون أنفسهم عاجزين عن رد أدلَّته، فيتذرَّعون لتبرير عجزهم بالقول إن غلبة الخصم لا تنبع من صحّة قوله وبطلان قولنا، بل من براعة الخصم في فنّ الاستدلال وقوَّته في المجادلة، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الحقَّ معنا!!. في مثل هذه الحالة لا يملك المستدلُّ طريقاً لإقامة البراهين، لأنه كلَّما أقام برهاناً مهما كان قاطعاً حمله الخصم على مجرد قدرته على الاستدلال وبراعته في الجدال، ولم يذعن لحقية الكلام.

في مثل هذه الصورة لا يبقى للمستدلِّ طريق إلا القَسَم بأن يقول: والله إن كلامي لصحيح وليس غرضي المجادلة، وأقسم بالله أنني أقول الحق، وذلك لكي يحث مخاطبه على التصديق بحقية كلامه.

2- من معتقدات العرب قبل الإسلام أن حَلْفَ الشخص كاذباً يسبب خراب بيته وهلاكه، فالحَلْفُ الكاذب نذير بالشؤم، لذا كان كثير منهم يجتنب القَسَم كذباً، ومن هذا المنطلق فإن قَسَم النبيِّ الأكرم بأشياء كثيرة، وازدياد مقامه وعظمته رفعةً يوماً بعد يوم، كان برهاناً محكماً على صحة دعوته وصدق مقاله.

المُقْسَمُ به أو ما أقسم الله به:

للعلماء في المُقْسَم به قولان:

القول الأول: أن المراد في المقسَم به في تمام أقسام القرآن خالق الأشياء التي تم القسم بها لا عينها، فالمراد من قوله تعالى: والشمس وضحاها القسم بخالق الشمس وخالق ضحاها، واستدل القائلون بذلك بثلاثة أوجه:

1- نهى النبي الأكرم عن الحلف بغير الله فكيف يقسم الله في قرآنه الكريم بغير الله؟

2- القَسَم بشيء دليل على تعظيم ذلك الشـيء وتكريمه، ولا يليق التعظيم والتكريم بأحد سوى الحق تعالى.

3- ما ذكرناه من أن المراد من القَسَم بالأشياء القَسَم بخالقها، قد صرَّح به القرآن في بعض المواضع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس/5-7].

القول الثاني: أن الله أقسم بأعيان هذه الأشياء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- ظاهر اللفظ يدل على أن الله أقسم بعين هذه الأشياء والعدول عن الظاهر خلاف للأصل.

2- لا يصحّ الوجه الثالث للقائلين بأن المقسم به هو خالق الأشياء، لأنه في بداية الآيات التي استُدِل بها تم القسم بالسماء لا بخالقها حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس/5]. أي أن الله أقسم أولاً بالسماء ثم بالذي بناها ولو كان المراد من القَسَم بالسماء القَسَم ببانيها لكان في الكلام تكرارٌ، ومن المسلَّم به أن هذا لا يجوز.

فواتح سور القرآن

أثبتنا في المبحث الأول من كتابنا هذا أنه لا توجد في القرآن آية بل حتى كلمة واحدة غير مفهومة للبشر، ولا نجد داعياً لتكرار استدلالنا على هذه الحقيقة، ومن هذا البيان يظهر بطلان قول من يقول إنه لا علم للبشر بالمقصود من فواتح السور، ونذكر فيما يلي دليلين على أن فواتح السور مفهومة:

1- كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في فترة بعثته، لاسيما في الفترة المكية، يتعرَّض إلى أشد الإيذاء مِن قِبَل المشركين وإلى افتراءاتهم المتوالية في حقه كاتهامهم له بالجنون وبأنه شاعر كذَّاب وبأنه كاهن وأنه يعلِّمُهُ بشر وغير ذلك، وكانوا يبحثون عن عيب في الرسول الأكرم أو في القرآن ليشهِّرُوا به، ومع ذلك كيف نفسِّـر أن يقوم النبي بقراءة عبارات من أمثال كهيعص أو حمعسق أو طه وأمثالها ثم لا يفهمها المشـركون أبداً ورغم عداوتهم للرسول الأكرم لا يلومونه على قراءة مثل هذه الكلمات التي لا معنى لها أو لا يستغلون ذلك للاستهزاء به والسخرية منه، بل إن ذكر كلمات غير مفهومة أصلاً كان بإمكانه أن يصبح ذريعة للمشركين ليستدلوا بذلك على جنون النبي -والعياذ بالله- وأنه يقول أباطيل لا معنى ها، وبالتالي يزدادون جرأة على إهانة مقام الرسالة. ولكن أيا من هذا لم يحصل مما يدل على أن المشـركين كانوا يفهمون المراد من ذكر تلك الحروف. وقد نقل السيوطي في كتابه الإتقان [في علوم القرآن]: إن كلمة «طه» في لغة الحبشة والنبط معناها «يا أيها الرجل» وكلمة «يس» في لغة الحبشة معناها «أيها الإنسان» وحرف «ن» في الآية المباركة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم/1] معناها الدواة.

2- كان المشركون يثيرون الإشكالات على كل ما لا يعجبهم من القرآن، وكان من عادة القرآن دائماً أن ينقل لنا إشكالاتهم ويردّ عليها، فلو كانت هذه الكلمات [أي حروف فواتح السور] غير مفهومة أصلاً لأشكل المشركون عليها ولقالوا إن القرآن الذي يتحدانا بأن نأتي بسورة أو آية من مثله يتضمن كلمات لا نفهمها، فكيف نستطيع أن نعارضه؟ أو لسألوا النبي أن يبيِّن لهم المراد من تلك الكلمات، لكننا لحسن الحظ لا نجد في القرآن أي إشارة لعدم فهم تلك الكلمات ولا أي ذكر لاعتراض المخاطبين بالقرآن، سواء المشـركون أم المؤمنون، لعدم فهمهم تلك الحروف؛ لذا نحكم جازمين وبكل قطع أن المخاطبين بالقرآن من المؤمنين والمشركين كانوا واقفين على المراد من تلك الكلمات، وأما جهلنا نحن بها فسببه بُعْدُنا عن عهد الرسالة الذي أبعدنا عن فهم مقاصد الكلام العربي في ذلك الزمن، وجهلُنا هذا لا يدل على أن تلك الكلمات لم تكن مفهومة أبداً في ذلك العصر.

وقد ذكر علماء الإسلام وجوهاً متعددة في بيان معنى هذه الحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السور، ونشير فيما يلي إلى أهم تلك الوجوه رغم أننا لا نستطيع أن نرجح وجهاً منها على آخر:

أقوال العلماء في معاني فواتح سور القرآن:

القول الأول: وهو قول أكثر المتكلّمين وقول الخليل وسيبويه الذين يقولون إن هذه الكلمات أسماءٌ لسور القرآن. ويقول القفّال -وهو من علماء المعتزلة-: كان من عادة العرب أن يسموا بالحروف فكان اسم أبي حارثة: «لام» ويسمون النُّحَاس «صاد» ويسمون النقد «عين»، ويسمون الغيم «غين» ويسمون الجبل «قاف» ويسمون الحوت أو السمك «نون».

القول الثاني: قول جماعة بأن هذه الحروف أسماء الله.

القول الثالث: قول الكلبي والسدي وقتادة إن هذه الحروف أسماء للقرآن المجيد.

الرابع: قول أبي العالية إن كل حرف منها بيان لمدة أقوام، ولآجال آخرين. قال ابن عباس رضي الله عنه: مرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو سورة البقرة ﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة/ 1- 2] ثم أتى أخوه:حُيَيُّ بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ﴿ألم﴾ وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم كذلك نزلت»، فقال:حُيَيُّ: إن كنت صادقاً إني لأَعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلَّت هذه الحروف بحساب الجُمَّل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة! فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:حُيَيُّ: فهل غير هذا؟ فقال: نعم ﴿المص﴾، فقال:حُيَيُّ: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة، فهل غير هذا، قال: نعم ﴿الر﴾، فقال:حُيَيُّ هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم ﴿ المر﴾، قال:حُيَيُّ: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟(82).

الخامس: هذه الحروف تدلُّ على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشـيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد.

السادس: قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره:

[[الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم، كقول القائل اسمع، واجعل بالك إلي، وكن لي، وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد و يا زيد وألا يا زيد، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر. ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد، والغافل ينبه أولاً فيقال ألا يا زيد.

إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولا مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فنقول عقل البشـر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: ﴿الم. ذَلِكَ الكِتَابُ.. [البقرة/1-2]، ﴿الم. اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ [آل عمران/1-3]، ﴿المص. كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾ [الأعراف/1-2]، ﴿ يس. وَالْقُرْآَنِ الحَكِيمِ [يس/1-2]، ﴿ق. وَالْقُرْآَنِ المَجِيدِ [ق/1]، ﴿الم. تَنْزِيلُ الكِتَابِ.. [السجدة/1-2]، ﴿حم. تَنزِيلُ الكتاب.. [الجاثية/1- 2].

إلا ثلاث سور: 1- ﴿كهيعص [مريم/1]. 2- ﴿الم. غُلِبَتِ الروم.. [الروم/1- 2]. 3- ﴿الم. أَحَسِبَ الناس...﴾ [العنكبوت/1-2].

والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً [المزمل/5]. وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه.

لا يُقَال كل سورةٍ قرآنٌ واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظاً أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضاً فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ.. [الكهف/1]، وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا.. [النور/1]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ..﴾ [الفرقان/1]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ [القدر/1]؛ لأنا نقول جواباً عن الأول: لا ريب في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: ﴿طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآَنَ لِتَشْقَى [طه/1-2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتباً إليك كتباً فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول. وعن الثاني: أن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ﴾ [الكهف/1] تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي. وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا..﴾ قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل.

أما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ [القدر/1] فنقول هذا ليس وارداً على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: {إِنَّا أنزلناه} الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان متنبهاً له فلم ينبه.

واعلَمْ أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج/1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ..﴾ [الأحزاب/1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ..﴾ [التحريم/1]؛ لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهاً، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟؟ [العنكبوت/2]، يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف، فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي.

فإن قيل: مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة/16] ولم يقدم عليه حروف التهجي؟!

فنقول: الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال ﴿أَحَسِبَ الناسُ؟، وذلك [أي قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ] وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه]](83).

[[وأما ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم/1-2]، حيث ذكر حروف التنبيه ﴿ألــم رغم عدم ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، فعلَّته أن الآية ذُكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيُقْبِلُ بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع.]](84). انتهى تحقيق الفخر الرازي في موضوع فواتح السور.

الثامن: أن هذه الحروف المقطَّعة لإسكات الكفار وحملهم على الاستماع لما يرد عليهم من القرآن؛ وذلك لأن المشركين كانوا قد تعاهدوا فيما بينهم أن يعرضوا عن الاستماع للنبي والقرآن كما صرح القرآن بذلك في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت/26]

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش كان يوصي بعضهم بعضاً إذ قرأ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن أن يتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة، أو كان بعضهم يصفِّر وآخرون يصفِّقون بأيديهم وبعضهم ينشد الأشعار الباطلة، كل هذا حتى يخلطوا على النبي قراءته ويشوشوا عليه ويغلبوا على قراءته، فلا يستطيع أن يقرأ القرآن على الناس(85).

فللحيلولة دون عمل المشركين هذا ولدفع شرّهم، أنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف المقطَّعة فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم.

وذكر المفسرون أقوالاً أخرى في هذا الباب وألف أبو علي ابن سينا رسالة مستقلة في موضوع فواتح السور، سماها بالرسالة النيروزية، ولو أردنا أن نذكرها هنا بتمامها لخرجنا عن خطة الكتاب القائمة على الاختصار والتخفيف، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

الحكمة من نزول القرآن الكريم على نحو التدريج مُفَرَّقاً ومُنَجَّمَاً

يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان/32].

يقول ابن جريج: استغرق نزول القرآن من أول آية إلى آخر آية ثلاثة وعشـرين عاماً.

تضمنت الإجابة التي رد اللهُ بها على قول الكفار الأمور التالية:

1 – أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان أمياً لا علم له بالقراءة والكتابة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ المُبْطِلُونَ [العنكبوت/48].

ولما كان النبي الأكرم أمياً، فلو نزل عليه القرآن كله دفعة واحدة لصعب عليه حفظه كله وضبطه ولكان نسيان بعضه محتملاً، أما التوراة فكانت كتاباً وكان موسى من أهل القراءة والكتابة.

2- الذي يكون لديه كتاب كامل ربما اعتمد على كتابه وتساهل في حفظه، لذا لم يُنزِل الله تعالى القرآن دفعةً واحدةً بل فرَّقه وأنزله بالتدريج كي يعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حفظه وضبطه.

أضف إلى ذلك أن الأمة أيضاً كانت [في غالبها] أمَّةً أمِّيَّةً، ولم تكن من أهل الكتابة والقراءة، لذا كان من المناسب أن ينزل القرآن على الأمَّة بالتدريج كي تتمكن من ضبطه وحفظه.

3- بما أن كثيراً من آيات القرآن تبيّن أحكاماً عمليةً فلو نزل القرآن كله دفعة واحدة لكان حفظ كل تلك الأحكام مرة واحدة والعمل بها أمراً عسيراً، لكن نزوله التدريجي ساعد على حفظ تلك الأحكام وسهّل العمل بها.

4- إن مشاهدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل في حالات متعددة وأزمنة مختلفة كان من شأنه أن يقوّي قلب النبي ويعينه على تحمّل مشاق الدعوة ويجعله أكثر صبراً على احتمال أذى الخلق وأكثر ثباتاً في قتال الكفار.

5- إن نزول القرآن بالتدريج هو في حد ذاته معجزة كبرى للنبي، فرغم أنه كانت تنزل عليه أحياناً عشر آيات أو سورة صغيرة كان المشـركون عاجزين عن معارضة القرآن والإتيان بسورة من مثله، وكان عجز المشركين أكثر وضوحاً بنزول القرآن مفرقاً، مما لو نزل جملة واحدة.

6- كان القرآن ينزل طبقاً للوقائع التي تحدث للناس وهذا يقتضي نزوله مفرَّقاً وبالتدريج، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

 

أمثال القرآن

يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْـرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ [العنكبوت/43]. ويقول أيضاً: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم/25].

معنى الـمَثَل وفرقه عن الـمِثْل:

يقول أبو البقاء في «الكليات»: «والمَثَلُ بفتحتين لغةً اسمٌ لنوع من الكلام وهو ما تراضاه العامة والخاصة لتعريف الشيء بغير ما وضع له من اللفظ، يستعمل في السراء والضراء.... وهو أبلغ من الحكمة». ويُطلَق الـمَثَل على معنيين: الأول بمعنى «الـمِثْل» بمعنى الشِّبْه والشَّبَه والنِّقض والنَّقْض. وقال بعضهم يطلق لفظ «الـمَثَل» أحياناً على صفة الشـيء و وصفه كقوله تعالى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ [الرعد/35]، أي وصف الجنة التي وعهدها الله للمتقين هو كذا.. ويُطلق أحياناً على مشابهة شيء لشيء آخر في معنى من المعاني.

أما لفظ «الـمِثْل» بالكسر فهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، والنظير أخص منه وكذا الند فإنه [أي الندّ] يقال لما يشاركه في الجوهر فقط وكذا الشبه يقال لما يشاركه في الكَيْف، والمساوي يقال لما يشاركه في الكمّ، والشكل يقال لما يشاركه في المقاس والحجم، أما «الـمِثْل» فهو أعم من كل تلك المشابهات ويشملها جميعاً، لذا لما أراد الله أن ينفي وجود شبيه له من جميع الجهات كلها عبر عن ذلك بلفظ «المثل» فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11]، والجمع بين الكاف و المثل في هذه الآية لمزيد من تأكيد نفي المشابه له، وإشارة إلى أن استعمال الكاف و المثل كلاهما لا يصح، وقال بعضهم في تفسير هذه الآية إن «الـمِثْل» بمعنى الصفة أي ليس هناك صفة مثل صفاته، ومرادهم أنه رغم وصفهم الله تعالى بكثير من صفات البشر إلا أن تلك الصفات للباري تعالى ليست أبدا على النحو المستعمل بحق البشر، ومنه قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى [النحل/60]، أي الصفات السيئة والمذمومة لمنكري الآخرة، والصفات العليا لله تعالى.

وقد منع الله تعالى العباد أن يضـربوا له الأمثال فقال: ﴿فَلَا تَضْـرِبُوا لِـلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل/74]، أشار إلى أنه تعالى يضرب لنفسه ما يشاء من الأمثال أما نحن فلا يجوز أن نقتدي به في ذلك، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل/74]، ثم ضرب لنفسه مثلاً فقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكاً... [النحل/75]، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز وصف الله تعالى بصفة من صفات البشر إلا ما وصف الله به نفسه.

فائدة التمثيل:

اعلم أن التمثيل أفضل وسيلة لجعل الوهم مسخَّراً للعقل ومطيعاً له، لأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبُّه فإذا ذُكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذُكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وأيضاً فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبيناً مكشوفاً، فإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يُراد منه إلا الإيضاح والبيان. فالتمثيل يُزيل الحجاب عن المعقولات الخفية، و يجعلها واضحة للحواس، فيجعل المجهولَ معلوماً والوحشيَّ مألوفاً، لذا كانت عادة الأنبياء أن يُبيِّنوا الحِكَم في بعض المقامات بصورة أمثلة وأن يأتوا بالحقائق العقلية الصعبة بصورة أمثلة حسية، لأن ناحية الحس غالبة لدى أكثر الناس، و لا يمكنهم فهم البراهين العقلية، وأن يجرِّدوا المعاني من ألبسة الصور، فالذين يتمتّعون بذهن صافٍ و عقل كامل ينفذون من المثل إلى الحقائق كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ [العنكبوت/43].

يقول إبراهيم النظام(86): «يجتمع في الأمثال أربعة لا تجتمع في غيرها من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية؛ فهو نهاية البلاغة. وقال ابن المقفَّع: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنَقَ للسمع وأَوْسَعَ لشُعُوب الحديث» (87).

وليس للأمثال قاعدة تنظمها أو ترتبها بل هي متفاوتة من حيث الدرجات ومختلفة، لذا نجد القرآن الكريم يمثل بأشياء بدءاً من البعوضة وانتهاء بالرسول الأكرم.

والسور التي ذكر الله تعالى فيها أمثلة هي: البقرة، آل عمران، الأنعام، الأعراف، يونس، هود، الرعد، إبراهيم، النحل، بني إسرائيل (أي الإسراء)، الكهف، الحج، النور، الفرقان، العنكبوت، الروم، يس، الزمر، الزخرف، محمد، الفتح، الحديد، الحشر، الجمعة، التحريم، المدثر.

أمثال القرآن على قسمين:

أمثال القرآن على قسمين: الأول: ظاهر وهو المصرّح به، والثاني: كامن وهو الذي لا ذكر للمثل فيه وحكمه حكم الأمثال.

أما القسم الأول، فهو كثير ونذكر للقراء الكرام بعضاً منه للتذكير:

1- قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة/5].

2- قوله سبحانه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ..﴾ [الأعراف/176].

3- قوله سبحانه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً.. [البقرة/17].

شبَّه الله تعالى حال من هيأ له أسباب الهداية والتوفيق ولكنه لم يستفد من هذه الفرصة للوصول للنعمة الأبدية، وأضاع الفرصة على نفسه، بحال من بذل جهداً كبيراً حتى تمكن من إيقاد نار في وسط الظلام الدامس، فلما أضاءت النار واستنار بها إذا بها تنطفئ و يعود من جديد إلى الظلمات.

4- قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً..﴾ [البقرة/171].

شبه الله تعالى: الذين كفروا بالأغنام التي يدعوها صاحبها فبين المعنى ببيان جميل وراعى المقابلة في المعنى لا في اللفظ، وتفصيل الكلام أن مثل الكفار ومثل داعيهم إلى الإيمان مثل الأغنام التي يدعوها الراعي فلا تسمع من دعائه إلا جرس النغمة ودوي الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئاً آخر ولا تعي، كما يفهم العقلاء ويعون.

5- قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ...﴾ [البقرة/261].

ومثلها سائر أمثلة القرآن.

وأما القسم الثاني من أمثال القرآن فهو الأمثال الكامنة التي لم يُصرَّح فيها بذكر المثل:

قال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم، يقول: سمعت أبى يقول: سألت الحسين بن فضل، فقلت: إنّك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: "خير الأُمور أوسطها"؟ قال: نعم في أربعة مواضع:

1- قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة/68].

2- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْـرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان/67].

3- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء/110].

4- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء/29].

قلت: فهل تجد في كتاب الله "من جهل شيئاً عاداه"؟ قال: نعم، في موضعين:

1- قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس/39].

2- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف/11].

قلت: فهل تجد في كتاب الله "احذر شر من أحسنت إليه"؟ قال: نعم.

﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾ [التوبة/74].

قلت: فهل تجد في كتاب الله "ليس الخبر كالعيان"؟ قال: في قوله تعالى: ﴿قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قال بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبي.

قلت: فهل تجد "في الحركات البركات"؟ قال: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء/100].

قلت: فهل تجد"كما تدين تدان"؟ قال: في قوله تعالى: ﴿مَنْ يعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه [النساء/123].

قلت: فهل تجد فيه: "لا يُلدغ المؤمن من جُحْرٍ مرّتين"؟ قال: ﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [يوسف/64].

قلت: فهل تجد فيه "من أعان ظالماً سُلّط عليه"؟ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج/4].

قلت: فهل تجد فيه قولهم: "ولا تلد الحية إلا حيّة"؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح/27].

قلت: فهل تجد فيه: "للحيطان آذان"؟ قال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة/47].

قلت: فهل تجد فيه: "الجاهل مرزوق والعالم محروم"؟ قال: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم/75].

قلت: فهل تجد فيه: "الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام لا يأتيك إلا جزافاً"؟ قال: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الأعراف/163](88).

القرآن يحتوي على البراهين على أصول الإيمان

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء/174].

من الظُّلم الذي ظُلِمَ به القرآن الكريم ومن الإهمال الذي تَعَرَّض له كتاب الله، زَعْمُ طوائف من المتكلمين والمتفلسفين أن القرآن لم يُقِمْ أيَّ برهانٍ على المسائل الاعتقادية ولم يذكر أي دليل على صحّة أصول الدين التي يدعو إليها، وأن دلالة القرآن على الأمور الاعتقادية مثل المبدأ والمعاد (أي الإيمان بالله وباليوم الآخر) والنبوّة والقضاء والقدر والخير والشرّ وأمثالها مُبْتَـنِيةٌ على قبول خبر المُخْبِرِ الصادق فحسب، بمعنى أنه لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادقاً ومبعوثاً من قِبَل رب العالمين، فيجب تصديق كل ما يخبر به.

والواقع أن هذا الادعاء خطأ فاضح وضلال واضح، وأصحابه لا يدرون أن القرآن أقام في الحقيقة براهين متقنة على أصول الدين وقواعد الإيمان وذَكَرَ أدلةً محكمةً على صحتها وحقيقتها، وفيما يلي الدليل على ما نقول:

1ـ نص الآية المذكورة أعلاه الصـريح الذي يبين أن القرآن أتى الناس ببرهان من ربهم و بنور مبين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء/174].

2ـ كيف يُمْكن تصوّر أن يدعوَ شخصٌ الناسَ إلى عقائد ومبادئ ثم لا يقيم على صحتها أي برهان ولا يذكر أي دليل، بل يقول لهم لقد أتيتكم بهذه العقائد والأصول من عند الله، فإذا أردتم البراهين على صحّتها فيجب أن تذهبوا إلى كتب الفلاسفة والمتكلمين لتحصّلوا أدلّتها!.

3ـ لقد حَرَّم القرآنُ التقليدَ ونهى عن الطاعة العمياء من غير علم، كما قال سبحانه، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء/36]، كما خاطب اليهود قائلاً: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة/111] فكيف يُعْقَل أن يطلب من الآخرين البرهان على عقائدهم ثم لا يأتي هو بالبراهين على العقائد التي يدعو الخلائق إليها؟.

4ـ أي طريق كان يعتمد عليه أئمة الدين والسلف الصالح في إثبات عقائد الدين قبل دخول الفلسفة في الإسلام و ظهور علم الكلام؟ هل يُعْقَل أن يعتقد أولئك السلف الذين كانوا يعتبرون - تبعاً لتعاليم القرآن - التقليد الأعمى ضلالاً، عقائدهم دون برهان وأنه لم يكن لهم أيّة أدلّة وبراهين على عقائدهم من كتاب الله؟!.

إنه لمن المؤسف جداً أن نرى الجهلَ بالقرآن وعدم التدبُّر فيه قد أوصلا أمة الإسلام إلى حالةٍ أصبحت فيها بحاجة إلى الأجانب في جميع شؤونها حتى في إقامة البراهين على أصول إيمانها! والأعجب من ذلك قول من لا خَلاَقَ له في الآخرة ومَنْ هو جندٌ من جُنْد الشيطان: إننا لا نفهم القرآن ولن يمكننا فهمه أبداً حتى يظهر إمام الزمان فيفسَـّره لنا!! هذه عقيدة كُفْر ولو كان صاحبها مدركاً لحقيقة ما يقول وقاصداً للوازم كلامه لصار من زمرة الكفار! لأن قوله هذا بمثابة فأسٍ يجتثُّ بها القرآن من جذوره. هذه الأفكار الباطلة والآراء الكاسدة هي التي أوصلت الناس إلى حد لم يعودوا يهتمون فيه بالقرآن وصاروا يبنون عقائدهم على مصادر غير قرآنية، حتى أصبح كثير منهم مسلمين بالظاهر أما في عقائدهم فهم كفار خالصون، وهؤلاء هم الذين سيشتكي النبي الخاتم منهم إلى الله يوم القيامة ويقول: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا [الفرقان/30]. وسنذكر فيما يلي، حمايةً للقرآن وهدايةً لأهل الإيمان، أول طريقة ذهب إليها العقلاء في كشف الحقائق ثم نبين طريقة القرآن في اقتناص الحقائق ثم نذكر البراهين الواردة في كتاب الله والطريقة القرآنية ذات الشعب الثلاثة في الدعوة أي: الدعوة بالحكمة وبالموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

مقدِّمة:

تنقسم العلوم إلى قسمين: القسم الأول العلوم الضـرورية والبديهية التي لا تحتاج إلى كسب وتحصيل (بل هي مغروسة في فطرة الإنسان). والقسم الثاني: العلوم الكسبية التي تحتاج إلى النظر والاكتساب والتحصيل.

منذ أن وضع الإنسان قدميه في عالم الطبيعة الترابي هذا، وهو يبحث عن حقائق الأشياء وعللها، ويلاحظ الكون ويتأمّله، أوّل ما لَفَتَ نظره هو البحث عن إجابة على هذه الأسئلة: ما هي حقيقة هذا الكون وعالم الوجود؟ وما هي نسبتي لهذا الكون؟ وماذا عليّ فعله في هذا العالم؟ هذه الأسئلة دفعت الإنسان إلى البحث والتحقيق، ونشأت لدى البشـر من خلال ذلك آراء وعقائد مختلفة.

فقال بعضهم إنه لا توجد أي حقيقة، ولا سبيل للإنسان للتوصل إلى أي حقيقة، وسُمِّيَتْ هذه الجماعة بالسفسطائية.

وقال آخرون: العالم منحصر بالمحسوس ولا يوجد أي حقيقة أو عالم آخر خارج عالم المادة والحس، وسُمِّي هؤلاء بالحسيين.

وقال فريق ثالث توجد عوالم كثيرة لا حصـر لها غير هذا العالم المحسوس ولا يمكن للحواس أن تلاحظ تلك العوالم، بل البحث في تلك العوالم الغيبية ينحصر بالبرهان العقلي، وسمي هذا الفريق بالفلاسفة الإلهيين.

وقال فريق رابع إن طريق الوصول إلى الحقائق منحصـر بالمكاشفة فقط والاستدلال العقلي استدلالٌ ضعيفٌ وذو أساس مهتز، وهذا الفريق هم جماعة الصوفيّة.

أما القرآن الكريم فقد اعتبر أن الطريق للوصول إلى الحقائق هو الدليل والبرهان بالشـروط التي سنبينها بعد أن نذكر طرق المعرفة المختلفة التي مرّ ذكرها.

طريقة السفسطائية و الردّ عليها:

يقول الشيخ نصير الدين الطوسي(89) في كتابه «نقد المُحَصَّل»: «إن كلمة سوفسطا كلمة يونانية مركبة من كلمتين: سوفا: بمعنى العلم، و اسطا: بمعنى الغلط، فمعنى الكلمة هو: العلم خطأٌ. كما أن كلمة الفلسفة أصلها يوناني هو «فيلوسوفي» المركبة من كلمتين: فيلو: يعني المحب وسوفي: يعني الحكمة فمعناها: محب الحكمة، فتم تعريب تلكما الكلمتين اليونانيتين إلى كلمتي سفسطة وفلسفة».

وقال الطوسي: «إنه ليس في العالم قوم يختارون هذا المذهب ولكن كل من غلط في الدليل فهو سوفسطائي، ولما كان أكثر الناس ليس لهم مذهب صحيح ويعيشون في الحيرة، فإنهم رتّبوا سلسلة من الأسئلة والاعترافات ونسبوها إلى السفسطائية» إلى هنا انتهى كلام الخواجة نصير الدين الطوسي، وسيتبين لنا فيما بعد أنه أخطأ خطأً كبيراً في معنى كلمة سفسطائي وفي حقيقة فرقة السفسطائية.

ويقول صاحب كتاب «تاريخ الفلسفة» حنّا أسعد فهمي:

«حكى شيشرون في كتابه «بروتوس» إنه بعد سقوط طغاة صقيليا. رفع الأهالي الدعاوي أمام المحاكم ليستردوا ممتلكاتهم التي اغتصبها أولئك الطغاة. فانتشر حينذاك المحامون وتباروا في الفصاحة والخطابة لإقامة الحجة والدليل على صحة دعاويهم. وأعظم من اشتهر منهم «كوراكس» و«تسياس» اللذين كانا أول من فكرا بتدوين الخطب في القرطاس. وحذا حذوهما «بروتغوراس» و«جورجياس» فأعدَّا محلات عمومية يعلّمان فيها الخطابة نظير أجر معلوم واتخذ لقب «سوفوس» مع نعتها «سوفست» أي الإنسان الحكيم الماهر في كل علم، إذ إن من شروط المحامي أن يكون ملماً بالمعارف المتعددة.

بيد أن لقب «سوفست» (أي السفسطة) تحول معناه الحقيقي وأصبح علماً على كل مغالط أو مكابر في الحق. لأن المهنة التي اتخذها أولئك السفسطائيون كان من أمرها أن تدافع عن كل دعوى سواء كانت صحيحة أو باطلة. والمحامي في استطاعته أن يأتي بالبراهين ليقنع خصمه بأمر ما. ثم يمكنه أن يدافع ضد ذاك الأمر ببراهين أخرى. وقد نشأ عن ذلك أن تخلل الشك والارتياب أفئدتهم فلم يعترفوا بحقيقة ما، ولما كانوا أقوياء الحجة قام في وجوههم خصوم أكفاء لهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو ولقد شبه المؤرخون الجيل الخامس قبل الميلاد بالجيل الثامن عشر المسيحي، والسفسطائيين بالانسكلوبديين» انتهى(90).

وإذا رجعنا إلى تاريخ الفلسفة رأينا أن مذهب «الشك أو اللاأدرية» كان يظهر في كل عصـر من العصور فمثلاً، كان «جورجياس» أحد زعماء السفسطائية يقول: «إننا نشك في وجود الأشياء [أي ربما لا يوجد شيء!]، وإن كانت الأشياء موجودة فلا سبيل إلى معرفتها. وإن وجد شيء وأمكن معرفته فلا يمكنا تعريفه للآخرين!».

وفي العصور الحديثة كان زعيم الشكاك «ديفيد هيوم»(91)، فقد أبان أن وسائل المعرفة التي يعتمد عليها العقل البشـري كالعلة والمعلول، والسبب والمسبب، والجوهر والعرض ونحو ذلك، ليست إلا وهماً وخداعاً، ومن ثم لا تمكن المعرفة.

وإذا رجعنا إلى العصر اليوناني القديم نجد أنه قد اشتهر من هؤلاء الشُكَّاك (اللاأدريين) في ذلك العصر «بيرو» - ويظهر أنه هو الذي يسميه القفطي(92) في كتابه أخبار الحكماء بـ «فورون اللذّي» (أي القائل باللذة) - وقد ولد سنة 360 ق.م. واشترك في الحملة التي سيَّرها الإسكندر إلى الهند، ولم يخلِّف لنا كتباً نعرف منها آراءه إنما نعرف عنه من تلميذه «تيمون».

يقول «بيرو» إن خير طريق يسلكه الحكيم أن يسأل نفسه هذه الأسئلة الثلاثة: (أولاً) ما هي هذه الأشياء التي بين أيدينا وكيف تكوّنت؟ (ثانياً) ما علاقتنا بهذه الأشياء؟ (ثالثاً) ماذا يجب أن يكون موقفنا إزاءها؟ أما السؤال الأول فالإجابة عنه أنا لا نعرفها، إنما نعرف ظواهرها، أما حقيقتها الباطنية فنحن بها جدّ جاهلين، والشيء الواحد يظهر بمظاهر مختلفة للأشخاص المختلفة لهذا كان من المستحيل أن نعرف أي الآراء حق، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن آراء العقلاء مختلفة كاختلاف آراء العامة، وكل وجهة نظر يمكن البرهنة على صحتها وتأييدها كنقيضها.

ورأيي مهما كان واضحاً عندي فعكسه واضح عند غيري ومقتنع به اقتناعي، فما عند كل إنسان رأيٌ لا حقيقة، وهذه هي العلاقة بيننا وبين الأشياء، وهو الإجابة عن السؤال الثاني، أما عن السؤال الثالث فيجب أن يكون «الوقف» التام فنحن لا نستطيع أن نتأكد من شيء ولو كان تافهاً، ومن ثم كان أتباع «بيرو» لا يُصدرون على الأشياء أحكاماً قاطعةً، فهم لا يقولون إن الحق كذا، وإنما يقولون «يظهر لنا كذا» و«ربما كان كذا» و «من المحتمل» ونحو ذلك، وكما قالوا ذلك في الأشياء المادية قالوه في الأخلاق وفي القانون، وفي الأشياء المعنوية، فلا شيء في نفسه حق، ولا شيء في ذاته خير أو شر، وإنما هو خير في رأيي أو رأيك أو حسب القانون والعرف - وإذا عرف العاقل ذلك لم يفضِّل شيئاً على آخر، وكانت النتيجة الجمود التام، وعدم العمل، فإن أي عمل إنما هو نتيجة التفضيل، فإذا ذهبت يميناً أو شمالاً فمعنى ذلك أنى أفضل ذلك لغرض؛ فإذا انعدم هذا التفضيل انعدم العمل، وهو ما يرمي إليه «بيرو»، فالعمل مؤسس على العقيدة.

ويقولون أيضاً: يجب رمي الملذات والرغبات بعيداً وأن يعيش الإنسان حياته بعقل مطمئن بدون رغبة وهوس و أن يخلي نفسه من أي وهم، كي ينال السعادة، فإذا أعرض الشخص العاقل عن اللذات وأدار ظهره للرغبات و الأوهام نجا من الشقاء؛ فعلى العاقل أن يستوي لديه الشـيء ونقيضه، فالصحة والمرض والحياة والموت والغنى والفقر سيان لدى الحكيم، وإذا لم يكن راغباً بطرف معيَّن، فإنه عندما يعيش في هذه الدنيا يُجْبرُ على العمل وبالتالي فعليه أن يخضع للعرف والقانون دون أن يعتبرها حقَّاً وميزاناً!

وقد كان لأكاديمية أفلاطون رؤساء ساروا جميعاً على نهج أفلاطون حتى وصلت رئاسة الأكاديمة إلى «أرسيليوس»الذي أدخل إليها مدرسة الشكِّ، وقد اتخذت الأكاديمة حينها اسم الأكاديمية الجديدة و كان من مميزاتها المعارضة الشديدة للرواقيين، وكانوا يقولون إن الرواقيين يصدقون كل موضوع دون إقامة البرهان عليه و أنهم أشخاص سُذَّج.

 لقد ردَّ «أرسيليوس» على نظرية الرواقيين و قال إنه لا أساس للمعرفة، وليس هناك مقياس نقيس به الحقيقة لا الحوّاس ولا العقل، ومن مأثور قوله: «لست أدرى، ولست أدرى أنني لا أدرى». ولكن الأكاديمية الحديثة لم تبالغ في الشك كما بالغ «بيرو»، فقد ذهبوا إلى أن الإنسان يجب أن يعمل، وإذا لم يكن في الإمكان معرفة الحق فاحتمال الحق وظنه كافيان في الهداية إلى العمل.

ويُعَدُّ «كاردنيادس» أشهر الأكاديمية الشكاكة، ومما يمثل رأيه قوله:

1- لا يمكن البرهنة على شيء لأن النتيجة يجب أن يبرهن عليها بالمقدّمات، والمقدّمات تحتاج إلى برهان وهكذا فيؤدّي ذلك إلى التسلسل.

2- لا يمكن أن نعرف إن كان رأينا في شيء حقاً أو لا لأنا لا نستطيع المقارنة بين الشيء ورأينا، لأن ذلك يتطلّب أن نخرج من عقلنا، فنحن لا نعرف عن الشـيء إلا رأينا فيه، فكان من المستحيل المقارنة بين الشيء وصورته في ذهننا، لأننا لا ندرك إلا الصورة.

وبعد أن خمد مذهب الشك حيناً عاد فظهر في «الأكاديمية» واشتهر من الدعاة إليه «اينيسيديموس»، وكان معاصراً لـ «شيشـرون»، وقد امتاز المتأخرون من الشكاك برجوعهم إلى تعاليم بيرو - وقد اشتهر «اينيسيديموس» هذا بوضعه للمبادئ العشرة التي يبيِّن فيها استحالة المعرفة، وهي في الحقيقة ليست عشـرة وإنما هي اثنان أو ثلاثة صاغها بأشكال مختلفة، وجعلها عشـرة للولوع بعدد العشـرة، وهي:

1- إن شعور الأحياء وإدراكهم الحسي للأشياء يختلف.

2- الناس يختلفون طبيعياً وعقلياً، وهذا الاختلاف يجعل الأشياء تظهر أمامهم بمظاهر مختلفة.

3- اختلاف الحواس يسبِّب اختلاف تأثرها بالأشياء.

4- إن إدراكنا للأشياء يعتمد على حالتنا العقلية والطبيعية وقت إدراكاً.

5- إن الأشياء تظهر بمظاهر مختلفة في الأوضاع المختلفة وعلى المسافات المختلفة.

6- إدراكنا الحسي للأشياء ليس إدراكاً مباشراً بل بواسطة. فمثلاً نحن ننظر إلى الأشياء وقد توسط بينها وبين حواسنا الهواء.

7- تختلف مظاهر الأشياء باختلاف كميتها ولونها وحركتها ودرجة حرارتها.

8- يختلف تأثرنا بالشيء بمقدار إلفنا وعدم إلفنا له.

9- كل ما نزعمه من المعلومات محمول على موضوع، وكل هذه المحمولات ليست إلا علاقات بين بعض الأشياء وبعض أو بينها وبين أنفسنا، وليست تخبرنا بحقيقة الأشياء ذاتها.

10- آراء الناس وعرفهم يختلف باختلاف البلاد.

ويريد أن يصل بهذه القضايا العشر إلى القول بأن العلم بكنه الأشياء لا يمكن، لأن ما عندنا من الوسائل لا يمكننا من ذلك(93).

وخلاصة كل ما تقدم أن السفسطائية انقسموا إلى ثلاث فرق:

1- اللاأدرية: الذين يقولون: لسنا ندري ولسنا ندري أننا لا ندري!.

2- العنادية: الذين يقولون لا توجد أي قضيّة بديهية أو نظرية إلا ويوجد لها ما يعارضها، وتوجد معاندة بين القضايا، مثلاً قضية «العالم حادث» وبراهينها تتعارض مع قضية «العالم قديم» وبراهينها، وبما أنه يوجد تعارض وتناقض دائم بين القضايا فلا يمكننا الترجيح بينها، والحكم بشأنها!

3- العندية: الذين يقولون عقيدة كل قوم هي حق بالنسبة إليهم وباطلة بالنسبة إلى حضورهم. [يعني الشيء الواحد يمكن أن يكون حق وباطل في الوقت ذاته! فهؤلاء يقولونا بالنسبية المطلقة وإنكار الحقائق الذاتية للأشياء].

إبطال كلام السفسطائية:

إن مَثَلَ السفسطائية في قولهم: بما أنَّنَا لا نملك القدرة على كشف الحقائق فلابد أن نتوقف عن ذلك ونكف عن البحث عن الحقيقة ونتفرّغ بالتالي للحياة ونجعل أعمالنا مطابقة للعرف السائد والعادة الجارية بين الناس، مَثَلَ من يلاحظ رتبة الملك وعظمته ويرى أنه مطاعٌ ومُتَّبعٌ، وأوامره جارية وأحكامه سارية في البرايا، ثم ينظر إلى نفسه ويلاحظ نقصه وضعفه وصغر شأنه فيقول في نفسه: من المستحيل عليَّ أن أصل إلى مرتبة الملكية، وإن كان من الممكن لي أن أصل إلى مرتبة الوزارة أو شغل رفيع آخر، دون رتبة الملك، لكن بما أنني لا يمكنني الوصول لمرتبة الملك فلا أرغب بالأعمال الأخرى، ويستقر في ذهنه الفكرة القائلة بما أنني لا أستطيع الوصول لمرتبة الملك فعليَّ أن أقنع بشغل أبي الذي كان كنّاساً! مع أن الكنّاس عاجز عن تحصيل لقمة العيش التي يسد بها رمقه وعن تأمين اللباس الذي يقيه من البرد والحرّ. فيحفظ سيرة الآباء قائلاً لنفسه:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها         واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

لو تأمل هذا الشخص ذو الهمة الضعيفة والفطرة المنحطّة والنظرة القاصرة وفكر جيداً لعلم أن بين درجة الكنَّاس والملك منازل ودرجات كثيرة، وأنه إذا كان لا يستطيع الوصول إلى أعلى درجة فلا ينبغي عليه أن يقنع بأسفل درجة بل عليه أن يشد العزم والهمّة لينطلق من أسفل المراتب ليصل إلى أعلى ما يمكنه من مرتبة، فكل مرتبة يصل إليها ستكون مرتبة عزة وسيادة بالنسبة إلى مرتبته الدنيا الحالية، وكذلك فإن درجات السعادة العلمية والعملية متفاوتة فكل من كانت له منزلة من العلم لا ينبغي أن يقول طالما لا أستطيع الوصول إلى جميع الحقائق كلها فعلي أن لا أسعى للعلم أصلاً وأن أقنع بجهلي، بل عليه أن يعمل بقاعدة: «ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرَك كله!».

وخلاصة الكلام إن السفسطائية في كلامهم هذا قد أخطؤوا خطأً فاحشاً وسدُّوا على أنفسهم باب المعرفة وقنعوا برداءة الجهل، كالكناس الذي قنع بمهنة الكنس، نعوذ بالله من الضلال.

وينبغي أن نعلم أن قول السفسطائيين بنفي الحقائق مكابرة للعقل وللحسّ، ويكفي للردّ عليهم أن يُقال لهم: هل قولكم «إنه ليس للأشياء حقيقة» حق أم باطل؟ إن قلتم هو حق فقد أثبتُّم حقيقةً ما ونقضتم قولكم، وإن قلتم هو كلام باطل اعترفتم ببطلان دعواكم أنه ليس للأشياء حقيقة!!

ونقول أيضاً للشكاكين منهم: هل شكُّكُم هذا ثابت وصحيحٌ وحقيقيٌّ أم أنه غير موجود وغير صحيح؟ إن قلتم بل هو موجود وصحيح فقد أثبتُّم حقيقةً من الحقائق، وإن قلتم بل هو غير موجود وغير صحيح فقد أبطلتم شكَّكُم ونفيتموه ومن البديهي أن نفي الشك معناه إثبات الحقائق.

أما قول من قال إن كل قضية هي حق عند من يعتبرها حقاً وهي باطل عند من يعتبرها باطلاً، فجوابه: إن مجرّد الاعتقاد بأن شيئاً ما حقٌّ لا يجعله حقاً، كما أن مجرد الاعتقاد بأن شيئاً ما باطلٌ لا يجعله في حقيقته باطلاً، بل الحق هو الموجود الثابت في واقع الأمر و نفسه وذاته ولا دخل للاعتقاد في ثبوته أو عدم ثبوته في ذاته، ولا تتغير حقيقة الشيء بسبب الاعتقاد به أو عدم الاعتقاد به، ولو صح كلامكم هذا لكان الشيء الواحد ثابتاً وموجوداً، ومنفياً ومعدوماً في الوقت نفسه!! وهذا يؤدي لاجتماع النقيضين وبطلانه من أوضح البديهيات.

طريقة الحِسِّيِّين والتجريبيين وإبطالها

يرى أصحاب هذا المذهب أنه لا يوجد شيء سوى المادة والأجسام المادية، ويقولون إن الموجودات هي فقط تلك التي تلتقطها الحواس، وليس وراء الحس شيء، ويقولون إن موضوع المعرفة وما يمكن للبشـر أن يصلوا إليه من علم هو الأمور المحسوسة فقط ويعتبرون العلم منحصراً فقط في حدود المحسوسات التي تقع تحت التجربة ويمكن التحكُّم بها أما ما ليس بمحسوس، فلا يمكن للتفكير العقلي أن يثبت وجوده، وكل علم يستند إلى المعقولات ويدور حولها لا يَعْتَبِرُونه علماً بل مجرّد وَهمٍ ورَجمٍ بالغيب.

إذن موضوع علم الحِسِّيِّين هو المحسوسات، ويعتبرون أن القوة التي يمكن للإنسان أن يتعرّف بها على الأشياء هي قوة الإحساس والشعور. والحواس في نظرهم ليست شيئاً سوى الأعصاب، وطريقة بحثهم هي طريقة التجربة والحسّ فكل ما أوصلا إليه فهو العلم، لذلك فأصحاب هذا المذهب لا يعتبرون الإلهيات والنبّوات وعلم النفس والأخلاق علماً لأن مباحثها لا تتعلَّق بالأمور المحسوسة أو التي تقع تحت التجربة والحسّ وخلاصة كلامهم: سلامٌ على الوحي والدين!.

واستناداً إلى هذه الأصول والمبادئ الفاسدة قسَّم الفيلسوف «كانط» العلوم إلى علم الرياضيات وعلم الطبيعة (الفيزياء) وعلم الفلك وعلم الكيمياء وعلم الأحياء وعلم الاجتماع فقط.

أما الدليل على فساد قول الحِسِّيِّين فهو ما يلي:

1- نحن نعلم بالضرورة أن أفراد البشر مشتركون بحقيقة الإنسانية، وحقيقة الإنسانية هذه إما أن نقول إنها ذات شكل ومقدار وحيّز معين أو نقول ليس لها شكل ومقدار وحيِّزٌ محدَّد.

 إذا كان لذلك القدر المشترك بين البشر [الإنسانية] شكل وحيز معين للزم من ذلك أن لا يكون مشتركاً لأن كل تشخُّص يخالف التشخُّص الآخر، وإذا لم يكن لتلك الحقيقة المشتركة مقداراً أو وضعاً وشكلاً مُعَيَّناً ولا محدَّداً بأي تحديدٍ خاص، بل يصلح له أي تحديد، فمن المسلم به أنه لن تكون هذه الحقيقة المشتركة عندئذٍ محسوسةً بل ستكون حقيقةً معقولةً، وبالتالي بَطُل قولهم إن كل ما ليس بمحسوس لن يكون معقولاً وليس له وجود. والحقيقة أن البحث والتفتيش في المحسوس ساقنا إلى شيء غير محسوس وهو المفهوم الكلي للإنسان [حقيقة الإنسانية].

2- إن الذي يعترف بالمحسوسات يجب عليه أن يعترف بوجود حقيقة الإحساس والإدراك لأنه لولاها لما وُجدَ المحسوس. وحقيقة الإحساس هذه ليست شيئاً محسوساً بل معقولاً فالاعتراف بالمحسوس يستلزم الاعتراف بغير المحسوس أيضاً.

3- لا يمكن لأي عاقل أن ينكر تعقُّلَه رغم أن العقل ليس متوهماً ولا ملموساً بالحسّ.

4- هناك تعلُّقات للمحسوسات لا تُدرَك بالحس ولا بالتوهم وذلك مثل إدراك الطبائع الكلية مثل العشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة والجبن وأمثالها، لأن العقل هو الذي يدرك كلياتها أما نماذجها وجزئياتها مثل عشق الشخص الفلاني أو الغضب منه أو الخوف من فلان، فلا تدرك بالحس بل ُتدرَك بالوهم، وإذا ثبت أنه توجد في عالم الوجود موجودات خارجة بالذات عن هذه المراتب مثل الذات الربوبية وعالم الغيب فهي أولى أن تكون معقولةً لا محسوسة.

أما توهم الحسِّيِّين بأن الفكر ليس في الحقيقة سوى وظيفة لعضوٍ من أعضاء البدن هو المخ تماماً كما أن وظيفة المعدة والأمعاء هضم الطعام ووظيفة الكبد إفراز الصفراء، ووظيفة الغدد تحت اللسانية إفراز اللعاب، وأن التفكير والاستدلال نتيجة عمل آلة الدماغ ونتيجة تفاعل التأثيرات الواردة عليه؛ فهو توهم في غاية الفساد والبطلان والدليل عليه أن عمليات الهضم وإفراز الصفراء واللعاب ليست من نوع الفكر بل هي أعمال مادية محضة مماثلة لأعمال الطبيعة كنمو النبات والتبخرُّ لكن عمل الفكر هو عمل معنوي يتضمن الإحاطة بالكون المحسوس والمعقول ولا يوجد أي تناسب بينه وبين الأعمال المادية الصرفة كهضم الطعام وأمثالها.

أضف إلى ذلك أن الدماغ ليس هو المدرك على الحقيقة بل هو وسيلة وآلة للإدراك كما أن العين ليست هي بذاتها المدركة أي المبصرة بل هي آلة للبصر والرؤية.

فإن قيل إن قدرة الإنسان على التفكير تتبدل مع كبر حجم الدماغ أو صغر حجمه كما أن القدرة على الإدراك تتأثر تماماً بكمال شكل الدماغ (المخ) وتركيبه الكيميائي. قلنا في الجواب: إن هذا الكلام يماثل قولك إن قوة الإبصار لدى الإنسان تقوى وتتأثر بسلامة عضو العين وصحة عمل أجزائها وشكل ومواد تركيبها الكيماوي، وإن السمع يتأثر سلباً وإيجاباً بصحة وسلامة وكمال أجزاء الأذن ودقة تركيبها أو وجود خلل فيها. لكننا إذا دققنا في الأمر بشكل كامل لرأينا أن حقيقة المبصر ليس هو العين وأن السامع على الحقيقة ليس هو الأذن لأنه يحدث أحياناً أن تكون العين في قمّة السلامة والصحة ومع ذلك فالإنسان بسبب انشغاله بأمر مهم أو وقوعه في خوف شديد أو ألم مبرح لا يرى ما يوجد أمام عينيه، وكذلك قد تكون الأذن سالمةً صحيحة ولكن الإنسان بسبب انشغاله واستغراقه بأمر مهم، فإنه لا يسمع حتى ولو صُحْتَ به بأعلى صوت.

وقد يُقَال إنه بسبب تأثُّر المخ بالألم والفزع الشديد ينصـرف الإنسان عن تمييز المبصـرات والمحسوسات، وعدم الإبصار وعدم السمع سببه هذا الانصراف.

لكن هذا الاعتراض في غاية الضعف فإن الإنسان الذي يملك حظ الانتباه من شغل إلى شغل آخر والتوقف عند أمر دون أمر آخر لا يمكننا أن نقول عنه إنه موجودٌ ماديٌ محض، فنحن لو دقَّقنا في الآلات المادية لأدركنا أنها لا تنصـرف عن عمل إلى آخر إلا إذا وجد حائل مادي، مثلاً المرآة التي تعكس صورة شخص دون شخص آخر، لا تتوقّف عن عكسها صورة الشخص إلا إذا حال بين المرآة وبين الشخص حائل أو حجاب ما، إذن لو كان المخ المادي المحض مثل آلة الساعة أو الآلات البخارية فإنه من الجنون أن نقول إنه ينصرف بسبب الألم والفزع لأن التألم والفزع من الأمور المعنوية والوهمية وهي ليست من خواص المادة والحركة.

والخلاصة إن تركيب المخ والمواد الداخلة فيه وخواصه معروفة فكيف يمكن تصور أن ينشأ جوهرٌ حيٌّ لا حدّ لتصوراته ولا نهاية لمدركاته من مواد جامدة غير مدركة. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.

طريقة الكشف والشهود عند الصوفية:

قبل البحث في مسألة الكشف لا بد لنا من بيان مختصر لتسمية الصوفي و نشأة فرقة الصوفية:

هناك آراء كثيرة حول أصل تسمية الصوفية:

1- قال بعضهم إن الصوفي مشتق من «صوفة» وهو اسم رجل كان قد انقطع إلى خدمة الله سبحانه وتعالى واعتكف عند بيته الحرام واسمه الأصلي «الغوث بن مر»، فانتسب الصوفيَّةُ إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى وسموا بالصوفية. يقول الجوهري في كتاب «الصحاح» والفيروزآبادي في «القاموس» وعبد الرحمن بن الجوزي في «تلبيس إبليس» إن «صوفة» كان صُوفَةُ أبا حَيٍّ من مُضَـرَ، وهو «الغَوْثُ بنُ مُرِّ بنِ أُدِّ بنِ طابِخَةَ»، كانوا يَخْدمون الكَعْبَةَ، ويُجِيزونَ الحاجَّ في الجاهِلِيَّةِ، أي: يُفيضونَ بهم من عَرَفاتٍ، وقالوا إنما سُمِّيَ «الغَوْثِ بنِ مُرِّ» بصوفة لأنَّ أُمَّهُ كانت لا يَعيشُ لها ولَدٌ، فَنَذَرَتْ لَئِنْ عاشَ هذا لتَرْبطَنَّ برأسِه صُوفةً، ولَتَجْعَلَنَّه رَبِيطَ الكَعْبَةِ (أي خادمها). فعاشَ، ففعلتْ، وجَعَلَتْه خادِماً للبيتِ حتى بَلَغَ فقيل له صوفة ولولده من بعده(94).

2- قال بعضهم إن «الصوفي» مشتق من كلمة «صوفة» التي معناها الشـيء المهمل المرمي بعيداً لعدم رغبة أحد به، مثل اشتقاق الكوفي من الكوفة، والسبب هو أن الصوفية شعارهم الانكسار والتخفي و التواري عن الخلق، فكأنهم مثل الخرقة المهترئة التي رماها أصحابها بعيداً.

3- يقول ابن خلدون و «نولدكه» و «نيكلسون» وجماعة آخرون إن الصوفي مشتق من الصوفي لأن قدماء الصوفية كانوا يلبسون غالباً الصوف باعتبار أن لبس الصوف أقرب إلى الزهد والتواضع.

يقول اليافعي: إن لبس الصوف أقرب إلى التواضع والخشوع وكان قدماء الصوفية يلبسونه، والصوف لبس الأنبياء وقد ورد في الحديث أن الرسول الأكرم كان يركب الحمار ويلبس الصوف، وقال الحسن البصري لقيت سبعين بدرياً يلبسون الصوف ويقول السهروردي في «عوارف المعارف» اختار الصوفية لبس الصوف لأنهم تركوا زينة الدنيا وقنعوا بسد الجوع وستر العورة واستغرقوا في أمر الآخرة ولم يعتنوا بلذائذ النفس وراحتها.

أقول: لكن ما ذكروه غير صحيح ونسبة لبس الصوف إلى الرسول الأكرم والسلف الصالح نسبة لا أساس لها من الصحّة بل الأخبار تدلّ على خلافها.

كما قال ابن الجوزي في كتابه «تلبيس إبليس»: «ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي لبس الصوف وبما روى في فضيلة لبس الصوف. فأما لبس رسول الله الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب وأما ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين أما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به وأما أن يكون مترفاً لم يتعوَّده فلا ينبغي له لبسه من وجهين أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد.

عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقاً على الله عز و جل أن يكسوه ثوباً من جرب حتى تتساقط عروقه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الأرض لتعجّ إلى ربّها من الذين يلبسون الصوف رياء.

ويقول أبو جعفر محمد بن جرير الطبري أن من الخطأ تفضيل لبس الصوف على لبس القطن و الكتان.

وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان. وعن أبي العالية أنه قال: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمَّلوا. و كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباساً مرتفعاً.

 وعن محمد ابن سيرين أن تميماً الداري اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته. وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحاً.»(95).

ويقول أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في كتابه «زاد المعاد»:

«وَكَانَ غَالِبُ مَا يَلْبَسُ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَا نُسِجَ مِنْ الْقُطْنِ وَرُبّمَا لَبِسُوا مَا نُسِجَ مِنْ الصّوفِ وَالْكَتّانِ. وَذَكَرَ الشّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ أَيّوبَ قَالَ: «دَخَلَ الصّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ عَلَى مُحَمّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَلَيْهِ جُبّةُ صُوفٍ وَإِزَارُ صُوفٍ وَعِمَامَةُ صُوفٍ فَاشْمَأَزّ مِنْهُ مُحَمّدٌ وَقَالَ: أَظُنّ أَنّ أَقْوَامًا يَلْبَسُونَ الصّوفَ وَيَقُولُونَ قَدْ لَبِسَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَدْ حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ لَبِسَ الْكَتّانَ وَالصّوفَ وَالْقُطْنَ وَسُنّةُ نَبِيّنَا أَحَقّ أَنْ تُتّبَعَ».

وَمَقْصُودُ ابْنِ سِيرِينَ بِهَذَا أَنّ أَقْوَامًا يَرَوْنَ أَنّ لُبْسَ الصّوفِ دَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَحَرّوْنَهُ أَنْفُسَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ يَتَحَرّوْنَ زِيّا وَاحِدًا مِنْ المَلَابِسِ وَيَتَحَرّوْنَ رُسُومًا وَأَوْضَاعًا وَهَيْئَاتٍ يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَنْهَا مُنْكَرًا وَلَيْسَ المُنْكَرُ إلّا التّقَيّدُ بِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَنْهَا.

وَالصّوَابُ أَنّ أَفْضَلَ الطّرُقِ طَرِيقُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم الّتِي سَنّهَا وَأَمَرَ بِهَا وَرَغّبَ فِيهَا وَدَاوَمَ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنّ هَدْيَهُ فِي اللّبَاسِ أَنْ يَلْبَسَ مَا تَيَسّرَ مِنْ اللّبَاسِ مِنْ الصّوفِ تَارَةً وَالْقُطْنِ تَارَةً وَالْكَتّانِ تَارَةً.

وَلُبْسُ الْبُرُودِ الْيَمَانِيّةِ وَالْبُرْدِ الْأَخْضَـرِ وَلُبْسُ الْجُبّةِ وَالْقَبَاءِ وَالْقَمِيصِ وَالسّرَاوِيلِ وَالْإِزَارِ وَالرّدَاءِ وَالْخُفّ وَالنّعْلِ وَأَرْخَى الذّؤَابَةَ مِنْ خَلْفِهِ تَارَةً وَتَرَكَهَا تَارَةً. وَكَانَ يَتَلَحّى بِالْعِمَامَةِ تَحْتَ الْحَنَكِ. وَكَانَ إذَا اسْتَجَدّ ثَوْبًا سَمّاهُ بِاسْمِهِ وَقَالَ: «اللّهُمّ أَنْتَ كَسَوْتَنِي هَذَا الْقَمِيصَ أَوْ الرّدَاءَ أَوْ الْعِمَامَةَ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ مَا صُنِعَ لَهُ». وَكَانَ إذَا لَبِسَ قَمِيصَهُ بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ. وَلَبِسَ الشّعْرَ الْأَسْوَدَ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ». وَفِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْنَا لِأَنَسٍ أَيّ اللّبَاسِ كَانَ أَحَبّ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قَالَ: الْحِبَرَةُ. وَالْحِبَرَةُ بُرْدٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ. فَإِنّ غَالِبَ لِبَاسِهِمْ كَانَ مِنْ نَسْجِ الْيَمَنِ لِأَنّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ وَرُبّمَا لَبِسُوا مَا يُجْلَبُ مِنْ الشّامِ وَمِصْـرَ كَالْقَبَاطِيّ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْكَتّانِ الّتِي كَانَتْ تَنْسِجُهَا الْقِبْطُ. وَفِي سُنَنِ النّسَائِيّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنّهَا جَعَلَتْ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم بُرْدَةً مِنْ صُوفٍ فَلَبِسَهَا فَلَمّا عَرِقَ فَوَجَدَ رِيحَ الصّوفِ طَرَحَهَا وَكَانَ يُحِبّ الرّيحَ الطّيّبَ.

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الْحُلَلِ». وَفِي سُنَنِ النّسَائِيّ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَـرَان». وَالْبُرْدُ الْأَخْضَـرُ هُوَ الّذِي فِيهِ خُطُوطٌ خُضْرٌ.»(96).