قصة سقيفة بني ساعدة

 

جاء في سيرة ابن هشام: [قال ابن اسحق: قال الزهري: وحدثني "عبد الله بن كعب بن مالك" عن "عبد الله بن عباس" قال: خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا علي، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنتُ أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا، أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له علي: إني والله لا أفعل، والله لئن مُنِعْناه، لا يؤتيناه أحدٌ بعده](8) هذه الرواية ذكرتها أيضاً عدة مصادر تاريخية أخرى(9).

 

ما اتفق عليه جميع المؤرخين وكتَّاب السيرة هو أنه لما ارتحل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شُغِل أهل بيته بأمر تجهيزه وتكفينه وكان في مقدمتهم حضرة علي بن أبي طالب والعباس عم الرسول صلى الله عليه وآله وأولاد العباس، كما كان حاضراً معهم في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وقد أغلق باب البيت أمام الآخرين. أما بقية المهاجرين وبعض الأنصار مثل أُسَيْد بن حُضَيْر فقد اجتمعوا حول أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ جاءهم رجل، على غير انتظار، يخبرهم أن طائفةً من الأنصار على رأسهم "سعد بن عبادة" قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وأنهم في صدد تعيين خليفة لإمامة وحكومة المسلمين فإن كان لكم بأمر الناس (أي بأمر الرئاسة والحكم) حاجة فأدرِكوا الناس قبل أن يتفاقم أمر الأنصار(10)، عند ذاك ترك عمر وأبو بكر (رضي الله عنهما) حضور مراسم الدفن وأوكلوه لمن له الكفاية لذلك من أهل بيته صلى الله عليه وآله - إذ لم يكن بعد قد فُرِغَ من تجهيزه ودفنه (صلى الله عليه وآله) وكان أهل بيته قد أغلقوا باب بيته (صلى الله عليه وآله) دون الناس - وهرعا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة إثر وقوفهما على خبر اجتماع جماعة الأنصار فيها، وسرعان ما وصلا إلى السقيفة ليجدوا الأنصار قد عصَّبوا "سعد بن عبادة " رضي الله عنه بعصابة وأجلسوه في وسط السقيفة، وكان يخطب فيهم، إلا أن صوته كان ضعيفا لشدة مرضه، فكان ابنه قيس بن سعد، ينقل كلامه جملة جملة بصوت مرتفع للمجتمعين(11).

 

لما سمع عمر رضي الله عنه قول الناس بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم صعق ولم يستطع تصديق الخبر وامتشق سيفه وصاح: بل إن رسول الله لم يمت وكل من زعم ذلك أدبته بسيفي هذا بل قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن ثانية ليكمل دينه!، أما أبو بكر رضي الله عنه فلما رأى جسد النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد من وفاته، بكى وقبله وقال له بنفسي أنت وأبي وأمي طبت حياً وميتاً، ثم صاح رضي الله عنه في المسلمين المجتمعين في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمصعوقين بهذا الخبر الفاجع، قائلا: [أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت] ثم لما علم بأن الأنصار مجتمعون في السقيفة سارع في الخروج برفقة عمر رضي الله عنهما متجهين من مسجد رسول الله إلى السقيفة.

 

والآن نعود إلى السقيفة لننقل نص خطبة سعد بن عبادة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه "الإمامة والسياسة"، قال: فكان مما قاله رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا(12) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرام، وخصَّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ النّاس على من تخلّف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة(13) صاغراً داحراً، حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفَّاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاكم به. قال: فأجابوه جميعا: أن قد وُفِّقْتَ في الرأي، وأصبت في القول، ولـن نعدو، ما رأيت، توليَتَكَ هذا الأمر، فأنت مَـقْـنَع ولِصَالِح المؤمنين رضا(14).

 

و بعد أن أكمل سعد كلمته وسكت، أراد عمر رضي الله عنه أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر رضي الله عنه: ...فلما سكت (أي سعد) أردتُ أن أتكلم وقد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه وكنت أداري منه بعض الحد(15)، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هو أوسط العرب نسباً(16) وداراً(17) قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة الجراح، قال (عمر): وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئاً مما قاله (أي أبو بكر) غيرها، كان والله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر(18).

 

و قد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبو بكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة رضي الله عنهم فقال: [... وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا (أي عمر وأبو عبيدة) عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، وثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش](19).

 

أما ابن قتيبة فقد أورد - في "الإمامة والسياسة" - خطبة أبي بكر رضي الله عنه بشكل أكثر تفصيلا على النحو التالي [... فتشهد أبو بكر رضي الله عنه وانتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس لنا فيه تبع. ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله، الذين آوَوْا ونصروا. وأنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم أيضاً إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سرّاء وضرّاء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرِّضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد ألا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر رضي الله عنه، أنت صاحب الغار وثاني اثنين وأمَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر](20).

 

و الآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر رضي الله عنه؟ ذكرت جميع كتب التواريخ والسير أن جواب الأنصار كان - كما يروي ابن قتيبة ـ: [فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم وإنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمــة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. عندئذ قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى خلقه وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخُشُبَاً منجورة، فاقرؤوا إن شئتم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله ﴾ وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس مخالف عليهم، زارٍٍ(21) عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصاراً لِدِينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات(22) دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور.

 

فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء والنصرة وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم، واللهِ ما عبدوا الله علانيةً إلا في بلادكم ولا جُمِعَت الصلاة إلا في مساجدكم ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر، وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير.

 

فقام عمر رضي الله عنه فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي لها أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.

 

فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجْلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم دان لهذا الأمر من لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جزعة(23)، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطَّمتُ أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوءه أبداً. ثم قام أبوعبيدة (الجراح) فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من يبدل ويغير. قال (أي الراوي الذي يروي عنه ابن قتيبة هذا الحديث): وإن بشيرا (و هو بشير بن سعد من أقرباء سعد بن عبادة) لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسدا لسعد، وكان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.

 

 

قال (الراوي): ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام على الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عُبيدة الجرَّاح وعُمر فبايعوا من شئتم منهما. فقال عُمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ويتولى هذا الأمر عليك؟ أبسط يدك أبايعك، فلما ذهبا (أي عُمر وأبو عُبيدة) يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عقُّك عِقاقٌ(24) ما اضطرك إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال: لا والله، لكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم، فما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وهو من سادات الخزرج، وما دعوا إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه! فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء، قال أبو بكر: أمِنَّا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم. فقال (عندئذ) سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤون سعدا. فقال سعد (بن عبادة) قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره وتُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب(25) منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابـي، فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولجَّ وليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه(26) لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجماعتهم(27) ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى تُوُفِّيَ أبو بكر رحمه الله ووَلِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخرج (أي سعد) إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله](28).

 

الهوامش:

(8) سيرة ابن هشام: ج 4 / ص 332 (من طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد) أو الصفحة 654 من الطبعة التي حققها مصطفى السقا والأبياري والشلبي، وهي التي سأوثق منها دائما فيما بعد. (ت)

 

(9) أنظر مثلا كتاب: الطبقات الكبير (الكبرى) للمؤرخ الشهير ابن سعد (توفي سنة 230 هـ.) حيث روى بسنده نفس هذه الرواية ثم روى عدة روايات تؤدي نفس معناها بألفاظ مختلفة ومن وجوه أخرى عن الشعبي  وعن زيد بن أسلم وعن فاطمة بنت الحسين: ج 2 / القسم الثاني، ص 38، من طبعة ليدن (هولندا). وكذلك انظر تاريخ الأمم والملوك  للطبري:ج 2 / أحداث سنة إحدى عشرة.(ت)

 

(10) أنظر سيرة ابن هشام ج 4 / ص 656 (القاهرة، بتحقيق السقا والأبياري والشلبي) (ت).

 

(11) أنظر"الإمامة والسياسة" لابن قتيبة، ج 1/ص12 (القاهرة، بتحقيق الد.طه محمد الزيني) (ت)

 

(12) المقصود بالمنع هنا الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكف أذى الأعداء عنه. (ت) 

 

(13) أعطى المقادة: خضع لحكم المسلمين وقيادتهم له. (ت)

 

(14) المرجع السابق، صفحة 12 - 13. (ت)

 

(15) الحد: أي كان في خلق عمر  حدَّة، كان يسترها عن أبي بكر. (ت)

 

(16) أوسط العرب نسبا: أشرفهم. (ت)

 

(17) ودارا: بلدا، وهي مكة لأنها أشرف البقاع. (ت)

 

(18) سيرة ابن هشام، ج 4 / ص 659.(ت)

 

(19) تاريخ اليعقوبي: ج 2/ ص 82 ( من طبعة عام 1375 هـ. )

 

(20) الإمامة والسياسة: ج 1 / ص 13. (ت)

 

(21) زارٍ  لهم: أي عائب عليهم ومحقر لهم. (ت)

 

(22) افتات عليه: طغى على حقه واستأثر به. (ت)

 

(23) لنعيدنها جزعة: أي نعيد الحرب بيننا وبينكم قوية. (ت)

 

(24) عقُّك: مخالفتك لنا، عِقاقٌ: مرٌّ لأن العقاق هو المر. (ت)

 

(25) أخضب: الخضاب هو الحناء، والمراد حتى أسيل دمكم على سناني ورمحي.

 

(26) أي: وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم. (ت)

 

(27) أي: لا يصلي الجمعة معهم. (ت)

 

(28) الإمامة والسياسة: ج 1/ ص 14.