كيفية مبايعة أمير المؤمنين علي لأبي بكر

 

لقد اختلفت الروايات التاريخية في كيفية وزمن مبايعة علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه. فبعض الروايات تحكي أن عليّاً بايع أبا بكر فوراً ودون توقف، كما أخرج ذلك الطبري في تاريخه حيث قال:

 

حدثنا عبد الله بن سعيد قال أخبرني عمي قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت: قال: كان عليٌّ في بيته إذ أُتِيَ فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميصٍ ما عليه إزارٌ ولا رداءٌ عجِلاً كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتجلله ولزم مجلسه(31).

 

و لكن هذه الرواية منفردة لا يوجد ما يؤيدها، بل المسَلَّم به الذي اتفقت عليه أكثر التواريخ أن علياً عليه السلام كره البيعة وتوقف في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه ردحاً من الزمن إلى أن بايعه في النهاية، حسبما سيأتي شرحه، وذلك - على ما يظهر - بعد وفاة فاطمة عليها السلام. روى ذلك الطبري نفسه في تاريخه المذكور حيث قال:

 

وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس. فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت. قال معمَّر: فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهرٍ؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ قال: فانطلق أبو بكر فدخل على عليٍّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك ولا نفاسةٌ عليك بخير ساقه الله إليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليٌّ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فوالله لَقَرَابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما آلوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول " لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال " وإني أعوذ بالله، لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله، ثم قال (علي): موعدك العشيّ للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليّاً ببعض ما اعتذر، ثم قام علي فعظَّم مِن حق أبي بكر رضي الله عنه وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر رضي الله عنه فبايعه. قالت (أي عائشة، وهي التي أخرج الطبري عنها هذه الرواية): فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسـنت، قالت: فكان الناس قريباً إلى عليٍّ حين قارب الحق والمعروف(32). عند ذاك ذكر الطبري الرواية التي تبين مجيء أبي سفيان لحضرة علي عليه السلام يحرضه على أبي بكر رضي الله عنه ويقول له: [ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ وأيم الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا، قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً].

 

وجاء في كتاب "الأخبار الموفقيات" (ص 585) أن عليّاً عليه السلام قال في رفضه لعرض أبي سفيان هذا: "لي عهدٌ مع رسول الله ونحن جميعاً ملزمون به".

 

و روى المسعودي الشيعي في تاريخه "مروج الذهب" قصة سقيفة بـني ساعـدة (في الجزء الأول، ص 412 من طبعة عام 1316 هـ)، كما أورد القصة مختصراً في تاريخه "التنبيه والإشراف" في ص 247 حيث قال: [وبويع أبو بكر في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دُلَيْم الأنصاري ثم الخزرجي، فكانت بينه وبين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة وخطوب عظيمة، وعلي والعباس وغيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه، وكان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدَّ أكثر العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كافر، ومانع للزكاة والصدقة، وكان أعظمهم شوكة وأخوفهم أمرا مسيلمة الكذَّاب الحنفي باليمامة وطليحة بن خويلد الأسدي في أسد بني خزيمة، وقد عاضده عُيَيْنة بن حصن الفزاري في غطفان فوجَّه أبو بكر إليهم وإلى جميع من ارتد من ضاحية مضر، خالدَ بن الوليد...(إلى أن قال في آخر ذلك الفصل) ولم يبايع علي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه إلى أن توفيت (يعني فاطمة) وتُنُوزِع في كيفية بيعته إيَّاه](33).

 

وبهذا النحو أورد "اليعقوبي"، المؤرخ الشيعي، في تاريخه، تفاصيل قصة سـقيفة بني ساعدة، فقال تحت عنوان: خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر: واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي رسول الله........(34) يُغْسلُ، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي، وعصَّبَتْه بعصابة، وثنت له وسادة. وبلغ أبا بكر وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح فقالوا: يا معشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منا الأمراء وأنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شمَّاس، وهو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، ولكن قريشا أولى بمحمد منكم وهذا عمر بن الخطَّاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمير هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش.

 

ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير وبدَّل. وقام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وإن فيهم رجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني، علي بن أبي طالب. فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأُسَيْد بن حُضَيْر الخزرجي، وبايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة، وحتى وطئوا سعدا. وقال عمر: اقتلوا سعدا، قتل الله سعداً!

 

و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر. فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، ونحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة.

 

و كان المهاجرون والأنصار لا يشُكُّون في عليٍّ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، وكان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم.

 

و قام عتبة بن أبي لهب فقال(35):

 

ما كنت أحسب أن الأمر منصرفٌ          عـن هاشم ثم منها عن أبي الحسنِ

 

عن أوَّلِ الناس إيـمانـا وسابقـةً(36)    و أعلم الناس بالقرآن والسـننِ

 

و آخر الناس عهدا بالنـبي، ومَنْ         جبريل عون له في الغَسْل والكفنِ

 

مَـنْ فيـه ما فـيهمُ لا يمترون به       وليس في القوم ما فيه من الحَسَـنِ

 

ما ذا الذي ردهم عنـه فتـعلمه           ها إن ذا غبننـا مـن أعظم الغبن(37)

 

فبعث إليه علي فنهاه(38). وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطَّاب وأبي عبيدة الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً، فحمد أبو بكر اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فوليت ذلك وما أخاف بعون الله وتشديده وهناً، ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وما انفكَّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامَّة المسلمين، يتخذكم لجأً فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك…...(39) عنكم وعلى رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا ومنكم.

 

فقال عمر بن الخطَّاب: إي والله وأخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتـفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.

 

فحمد الله العباسُ وأثنى عليه وقال: إن الله بعث محمداً كما وصفت نبياً وللمؤمنين ولياً، فمنَّ على أمته به، حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده، فخلَّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقاً أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضاً ولا حللنا وسطاً ولا برحنا سخطاً، وإن كان هذا الأمر أنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلَّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلِكَ، فإن رسول الله من شجرةٍ نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.

 

و كان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قَصيّ، وقال:

 

بني هاشم لا تُطْمِعوا الناس فيكُمُ      و لا سيما تَيْمَ بن مـرَّةَ أو عـديّ

 

ما الأمـر إلا فيكم وإليكُمُ             وليس لهـا إلا أبـو حسنٍ علـيّ

 

أبا حسن، فاشدد بها كف حازمٍ       فإنك بالأمر الذي يُرْتَجـى مَلِـيّ

 

وإنَّ أمرأً يرمي قصـيٌّ وراءه       عزيز الحمى، والناس من غالب قصي

 

وكان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليَّاً فقال: هلمَّ أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم اغدوا على هذا مُحَلِّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر...(40).

 

ثم يذكر "اليعقوبي" بعد ذلك فصلا في خلافة أبي بكر يشير فيه إلى أن الأنصار اعتزلوه أول الأمر، فغضبت لذلك قريش فتكلم خطباؤها، وقدِم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج عليٌّ مغضبا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار بخير، وردَّ على عمرو بن العاص قوله(41)، فلما علمت الأنصار ذلك سرها وقالت: ما نبالي بقول من قال مع حُسْنِ قول عليٍّ. ثم اجتمعت الأنصار إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب قريشا وسألوه أن يذكر ويمدح في شعره عليّاً ففعل(42).

 

أما "الزبير بن بكار" فيروي، في كتابه "الأخبار الموفقيات" (الصفحة 58)، ندَمَ كثيرٍ من الأنصار على بيعتهم لأبي بكر على النحو التالي:

 

حدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال: لما بويع أبو بكر واستقر أمره ندم قوم كثيرٌ من الأنصار على بيعته ولامَ بعضهم بعضا وذكروا علي بن أبي طالب وهتفوا باسمه وإنه في داره، فلم يخرج إليهم. (أي لم يؤيدهم في ذلك واستمر على بيعته لأبي بكر(43).

 

الهوامش:

(31) الإمامة والسياسة: ج 1/ص 17 و18. (ت)

 

(32) المصدر السابق: ج 2 / ص 447 (ت).

 

(33) التنبيه والإشراف: الصفحات 247 إلى 250. (ت)

 

(34) بياض في الأصل.

 

(35) البعض ينسب هذه الأشعار للفضل بن العباس وبعضهم ينسبها أيضاً لعبد الله بن سفيان.

 

(36) هذا المصراع ذكر في كتاب الأخبار الموفقيات على النحو التالي: أليس أول من صلى لقبلتكم؟

 

(37) هذا البيت الأخير لم يُذكَر في كتاب "الأخبار الموفقيات".

 

(38) جاء في "الأخبار الموفقيات" (ص 583) عند روايته لهذه الحادثة : فبعث إليه علي فنهاه وأمره أن لا يعود وقال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره.

 

(39) بياض في الأصل.

 

(40) تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 82 (من طبعة عام 1375 هـ.).

 

(41) كما نلاحظ، كان علي عليه السلام محباً للأنصار محامياً عنهم، ولهذا مغزاه الكبير الذي سنشير إليه فيما بعد. 

 

(42) المرجع السابق، الجزء الثاني، فصل أيام أبي بكر. (ت)

 

(43) نلاحظ أن حتى هؤلاء الأنصار النادمين على بيعتهم لأبي بكر والراغبين بخلافة علي لم يشيروا أي إشارة إلى واقعة غدير خم، وهو ما سنبين مغزاه الكبير عن قريب.