علة الاختلاف الأصلية

 

المادّة الأصلية والأساسية لاختلاف الأمة الإسلامية هو - كما قلنا - مسألة الخلافة والإمامة، ومن هذه المسألة تشعَّبت سائر الاختلافات الأخرى، وقد أخذت مسألة الإمامة، بمعنى الحكومة وزمام الأمور، والتي محركها الأصلي لدى أغلب الأفراد ليس إلا حب المقام وحب الرئاسة، في هذه الأمة، شكلاً وصورةً قلّما يوجد لها نظير في الشعوب والأمم السابقة!

 

كمقدّمة ينبغي القول بأن حبّ العلو والرئاسة أمر فطريّ في كلّ نفس، وكل إنسان يطلب بغريزته التفوق على أقرانه، وإذا تمت هداية هذه الغريزة بشكل صحيح، أمكن أن نستخرج منها أفضل النتائج، وذلك أنه من لوازم وجود وحياة المجتمع البشـري أنه لا يمكن لأي شعب أو أمة أن تستمر في حياتها المدنية دون امتلاك حكومة ونظام اجتماعي، وليس هذا لدى الإنسان فقط، بل إن كثيراً من الحيوانات شعرت بهذا الأمر وأوجدت في حياتها نظاماً وتشكيلات اجتماعية، كما نجد ذلك واضحاً في عالم النمل والنحل والحشرات الآكلة للخشب (النمل الأبيض) وعديد من الطيور والحيوانات الأخرى. ولا شك أن دين الإسلام الذي يحتوي على أفضل القوانين الاجتماعية التي تضمن السعادة الدينية والدنيوية لأتباعه، لم يبق هذه المسألة مسكوتاً عنها ولا مجهولة، بل بيَّن الوظائف والأحكام والأوامر والقواعد في هذا الشأن بشكل إجمالي. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا " الحكومة في الإسلام" الذي طبع في مجلدين فيمكن للراغبين الرجوع إليه لمعرفة هذه الحقيقة.

 

أما الذي يمكن قوله هنا فهو أنه من المحتَّم واليقيني أن سيدنا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أتى في شريعته الإسلامية المتقنة بمقررات وأحكام وإرشادات تتعلق بمسألة الحكومة وزمام الأمور، ذلك أن دين الإسلام الذي زيَّنَهُ الله سبحانه بوسام ووشاح قوله المقدس: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ لا يمكن أن يكون خالياً من مسائل وأحكام تتعلق بالحكومة والقيادة التي هي من ألزم لوازم الحياة البشرية، بل إن هذا الأمر، كما سيأتي بيانه في محله، هو من أهم أهداف وأقدس أحكام الإسلام.

 

أما الزوائد والحواشي الناشئة، بلا شك، من أغراض وأمراض عدة من الأعداء المغرضين أو الأصدقاء الجاهلين فلا سبيل لها على الأحكام السماوية والقوانين الإلـهية الواضحة البينة. وسنبين، بمشيئة الله تعالى، كيف أن هذه الزوائد والأهواء المبتدعة قد بدَّلت الصورة الناصعة للأحكام الإلـهية المتعلقة بالحكم والحكومة وحوَّلتها لصورة بشعة مكروهة ينفر منها العقلاء وينزجر منها الأحباء.

 

إن الذي يعيننا على معرفة وإدراك حقيقة تعاليم الإسلام السامية حول هذه القضية هو دراسة قضية سقيفة بني ساعدة التي وقعت بعد ساعات من انتقال روح رسول الله المقدسة صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى، فإذا تتبعنا ودرسنا ملابسات هذه الواقعة، بدقة مشبعة بطلب الوصول للحقيقة، سندرك، لا محالة، كثيرا من القضايا المهمة، وستظهر الحقيقة لطالبها المخلص رغم كل ما أحاط بها من أغشية.

 

ولهذا فسننقل للقارئ الكريم في رسالتنا المختصرة هذه، باختصار، قصة سقيفة بني ساعدة التي حضرها وشارك فيها كبار صحابة الرسول المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تتضح حقيقة الأمر لطلاب الحق، إن شاء الله.