بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

أسرار ألف عام

 

 

 

 

 

بقلم

علي أكبر حكمي زاده

 

 

 

 

 

 

 

 

P

 

مقدمة الترجمة

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد..

يمثِّل كُتَيِّب «اسرار هزار ساله» أي «أسرار ألف عام» لـ«علي أكبر حكمي زاده» الذي انتشر في 8 شوال1386هـ ق (1944م) كملحق في العدد 12 من مجلة «پرچم» نصف الشهرية الصادرة في طهران، حلقةً من حلقات السجال الفكري الذي كان دائراً منذ بدايات القرن العشرين، في الأوساط الدينية والسياسية في المجتمع الإيراني بين من يُعرفون بالمثقِّفين المتنوِّرين من جهة، والذين كانوا يشكلون طيفاً متنوِّعاً من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال يبدأ من الدعوة إلى الإحياء والتجديد الديني، مروراً بالدعوة إلى الإصلاح أو إعادة النظر في العقائد والأعمال الدينية، الشيعية خاصَّة، وانتهاءً بالدعوة إلى العصرنة والعقلانية والانفتاح على الغرب والتحرُّر من قيود الشريعة والتقاليد الدينية جملةً، وفي الجهة المقابلة من السجال: علماء الدين وأتباعهم من المتديِّنين الذين يدعون إلى العودة إلى الإسلام وتحكيم الشريعة في المجتمع باعتبارها الحل الناجع والصالحة لكل زمان ومكان.

ولكي نفهم هذا السياق الذي صدر فيه الكُتَيِّب لا بد أن نستذكر في هذا الصدد الاتجاه التغريبي الذي قاده الملك «رضا شاه» البهلوي(1) (ويُقال له أيضاً رضا خان) منذ بدايات حكمه في العقود الأولى من القرن العشرين حيث قام بجملة من الإصلاحات والتغيير في ذلك البلد التقليدي ترافقت بحملة عصرنة وتغريب واسعة في البلاد تأثَّر فيها بأفكار وتوجُّهات «أتاتورك» التي أعجب بها أثناء زيارته لتركيا في بدايات حكمه، لاسيما فكرة نزع الحجاب، لذلك أصدر فور عودته لإيران مرسوماً عاماً يمنع ارتداء الحجاب ويأمر بنزعه من رؤوس النساء (واستمرَّت حملة نزع الحجاب هذه 6 سنوات من 1936م إلى حين تنحيته عن المُلك ونفيه عام 1941م)، كما أجبر «رضا شاه» الرجال على لبس القبعات الغربية، وقام بحملة لنزع العمائم وخلع اللباس الديني التقليدي عن كثير ممن يتزيَّا به، تحت شعار إصلاح المؤسسة الدينية وتصفية المنتسبين إليها ممن ليسوا بأهل علم واجتهاد، مما رأى فيه آخرون سعياً منه لتقليص نفوذ رجال الدين وإلغاء دورهم في توجيه المجتمع. كما قام بمصادرة جميع الأوقاف الإسلامية في البلاد، وسعى إلى فتح أبواب الحداثة الغربية على إيران في كل المجالات السياسية والجامعية والثقافية والإعلامية مشجِّعاً الفساد والتحرُّر من قيود الدين، وقام بإحياء أمجاد الفرس القدماء وإضعاف الاتجاه الديني الإسلامي في إيران. وبعد عزله ونفيه، واصل ابنه الملك «محمد رضا شاه البهلوي» بنحو أو آخر سياساته التغريبية ذاتها بشيء من الحذر مراعاةً لتنامي الشعور الديني في البلاد وقوّة الحركة العلمائية الإسلامية-السياسية الصاعدة فيها.

وفي هذا الخضم ظهر في وقتٍ واحدٍ تقريباً (عام 1944م) كتابان أحدهما «شيعيگري» أي (الشيعة والتشيُّع) لأحمد كسروي، والآخر «اسرار هزار ساله» أي (أسرار ألف عام) لحكمي زاده، كلاهما شن هجوماً عنيفاً على العقائد والأعمال الدينية الشيعية الرائجة، أما الأول فنحى منحى متطرِّفاً وصل في بعض عباراته إلى حد الطعن في أئمة أهل البيت أنفسهم وفي أساس الدين، وأما الثاني فكان أقل تطرَّفاً رغم أن هجومه كان شديداً وحادَّاً على مجمل العقائد والأفكار والممارسات السائدة في عصره باسم الدين والتشيُّع والتي رأى أن 95% منها! - على حد قوله - دخيلٌ وخرافيٌّ ووليد الأهواء والأغراض والسياسات الماضية ومخالف لتعاليم الدين الأصيلة لا سيما التوحيد.

وقد أحدث كُتَيِّب «أسرار ألف عام» هذا – على صغر حجمه - ألماً وهزَّة في وجدان الأوساط الدينية حين صدوره في إيران، مما حدى باثنين من المجتهدين الكبار للردّ عليه أولهما آية الله محمد الخالصي الذي رد عليه في رسالة سماها «كشف الأستار در نقد اسرار هزار ساله» والثاني آية الله الخميني الذي ردّ عليه ردَّا مفصلاً في كتاب كبير نسبياً باسم «كشف الأسرار».

وتـنبع أهمية أو خطورة كُتَيِّب «أسرار ألف عام» من أمرين الأول: أن مؤلفه «علي أكبر حكمي زاده» كان ابنَ أحد أبرز علماء مدينة «قم» في وقته وهو حجة الإسلام الشيخ مهدي قُمِّي پايين شهري، الذي كان قد استقبل واستضاف آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري حين انتقل من أراك ليستقر في قم ويؤسس فيها الحوزة العلمية (أي مركز الدراسات الدينية) عام 1340 هـ. ق.، وكان (أي والد حكمي زادة) صهراً لآية الله أبي الحسن الطالقاني والد عالم الدين الإيراني المناضل الشهير السيد محمود الطالقاني. بل كان «حكمي زاده» نفسه قد بدأ حياته طالباً للعلوم الدينية في قم وقطع في دراستها شوطاً جيِّداً، وكان يلبس العمَّة ولباس العلماء التقليدي، وكان واعظاً ومن قراء المراثي في منابر مجالس العزاء الحسيني ومآتم آل البيت. لكنه بدأ شيئاً فشيئاً يتحول عن هذا الاتجاه متأثِّراً -على ما يُقال- بأحمد كسروي وأفكاره وإن لم يتطرَّف في معاداته لأساس الدين والتشيُّع مثله، وفي النهاية خلع «حكمي زاده» عن نفسه لباس المشيخة وأخذ يكتب المقالات الناقدة ثم ألف كُتَيِّبَه هذا الذي بين أيدينا، واتجه بعدها للعمل التجاري (تربية الدواجن) وبرع فيه، وبقي على ذلك حتى أدركته الوفاة في طهران سنة 1987م(2).

والأمر الثاني الذي أعطى لكتاب «حكمي زاده» تلك الأهمية أنه لم يقتصر فيه على نقد بعض الأعمال والعقائد الشيعية السائدة، مثل تشييد القباب والأضرحة على القبور وزياراتها وطلب الحوائج والشفاء من أهلها، وبعض الاعتقادات المغالية في أئمة أهل البيت عليهم السلام، والخرافات السائدة بشأنهم في المجتمع، ونقد موضوع الاستخارة والاستشفاء بالتربة وما إلى ذلك، ونقد فكرة «الإمامة» في التصور الشيعي التي أُخْرِجت في نظره عن سياقها الأصلي البسيط في الإسلام، ونقد بعض أحكام الفقه الشيعي لا سيما تلك المتعلقة بالطهارة وبالزكاة والخُمس، والأهم من كل ذلك نقده الصريح للموروث الحديثي وكتب الرواية والأخبار لدى الشيعة إلى درجة أنه دعا إلى نبذ الحديث كلَّه جملةً وتفصيلاً، أقول لم يقتصر «حكمي زاده» على طرح هذه الأمور بل تعرَّض أيضاً في قسم جيِّد من كُتَيِّبه إلى مناقشة موضوعات سياسية واجتماعية تتعلّق بالحكومة والدولة والقوانين الوضعيّة، حيث انتقد بشدة الدعوة إلى ولاية الفقيه وإلى تحكيم الشريعة بصورتها الحالية معتبراً القول بصلاحية هذه الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان شعاراً لا أساس واقعيَّ له! واعتبر أن تطبيق هذه الشريعة بصورتها الحالية هو بمثابة قراءة الفاتحة على البلاد والعباد! ودعا بدلاً من ذلك إلى العقل والعقلانية والأخذ بقانون الطبيعة، مكرِّراً في رسالته القول بأن العقلَ رسولَ الله القريب للإنسان، مبدياً إعجابه بدولة وحكومة «رضاه شاه» وسياساته التي اعتبرها إصلاحية، ودافع عنها أمام هجمات علماء الدين عليها التي لا مُسوِّغ لها سوى المصالح والأغراض الشخصية في نظره.

فلا غرو أن نجد أن هذا الكُتَيِّب على صغره قد أثار الأوساط الدينية وأزعجها إذْ رأت في كتابه تحدّيّاً لكل مشروعها الداعي إلى العودة للدين ضمن إطار المذهب الشيعي الإمامي السائد في البلاد، ووجوب تحكيم الشريعة والفقه في الدولة والمجتمع، ورفض ومناهضة الاتجاه التغريبي الذي كان الحكم الملكي سائراً فيه.

وباختصار فإن كُتَيِّب «حكمي زاده» على صغره حفل بالكثير من الموضوعات الحساسة، وطرح أفكاراً كثيرةً، فيها الغث والسمين والصالح وما يقبل النقاش وما تجاوزه الزمن، والملفت أن كثيراً مما طرحه ترك آثاره المستمرّة لاحقاً، ولا يزال موضع نقاش وجدل وأخذ وردّ في الأوساط الثقافية والدينية في إيران بشكل خاص، وفي أوساط الشيعة بشكل عام حتى اليوم!

 

لجنة الترجمة

21/ جمادى الأولى/1430

 

+            +             +

 

أسرار ألف عام

دعوة أئمة الدين الحاليين في إيران والخطباء والكُتَّاب والجمعيَّات المؤيَّدة لهم

بقلم علي أكبر حكمي زاده

نُشِرَ هذا الكتاب الذي حرَّره قلم «حكمي زاده» عام 1322 (هجرية شمسية، الموافق لسنة 1943 ميلادية) في مجلة «پرچم». وقد حصلنا على نسخة قديمة منه بواسطة أحد القراء الناشطين. ونظراً إلى أن كثيراً من المباحث التي وردت في هذه الرسالة لا تزال اليوم مطروحة للبحث والنقاش النظريين في مجتمعنا، ويمكنها أن تفيد المهتمِّين بهذه الموضوعات، قررنا أن نعيد نشرها.

 

 

+            +             +

تمهيـد

كلنا يعلم، أن ما قاله مشايخنا وزعماؤنا الدينيون وما كتبوه حتى الآن، ذهبوا به إلى القاضي وحدهم، بمعنى أنه لم يُتَح لأحد أن يناقشهم أو يخالفهم فيه إذْ كانوا منفردين وحدهم في بيان حقائق الدين، أما الآخرون فإما أنهم لم يتمتّعوا بالجرأة الكافية لنقد كلامهم وطرح أفكار مخالفة، أو لم يكونوا على اطِّلاع كاف يمكِّنُهُم من فعل ذلك. وحتى عندما وُجِدَ شخصٌ مُطَّلعٌ ومشفقٌ أراد أن يقول شيئاً، كان قادة المؤسسة الدينية يسكتونه ويتمكَّنون من خنق صوته بشتَّى الطرق، في حين أنهم لو كانوا مُطْمَئنِّين إلى صحَّة كلِّ ما عندهم، لما خافوا من مخالفٍ لهم أو منافسٍ، بل لرحَّبوا به، لأن البطل لو انفرد في حلبة النزال وحده لقرون متمادية، وكتب ملايين الكتب وحده، دون أن يتحداه أحدٌ أو يناقشه، لما أدرك الناس حقيقة بطولته، لأن بطولته لن تظهر للعيان إلا إذا واجهه منافس له فأثبت البطل تغلّبه وتفوّقه عليه.

إذا كان الأمر كذلك، فإننا نزعم أن 95% مما سميتموه «دِيناً»، ليس دِيناً حقيقياً بل ضلالٌ، ونحن مستعدُّون لإثبات مُدَّعانا هذا، وكما قلنا ما لم يطرح الإنسان ادَّعاءه أمام الخصم، فإن أبرع القضاة لن يستطيع أن يصدر حكماً عادلاً بشأن دعواه، فما بالك عندما يكون القاضي عامة الناس؟

لذا نقول: إن كنتم مُطْمَئنِّين فعلاً إلى صحة مقولاتكم، فتعالوا ننهي هذا الحوار في «كتاب واحد» ونجعل عامة الناس حَكَماً بيننا. ولعلّكم تقولون نحن نملك هذا الأمر وعلى من لديه اعتراض أن يخرج ويتكلَّم ويثبت ادَّعاءه. لكن ينبغي أن نعلم أن ذلك السدّ المحكم الذي وُضع أمام أفكار عامة الناس والذي تعيشون في حِمَاه قد كُسر اليوم ولم يعد بإمكان أي شيء أن يمنع اعتراضات المعترضين إلا الدليل والمنطق. فإن كان لديكم دليل ومنطق فبها ونعمت، وإن لم يكن لديكم ذلك فاعلموا أن مجرَّد السكوت أو التكفير أو اتهام المخالفين لكم بفساد العقيدة واعتبارهم نجسين، لن يمكِّنكم من الصمود أمام سيل عواطف الناس ومشاعرهم، فإما أن تجيبوا وإما أن تستقيلوا.

حكمي زاده

+            +             +

داؤنا فينا وعِلَلُنَا من أنفسنا

لا يمكن لشخص أو جماعة أن ينجحوا ويحققوا أهدافهم إلا إذا كان الطريق الذي يسلكونه واضحاً والهدف الذي يسعون إليه محدداً، أما الذين يضعون القوانين، من جهة، ثم يقولون من الجهة الأخرى إن القوانين الوضعية بدعة! والذين يقولون إن مال الدولة وأموال المصارف حرام، ولكنهم من الجهة الأخرى يتسابقون للحصول على هذه الأموال! أو الجماهير التي تقول إن تشريع القوانين (الإفتاء) من حق المجتهد فقط، ولكنهم من الجهة الأخرى يقولون إنه لا بد من التصويت لصالح الأشخاص الذين يضعون القوانين، رغم وجود المجتهدين! مثل هذه الجماهير لن تصل إلى شيء، وما دام طريقنا على هذا المنوال، فسيبقى حالنا على ما هو عليه.

كثيرٌ من كتّاب الصحف يحمّلون الدولة جريرة كل النقائص والعلل التي يجدونها في الشعب، ويتحاشون توجيه النقد للشعب ذاته حتى لا ينزعج منهم فينعكس ذلك سلباً على مبيعات صحفهم! هذا مع أن الدولة ليست سوى الشعب ذاته، فإذا أراد الشعب شيئاً فلا يمكن للدولة أن تمنعه من ذلك، فالملك «رضا شاه» أراد أن ينزع الجلباب (الشادور) من رؤوس النساء واستخدم كل قوته ونفوذه لهذا الغرض فلم ينجح في تحقيق ذلك لأن الشعب لم يُردْه ] فكيف يمكن للدولة الحالية أن تقف أمام إرادة الجماهير، خاصة إذا كانت إرادة للإصلاح.

يشتكي عامة الناس من تفشِّي الرشوة في الدوائر الحكومية؛ لكننا نرى أنهم هم أنفسهم عندما يذهبون إلى دائرة ما فإنهم قبل أن يفتح الموظف المعني فمه يسارعون إلى إفهامه بالتلميح أنهم مستعدون لمكافأته على أتعابه! ويشتكي الكثيرون من جهل الموظفين بعملهم، لكنهم إذا رأوا رئيس دائرةٍ يراقب موظفيه ويتشدَّد في مطالبتهم بحسن أداء عملهم يعتبرونه شخصاً سيِّئاً ومؤذياً ومتصلباً.

إننا نعتبر رئيساً ما أو قائداً ما جيداً إذا رأيناه يغض الطرف عن أخطاء الآخرين. ونعتبر التاجر صالحاً إذا رأينا على رأسه قلنسوة (عرقية) وبيده مسبحة ويلبس الجلابية ولا ننظر إلى سائر تصرفاته الأخرى. ونعتبر الشيخ صالحاً إذا رأيناه يعارض كل شيء جديد. ونعتبر الصحيفة جيدةً إذا كانت بارعة في إساءة الكلام سواء كان ذلك بحق أو بغير حق. أيها الإيرانيون، إن مشاكلنا لن تحلها المجاملات وتمييع الأمور. ما دمنا هكذا ولم نغير ما بأنفسنا، لن يصلح أمرنا وسيبقى حالنا على ما هو عليه.

ستَّة أسئلة:

(1) هل كان الإيرانيون أكثر ارتياحاً في زمن «رضا شاه» أم قبل زمنه؟

(2) هل «رضا شاه» هو الذي أفسد الدوائر والأنظمة في إيران أم كانت فاسدة قبله؟

(3) هل كان تدخُّل «رضا شاه» في الانتخابات في محلِّه أم لم يكن في محله؟

(4) هل السبب في قلّة التقوى والتديُّن في المجتمع اليوم هو «رضا شاه» أم أن السبب شيء آخر؟

(5) هل كان من الأفضل أن يقاوم «رضا شاه» الحلفاء – في الحرب العالمية الأولى - ويحاربهم؟ أم كان من الأفضل أن يترك مقاومتهم؟

(6) إذا وضعنا حسناته إلى جانب سيئاته وأردنا أن نعطي حكماً كلياً فأي حكم نصدره بشأن «رضا شاه» كَمَلِكٍ حَكَمَ إيران؟

 

+            +             +

 

أسرار ألف عام

منذ ألف عام وقادتنا ورؤساؤنا يتَّخذون من الدين آلةً ووسيلةً لتحقيق أغراضهم السياسية ومَصَالحهم الشخصية، ولذلك ما وصل إلينا اليوم باسم الدِّين خليطٌ من أمور كثيرةٍ لكلٍّ منها مصدره، وليس لها من الدِّين الحقيقي إلا الاسم. لقد زال التوحيد والتقوى اللذان يشكلان جوهر الدين وحقيقته، وحلّ محلهما عبادة الأشخاص وتلفيق الأكاذيب. إن الدِّين الذي هو إرشاد وهداية من الله، أصبح اليوم عقبة تصدُّ عن سبيل الله وعائقاً أمام الحياة، وقد أدَّى ضياع الدِّين الأصيل وفقدان طريق الله الحقيقي إلى نشأة كل هذه الطرق المتشعِّبة الباطلة.

كيف تمكَّن الإسلامُ من فتح نصف العالم خلال نصف قرن من بداية انطلاقته، لكنه اتجه خلال الثلاثة عشر قرناً التالية نحو الانحطاط والاختلاف والنزاعات حتى وصل حاله إلى ما نحن عليه اليوم؟

لماذا نرى، عندما ننظر إلى دول العالم اليوم، أنه كُلَّما كان شعبٌ من الشعوب أكثر تمسُّـكاً بالدِّين كان أكثر تخلُّفاً في الحياة؟ أليس السبب في ذلك أن الدِّين فقد حقيقته وأصبح حانوتاً ينتفع منه الزعماء الدينيون ووسيلةً لخداع العوام؟.

إذا أردنا أن نقدِّم خدمةً صادقةً للدِّين فليس أمامنا من مندوحة سوى أن نزيل عنه أكاذيب وغبار الألف عام كي يتَّضح الطريق، وإلا فإن ما نقوم به من دعوة لاعقلانية وخالية من الحقيقة لن تنجح في جذب الناس نحو مثل هذا الدين، وحتى لو اتجه الناس نحوه (كشأن هؤلاء القائمين عليه أنفسهم) فإنهم يفعلون ذلك لأجل الاستفادة وخداع الناس، وإن وجد من يلتزم بمثل هذا الدين بصدق (مثل أولـئك الذين وقعوا في المصيدة) فإن ذلك ناجمٌ عن جهلهم، كما سنرى أن جهلهم هذا هو أول مصائبهم.

حقاً إنه لمن الصعب جداً إيقاظ مثل هؤلاء الناس الذين غطّت على عقولهم بل إحساسهم ستائر سميكة من العادة والتقليد، كما أنه من الصعب الوقوف أمام مثل أولئك المستبدِّين الذين يصعب على الواحد أن يوجِّه إليهم أي نقدٍ مهما كان صغيراً. ولكن ما العمل؟ وكيف الحل؟.

إن القضية تتعلّق بملايين الناس وبأناس ينتمون إلى عصور عديدة فما أحسن أن نسعى لتحطيم تلك الأغلال والقيود الثقيلة التي كبل الناس أيديهم وأرجلهم بها عن جهل. أما الآخرون الذين أوصلوا الناس خلال ألف عام بواسطة كل تلك الدعاية التي امتلكوها إلى هذه الحال التي نراها اليوم فإننا نستطيع أن نتقدم مئة ضعف مقابل كل واحد من الألف منهم، لأن عملهم كان يهدف إلى خداع العوام والرئاسة عليهم، أما نحن فليس لنا من هدف وغاية سوى الإشفاق على الناس واتباع الحق والحقيقة، لذلك فالله مؤيّدٌ لمسعانا.

لذا أقوم اليوم بكتابة خلاصة ما توصَّلت إليه بعد جهود وأبحاث كثيرة حول موضوعات هامة تشكِّل الأسباب الرئيسية للمشكلات والمصائب التي يعاني منها شعبنا في إيران، وآمل من القرّاء الأعزّاء أن يقرؤوا هذا الكتاب بنظرة الباحث عن الحقيقة والراغب بالوصول إليها، وإذا كان لدى أحدهم انتقاد على ما قلناه فلا يتردّد في تنبيهنا إليه، أما إذا وجد كلامنا مقنعاً فليسعَ في نشره بكل طريقة مناسبة.

 

 

+            +             +

 

المبحث الأول: الله

يقول ديننا اليوم إن الله واحد، ولكن على المستوى العمليّ نحن واقعون فيما هو أسوأ من الشرك!. فقد أعطينا لِلَّه الاسم فقط ووزَّعنا أعماله وقدراته على الأئمة والصالحين من ذراريهم كُلٌّ يأخذ منها بمقدار شهرته! إذا أساء شخصٌ الكلام بحقّ الذات الإلهية لا نرى أحداً ينتـفض وينهض لمنعه. فها هو «عمر الخيّام» قد أساء الأدب مع الله في أشعاره ومع ذلك لا زلنا نعتبره فيلسوفاً كبيراً، وكُلُّنا يعلم إلى أين وصلت كتبه، أما إذا قال أحدهم إن عبادة القباب والأضرحة هي الشرك والوثنية ذاتها التي حاربها الإسلام، قالوا عنه: إنه فاسد العقيدة وصاحب فكر مسموم!

في «الزيارة الجامعة الكبيرة» التي قال المجلسي عنها: «إنَّها أصحُّ الزياراتِ سنداً وأعمُّها مورداً وأفصحها لفظاً وأبلغها معنىً وأعلاها شأناً»(3)، تقرؤون: «مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ،... وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ... بِكُمْ فَتَحَ اللَّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ الله... بِكُمْ يُنَزِّلُ اللهُ الْغَيْثَ من السماء...الخ»‏(4). فإذا لم يكن هذا شركاً فلن يوجد على وجه الدنيا شرك!

ونقرأ في كتاب «الكافي» الذي هو أحد الكتب الأربعة المعتمدة في الحديث: «خلق الله الدنيا وفوّض أمرها إلى محمد وعلي وفاطمة...»(5) وقد أُضيف أشخاص آخرون إلى أولئك الثلاثة فيما بعد كما نعلم، حتى وصل الحال اليوم إلى أنه لم تعد هناك مدينة ولا قرية إلا وفيها معبد أو أكثر للأصنام. [أي الأضرحة].

قد تقولون: ليس هذا بعبادة أصنام. فأقول إذن عرّفوا لنا عبادة الأصنام في البداية كي ننهي هذا النقاش. يقول القرآن: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...﴾ [الزمر:3].

إن ما تدلُّ عليه هذه الآية وآيات عديدة أخرى هو أن الشرك عبارة عن (طلب الأعمال الإلهية من غير الله بخشوع وتضرُّع). إذا قبلتم بهذا المعنى فبها ونعمت، وإلا فتفضَّلوا وبيِّنوا لنا معنى الشرك كي نفهم ما هو ذلك الشرك والوثنية التي حاربها الإسلام ثلاثةً وعشرين عاماً. أنتم الذين تُدقِّقون وتتعَّمقون في بعض المسائل إلى أقصى حد، ما الذي جرى حتى أهملتم التدقيق في مثل هذا الموضوع الهام؟! إن تسعين بالمئة من القرآن وتاريخ الإسلام محاربةٌ للشرك، ولكنّكم نسيتم ذلك مرَّةً واحدةً وبدلاً من ذلك شغلتم الناس بأمور ليس فيها أدنى فائدة لهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

حقاً إنه ليعتريني الضحك عندما أجد أن هؤلاء الناس ينسبون أنفسهم للإسلام ويدافعون عنه بشدَّة. إن الأساس والركن الأول للإسلام هو التوحيد فما هو حظُّكم من هذا التوحيد؟ إذا ادَّعى شخصٌ ماديُّ محضٌ التوحيد كان أقرب إلى الحقيقة منكم بكثير، لأنه يرى أن كل ما في الوجود مُتَّبع لنظامٍ ثابتٍ واحدٍ، أما أنتم فقد جعلتم كل حجر وخشب قبر وصاحب ضريح عاملاً ومؤثِّراً في هذا الوجود!

يقول القرآن في أكثر من موضع إن النبيَّ لا يعلم الغيب، ويقول إنه بشر مثل سائر الناس إلا أنه يُوحى إليه ويقول: ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي‏ نَفْعاً وَلا ضَرًّا [الأعراف:188] ولكنّكم لستم مستعدّين أن تقبلوا بمثل هذا حتى للسيد «داوود» حفيد الإمام.

كان ابن أم مكتوم (من أصحاب النبيِّ المقرَّبين) ضريراً ولكنه لم يطلب من النبيِّ أن يعيد إليه بصره ولا النبيُّ قام بمثل هذا العمل. وكان عقيل أخو الإمام عليٍّ ضريراً ولكنه لم يلجأ إلى أخيه ويعلِّق به نذراً كي يشفيه من عميه، ولم يقم عليٌّ بتلبية مثل هذه الحاجة لأخيه. أما أنتم فتقولون إن تربة الإمام تشفي (هي شفاء من كل داء وأمان من كل بلاء). إن كنتم تمزحون فإن دين الله وأرواح الناس لا تقبل المزاح فيها، وإن كنتم جادُّون في كلامكم فلماذا أنتم جالسون، قوموا وادعوا إلى إغلاق المستشفيات والصيدليات وجامعات الطب ومعامل الأدوية. فإن قلتم إن شفاء التربة يتطلَّب إيماناً وعقيدةً، فالحلُّ سهلٌ، ألستم تملكون هذا الإيمان والعقيدة، فاستخدموها للشفاء من كل داء وعندما يرى الناس ذلك منكم سيصدِّقون وستتكوَّن لديهم قناعةٌ بصحَّة هذه العقيدة والإيمان وبالتالي سيتخلَّصُ البشر من براثن هذه الأمراض ومن نفقات علاجها الباهظة.

تقولون لا يجوز بناء قبر أي شخص، ففي كتاب «الكافي» ذاته عدة أحاديث مروية عن النبي والإمام توصي بعدم رفع القبر أكثر من أربعة أصابع وفي بعضها الوصية برفع القبر أربعة أصابع ثم رش الماء عليه مما يدلُّ على أن ذلك الرفع يهدف إلى أن يصبح القبر بعد صب الماء عليه ومرور الزمن مساوياً لسطح الأرض، وهذا ما تفيده روايات أخرى أيضاً تدل على أن قبور النبي والصحابة كانت مستوية ومساوية لسطح الأرض. كما رُوي في عدة كتب أن علياً قال: «أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، لا تَرَى قَبْراً مُشْرِفاً إِلا سَوَّيْتَهُ وَلا تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَه‏»(6). فنقول إذن إذا كانت لديكم مثل هذه التعاليم فكيف سمحتم لأنفسكم بإنشاء كل هذه الأضرحة المرتفعة والقباب والعتبات؟

يقولون إن عظماء الدين ليسوا أقلَّ أهمّيّةً وقَدْراً من الجندي المجهول أو من الشاعر الفردوسي، فلماذا يجوز بناء قبر للجندي المجهول أو للشعراء ولا يجوز ذلك للأئمّة والصالحين؟ فأقول إنكم لستم مقلِّدين للآخرين، فليفعل الناس ما يشاؤون، أما أنتم فلديكم كل هذا النهي فكيف تتخطَّونَهُ؟ ثم إن الاحترام غير العبادة، فأنتم تسمُّون القبر «باب الحوائج» وتـنظِّمون «الزيارة الجامعة الكبيرة» له المليئة بالعبارات الشركية، كما أنكم تسجدون على تراب القبر، فكيف تُشَبِّهُون عملكم هذا باحترام نُصْب الجندي المجهول؟!

تقولون: إذا كان لِشخصٍ حاجةٌ لدى حاكم مدينة فإنه يذهب في البداية إلى حاجبه، فهل الله العليّ أقل من حاكم؟

أقول: إن خطأكم هنا بالضبط، حيث تتصوَّرون أن الله مثل الملك الذي لا يستطيع أن يدبّر أمور مملكته وحده بل يحتاج إلى وزراء وأعوان، أو أنه مثل شيخ الكتَّاب الذي لا يمنعه من ضرب أحد تلامذته فلقاً على قدميه بشدة إلا تدخل وتوسط شخص آخر ليشفع له ويطلب التخفيف من عقابه، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظالِمُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً.

يقول ديننا اليوم إن العدل هو الأصل الثاني من أصول الدين، ولكننا، مثل من يعرض القمح ويبيع الشعير، نسبنا عَمَليّاً لِـلَّهِ الأفعال الظالمة (البعيدة عن العدل) والأعمال الطفولية، حيث يعطي الأجر القليل على العمل الكبير ويعطي الثواب الهائل على العمل الضئيل، وصوَّرناه إلهاً لا يعطي على العمل بل على الادعاء، وصوَّرناه إلهاً يغيِّر إرادته ويبدِّلها كل حين. ففي الكافي رُوي بالسند الصحيح «إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ وَقَّتَ هَذَا الأمْرَ [أي قيام القائم] فِي السَّبْعِينَ [أي سنة 70 هـ] فَلَمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى أَهْلِ الأرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الحَدِيثَ وَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السِّتْرِ فَأَخَّرَهُ اللهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتاً عِنْدَنَا..»(7). وفي موضع آخر أيضاً رُوي أن الإمام جعفر الصادق عين ابنه إسماعيل إماماً من بعده فبرزت من إسماعيل أعمال غير مرضية فنقل الإمامُ الإمامةَ عنه إلى أخيه موسى بن جعفر ولما سُئل عن سبب هذا التغيير قال: بدا لِـلَّهِ في إسماعيل! إذا كان الله هكذا فإن كل شخص يستطيع أن يدَّعي الألوهية!

هذا الإله يعطي على من شارك في مراسم العزاء الحسيني أو زار الحسين ثواب ألف شهيد، وفي رواية مئة ألف شهيد(8) وفي رواية ألف ألف شهيد!! حقاً لو كان الله يعطي الثواب كذلك، فما أتعس شهداء بدر وأحد الذين لم يدركوا إلى أي حدٍّ الأمور سهلةٌ في نظام هذا الإله، وأتعبوا أنفسهم بالتضحية بأرواحهم الغالية، وما أسعدنا نحن الذين عرفنا هذا الإله فعشنا حياتنا بهناء نأكل ونشرب وننام ثم نقوم بزيارة واحدة فننال أجر ألف شهيد من شهداء بدر! مرحى لهذه الألعاب السحرية البارعة التي سبقتم فيها أكبر المشعوذين في الدنيا لأنهم يغلقون أعين الناس أما أنتم فتغلقون أعينهم وعقولهم.

الموضوع الآخر الذي ينبغي توضيحه في هذا المقام موضوع الاستخارة والإخبار عن الغيب اللذَيْن أصبحا يشكلان مصيبةً كبيرةً لدينا.

والسؤال هو: هل صحيح أن الاستخارة ترشدنا إلى حقيقة الواقع أم لا؟

إن قلتم أجل، كذبتم، لأنه إذا كان لدينا طريقٌ مع الله نعرف من خلاله متى يجب شراء بضاعة ما ومتى يجب بيعها ومتى ينبغي أن نهاجم العدوّ ومتى ينبغي أن نمسك عن مهاجمته، لاستطعنا بذلك أن نسود العالم اقتصادياً وسياسياً، مثلاً بدلاً من أن يخوض موسوليني (حامي الإسلام!) الحرب عدة سنوات، ولا يدرك أن الهزيمة ستحيق به في نهاية الأمر إلا بعد تقديم كل تلك الخسائر في الأرواح والممتلكات، كان بإمكانه أن يمسك السُّبحة بيده ويتناول القرآن ويصل إلى تلك النتيجة بسـرعة دون كل تلك الخسائر. بل الأقرب من ذلك: حرب القوقاز التي خاضتها إيران بدعوة من علماء الدين وبوصيةٍ منهم، وانتهت بهزيمة إيران، كم كان من الأفضل أن يقوم العلماء بالاستخارة قبل الحرب، فيكتشفوا بواسطة تلكم الاستخارة هزيمتهم فيجتـنبون خوض الحرب ليجنِّبوا أنفسهم ذلك العار الذي لحق بإيران؟

أما إن قلتم إن الاستخارة لا تُظْهِر الواقع، فلماذا تخدعون الناس إذن؟! لماذا تتلاعبون باسم الله وبأنفس الناس وبأموالهم؟!

كثيراً ما يحصل أن أهل شابٍّ تُعْجِبُهُمْ فتاةٌ فَيُقَرِّرُوا طلب يدها لابنهم، وبعد التباحث في الأمر يلجؤون إلى الاستخارة (مشاورة الله في الموضوع!!) فتأتي الاستخارة بنتيجة سلبية، فيبقى كلٌّ من الفتاة والشاب عازبين إلى أجل غير مُسمَّى، إلى أن يتمكَّن الشاب من أن يجد عروساً أخرى تناسبه! أو نجد رجلاً قد جمع مالاً ورأى منزلاً يتناسب مع مقدرته المالية ومع مستوى معيشته، فيستخير قبل أن يشتريه فتأتي الاستخارة سيئةً، فَيُحْرَمُ من شراء المنزل المناسب ويُحْرَم صاحب المنزل من الحصول على المال الذي يحتاجه.

يعلم الله كم هي الخسائر الباهظة التي تنجم عن هذه الاستخارة، وهم يتستَّرون عليها بشطارتهم الخاصة.

أما الإخبار عن الغيب وأمثاله، فإذا كان يتمّ من طريق الدين، فلا أحد أقرب إلى الله من الأنبياء، وكلُّنا يعلم أن نبيَّ الإسلام (ص) اعتبر نفسه، في أكثر من موضع من القرآن، بعيداً عن هذا العلم. وإذا كان الإخبار بالغيب يتم عن طريق العلم وقانون الطبيعة فليس هناك في الأرض أكثر من الأورُبيين تقدماً في هذا العلم، ونحن نرى أنهم لم يدّعوا مثل هذا الادّعاء.

لكننا ستضرب صفحاً عن كل ما ذكرناه ونقول: ليس هناك دليلٌ أفضل من الوقوع، فإذا كنتم تعلمون الغيب أو تمتلكون أيَّ قدرة خارجة عن قانون الطبيعة، أو تعرفون أحداً يمتلك مثل ذلك، فتعالوا وادْعُوا العلماء الذين ينكرون ذلك واعقدوا مجلساً وأظهروا أمامهم هذه القدرات، ونحن سنقوم بإعلان ذلك في كل مكان، كي يعرف الذين يعتبرون إيران والهند مهدَ الخرافات أن هذه البلاد مكان رجال الله!

تقولون: هر كه را اسرار حق آموختند     مهر كردند وزبانش را دوختند

أي: كلَّ مَنْ علَّموه أسرار الحق ختموا على فمه وخاطوا لسانه (عن البوح بها)

فأقول: أيُّ أسرارٍ هذه التي لا يحقُّ لكم البوح بها إلا إلى الأشخاص السُذَّج والأمّيّين، فإذا حضـر أشخاص أذكياء مفتشون عن الأمور تصبح أسراراً للحق؟! إذا كانت سراً فلا ينبغي البوح بها لأي شخص وإن لم تكن كذلك فتعالوا وأظهروا قدرتكم عليها ولو مرة واحدة في مثل ذلك المجلس!

حكم العقل أو نتيجة الكلام: يسعى الإنسان بطبيعته للوصول إلى هدفه بأقرب طريق وأقصـره. هذا الإنسان لمَّا نظر إلى هذا العالم بدأ يبحث عن موجِدَهُ، وكان يميل بشدّة إلى أن يجده في هذا العالم المادي، فصار الناس في ذلك فريقين: فريقٌ اتَّجه نحو المادية، وفريق ذهب إلى عبادة الأصنام، مع فارق أن الفريق الأول سلك الطريق الصحيح لكنه أخطأ في النتيجة، أما الفريق الثاني فقد سلك منذ البداية الطريق الخطأ، إلى أن جاء الأنبياء وأرشدوا الناس نحو الهدف الأصلي الصحيح، ولكن لم تمض مدة إلا وحنَّ الناس إلى وثنيّتهم السابقة ولسان حالهم يقول طالما أننا لا نستطيع أن نرى إله الأنبياء هذا بالعين ولا أن نلمسه باليد ولا أن نتصوره بالخيال وفي الوقت ذاته لا نستطيع أن نتنكّر لدعوات الأنبياء، لذلك نقول: إله الأنبياء لهم، والأنبياء أنفسهم لنا، كي نستطيع أن نضع نافذة حول قبورهم ونمسك بهذه النوافذ وننظر من خلالها إليهم، فإن لم نستطع أن نصل إليهم، استطعنا أن نستحضرهم في أذهاننا.

لكن ينبغي أن نعلم أنه إذا كان باستطاعة الإنسان أن يصنع كل شيء حسب رغبته، فإنه لا يملك خِيَار صُنْع الإله حسب رغبته، أنتم ترغبون بشدّة أن تحقِّقوا حاجاتكم من خلال نذر الشموع والخِرَاف وبناء القباب والأضرحة، لكن الله خلق العالم على نظام ثابت وكامل ولا يمكن تغيير نظام الكون بمثل هذه الأعمال الصبيانية.

لذا لابد من القول إنَّ كلَّ من يدَّعي أنه يقوم بعمل من أعمال الله (أي يقوم بأي عمل خارج عن قدرة البشر) فهو كاذب وأسوأ من محتال وقاطع طريق ويجب إعدامه أمام أعين الناس كي لا يجرؤ بعد ذلك أحد على أن يتَّخذ من اسم الله وسيلةً للتكسُّب أو الوصول للجاه والمقام، فإن لم تستطيعوا فعل ذلك، فعلى أيَّة حال يجب على الجمهور الواعي والرشيد أن يُحقِّر مثل هؤلاء الأشخاص ولا يعيرهم أي اهتمام، وإن لم يفعل عامة الناس ذلك فسيحكم عليهم بالإعدام بحكم الطبيعة الذي هو حكم الله أيضاً، وسيفنون عاجلاً أم آجلاً.

الأعـذار:

كلما طُرح كلامٌ حول ترك خرافةٍ من الخرافات، يَجِدُ الذين أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الخرافاتِ وعَسُـرَ عليهم التخلي عنها والذين لا يملكون ـ في الوقت ذاته ـ أي إجابة صحيحة بشأنها، يجدون أنفسهم مضطرين للدخول من أبواب أخرى، لذا ينبغي علينا أن نوضحها أيضاً كي لا نواجه مثل هذه الاعتراضات عند كل خطوة نخطوها في هذا الموضوع:

1- يقولون لنا: من الأفضل لكم أن تهتّموا بمعيشة الناس ورزقهم، بدلاً من تضييع الوقت بهذه القضايا.

2- [ويقولون] طرح هذه القضايا يوقع الفرقة والاختلاف بين الناس وليس في هذا أي مصلحة اليوم.

3- [ويقولون] كلامكم هذا هدفه الشهرة [على مبدأ خالف تُعرف].

4- [ويقولون] كلامكم هذا تحريض وإثارة مدفوعة من الأجانب.

5- [ويقولون] كيف لم يفهم كل هؤلاء العلماء وكبار الشيوخ هذا الأمر وفهمتموه أنتم فقط؟

6- ويقولون: لنفرض أننا آمنَّا جدلاً أن هذه الممارسات خطأ وتخلَّينا عنها فما هو البديل عنها؟

لو أردنا أن نناقش كل هذه النقاط واحدةً واحدةً لطال بنا الكلام، لكن جميع هذه الاعتراضات لها جواب واحد نكتفي به: إذا كان الطريق الذي يسلكه عوام الناس خطأ ـ كما يقول كتابنا هذا ـ فمن المحقَّق أنه لا يجوز سلوك الطريق الخاطئ، فكل النقاشات بشأنه زائدة لا حاجة لها، وإذا كان هذا الطريق الذي يسلكه عوام الناس صحيح، فأثبتوا لنا ذلك منذ البداية بالدليل الواضح ولا حاجة إلى كل هذا القفز من غصن إلى آخر.

7- يقولون: إن عقل البشر ناقص، بدليل أننا نرى أن أتباع جميع الأديان والنحل المختلفة التي وجدت في هذا العالم في الماضي والحاضر، والتي لا حصر لعددها، يزعمون أنهم إنَّما استدلُّوا على عقيدتهم ونحلتهم بالعقل! هذا مع أن الواقع أن الحقيقة واحدة لا أكثر.

ونقول في الإجابة: من أين لكم أن دليل أَتْباع كل دين ونحلة هو العقل فعلاً وليس حكم العادة والتقليد؟؟ وهل إذا أطلق أحدهم على شيطان اسم ملاك، يُغيِّرُ هذا من حقيقته شيئاً؟ لقد عرفتم الله بهذا العقل وبنيتم أسس حياتكم اعتماداً على هذا العقل، فإذا كان العقل ناقصاً كما تقولون فتخلّو نهائياً، إِذَنْ، عن دينكم وحياتكم! لماذا تجتثون الشجرة من أساسها، في سبيل المحافظة على غصن واحد وعدم التخلِّي عنه؟

الواقع أن الذين يقولون إن العقل ناقص، لا يعتقدون بذلك حقيقةً في قلوبهم، إلا أنهم لما أرادوا سوقَ الناس نحو الجهل ورأوا العقل حائلاً بينهم وبين ذلك، وجدوا أنفسهم مضطرين لمثل هذا القول بأن العقل ناقص وأنه لا بدَّ من التسليم للعقل الكلي (العقل الجمعي) (أي إلى كل كذب يفترونه)، هذا في حين أن العقل هو رسول الله القريب من البشـر، وهو كالعين بالنسبة للإنسان، ولا يجوز للإنسان أن يخطو خطوة دون أمر من العقل. نعم، قد يحتاج العقل أحياناً إلى الإرشاد ـ مثله مثل العين ـ ولكننا لا نستغني أبداً عن العقل وحكمه.

وبعبارة أخرى، المسألةُ مثل قوانين الرياضيات التي نحتاج إلى معلِّم لاكتشافها، ولكننا لا نقبل كلام هذا المعلم ودرسه إلا إذا تطابق مع العقل، ولو لم يكن للعقل دورٌ، لجاز أن يقول المعلم: إن أحد قوانين الرياضيات يحكم أن تعطوني نصف أموالكم كي تصبح حلالاً؟!

لا شكَّ أن فكر الإنسان أضعفُ من أن يحيط بأفعال الله، ولكن فعل الله غير طريق الله، ففعل الله خاصٌّ بالله، ولا علاقة لنا به، أما طريق الله فهو لأجلنا ويجب علينا أن نراه أمامنا لا أن نغمض أعيننا ونتَّبع ما يقوله أشخاص آخرون إتباعاً أعمى ونردّد كل ما يلقّنونه لنا (على مبدأ لا كلام للجاهل مع العالم؟!).

 وأما بشأن نقص العقل فيمكن القول: إنهم يُلْبِسون أحياناً أشياء أخرى غير العقل لباس العقل ويطلقون عليها اسم العقل، فإذا تأمّلناها بدقّة استطعنا أن نكتشف حقيقتها، وكما سنرى، إنهم يفعلون الشيء ذاته بالدِّين والحسّ أيضاً.

هذه الأمور [التي يلبسونها أحياناً لباس العقل] عبارة عن «العادة» و«التقليد» و«الوهم» و«النفعية» [أي اتِّباع المنافع والمصالح الشخصية]، ورُدُودُ الأفعال عليها. وأهمها هو «العادة»، فكثير من عقائدنا هذه يعتمد في بقائه ودوامه على العادة، ويسمون ذلك زوراً «العقل».

إن بين «العادة» و«العقل» تناسب عكسي، فالعادة تكون أقوى لدى محدودي الفهم ولدى النساء، وينبغي أن تكون كذلك لأن مثل هذا النمط من الناس لا يمكنهم أن يَزِنُوا كل ما يسمعونه بميزان العقل، فلا بد أن تكون العادة لديهم قوية كي لا تتبدل عقائدهم في كل لحظة.

أحياناً تتَّحد «العادة» مع «الوهم» وتسيطر على الحواس وتتصرَّف فيها؛ ولقد شاهدت مثل هذا الأمر عدَّة مرَّات في كل يوم وعلى مدى أكثر من عشر سنوات! إلى أن أدرك صاحب العمل خطأه وتخلَّى عنه. لعل كثيراً من القراء سمعوا أنه في الزمن السابق على عهد الملك «رضا شاه» كانت هناك في مدينة مشهد صخوراً (متوسطة الحجم) تأتي للزيارة [أي زيارة مرقد الإمام الرضا]، وكان هناك أشخاص يقولون إننا رأينا ذلك بأم أعيننا، في حين أنهم كانوا يأتون بتلك الصخور بأيديهم أمام أعين الناس ويضعونها حول الضريح ومع ذلك يصيحون: لِتَعْمَ أعين الأعداء! إن الصخور تأتي لزيارة الإمام!! وعلى حد قول أحد الأصدقاء، في فترة الدكتاتورية، خافت الصخور من سجن المختار ولم تعد تأتي إلى الزيارة!! في ليلة 19 رمضان هذه ذاتها كانوا يقولون إن شخصين التصقا ببعضهما، فإذا تساءل الناس عن الدليل الذي يثبت ذلك قال بعضهم إنهم رأوا ذلك بعينهم أو قالوا سمعنا ذلك من أناس موثقين! فإذا كان الأمر كذلك أمكنكم أن تدركوا السبب الحقيقي لروايتهم كل تلك المعجزات التي يدَّعون حدوثها عند القبر.

8- يقولون توجد مثل هذه الخرافات في جميع أنحاء الدنيا دون أن تحدث أي ضرر، فما الفائدة من أن نُحْزِنَ عامة الناس منا.

ونقول في الإجابة: لو صح هذا الإشكال لكان متجهاً قبل أي أحد آخر إلى نبيّ الإسلام نفسه الذي خاض كل تلك الحروب والمعارك والدماء لأجل محاربة الوثنية وعبادة الأصنام. كان عرب الجزيرة العربية قد وضعوا عدة أخشاب وحجارة باسم أصنام داخل الكعبة ولم يكونوا يعتبرونها إلهاً بل وسائل وشفعاء لهم عند الله، فأي داعٍ كان أن يصـرف النبي 23 عاماً من وقته الثمين لمحاربة ذلك؟ لقد فعل ذلك لأنه كان يعلم أن انتباه الإنسان واهتمامه بشيء يمثل قوّة ثمينة وهامّة تعتمد عليها كل أشكال التقدُّم والتطوُّر في حياة الإنسان، فإذا اتجه الإنسان بعقله وفكره وقلبه نحو جبل تلاشى الجبل وإذا اتجه نحو بحرٍ انفلق البحر، فهل من ضرر وخسارة أكبر على الإنسان من أن تُصْرَف مثل هذه القوّة العظيمة لدى الإنسان على صنم أو مجسّمةِ نخلةٍ أو قبرٍ؟ لماذا أصبح الشرق اليوم خاضعاً للغرب وتحت تسلّطه؟ ما الذي ينقص الهند عن انجلترا؟؟ أو ما الذي تملكه فنلندا أكثر من إيران؟ لماذا وضع فنلندا هو ذاك ووضع إيران هو هذا؟ السبب هو أن الإنسان هناك متَّجهٌ [في فكره وقلبه واهتمامه] نحو العمل والسعي، والإنسان لدينا متّجه في فكره وقلبه واهتمامه نحو الخرافات!

لعلكم تقولون ما التناقض بين الخرافات وبين العمل والسعي؟!

أقول: إنه قانون مُسَلَّم به، أن كل قوة حركية تتجه بقوة نحو جهة معينة (مثل ماء النهر) تبتعد بنفس المقدار من القوة عن الجهة المعاكسة، إلى أن تنقطع تماماً عن تلك الجهة. ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: 4].

ويجب أن نوضح هذا الموضوع بعدة أمثلة.

طُبِعَتْ في إيران ملايين الكتب التي تتحدَّث عن مصائب [أهل البيت] وزيارتهم ونحو ذلك من الأمور، حتى أنك لو ذهبت إلى أي قرية لوجدت ذلك الفلاح الذي لا يكاد يجيد القراءة والكتابة، يمتلك فوق رف من رفوف منزله كتاباً أو أكثر منها، ولكن في هذا البلد الزراعي ذاته لو طُبع كتاب عن الزراعة لما تجاوز عدد مشتريه عدد أصابع اليد!

و إذا رأت امرأةٌ في منامها أو خطر على بالها أنه يوجد فوق قمة جبل أثرٌ لحافر البُراق! [الدابة التي عرج عليها رسول الله إلى السماء]، لوجدت المدينة قد هبَّت عن بكرة أبيها لزيارة ذلك المكان ونذر النذور له، ولكن لو صمد مجموعة من الجنود في وجه العدوّ دفاعاً عنك وحفاظاً على حياتك حتى نالوا الشهادة، فإن أقصى ما يُقَدَّمُ لهم من تقدير إقامة مجلس تأبين لهم، لا مِنْ قِبَلِ جماهير الناس بل مِنْ قِبَلِ مسؤولي وزارة الدفاع!!

كثيراً ما رأيتم أشخاصاً يغسلون ثيابهم المتَّسخة بالأنهار ويرمون فيها النفايات أو يلوِّثون الأماكن العامّة، وقد تظنّون أنهم أشخاصٌ عديمو التربية والأخلاق، ولكن الأمر ليس كذلك، بل معظمهم ذوو تربية كاملة، لكن تربيتهم تصب في مجالٍ آخر، إذ نلاحظ أن هؤلاء أنفسهم لا يمسُّون الماء إذا كان أقل من كُرّ، ويمنعون الآخرين أن يمسّوه أيضاً.

كثيراً ما رأيتم أشخاصاً يدوسون بأقدامهم على الأرض ذات الزرع أو يُحطِّمون البراعم بالعصا لأجل التسلية واللعب (وكم من براعم وفَسَائل صالحة لزراعة الأشجار يتم القضاء عليها بهذه الصورة)، وقد تتصوَّرون أن من يفعلون ذلك هم أشخاصٌ غير منضبطين وعديمو المبالاة، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن هؤلاء أنفسهم عندما ينتهون من زيارة قبر، يعودون إلى الوراء ووجوههم مُتَّجِهَة نحو القبر كي لا يديروا ظهورهم إليه فيسيئوا الأدب معه! وهم أنفسهم إذا رأو كسرة خبز على الأرض رفعوها وربما أكلوها حتى ولو كانت متَّسخة كي لا ينتقصوا من حرمة بركة الله!

لماذا هذا الاختلاف؟؟ السبب واضح، لقد تم توجيههم إلى احترام القبور وتقدير كسرة الخبز، ولكن لم يُقَلْ لهم أي شيء بشأن ذلك الموضوع (المحافظة على الأرض المزروعة).

أما قولهم إن هذه الخرافات منتشرة في كل مكان في الدنيا، فهذه يماثل قول من يقول: إن المرض منتشر في جميع الدنيا، فلْنَتْرُكْهُ إذن على حاله.

إن الخرافات مرضٌ أيضاً، وهو مرض معنوِيٌّ كلّما ازداد انتشاره لدى شعب من الشعوب زاد تخلُّفه في ميادين الحياة، وإذا كنتم لا تُصدِّقون ذلك فانظروا إلى وضع بلد مثل إيران مقارنةً بتركيا، أو الصين مقارنةً باليابان، أو الهند مقارنةً بروسيا.

9- يقولون: الخرافات أفضل من التحرُّر من القيود الأخلاقية، لأننا نلاحظ أن الأشخاص الخرافيين يكونون عادة مستقيمين أكثر من الآخرين وتكون مبرَّاتهم وإحسانهم أكثر أيضاً.

فأقول: كأني أفهم من كلامكم أن أمامَنا طريقين لا ثالث لهما: إما أن نكون خرافيين أو نكون مطلقي العنان متحررين من كل قيد خُلُقي! هذا في حين أن هناك طريقان آخران: الأول أن لا نكون خرافيين وفي الوقت ذاته لا نكون متحررين من كل قيد أخلاقي، بل نكون أَتْباعاً للحقيقة. والنموذج الحي لذلك هو الطريق الذي سار عليه المسلمون في صدر الإسلام، حيث كانوا أطهاراً ملتزمين أخلاقياً، وفي الوقت ذاته لم يكن لديهم أية خرافات. والطريق الآخر أن نكون خرافيين، ومطلقي العنان متحرِّرين من كل قيد أخلاقيٍّ أيضاً، وهذا هو الطريق الذي نسلكه اليوم! كما نشاهد اليوم سلوك الإداري والتاجر والكاسب وأخلاقهم لدينا، فلو حاورتَ أياً منهم وجدتهم جميعاً متديِّنين، وفي الوقت ذاته وجدت أنهم يكسبون المال عن طريق الخيانة والاحتكار واختلاس المال العام، ثم يصرفون هذا المال الذي اختلسوه، بعينه، على إقامة مجالس العزاء ومآتم [أئمة أهل البيت] وعلى زيارات قبور [الأئمة وذراريهم]، ولو كانوا أكثر تديُّناً وجدتَهم في البداية يحلِّلون أموالهم التي اختلسوها عن طريق تداولها من يد إلى يد، ثم بعد ذلك يقومون بالزيارة!!

كان هناك زمن، معظم الناس فيه يُصَدِّقون كل ما يُقال لهم، لا فرق في ذلك بين رجل مسنٍّ تجاوز السبعين عاماً وفتاة يافعة لم تتجاوز الأربعة عشر عاماً، إذْ لم يكن لدى الناس من كتاب سوى كتاب «جلاء العيون» ولا عالم سوى «المُلاَّ»، لذلك كانوا إذا قيل لهم: اللبنُ أسودٌ! قالوا: ما من شيء مستبعد في جنب قدرة الله، خاصَّة إذا أردف القائلُ كلامه بجملة عربية (يصبح الكلام مشابهاً لنص حديثٍ).

 في ذلك الزمن كان من السهل الحفاظ على الخرافات. ولكن اليوم حدثت هزَّةٌ قويّةٌ في أفكار عامّة الناس، ونتيجةً لذلك لم يعد الناس متمسّكون بقوة بعقيدتهم كما كانوا من قبل، وفي الوقت ذاته لم يصبح فكرهم قوياً إلى درجة تُمكِّنُهم من تمييز الصواب من الخطأ، وهذه الهزَّة في العقيدة أثَّرت حتماً في نقطة الضعف لديهم وهي الأمور التي لهم فيها منافع ومصالح مادية، أما هذه الخرافات فلأنها لا تتعارض مع مصالحهم الآنية بل تغطي عليها، فقد بقيت وتواصلت، وزاد عليها التحرُّر من القيود والأخلاق.

 أما أعمال خير الخرافيين وإحسانهم ومبراتهم فرغم أنها كثيرة، لكن سنرى أين تُصرف وما هي نتيجتها.

 

 

+            +             +

 

المبحث الثاني: الإمامة

يَعتبِرُ دينُنا اليوم أن الإمامة تأتي بعد النبوَّة، لكن من الناحية العملية تحظى الإمامة لدينا بأهمية أعلى بكثير من النبوَّة، لأننا لم نسمع نحن ولا أنتم أبداً أن نبيّاً(9) شفى أعمى أو شفى مريضاً ولم نَرَ أحداً نذر نذراً باسم نبي، لكننا نسمع كثيراً نسبة مثل هذه الأعمال ونحوها إلى الإمام أو ذريّة الإمام. [أي في قبرهما]

ورأينا النبيَّ يقول ﴿..لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا..﴾ [يونس:49] لكنهم يقولون: «جهان اگر فنا شود على فناش مى‌كند» ، أي: لو فَنِيَ العالَمُ فإن عليّاً هو الذي أفناه!

من المُحَقَّق والبديهي أن الإمام مهما علا شأنه يبقى أدنى رتبةً من النبيّ، فما الذي جرى حتى أصبحنا نشاهد كل هذه المجالس تُعقد وكل هذه الكتب تُؤلَّف في فضائل الأئمة والسادات ولا نرى مثلها بحقّ النبي؟ هل هناك سبب لذلك سوى اللجاج والمنافسة [للمذاهب الأخرى]؟

أنا نفسي كان لديَّ مريض ذو نوبات، فإذا ارتفعت حرارته قالت ممرضته ما العمل إنها إرادة الله! وإذا تحسّن حاله قالت: هذا من بركة الأئمة الأطهار!

ثم انتبهتُ بعد ذلك إلى أن هذا الأمر هو نمط التفكير لدى عامَّة الناس، فهم يعتبرون ما يصيبهم من حوادث سيئة قضاءٌ من الله، وما يصيبهم من خير من الأئمة، أما النبي فهو خارجٌ عن الحساب تماماً!

أعلم أنكم ستقولون هذا النمط من التفكير خاص بالعوام ولا علاقة للعلماء به.

أجل هذه هي طريقتنا، عندما لا نجد أمامنا أحداً يوقفنا، ونجد الميدان مفتوحاً، نغذ السير ونُغِير في كل مكان، لكن بمجرّد أن يظهر شخص ويقف أمامنا ويقول: لماذا تُفْرِطون، نتراجع فوراً عشرة فراسخ للوراء ونقول: إن هذا الإفراط عملُ العوام، لذلك نذكر هنا عدة أحاديث (صحيحة) من كتاب الكافي نزنها بما قاله القرآن عن النبي (ص)، كي نفهم من أين استقى العوام عقيدتهم.

قال أبو حمزة [الثُّمَالِيُّ]: «دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْتَ وَهُوَ يَلْتَقِطُ شَيْئاً وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ فَنَاوَلَهُ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا الَّذِي أَرَاكَ تَلْتَقِطُهُ أَيُّ شَيْ‏ءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: فَضْلَةٌ مِنْ زَغَبِ الْمَلائِكَةِ نَجْمَعُهُ إِذَا خَلَّوْنَا نَجْعَلُهُ سَيْحاً لأَوْلادِنَا...»(10). وجاء في موضع آخر «أنه لما قُبِض النبيُّ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ مِنْ وَفَاتِهِ مِنَ الْحُزْنِ مَا لا يَعْلَمُهُ إِلا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهَا جبريل يُسَلِّي غَمَّهَا وَيُحَدِّثُهَا ويخبرها بما سيكون في المستقبل وأن أمير المؤمنين كان يكتب كل ذلك ويدونه في مصحف خاص عرف باسم مصحف فاطمة»(11). وفي موضع آخر في وصف مُصْحَفِ فَاطِمَةَ هذا قَالَ: «مُصْحَفٌ فِيهِ مِثْلُ قُرْآنِكُمْ هَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَاللهِ مَا فِيهِ مِنْ قُرْآنِكُمْ حَرْفٌ وَاحِد»(12).

لكن القرآن يقول: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ..﴾ [الشعراء:193-194]، ولا نجد أي ذكر لمجيء جبرائيل بالوحي [على غير النبيّ] أو ذكر زَغَبَ جبريل وريشه! إضافةً إلى أنه لو صحَّت تلك الأحاديث لكان للإسلام أربعة عشر نبياً بدلاً من نبيٍّ واحد!!(13)

وفي الكافي أيضاً أن زُرَارَةَ [بْنِ أَعْيَنَ] قَالَ: «سَأَلْتُ الإمامَ [الباقر] عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَنِي ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَأَجَابَهُ بِخِلافِ مَا أَجَابَنِي ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَأَجَابَهُ بِخِلافِ مَا أَجَابَنِي وَأَجَابَ صَاحِبِي. فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلانِ قُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! رَجُلانِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ شِيعَتِكُمْ قَدِمَا يَسْأَلانِ فَأَجَبْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا أَجَبْتَ بِهِ صَاحِبَهُ؟! فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ! إِنَّ هَذَا خَيْرٌ لَنَا وَأَبْقَى لَنَا ولَكُمْ وَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ لَصَدَّقَكُمُ النَّاسُ عَلَيْنَا وَلَكَانَ أَقَلَّ لِبَقَائِنَا وَبَقَائِكُمْ.. الخبر»(14)، ووردت إجابة بمثل هذا المضمون في عدة أحاديث أخرى وفي أحدها: «... ذَاكَ إِلَيْنَا إِنْ شِئْنَا فَعَلْنَا وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَفْعَلْ. أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏﴾؟؟»(15).

إذا كانت هذه الأحاديث صحيحة أيضاً فلا أدري ماذا ينبغي أن أقول؟!!

في كتب التفسير أوَّلوا كثيراً من آيات القرآن بالإمامة إلى حد تفسير بعضهم كلمات الصلاة والزكاة والإبل والبعوضة بعليّ! وليت شعري! إذا كان القرآن قد اهتم جداً بمسألة الإمامة إلى هذا الحدّ، فلماذا لم يذكرها بشكل صريح وواضح ولا مرة واحدة كي لا يقع بشأنها كل هذا الاختلاف والنزاع؟!

 يقولون: كان النبيُّ يخشى أن يصرِّح بها فيرفضها الناس. هذا في حين أن القرآن وسيرة النبي شاهدان على أنه لم يكن في عمل النبي أي كتمان أو تحفُّظ أو تقية. ثم إنكم أنفسكم تروون مئات الأحاديث عن النبيّ يبيِّنُ فيها هذا الأمر، فأي معنى لقولكم إنه كان يتَّقى التصريح بقضية الإمامة؟ وتزعمون أيضاً أن القرآن نصَّ في مواضع كثيرة منه على موضوع الإمامة لكن الآخرين اسقطوا تلك الآيات أو حرّفوها فإذا جاء إمام الزمان [المهدي المنتظر] أتى بالقرآن الصحيح! انظروا كيف أنهم في سبيل بقائهم متمسكين بغصن واحد يضحون بالشجرة من جذورها! حسناً، لو كان الأمر كما تزعمون، لما كان هناك فرق بين القرآن والتوراة.

إن الدليل الأكبر على صدق النبي هو القرآن، والدليل الهام الثاني هو أثر كلماته على أصحابه، أما عن القرآن فقالوا قد اعتراه التغيير وأما أصحابه فقالوا عنهم «ارْتَدَّ النَّاسُ بعد رسول الله إِلا ثَلاثَةُ نَفَرٍ»! (16)

إذا نظرنا بعين الإنصاف وطلب الحقيقة إلى القرآن وإلى تاريخ صدر الإسلام لرأينا أن الإمامة كانت في بداية الأمر مسألةً بسيطةً جداً أو أمراً سياسياً محضاً، لم يتكلم القرآن والمسلمون عنه بشيء، لكن فيما بعد، لما رأى حكام بلاد فارس أنهم لا يستطيعون الخضوع للخلفاء العَرَب أو الأتراك، وأنه عليهم أن يستفيدوا من قوة الجماهير للوقوف أمام أولئك الخلفاء، بالغوا في شأن الإمامة وأخرجوها بهذه الصورة، وهذا طبقاً لعادتنا التي اعتدنا عليها في المبالغة [في أمور الدين]، حيث أننا عندما نتجه نحو أمر معيَّن فإننا نذهب نحوه إلى أقصى ما نستطيعه، فإذا أردنا مديح عَلِيٍّ رفعنا شأنه إلى الحد الذي (لا يكفي ماء البحر لترطيب الإصبع وعدِّ صفحات كتاب فضائله) وإذا أردنا أن نقول شيئاً بشأن عُمَر ذهبنا إلى المكان الذي أنتم أعلم به!

كلما ابتعد ماء الساقية عن منبعه فإنه إن لم يقلّ ماؤه عن المصدر، لن يكون أبداً أكثر منه، ولكننا لو قارنَّا الكتب التي كُتبت حول الإمامة حسب الترتيب الزمني لتأليفها أو لو قارنَّا بين كتاب أُلِّف قبل عهد الصفويين وكتاب أُلِّف بعد عهدهم، لرأينا أننا كلما تأخرنا في الزمن ازداد غلو الكتب وكَبُرَ حجمُها! قارنوا مثلاً كتاب «مقتل» السيد ابن طاووس(17) بالمجلد العاشر من «بحار الأنوار» للمجلسي(18) وقارنوها بكتاب «أسرار الشهادة» لمؤلفه «الدربندي»(19) واسألوا أنفسكم ما هي علة هذا الاختلاف؟ ومن أين جاء «الدربندي» بكل هذا الكلام في كتابه؟ وما هي المصادر التي حصل عليها مما لم يستطع السيد ابن طاووس ولا المجلسي الحصول عليه؟!

كانت السياسة تقتضي في فترة من الزمن الماضي أن تتم تعبئة الناس في إيران عن طريق البكاء [على مآتم آل الرسول] والزيارة [لمراقدهم] ولطم الصدور والقباب والقبور، للحفاظ على استقلال إيران أو لأجل صمودها في وجه عَدُوَّيْن قَوِيَّين هما الدولة العثمانية [غرباً] والدولة الأُزبكية [شرقاً].

لكن ماذا نفعل نحن بعد أن رحل أولئك الساسة بسياستهم وهلكوا وتطوَّرت الدنيا قروناً إلى الإمام، ولا تزال تلك البدع على حالها؟ ولا ندري إلى متى سنبقى أسرى لها؟!

إن السبب في قول القرآن إن أظلم الناس هم الذين يفترون على الله الكذب(20) هو أن ما يتَّخذ لباس الدين، يدوم ويستقر وتصعب إزالته. إني زعيمٌ بأن هدم مدينةٍ باسم السياسة أفضل من إحداث بدعةٍ باسم الدين. والدليل أن كل ذلك الدمار والغارات والحروب والمجاعات التي وقعت في الماضي، لم يعد لها أثر اليوم، لكن البدع التي أُحْدِثَتْ باسم الدين لتحقيق أهداف سياسية لا تزال باقية إلى يومنا هذا، وبهذا التناسب فإن الذين يحاربون البدع وما أدخل في الدين مما لم ليس فيه، عملهم أنفع وأجرهم أكبر عند الله. أنا أعلم جيداً كم هو عسير قراءة هذه الأمور بالنسبة إلى الذين يعتبرون [الصالحين من] ذراري الأئمّة الكل في الكل في نظام حكومة الله، أو يعتبرونهم وزراء البلاط الإلـهي.

لكن ما العمل؟ هل يمكننا أن نرى هذه المشكلات ونبقى ساكتين؟ نعم، لدينا مشكلات أكبر منها أيضاً لكن الناس يعرفون أنها مشكلات فيسعون لإصلاحها، لكن المشكلات التي ذكرناها، فضلاً عن جهل الناس بها، هم لا يعتبرونها مشكلات أصلاً بل يرون فيها أكبر وسيلة لسعادة الدنيا والآخرة!! إن مثل هذه المشكلة مهما كانت صغيرة فهي كبيرة أيضاً.

لقد ضحَّى الإيرانيون، كما رأينا، بالله والنبيّ في سبيل الإمامة، وسخّروا - كما سنرى- حياتهم وبلدهم وأموالهم وأوقاتهم لأجل هذه القضية، هذا في حين أن الإمام أيَّاً كان فهو خاص بزمنه لا بالأزمنة الأخرى، كما جاء في كتاب «الكافي» (كل إمام هاد للقرن الذي هو فيه)، وإذا اعتبرنا كتاب «نهج البلاغة» مستنداً في هذا الأمر، وجدنا أن الإمام علي بن أبي طالب نفسه يقول في رسالةٍ كتبها إلى معاوية «وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضاً». (راجعوا الرسالة السادسة من قسم الرسائل فيه). لكننا لسنا هنا في صدد معالجة هذا الموضوع، لأنه لا يفيدنا في شيء اليوم، كما أنه بعد كل تلك الأغراض التي استخدمها الطرفان، لا يمكننا أن نطلع بشكل صحيح على كيفية القضية، إلا أن الأمر المحقَّق هو أن الإمام أدنى رتبةً بكثير من النبيّ، والنبيُّ ذاتُه ـ بحكم القرآن ـ بشرٌ مثلنا لا يعلم الغيب وليس بباب للحوائج ولا يشفي الأعمى، وفرقه الوحيد عن الآخرين هو الوحي، وهذه النقاشات التي نشأت فيما بعد كانت وليدة السياسة وقد ضخََّمها التقليد وأبقتها العادة.

إن ديننا اليوم يعتبر إقامة المآتم (مجالس العزاء الحُسَيْني) من أفضل الأعمال إلى درجة أنه جاء في الحديث أن ثوابها يعادل «ثَوَابَ أَلْفِ حَجَّةٍ وَأَلْفِ عُمْرَةٍ وَأَلْفِ غَزْوَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، و.. ثَوَاب كُلِّ نَبِيِّ وَرَسُولٍ وَصِدِّيقٍ وَشَهِيدٍ مَاتَ أَوْ قُتِلَ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ!!»(21).

أرجوكم أن تقرؤوا هذا الحديث مرة أخرى، وانظروا هل يمكن افتراء كذب وجزاف على الله أكثر من هذا؟! أسألكم بالله، لو فُوِّضَ أمر الجنة والنار إلى طفل صغير عديم العقل هل كان سيقوم بمثل هذا العمل؟!

ربما يقول الذين تعوَّدُوا على سماع مثل هذه المجازفات «لا يبعد عن قدرة الله شيءٌ!»، لكنهم لا ينتبهون إلى أن الله، إضافة إلى قدرته، عادٌل أيضاً. أنتم أنفسكم تستطيعون أن تصرفوا ديناراً بدلاً من فلس ولكن هل ستفعلون ذلك؟!

إذا صرت أيها المشارك في مراسم العزاء الحسيني غداً يوم القيامة إلى الجنة إن شاء الله، وأعطوك أعلى المنازل فيها (لا عيب في طموح الشاب للأعالي) وجعلوا ـ طبقاً لهذا الحديث ـ جميع شهداء بدر وأحد وجميع الأنبياء تحتك وأدنى درجة منك!! ألن تشعر بالخجل إذا اعترض شهداء بدر على الله وقالوا: لقد نهضنا لنصرة الإسلام في وقت ضعفه وشيدنا بناء الإسلام بدمائنا، فكيف جعلتنا أدنى ألف درجة من مقام ذلك الذي كان يقيم مجالس العزاء! بالله عليك هل سيبقى لك وجه عندئذ للبقاء في ذلك المكان؟

سوف تقولون إن إحياء ذكرى الأجلاء الكبار من الماضين وتجليلهم أمر حسنٌ، فحتى لو فرضنا أن ذلك الحديث وأمثاله مكذوبةٌ، فإن أصل هذا العمل لا بأس به.

وأقول [مجيباً]: بعض تُجَّارنا يصنعون دائماً نموذجاً حسناً أمام الناس، وعند النقاش يبرزون هذا النموذج الحسن، ولكن عند العمل، أي عند تسليم البضاعة، يقومون بتسليم شيءٍ آخر! لقد أصبح ديننا اليوم على هذا النحو أيضاً، فكما نرى في هذا الموضوع، عندما نناقشهم يقولون هذه الزيارات ومجالس العزاء هي لإحياء ذكرى العظماء وتجليلهم، ولكن عندما يحين وقت التطبيق العملي نشاهد بساطاً آخر غير ما يقولون.

من جهة بنوا كل هذه الحسينيات ومراكز التعزية في كل مدينة وقرية، وتراهم ينطلقون في كل سنة أكثر من مرّة بحركات طفولية، ومن الجهة الأخرى جعلوا عدة أشهر من كل سنة خاصة بالعزاء ثم لم يَقْنعوا بذلك أيضاً بل لأجل ترسيخ هذا الأمر في عقول الناس قالوا (كل يوم عاشوراء). أجل، لو أنهم كانوا يستفيدون نتيجةً مفيدةً ومعقولةً من صرف كل هذه الأوقات والأموال في هذا السبيل لما كان في ذلك بأس، ولكنكم ترون أنهم بدلاً من إيقاظ الناس، يلقِّنُونَهم هذه الأكاذيب الفاضحة، ونتيجة ذلك أنهم عطَّلوا قوَّة التعقّل لدى جماهير الناس حتى جعلوهم يقبلون أكبر الأكاذيب باسم الدين، وفي الوقت ذاته يطعنون بحقائق العلم والحياة.

وخلاصة الكلام، حتى لو فرضنا أن ما يقولونه حول الإمامة صحيح، فإن هذه الزيارات والمبالغات بشأنها خطأ، وذلك لأنه في كل طريق وخاصة في طريق الله وسبيله لا بد أن يضيع اسم الشخص، ليس الإمامة فقط بل حتى النبوّة لا ينبغي اعتبارها جزءاً من الدين، لأن الأنبياء لم يكونوا سوى مرشدين للدين لا جزءاً من الدين نفسه.

إذا أرشدك شخص إلى الطريق كان مرشداً للطريق وهاديا لك نحو المقصد ولم يكن هو الطريق ذاته! من هنا عندما يرشدك إلى الطريق فإنك تشكره وتنطلق في الطريق الذي أرشدك إليه لتصل إلى هدفك. أما لو أنك بدلاً من السير في الطريق وقفت لدى المرشد وانشغلت به، فإنك ستتخلّف عن هدفك ولن تصل إليه، وهذا بالضبط هو حالنا اليوم.

وأما قولهم: يجب علينا أولاً أن نعرف الشخص جيداً كي نصدِّق كلامه، فليس صحيحاً، لأن ما يُعَرِّفُ كلَّ شخص، سواء كان مرشداً أم مهندساً أم طبيباً أم نجَّاراً أم حدَّاداً، هو عمله لا شخصيته.

لو أن كل هذا الجدل والنزاع الذي يتم حول الأسماء والأشخاص انصبّ نحو الهدف الأصليّ الذي هو التوحيد والتقوى، لزالت هذه الاختلافات بشكلٍ أسرع ولتقدمنا بشكل أفضل
﴿ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ..﴾
[آل عمران: 64].

 

 

+            +             +

 

المبحث الثالث: رَجُلُ الدِّيْن

يقول ديننا اليوم «إن الفقيه في زمن الغيبة نائبٌ للإمام».

ثمة إشكالات فقهية وعملية عديدة تَرِدُ على هذه المقولة، لكنني سأتجاوزها طلباً للاختصار وأكتفي بالقول إنه لو قُصد من هذه النيابة موضوع بيان أحكام الشرع فقط، فلا شك أن هذا خلاف ما ترمون إليه. وإن كانت النيابة في موضوع الولاية والحكومة أيضاً عندئذٍ سيكون لدينا في كل حيٍّ، وأحياناً في كل منزلٍ، مَلِكٌ، كما نشاهد الفقهاء يتدخلون اليوم في كل عملٍ تصل أيديهم إليه.

وبغض النظر عن ذلك، فإن لِكُلِّ عمل أهله. إن العلاقة بين الفقيه، وتدبير البلاد وإدارة أمورها كالعلاقة بين الطبيب وعلم الميكانيكا اللذين لا ارتباط بينهما أصلاً.

ثم بعد ذلك فإنه استناداً إلى هذه الأسس الفقهية ذاتها، ليس هناك أي دليل على هذه دعوى أن (الحكومة حق الفقيه).

يقول بعضهم ليس من الضروري أن تكون الحكومة بيد الفقيه بل يمكنها أن تبقى بيد أي شخص بشرط أن يأخذ الإذن من الفقهاء، وذلك مثلما كان يفعل الملوك السابقون، وكما ذُكر في دستور إيران.

أقول: إذا كان هذا الإذن نوع من المراسيم الرسمية أو لأجل التبّرك فليس له أي أثر عملي، ورغم ذلك لأجل أن لا تخلو عريضتي من أي طلب، فإني أسمح للمجلس [النيابي] والدولة أن يقوموا بكل عمل يرونه مفيداً للبلاد والشعب!!

أما إذا كان ذلك الهدف من ذلك الإذن أن تتم جميع أعمال إدارة البلاد بهذا المرسوم والأمر فهذا أمر غير قابل للتحقيق، وبعبارة أخرى إنه يستلزم الدَّوْر، لأنه على هذا الأصل فإن القانون والمجلس النيابي مرتبطان بإذن الفقيه، وإذا وجد الفقيه لم يعد للقانون والمجلس والدولة معنى (لاحظوا مبحث الحكومة والقانون).

يقول ديننا اليوم يجب تقليد المجتهد الحيّ ونتيجةً لذلك فمجرّد أن يموت هذا المجتهد على الناس أن يتخلوا عن كل الفتاوى والرسائل العملية، والأوقات التي صرفوها في تعلمها، وبعد ذلك عليهم أيضاً أن يشتروا كتباً من جديد ويمضوا مدةً في تعلُّمها، ليتركوها فيما بعد أيضاً عندما يتوفى المرجع المجتهد. لماذا؟! ما الدليل على هذا العمل؟! إني أخجل من عرض ذلك!!

إذا كانت لدينا مقبولة عُمَر بن حنظلة(22) لإثبات «نيابة الفقيه»، فإننا هنا لا نملك حتى مثل هذه المقبولة، بل دليل النقل والعقل كلاهما يعارضان هذا الأمر [أي إيجاب تقليد المجتهد الحيّ]، لأن الرواية تقول: «فَارْجِعُوا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا»(23)، فإذا كانت الحياة شرطاً، فلا بدَّ إذن من ترك كل هذه الروايات [لأن رواة حديث الأئمة تُوُفُّوا جميعاً!].

كما أن العقل أيضاً يحكم بأنه لو أنجز عالم أو طبيب أو مهندس أو فقيه عملاً ما في الفن الذي يختص به ثم مات فإن صلاحية كلامه تبقى على حالها، وإلا لوجب أن نرمى بآثار كل عالم بعد موته، كما نفعل بالرسائل العملية [للفقهاء المُتَوَفَّين] ونبدأ البحث من جديد!

لعل الذين هم بعيدون عن هذه القضايا يقولون إن الهدف من إيجاب تقليد المجتهد الحيّ مراعاة مقتضيات كل عصر وزمان، وهذا أمرٌ جيَّدٌ. لكن أهل المعرفة يعلمون أن الأمر ليس كذلك، والدليل هو هذه الرسائل العملية التي تتبدل بشكل مستمرّ، فانظروا أي مقتضيات للعصر تمت مراعاتها في الرسائل العملية اللاحقة مما لم تتم مراعاته في الرسائل السابقة؟

سوف تقولون: لا داعي لإطالة الكلام بلا طائل في مثل هذا الموضوع، فكيف يمكن أن لا يكون لمثل هذا الحكم أي دليل؟

 فأقول: نعم كل صاحب دعوى في هذه الدنيا يقول إن لديه دليلاً على دعواه، لكن الله أعطانا ميزاناً اسمه العقل، يمكننا - إذا تحررنا من قيود الهوى والعادة والتقليد - أن نميِّز بواسطته، بسهولة، الصواب من الخطأ. لقد اصطنعوا لأجل هذا الحكم دليلاً وهمياً ومطاطاً باسم أصل «عدم الجواز» الذي من الأفضل أن نسأل أهل الفن أنفسهم عن معناه كي تروا أي أساسٍ تستند إليه أحكام دينكم؟

أَعْلَمُ أن الذين نشؤوا وأمضوا عمرهم على هذا الكلام لا يستطيعون أن يصدِّقوا أن يكون مستندُ هذه الأحكام التي اعتبروها لمئات السنين حكمَ الله القطعي الذي لا نقاش فيه، ضعيفاً ولا أساس له إلى هذا الحدّ، ولعلهم يظنون أن لديهم مستند آخر لم نذكره، فليعلموا إذن أن ما أقوله لم آتِ به من بلاد الواق واق، إن لدينا هنا سلاح واحد هو الحقيقة فكيف يمكننا أن نحطِّمه نحن أيضاً بأيدينا. ولستُ أقسم ولكنني أؤكد لكم أنني لم أكتب في هذا الكتاب أي كلمة مخالفة للحقيقة، إلى حد أنني امتنعت عن كل جملة أو كلمة جُزَاف عادية، بل على العكس، بما أنني أردت أن تكون أدلّة كلامي في كل موضع واضحة وقويمة، وأردت أيضاً أن لا أتجاوز حدود الأدب، فإني تركت قول الكثير مما كان يمكنني قوله.

العنوان الآخر الذي صنعوه لرجل الدين هو أنه (كل من يقول لنعل العالم نُعَيل يكفر) وبالتالي فقد أعطوا لرجل الدين مكانةً رفيعةً للغاية حتى لم يعد في ميسور أحد أن يصلح هذا الجهاز. إن تلك المقولة وإن كانت في ظاهرها لصالح رجل الدين لكنها في الواقع ضربةٌ مضرَّة ومُضْعِفَةٌ لديننا ودنيانا، بل هي إضرارٌ حتى بعلماء الدين أنفسهم، وذلك لأنه من المحقق أن سدّ باب النقد والمُسَاءَلة لأي شيء يعني بالنتيجة فتح باب الفساد فيه على مصراعيه [حيث لا مُسَاءلة].

نعم، أفعال الله فقط هي التي لا يُسْأَل عنها، لأنها مبنيّة على نظام كامل خارج عن دائرة فكرنا واختيارنا، أما في المجالات الأخرى فإننا نرى بأنفسنا أن سدّ باب المُسَاءَلة يأتي دائماً بنتيجة عكسية. لقد سدُّوا أفواه الناس عن التكلُّم ونقد أعمال الحكومة فَفُتِح باب الفساد فيها على مصراعيه. وقالوا بشأن موضوع [مجالس عزاء] الإمام الحسين: إن كل من يعترض ويسأل يُصَاب في نفسه أو أهله أو ماله، ففتحوا الباب لكل هذه الأعمال غير العقلانية التي تتم باسمه. وسدوا باب الانتقاد في مجال الدين، فظهرت الأكاذيب الفاضحة وكم من أثقالٍ باهظة وضعوها على كاهل الناس باسم الدين. وقالوا بشأن المُلاّ [أي الشيخ أو المطوّع] من قال لنعله نُعَيل كَفَر، فكانت النتيجة ما نراه.

لا بدَّ من فتح المجاري أمام الماء المتدفِّق من نبعه، كي يسير الماء فيها ونستفيد منه، أما لو أراد شخص أن يمنع خروج الماء بالقوّة فإن الماء في نهاية الأمر سيتمكّن من أن يجد في زاوية من الزاوية نقطةً يخرج وينطلق منها وفي النتيجة سيتم هَدْر هذا الماء وستكون آثار خروجه غير المنضبط أكثر تخريباً. كذلك من يريد أن يقف بالقوة في وجه الدليل والمنطق، يمكنه فعل ذلك إلى حين، لكن في نهاية المطاف سينطلق هذا النقد من طرف آخر بتدميرٍ أكبر.

لقد منع «رضا شاه» الأقلام من الكتابة وحظر على الناس الكلام، لكن بمجرّد ذهابه ومجيء «الحريّة» تجاوز الناس الديمقراطية درجةً حتى أصبحت ثلاث ديمقراطيات، ونسوا حسناته. كذلك لما وضع المُلاّ [عالم الدين] بينه وبين جماهير الناس ذلك السدّ الحديدي، انبجست مشاعر الناس وعواطفهم الحبيسة في كل مكان، في كلكتّا ومصر والقوقاز وغيرها من البلدان، بشكل أسوأ، إلى أن وصل الأمر إلى أنه عندما كان شيخ من الشيوخ يعبر الشارع كان يسمع السخريات المهينة بحقّه، ومن المؤكَّد أن ما كان يعتمل في قلوب الناس مما أظهروا بعضه على ألسنتهم، كان أكبر. كُلُّنا يذكر في تلك الأيام أنهم كانوا يقولون: لا ندع المُلاَّ يركب السيارة، وإذا انبعجت إحدى العجلات قالوا هذا بسبب المُلاّ، ولكن في السنوات الأخيرة وبفضل إصلاحات «رضا شاه» زال سوء الظن ذاك بعالم الدين، وما نراه اليوم من احترام له هو من أثر ذلك الإصلاح. والآن أيضاً إذا لم يغتـنم علماء الدين الفرصة بل واصلوا صرف جهودهم على إسكات الناس بدلاً من صرفها نحو الإصلاح، فإنه مما لا شك فيه أن الغضب الجماهيري سينفجر بصورة أبشع هذه المرة، وإن كنتم لا تصدِّقون كلامي هذا فاحفظوه عني كي نرى صحَّته بأعيننا غداً.

العنوان الآخر الذي صنعوه لعالم الدين وأدى إلى فساد هذا الجهاز هو أن عالم الدين اليوم يأخذ مصروفه بشكل مباشر من عامة الناس، وبالتالي فهو مضطر دائماً إلى أن يتكلَّم طبقاً لميل عامة الناس، أو على الأقل أن لا ينطق بما يخالف هوى العامة، وهذان عيبان كبيران.

أولاً: من الطبيعي أن تظهر دائماً بين العوام أفكار خاطئة، لكن طالما بقيت هذه الأفكار بين العوام فإنها ستكون سريعة الزوال، أما إذا حظيت بقبول وإقرار المُلاّ [المطوّع] أو سكوته عليها، فإن تلك الأفكار الخاطئة سَتَثْبُتُ وسيضطر كل شخص إلى قبولها وسيوَرِّثها إلى أبنائه من بعده، وهذا هو الأمر الذي أدى إلى نشأة خرافات كثيرة.

ثانياً: بدلاً من أن يقلِّد العوام عالم الدين، سيصبح عالم الدين هو المقلد للعوام، في حين أنه لو كان عامة الناس يعرفون الطريق الصحيح لما كان لهم حاجة إلى عالم الدين.

إن عالم الدين طبيب الروح والطبيب تعامله مع البدن والحروق وإعطاء الأدوية المُرَّة والحادّة، أما لو أراد الطبيب أن يعطي المريض أدويةً أو يصف له طعاماً حسب هواه [أي هوى المريض] عند ذلك لن يكون طبيباً بل قهوجياً.

عالم الدين كذلك عمله محاربة الظنون والأوهام وإزالة الخرافات من العقول وتنقية الدين الأصيل وتطهيره من البدع والأكاذيب، وهذه الأمور كلها تخالف ميول العامّة.

فمن هو على استعدادٍ اليوم لخوض مثل هذه المصاعب، فضلاً عن تمكُّنه من حلِّ مشكلة قطع الرزق عن عياله وأولاده؟!

عالم الدين عبدٌ من عباد الله وإنسان كسائر الناس، وليس خارجاً عن قانون الطبيعة، فعندما يرى الجمل يبرك في منزل العالم الأكثر محافظةً، وعندما يرى الفلوس والجاه والاحترام تذهب إلى العالم الأكثر خُرافيَّةً، وعندما يرى أنه كلما كان قارئ المراثي [على الإمام الحسين] وصاحب المنبر أبرع في نسج الأكاذيب كان أكثر تقدماً لدى الناس، وفي المقابل عندما يرى أن الشيوخ الآخرين الذين لا يقلُّون عن أولئك العلماء علماً وفضلاً، إلا أنهم بسبب عدم تكلُّمهم بما يرضى هوى العامة، أصبحوا غير قادرين على تأمين حتى رغيف الخبز الحاف؛ فإنه يتعلّم الدرس جيداً منذ البداية ويأخذ العِبْرَة حتى آخر عمره.

مثال واضح: الجميع يعلم اليوم أن ضرب الرأس بالقامة [أي بالسيف في مراسم العزاء الحسيني] أمرٌ مخالفٌ للشرع. والجميع يعلم أن معظم ما يُقال في مراثي العزاء [الحسينية] كذب على الله ورسوله. وأن الكذب على الله ورسوله هو أسوأ وأقبح الكذب. ورغم كل ذلك لماذا لا يجترئ أي عالم دين على منع الناس ونهيهم عن هذه الأعمال؟

السبب واضح: إنه يعلم أنه لو فتح فاهه بمثل هذه الأمور لانقطع معاشه.

لو كان رجل الدين قادراً على أن يقول كلَّما يعلمه لكان حال ديننا ودنيانا أفضل مما نحن عليه بكثير.

لو لم يخف المُلاّ من قطع رزقه لما بقيت تلك الأسرار خلف الستار، وكما يقول المثل، لا يستطيع أن يُنْزِل الجمل من السطح إلا الذي صعد به إلى السطح. إن إصلاح هذا الأمر بِيَدِ عالم الدين فقط وليس بيد «رضا شاه» و«نادر شاه» وأمثالهما. نعم هذا الأمر يحتاج بلا شك إلى قوّة مادية ولكن هذا بشرط أن تكون القوة المعنوية قد تقدَّمتها وهيأت قلوب الناس لتقبل الإصلاحات.

صادَفَتْ الجلسةُ الماضيةُ التي كنت أكتب فيها قسماً من هذا الكتاب، يومَ عاشوراء. يومها سمعت فجأةً صوت جلبةٍ وصياحٍ في الخارج، فخرجتُ لأرى أن القضية تتعلق بتفرقة جمع موكب العزاء الخاص بذلك باليوم أمام مركز للشرطة (في الأهواز). ليس قصدي هنا أن أشرح القصة بكاملها بل قصدي أن أبيِّن حال هؤلاء الناس الذين حزنوا أشد الحزن على تفرق جمع ذلك الموكب وكأن حَرَسَاً مدافعاً هرب من أمام جيش مهاجم! كانوا يعتبرون الضرر الذي حل بهم من معجزات ذلك اليوم ومن شقائهم، وكانوا يطلبون ثواب الأذى الذي تعّرضوا له من «أم البنين»! وعندما جلست مساءً إلى المذياع، رأيت إذاعة طهران، بدلاً من دعمها للأمر الذي أصدرته الحكومة نفسها، شرعت تبثُّ تلك المراثي والمجازفات ذاتها التي نعرفها جميعاً.

إن أخذ الأجر على بيان أحكام الدين فضلاً عما يؤدي إليه من إفسادٍ للدين، حرامٌ طبقاً لفتوى الفقهاء أنفسهم. مثل هؤلاء الأشخاص لا يحق لهم أخذ المال إلا من بيت المال، لا أن يأخذوه مباشرةً من الناس، شأنهم في ذلك شأن موظفي الدولة اليوم الذين يجب عليهم أن يقوموا بواجبهم في خدمة أمور الناس، لكنهم لا يتقاضون أجرهم منهم بل يأخذون معاشهم من خزانة الدولة. رغم أن أخذ المال من الناس يساعد على تقدّم الأمور أكثر، لكن كما شاهدنا حال الدين وعلمائه، سيصبح سَيْر الأعمال كلّه مطابقاً للأغراض الشخصية [للناس]، وضرر مثل هذا الأمر أكبر بكثير من نفعه.

ينبغي أن لا نخطئ، ليس معنى كلامي أن تـتدخّل الدولة في عمل رجل الدين، فمثل هذا التدخّل عمل خاطئ، لأنه في مثل هذه الحالة سوف يظهر لدينا أيضاً قميص عثمان. أضف إلى ذلك أن علماء الدين لن يقبلوا الخضوع للدولة لتقوم هي بإدارة أمرهم، كما كان هذا هو رأي الدولة في بناء كلية شادي للمعقول والمنقول، فرأينا أن هذه الكلية أيضاً قد تمّ بناؤها في نهاية المطاف من إحدى المصانع الخلفيّة!.

الحلُّ الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن بشأن هذه القضية [أي قضية تأمين رواتب علماء الدين]، وهو حلٌّ لا يتعارض مع أي قانون أو عقيدة، هو أنه لدينا اليوم في بلدنا أوقاف كثيرة تصرف على الصيام ونحوه، فإذا تم إنفاق إيرادات هذه الأوقاف، بإشراف مدير من علماء الدين وإدارة صحيحة وغير حكوميّه، في هذا الأمر، لوصل مال الأوقاف إلى أصحابه ولقدَّمْنَا أكبر خدمة بهذه الطريقة إلى الدين والدنيا، أما إذا بقي حال عامة الناس وحال علماء الدين على ما هو عليه الآن، فعلينا أن نبكي لا على الأموات بل على الأحياء.

لعلكم تقولون: أنتَ الذي تقترح مثل هذه الأمور إما أن تكون مجتهداً أو مُقلِّداً، فإن كنتَ مجتهداً فقولك حجة بالنسبة إليك فقط ولا يفيد الآخرين شيئاً، وأما إن كنت مُقَلِّداً فلا كلام للجاهل مع العالم، وبعبارة أخرى هذا الموضوع ليس من اختصاصك فالزم الصمت.

نعم، هذا الكلام صحيح ولكنه صحيح بالنسبة إلى الطريق لا بالنسبة إلى النتيجة. أي أنك إذا أعطيت الخيَّاط قماشةً وطلبت منه أن يخيط لك منها ثوباً، فلا يجوز لك أن تسأله كيف سيقصّ القماش وكيف سيخيطه. ولكن عندما سيعطيك الثوب لا بدَّ أن يكون مطابقاً لقياسك وجسمك وإلا لكان لك الحق أن تسأله لماذا أضعت وقتي ومالي وأفسدت قماشي؟ وأنتم أيضاً لا تقولوا للمشرِّع كيف استنبط الحكم وبأي مستند أو طريقة قام بعملية استخراج الحكم، ولكن الحكم الذي أصدره لا بدَّ أن يكون مطابقاً لحكم العقل وقانون الطبيعة الذي هو حكم الله القطعي المُسَلَّم به، وإلا لأصبح الأمر ما نشاهده اليوم: آيةٌ واحدةٌ هي ﴿إن الله يحبّ المتطهّرين(24) تتضمَّن أمراً بسيطاً للغاية يمكن لكل إنسان أن يعلم حدوده، بفطرته التي وهبه الله إيَّاها، نراهم يؤلفون بشأنه كتباً ضخمةً [حول أحكام الطهارة والنجاسة] يفوق حجم الواحد منها حجم القرآن بعدة أضعاف! وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل نجد فيما كتبوه أن ماء خزان ماء الحمام وماء حوض المسجد، رغم كل التلوث الذي فيهما، ماءٌ طاهر، أما أطهر المياه إذا نقص حجمه قدر إبرةٍ عن حجم «الكُرّ»، فإنه يتـنجَّس بمجرد أن تمسه يدٌ نجسة، لكن إذا بلغ هذا الماء مقدار «الكُرّ» فحتى لو بال فيه كلبٌ لم ينجس لأنه عندئذٍ يزيد عن مقدار «الكُرّ» [لزيادة حجمه ببول الكلب فيه]، أما إذا شرب الكلب منه فإنه ينجس لأنه عندئذٍ ينقص عن مقدار «الكُرّ»!!!

واحسرتاه على العُمْر الذي أمضيناه ونحن مغلقو الأعين والآذان، مثلنا مثل الدابَّة التي رُبطت بحجر الرحى وأُغْلِقَتْ عيناها، فسرنا ثمانين عاماً ونحن نظن أننا قطعنا العالم وأصبحنا على عتبة جنة الخلد والمسك والعنبر، فإذا فتحنا أعيننا رأينا أننا لا نزال في المكان ذاته الذي كنا فيه! أجل هذا هو جزاء من أغمض عين عقله وسمح للآخرين أن يقودوه حيثما شاؤوا!

الخلاصة: كل شيء في هذا العالم مهما كَبُرَتْ أهمّيّتُهُ، إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه بمقدار هذه الزيادة. فالطبيب الذي يحفظ حياة الناس يتمتّع بمنزلة رفيعة تميّزه عن سائر الناس لكنه إذا تصرّف بشكل غير مسؤول وغير مبالٍ كان من أسوأ الناس، وعالم الدين أيضاً لو عمل فعلاً بواجبه لكان أرفع شأناً حتى من الطبيب، لأن الطبيب يحفظ حياة الناس أما عالم الدين فيحفظ أرواحهم، والروح أغلى وأعلى شأناً من الجسد، ولكن إذا مدّ هذا العالم رجليه خارج لحافه! [أي تجاوز حدوده] يصبح عندئذٍ أسفل رتبةً من جميع الخلق، أو بعبارة أوضح يصير ضرر أمثاله على البلاد أكبر من ضرر النائب «حسين كاش» على مدينة من المدن، لأن الأخير يسرق المال، وعالم الدين المنحرف يسرق العقل، ذاك يقتحم بيوت الناس بلا وجه حق، وهذا يقتحم قلوبهم وعقولهم بالباطل. آثار ذلك المتمرِّد تنتهي بموته، أمّا البدع التي أحدثها العالم المنحرف تبقى قروناً من الزمن!

 

+            +             +

 

المبحث الرابع: الحكومة

يقول ديننا اليوم إن كل دولة أو حكومة تُقَام قبل قيام القائم حكومة باطلة: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ!»(25). ويقول: إن عمل السلطان ومعاونته يعادلان الكفر: «سألته عن أَعْمَالِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: الدُّخُولُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَالْعَوْنُ لَهُمْ وَالسَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ عَدِيلُ الْكُفر»(26). ويقول: «إِنَّ الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الإِمَامِ الْمَفْرُوضِ طَاعَتُهُ حَرَامٌ مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِير»(27)، بل جاء في الحديث الصحيح النهي عن الاستعداد لمحاربة العدو!

عجباً! حتى وحوش أفريقيا يعلمون أنه لا بدَّ لهم من مدير ورئيس يجمع شتاتهم ويدير أمورهم، وحتى أسفل الحيوانات يهيئ نفسه لمواجهة العدو المتربص به، لكننا نحن أهل الفرقة الناجية اخترعنا - بين جميع أبناء البشر وبين جميع الحيوانات - كلاماً جديداً باسم الدين لا يوجد له نظير في أي مكان في الدنيا. ولما رأوا أن كلامهم هذا في غاية التهافت حتى أن أكثر الناس سذاجةً بما في ذلك الذين يصدِّقون كلَّ كلام إذا كانت فيه جملة عربية، لن يقبلوه، اضطروا إلى إخراجه بصورة مختلفة، وسوف نستعرض هذه الصور واحدة واحدة ونناقشها ونبيِّن أضرار هذه العقيدة.

يقولون: يجب أن تكون الحكومة بيد الفقيه، والحال أننا رأينا أن هذا الكلام لا دليل عليه، أضف إلى ذلك أنه إذا جُعل شيءٌ ما شرطاً لشيء آخر فلا بدَّ أن يكون بينهما تناسبٌ، مثلاً: لو قيل ينبغي على المهندس أن يكون عالماً بالرياضيات أو يجب أن يكون القاضي فقهياً لكان هذا القول صحيحاً؛ أما إن قيل يجب على المهندس أن يكون فقيهاً، فأنتم أنفسكم ستضحكون من هذا الشرط وتقولون ما التناسب بين الفقه والهندسة؟ إن المَلِكَ يجب أن يمتلك بدايةً استعداداً وأهليةً ذاتيةً تؤهّله للقيام بأعباء هذا المنصب، ثم عليه أن يكون ذا علمٍ واطلاع جيّدين على الأمور العسكرية والتاريخية ونحوها، فالشخص الذي يمكن أن تمنح ساعةٌ من وقته البلادَ ملايين الدراهم من النفط، ما الفائدة في أن يصرف ساعات بل أياماً من عمره ووقته ليبحث هل مقدمة الواجب واجبة أم لا؟! ثم إننا نقول إن البلاد مثلها مثل السفينة التي تحتاج إلى رُبَّان يقودها في وسط العواصف والأمواج ويوصلها إلى برّ الأمان أيَّاً كان هذا الرُبَّان، فإذا كان الفقيه اليوم غير راغب بالقيام بهذه المهمّة أو غير قادر على القيام بها، فما هو مصيرنا نحن ركاب السفينة؟ هل علينا أن نستسلم لأمواج البحر لتطيح بنا حيث تشاء؟!!

يقولون يجب أن تكون الحكومة حكومةً دينيةً. إذا كان المقصود من الدين ذلك الدين الذي يتأقلم مع الحياة، فأي شيء أفضل من ذلك. عندما تريدون مثل هذا الدين من الدولة، من اليقين أنها ستقبل طلبكم لأن الدين أفضل داعمٍ للدولة، ومن الذي يستغني عن مثل هذا الدعم؟ أما إن كان قصدكم من الدين هذا الدين الذي نملكه اليوم، فينبغي أن نقول بلا مواربة إن هذا الدين مثله مثل تمثال ورقي يمكن فقط أن يوضع خلف الزجاج ليتفرَّج الناس عليه، أما لو أرادوا أن يخرجوه يوماً من بطون الكتب ويطبقونه بحذافيره مئة بالمئة، ففي ذلك اليوم علينا أن نقرأ الفاتحة على البلاد وعلى حياتنا.

يقولون: يجب أن تكون الحكومة قائمة على العدل. لا شك أن هذا شرطٌ لا يختلف فيه اثنان ولا يَنْتطِحُ فِيهِ عَنْزَانِ، ولكننا نعلم جميعاً أن كلامهم هذا تحجُّج [حقٌّ يُراد به باطل]، ومقصودهم الأصلي شيء آخر. لقد أوضحوا حكم ميراث الرجل ذي الرأسين وحكم الزواج من المرأة «الجنّيّة»، بل أوضحوا أحكام الأموات منذ لحظة وفاتهم وحتى يَنْفُخ إسرافيل في الصُّور، ولكنهم لم يوضحوا لنا أيَّ شيءٍ حول أمر الحكومة التي تشكِّل أوّل وأهمّ أمور الحياة ويتعامل معها جميع الناس في كل زمان!

لو قلنا سابقاً إن الدولة لا تقوم بواجباتها لكان ذلك موجباً لإصلاحها، ولو اعتبرنا ما تقوم به الدولة من صرف الضرائب على أمور لا طائل تحتها عملاً حراماً لما وجد هذا التبذير والإسراف والتخلِّي عن الواجب منذ البداية. لكن ما نقوله هو شيء آخر، إننا نقول: إنه لو جلس أنوشيروان العادل على العرش في عهد الغَيْبَة(28) لكان ظالماً! ونقول: إن كل من يعمل في أعمال الدولة سواء أدَّى واجبه بشكل صحيح أم لم يؤدِّه كان معيناً على الظلم وكان عمله معادلاً للكفر! ونقول: كل الضرائب التي تؤخذ من الناس سواءً كانت قليلةً أم كثيرةً حرام، ويجب تحليلها بالطريقة التي تعرفونها. ونقول: لا يجوز دفع الضرائب بقدر المستطاع، فإذا خرج مال الضريبة من أيدينا فهو كالطائر الذي قفز إلى الهواء، لا يهم بعد ذلك أين ذهب. طالما كانت هذه هي أقوالنا، فستبقى هذه هي أحوالنا! يقول القرآن: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ...﴾ [الشورى: 30].

أما أضرار هذه العقيدة فهي التالية:

- لقد جَعَلَتْ الناس متحيِّرين ضائعين بشأن الحكومة.

- لقد أَضْعَفَتْ استقلال البلاد واستقرارها.

- لقد سبَّبت خسائر فادحة للخزانة العامة للدولة.

- لقد جَعَلَتْ موظفي الدولة ضعفاء في عملهم وسيئي الظن به.

- لقد انعكس أثر كل هذه المفاسد ضغطاً على أكتاف الجماهير المسكينة البائسة.

لقد أصبح عمل الدولة في إيران أمراً مبهماً ومعضلةً معقدَّة، فمن جهة يقولون: إن مال الدولة وعملها محترمان ويضعون له القوانين والأنظمة، ومن الجهة الأخرى يقولون: إن مال الدولة مجهول المالك أو لا صاحب له، وهذه القوانين واللوائح كلها باطلة ومبتدعة. من جهة يقولون إن الخدمة العسكرية واجبة لأن الإسلام أوجب الجهاد، ومن الجهة الأخرى يقولون إن الجهاد في الإسلام شيء آخر غير خدمة العَلَم.

وهكذا بقي الناس حيارى في وسط هذه الآراء المتضاربة، فهم ضائعون متردِّدون، إذا سلكوا هذا الطريق كان ذلك متناقضاً مع دينهم، وإذا سلكوا ذاك الطريق كان ذلك غير متوافق مع دنياهم، إذا دفعوا الضرائب وخدموا الخدمة العسكرية الإلزامية عملوا خلافاً لقول فريق، وإذا لم يدفعوا الضرائب ولم يقدموا شبابهم للخدمة الإلزامية عملوا خلافاً لأمر فريق آخر. لهذا لم يعودوا يعملون لا بقول هذا الفريق ولا بقول ذاك، بل حيثما وجدوا مصلحتهم ومنفعتهم اتجهوا نحوها.

لا يمكن للإنسان أن يسير على طريق واحد ويتحمَّل ما فيه من مصاعب ومشقَّات ويقطع ما فيه من صعود وهبوط إلا إذا وضع أمامه هدفاً واضحاً ومقصداً ثابتاً، أما الإنسان الذي لا يعرف هو نفسه ماذا يريد؟! والأسوأ من ذلك، الإنسان الذي لا يعلم أنه لا يعلم؛ سيتجه بالتأكيد بغريزته إلى كل جهة أكثر سهولةً وراحةً له.

كيف يمكن للجندي - الذي يقوم استقلال البلاد على كتفيه - أو للشرطي الذي يقع على عاتقه حفظ الأمن والاستقرار في المدينة، أن يضحّي ويستبسل، والحال أنه قد سمع في الثُكنة وقرأ في الصحف الكثير من الكلام عن حب الوطن وتعلَّم جيداً الأناشيد الوطنية أيضاً، ولكن كل ذلك لا قيمة له أمام كلمة واحدة يسمعها باسم الدين. لقد قرأ كثيراً عن واجب «أداء الخدمة الإلزامية» في الصحف، ولكنه رأى في الأحاديث الخاصة أن كل من يتكلَّم عن هذا الموضوع يثير سخرية الآخرين منه، الذين يعتبرونه رجلاً بسيطاً وساذجاً. لقد سمع أن العمل لدى الدولة أمرٌ سيِّءٌ، ولكن إذا (أُجْبِرَ) على ذلك فليس عليه إثم، فلماذا يُحِبّ هذا العمل إذن؟!! لقد سمع أن زيارةً واحدةً [لقبر الإمام الحسين] تعادل ثواب ألف ألف شهيد، فلماذا يضحي بنفسه ويستبسل إذن؟!!

إن بذل النفس والتضحية والاستبسال حِمْلٌ ثقيلٌ جداً لا يستطيع حمله إلا من كان له قلب واحد وإرادة واحدة وطريق واضح واحد. كم هو مُحبََّبٌ للنفس أن يُقَال للشخص الذي قطع فراسخ وهو يصعد جبلاً، لا تتعب نفسك بلا جدوى، واجلس إلى جانب هذا الماء وهذه الخُضْرَة وتمتَّع بمنظرها. من ذا الذي لا تتزلزل قدماه بمثل هذا الكلام؟

إنّكم تأتون بآية من القرآن تقول إن تقليل قيمة المال حرام(29)، لكن لا أحد يسمع لكم. أمَّا إذا قالت عجوز: إني رأيت في المنام أن دفع الضرائب أو أداء الخدمة العسكرية الإلزامية حرام، فإن هذا سوف يؤثر حتى عليَّ أنا كاتب سطور هذه الرسالة!

إن العربة التي تسير في طريق منحدر، أي بما يتطابق مع ميل الطبيعة، من الصعب لِقُوَّة معاكسة أن تؤثِّر في حركتها، أما عندما تصعد العربة نحو الأعلى فإن أقلَّ قوّة يمكنها أن تؤثِّر في حركتها وتوقفها.

عندما يريد التاجر أو صاحب المتجر الفلاني أن يعطي الضريبة المستحقة عليه، ويرى أن القضية قضية بذل للمال وليس بذل للروح الذي يمكن فعله بسهولة، فبمجرّد أن يسمع أن دفع الضريبة للدولة هو إعانة على الظلم، فحتى لو لم يكن مؤمناً أصلاً فإنه هنا يتذكر أهمية الدين ويصبح متديِّنا في هذه النقطة! يقول لا بدّ أن أخدع موظَّف تحصيل الضرائب أو أقنعه من خلال الرشوة أن لا يأخذ مني الضريبة أو أن يخفِّفَها عليَّ قدر المستطاع، وربما أعطَى قسماً من هذا المال أو كله لموظف المالية نفسه كي لا يصب في جيب الدولة. هذا والدولة ليس لديها مناجم تـنبع بالذهب، فهي مضطرة لأخذ الضرائب، لذا تقوم بزيادة المديريات والدوائر [لتحصيل الضرائب]، لكن من الجهة الأخرى لما كان الناس أنفسهم بذكائهم ودهائهم هم أساس وسبب المشكلة، فحتى لو جعلت الدولة جميع أفراد الشعب موظَّفين ومفتِّـشين ومراقبين ماليِّين لن تصل إلى النتيجة المطلوبة.

إن موظَّف الدولة إما أن يكون متديّناً أو لا يكون. فإن لم يكن متديناً فلا حساب لنا معه، وإن كان متديّناً فإنهم لَقَّنُوهُ مع الدين أن العمل بالدولة سيءٌ ومالُها حرام، ففي هذه الصورة سيعتبر نفسه منذ البداية مُسيئاً وأنه من أهل جهنم، وسيدخل إلى الوظيفة بهذه الروحية، فماذا تتوقعون من مثل هذا الشخص سوى العمل بالمثل القائل: «الغريق لا يخاف من زخّة مطر»! ثم إن الذي يدفع الإنسان إلى العمل بإخلاص وجديّة ويمنعه من الخيانة هو أولاً الدين وثانياً العقل والوجدان. فإذا توفَّر لدى الشخص الاثنان معاً [الدين والوجدان] كان أثر ذلك، بالطبع، كبيراً جداً، وإذا توفر لديه أحدهما فقط كان أثر ذلك أقلّ. وعندما يكون الاثنان متعارضين فإن كل واحد منهما يبطل عمل الآخر. إذا كان الأمر كذلك، فإننا نرى هنا أن العقل يقول: لا فرق بين العمل في الدولة ومال الدولة وبين أي عمل ومالٍ آخر، بل لما كان مال الدولة متعلقاً بجميع الناس فالحفاظ عليه أوجب، أما ديننا فيقول: إن مال الدولة مجهول المالك، وحسب تفسير الناس: هو مالٌ لا صاحب له، فلا يبقى إلا الخوف وهو لا يتوفَّر في كل مكان.

لهذا السبب نرى أن عمل الدولة أصبح في نظر الموظَّف وسيلةً لتحقيق المصلحة الشخصية، وفي نظر الناس: كان عمل الدولة من الأصل سيِّئاً فصار بأمثال هؤلاء الموظفين أسوأ.

نعرف أناساً يقدِّمون الرشوة ليحصلوا على جواز سفر ويذهبوا به إلى زيارة [العتبات] التي هي - حسب قولهم أنفسهم - عمل مستحبٌّ، في حين أن إعطاءهم الرشوة حرام قطعي!

كلنا يعلم أن أفضح الأكاذيب بمجرد أن يوضع عليها اسم الدين يُصدِّقُها الناس دون سؤال! ولكن على العكس من ذلك يبذل الناس كل ما لديهم من حنكة وذكاء وتفتيش كي يكتشفوا ثغرات في القوانين واللوائح يمكنهم من خلالها أن يتعدَّوْا على القانون ويتلاعبوا به.

نعرف كثيراً من الناس يسرقون من مال الدولة أو يخونون أمانتها، ثم ينفقون هذا المال المسروق عينه على زيارة [المراقد] وإقامة المآتم [الحسينية] والنذور! لذلك يجب أن نعلم أن هؤلاء الناس ليسوا فاسدين بفطرتهم كما يُقال عنهم، بل هم يريدون أن يكونوا صالحين لكنَّهم ضلُّوا الطريق.

لمَّا كان الهدف من إقامة الدولة وإنشاء الحكومة أمن الناس واستقرارهم، وكان حفظ كل حكومة يعتمد على الناس أنفسهم، فأي فساد يقع في هذا الجهاز تعود آثاره السلبية ضغطاً على كاهل الناس أنفسهم. بل إن هذه العقيدة تضرُّ ضرراً بالغاً بعلماء الدين أنفسهم أيضاً، لأن الذين يؤمنون بعلماء الدين لن يتَّجهوا إلى العمل الحكومي باعتبار أن عمل الدولة حرام، مما سيفسح المجال لأولئك الذين - حسب قول علماء الدين- ليس عندهم قِيَمة أو هم معادون لعلماء الدين، ليتجهوا وحدهم إلى الأعمال الحكومية، وستكون نتيجة ذلك ما شاهدناه ونشاهده.

يقول ديننا اليوم إن مال الضرائب حرام، وأخذه ظلم، وإعطاؤه إعانة على الظلم، وأنه بدلاً من إعطاء الضرائب يجب على المؤمن أن يعطي الزكاة والخُمُس من ماله. أما الزكاة فتؤخذ من الأشياء التسعة وهي الذهب والفضة المسكوكتان، والقمح والشعير والتمر والزبيب، والإبل والبقر والغنم. وأما الخُمُس فيؤخذ من أصحاب التجارات والصناعات ولكن مصرفه نصف سهم الإمام، حيث يجب إعطاؤه للمجتهد وهو بدوره يعطيه للسادات [أي لذوي النسب الهاشمي] أو للشيوخ الآخرين أو يعهد به إلى شخص أمين أو يدفنه تحت التراب!! حتى يأتي إمام الزمان [المهدي القائم المنتظر] فيأخذه، ونصف السهم الآخر هو مال خالص للسادة [ذوي النسب الهاشميّ]!!

عندما قلنا إننا لو استخرجنا تعاليم ديننا كما هو اليوم، من بطنون وأوراق الكتب وأردنا تطبيقها عملياً كما هي، فعلينا يومئذٍ أن نقرأ الفاتحة على حياتنا وبلادنا، لم نقل كلاماً جُزَافاً أو غير مدروس؛ إن أول شرط من شروط حفظ شعب ما هو امتلاك هذا الشعب لقانون ماليٍّ صحيح. فلنر الذين يقولون إن كل ما في الأرض يجب أن يكون تحت أمرنا، كيف يمكنهم إدارة جمهور بسيطٍ من الناس بمثل قانونهم هذا الذي ابتدعوه من عند أنفسهم؟!

أما الزكاة فكما رأينا إنما تؤخذ من أشياء لم يعد لبعضها وجود اليوم، مثل الذهب والفضة المسكوكتان (انتبهوا ولا تخطئوا: المال، المتمثل في الأوراق النقدية، وسبائك الذهب ليس فيها زكاة!)، وبعضها قليل في بلادنا مثل الإبل والتمر والزبيب، وبعضها غير موجود في كل مكان مثل البقر والغنم والقمح والشعير، فبناء على ذلك، من أي مالٍ سيعطي أهالي إقليم مازندران الذين يزرعون الأرزّ، أو أهالي طهران والمدن الأخرى أو البلدان الصناعية، ضريبة الزكاة؟

أما الخمس فكما أوضحنا أعلاه لا يتناسب مع حياتنا اليوم، فأحد أهم الموارد المالية التي لابد منها للخزانة العامة اليوم هو الرسوم الجمركية، وهي لا تتناسب مع حكم الخمس، ومع ذلك فهذا الخمس يبقى من الناحية العملية أجدى من الزكاة، لكن أمامه إشكالين كبيرين: الأول أنه قد وردت أحاديث كثيرة صحيحة وغير صحيحة تنصُّ على أن الإمام وَهَبَ الخمس لشيعته، فإذا كان صاحب الحق قد تنازل عن حقِّه، فكيف لا يتنازل عنه من ليس صاحب الحق؟!

لقد عَدَدْتُ في كتاب «الوافي»(30) ستة عشر حديثاً حول هذا الأمر. لأجل حديث واحد يقول «مَنْ زَارَ فاطمةَ بِقُمَّ فَلَهُ الجَنَّةُ»(31) بنيتم [على قبرها] معبد أصنام بكل هذه الضخامة والزخارف والطقوس، ولكنكم لم تُلْقُوا بالاً لستة عشر حديثاً صحيحاً وغير صحيح؟ مرحى لكم على هذا التديُّن!!

ثانياً: ليس الهدف من جباية هذه الأموال مجرَّد أخذ المال، وإنَّما الهدف الأصلي هو تأمين نفقات البلاد الضرورية، هذا في حين أنه، كما رأينا أعلاه، مصرف الخمس لا يفيد البلاد في شيء وليس هذا فحسب، بل هو في حدِّ ذاته مصنع كبير للتسوُّل.

لو كان لأحدكم ابنٌ راشدٌ سالمٌ قادر على العمل لكنه متبطِّلٌ عاطلٌ عن العمل، لما كان مستعداً لإعطائه المال من جيبه بلا مقابل، فما بالكم بمحمَّدٍ وعليِّ اللذَيْن كانا منبع الغيرة والحميَّة، كيف يمكن أن يقبلا أن يعطي الناسُ لأبنائهم وذريتهم أو لأشخاصٍ باسمهم، مالاً بلا عوض، وينشئوا بذلك جماعة كبيرة من الأشخاص الطُّفَيلِيِّين الكُسَالى والعاطلين؟!

إن المساعدة المالية للأشخاص الذين يتمتَّعون بقوَّة الشباب والجسم السليم القادر على العمل ينبغي أن تكون بتأمين فرص العمل لهم ليعملوا ويكسبوا المال بكدِّ يمينهم عرق جبينهم، لا أن يُعْطوا المال بلا عوض، فإعطاؤهم المال بهذه الصورة إضرارٌ كبيرٌ بهم وبالناس وبالبلاد لأنه سيجعل منهم أشخاصاً كسالى وعاطلين عن العمل. لو تأملنا هذا الأمر بدقة لرأينا أن سبب وجود كل هؤلاء المتسوِّلين والشحَّاذين والطفيليِّين الذين نراهم في بلادنا اليوم، هو هذه الصدقات والخيرات والإحسانات التي تُصرف في غير محلّها.

والمضحك قول بعضهم إن الأورُبيِّين أخذوا قوانيننا وعملوا بها فوصلوا إلى ما وصلوا إليه، أو قولهم لو عملت الدنيا بتشريعاتنا لتقدّمت ووصلت إلى كذا وكذا. نعم، يمكنني أن أجلس في غرفتي وابني في عالم الافتراض أو عالم الخيال بلداً واسعاً على المحيط الأطلسي واجعل فيه أبنيةً شاهقةً من ألف طابق في غاية الجمال. لكن هذا البَلَد الخيالي كلّه يزول فوراً بكلمتين صحيحتين. لو كانت تعاليمكم هذه صحيحةً لكانت عمليَّةً أولاً عند أهلها، فقد وُجِد في إيران الكثيرُ من الملوك الذين كانوا يديرون الحكم بإذن من العلماء، فلماذا لم يعملوا بهذه الجواهر الثمينة من التشريعات قبل أن يكتشفها الآخرون فيعملون بها فيتقدمون هم ونبقى نحن في مكاننا!! اليوم أيضاً نجد أن حكامنا وقادتنا وزعماءنا وكُتَّابَنَا يؤيدون هذه الفكرة!! فليطبِّقوا عمليَّاً هذا المبدأ الديني الهام كي يكون تحصيل المال أسهل وكي يرتاح الناس من مال الدولة الحرام.

يقولون: حقاً لو رأى الناس أن لديهم حكومةً وطنيةً صادقةً ومخلصةً في عملها لأيَّدوها ودعموها، ولأعطوها تلك الأموال التي ينفقونها الآن في أمور أخرى كالأوقاف والنذور والوصية وغير ذلك، كما نجد مثالاً لهذا الأمر في التاريخ.

فأقول: لو تمتَّع شعبٌ ما بتربية صالحة صحيحة أو حتى لو لم يحظَ بهذه التربية لكنه، على الأقل، لم يفقد أخلاقه الفطرية القويمة، لأمكن أن يقوم بمثل هذا الأمر؛ ولكن لا يصحّ أن نتوقَّع من الناس الذين عرفنا نماذج من تعاليمهم الدينية في هذه الرسالة، أن يقوموا بمثل ذلك الشيء. إن توقُّع أن يقوم الأشخاص الذين يَدَعُون أنفسهم وجيرانهم جوعى ويذهبون زُرَافات زُرَافات في مثل هذه الأيام السوداء إلى زيارة [ المشاهد والعتبات]، بأن يضحوا بأموالهم لأجل مصلحة البلاد العامَّة توقّعٌ خياليٌّ محضٌ!!

نعم، لقد غرس الله في فطرة الإنسان حب الخير والإحسان فإذا صُرِفَ هذا الشعور فيما لا طائل تحته اقتنع الإنسان بذلك، مثله مثل الذي يصرف شهوته الجنسية في طريق غير مشروع فإنه سيشبع غريزته بذلك وينصرف عن تصريفها في الطريق المشروع. لهذا السبب نرى إنفاق كل هذه الأموال الطائلة في إيران على أمور كالنذور والأوقاف والوصايا، ومن النادر أن نجد في كل هذه المصارِف ما يفيد الناس. تشاهدون في كل مكان كل هذا العدد من التكايا والحسينيات [لإقامة مجالس العزاء] ومدارس الطلاب [ دارسي علوم الدين] والقباب والأضرحة وما يوقف لأجلها من أوقاف، ولكنكم لا تسمعون أبداً -وإن سمعتم فهي حالات قليلة جداً - بشخص محسن بنى جسراً أو جادّةً أو مستشفى أو داراً للعجزة أو داراً للأيتام أو مدرسةً عموميّةً أو مركزاً أو جامعةً لتعليم الطب أو االصيدلة أو سائر العلوم الأخرى. لقد وصل الأمر في بلدٍ كانت له جامعة مثل جامعة «جندي شابور» التي كانت تخرّج أطباء بلاط الملوك، أن أصبح معظم أطبائه اليوم إما من اليهود أو ممن درسوا على أيديهم.

لقد بُنِيَتْ في المدن كل هذه المدارس الدينية ونُذِرَتْ لها كل هذه الأوقاف، ولكننا لا نجد في طول البلاد وعرضها أي بناءٍ وقفيٍّ لدراسة الطب.

نعم، من بين جميع أعمال الخير والصدقات نجد أنهم قد بنوا الكثير من سُبُل الماء وهذا لأجل تذكُّر الشفاه العطشى للإمام الحسين، وإلا لما كنا نجد كل هذه السُّبُل أيضاً في إيران. أما الأعمال الخيرية الأخرى في ذلك الزمن فكانت عبارة عن إطعام الطعام في الليالي المباركة وتزويج السادة [الهاشميين] والعُزَّاب من العرب!! والحفاظ على المشاهد المشرَّفة وَإنابة من يقوم بالزيارة أو الصوم أو الصلاة [نيابةً عن المُتَوَفَّى] وردّ المظالم لعلماء الإسلام لأجل الحفاظ على (بيضة الإسلام)، والأكثر من كل ما ذُكر الإنفاق على إقامة مآتم خامس آل العباء.

هذه هي الخيرات والصدقات والمَبَّرات التي يفخرون بها دائماً أمام الناس ويقولون إنهم كانوا قبل تلك الأمور في حال كذا وكذا.

وقد يظنُّ بعض من لا اطلاع له على الأمور أن في كلامي مبالغة، ولكن الآثار الباقية، وسجلات دوائر الأوقاف كذلك، شاهدةٌ على صحة ما أقول.

 أحد الأعمال الحسنة التي قام بها «رضا شاه» إصداره قانون بيع الأوقاف وصرف أموالها على أمور التعليم والصحَّة، لأن اسم الأوقاف ذاته بصورته الحالية ما إن يقع على شيء من الممتلكات إلا وتتعرض للتجميد والكساد والبطلان وكأنها شُمِّعت بالشمع الأحمر، وقد رأينا ما هي الأمور التي يُصرف ريع الأوقاف فيها!! ولكن لما أصبح كُتَّابُنا ونُوَّابُنا [ممثلونا النيابيِّين] وَحُكَّامنا في عهد الديمقراطية من أنصار الدِّين، فقد ألغوا ذلك القانون وصنعوا بذلك خدمة كبيرة للدين!!

خلاصة كل ما تقدم، أنه من المسلَّمات أن البشر يحتاجون إلى رئيس يدير شؤون مجتمعهم، وهذا المنصب ليس حقاً خاصاً لأي شخص أو شريحة خاصَّة بل لما كان الغرض من الحكومة إدارة أمور الجماهير كان الشخص الوحيد الذي يمكنه تولي هذا المنصب هو الأكفأ والأقدر على القيام بأعباء هذه المسؤولية، فإذا استطاع أن يؤدي واجبه على أحسن وجه كان هو «أولي الأمر» الذين تجب طاعتهم(32)، وإن لم يستطع وجب تنحيته وإقامة آخر مكانه كما كان الأمر في صدر الإسلام حيث وجدنا أن الذين كانوا يطيعون الخليفة كل تلك الطاعة هم أنفسهم قتلوا عثمان.

ومن المُسَلَّم به أيضاً أن الحاكم، أيَّا كان، لن يأتي بالمال من الجنة، بل لا بدّ أن يأخذ المال من الشعب نفسه، والمسألة هي أنه كان هناك زمن كانت فيه أموال الناس عبارة عن أنواع التمر والإبل، فكانوا يأخذون الضرائب من هذه الأمور، واليوم أصبحت الأموال هي المصانع والسيارات ونحوها فلا بد من أخذ الضرائب من أمثال هذه الأموال، والقرآن أيضاً رغم أنه أمر بأخذ الزكاة في مواضع عديدة منه، إلا أنه لم يذكر حتى في موضع واحد من أي شيء تؤخذ هذه الزكاة.

فليعْلَمْ ذلك التاجر الذي يحتال مئة حيلة ليتهرَّب من دفع الضرائب، وذلك الموظَّف الذي يعتبر نفسه متديِّنا لكنه يسمح لنفسه بخيانة أموال الدولة، وذلك الجندي أو الشرطي الذي يعتقد أن عمله ليس له أي قيمة عند الله (فيسعى للتنصُّل من مسؤولياته قدر استطاعته)، أنهم - بحكم العقل القطعي الذي هو حكم الله المباشر- آثمون مذنبون، ومسؤولون عن تقصيرهم أمام الله.

أيها الجندي! اِعلَمْ أنك لو أرقت قطرة دم لعدو بلادك كان ذلك بحكم العقل أفضل من مَلْئِكَ أحواضاً من دموعك. أيها الشرطي! اِعلَمْ أن بقاءك مستيقظاً ليلةً واحدةً لحراسة الآخرين أفضل لك من أن تحييَ ليلةً وأنت تحرك شفاهك بالذكر. بفضل غيرتكم ورجولتكم فقط ينام كل فرد في كل زاوية من زوايا هذا الوطن مرتاح البال قرير العين في بيته. بفضل خوفهم من بريق سيوفكم وَهدير مدافعكم ورصاص بنادقكم ينقمع مثيرو الشغب والمتمرّدون ويقبعون في جحورهم. لا تسمح لكلام الذين ملؤوا بطونهم من المال المنهوب أن يحدثوا أي تزلزل في عقيدتك. حطِّم تلك اليد التي لم ترحم الأطفال الرُّضَّع. اقطع تلك الرجل التي انتهكت بالقوَّة حرمة منزل أَخَوَاتك وإخوانك. إذا كنت تبحث عن رضا الله وَثوابه فهذا هو الطريق إليه، وليس تلك أعمال الصبيانية التي أقنعتَ نفسَكَ بها والتي لا جدوى فيها.

 

+            +             +

 

المبحث الخامس: القانون

لماذا أُصيبَ القانون في إيران بالشلل؟

ديننا اليوم يقول إن القانون الوحيد الرسمي الذي تجب طاعته هو قانون الشرع، أما القوانين الأخرى فكلها قوانين مُخْتَرعة [ما أنزل الله بها من سلطان] بل هي بدع محدثة! لو تأملتم هذه العقيدة بشيء من الدقة لاكتشفتم أحد أهم أسباب شقاء وتعاسة هذا البلد. ذلك لأن قوانين الشرع مهما كانت جامعة وَكاملة فإنه من المحال أن تلبِّي جميع حاجات البشر وتستوعبها في كل زمان ومكان، كما نشاهد أننا اليوم بحاجة إلى كثير من القوانين مثل قانون تسجيل العقود وقانون المصارف وقانون المرور وقوانين المرافعات القضائية ومحاسبات الميزانية والجمارك ومئات من أمثال هذه الأمور التي لم تأتِ في الشريعة. إذا كان الأمر كذلك، فلو أردنا أن نضع قوانين لتلك الأمور من جهة، ومن الجهة الأخرى قلنا إنها غير رسمية أو بدعة، كان مَثَلُنا مَثَلُ الذي يصب الماء في الحوض من الأعلى، ويأتي آخر فيثقب الحوض من الأسفل! وهذا يفسِّر لنا السبب في عدم وجود أيَّة قيمة للقانون في بلدنا رغم كل هذه المؤسسات والدوائر التي فيه، لأن القانون إنما يكون حياً فاعلاً عندما يضرب بجذوره في قلوب الناس، وإلا فإنّه يكون مثل الشجرة الورقية التي لها ظاهر شجرة ولكن أقل نسمة من الريح تطيح بها.

لست أدري كيف يتصرّف الناس في البلدان الأخرى تجاه القانون، ولكن يبدو أنه لا يوجد في أي بلد في الدنيا من يعتبر مخالفة القوانين وانتهاكها واجباً [دينياً] أو جزءاً من شطارة الشخص.

شاب أمضى سَنَتَيْ خدمته العسكرية بالكسل والبطالة والخلاعة والفجور، والآن بدلاً من أن يخفي سيرته القبيحة هذه، أخذ يتبجَّح بها ويحكيها لفلان وفلان، وسامعوه يقولون له بضحكةٍ ممزوجة بالتشجيع والتحسين لفعله، نعم يا فلان! إن الخدمة الإلزامية تعني التملُّص والتفلُّت من العسكرية.

وآخر يجترئ على شرطي بشأن موضوع تافه، وبدلاً من أن يقول له الناس إن أمنك وحفظ مالك ونفسك مرهونة باحترام هذا الشرطي، يقولون له «ماذا يفعل بالضفدع من ليس في حوضه ماء؟!» (يعني أن المملكة التي لا صاحب لها لا تحتاج إلى شرطي!!). وآخر داعية ديني يرشي الموظف الحكومي ليحصل على جواز سفر يسافر به إلى كربلاء، وبدلاً من أن يقول له الناس: لماذا تفسد بعملك هذا موظفي الدولة الذين يشكلون عنصراً هاماً في هذا البلد؟ يقولون له: لا يضيع شيء عند سيد الشهداء، ليت جميع النفقات تكون في هذا السبيل! ورابع يُهَرِّب بضاعته من الحدود، ثم يتبجَّح بعمله بكل فَخَار وكأنه انتزع ماله من بين أيدي السارقين وقطّاع الطرق.

هذه كلها نماذج عن نمط سلوك هذا الشعب تجاه المقرَّرات والقوانين. فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكننا أن نتوقع من مثل هذه الشجرة غير هذه الثمار؟!

ما السرّ الذي يجعل جندي الآخرين يلقي بنفسه بكل بسالة تحت الدبابة وأمام فوهة المدفع، أما نحن فنقبع قاعدين خلف المنضدة وإلى جانب المروحة أو المدفأة، وليس لنا استعداد لأداء واجبنا العسكري؟!

لماذا نجد في البلدان ذات الجبهات الواسعة والممتدة أن الناس يوصلون المُؤَن والمهمَّات والمواد الغذائية وسائر اللوازم إلى الجبهات، أما دولتنا فما من شيء تضع يدها عليه إلا ويهرب الناس منه ويتملّصون من العمل فيه؟؟

لماذا نجد ملايين النساء في البلدان الأخرى يسجلن أسماءهن لأداء الخدمة العسكرية، أما نحن فنعطي الرشاوى لنَفِرّ من العمل! لماذا نجد في البلدان الأخرى كل هذا العدد من المتطوعين المستعدين للقيام بأعمال تتضمَّن خطر الموت مئة بالمئة، أما هنا فيقول الناس إن معنى الخدمة الإلزامية هو التملُّص والتفلُّت من العسكرية.

سوف تقولون إن السبب في ذلك هو أن قادتنا الكبار سيِّئون والرعية يتعلَّمُون منهم [الناس على دين ملوكهم]، وأقول: كلامكم هذا صحيح ولكن لماذا صار قادتنا الكبار سيئون؟ لو رأيتم ريحاً اقتلعت شجرةً أو منزلاً بعد أن مرّت من خلال أشجار وبيوت عديدة، لا بدَّ أن تتفكّروا: ما الذي جعل تلك البيوت والأشجار تصمد أمام تلك الريح، دون هذا البيت أو هذه الشجرة؟ لا جرم أنكم ستصلون إلى نتيجة تقول إن العيب الأصلي في الأسس والجذور [الضعيفة والمهتزة لهذه الشجرة أوالمنزل]، فإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نرى أين العيب؟

ربما تقولون إن العلة هي أن الإيراني سيء بطبعه، أو أن قَدَرَهُ ومصيرَهُ هو كذلك.

فأقول: لقد أثبتت التجربة خلاف هذا القول، والقرآن أيضاً يقول إن كل ما يصيب الإنسان هو نتيجة لما كسبته يداه. نعم، الإيراني سيء ولكن هذا السوء سببه التربية [الخاطئة] وليس سببه عِرْقُهُ وطبيعته.

أنا أعتقد أنه لو وجدت مثل هذه التربية وهذه العقائد لدى أي شعب آخر لأدركه الهلاك والفناء منذ زمن. فيكفي الإيراني أنه استطاع -رغم كل هذه العقائد الفاسدة- أن يبقى واقفاً على رجليه حتى اليوم.

يقولون: إن هذه العقائد خاصة بالمتديِّـنين، ومعظم الناس اليوم لا يؤمنون بالله ولا برسوله من الأساس، فضلاً عن أن يؤمنوا بتلك العقائد والأقوال التي تأتي في الدرجة العاشرة أو العشرين، فلماذا يتصرف هؤلاء الناس أيضاً كذلك؟

أقول: أولاً التهرُّب من القانون موافقٌ للميل الطبيعي للإنسان، وكما رأينا، مثل هذه الأمور يكفي لحصولها أقل دافع، بل يكفي انتفاء المانع.

وثانياً: ليس جديداً أن نجد بيننا من لا يؤمن بالله ولا بالنبي ولكنه يلتزم بالأشياء التي تُنْسَب إليهما! كما نرى أن الذين لا يؤمنون بالله، ينذرون لأحفاد الأئمة النذور! ونرى الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، يعقدون لأمواتهم مجالس العزاء الشهرية والسنوية. ونرى أشخاصاً يكسبون المال بالحرام ثم يذهبون إلى العراق لزيارة العتبات. يشربون الخمر، ولكن إذا وقع شيء منها على لباسهم يغسلون لباسهم من نجاسته! أجل، إن الشعب الذي لا يعرف طريقاً واضحاً أمامه يذهب يمنةً ويسرةً وليس له ثبات على مبدأ.

ثالثاً: إن اللادينيين والمتديِّنين كلاهما قليلٌ في هذا البلد، والسواد الأعظم هم المتحيِّرون التائهون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يدرون أنفسهم ماذا يريدون، فهم إمَّعَة يميلون مع كل ريح، وحيثما تكون المنفعة والمصلحة تجدهم ماديين خُلَّص، وحيثما تكون الخرافة تجدهم متديِّنين خُلَّص!

اللادينيُّون، قلوبهم نقيَّة من هذه الخرافات، والمتديِّنُون رغم أنهم وضعوا عقولهم تحت أقدامهم، إلا أنهم متمسِّكون بمبادئ صالحة أخرى، ولكن الحذار الحذار من أولئك الذين جمعوا سيئات الفريقين وتخلوا عن حسناتهما!

افرضوا أن حرباً وقعت اليوم وأردتم أن تستنهضوا الناس للبسالة والصمود، فإذا حَرَّضتم الناسَ باسم الوطن رأيتم هذا الفريق الثالث مثلهم مثل المتدينين يعتبرون البلاد والوطن أكذوبة، وإن حَرَّضتم الناسَ باسم الدين وجدتم [هذا الفريق الثالث] غير مهتمِّ بالدين، وينبغي أن يكون كذلك لأن أصحابه لا يستطيعون أن يتقبّلوا هذا الدين الحالي اليوم مئة بالمئة، ولا يستطيعون رفضه مئة بالمئة، ولا يستطيعون أن يميزوا الصدق من الكذب فبالنتيجة سيقع ما وقع.

ستقولون: كلامكَ هذا صحيح لكن ليس لدينا دليل على وجوب طاعة هذه القوانين، ولا يمكننا أن نحكم بما يخالف ما أنزل الله.

فأقول: أي دليل تريدون أفضل من العقل الذي هو رسول الله القريب إلينا ومرشدنا وهادينا إلى الدِّين ذاته. نحن نظن أننا عميان بشأن أمور الدين والحياة وننتظر أن يعطينا الآخرون الأوامر والتعليمات بشأن كل شيء في حياتنا لنعرف الصواب ونطيعهم فيه! كما جاء في الحديث أنه لما أكل آدم القمح حين أُهْبِطَ إلى الأرض شَعَرَ بحاجةٍ إلى التغوُّط وأخذه من ذلك كما يأخذ المرأة عند الولادة، فذهب شرقاً وغرباً لا يدري كيف يصنع! حتى نزل إليه جبريل فأقعى آدم فخرج ذلك منه، فاستراح(33)!!

صحيح أن الإنسان يحتاج إلى الهداية والإرشاد ولكن الله أعطانا أيضاً عينين وعقلاً. عندما تريد أن تذهب إلى مقصد معين تستفسر أموراً من المرشد ليدلك على الطريق ثم تستفيد بعد ذلك من عينك وعقلك مئة ضعف ما قاله لك لمعرفة كيفية قطع الطريق. كذلك يمكننا أن نتعرّف على طريق الله عبر ثلاث وسائل: الوسيلة الأولى: الكلام الصحيح والقطعي الصادر عن الذين اصطفاهَم الله واختارَهم، الذين تعرفونهم جيداً.

والوسيلة الثانية: العقل الذي تعتبرونه أحد الأدلة الأربعة(34)، لكن من الناحية العمليّة ليس له أي أهمية لديكم.

نعم، لا شك أن العقل تشوبه الافتراضات الشخصية، ولكن هناك حلٌّ لهذا الأمر وهو أن يحكم الأشخاص الذين ليست لديهم أية مصلحة شخصية في الأمور أو يضعوا القوانين، هذا إضافة إلى أن تلوُّث الدين ذاته أيضاً بالإغراض الشخصية ليس أقل من تلوث العقل بها.

والوسيلة الثالثة: قانون الطبيعة الذي لا تعرفون عنه شيئاً مع أنه يُبيِّن لنا الإرادة الإلهية بصورة أفضل وأوضح من أي شيء آخر.

إذا دخلتم إلى منزلٍ فرأيتم في قسم منه حديقةً للأزهار، وفي قسمٍ ممراً من أحجار الآجر، ورأيتم غرفةً مفتوحةَ الباب وغرفةً مقفولةً، ورأيتم طعاماً مُعَدَّاً وموضوعاً فوق المنضدة وطعاماً آخر مغلقاً عليه في زاوية من زوايا المنزل، فهمتم بالطبع الطريق الذي يجب أن تسيروا عليه والمكان الذي ينبغي أن تجلسوا فيه والطعام الذي يجب أن تأكلوه. كذلك عندما ننظر إلى نظام الطبيعة وقوانينها التي خلقها الله، ندرك جيداً ما الذي يريده الله منا.

إذا نظرنا إلى جسمنا وجدنا أن لكل عضو من أعضائه المختلفة مدير باسم «الدماغ» أو «المخ» الذي يستخدم كل تلك الأعضاء لتحقيق هدف واحد هو المحافظة على الجسم، ونرى أن هذه الأعضاء تُغَيِّر من طراز عملها عندما تتغير البيئة التي تحيط بها. ونلاحظ أن كل عضو يعمل أولاً لتحقيق مصلحة المجموع، ثم يعمل بعد ذلك لأجل ذاته. ونرى أن كلَّ عضو لا يقوم بوظيفته يمرض، وأحياناً يؤدي مرضه لإصابة جميع البدن بالمرض، فندرك من ذلك أن الشعب حكمه حكم الجسد، يحتاج إلى حاكم وجنود تحميه وإلى ضرائب وقوانين، وهذه القوانين يجب أن تتأقلم مع الظروف المحيطة وتتغيَّر بتغيُّرها.

ولما رأينا أن حركة هذا العالم وسيره يتمان طبق قانون الطبيعة، ورأينا أن كل من يدّعي عملاً خارج هذا القانون الطبيعيّ لا يكون ادعاؤه سوى كلام محض، أدركنا أن الإمام لا يعطينا حوائجنا، والإمام زاده [ابن الإمام أو حفيده] لا يمنح الأعمى البصر، وأن النذر [للأئمة] وإقامة المآتم ومراسم العزاء لا توصل أحداً إلى حاجته، ولا يمكن لأي شخص أن يخبر عن المستقبل بواسطة الاستخارة أو الرمل، ولا يمكن للتراب [تراب قبر النبي أو الأئمة] والماء الذي قرئ عليه الدعاء أن يشفي مريضاً، وإن لم تصدِّقوا ذلك، فاطلبوا من كل من يدَّعي مثل هذه الأمور أن يأتي ويجرَّبها عمليّاً أمام عدد من الناس الأذكياء المدققين والفطنين المتفحِّصين كي تروا أن الله الذي وضع بيده قوانين الطبيعة لن يبدلها بسبب هؤلاء الأشخاص المشعوذين المحتالين.

هل يمكن تغيير سنن الله في الكون بمجرّد الكلام؟

كم قالوا إن الضرائب حرام وعمل الدولة ظلم، ولكنهم ما استطاعوا أن يوقفوا ذلك (إلا أنهم استطاعوا أن يفسدوه).

أجل، لا تستطيعُ كومةٌ من التراب، أن توقف نهراً كبيراً منحدراً بقوة نحو الأسفل. وإذا حاول أحدهم أن يقف أمام النهر بهذه الطريقة فقد أتعب نفسه وكان عمله بلا جدوى، ولكنه يكون في عمله هذا قد لَوَّث ماء النهر بالطين.

وأما قولهم إن جميع القوانين موجودة في الكتاب والسنّة وسعيهم بمثل هذه الحجّة التي لا أساس لها إلى الوقوف في وجه ناموس المطابقة (الذي يُشكِّل أحد قوانين الطبيعة الهامة)، فإنه لن يجديهم نفعاً، ولن يستطيعوا الوقوف أمام قانون الطبيعة، نعم يمكنهم إضعاف قوته وتأثيره.

إن الذي يقول: (لو سقط حجر الرحا من الجبل، لم يكن عارفاً [بالله] من ينهض من مكانه)، إنما يقول ذلك ذريعةً يتذرع بها لتبرير كسله وطُفَيْلِيَّتِهِ، وإلا لو رَمَيْتَ نحوه صخرةً صغيرةً لوجدته يلوذ بالفرار بشكل لا إرادي! والذي يدعي أن ماء الدعاء والتربة لديه شفاء من كل داء، إما كاذبٌ أو جاهل، لأننا نرى أنه هو نفسه إذا مرض (رغم امتلاكه لمثل ذلك المشفى والأدوية الناجعة!) يذهب إلى الطبيب ويبحث عن الدواء والعلاج! وذلك الحاج الذي ينشد مئات القصائد الشعرية ويكتب الجمل الفارسية والعربية في ذم الدنيا، تراه هو نفسه يأكل الربا، ويقوم بالاحتكار، ويبيع بضاعته بعشرة أضعاف ثمنها، وإذا قلت له إن هذه الأعمال والطقوس التي تؤديها باسم الدين لا تفيد حياة الناس في شيء، قال لكَ: نحن لا نرى الدنيا بالعين المادية التي تنظرون بها إليها، إن الدنيا دار مَمَرٍّ وليست دار مقرّ، ولابد من عمارة الآخرة. وبهذا يصبح هو من أهل الآخرة ويصبح روحانياً [رجل دين]!! في حين أصير أنا من أهل الدنيا ورجلاً مادياً!! هذه هي نتيجة الخرافات ونتيجة الوقوف في مواجهة سنن الله وقوانين الطبيعة، أن نبقى في طريقنا المنحرف، ونبتعد عن طريق الله.

وخلاصة كل ما سبق، إن الدين والعقل والطبيعة ثلاثة رسل صدقٍ وحقيقة، وكلها جاءت من عند الله الصادق، وإذا لم تكن هذه الثلاثة مع بعضها دائماً فإنها لن تتعارض مع بعضها أبداً. إن القرآن كتاب الله، ولكن الكون كتابٌ أكبر منه، فأنتم تسمعون كلام العقل والطبيعة منهما مباشرةً، أما كلام الدين فقد يصلكم عبر مئة واسطة في كل واحدة منها يوجد الغَرَض أو الخطأ أو التغيير على نحو من الأنحاء.

لقد أرسل اللهُ الدينَ لأجل الإنسان، لكي يحل لهذا الإنسان العُقَد والمشكلات التي أوجدها في حياته بسبب جهله، ولم يأتِ الدين ليضيف عقدةً ومشكلةً جديدةً للإنسان ويزيد طين مشكلاته بِلَّة، أو يفرض عليه أهواء ومآرب ألف وثلاثمئة عام من الحكام والزعماء والرؤساء الذين حكموه باسم الدين.

إذا رأيتم تعليمات باسم الدين لا تنسجم مع العقل والحياة، فما من سبيل أمامكم إلا أن تقولوا: ليست هذه بتعاليم الدين الحقيقية، أو تقولوا إن هذا الدين الذي يأمرنا بمثل هذه التعاليم ليس ديناً إلهياً. كما لو جاءك أحدهم بلباسٍ لا ينطبق على مقاسك وجسمك فإنك إما أن تقول له هذا اللباس ليس لي أو تقول إن الذي خيّطه عديم المعرفة، ولا ثالث لهذين الأمرين. وبعبارة أخرى يجب على الإنسان أن يأخذ قبعةً بحجم رأسه، ولكنكم تريدون أن نجعل رأسنا مطابقاً للقبعة، فلا جَرَم أن أصبح ديننا ودنيانا على هذا الوضع المُكَرْكَب وَالُمشَوَّش!

 

+            +             +

 

 

المبحث السادس: الحديث

يقول ديننا اليوم إن الواجبات والشريعة التي قرَّرها الله على الإنسان مُتَضَمَّنَةٌ في هذه الأحاديث التي بين أيدينا اليوم، وقد أتوا بأدلَّة على هذا القول من الكتاب والسنَّة والعقل والإجماع، لكنهم هم أنفسهم ردُّوا هذه الأدلَّة التي ذكروها باستثناء دليلين منها سنجيب عنهما قريباً، ثم نذكر الأدلة على عدم صحَّة هذه الأخبار.

الدليل الأول الذي يذكروه لإثبات صحَّة الأخبار: هو أنهم يقولون إننا نعلم أننا مُكَلَّفُون مِنْ قِبَل الله ونعلم أن هذا التكليف مُتَضَمَّنٌ في هذه الأخبار، وبما أننا لا نستطيع الوصول إلى العلم القطعيّ فلا مندوحة لنا عن العمل بهذه الأخبار [الظنيّة](35).

في الواقع إذا تأمَّلنا بدقة هذا الكلام وتعمّـقنا فيه لوجدنا أنه كفرٌ صُراحٌ، لأن الله خلق كل ما في هذه الأرض لأجل الإنسان وخلق الإنسان ليعبده ويسلك طريق الحق. فإذا قال شخصٌ بأن الله سدَّ باب العلم بالطريق إليه، فبماذا نسمِّي مثل هذا الإلـه عندئذٍ؟!

هل يمكن لأي ظالم بل لأي مجنون في الدنيا أن يقوم بمثل هذا العمل بأن يطلب من شخص القيام بعمل ما ويحثه عليه وفي الوقت ذاته يسلب منه أسباب العمل به!! هذه الدولة ذاتها التي نعتبرها (دولة ظلم)، لا تطلب من أي فرد العمل بحكمٍ ما إلا بعد أن تبلّغه إياه أو تضع في متناول يده وسيلة الوصول إلى معرفته، فكيف تجيزون على الله القادر الرحيم أن يدع هذا الإنسان - الذي هو أشرف مخلوقاته - آلاف السنين حائراً تائهاً لا يهتدي إلى علم، وتحيلوه إلى أحاديث لعبت مئات وربما آلاف السنين المظلمة في صياغتها. إننا نترك جانباً قوانين الطبيعة وحكم العقل اللذَيْن يُبَيِّـنان لنا، دون أية واسطة، الإرادةَ الإلهيةَ، ونجلس - مثل الشحاذ الذي يترك لباسه الجيِّد في المنزل ويخرج عرياناً ليجلس في قارعة الطريق وهو يرتجف - ونقول: إن الله قد سدّ علينا باب العلم، والحال أنه لو كان الإنسان باقياً على فطرته الأصليّة النقيّة لأدرك بنظرة واحدة أنه لو سُدَّ أمامنا بابٌ ما لكان معنى ذلك أنه ما كان ينبغي علينا الذهاب من هذا الباب أساساً.

الدليل الثاني الذي أتوا به لتوجيه صحّة الأخبار هو سيرة العقلاء. يقولون: لو سمع رجل خبراً من مكان لَـقَبِلَهُ (مثل التاريخ)، فنحن أيضاً علينا أن نقبل هذه الأخبار. أجل هذا الكلام صحيح ولكن طالما لم يوجد لدينا دليل يبيِّن غلط ما ما رُوِيَ لنا، كما نجد أننا اليوم لا نقبل تاريخ بعض الأقوام الماضية، [لتبيُّن خطأ ما نقل في هذا الصدد].

إضافة إلى ذلك لدينا ستة أدلة أخرى تثبت عدم صحة هذه الأحاديث، وقد ذكرناها في البداية بالتفصيل ولكننا سنذكرها هنا بشكل فهرس لأجل الاختصار:

1- كثيرٌ من الأحاديث لا يتَّفق مع العقل (مر معنا عدة نماذج لذلك فيما أوردناه من كلام خلال هذه الرسالة).

2- كثيرٌ من الأحاديث لا يتَّفق مع العلم وأحياناً لا يتَّفق مع الحسّ. (راجع نماذج الأحاديث التي ستتلو قريباً).

3- كثيرٌ من الأحاديث لا يتَّفق مع أمور المعيشة والحياة (راجع مبحث الحكومة ومبحث القانون).

4- معظم الأحاديث يناقض بعضه بعضاً (كتب الحديث مليئة بنماذج لذلك).

5- نعلم أن كثيراً من هذه الأحاديث موضوعة ومكذوبة (تُراجع في ذلك الكتبُ الخاصَّةُ بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة).

6- هذه الأحاديث ظنّيّة [الصدور] واتّباع الظنّ حرام بحكم العقل والقرآن: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا..﴾ [يونس: 36].

قَصْف الخَنَادق الأساسية الثلاثة!

سمعتُ كما سمعتُمْ كثيراً أن أحاديثنا هذه تتضمن أفضل التعاليم العِلْمِيَّة والعَمَليَّة، وأن التقدُّم والتطوُّر الذي ناله الأوربيُّون في العلم والمعيشة إنما استفادوه من أحاديثنا، لذا اندفعتُ نحو قراءة كتب الحديث بكل حمّاس. (وقد اتَّفق أن مكتبتنا لم تكن تشكو من نقصاً من هذه الناحية!).

في السنوات الأولى كنتُ كلَّما صادفتُ حديثاً من الصعب عليَّ قبوله عقلاً أقول بحكم العادة والتقليد: إن العيب مني ومن ناحية عقلي [الذي لا يستوعب هذه المعاني الصعبة]، وكان لسان حالي يقول كما يقول الآخرون: «كل العيب في بصرنا الأعمش أما أنتم فَحُسْنُكُم لا يُنْكَر!»، وفي الوقت ذاته كنت إذا وجدت حديثاً يتطابق في جزء منه مع معطيات العلم الحديث، أسجِّلُهُ فوراً لديّ بكل نشاط (ثم كتبتُ بعد ذلك كتاباً من هذه الأحاديث باسم «الدين والدنيا»).

لكن هذا الصراع بين العقل والتقليد بقي قائماً، ولما رأيتُ أنني لم أعد أستطع خنق وجداني أكثر من ذلك، قلتُ في نفسي لعلَّ أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، فخضت هذا الميدان أيضاً، لاكتشفَ أنه على الرغم من أن عدد الأحاديث الصحيحة قليلٌ أساساً (12 بالمئة فقط من أحاديث كتاب «الكافي» صحيح السند)، إلا أن كثيراً من تلك الأحاديث [التي لم تكن متَّفقة لا مع العقل ولا مع العلم] كان صحيح السند!

فلما يئست من أن أجد الحل في هذا الباب قلت في نفسي: لعلَّ لهذه الأحاديث تأويلاً لا أعلمه! لكنني رأيت أن التأويل بذاته عملٌ في غير محله أصلاً، لأنه من المُحَقَّق أنه عندما يقول العاقل كلاماً فإنه يقصد من كلامه عين ما يفهمه الناس عُرْفاً من جُمَلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ..﴾ [إبراهيم: 4]، وإلا لو كان الأمر غير ذلك لاختّل نظام الدنيا، لأنه عندئذٍ يمكنني أن أبيعك منزلي بوثيقةٍ رسمية فإذا ندمتُ على بيعي وأردتُ التراجع عنه قلتُ: إن مقصودي من المنزل في عقد البيع هو (أشجار المنزل)! وهذا هو ما فعلوه بالقرآن ونتج عنه اثنان وسبعون فرقه كلٌّ منها يدعي التمسُّك بالقرآن رغم بُعْد كلٍّ منها عن الآخر.

والأمر ذاته أيضاً فعلوه في الحديث، وكانوا في الماضي يُؤَوِّلون بعض الأحاديث تأويلات باردة ليجعلوها متطابقة مع العلوم القديمة، فلما تبدَّلت العلوم بدّلوا هم أيضاً طريقة التأويل كما نجد ذلك في كتاب «الهيئة والإسلام»(36)، في حين أنه لا ذلك التأويل ولا هذا التأويل كان صحيحاً.

وفي هذا السياق صادفتُ مرَّةً صديقاً أخبرني أنه التقى السيد «كَسْرَوي»(37) ورآه يتكلَّم عنِّي بالسوء بسبب ما كتبته في كتابي «الدين والدنيا». رغم أن هذا الخبر ساءَني لكنني عندما فكرت في نفسي، واستحضرتُ كيف أنني في الواقع وصلت إلى طريق مسدود في كل ناحية ذهبت إليها في هذا المجال، تساءَلتُ في نفسي: لماذا لا أقوم بصرف النظر عن كل هذه الأحاديث جملةً وأتركها جانباً من الأساس؟ فرأيت أن الأمر لا يقتصر على عدم المانع من ذلك فحسب، بل إنه لا يوجد حلٌّ سوى فعل ذلك(38)!

وإذا كان الأمر كذلك، فلكي لا يقع طلاب الحقيقة منذ البداية فريسة هذا الصراع والنزاع سأقوم بقَصْف الخنادق الثلاثة هذه التي تشكل الملجأ الأساسي للعادة والتقليد(39)، أي أولاً: سأذكر كنموذج عدداً من الأحاديث التي تخالف العلم وليس هذا فحسب بل تخالف الحِسّ أيضاً، كي يستطيع القُرّاء أن يستنتجوا من هذه الأحاديث التي أمكن مشاهدة كذبها، وضع الأحاديث الأخرى (اللهم إلا أن يدعي أحد هنا أيضاً أن الخطأ هو في حواسنا!).

وثانياً: رغم أنني انتقيتُ هذه الأحاديث من المجلد 14 من «بحار الأنوار» ولكنني لم أذكر منها الأحاديث التي نصَّ صاحب كتاب «البحار» نفسه على ضعفها أو على أنه نقلها عن كتابٍ غير معروف أو غير موثوق، وبشكل عام إن لم تكن هذه الأحاديث التي نقلتُها أقوى من سواها سنداً فهي على أي حال ليست بأضعف منها.

وثالثاً: رغم أن السيد الشهرستاني كتب كتابه، «الهيئة والإسلام» لإصلاح هذه الأحاديث وحلّ معضلاتها إلا أنه لم يستطع أن يُؤَوِّلها، والبعض الآخر منها الذي أوَّله، ذكر نصف الحديث فقط، الذي أمكنه تأويله، ولم يشر أي إشارة إلى تتمّة الحديث التي تتعارض مع تأويله ومقصده تماماً.

ورغم كل ذلك لا ينبغي أن نتوقَّع أن يتمكَّن أسرى العادة والتقليد من قطع طريق الألف ميل في ليلة واحدة بقراءتهم لكتاب واحد [ككتابي هذا]، لكن مثل هذا الكتاب سيكون له تأثير مهم في تقدمهم نحو الاتجاه الصحيح، وأشير قبل ذكر الأحاديث أنني ـ طلباً للاختصار ـ نقلت بعض الأحاديث بالمعنى أو بعبارة مُلَخَّصة، ومن أراد البحث بشكل أدق والوقوف على ألفاظها فعليه الرجوع إلى مصدرها (أي المجلد 14 من كتاب بحار الأنوار، الأبواب: من 1 حتى 32)(40).

نماذج من الأحاديث:

- «إِنَّ لِـلَّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ (جَابَلْقَا) وَالأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ (جَابَلْسَا)، عَلَى كُلِّ مَدِينَةٍ سُورٌ مِنْ حَدِيدٍ فِيهَا أَلْفُ أَلْفِ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ كُلُّ بَابٍ بِمِصْرَاعَيْنِ وَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ إِنْسَانٍ مُخْتَلِفَاتِ اللُّغَاتِ وَأَنَا أَعْرِفُ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغَاتِ وَمَا فِيهَا وَمَا عَلَيْهِمَا حُجَّةٌ غَيْرِي»(41). وفي موضع آخر يقول: «فَمَا يَعْمَلُونَ عَمَلاً وَلا يَقُولُونَ قَوْلاً إِلا الدُّعَاءَ عَلَى الأَوَّلَيْنِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا!! وَالْوَلايَةَ لأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ»(42). وَقد أورد السيد الشهرستاني هذا الحديث وطبَّق الفقرة الأولى منه على أمريكا وأستراليا، ولكنه لم يُشِرْ بشيء إلى ما جاء في تتمَّة الحديث!

- «وَسَأَلَهُ عَنْ أَلْوَانِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَأَسْمَائِهَا فَقَالَ لَهُ: اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا رَفِيعٌ وَهِيَ مِنْ مَاءٍ وَدُخَانٍ وَاسْمُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ قَيْدُومٌ وَهِيَ عَلَى لَوْنِ النُّحَاس‏... (وهكذا أخذ يعدد أسماء السموات وألوانها حتى وصل إلى قوله): وَالسَّمَاءُ السَّابِعَةُ اسْمُهَا عَجْمَاءُ وَهِيَ دُرَّةٌ بَيْضَاء..الخبر»(43).

- «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ مَوْجاً مَكْفُوفاً وَسَقْفاً مَحْفُوظاً. هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءً أُخْرَى. هَلْ تَدْرُونَ كَمْ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنَّ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ. فَهَلْ تَدْرُونَ كَمْ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ هَذِهِ أَرْضٌ، هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: أَرْضٌ أُخْرَى وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرَضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ»(44).

- «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْنَ تَغِيبُ الشمس قَالَ: فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَرْفَعُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ العُلْيَا حَتَّى تَكُونَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرَّ سَاجِدَةً فَتَسْجُدُ مَعَهَا المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِهَا ثُمَّ تَقُولُ: يَا رَبِّ! مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَطْلُعَ أَمِنْ مَغْرِبِي أَمْ مِنْ مَطْلَعِي؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ.... قَالَ فَيَأْتِيهَا جَبْرَئِيلُ بِحُلَّةِ ضَوْءٍ مِنْ نُورِ العَرْشِ عَلَى مَقَادِيرِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فِي طُولِهِ فِي الصَّيْفِ أَوْ قِصَرِهِ فِي الشِّتَاءِ أَوْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي الخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ قَالَ فَتَلْبَسُ تِلْكَ الحُلَّةَ كَمَا يَلْبَسُ أَحَدُكُمْ ثِيَابَهُ ثُمَّ تَنْطَلِقُ بِهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَطْلَعِهَا... الخبر»(45).

- «وَإِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ العِبَادِ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَهُمْ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ أَمَرَ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يُزِيلَ الفَلَكَ الذِي عَلَيْهِ مَجَارِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ فَيَأْمُرُ المَلَكُ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ المَلَكِ أَنْ يُزِيلُوا الفَلَكَ عَنْ مَجَارِيهِ قَالَ فَيُزِيلُونَهُ فَتَصِيرُ الشَّمْسُ فِي ذَلِكَ البَحْرِ الذِي يَجْرِي الفَلَكُ فِيهِ فَيَطْمِسُ ضَوْؤُهَا وَيُغَيَّرُ لَوْنُهَا. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَظِّمَ الآيَةَ طَمَسَتِ الشَّمْسُ فِي البَحْرِ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُخَوِّفَ خَلْقَهُ بِالآيَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ شِدَّةِ انْكِسَافِ الشَّمْسِ وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْقَمَرِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَهُمَا وَيَرُدَّهُمَا إِلَى مَجْرَاهُمَا أَمَرَ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ إِلَى مَجْرَاهَا فَيَرُدُّ المَلَكُ الفَلَكَ إِلَى مَجْرَاهُ فَتَخْرُجُ مِنَ المَاءِ وَهِيَ كَدِرَةٌ وَالْقَمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: أَمَا إِنَّهُ لا يَفْزَعُ لَهُمَا وَلا يَرْهَبُ إِلا مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا... الخبر»(46).

- «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ القَمَرَ كَتَبَ عَلَيْهِ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَهُوَ السَّوَادُ الذِي تَرَوْنَه.‏»(47).

- «قُلْتُ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَقْصَرُ الأَيَّامِ؟ قَالَ: كَذَلِكَ هُوَ. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ ذَاكَ‏؟ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ أَرْوَاحَ المُشْرِكِينَ تَحْتَ عَيْنِ الشَّمْسِ فَإِذَا رَكَدَتِ الشَّمْسُ عُذِّبَتْ أَرْوَاحُ المُشْرِكِينَ بِرُكُودِ الشَّمْسِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ رَفَعَ عَنْهُمُ العَذَابَ لِفَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَلا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ»(48) (أي فلهذا السبب صار يوم الجمعة أقصر!).

- «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الحَرِّ وَالْبَرْدِ مِمَّنْ يَكُونَانِ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا أَيُّوبَ! إِنَّ المِرِّيخَ كَوْكَبٌ حَارٌّ وَزُحَلَ كَوْكَبٌ بَارِدٌ فَإِذَا بَدَأَ المِرِّيخُ فِي الارْتِفَاعِ انْحَطَّ زُحَلُ وَذَلِكَ فِي الرَّبِيعِ فَلا يَزَالانِ كَذَلِكَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ المِرِّيخُ دَرَجَةً انْحَطَّ زُحَلُ دَرَجَةً ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ المِرِّيخُ فِي الارْتِفَاعِ وَيَنْتَهِيَ زُحَلُ فِي الهُبُوطِ فَيَجْلُوَ المِرِّيخُ فَلِذَلِكَ يَشْتَدُّ الحَرُّ. فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الصَّيْفِ وَأَوَانِ الخَرِيفِ بَدَأَ زُحَلُ فِي الارْتِفَاعِ وَبَدَأَ المِرِّيخُ فِي الهُبُوطِ فَلا يَزَالانِ كَذَلِكَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ زُحَلُ دَرَجَةً انْحَطَّ المِرِّيخُ دَرَجَةً حَتَّى يَنْتَهِيَ المِرِّيخُ فِي الهُبُوطِ وَيَنْتَهِيَ زُحَلُ فِي الارْتِفَاعِ، فَيَجْلُوَ زُحَلُ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ وَآخِرِ الصَّيْفِ فَلِذَلِكَ يَشْتَدُّ البَرْدُ...»(49).‏

- «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّجْمَ الذِي يُقَالُ لَهُ المُشْتَرِي إِلَى الأَرْضِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَأَتَى بَلَدَ العَجَمِ فَعَلَّمَهُمْ... (فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ)... فَلَمْ يَسْتَكْمِلُوا ذَلِكَ فَأَتَى بَلَدَ الهِنْدِ فَعَلَّمَ رَجُلاً مِنْهُمْ فَمِنْ هُنَاكَ صَارَ عِلْمُ النُّجُومِ بِهَا(50). وفي موضع آخر «أن كوكب الزهرة كانت امرأةً بغيَّاً فتنت الملكين هاروت وماروت ثم تعلَّمت منهما دعاءً فقرأته فصعدت إلى السماء»(51). وفي موضع آخر أيضاً أن «كوكب السُّهَيْلُ مُسِخَ لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً عَشَّاراً(52) فَمَرَّ بِهِ عَابِدٌ مِنْ عُبَّادِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَالَ العَشَّارُ: دُلَّنِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ الذِي يُمْشَى بِهِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ وَيُصْعَدُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَدَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ العَشَّارُ قَدْ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ هَذَا الاسْمَ أَنْ لا يَكُونَ فِي الأَرْضِ بَلْ يُصْعَدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ..»(53).‏

- «الرَّعْدَ صَوْتُ مَلَكٍ أَكْبَرَ مِنَ الذُّبَابِ وَأَصْغَرَ مِنَ الزُّنْبُور»(54).

- «المطر ينزل من بحر فيه ماء تَحْتَ العرش فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُنْبِتَ بِهِ مَا يَشَاءُ لَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَطَرَ مَا شَاءَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُلْقِيَهُ إِلَى السَّحَابِ وَالسَّحَابُ بِمَنْزِلَةِ الغِرْبَالِ ثُمَّ يُوحِي إِلَى الرِّيحِ أَنِ اطْحَنِيهِ وَأَذِيبِيهِ ذَوَبَانَ المَاءِ ثُمَّ انْطَلِقِي بِهِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَامْطُرِي عَلَيْهِمْ.. فَتَقْطُرُ عَلَيْهِمْ عَلَى النَّحْوِ الذِي يَأْمُرُهَا بِه‏»(55).

- «سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَدِّ وَالْجَزْرِ مَا هُمَا؟ فَقَالَ: مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْبِحَارِ يُقَالُ لَهُ «رُومَانُ» فَإِذَا وَضَعَ قَدَمَيْهِ فِي البَحْرِ فَاضَ وَإِذَا أَخْرَجَهُمَا غَاض!‏»(56).

- «إِنَّ الرِّيحَ مَسْجُونَةٌ تَحْتَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ [ للكعبة] فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرْسِلَ مِنْهَا شَيْئاً أَخْرَجَهُ إِمَّا جُنُوباً فَجَنُوبٌ وَإِمَّا شِمَالاً فَشَمَالٌ وَإِمَّا صَبَاءً فَصَبَاءٌ وَإِمَّا دَبُوراً فَدَبُورٌ. ثُمَّ قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ إِنَّكَ تَرَى هَذَا الرُّكْنَ مُتَحَرِّكاً أَبَداً فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»(57). (هذا في حين أننا لا نشاهد أيَّ حركةٍ لهذا الركن أبداً!).

- «أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَالنِّيلَ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جَبْرَائِيلَ»(58). وفي رواية أخرى أن جبريل حفر تلك الأنهار بأصبعه!.

- «سَأَلْتُهُ عَنِ الأَرْضِ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ عَلَى حُوتٍ. قُلْتُ: فَالْحُوتُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ؟ قَالَ: عَلَى المَاءِ. قُلْتُ: فَالْمَاءُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ؟ قَالَ: عَلَى صَخْرَةٍ. قُلْتُ: فَعَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ الصَّخْرَةُ؟ قَالَ: عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ أَمْلَسَ. قُلْتُ: فَعَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ الثَّوْرُ؟ قَالَ: عَلَى الثَّرَى. قُلْتُ: فَعَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ الثَّرَى؟ فَقَالَ: هَيْهَاتَ عِنْدَ ذَلِكَ ضَلَّ عِلْمُ العُلَمَاءِ!»(59). قال الشهرستاني: معنى قوله إن الأرض على حوت أو على ثور هو أن الأرض على شكل حوت أو على شكل قرن الثور!! وأقول: لنفرض أن هذا هو المراد وأن الأرض على شكل سمكة أو شكل قرن، فماذا يفعل الشهرستاني في تتمة الحديث؟ (بالمناسبة من الجدير بالذكر أن هذا الحديث حديث صحيح).

- «إِنَّ الحُوتَ الذِي يَحْمِلُ الأَرْضَ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْمِلُ الأَرْضَ بِقُوَّتِهِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ حُوتاً أَصْغَرَ مِنْ شِبْرٍ وَأَكْبَرَ مِنْ فِتْرٍ فَدَخَلَتْ فِي خَيَاشِيمِهِ فَصَعِقَ فَمَكَثَ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَءُوفَ بِهِ وَرَحِمَهُ وَخَرَجَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِأَرْضٍ زَلْزَلَةً بَعَثَ ذَلِكَ الحُوتَ إِلَى ذَلِكَ الحُوتِ فَإِذَا رَآهُ اضْطَرَبَ فَتَزَلْزَلَتِ الأَرْضُ»(60). (هذا الحديث يقول بصريح العبارة أن الأرض مستقرَّة على حوت، فيا ليت السيد الشهرستاني يتفضَّل ويبيِّن لنا كيف يفسِّر هذا الحديث أو يفسِّر تتمَّة الحديث السابق).

- «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَبَلاً مُحِيطاً بِالدُّنْيَا (جبل قاف) مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ وَإِنَّمَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ خُضْرَةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَخَلَقَ خَلْقاً لَمْ يَفْتَرِضْ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِمَّا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ صَلاةٍ وَزَكَاةٍ، وَكُلُّهُمْ يَلْعَنُ رَجُلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَسَمَّاهُمَا!!»(61).

لعلَّكم تقولون: ولكن لدينا في المقابل أحاديث جيدة أيضاً، فأقول إن هذا الكلام على فرض صحته يماثل من يريد أن يشرب من كأس نصفها مكسور بحجة أن النصف الآخر لا يزال سالماً، وأنتم أنفسكم إذا سمعتم كلاماً باطلاً وغير صحيح من شخص، لم تلتفتوا بعد ذلك إلى أقواله.

يقول البعض إن الدليل على صحة هذه الأحاديث: تحقُّق النُّبُوءات التي وردت فيها. وأكثر ما يشيرون إليه في هذا المجال حديث أصبح معروفاً جداً جاء فيه: «... أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُمِ الزِّنْدِيقُ مِنْ «قَزْوِينَ» فَيَهْتِكَ سُتُورَهَا وَيُكَفِّرَ صُدُورَهَا وَيُغَيِّرَ سُورَهَا وَيَذْهَبَ بِبَهْجَتِهَا، مَنْ فَرَّ مِنْهُ أَدْرَكَهُ وَمَنْ حَارَبَهُ قَتَلَهُ وَمَنِ اعْتَزَلَهُ افْتَقَرَ وَمَنْ تَابَعَهُ كَفَرَ... الخبر»(62). ولقد طبقوا «زنديق قزوين» في هذا الحديث على [المَلِك] «رضا شاه» مع كثير من التفصيلات والتوابل، مع أن عبارة الحديث مطّاطة يمكن تطبيقها على كثير من الأمور، وإلى الحد الذي أعلمه أنا نفسي، سمعت تطبيقه مرَّةً على قائد الجيش ومرَّةً طبَّقوه على رئيس الحرس لأنه كان قزوينياً، ومرَّةً طبقوه على آخر لأنه نهض من قزوين، وعلى كل حال فهذا الحديث واضح جداً بالنسبة إلى الأحاديث الأخرى، لذلك نجد أنه اشتُهر وتناقلته الأفواه وأصبح يدور على الألسن كثيراً، أما النبوءات الأخرى فإما هي أمور يحصل مثلها عادةً في كل زمن وعصر، كقول بعض الأحاديث أنه سيأتي يوم سيستحلُّ الناس فيه الربا ويأخذون الرشوة ويشهدون الكذب وينتشر بينهم الزنا واللواط، وتجلس فيه النساء على السروج وأمثال ذلك، أو هي أمور تحقق خلافها قطعاً كأحاديث السفياني والخراساني واليماني التي تقول الأخبار أن حوادثهم ستقع كلها في يوم واحد وهو يوم متصل بالدولة العباسية! أو هي [أي النبوءات الأخرى في الأحاديث] أمورٌ يستحيل وقوعها مثل طلوع الشمس من المغرب واحمرار السماء من دموع حملة العرش وظهور رأس وصدر على قرص الشمس وصيحة جبريل بأن الحق مع علي وصيحة إبليس بأن الحق مع عثمان، أو غير ذلك من الأمور التي لم تقع حتى هذا اليوم!.

وإذا أردتم التعرُّف أكثر على حال أمثال هذه الأحاديث فاقرؤوا بعين طالب الحقيقة المجلد 13 من «بحار الأنوار»، باب علامات الظهور(63)، والذي تُرْجم إلى الفارسية وطُبع، لتطَّلِعوا على حقيقة الأسس التي قامت عليها عقيدتكم وحياتكم!

ثلاثة عشر سُؤَالاً:

كي لا نكون وحدنا أمام القاضي، لخصنا في بداية الأمر كتاب «اسرار هزار ساله» (أسرار ألف عام) بِخمسة عشر سؤالاً أرسلناها إلى كثيرٍ من الأشخاص، لكنَّ كثيراً منهم لم يعطنا أيّة إجابة، وبعضهم كتب أنه سيجيبنا لكنه تراجع فيما بعد عن وعده، وقال بعضهم: إنهم سيردُّون على ما ذكرتُهُ شفهياً لكن تبيَّن فيما بعد أن إجابتهم الشفهية هذه لم تكن سوى طرح أمور خارجة عن الموضوع أو كَيْل التهم والشتائم لي. من بين جميع تلك الجهات، كانت الجهة الوحيدة التي كتبت لنا رسالة خطيَّة: «جمعية الدعوة الإسلامية» التي كتبت رسالةً برقم 6947/4 بتاريخ 31/2/1322هـ. ش، قالت فيها إنها سوف ترد على كتابنا وتجيب عن الأسئلة التي طرحناها فيه وتطبع إجابتها هذه وتنشرها. لذا أخَّرتُ طباعة كتابي هذا انتظاراً مني لصدور إجابتهم تلك، لأتعرَّف على مضامينها [قبل نشر كتابي]، لكن شيئاً من وعدهم لم يحصل حتى الآن!

فإذا وفوا بوعدهم في المستقبل ونشروا ردَّهم على كتابي هذا فسوف ترون حقيقة الموضوع، وإلا فلكم الحكم بشأن هذا الموضوع وإدراك الحقيقة كاملة.

عموماً، سنذكر هنا أسئلتنا تلك مرَّةً ثانيةً ونرجو من أهل الاطلاع (لا الآخرين) أن يكتبوا لنا إجابتهم عنها ويرسلوها إلى عنوان (عشرت آباد ـ أمام دائرة لوازم الفيلق 2، بقّالية رضوي) وليكونوا على يقين أنني لو وجدت كلامهم عادلاً منصفاً ومتيناً فسأقبله برحابة صدر وسأقوم بإصلاح ما يقتضي من كلامي، أما إذا كان الكلام، طبقاً للعادة الدائمة، عبارة عن تُهَمْ وشتائم وتكفير، فستتم مجازاة ذلك.

س1: هل طلب الحوائج من النبيّ أو الإمام وطلب الشفاء من التربة والسجود عليها وبناء هذه القباب والأضرحة [على القبور] شركٌ أم لا؟ إن كانت هذه الأعمال شركاً فقولوا ذلك، وإن لم تكن شركاً فبيِّنوا لنا في البداية معنى الشرك كي نرى الفرق بين الشرك الذي شنَّ الإسلام والقرآن عليه كل تلك الحرب التي لا هوادة فيها، وبين هذه الأعمال.

س2: هل يمكننا أن نصل إلى [علم] الله عن طريق الاستخارة أو غيرها، ونطلع على خير المستقبل وشرِّه أم لا يمكننا؟ إذا كنا نستطيع ذلك فعلينا أن نحصل على فوائد قيّمة وكبيرة مالية وسياسية وعسكرية بهذه الطريقة، وأن نتقدم على جميع بلدان العالم، فلماذا كان واقعنا عكس ذلك؟ ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ....﴾ [الأعراف:188]، وإن كنا لا نستطيع فلماذا نتلاعب بإسم الله، وبأرواح الناس وأموالهم؟!

س3: إذا كانت الإمامة هي الأصل الرابع من أصول الدين(64)، وكانت معظم آيات القرآن - كما يقول المفسرون - تشير إلى موضوع الإمامة، فلماذا لم يبيِّن القرآن حتى مرَّةً واحدةً هذا الأصل بعبارة صريحة كي لا يقع كل ذلك النزاع وسفك الدماء حول هذا الأمر؟!

س4: يتناسب أجر كل عمل مع الجهد المبذول فيه، ومع الفائدة التي يعطيها، فهل الأحاديث التي تقول إن ثواب زيارة [قبر الحسين] أو إقامة مأتم ومجلس عزاء يعادل أجر ألف نبي أو شهيد (من شهداء بدر) أحاديث صحيحة أم لا؟

س5: هل القول بأن المجتهد في عصر الغيبة نائبٌ لإمام الزمان قول صحيح أم لا؟ وإن كان صحيحاً فما هي حدود هذه النيابة؟ هل تشمل أمر الحكومة والولاية أيضاً أم لا؟

 

س6: ما هو المقصود من قولهم إن الدولة دولة ظلم، هل المقصود أن الدولة ظالمة لأنها لا تعمل بواجباتها؟ أم المقصود أن الدولة يجب أن تكون بيد المجتهد فقط [وكل ما عدا ذلك فهو دولة ظلم]؟

س7: ما المقصود من القول بأن الضرائب محرّمة؟ هل المقصود حرمة أخذ الضرائب بشكل عام أم المقصود أنه يجب أخذ الزكاة بدلاً من الضرائب؟ إذا كانت الإجابة هي القسم الثاني فمن أي مال تؤخذ الزكاة اليوم في مدينة مثل مدينة طهران أو مدن إقليم مازندران أو في البلدان الصناعية؟

س8: هل يحقّ للناس أن يضعوا القوانين لمجتمعاتهم أم لا؟ إذا كان لهم الحق في ذلك فهل طاعة مثل هذه القوانين الوضعية واجبة أم لا؟ وإذا كانت واجبة فما هو جزاء من يتخلف عنها؟

س9-10: من الأمور المُسَلَّم بها وجود الناسخ والمنسوخ كثيراً في القرآن وفي الحديث كذلك، وعلة هذا الأمر هي التغيير في الأحكام مراعاةً لمقتضيات الزمان.

فإذا كان الأمر كذلك وتمَّ تبديل القوانين في بيئة خاصة وفي فترة زمنية محدودة، مراعاةً لمقتضى الزمن، فهل من الممكن أن لا تتغيَّر الظروف [منذ زمن نزول الشريعة] في جميع أنحاء الأرض وتبقى على حالها إلى الأبد؟!!

إضافةً إلى ذلك يقولون: إن جميع قوانين الإسلام صالحة لكل مكان وزمان، فإذا كان لديكم مستند قطعي وواضح على هذا الادعاء، فالرجاء بيِّنُوه لنا.

س11: قالوا إن هذه الأحاديث التي بين أيدينا اليوم ظنية [وباب العلم القطعي بشأنها مسدود]! فهل يقبل العقل أن يأمر الله القادر والعادل أشرف مخلوقاته [الإنسان] بأمرٍ ثم يسد أمامه طريق العلم بهذا الأمر؟!!

س12: لقد وصلتنا أحاديث كثيرة لا تتفق لا مع العقل ولا مع الحياة بل أحياناً تتناقض حتى مع الحِسّ، هذا مع كون سندها صحيحاً، كأحاديث الثور والحوت ومدينتي جابلقا وجابلسا وأحاديث البداء والزكاة والجهاد، فما العمل بشأن مثل هذه الأحاديث؟!

س13: ما هو برأيكم السبب في قلَّة رغبة الناس بالدين وإعراضهم عنه اليوم؟

وأرجو أن تراعوا في إجابتكم النقاط التالية:

أولاً: أن لا تكون الإجابة خارجة عن موضوع السؤال.

ثانياً: أن تكون مختصرة قدر الإمكان.

ثالثاً: أن تكون الإجابة تحريرية لأنه لابد أن يطّلع الآخرون أيضاً على هذا النقاش.

رابعاً: بما أن بعض الأجوبة قد تكون مما تم طرحه والإجابة عنه في هذا الكتاب فلابد من مطالعة الكتاب كاملاً قبل الشروع في كتابة الرد على أسئلته.

خامساً: من أراد أن يرد على موضوع في هذا الكتاب فلابد أن يبيِّن رأيه بشأن بقية الأسئلة التي طُرحت فيه سواء بالرد أو القبول أو بيان عدم الاطلاع على الموضوع والجهل بحقيقته.

 

 

حكمي زاده

ملاحظة: لما كان حكمي زاده قريباً من مجله «پيمان» ومن نهجها، وكان كتابه هذا قريباً من أفكار تلك المجلة فإنها طبعت كتابه مع مجلَّة «پرچم».

   مكتب پرچم ـ مطبعة پيمان 1322هـ.ش.

 

+            +             +

 

 

الهـوامـش

(1) كان في بداية أمره عسكريا وضابطاً لاسطبلات خيول المشاة في العهد القاجاري، ثم انقلب على آخر ملوك القاجار واعتلى العرش بدعم من الإنجليز وأعلن نفسه ملكاً وإمبراطوراً بهلوياً على إيران عام 1925م، وبقي ملكاً حتى 1941م حين نفاه الإنجليز والروس -الذين احتلوا إيران أثناء الحرب العالمية الثانية- ونصَّبوا محلَّه ابنه «محمد رضا شاه» آخر ملوك إيران قبل قيام النظام الجمهوري الإسلامي عام 1979م.

(2) لمعرفة تفاصيل أكثر عن حياته وأفكاره يمكن مراجعة كتاب المؤرخ الإيراني المعاصر «رسول جعفريان»: «جريان‌ها وسازمان‌هاى مذهبى-سياسى ايران» (أي التيارات والمنظمات الدينية السياسية في إيران), نشر طهران، ط 8، 1386هـ ش/2007م، الصفحات 35 إلى 38، و45 إلى 47، و826 -827.

(3) بحار الأنوار، (99/145).

(4) «من لا يحضره الفقيه»، الصدوق، 2/615، و«تهذيب الأحكام»، الطوسي، 6/99.

(5) يشير إلى رواية الكُلَيْنِيّ في «الكافي» (1/441) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (ع) فَأَجْرَيْتُ اخْتِلافَ الشِّيعَةِ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَأَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا وَفَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِم‏... الخبر».

(6) «بحار الأنوار»، المجلسي، (79/ 18).

(7) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/368).

(8) روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في «التهذيب» (6/52) عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: مَا لِمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ (ع) فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ الثَّوَابِ؟ قَالَ: «لَهُ مِنَ الثَّوَابِ ثَوَابُ مِائَةِ أَلْفِ شَهِيدٍ مِثْلِ شُهَدَاءِ بَدْر»!.

(9) من الواضح أنه يقصد النبيّ بعد وفاته، كما تفيده تتمّة الفقرة.

(10) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/394).

(11) انظر «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/240-241).

(12) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/239).

(13) أثبت القرآن نزول جبريل على غير الأنبياء كنزوله على مريم العذراء ووحيه لها، كما أثبت الوحي بشكل عام لغير الأنبياء كوحي الله لأم موسى، فمجرد الوحي الشخصي لإنسان إن لم يكن فيه تشريع ولا رسالة ولا تعاليم تُبلَّغ للآخرين، لا يفيد القول بنبوّته، بل يمكن عدُّهُ من باب الإلهام والتحديث الذي قال عنه النبي (ص): «إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ».

(14) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/65).

(15) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (1/210).

(16) رجال الكشي، ص 11. بحار الأنوار، (22/440).

(17) توفي سنة 664 هـ. والمقصود بالمقتل كتابه: «اللهوف على قتلى الطفوف» وقد طُبع مكرَّراً.

(18) توفي سنة 1110 هـ.

(19) هو الشيخ آقا بن عابد بن رمضان الشيرواني الدربندي الحائري المتوفى بطهران سنة 1286 هـ.، صاحب كتاب «إكسير العبادات في أسرار الشهادات» ويُقال له «أسرار الشهادة» مرتب على أربعة وأربعين مجلساً وقد طُبع مكرَّراً.

(20) إشارة للآية: ﴿... فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام/144].

(21) مصباح المتهجد، الطوسي، ص 773، ووسائل الشيعة، الحرّ العاملي، (14/510).

(22) إشارة إلى الحديث الذي رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، (1/67)، وفيه: «عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى الْقُضَاةِ أَيَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَمَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً.. قُلْتُ فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ قَالَ: يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً‏...الحديث».

(23) إشارة إلى ما رواه الصدوق في كتابه «إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَة» (2/484) وفيه: «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ الله.. الخبر».

(24) اختصارٌ منه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

(25) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (8/295).

(26) «بحار الأنوار»، المجلسيُّ، (72/374)، نقلاً عن تفسير العيَّاشيّ.

(27) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (5/23).

(28) يقصد عهد غيبة الإمام الثاني عشر [المهدي القائم المنتظر] عند الشيعة الإمامية، التي بدأت في عقيدتهم منذ عام 329هـ ولا تزال مستمرة حتى يأذن الله بظهوره في آخر الزمن.

(29) يبدو أنه يقصد قوله تعالى: ﴿ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..﴾ [الأعراف: 85].

(30) كتاب «الوافي» للمحدِّث محسن محمد بن مرتضى الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091هـ الذي جمع فيه أحاديث الكتب الأربعة "الكافي" و"من لا يحضره الفقيه" و"التهذيب" و"الاستبصار".

(31) يُراجَع «وسائل الشيعة»، الحر العاملي، بَابُ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ بِقُمَّ، (14/576).

(32) يشير إلى مضمون الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.. ﴾ [النساء/59].

(33) توجد في تفسير «الدر المنثور» للسيوطي، رواية تشبه هذه الرواية مع شيء من الاختلاف، وذلك ذيل تفسيره للآية 36 من سورة البقرة.

(34) أي الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

(35) هذا الدليل على وجوب العمل بأخبار الآحاد يُطلق عليه في علم أصول الفقه (لدى الإمامية): دليل الانسداد. والأصوليون مختلفون بشأنه ومنهم من لا يقول به.

(36) كتاب «الهيئة والإسلام» تأليف: محمد على هبة الدين الحسيني الشهرستاني الحائري (1301-1386هـ/1884-1967م) المعروف بالسيد الشهرستاني، وكان من أعيان الشيعة في العراق، ولد في سامراء، ونشأ في كربلاء واستكمل دراسته في النجف، وأصدر مجلة «العلم» سنتين، وهي أول مجلة عربية ظهرت في النجف. ألَّف كتاب «الهيئة والإسلام» الذي طبع في بغداد سنة 1328هـ وانتشر سريعاً، وقد بين فيه انطباق المسائل الفلكية في نظر الأولين القدماء ثم علم الفلك البطليموسي على ما ورد في الشرع في الكتاب والسنة، ثم استخرج علم الهيئة [أي الفلك] الغربي الجديد من ظواهر القرآن والحديث، واعتبر ذلك برهاناً قاطعاً على حقَّانيَّة الإسلام، لذلك انتشر كتابه سريعاً وتُرْجِمَ إلى لغات مختلفة.

(37) يقصد الكاتب والمؤرِّخ العلماني «أحمد كَسْرَوي» الذي ولد في تبريز عام 1267هـ ق، وصار أستاذاً في جامعة طهران ثم شرع بإصدار مجلة ناقدة باسم «پرچم» [ أي الراية] واشتهر لنشره عدة كتبٍ انتقد فيها بشدة ممارسات فرق المسلمين في عصره وسَخِرَ فيها من أفكارهم، مثل كتابه «صوفيگري» أي الصوفية و«اشعريگري» أي الأشعرية، و«شيعيگري» أي الشيعية الذي نقد فيه عقائد وأعمال الشيعة الإمامية نقداً لاذعاً، وذهب بعيداً في ذلك إلى حد توجيهه انتقادات ومطاعن بحق أئمة أهل البيت الكرام أنفسهم كالإمام الحسن بن علي والإمام جعفر الصادق، وتدلُّ بعض عبارات كسروي على أنه كان ملحداً إذْ صرَّح في كتابه بإنكار معجزات موسى وعيسى واعتبرها من الخرافات! ودعا إلى دين جديد سمَّاه «پاكديني» أي «الدين الطاهر» الذي يمثِّل الجوهر المشترك لجميع الأديان على حدِّ قوله، ويستند إلى «آئين خِرِد» أي شريعة العقل! ودعا إلى إحراق كل كتب التراث الإسلامي وإقامة حفل سنوي لهذا الغرض. اغتيل على يد جماعة «فدائيان إسلام» عام 1946م/1324هـ ق.

(38) الحلّ الذي طرحه بعض الإصلاحيين الشيعة ليس ترك الأحاديث جملةً وتفصيلاً، لأن هذا سيعني هدم السنة ولغوها، مع أنها هي المصدر الوحيد لكثير من الأمور التي لم تُفَصَّل في الكتاب مثل عدد ركعات الصلاة وكيفيتها وفصول الأذان ومقادير الزكاة وأحكام الحج.. الخ، بل الحلّ الأخذ بالسنة العملية الصحيحة المؤيّدة بالقرائن التي تثبت صحتها، وعرض ما ورد بشأنها من أخبار على القرآن فما وافقه منها أُخِذ به وما خالف القرآن تُرِكَ، كما أوصى بذلك أئمة أهل البيت الكرام في نصوص عديدة نُقِلَت عنهم. يُراجع في ذلك كتاب «الكافي» للكليني، باب بَابُ الأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَشَوَاهِدِ الْكِتَابِ، (1/69- 71).

(39) يقصد المؤلف بذلك أن يردّ على الحجج التي يسوقها عادة الذين يرون التمسك بالأحاديث وهي ثلاث حجج: الأولى: رفضهم وجود أحاديث باطلة مكذوبة في الكتب الأربعة، الثانية: قولهم لا ندَّعي أن كل ما كتب الرواية لدينا صحيح خاصة في كتاب كالبحار الذي ضم الغث والسمين إجماعاً، فيقولون إن ما يستند إليه رافضو الحديث لتبرير رفضهم للحديث برمَّته، مجرَّد روايات نادرة ضعيفة غير صحيحة السند عندنا فلا حجة فيها علينا. الحجة الثالثة: تأويلهم الأخبار التي لا يمكن قبول ظاهرها.

(40) هذا في الطبعة الحجرية القديمة لبحار الأنوار التي كانت زمن تأليف المؤلف لكتابه، أما في الطبعة الحديثة ذات المائة وعشرة مجلدات فتقع هذه الأبواب في المجلد 54 من البحار: تحت عنوان كتاب السماء وَالعالم، وتتواصل أبواب هذا الكتاب حتى نهاية المجلد 63 من البحار، أي تغطي 10 مجلدات كاملة منه!.

(41) «بحار الأنوار»، المجلسيُّ، (47/119)، نقلاً عن «الخرائج والجرائح‏» للراوندي. وأيضاً «بحار الأنوار»، (26/192)، نقلاً عن «الاختصاص» للمفيد.

(42) «بحار الأنوار»، (30/196-197)، و(54/329)، نقلاً عن كتاب «بصائر الدرجات» للصفّار (10/510، باب 14، حديث 1).

(43) «بحار الأنوار»، (55/88)، نقلاً عن كتاب عِلَلُ الشرائع، وَكتاب عُيُونُ أخبار الرضا، وَكتاب الخِصَالُ، كلُّها للشيخ ابن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق.

(44) «بحار الأنوار»، (55/103)، نقلاً عن الدر المنثور للسيوطي، وهو بدوره عن الترمذي وأبي الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة، ذيل تفسير الآية 29 من سورة البقرة.

(45) «بحار الأنوار»، (55/144-145)، نقلاً عن كتابَي التوحيد والمجالس للشيخ محمد بن علي بن بابويه القمّي، المعروف بالشيخ الصدوق.

(46) «بحار الأنوار»، (55/146-147)، نقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم القمي.

(47) «بحار الأنوار»، (55/156)، نقلاً عن كتاب الاحتجاج.

(48) «بحار الأنوار»، (86/275-276)، نقلاً عن كتاب «مصباح المتهجِّد» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة.

(49) «الكافي»، الكُلَيْنِيّ، (8/306). و«بحار الأنوار»، (55/246).

(50) «بحار الأنوار»، (55/245).

(51) اختصار ورواية بالمعنى لخبر طويل بهذا المضمون، كما في «بحار الأنوار»، (56/324-325)، نقلاً عن تفسير العيّاشيّ.

(52) العشَّار: الذي يجبي المكوس أي الضرائب.

(53) «بحار الأنوار»، (62/227)، نقلاً عن كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد.

(54) «بحار الأنوار»، (56/380)، نقلاً عن تفسير «العياشيّ».

(55) مروي باختصار وتلخيص للمعنى، وأصله في «الكافي»، للكُلَيْنِيّ، (8/239)، و«بحار الأنوار»، (56/380).

(56) «بحار الأنوار»، (57/29)، نقلاً عن كتابَي «علل الشرائع» و«عيون أخبار الرضا» للشيخ الصدوق.

(57) «بحار الأنوار»، (57/8)، نقلاً عن كتابَي «علل الشرائع» و«معاني الأخبار» للشيخ الصدوق.

(58) «بحار الأنوار»، (57/38)، نقلاً عن تفسير «الدر المنثور» للسيوطي.

(59) «الكافي»، للكُلَيْنِيّ، (8/89). و«بحار الأنوار»، (57/79).

(60) «الكافي»، (8/255). و«بحار الأنوار»، (57/130).

(61) «بحار الأنوار»، (57/120-121)، نقلاً عن كتاب بصائر الدرجات لِلصَّفَّارِ، وَمُنْتَخَبُ الْبَصَائِرِ لِسَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه‏.

(62) «بحار الأنوار»، (52/212)، نقلاً عن كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي.

(63) يقع في: (52/181) فما بعد، من الطبعة الجديدة للبحار. وهو الباب رقم 25، وعنوانه: «باب علامات ظهوره صلوات الله عليه من السفياني والدجَّال وغير ذلك وفيه ذكر بعض أشراط الساعة».

(64) أصول الدين الخمسة - عند الإمامية - هي التوحيد، النبوَّة، المَعَاد، الإمامة، والعدل.

 

+            +             +

 

 

 

 

B