بحث عميق في قضية سقيفة بني ساعدة

 

كانت سقيفة بني ساعدة مكانا يجتمع فيه أهل المدينة ليتخذوا قراراتهم في شؤونهم المهمة من خلال الشورى بين رؤسائهم. وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة اجتمع أهل المدينة، الذين كانوا قد أسلموا دون إكراه ولا إجبار ودعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل هجـرته أن يأتي إليهم وكثيرون منهم أعانوه ونصروه وعرفوا بالأنصار، في هذه السـقيفة، ورشَّحوا "سـعد بن عبادة"(7) زعيم قبيلة الخزرج (إحدى أهم قبيلتين في المدينة)، والذي كان مريضاً، لمنصب الإمامة والخلافة، ولفوه في حصير أو بساط وأتوا به إلى السقيفة كي يأخذوا له البيعة من المسلمين. وسننقل هنا باختصار أحداث هذا الاجتماع من كتب التاريخ الموثقة دون أن نحذف باختصارنا النقاط التاريخية لهذه القصة. ونلفت أنظار القرَّاء في البداية، إلى أن الكتب التاريخية التي ذكرت هذه القصة هي مؤلفات خلَّفها علماء المسلمين الكبار للأمة الإسلامية. وقد دُوِّنت هذه المؤلفات بشكل عام بعد القرن الثاني الهجـري وغالباً في القرن الثالث وما بعده، ونذكِّر أيضاً أنه في ذلك الزمن لم تكن مسألة السنة والشيعة قد تطوَّرت إلى الصورة التي هي عليها اليوم، بمعنى أنه لم يكن التمايز بين الفريقين في الفكر والتراث والتأليفات قد أخذ شكله المتمايز الفاصل الذي صار إليه فيما بعد، ولا كان المؤلفون في مسألة الإمامة قد انقسموا فريقين متخاصمين بعد. والسبب في ذلك أن فرقة الشيعة، التي أصبحت اليوم تختص لنفسها - ولله الحمد - أعداداً كبيرة من المسلمين وأصبح لها دولة ونظام ومؤلفات وتصانيف خاصة بها، إنما كانت في ذلك العهد لا تزال جماعة قليلة العدد ومضطرة - في أغلب أحوالها - للعيش في حالة من التكتُّم والسرِّيَّة، كونها كانت تمثل حزباً معارضاً لحكومة الوقت الأموية، فلم يكن للشيعة من الكثرة والقوة ما يدفع مخالفيهم من علماء ذلك الزمن لتأليف كتب ومصنفات ضدها من باب العناد والخصومة وكتمان الحقيقة، ليختلقوا مثل هذه القصة التي لم يوافَقُ فيها على حق لهم! وأيا كان الأمر فليس بين أيدينا اليوم لفهم الحقائق إلا الكتب والمؤلفات التي بقيت لنا منذ ذلك العهد، ولا يوجد لدينا أي شيء يجعلنا نتشكك أو نرتاب في صحة هذه الكتب والتواريخ، اللهم إلا الاكتفاء بالحدس والظن والتخمين. هذا بالإضافة إلى أننا سنرجع إلى المؤلفات والآثار التي وثَّقها وصوَّبها علماء الشيعة الكبار، لننقل منها أحداث تلك الواقعة بأمانة تامة، ونضعها أمام طالبي الحقيقة.

 

وأقْدَمُ الكتب في هذا الباب [سـيرة ابن هشـام] المعتمدة من قبل عامة المسلمين والتي ليس لقضية الشيعة والسنة فيها دخل، ومؤلفها "عبد الملك بن هشام المعافري"، وقد استخرج سيرته ورواها عن "محمد ابن اسـحق المطلبي" وهو من مؤرخي القرن الهجـري الأول والثاني، إذْ كانت وفاته في أوائل القرن الهجـري الثاني، وابن هشام نفسه كانت وفاته سنة 213هـ، ورجعنا بعد ذلك لكتاب [تاريخ الإمامة والسياسة] لابن قـُتَيْبة وهو "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري" المتوفى سنة 270 هـ.، ثم [تاريخ اليعقوبي] ومؤلفه "أحمد ابن يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب"، مؤرخ شيعي المذهب توفي سنة 292 هـ.، ثم [مروج الذهب ومعادن الجـوهر] و[التنبيه والإشراف] وهما "لعلي بن الحسين المسعودي"، المعروف بالتشيُّع والمتوفى سنة 345هـ. وليس لأي ممن ذكر مصلحة خاصة في روايته لحديث سقيفة بني ساعدة. ولن نتجاوز في عرضنا لهذه القصة، إن شاء الله، ما اتفقت عليه تلك الكتب الخمسة المذكورة، والتي عرفنا أن ثلاثة منها هي من تأليف مؤلِّـفَيْن شيعيين.

 

الهوامش:

(7) سيد الخزرج وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها،كان سيداً جواداً يكتب العربية ويحسن العوم والرمي ولأجل ذلك سمي الكامل وكان كثير الصدقات جداً، أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وكان أحد نقباء العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله عدا بدر. رفض بيعة أبي بكر  رضي الله عنه  وخرج من المدينة، قتل بحوران من أعمال دمشق في خلافة عمر  رضي الله عنه  سنة 14، أو 15، أو 16 هـ.  (ت)