فرق الشيعة بعد وفاة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

 

فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد افترقت بعده شيعته ست فرق:

 

1- فرقةٌ منها قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وهو القائم المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم! وهذه الفرقة تسمى الناووسية لرئيس كان لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن الناووس.

 

2- وفرقةٌ زعمت أن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا كان ذلك على جهة التلبيس على الناس لأنه خاف فغيَّبَه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لا يقول إلا الحق، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق وأنه القائم لم يمت، وهذه الفرقة هم الإسماعيلية الخالصة، وأم إسماعيل وعبد الله ابني جعفر فاطمة بنت الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.

 

3- وفرقةٌ ثالثة زعمت أن الإمام بعد جعفر، محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأمه أم ولد وقالوا أن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد حسن وحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب.

 

أما الإسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع لعنه الله، وقد دخلت منهم فرقةٌ في فرقة محمد بن إسماعيل وأقروا بموت إسماعيل في حياة أبيه وكانت الخطابية الرؤساء منهم قتلوا مع أبي الخطاب، وكانوا قد لزموا المسجد بالكوفة وأظهروا التعبد وكانوا يدعون إلى أمرهم سرّاً فبلغ خبرهم عيسى بن موسى عامل أبي جعفر المنصور على الكوفة وأنهم قد أظهروا الإباحات ودعوا الناس إلى نبوّة أبي الخطاب، فبعث إليهم رجلاً من أصحابه في خيل ورجالة ليأخذهم ويأتيه بهم فامتنعوا عليه وحاربوه فقتلهم جميعاً وكانوا سبعين رجلاً ولم يفلت منهم إلا رجل واحد هو أبو خديجة سالم بن مكرم... ومن القائلين بإمامة محمد بن إسماعيل فرقةٌ عرفت بالقرامطة يقولون بسبعة من الأئمة: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ومحمد بن إسماعيل الذي هو الإمام القائم...

 

 

4- وقالت الفرقة الرابعة من أصحاب جعفر بن محمد أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه محمد، وأمه أم ولد يقال لها حميدة، كان هو وموسى واسحق بنو جعفر لأم واحدة، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر وفي ولده من بعده وهذه الفرقة تسمى السميطية نسبة لرئيس لهم كان يقال له يحيى بن أبي السميط.

 

5- والفرقة الخامسة منهم قالت الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر، وذلك أنه كان عند مضي جعفر أكبر أولاده سنا وجلس مجلس أبيه بعده، وادعى الإمامة ووصية أبيه واعتلوا في ذلك بأخبار رويت عن جعفر وعن أبيه أنهما قالا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا نصب، فمال إلى عبد الله وإمامته جل من قال بإمامة أبيه وأكابر أصحابه،إلا نفر يسير عرفوا الحق، وامتحنوا عبد الله بالمسائل في الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج فلم يجدوا عنده علما، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر هم المسمون بالفطحية، سموا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرأس وقال بعضهم كان أفطح الرجلين.. ومال عند موت جعفر والقول بإمامة عبد الله عامة مشايخ الشيعة وفقهاؤها ولم يشكوا إلا أن الإمامة في عبد الله وفي ولده من بعده.

 

فلما مات عبد الله ولم يخلف ذكرا ارتاب القوم واضطربوا وأنكروا ذلك فرجع عامة الفطحية، إلا القليل منهم، عن القول بإمامة عبد الله إلى القول بإمامة أخيه موسى بن جعفر. وشذت منهم فرقةٌ بعد وفاة موسى بن جعفر فادعت أن لعبد الله (الأفطح) ابنا ولد له من جارية يقال له محمد، وأنه تحول بعد موت أبيه إلى خراسان فهو مقيم بها وأنه حي إلى اليوم وأنه الإمام بعد أبيه وهو القائم المنتظر.

 

6- وقالت الفرقة السادسة أن الإمام موسى بن جعفر بعد أبيه وأنكروا إمامة عبد الله وخطَّؤوه في جلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة، وكان فيهم من وجوه أصحاب جعفر بن محمد مثل: هشام بن سالم الجواليقي، وعبد الله بن أبي يعفور، وعمر بن يزيد بياع السابري، ومحمد بن النعمان أبي جعفر الأحول مؤمن الطاق، وعبيد بن زرارة بن أعين، وجميل بن دراج، وأبان بن تغلب، وهشام بن الحكم، وغيرهم من وجوه شيعته وأهل العلم منهم والفقه والنظر، وهم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه، إلى أن رجع إليهم عامة أصحاب جعفر عند وفاة عبد الله، فاجتمعوا جميعاً على إمامة موسى، إلا نفراً منهم فإنهم ثبتوا على إمامة عبد الله، ثم إمامة موسى بعده وأجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم إلى أن مضى جعفر فيهم، مثل عبد الله بن بكير بن أعين، وعمار بن موسى الساباطي، وجماعة معهم، ثم إن جماعة من المؤتمّين بموسى بن جعفر اختلفوا في أمره وشكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس هارون الرشيد، فصاروا خمس فرق: